٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
72
Tafseer
الرازي
تفسير : لما أرشد الله المؤمنين إلى مكارم الأخلاق وأدب النبـي عليه السلام بأحسن الآداب، بين أن التكليف الذي وجهه الله إلى الإنسان أمر عظيم فقال: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ } أي التكليف وهو الأمر بخلاف ما في الطبيعة، واعلم أن هذا النوع من التكليف ليس في السموات ولا في الأرض لأن الأرض والجبل والسماء كلها على ما خلقت عليه؛ الجبل لا يطلب منه السير والأرض لا يطلب منها الصعود ولا من السماء الهبوط ولا في الملائكة لأن الملائكة وإن كانوا مأمورين منهيين عن أشياء لكن ذلك لهم كالأكل والشرب لنا فيسبحون الليل والنهار لا يفترون كما يشتغل الإنسان بأمر موافق لطبعه، وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في الأمانة وجوه كثيرة منها من قال هو التكليف وسمي أمانة لأن من قصر فيه فعليه الغرامة، ومن وفر فله الكرامة. ومنهم من قال هو قول لا إله إلا الله وهو بعيد فإن السموات والأرض والجبال بألسنتها ناطقة بأن الله واحد لا إله إلا هو، ومنهم من قال الأعضاء فالعين أمانة ينبغي أن يحفظها والأذن كذلك واليد كذلك، والرجل والفرج واللسان، ومنهم من قال معرفة الله بما فيها، والله أعلم. المسألة الثانية: في العرض وجوه منهم من قال المراد العرض ومنهم من قال الحشر ومنهم من قال المقابلة أي قابلنا الأمانة على السموات فرجحت الأمانة على أهل السموات والأرض. المسألة الثالثة: في السموات والأرض وجهان أحدهما: أن المراد هي بأعيانها، والثاني: المراد أهلوها، ففيه إضمار تقديره: إنا عرضنا الأمانة على أهل السموات والأرض. المسألة الرابعة: قوله: {فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا } لم يكن إباؤهن كإباء إبليس في قوله تعالى: { أية : أَبَىٰ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّـٰجِدِينَ } تفسير : [الحجر: 31] من وجهين أحدهما: أن هناك السجود كان فرضاً، وههنا الأمانة كانت عرضاً وثانيهما: أن الإباء كان هناك استكباراً وههنا استصغاراً استصغرن أنفسهن، بدليل قوله: {وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا }. المسألة الخامسة: ما سبب الإشفاق؟ نقول الأمانة لا تقبل لوجوه أحدها: أن يكون عزيزاً صعب الحفظ كالأواني من الجواهر التي تكون عزيزة سريعة الانكسار، فإن العاقل يمتنع عن قبولها ولو كانت من الذهب والفضة لقبلها ولو كانت من الزجاج لقبلها، في الأول لأمانه من هلاكها، وفي الثاني لكونها غير عزيزة الوجود والتكليف كذلك والثاني: أن يكون الوقت زمان شهب وغارة فلا يقبل العاقل في ذلك الوقت الودائع، والأمر كان كذلك لأن الشيطان وجنوده كانوا في قصد المكلفين إذ الغرض كان بعد خروج آدم من الجنة الثالث: مراعاة الأمانة والإتيان بما يجب كإيداع الحيوانات التي تحتاج إلى العلف والسقي وموضع مخصوص يكون برسمها، فإن العاقل يمتنع من قبولها بخلاف متاع يوضع في صندوق أو في زاوية بيت والتكليف كذلك فإنه يحتاج إلى تربية وتنمية. المسألة السادسة: كيف حملها الإنسان ولم تحملها هذه الأشياء؟ فيه جوابان أحدهما: بسبب جهله بما فيها وعلمهن، ولهذا قال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }. والثاني: أن الأشياء نظرت إلى أنفسهن فرأين ضعفهن فامتنعن، والإنسان نظر إلى جانب المكلف، وقال المودع عالم قادر لا يعرض الأمانة إلا على أهلها وإذا أودع لا يتركها بل يحفظها بعينه وعونه فقبلها، وقال: {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } تفسير : [الفاتحة: 5]. المسألة السابعة: قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } فيه وجوه أحدها: أن المراد منه آدم ظلم نفسه بالمخالفة ولم يعلم ما يعاقب عليه من الإخراج من الجنة ثانيها: المراد الإنسان يظلم بالعصيان ويجهل ما عليه من العقاب ثالثها: إنه كان ظلوماً جهولا، أي كان من شأنه الظلم والجهل يقال فرس شموس ودابة جموح وماء طهور أي من شأنه ذلك، فكذلك الإنسان من شأنه الظلم والجهل فلما أودع الأمانة بقي بعضهم على ما كان عليه وبعضهم ترك الظلم كما قال تعالى: { أية : ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَـٰنَهُمْ بِظُلْمٍ } تفسير : [الأنعام: 82] وترك الجهل كما قال تعالى في حق آدم عليه السلام: {أية : وَعَلَّمَ ءادَمَ ٱلأَسْمَاء كُلَّهَا } تفسير : [البقرة: 31] وقال في حق المؤمنين عامة: {أية : وَالراسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } تفسير : [آل عمران: 7] وقال تعالى: { أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاء } تفسير : [فاطر: 28] رابعها: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } في ظن الملائكة حيث قالوا: {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا } تفسير : [البقرة: 30] وبين علمه عندهم حيث قال تعالى: { أية : أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَـؤُلاء } تفسير : [البقرة: 31] وقال بعضهم في تفسير الآية إن المخلوق على قسمين مدرك وغير مدرك، والمدرك منه من يدرك الكلي والجزئي مثل الآدمي، ومنه من يدرك الجزئي كالبهائم ثم تدرك الشعير الذي تأكله ولا تتفكر في عواقب الأمور ولا تنظر في الدلائل والبراهين، ومنه من يدرك الكلي ولا يدرك الجزئي كالملك يدرك الكليات ولا يدرك لذة الجماع والأكل، قالوا وإلى هذا أشار الله تعالى بقوله: {أية : ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَـٰئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَـؤُلاء } تفسير : [البقرة: 31] فاعترفوا بعدم علمهم بتلك الجزئيات والتكليف لم يكن إلا على مدرك الأمرين إذ له لذات بأمور جزئية، فمنع منها لتحصيل لذات حقيقية هي مثل لذة الملائكة بعبادة الله ومعرفته، وأما غيره فإن كان مكلفاً يكون مكلفاً لا بمعنى الأمر بما فيه عليهم كلفة ومشقة بل بمعنى الخطاب فإن المخاطب يسمى مكلفاً لما أن المكلف مخاطب فسمي المخاطب مكلفاً وفي الآية لطائف الأولى: الأمانة كان عرضها على آدم فقبلها فكان أميناً عليها والقول قول الأمين فهو فائز، بقي أولاده أخذوا الأمانة منه والآخذ من الأمين ليس بمؤتمن، ولهذا وارث المودع لا يكون القول قوله ولم يكن له بد من تجديد عهد وائتمان، فالمؤمن اتخذ عند الله عهداً فصار أميناً من الله فصار القول قوله فكان له ما كان لآدم من الفوز. ولهذا قال تعالى: {أية : وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } تفسير : [الأحزاب: 73] أي كما تاب على آدم في قوله تعالى: { أية : فَتَابَ عَلَيْهِ } تفسير : [البقرة: 37] والكافر صار آخذاً للأمانة من المؤتمن فبقي في ضمانه، ثم إن المؤمن إذا أصاب الأمانة في يده شيء بقضاء الله وقدره كان ذلك من غير تقصير منه والأمين لا يضمن ما فات بغير تقصير، والكافر إذا أصاب الأمانة في يده شيء ضمن وإن كان بقضاء الله وقدره، لأنه يضمن ما فات وإن لم يكن بتقصير اللطيفة الثانية: خص الأشياء الثلاثة بالذكر لأنها أشد الأمور وأحملها للأثقال، وأما السموات فلقوله تعالى: {أية : وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً } تفسير : [النبأ: 12] والأرض والجبال لا تخفى شدتها وصلابتها، ثم إن هذه الأشياء لما كانت لها شدة وصلابة عرض الله تعالى الأمانة عليها واكتفى بشدتهن وقوتهن فامتنعن، لأنهن وإن كن أقوياء إلا أن أمانة الله تعالى فوق قوتهن، وحملها الإنسان مع ضعفه الذي قال الله تعالى فيه: {أية : وَخُلِقَ ٱلإِنسَـٰنُ ضَعِيفاً } تفسير : [النساء: 28] ولكن وعده بالإعانة على حفظ الأمانة بقوله: {أية : وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } تفسير : [الطلاق: 3] فإن قيل فالذي يعينه الله تعالى كيف يعذب فلم يعذب الكافر؟ نقول قال الله تعالى: « حديث : أنا أعين من يستعين بـي ويتوكل علي » تفسير : والكافر لم يرجع إلى الله تعالى فتركه مع نفسه فيبقى في عهدة الأمانة اللطيفة الثالثة: قوله تعالى: {فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا } وقوله تعالى: {وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ } إشارة إلى أن فيه مشقة بخلاف ما لو قال فأبين أن يقبلنها وقبلها الإنسان، ومن قال لغيره افعل هذا الفعل فإن لم يكن في الفعل تعب يقابل بأجرة فإذا فعله لا يستحق أجرة فقال تعالى: {وَحَمَلَهَا } إشارة إلى أنه مما يستحق الأجر عليه أي على مجرد حمل الأمانة، وإما على رعايتها حق الرعاية فيستحق الزيادة فإن قيل فالكل حملوها، غاية ما في الباب أن الكافر لم يأت بشيء زائد على الحمل فينبغي أن يستحق الأجر على الحمل فنقول الفعل إذا كان على وفق الإذن من المالك الآمر يستحق الفاعل الأجرة، ألا ترى أنه لو قال احمل هذا إلى الضيعة التي على الشمال فحمل ونقلها إلى الضيعة التي على الجنوب لا يستحق الأجرة ويلزمه ردها إلى الموضع الذي كان فيه كذلك الكافر حملها على غير وجه الإذن فغرم وزالت حسناته التي عملها بسببه.
القرطبي
تفسير : لما بيّن تعالى في هذه السورة من الأحكام ما بيّن، أمر بالتزام أوامره. والأمانة تعم جميع وظائف الدين على الصحيح من الأقوال، وهو قول الجمهور. روى الترمذي الحكيم أبو عبد الله: حدّثنا إسماعيل بن نصر عن صالح بن عبد الله عن محمد بن يزيد بن جوهر عن الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : قال الله تعالى لآدم يا آدم إني عرضت الأمانة على السموات والأرض فلم تطقها فهل أنت حاملها بما فيها فقال وما فيها يا رب قال إن حملتها أُجِرت وإن ضيّعتها عُذّبت فاحتملها بما فيها فلم يلبث في الجنة إلا قدر ما بين صلاة الأولى إلى العصر حتى أخرجه الشيطان منها»تفسير : . فالأمانة هي الفرائض التي ائتمن الله عليها العباد. وقد اختلف في تفاصيل بعضها على أقوال؛ فقال ابن مسعود: هي في أمانات الأموال كالودائع وغيرها. وروي عنه أنها في كل الفرائض، وأشدّها أمانة المال. وقال أُبَيّ بن كَعْب: من الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها. وقال أبو الدرداء: غسل الجنابة أمانة، وأن الله تعالى لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها. وفي حديث مرفوع: «حديث : الأمانة الصلاة» تفسير : إن شئت قلت قد صلّيت وإن شئت قلت لم أصلّ. وكذلك الصيام وغسل الجنابة. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: أوّل ما خلق الله تعالى من الإنسان فرجه وقال هذه أمانة استودعتكها، فلا تلبسها إلا بحق. فإن حفظتها حفظتك، فالفرج أمانة، والأذن أمانة، والعين أمانة، واللسان أمانة، والبطن أمانة، واليد أمانة، والرجل أمانة، ولا إيمان لمن لا أمانة له. وقال السدّي هي ائتمان آدم ابنه قابيل على ولده وأهله، وخيانته إياه في قتل أخيه. وذلك أن الله تعالى قال له: «يا آدم، هل تعلم أن لي بيتاً في الأرض» قال: «اللهم لا» قال: «فإن لي بيتاً بمكة فٱئته، فقال للسماء: احفظي ولدي بالأمانة؟ فأبت، وقال للأرض: احفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال للجبال كذلك فأبت. فقال لقابيل: احفظ ولدي بالأمانة، فقال نعم، تذهب وترجع فتجد ولدك كما يسرك. فرجع فوجده قد قتل أخاه، فذلك قوله تبارك وتعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا} الآية. وروى معمر عن الحسن أن الأمانة عُرضت على السموات والأرض والجبال، قالت: وما فيها؟ قيل لها: إن أحسنتِ جوزيتِ وإن أسأتِ عوقبتِ. فقالت لا. قال مجاهد: فلما خلق الله تعالى آدم عرضها عليه، قال: وما هي؟ قال: إن أحسنت أجرتك وإن أسأتَ عذّبتك. قال: فقد تحملتها يا رب. قال مجاهد: فما كان بين أن تحملها إلى أن أُخرج من الجنة إلا قدر ما بين الظهر والعصر. وروى عليّ ابن طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ} قال: الأمانة الفرائض، عرضها الله عز وجل على السموات والأرض والجبال، إن أدَّوْها أثابهم، وإن ضيّعوها عذّبهم. فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيماً لدين الله عز وجل ألا يقوموا به. ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها. قال النحاس: وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير. وقيل: لما حضرت آدم صلى الله عليه وسلم الوفاة أمر أن يعرض الأمانة على الخلق، فعرضها فلم يقبلها إلا بنوه. وقيل: هذه الأمانة هي ما أودعه الله تعالى في السموات والأرض والجبال والخلق، من الدلائل على ربوبيته أن يظهروها فأظهروها، إلا الإنسان فإنه كتمها وجحدها؛ قاله بعض المتكلمين. ومعنى «عَرَضْنَا» أظهرنا، كما تقول: عرضت الجارية على البيع. والمعنى إنا عرضنا الأمانة وتضييعها على أهل السموات وأهل الأرض من الملائكة والإنس والجن {فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا} أي أن يحملن وزرها، كما قال جل وعز: {أية : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} تفسير : [العنكبوت: 13]. {وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ} قال الحسن: المراد الكافر والمنافق. {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً} لنفسه {جَهُولاً } بربّه. فيكون على هذا الجوابُ مجازاً، مثل: {أية : وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ}تفسير : [يوسف: 82]. وفيه جواب آخر على أن يكون حقيقة أنه عرض على السموات والأرض والجبال الأمانة وتضييعها وهي الثواب والعقاب، أي أظهر لهن ذلك فلم يحملن وزرها، وأشفقت وقالت: لا أبتغي ثواباً ولا عقاباً، وكلٌّ يقول: هذا أمر لا نطيقه، ونحن لك سامعون ومطيعون فيما أمِرن به وسُخِّرن له، قاله الحسن وغيره. قال العلماء: معلوم أن الجماد لا يفهم ولا يجيب، فلا بد من تقدير الحياة على القول الأخير. وهذا العرض عرض تخيير لا إلزام. والعرض على الإنسان إلزام. وقال القفّال وغيره: العرض في هذه الآية ضرب مَثَل، أي أن السموات والأرض على كبر أجرامها، لو كانت بحيث يجوز تكليفها لثقل عليها تقلد الشرائع، لما فيها من الثواب والعقاب، أي أن التكليف أمر حقه أن تعجز عنه السموات والأرض والجبال، وقد كُلِّفه الإنسان وهو ظلوم جهول لو عَقَل. وهذا كقوله: {أية : لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ} تفسير : [الحشر: 21] ـ ثم قال: ـ {وَتِلْكَ ٱلأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ}. قال القفال: فإذا تقرّر في أنه تعالى يضرب الأمثال، وورد علينا من الخبر ما لا يخرج إلا على ضرب المثل، وجب حمله عليه. وقال قوم: إن الآية من المجاز، أي إنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السموات والأرض والجبال، رأينا أنها لا تطيقها، وأنها لو تكلمت لأبت وأشفقت، فعبرّ عن هذا المعنى بقوله: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ} الآية. وهذا كما تقول: عرضت الحِمل على البعير فأباه، وأنت تريد قايست قوته بثقل الحمل، فرأيت أنها تقصر عنه. وقيل: «عَرَضْنَا» بمعنى عارضنا الأمانة بالسموات والأرض والجبال فضعفت هذه الأشياء عن الأمانة، ورجحت الأمانة بثقلها عليها. وقيل: إن عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال إنما كان من آدم عليه السلام. وذلك أن الله تعالى لما استخلفه على ذرّيته، وسلّطه على جميع ما في الأرض من الأنعام والطير والوحش، وعهِد إليه عهداً أمره فيه ونهاه وحرّم وأحلّ، فقبله ولم يزل عاملاً به. فلما أن حضرته الوفاة سأل الله أن يعلِمه مَن يستخلف بعده، ويقلده من الأمانة ما تقلده، فأمره أن يعرض ذلك على السموات بالشرط الذي أخذ عليه من الثواب إن أطاع ومن العقاب إن عصى، فأبَيْن أن يقبلنه شَفقاً من عذاب الله. ثم أمره أن يعرض ذلك على الأرض والجبال كلها فأبياه. ثم أمره أن يعرض ذلك على ولده فعرضه عليه فقبله بالشرط، ولم يَهَب منه ما تهيبت السموات والأرض والجبال. «إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً» لنفسه «جَهُولاً» بعاقبة ما تقلّد لربه. قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله محمد بن علي: عجبت من هذا القائل من أين أتى بهذه القصة! فإن نظرنا إلى الآثار وجدناها بخلاف ما قال، وإن نظرنا إلى ظاهرها وجدناه بخلاف ما قال، وإن نظرنا إلى باطنه وجدناه بعيداً مما قال! وذلك أنه ردّد ذكر الأمانة ولم يذكر ما الأمانة، إلا أنه يومِىء في مقالته إلى أنه سلّطه على جميع ما في الأرض، وعهِد الله إليه عهداً فيه أمره ونهيه وحِلّه وحرامه، وزعم أنه أمره أن يعرض ذلك على السموات والأرض والجبال؛ فما تصنع السموات والأرض والجبال بالحلال والحرام؟ وما التسليط على الأنعام والطير والوحش! وكيف إذا عرضه على ولده فقبله في أعناق ذرّيته من بعده. وفي مبتدأ الخبر في التنزيل أنه عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال حتى ظهر الإباء منهم، ثم ذكر أن الإنسان حملها، أي من قِبَل نفسه لاَ أنه حمِّل ذلك، فسماه «ظَلُوماً» أي لنفسه، «جَهُولاً» بما فيها. وأما الآثار التي هي بخلاف ما ذكر، فحدّثني أبي رحمه الله قال حدثنا الفيض بن الفضل الكوفي حدثنا السّرِيّ بن إسماعيل عن عامر الشّعبيّ عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: لما خلق الله الأمانة مثّلها صخرة، ثم وضعها حيث شاء، ثم دعا لها السموات والأرض والجبال ليحمِلْنها، وقال لهن: إنّ هذه «الأمانة»، ولها ثواب وعليها عقاب؛ قالوا: يا ربّ، لا طاقة لنا بها؛ وأقبل الإنسان من قَبْل أن يدعى فقال للسموات والأرض والجبال: ما وقوفكم؟ قالوا: دعانا ربنا أن نحمل هذه فأشفقن منها ولم نطقها؛ قال: فحركها بيده وقال: والله لو شئت أن أحملها لحملتها؛ فحملها حتى بلغ بها إلى ركبتيه، ثم وضعها وقال: والله لو شئت أن أزداد لازْدَدْتُ؛ قالوا: دونك! فحملها حتى بلغ بها حِقْوَيه، ثم وضعها وقال: والله لو شئت أن أزداد لازْدَدْتُ؛ قالوا: دونك، فحملها حتى وضعها على عاتقه، فلما أهوى ليضعها، قالوا: مكانك! إن هذه «الأمانة» ولها ثواب وعليها عقاب، وأمرنا ربنا أن نحملها فأشفقن منها، وحملتها أنت من غير أن تدعى لها، فهي في عنقك وفي أعناق ذرّيتك إلى يوم القيامة، إنك كنت ظلوماً جهولاً. وذكر أخباراً عن الصحابة والتابعين تقدم أكثرها. {وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ} أي التزم القيام بحقها، وهو في ذلك ظلوم لنفسه. وقال قتادة: للأمانة، جهول بقدر ما دخل فيه. وهذا تأويل ابن عباس وابن جُبير. وقال الحسن: جهول بربه. قال: ومعنى «حملها» خان فيها. وقال الزجاج: والآية في الكافر والمنافق والعصاة على قدرهم على هذا التأويل. وقال ابن عباس وأصحابه والضحاك وغيره: «الإنسان» آدم، تحمَّل الأمانة فما تمّ له يوم حتى عصى المعصية التي أخرجته من الجنة. وعن ابن عباس أن الله تعالى قال له: أتحمل هذه الأمانة بما فيها. قال وما فيها؟ قال: إن أحسنتَ جُزِيت وإن أسأت عوقبت. قال: أنا أحملها بما فيها بين أذني وعاتقي. فقال الله تعالى له: إني سأعينك، قد جعلت لبصرك حجاباً فأغلقه عما لا يحلّ لك، ولفرجك لباساً فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك. وقال قوم: «الإنسان» النوع كله. وهذا حسن مع عموم الأمانة كما ذكرناه أوّلاً. وقال السدّي: الإنسان قابيل. فالله أعلم. {لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ} اللام في «لِيُعَذِّبَ» متعلقة بـ«ـحمل» أي حملها ليعذب العاصي ويثيب المطيع؛ فهي لام التعليل؛ لأن العذاب نتيجة حمل الأمانة. وقيل بـ«ـعرضنا»؛ أي عرضنا الأمانة على الجميع ثم قلدناها الإنسان ليظهر شركُ المشرك ونفاق المنافق ليعذبهم الله، وإيمانُ المؤمن ليثيبه الله. {وَيَتُوبَ ٱللَّهُ} قراءة الحسن بالرفع، يقطعه من الأوّل؛ أي يتوب الله عليهم بكل حال. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} خبر بعد خبر لـ«ـكان». ويجوز أن يكون نعتاً لغفور، ويجوز أن يكون حالاً من المضمر. والله أعلم بالصواب.
ابن كثير
تفسير : قال العوفي عن ابن عباس: يعني بالأمانة: الطاعة، وعرضها عليهم قبل أن يعرضها على آدم، فلم يطقنها، فقال لآدم: إني قد عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم يطقنها، فهل أنت آخذ بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، فأخذها آدم، فتحملها، فذلك قوله تعالى: {وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: الأمانة: الفرائض، عرضها الله على السموات والأرض والجبال، إن أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم، فكرهوا ذلك، وأشفقوا عليه من غير معصية، ولكن تعظيماً لدين الله أن لا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها، وهو قوله تعالى: {وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} يعني: غراً بأمر الله. وقال ابن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} قال: عرضت على آدم، فقال: خذها بما فيها، فإن أطعت غفرت لك، وإن عصيت عذبتك، قال: قبلت، فما كان إلا مقدار ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الخطيئة، وقد روى الضحاك عن ابن عباس قريباً من هذا، وفيه نظر وانقطاع بين الضحاك وبينه، والله أعلم. وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك والحسن البصري وغير واحد: إن الأمانة هي الفرائض، وقال آخرون: هي الطاعة، وقال الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق قال: قال أبي بن كعب: من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها. وقال قتادة: الأمانة: الدين والفرائض والحدود، وقال بعضهم: الغسل من الجنابة، وقال مالك عن زيد بن أسلم قال: الأمانة ثلاثة: الصلاة والصوم والاغتسال من الجنابة. وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها، وهو أنه إن قام بذلك أثيب، وإن تركها عوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه، إلا من وفق الله. وبالله المستعان. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة البصري، حدثنا حماد بن واقد، يعني: أبا عمر الصفار، سمعت أبا معمر، يعني: عون بن معمر يحدث عن الحسن، يعني: البصري: أنه تلا هذه الآية: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ} قال: عرضها على السبع الطباق الطرائق التي زينت بالنجوم، وحملة العرش العظيم، فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، قالت: لا، ثم عرضها على الأرضين السبع الشداد، التي شدت بالأوتاد، وذللت بالمهاد، قال: فقيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال: قيل لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت، قالت: لا، ثم عرضها على الجبال الشم الشوامخ الصعاب الصلاب، قال: قيل لها: هل تحملين الأمانة وما فيها؟ قالت: وما فيها؟ قال لها: إن أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت قالت: لا. وقال مقاتل بن حيان: إن الله تعالى حين خلق خلقه، جمع بين الإنس والجن والسموات والأرض والجبال، فبدأ بالسموات، فعرض عليهن الأمانة، وهي الطاعة، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة، ولكن على الفضل والكرامة والثواب في الجنة؟ فقلن: يا رب إنا لانستطيع هذا الأمر، وليس بنا قوة، ولكنا لك مطيعون، ثم عرض الأمانة على الأرضين، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة وتقبلنها مني، وأعطيكن الفضل والكرامة في الدنيا؟ فقلن: لا صبر لنا على هذا يا رب ولا نطيق، ولكنا لك سامعون مطيعون، لا نعصيك في شيء أمرتنا به. ثم قرب آدم فقال له: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال عند ذلك آدم: مالي عندك؟ قال: يا آدم إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة، فلك عندي الكرامة والفضل، وحسن الثواب في الجنة، وإن عصيت، ولم ترعها حق رعاتها، وأسأت، فإني معذبك ومعاقبك وأنزلك النار، قال: رضيت يا رب وأتحملها، فقال الله عز وجل عند ذلك: قد حملتكها، فذلك قوله تعالى: {وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ} رواه ابن أبي حاتم. وعن مجاهد أنه قال: عرضها على السموات فقالت: يا رب حملتني الكواكب وسكان السماء وما ذكر، وما أريد ثواباً ولا أحمل فريضة. قال: وعرضها على الأرض فقالت: يا رب غرست في الأشجار، وأجريت في الأنهار وسكان الأرض وما ذكر، وما أريد ثواباً، ولا أحمل فريضة، وقالت الجبال مثل ذلك، قال الله تعالى: {وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} في عاقبة أمره، وهكذا قال ابن جريج. وعن ابن أشوع أنه قال: لما عرض الله عليهن حمل الأمانة، ضججن إلى الله ثلاثة أيام ولياليهن، وقلن: ربنا لا طاقة لنا بالعمل، ولا نريد الثواب. ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء الموصلي، حدثنا أبي، حدثنا هشام بن سعد عن زيد بن أسلم في هذه الآية: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} الآية، قال الإنسان: بين أذني وعاتقي، فقال الله عز وجل: إني معينك عليها، إني معينك على عينيك بطبقتين، فإذا نازعاك إلى ما أكره، فأطبق، ومعينك على لسانك بطبقتين، فإذا نازعك إلى ما أكره، فأطبق، ومعينك على فرجك بلباس، فلا تكشفه إلى ما أكره. ثم روي عن أبي حازم نحو هذا. وقال ابن جرير: حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قول الله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ} الآية، قال: إن الله تعالى عرض عليهن الأمانة؛ أن يفترض عليهن الدين، ويجعل لهن ثواباً وعقاباً، ويستأمنهن على الدين، فقلن: لا، نحن مسخرات لأمرك، لا نريد ثواباً ولا عقاباً، قال: وعرض الله تبارك وتعالى على آدم، فقال: بين أذني وعاتقي، قال ابن زيد: قال الله تعالى له: أما إذا تحملت هذا، فسأعينك، أجعل لبصرك حجاباً، فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك، فأرخ عليه حجابه، وأجعل للسانك باباً وغلقاً، فإذا خشيت، فأغلق، وأجعل لفرجك لباساً، فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك. وقال ابن جرير: حدثني سعيد بن عمرو السكوني، حدثنا بقية، حدثنا عيسى بن إبراهيم عن موسى بن أبي حبيب عن الحكم بن عمير رضي الله عنه، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء، فأرسلوا به، فمنهم رسول الله، ومنهم نبي، ومنهم نبي رسول، ونزل القرآن، وهو كلام الله، وأنزلت العجمية والعربية، فعلموا أمر القرآن، وعلموا أمر السنن بألسنتهم، ولم يدع الله تعالى شيئاً من أمره مما يأتون وما يجتنبون، وهي الحجج عليهم، إلا بينه لهم، فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن والقبيح، ثم الأمانة أول شيء يرفع، ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم، وتبقى الكتب، فعالم يعمل، وجاهل يعرفها وينكرها ولا يحملها، حتى وصل إليَّ وإلى أمتي، ولا يهلك على الله إلا هالك، ولا يغفله إلا تارك، فالحذر أيها الناس وإياكم والوسواس الخناس، فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملاً» تفسير : هذا حديث غريب جداً، وله شواهد من وجوه أخرى. ثم قال ابن جرير: حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، حدثنا أبو العوام القطان، حدثنا قتادة وأبان بن أبي عياش عن خليد العصري، عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها ــــ وكان يقول ــــ وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن وأدى الأمانة»تفسير : . قالوا: يا أبا الدرداء وما أداء الأمانة؟ قال رضي الله عنه: الغسل من الجنابة، فإن الله تعالى لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره، وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحمن العنبري، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن أبي العوام عمران بن داود القطان به. وقال ابن جرير أيضاً: حدثنا تميم بن المنتصر، أخبرنا إسحاق عن شريك عن الأعمش، عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها ــــ أو قال ــــ يكفر كل شيء إلا الأمانة، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أد أمانتك، فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أد أمانتك، فيقول: أنى يارب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال له: أد أمانتك، فيقول: أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول: اذهبوا به إلى أمه الهاوية، فيذهب به إلى الهاوية، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها فيجدها هنالك كهيئتها، فيحملها، فيضعها على عاتقه، فيصعد بها إلى شفير جهنم، حتى إذا رأى أنه قد خرج، زلت قدمه فهوى في أثرها أبد الآبدين» تفسير : قال: والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الوضوء، والأمانة في الحديث، وأشد ذلك الودائع، فلقيت البراء فقلت: ألا تسمع ما يقول أخوك عبد الله؟ فقال: صدق. وقال شريك: وحدثنا عياش العامري عن زاذان عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، ولم يذكر الأمانة في الصلاة، وفي كل شيء، إسناده جيد، ولم يخرجوه. ومما يتعلق بالأمانة الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين، قد رأيت أحدهما، وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، ثم نزل القرآن، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة فقال: ينام الرجل النومة، فتقبض الأمانة من قلبه، فيظل أثرها مثل أثر المجل؛ كجمر دحرجته على رجلك، تراه منتبراً، وليس فيه شيء ــــ قال: ثم أخذ حصى فدحرجه على رجله قال ــــ فيصبح الناس يتبايعون، لا يكاد أحد يؤدي الأمانة، حتى يقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، حتى يقال للرجل: ما أجلده وأظرفه وأعقله وما في قلبه حبة خردل من إيمان، ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت، إن كان مسلماً ليردنه علي دينه، وإن كان نصرانياً أو يهودياً ليردنه عليّ ساعيه، فأما اليوم، فما كنت أبايع منكم إلا فلاناً وفلاناً. وأخرجاه في "الصحيحين" من حديث الأعمش به. وقال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد الحضرمي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : أربع إذا كن فيك، فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة» تفسير : هكذا رواه الإمام أحمد في «مسنده» عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وقد قال الطبراني في مسنده: عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، حدثنا يحيى بن أيوب العلاف المصري، حدثنا سعيد بن أبي مريم، حدثنا ابن لهيعة عن الحارث بن يزيد عن ابن حجيرة عن عبد الله ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة طعمة» تفسير : فزاد في الإسناد: ابن حجيرة، وجعله في مسند ابن عمر رضي الله عنهما. وقد ورد النهي عن الحلف بالأمانة، قال عبد الله بن المبارك في كتاب "الزهد": حدثنا شريك عن أبي إسحاق الشيباني عن خناس بن سحيم أو قال: جبلة بن سحيم، قال: أقبلت مع زياد بن حدير من الجابية، فقلت في كلامي: لا والأمانة فجعل زياد يبكي ويبكي، فظننت أني أتيت أمراً عظيماً، فقلت له: أكان يكره هذا؟ قال: نعم، كان عمر ابن الخطاب ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع. قال أبو داود: حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا الوليد بن ثعلبة الطائي عن ابن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من حلف بالأمانة، فليس منا» تفسير : تفرد به أبو داود رحمه الله. وقوله تعالى: {لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ} أي: إنما حمل بني آدم الأمانة، وهي التكاليف، ليعذب الله المنافقين منهم والمنافقات، وهم الذين يظهرون الإيمان خوفاً من أهله، ويبطنون الكفر متابعة لأهله {وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ} وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على الشرك بالله ومخالفة رسله {وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} أي: وليرحم المؤمنين من الخلق الذين آمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله، العاملين بطاعته {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً}. آخر تفسير سورة الأحزاب. ولله الحمد والمنّة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ } الصلوات وغيرها مما في فعلها من الثواب وتركها من العقاب {عَلَىٰ ٱلسَّمَٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ *وَٱلْجِبَالِ } بأن خلق فيها فهماً ونطقاً {فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ } خفن {مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَٰنُ } آدم بعد عرضها عليه {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً } لنفسه بما حمله {جَهُولاً } به.
الماوردي
تفسير : قوله: {إنَّا عرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَواتِ وَالأَرْضِ وَالِجبَالِ} فيها خمسة أقاويل: أحدها: أن هذه الأمانة هي ما أمر الله سبحانه من طاعته ونهى عن معصيته، قاله أبو العالية. الثاني: أنها القوانين والأحكام التي أوجبها الله على العباد وهو قريب من الأول، قاله ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وابن جبير. الثالث: هي ائتمان الرجال والنساء على الفروج، قاله أبي. وقيل إن أول ما خلق الله من آدم الفرج فقال: "حديث : يَا آدَمُ هَذِهِ أَمَانَةٌ خَبَّأْتُهَا عِندَكَ فلاَ تَلبِسْها إِلاَّ بِحَقٍ فإن حَفِظْتَهَا حَفِظْتُكَ ". تفسير : الرابع: أنها الأمانات التي يأتمن الناس بعضهم بعضاً عليها وأولها ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله، وولده حين أراد التوجه إلى أمر ربه فخان قابيل الأمانة في قتل أخيه هابيل، قاله السدي. الخامس: أن هذه الأمانة هي ما أودعه الله في السموات والأرض والجبال والخلق من الدلائل على ربوبيته أن يظهرونها فأظهروها إلا الإنسان فإنه كتمها وجحدها قاله بعض المتكلمين. وفي عرض هذه الأمانة ثلاثة أقاويل: أحدها: أن عرضها هو الأمر بما يجب من حفظها وعظم المأثم في تضييعها. قاله بعض المتكلمين. الثاني: الأمانة عورضت بالسموات والأرض والجبال فكانت أثقل منها لتغليظ حكمها فلم تستقل بها وضعفت عن حملها، قاله ابن بحر. الثالث: أن الله عرض حملها ليكون الدخول فيها بعد العلم بها. واختلف قائلو هذا على وجهين: أحدهما: أنها عرضت على السموات والأرض والجبال، قاله ابن عباس، ومجاهد. الثاني: أنها عرضت على أهل السموات وأهل الأرض وأهل الجبال من الملائكة قاله الحسن. {فَأَبَينَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأشْفَقْنَ مِنْهَا} يحتمل وجهين: أحدهما: أَبَينَ أن يحملنها عجزاً وأشفقن منها خوفاً. الثاني: أبين أن يحملنها حذراً وأَشْفَقْنَ منها تقصيراً. {وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ} فيه قولان: أحدهما: جميع الناس، قاله ثعلب. الثاني: أنه آدم ثم انتقلت منه إلى ولده، قاله الحسن. روي عن معمر عن الحسن أن الأمانة لما عرضت على السموات والأرض والجبال قالت: وما فيها؟ قيل لها: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت فقالت: لا. قال مجاهد: فلما خلق الله آدم عرضها عليه قال: وما هي؟ قال: {إن أَحْسَنْتَ آجَرْتُكَ وَإنْ أَسَأْتَ عَذَّبْتُكَ} قال تحملتها يا رب. قال مجاهد: فما كان بين أن تحملها إلى أن خرج من الجنة إلا قدر ما بين الظهر والعصر. {إنَّهُ كَنَ ظَلُوماً جَهُولاً} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ظلوماً لنفسه، جهولاً بربه، قاله الحسن. الثاني: ظلوماً في خطيئته، جهولاً فيما حَمَّلَ ولده من بعده، قاله الضحاك. الثالث: ظلوماً لحقها، قاله قتادة. جهولاً بعاقبة أمره، قاله ابن جريج. قوله: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} فيه قولان: أحدهما: أنه يعذبهم بالشرك والنفاق وهو معنى قول مقاتل. الثاني: بخيانتهما الأمانة. قال الحسن: هما اللذان ظلماها، واللذان خاناها: المنافق، والمشرك. {وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} أي يتجاوز عنه بأداء الأمانة والوفاء بالميثاق. {وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} لمن تاب من شِرْكه {رَحِيماً} بالهداية إلى طاعته، والله أعلم.
ابن عطية
تفسير : اختلف الناس في {الأمانة} فقال ابن مسعود هي أمانات المال كالودائع ونحوها، وروي عنه أنه في كل الفرائض وأشدها أمانة المال، وذهبت فرقة، هي الجمهور، إلى أنه كل شيء يؤتمن الإنسان عليه من أمر ونهي وشأن دين ودنيا، فالشرع كله أمانة، قال أبيّ بن كعب من الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها، وقال أبو الدرداء غسل الجنابة أمانة، ومعنى الآية {إنا عرضنا} على هذه المخلوقات العظام أن تحمل الأوامر والنواهي وتقتضي الثواب إن أحسنت والعقاب إن أساءت فأبت هذه المخلوقات وأشفقت، ويحتمل أن يكون هذا بإدراك يخلقه الله لها، ويحتمل أن يكون هذا العرض على من فيها من الملائكة، ويروى أنها قالت "رب ذرني مسخرة لما شئت أتيت طائعة فيه ولا تكلني إلى نظري وعملي ولا أريد ثواباً"، وحمل الإنسان الأمانة أي التزم القيام بحقها، وهو في ذلك ظلوم لنفسه جهول بقدر ما دخل فيه، وهذا هو تأويل ابن عباس وابن جبير، وقال الحسن {حملها} معناه خان فيها والآية في الكافر والمنافق. قال الفقيه الإمام القاضي: والعصاة على قدرهم، وقال ابن عباس والضحاك وغيره {الإنسان} آدم تحمل الأمانة فما تم له يوم حتى عصى المعصية التي أخرجته من الجنة، وروي أن الله تعالى قال له: "حديث : يا آدم إني عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها فتحملها أنت بما فيها. قال: وما فيها؟ قال: إن أحسنت أجرت وإن أسأت عوقبت"تفسير : ، قال نعم قد حملتها، قال ابن عباس فما بقي له قدر ما بين الأولى إلى العصر حتى عصى ربه، وقال ابن عباس وابن مسعود {الإنسان} ابن آدم قابيل الذي قتل أخاه وكان قد تحمل الأمانة لأبيه أن يحفظ الأهل بعده، وكان آدم سافر إلى مكة في حديث طويل ذكره الطبري وغيره، وقال بعضهم {الإنسان} النوع كله وهذا حسن مع عموم الأمانة، وقال الزجاج معنى الآية {إنا عرضنا الأمانة} في نواهينا وأوامرنا على هذه المخلوقات فقمن بأمرنا وأطعن فيما كلفناها وتأبين من حمل المذمة في معصيتنا، وحمل الإنسان المذمة فيما كلفناه من أوامرنا وشرعنا. قال الفقيه الإمام القاضي: و {الإنسان} على تأويله الكافر والعاصي، وتستقيم هذه الآية مع قوله تعالى: {أية : أتينا طائعين} تفسير : [فصلت: 11] فعلى التأويل الأول الذي حكيناه عن الجمهور يكون قوله تعالى: {أية : أتينا طائعين}تفسير : [فصلت: 11] إجابة لأمر أمرت به، وتكون هذه الآية إباية وإشفاقاً من أمر عرض عليها وخيرت فيه، وروي أن الله تعالى عرض الأمانة على هذه المخلوقات فأبت، فلما عرضها الله تعالى على آدم قال: أنا أحملها بين أذني وعاتقي، فقال الله تعالى له: إني سأعينك قد جعلت لبصرك حجاباً فأغلقه عما لا يحل لك ولفرجك لباساً فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك. قال الفقيه الإمام القاضي: وفي هذا المعنى أشياء تركتها اختصاراً لعدم صحتها، وقال قوم: إن الآية من المجاز، أي إنا إذا قايسنا ثقل الأمانة بقوة السماوات والأرض والجبال رأينا أنها لا تطيقها وأنها لو تكلمت لأبتها وأشفقت فعبر عن هذا المعنى بقوله {إنا عرضنا} الآية، وهذا كما تقول عرضت الحمل على البعير فأباه وأنت تريد بذلك قايست قوته بثقل الحمل فرأيت أنها تقصر عنه، وقوله {ليعذب الله} اللام لام العاقبة لأن الإنسان لم يحمل ليقع العذاب لكن حمل فصار الأمر وآل إلى أن يعذب من نافق ومن أشرك وأن يتوب على من آمن وقرأ الجمهور و"يتوب" بالنصب عطفاً على قوله {ليعذب} وقرأ الحسن بن أبي الحسن و "يتوبُ" بالرفع علىالقطع والاستئناف، وباقي الآية بين.
ابن عبد السلام
تفسير : {الأَمَانَةَ} ما أُمروا به ونهوا عنه، أو الفرائض والأحكام الواجبة على العباد "ع" أو ائتمان النساء والرجال على الفروج، أو الأمانة التي يأتمن الناس بعضهم بعضاً عليها، أو ما أودعه في هذه المخلوقات من الدلائل على الربوبية أن يظهروها فأظهروها إلا الإنسان فإنه كتمها وجحدها، وعرضها إظهار ما يجب من حفظها وعظم المأثم في تضييعها، أو عورضت بالسماوات والأرض والجبال فكانت أثقل منها لتغليظ حكمها فلم تستقل بها وضعفت عن حملها، أو عرض الله ـ تعالى ـ حلمها ليكون الدخول فيها بعد العلم بها فعرضها الله ـ تعالى ـ على السموات والأرض والجبال "ع"، أو على أهل السموات وأهل الأرض وأهل الجبال من الملائكة "ح" {وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} حذراً {وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ} تقصيراً، أو أبَيْنَ حملها عجزاً وأشفقن منها خوفاً {وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ} الجنس، أو آدم عليه الصلاة والسلام ثم انتقلت إلى ولده "ح" لما عرضت عليهن قلن وما فيها قيل إن أحسنت جُوزيتِ وإن أسأت عُوقبتِ قالت لا، فلما خلق آدم عليه الصلاة والسلام عرضها عليه فقال وما هي قال إن أحسنت أجرتك وأن أسأت عذبتك قال فقد حملتها يا رب، فما كان بين أن حملها إلى أن خرج من الجنة إلا كما بين الظهر والعصر {ظَلُوماً} لنفسه {جَهُولاً} بربه "ح"، أو ظلوماً في خطيئته جهولاً بما حَمَّل ولده من بعده، أو ظلوماً بحقها جهولاً بعاقبة أمره.
الثعالبي
تفسير : وقوله سبحانه: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ...} الآية، ذهب الجمهور: إلى أن الأمانةَ كلُّ شيء يُؤتمن الإنسانُ عليه من أمر؛ ونهي وشأن دين ودنيا؛ فالشرعُ كلّه أمانة؛ ومعنى الآية: إنا عرضْنَا على هذه المخلوقاتِ العظامِ أنْ تحملَ الأوامرَ والنَّواهي ولهَا الثوابُ إن أحْسَنَتْ، والعقابُ إن أساءت فأبتْ هذه المخلوقاتُ وأشفقت، فيحتمل أن يكونَ هذا بِإدراكٍ يَخْلُقُه اللّهُ لَهَا ويُحْتَمَلُ أنْ يكونَ هذا العَرْضُ على مَنْ فِيها من الملائِكةِ، وحَمَلَ الإنسانُ الأمانةَ، أي: التزَمَ القِيامَ بِحَقِّهَا، وهو في ذلك ظَلُومٌ لِنَفْسِهِ جَهُولٌ بقدر مَا دخَل فيه؛ وهذا هو تأويل ابنِ عباس وابن جبير. قال ابن عباس وأصحابُه: و {ٱلإِنسَـٰنُ} آدم تَحمَّلَ الأَمانةَ؛ فَما تَمَّ لَهُ يَوْمٌ حَتَّى وَقَعَ فِي أمرِ الشَّجرةِ. وقال بعضُهم: {ٱلإِنسَـٰنُ}: النَّوعُ كلّه؛ فعلى تأويلِ الجمهور يكونُ قولُهما في الآية الأخرى {أَتَيْنَا طائعين} إجابةً لأَمْرٍ أُمِرْت بِهِ وتَكُونُ هذه الآيةُ إبايَةً وإشفاقاً مِنْ أَمْرٍ عُرِضَ عَلَيْهَا وخُيِّرَتْ فِيه. وقوله تعالى: {لِّيُعَذِّبَ}: اللامُ لامُ العَاقِبَة، وكذا قَال أبو حيان: اللام في {لِّيُعَذِّب}: للصَّيْرُورَةِ؛ لأَنَّه لَمْ يَحْمِلْ الأَمَانَةَ ليُعَذَّبَ، ولكنْ آلَ أمره إلى ذلك. * ص *: أبو البقاء: اللام تتَعلق بـ: {حَمَلَهَا} وقرأ الأعمش: «ويتوبُ» ـــ بالرفع على الاسْتِئْنَافِ، واللّهِ أعلم. انتهى. وباقي الآية بيِّن.
البقاعي
تفسير : ولما كان التقدير: ومن لم يطع فقد خسر خسراناً مبيناً، وكان كل شيء عرض على شيء فالمعروض عليه متمكن من المعروض قادر عليه، وكان كل شيء أودعه الله شيئاً فحفظه ورعاه وبذله لأهله وآتاه باذلاً للأمانة غير حامل لها. وكل من أودعه شيئاً فضيعه وضمن به عن أهله ومنعه عن مستحقه خائن فيه حامل له، وكان الله تعالى قد أودع الناس من العقول ما يميزون به بين الصحيح والفاسد، ومن القوى الظاهرة ما يصرفونه فيما أرادوا من المعصية والطاعة، فمنهم من استدل بعقله على كل من المحق والمبطل فبذل له من قواه ما يستحقه، فكان باذلاً للأمانة غير حامل لها، ومنهم من عكس ذلك وهم الأكثر فكان حاملاً لها خائناً فيها أمر به من بذلها، وأودع سبحانه الأكوان ما فيها من المنافع من المياه والمعادن والنباتات فبذلته ولم تمنعه من أحد طلبه مع أن منعها له في حيِّز الإمكان، قال تعالى معللاً للأمر بالتقوى، أو مستأنفاً مؤكداً تنبيهاً على أن هذا الأمر مما يحق أن يؤكد تنبيهاً على دقته، وأنه مما لا يكاد أن يفطن له كثير من الناس فضلاً عن أن يصدقوه لافتاً القول إلى مظهر العظمة دلالة على عظيم جرأة الإنسان: {إنا عرضنا الأمانة} أي أداءها أو حملها أو منعها أهلها، وهي طاعته سبحانه فيما أمر به العاقل، وفيما أراده من غيره، ولم يذكر المياه والرياح لأنهما من جملة ما في الكونين من الأمانات اللاتي يؤديانها على حسب الأمر {على السماوات} بما فيها من المنافع {والأرض} بما فيها من المرافق والمعادن. ولما أريد التصريح بالتعميم قال: {والجبال} ولأن أكثر المنافع فيها {فأبين} على عظم أجرامها وقوة أركانها وسعة أرجائها {أن يحملنها} فيمنعها ويحبسنها عن أهلها، قال الزمخشري: من قولك: فلان حامل للأمانة ومحتمل لها، أي لا يؤديها إلى صاحبها حتى تزول عن ذمته ويخرج عن عهدتها، لأن الأمانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها وهو حاملها، ألا تراهم يقولون: ركبته الديون ولي عليه حق، فإذا أداها لم تبق راكبة له ولا هو حاملاً لها {وأشفقن منها} فبدل كل منهن ما أودعه الله فيه في وقته كما أراده الله، وهو معنى: أتينا طائعين، والحاصل أنه جعلت الإرادة وهي الأمر التكويني في حق الأكوان لكونها لا تعقل كالأمر التكليفي التكويني في حقنا لأنا نعقل تمييزاً بين من يعقل ومن لا يعقل في الحكم، كما ميز بينهما في الفهم إعطاءً لكل منهما ما يستحقه رتبته - وهذا هو معنى ما نقله البغوي عن الزجاج وغيره من أهل المعاني، وما أحسن ما قاله النابغة زياد بن معاوية الذبياني حيث قال: شعر : أتيتـك عـاريـاً خلقــاً ثيابــي على خــوف تظـن بــي الظنــون فألفيــت الأمانــة لـم تخنهــا كــذلــك كــان نــــوح لا يخـــــون تفسير : قال ابن الفرات: إن عمر رضي الله عنه قال لما قيل له إن النابغة قائلهما: هو أشعر شعرائكم. ولما كان الخائن أكثر من الأمين أضعافاً مضاعفة، وكانت النفس بما أودع فيها من الشهوات والحظوظ محل النقائص، قال تعالى: {وحملها الإنسان} أي أكثر الناس والجن، فإن الإنسان الأنس، والإنس والأناس الناس، وقد تقدم في {أية : ولا تبخسوا الناس أشياءهم} تفسير : [الأعراف: 85] في الأعراف أن الناس يكون من الإنس ومن الجن، وأنه جمع إنس وأصله أناس، والإسناد إلى الجنس لا يلزم منه أن يكون كل فرد منه كذلك، فهو هنا باعتبار الأغلب، وفي التعبير به إشارة إلى أنه لا يخون إلا من هو في أسفل الرتب لم يصل إلى حد النوس. ولما كان الإنسان - لما له بنفسه من الأنس وفي صفاته من العشق، وله من العقل والفهم - يظن أنه لا نقص فيه، علل ذلك بقوله مؤكداً: {إنه} على ضعف قوته وقلة حيلته {كان} أي في جبلته إلا من عصم الله {ظلوماً} يضع الشيء في غير محله كالذي في الظلام لما غطى من شهواته على عقله، ولذلك قال: {جهولاً *} أي فجهله يغلب على حلمه فيوقعه في الظلم، فجعل كل من ظهور ما أودعه الله في الأكوان وكونه في حيز الإمكان كأنه عرض عليها كل من حمله وبذله كما أنه جعل تمكين الإنسان من كل من إبداء ما اؤتمن عليه وإخفائه كذلك. ولما كان الحكم في الظاهر على جميع الإنسان، وفي الحقيقة - لكون القضية الخالية عن السور في قوة الجزئية - على بعضه، لكنه لما أطلق إطلاق الكلي فهم أن المراد الأكثر، قال مبيناً أن "ال" ليست سوراً معللاً لحمله لها مقدماً التعذيب إشارة إلى أن الخونة أكثر، لافتاً العبارة إلى الاسم الأعظم لتنويع المقال إلى جلال وجمال: {ليعذب الله} أي الملك الأعظم بسبب الخيانة في الأمانة، وقدم من الخونة أجدرهم بذلك فقال: {المنافقين والمنافقات} أي الذين يظهرون بذل الأمانة كذباً وزوراً وهم حاملون لها عريقون في النفاق {والمشركين والمشركات} أي الذين يصارحون بحملها ومنعها عن أهلها وهم عريقون في الشرك فلا يتوبون منه. ولما كان تقديم التعذيب مفهماً أن الخونة أكثر، أشار إلى أن المخلص نادر جداً بقوله: {ويتوب الله} أي بما له من العظمة {على المؤمنين} أي العريقين في وصف الإيمان وهو الثابون عليه إلى الموت {والمؤمنات} العصاة وغيرهم فيرفقهم لبذلها بعد حملها فالآية من الاحتباك: ذكر العذاب أولاً دليلاً على النعيم ثانياً، والتوبة ثانياً دليلاً على منعها أولاً أي عرض هذا العرض وحكم هذا الحكم ليعذب وينعم بحجة يتعارفها الناس فيما بينهم. ولما كان هذا مؤذناً بأنه ما من أحد إلا وقد حملها وقتاً ما، فكان مرغباً للقلوب مرهباً للنفوس، قال مؤنساً لها مرغباً: {وكان الله} أي على ما له من الكبر والعظمة والانتقام والملك والسطوة {غفوراً} أي محاء لذنوب التائبين الفعلية والإمكانية عيناً وأثراً {رحيماً} أي مكرماً لهم بأنواع الإكرام بعد الرجوع عن الإجرام، ولما أمر النبي صلى الله عليه وسلم في مطلعها بالتقوى أمر في مقطعها بذلك على وجه عام، وتوعد المشاققين والمنافقين الذين نهى في أولها عن طاعتهم، وختم بصفتي المغفرة والرحمة كما ختم في أولها بهما آية الخطأ والتعمد، فقد تلاقيا وتعانقا وتوافقا وتطابقا - والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وهو أعلم بالصواب.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إنا عرضنا الأمانة...} الآية. قال: الامانة الفرائض، عرضها الله على السموات والأرض والجبال إن أدُّوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم، فكرهوا ذلك واشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيماً لدين الله أن لا يقوموا بها، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها. وهو قوله {وحملها الإِنسان إنه كان ظلوماً جهولاً} يعني غراً بأمر الله. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله عنه في قوله {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض} قال: الأمانة: ما أمروا به ونهوا عنه. وفي قوله {وحملها الإِنسان} قال: آدم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم قال: إن الله عرض الأمانة على السماء الدنيا فأبت، ثم التي تليها حتى فرغ منها، ثم الأرض، ثم الجبال، ثم عرضها على آدم عليه السلام فقال: نعم. بين أذني وعاتقي قال الله "فثلاث آمرك بهن فإنهن لك عون. إني جعلت لك بصراً، وجعلت لك شفرتين، ففضهما عن كل شيء نهيتك عنه، وجعلت لك لساناً بين لحيين، فكفه عن كل شيء نهيتك عنه، وجعلت لك فرجاً وواريته، فلا تكشفه إلى ما حرمت عليك". وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري عن ابن جريج رضي الله عنه في الآية قال: بلغني أن الله تعالى لما خلق السموات والأرض والجبال قال "إني فارض فريضة، وخالق جنة وناراً، وثواباً لمن أطاعني وعقاباً لمن عصاني فقالت السماء: خلقتني فسخرت فيَّ الشمس والقمر، والنجوم والسحاب والريح والغيوم، فانا مسخرة على ما خلقتني، لا أتحمل فريضة، ولا أبغي ثواباً ولا عقاباً، وقالت الأرض، خلقتني وسخرتني فجرت فيَّ الأنهار، فأخرجت مني الثمار، وخلقتني لما شئت، فأنا مسخرة على ما خلقتني، لا أتحمل فريضة، ولا أبغي ثواباً ولا عقاباً، وقالت الجبال: خلقتني رواسي الأرض، فأنا على ما خلقتني، لا أتحمل فريضة، ولا أبغي ثواباً ولا عقاباً، فلما خلق الله آدم عرض عليه، فحمله {إنه كان ظلوماً} ظلمه نفسه في خطيئته {جهولاً} بعاقبة ما تحمل". وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في الآية قال: لما خلق الله السموات والأرض والجبال، عرض الأمانة عليهن فلم يقبلوها، فلما خلق آدم عليه السلام عرضها عليه قال: يا رب وما هي؟ قال: هي إن أحسنت أجرتك، وإن أسأت عذبتك، قال: فقد تحملت يا رب قال: فما كان بين أن تحملها إلى أن أخرج إلا قدر ما بين الظهر والعصر. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد والحاكم وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {إنا عرضنا الأمانة} قال: عرضت على آدم عليه السلام فقيل: خذها بما فيها، فإن أطعت غفرت لك، وإن عصيت عذبتك، قال: قبلتها بما فيها، فما كان إلا قدر ما بين الظهر إلى الليل من ذلك اليوم حتى أصاب الذنب. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن أشوع في الآية قال عرض عليهن العمل، وجعل لهن الثواب، فضججن إلى الله ثلاثة أيام ولياليهن، فقلن: ربنا لا طاقة لنا بالعمل، ولا نريد الثواب. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن الأوزاعي أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه عرض العمل على محمد بن كعب فأبى، فقال له عمر رضي الله عنه: أتعصي؟ فقال: يا أمير المؤمنين أخبرني عن الله تعالى حين عرض {الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها}، هل كان ذلك منها معصية؟ قال: لا. فتركه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن الله قال لآدم عليه السلام "إني عرضت الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم تطقها فهل أنت حاملها بما فيها؟ قال: أي رب وما فيها؟ قال: إن حملتها أجرت، وإن ضيعتها عذبت، قال: قد حملتها بما فيها قال: فما عبر في الجنة إلا قدر ما بين الأولى والعصر حتى أخرجه إبليس من الجنة" قيل للضحاك: وما الأمانة؟ قال: هي الفرائض، وحق على كل مؤمن أن لا يَغُشَّ مؤمناً، ولا معاهداً، في شيء قليل ولا كثير، فمن فعل فقد خان أمانته، ومن انتقص من الفرائض شيئاً فقد خان أمانته. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال} قال: يعني به الدين، والفرائض، والحدود، {فأبين أن يحملنها وأشفقن منها} قيل لهن: أن تحملنها، وتؤدين حقها. فقلنا: لا نطيق ذلك {وحملها الإِنسان} قيل له: أتحملها؟ قال: نعم. قيل: أتؤدي حقها؟ فقال: أطيق ذلك قال الله {إنه كان ظلوماً جهولاً} أي ظلوماً بها، جهولاً عن حقها {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} قال: هذان اللذان خاناها {ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} قال: هذان اللذان أدياها {وكان الله غفوراً رحيماً} . وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه {إنا عرضنا الأمانة} قال: الفرائض. وأخرج الفريابي عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {إنَّا عرضنا الأمانة} قال: الدين. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن زيد بن أسلم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : الأمانة ثلاث: الصلاة، والصيام، والغسل من الجنابة ". تفسير : وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في سننه عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: من الأمانة أن ائتمنت المرأة على فرجها. وأخرج ابن أبي الدنيا في الورع والحكيم الترمذي عن عبدالله بن عمرو قال: أول ما خلق الله من الإِنسان فرجه، ثم قال: هذه أمانتي عندك فلا تضيعها إلا في حقها. فالفرج أمانة، والسمع أمانة، والبصر أمانة. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمرو رضي الله عنه قال: من تضييع الأمانة: النظر في الحجرات والدور. وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : الا ومن الأمانة، الا ومن الخيانة، أن يحدث الرجل أخاه بالحديث فيقول: اكتم عني. فيفشيه ". تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثم ينشر سرها ". تفسير : وأخرج الطبراني وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وأبو يعلى والبيهقي والضياء عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : إذا حدث الرجل بالحديث، ثم التفت فهي أمانة ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه في قوله {ليعذب الله المنافقين...} قال: هما اللذان ظلماها واللذان خاناها: المنافق والمشرك. وأخرج ابن جرير بسند ضعيف عن الحكم بن عمير وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم"حديث : إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء، فأرسلوا به فمنهم رسول الله، ومنهم نبي، ومنهم نبي رسول الله، ونزل القرآن وهو كلام الله، ونزلت العربية والعجمية، فعلموا أمر القرآن، وعلموا أمر السنن بألسنتهم، ولن يدع الله شيئاً من أمره مما يأتون، ومما يجتنبون، وهي الحجج عليهم إلا بينت لهم، فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن من القبيح، ثم الأمانة أول شيء يرفع، ويبقى أثرها في جذور قلوب الناس، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم، وتبقى الكتب لعالم يعلمها، وجاهل يعرفها وينكرها، ولا يحملها حتى وصل إليّ وإلى أمتي، فلا يهلك على الله إلا هالك، ولا يغفله إلا تارك، والحذر أيها الناس، وإياكم والوسواس الخناس، فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملاً" تفسير : والله أعلم...
ابو السعود
تفسير : {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} لمَّا بـيَّن عِظَم شأنِ طاعةِ الله ورسولِه ببـيانِ مآلِ الخارجين عنْها من العذابِ الأليمِ ومنال المُراعين لها من الفوزِ العظيمِ عقَّب ذلكَ ببـيانِ عظمِ شأنِ ما يُوجبها من التَّكاليفِ الشَّرعيةِ وصعوبة أمرِها بطريقِ التَّمثيلِ مع الإيذانِ بأنَّ ما صدرَ عنُهم من الطَّاعةِ وتركِها صدرَ عنُهم بعد القَبُولِ والالتزامِ، وعبر عنها بالأمانةِ تنبـيهاً على أنَّها حقوقٌ مرعيةٌ أودعَها الله تعالى المكلَّفين وائتمنَهم عليها وأوجبَ عليهم تلقِّيَها بحسنِ الطَّاعةِ والانقيادِ وأمرَهُم بمراعاتِها والمحافظةِ عليها وأدائِها من غيرِ إخلالٍ بشيءٍ من حقوقِها وعبرَّ عن اعتبارِها بالنسبةِ إلى استعدادِ ما ذُكر من السَّمواتِ وغيرِها بالعرضِ عليهنَّ لإظهارِ مزيدِ الاعتناءِ بأمرِها والرَّغبةِ في قبولهنَّ لها وعن عدمِ استعدادهنَّ لقبولِها بالإباءِ والإشفاقِ منها لتهويلِ أمرِها وتربـيةِ فخامتِها وعن قبولِها بالحملِ لتحقيقِ معنى الصُّعوبة المُعتبرةِ فيها بجعلِها من قبـيلٍ الأجسامِ الثَّقيلةِ التي يستعمل فيها القُوى الجسمانَّيةٌ التي أشدُّها وأعظمُها ما فيهنَّ من القُوَّةِ والشدَّةِ. والمَعنى أنَّ تلك الأمانةَ في عظمِ الشَّأنِ بحيثُ لو كُلِّفت هاتيكَ الأجرامُ العظامُ التي هي مَثَلٌ في القُوَّةِ والشِّدَّةِ مراعاتَها وكانتْ ذاتَ شُعورٍ وإدراكٍ لأَبـيْن قبولَها وأشفقنَ منها ولكنْ صرفُ الكلامِ عن سَنَنِه بتصويرِ المفروضِ بصورةِ المحققِ رَوْماً لزيادةِ تحقيقِ المعنى المقصودِ بالتَّمثيلِ وتوضيحِه {وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ} أي عند عرضِها عليه إمَّا باعتبارِها بالإضافةِ إلى استعدادِه أو بتكليفةِ إيَّاها يومَ الميثاقِ أي تكلّفها والتزمَها مع ما فيهِ من ضعفِ البنيةِ ورخاوةِ القُوَّةِ، وهُو إمَّا عبارةٌ عن قبولِه لها بموجبِ استعدادِه الفطريِّ أو عن اعترافِه بقولِه بَلَى. وقولُه تعالى: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} اعتراضٌ وسط بـين الحملِ وغايتِه للإيذانِ من أولِ الأمرِ بعدمِ وفائِه بما عهدَهُ وتحملّه أي إنَّه كانَ مفرِطاً في الظُّلمِ مبالِغاً في الجهلِ أي بحسبِ غالبِ أفرادِه الذينَ لم يعملُوا بموجبِ فطرتِهم السَّليمةِ أو اعترافهم السَّابقِ دُونَ مَنْ عداهُم من الذينَ لم يبدلُوا فطرةَ الله تبديلاً وإلى الفريقِ الأولِ أُشير بقولِه عزَّ وجلَّ: {لّيُعَذّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ} أي حملَها الإنسانُ ليعذبَ الله بعضَ أفرادِه الذينَ لم يُراعوها ولم يقابلُوها بالطَّاعةِ على أنَّ اللاَم للعاقبةِ فإنَّ التَّعذيبَ وإنْ لم يكُن غرضَاً له من الحملِ لكن لما ترتَّبَ عليهِ بالنسبةِ إلى بعضِ أفرادِه ترتُّبَ الأغراضِ على الأفعالِ المُعلَّلةِ بها أبرز في معرضِ الغرضِ أي كان عاقبةُ حملِ الإنسانِ لها أنْ يعذبَ الله تعالى هؤلاءِ من أفرادِه لخيانتِهم الأمانةَ وخروجِهم عن الطَّاعةِ بالكُلِّية وإلى الفريقِ الثَّاني أُشير بقولِه تعالى: {وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ} أي كان عاقبةُ حملِه لها أنْ يتوبَ الله تعالى على هؤلاءِ من أفراده أي يقبلُ توبتَهم لعدمِ خلعِهم رِبقةَ الطَّاعةِ عن رقابِهم بالمرَّةِ وتلافيهم لما فَرَطَ منهم من فَرَطاتٍ قلَّما يخلُو عنها الإنسانُ بحكمِ جبلّتهِ وتداركهم لها بالتَّوبةِ والإنابةِ، والالتفاتُ إلى الاسمِ الجليلِ أوَّلاً لتهويلِ الخطبِ وتربـيةِ المهابةِ. والإظهارُ في موقعِ الإضمارِ ثانياً لإبرازِ مزيدِ الاعتناءِ بأمرِ المُؤمنينَ توفيةً لكُلَ مِنْ مَقَامَي الوعيدِ والوعدِ حقَّه والله تعالى أعلمُ. وجعلُ الأمانةِ التي من شأنِها أنْ تكونَ من جهتِه تعالى عبارةً عن الطَّاعةِ التي هي من أفعالِ المكلَّفين التابعةِ للتَّكليفِ بمعزلٍ من التَّقريبِ، وحملُ الكلامِ على تقريرِ الوعدِ الكريمِ الذي يُنبىء عنْهُ قولُه تعالى: { أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً} تفسير : [سورة الأحزاب: الآية 71] يجعلُ تعظيمَ شأنِ الطَّاعةِ ذريعةً إلى ذلكَ بأنَّ مَن قامَ بحقوقِ مثلِ هذا الأمرِ العظيمِ الشَّأنِ وراعَاها فهو جديرٌ بأنْ يفوزَ بخيرِ الدَّارينِ يأباه وصفه بالظَّلمِ والجهلِ أولاً وتعليلُ الحملِ بتعذيبِ فريقٍ والتَّوبةِ على فريقٍ ثانياً. وقيل: المرادُ بالأمانةِ مطلقُ الانقيادِ الشَّاملِ الطَّبـيعيِّ والاختياريِّ وبعرضِها استدعاؤُها الذي يعمُّ طلبَ الفعلِ من المختارِ وإرادةَ صدورِه من غيرِه وبحملِها الخيانةُ فيها والامتناعُ عن ادائِها فيكونُ الإباءُ امتناعاً عن الخيانةِ وإتياناً بالمرادِ فالمَعنى أنَّ هذهِ الأجرامَ مع عِظَمِها وقُوَّتِها أبـينَ الخيانةَ لأمانتِها وأتينَ بما أمرناهنَّ به كقولِه تعالى أتينا طائعين وخانَها الإنسانُ حيثُ لم يأتِ بما أمرنَاهُ به إنَّه كان ظلُوماً جهُولاً وقيل: إنَّه تعالى لمَّا خلقَ هذه الأجرامَ خلقَ فيها فهماً وقال لها إني فرضتُ فريضةً وخلقتُ جنَّةً لمن أطاعنِي فيها وناراً لمنْ عَصَاني فقلنَ نحنُ مسخرَّاتٌ لِما خلقتنا لا نحتملُ فريضةً ولا نبغي ثواباً ولا عقاباً ولمَّا خُلق آدمُ عليهِ السَّلامُ عُرض عليه مثلُ ذلك فحملَه وكانَ ظلُوماً لنفسِه بتحمُّلهِ ما يشقُّ عليها جَهُولاً بوخامةِ عاقبتِه، وقيلَ المرادُ بالأمانةِ العقلُ أو التَّكليفُ وبعرضِها عليهنَّ اعتبارُها بالإضافةِ إلى استعدادهنَّ وبإبائهنَّ الإباءُ الطبـيعيُّ الذي هو عدمُ اللياقةِ والاستعدادِ لها بحملِ الإنسانِ قابليَّتُه واستعدادُه لها وكونِه ظلوماً جَهولاً لما غلبَ عليه من القُوَّةِ الغضبـيَّةِ والشهويَّةِ هذا قريبٌ من التَّحقيقِ فتأمَّل والله الموفقُ. وقُرىء ويتوبُ الله على الاستئنافِ {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} مُبالغاً في المغفرةِ والرَّحمةِ حيثُ تابَ عليهم وغفرَ لهمُ فرَطاتِهم وأثابَ بالفوزِ على طاعاتِهم، قالَ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « حديث : مَن قرأَ سورةَ الأحزابِ وعلَّمها أهلَه وما ملكتْ يمينُه أُعطَي الأمانَ من عذابِ القبرِ » تفسير : والله أعلمُ.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ} [الآية: 72]. قال بعضهم: أداة أمانة الخلق وأداء أمانة الخالق. وقال ابن عطاء: الأمانة هى تحقيق التوحيد على سبيل التفريد. قال الحسن البصرى: رأيتهم والله قد اشتروا الأمانة بأموالهم ووسعوا لها دورهم وضيقوا قبورهم وسمنوا براذينهم وأهزلوا ذنبهم وأنصبوا أنفسهم إلى باب السلطان بالغدوة والرواح بالمطارق العتاق والعمائم الرقاق يتعرضون للبلاء وهم من الله فى عافية ويبكى أحدهم على شماله ويأكل من غير ماله، ماله حرام وخدمته سخرة ثم إذا بلغت به اللكضة ونزلت به بطنة يقول: يا غلام ائتنا بشىء يهضم طعامنا أطعامك يهضم أم دينك معه يا لكع أين أنت من قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} ألم يهمك إذن الأمانة التى حملتها حتى اختلت، تنظر فى عطفيك، وتتبختر فى مشيتك، هيهات هيهات ما أبعدك عن طريق المتقين وأجهلك بسيرة المؤمنين. قال أبو بكر بن طاهر: إن الأمانة عرضت على السماوات والأرض فأبوا حملها وأشفقوا من ذلك وهربوا منها فلما عرضت على آدم قال: أحمل هذه الأمانة بقوتى ونفسى أم بالحق؟ فقيل: بل من يحملها يحملها بنا فإن ما منا لا يحمل إلا بنا، فحملها آدم. قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الآية: 72]. قال: ظلومًا حيث ظن أن أحدًا يحمل بنفسه شيئًا، جهولاً بعظيم قدر الأمانة وأن أحدًا يطيق إتمامها بنفسه دون توفيق ربه. قال أبو عثمان: الأمانات شتى على النفس أمانة وعلى القلب أمانة وعلى السر أمانة وعلى الفؤاد أمانة وعلى الروح أمانة وفى العينين أمانة وفى اللسان أمانة وعلى السمع أمانة وعلى الرجلين أمانة وعلى اليدين أمانة فمن لم يراع أمانة الله عليه عنده ضيع أوقاته وخاب سعيه. قال الجنيد رحمة الله عليه: إن الله لما عرض على السماوات والأرض والجبال فأبوا حملها وعرضت على آدم فقبلها فأبوا حين ظنوا أنهم بإياهم يحملون، وحملها آدم حين علم أنه به يحملها لا بنفسه. وقال أيضًا: نظر آدم إلى عرض الحق فأنساه لذة العرض ثقل الأمانة وشدتها فحمل بالعرض من غير النظر إلى الأمانة. وقال أيضًا: أشفقت السماوات والأرض عن حمل الأمانة لعظم خطرها وسهل على آدم قبولها وحملها قوله: {عَرَضْنَا} فتخصيص العرض حسر آدم على حمل الأمانة. وقال لو كانت مثل الأمانة ألوف أمانات حملتها بعد أن يكون عن عرضك حملها. وقال: فى قوله: {ظَلُوماً جَهُولاً} ظلومًا لنفسه جهولاً بعاقبته. قال ابن عطاء: ظلم نفسه حيث لم يشفق مما أشفق منه السماوات والأرض. قال فارس عن الحسين فى قوله: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} قال: عرضت الأمانة على الخلائق والجمادات فأشفقوا وهربوا وظنوا أن الأمانة تحمل بالنفوس وكشف لآدم أن حمل الأمانة بالقلب لا بالنفس فقال: أنا أقبلها فإن القلب موضع نظر الحق واطلاع الحق والجلية، لم تطقها الجبال وطاقتها القلوب، وأنشد فارس: شعر : حملتم القلب ما لا يحمـل البدن والقلب يحمل ما لا يحمل البدن يا ليتنى كنت أدنى من يلوذ بكم عينـًا لأنظركم أم ليتنى أذن
القشيري
تفسير : هنا إضمار أي: أهل السماوات والأرض والجبال. وقيل أحياها وأعْقَلَها، وهو كقوله: {ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ} [فصلت: 11]. {فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا}: أي أبين أنْ تَخُنَّ فيها، {وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ}: أي خان فيها. وهم مراتب: فالكفار خانوا في الأصل الأمانة - وهي المعرفة - فكفروا. ومَنْ دُونَهم خانوا بالمعاصي، وبعضهم أَشَدُّ وبعضهم أهون، وكلُّ احتقب من الوِزْرِ مقدارَه. ويقال "أبين" إِباءَ إشفاقٍ لا إِباء استكبارٍ، واستعفين... فعفا عنهن، وأعفاهن مِنْ حَمْلها. {وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ}: قَبِلَها ثم ما رعوها حقَّ رعايتها.. كلٌّ بقدره. {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} بصعوبة حَمْلِ الأمانة في الحال، والعقوبة التي عليها في المآل. وقومٌ قالوا عَرَضَ الأمانةَ على السماواتِ والأرضِ وعَرَضَها على الإِنسان، فهن استعفين وهؤلاء لم يستعفوا ولم يراعوا. ويقال: الأمانة القيام بالواجباتِ أصولها وفروعها. ويقال: الأمانة التوحيد عقداً وحفظ الحدود جهداً. ويقال: لمَّا حَمَلَ آدمُ الأَمانة وأولاده قال تعالى: {أية : وَحَمَلْنَاهُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ}تفسير : [الإسراء: 70].. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ ويقال حمل الإنسانُ بالله لا بنَفْسِه. ويقال ظَلَمَ نَفْسَه حيث لم يُشْفِقْ مما أشفقت منه السماواتُ والأرضون. والظُلْمُ وَضْعْ الشيءِ في غير موضعه. ويقال كاشَفَ السماواتِ والأرضَ بوصف الربوبية والعظمة فأشفقوا، وكاشَفَ آدمَ وذُرِّيَتَه بوصف اللطفِ فقَبِلوا وحملوا، وفي حال بقاء العبد يا لله يحمل السماواتِ والأرضَ بشعرة من جَفْنِه. ويقال كانت السماوات والأرض أصحاب الجثث والمباني فأشفقوا من حَمْل الأمانة. والحِمْلُ إنما تحمله القلوب. وآدم كان صاحبَ معنًى فَحَمل، وأنشدوا: شعر : حملت جبال الحكم فوقي وإنني لأَعْجَزُ عن حمل القميص وأضعفُ تفسير : ويقال لما عَرَضَ الحقُّ الأمانةَ على الخَلْقِ عَلَّقَ آدمُ بها هِمَّتَه، فصرف بهمته جميع المخلوقات عنها، فلمَّا أبوا وأشفقوا حَمَلَها الإنسانَ طوعاً لا كرهاً.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ} لما لم يكن للكون استعداد حمل امانة الربوبية بنعت الانفراد والفناء والسكر فى العشق والخروج بنعت الالوهية الى ان يحملها لان سطوات الالوهية اذا بدت اضمحلت الاكوان والحدثان فيها وابقى أدم لانه كان مستعد القبول ذلك لانه كان مخلوقا بخلقه موصوفا بصفته مستحكما بتائيده الازلية ومباشرة نور صفته الخاصة بقوله خلقت بيدى قويا بقوة الروح القدسية التى بدت من ظهور نور الذات حين تجلى من القدم لأدم بقوله ونفخت فيه من روحى فاذا كان كذلك حمل امانة الله بالله لا بالحدثان فانه تعالى قائم بنفسه منزه عن مباشرة الحدوثية وفقد حمل انوار جميع الصفات والذات حيث صدر وجوده من تجلى الذات والصفات فخرج موصوفا بالصفات منور بنور الذات وهذه بجميعها الامانة ولا يكون لتلك الامانة موضع الا أدم ومن كان بوصفه من ذريته من الاولياء والانبياء فاذا قابل القدم وقبل الامانة فقد جهل بالقدم اصلا حيث قبل الكل بالبعض كذلك قال {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} اذ وازى الازل والابد مع علة الحدوثية جهولا حيث لم يعلم ان حقيقة التوحيد بالحقيقة مزلة اقدام الموحدين وكيف يكون صفوان القدم موضع اقدام الحدث فجاز الامانة بعد ذلك المحبة والعشق والمعرفة وحقيقتها الامانية قال ابن عطا الامانة هى تحقيق التوحيد على سبيل التفريد قال الجنيد ان الله لمّا عرض الامانة على السماوات والارض والجبال فابوا حملها وعرض على أدم فقبلها ابو احين ظنوا انهم اياهم يحملون حمل أدم حين علم انه به يحمله لا بنفسه وقال ايضا نظر أدم الى عرض الحق فانساه لذة العرض ثقل الامانة ولما عرض الخلائق والجمادات فاشفقوا وهربوا ظنوا ان الامانة تحمل بالنفوس فكشف ----بالقلب لا بالنفس فقال اتا احملها فان القلب موضع نظر الحق واطلاعه فاذا اطلب ذلك يطلق---- الامانة فان الامانة حدث واطلاع الحق وتجلية لم يطقها الجبال واطاقتها القلوب----- شعر : حملت بالقلب لا يحمل البدن والقلب يحمل ما لا يحمل البدن يا ليلتنى كنت ادنى من يلوذ بكم* عينا ----------
اسماعيل حقي
تفسير : {انا} هذه النون نون العظمة والكبرياء عند العلماء فان الملوك والعظماء يعبرون عن انفسهم بصيغة الجمع ونون الاسماء والصفات عند العرفاء فانها متعددة ومتكثرة {عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال} يقال عرض لى امر كذا اى ظهر وعرضت له الشئ اى اظهرته له وابرزته اليه وعرضت الشئ على البيع وعرض الجند اذا امرّهم عليه ونظر ما حالهم والامانة ضد الخيانة. والمراد هنا ما ائتمن عليها وهى على ثلاث مراتب. المرتبة الاولى انها التكاليف الشرعية والامور الدينية المرعية ولذا سميت امانة لانها لازمة الوجود كما ان الامانة لازمة الاداء. وفى الارشاد عبر عن التكاليف الشرعية بالامانة لانها حقوق مرعية اودعها الله المكلفين وائتمنهم عليها واوجب عليهم تلقيها بحسن الطاعة والانقياد وامرهم بمراعاتها والمحافظة عليها وادائها من غير اخلال بشئ من حقوقها انتهى وتلك الامانة هى العقل اولا فان به يحصل تعلم كل ما فى طوق البشر تعلمه وفعل ما فى طوقهم فعله من الجميل وبه فضل الانسان على كثير من الخلائق ثم التوحيد والايمان باليوم الآخر والصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد وصدق الحديث وحفظ اللسان من الفضول وحفظ الودائع واشدها كتم الاسرار وقضاء الدين والعدالة في المكيال والميزان والغسل من الجنابة والنية فى الاعمال والطهارة فى الصلاة و تحسين الصلاة فى الخلوة والصبر على البلاء والشكر لدى النعماء والوفاء بالعهود والقيام بالحدود وحفظ الفرج الذى هو اول ما خلق الله من الانسان وقال له هذه امانة استودعتكها والاذن والعين واليد والرجل وحروف التهجى كما نقله الراغب فى المفردات وترك الخيانة فى قليل وكثير لمؤمن ومعاهد وغير ذلك مما أمر به الشرع واوجبه وهى بعينها المواثيق والعهود التى اخذت من الارواح فى عالمها ووضعت امانة فى الجوهر الجمادى صورة المسمى بالحجر الاسود لسيادته بين الجواهر وألقمه الحق تلك المواثيق وهو امين الله لتلك الامانة. والمرتبة الثانية انها المحبة والعشق والانجذاب الالهى التى هى ثمرة الامانة الاولى ونتيجتها وبها فضل الانسان على الملائكة اذا الملائكة وان حصل لهم المحبة فى الجملة لكن محبتهم ليست بمبنية على المحن والبلايا والتكاليف الشاقة التى تعطى الترقى اذا الترقى ليس إلا للانسان فليس المحنة والبلوى الاله ألا ترى الى قول الحافظ شعر : شب تاريك وبيم موج وكردابى جنين هائل كجا دانند حال ماسبكباران ساحلها تفسير : اراد بقوله "شب تاريك" جلال الذات وبقوله "بيم موج" خوف صفات القهر وبقوله "كرداب" درّ دربحر العشق وهى الامتحانات الهائلة والبرازخ المخوفة وبقوله "سبكباران ساحل" الزهاد والملائكة الذين بقوا فى ساحل بحر العشق وهو بر الزهد والطاعة المجردة وهم اهل الامانة الاولى ومن هذا القبيل ايضا قوله> شعر : فرشته عشق نداندكه جيست قصة مخوان بخواه جام كلابى بخاك آدم ريز تفسير : وقول المولى الجامى شعر : ملائك را جه سود از حسن طاعت جو فيض عشق بر آدم فرو ريخت تفسير : [در لوامع آورده كه آن بو العجى كه عشق را درعالم بشر يتست در مملكت ملكيت نيست كه ايشان سايه برورد لطف وعصمت اند ومحبت بى دردرا قدر وقيمتى نيست عشق را طائفه در خورند كه صفت {أية : أتجعل فيها من يفسد فيها} تفسير : سر مايه بازار ايشان وسمت {انه كان ظلوما جهولا} بيرايه روزكار ايشانست ملكى را بينى كه اكر جناحى را بسط كند خافقين را در زير جناح خود آرد اما طاقت حمل اين معنى ندارد وآن بيجاره آدمى زادى را بينى بوستى در استخوانى كشيده بيباك واز شراب بلا در قدح ولا جشيده ودروى تغير نيامده آن جراست زيراكه آن صاحب دلست] والقلب يحمل ما لا يحمل البدن. والمرتبة الثالثة انها الفيض الالهى بلا واسطة ولهذا سماه بالامانة لانه من صفات الحق تعالى فلا يتملكه احد وهذا الفيض انما يحصل بالخروج عن الحجب الوجودية المشار اليها بالظلومية والجهولية وذلك بالفناء فى وجود الهوية والبقاء ببقاء الربوبية وهذه المرتبة نتيجة المرتبة الثانية وغايتها فان العشق من مقام المحبة الصفاتية وهذا الفيض والفناء من مقام المحبوبية الذاتية وفى هذا المقام يتولد من القلب طفل خليفة الله فى الارض وهو الحامل للامانة فالمرتبة الاولى للعوام والثانية للخواص والثالثة لا خص الخواص والاولى طريق الثانية وهى طريق الثالثة ولم يجد سر هذه الامانة الا من اتى البيت من الباب وكل وجه ذكره المفسرون فى معنى الامانة حق لكن لما كان فى المرتبة الاولى كان ظرفا ووعاء للامانة ولبه ما فى المرتبة الثانية ولب اللب ما فى المرتبة الثالثة ومن الله الهداية الى هذه المراتب والعناية فى الوصول الى جميع المطالب. ثم المراد بالسموات والارض والجبال هى انفسها اعيانها واهاليها وذلك لان تخصص الانسان بحمل الامانة يقتضى ان يكون المعروض عليه ما عداه من جميع الموجودات ايامّا كان حيوانا او غيره وانما خص فى مقام الحمل ذلك لأنه اصلب الاجسام واثبتها واقواها كما خص الافلاك فى قوله (لولاك لما خلقت الافلاك) لكونها اعظم الاجسام ولهذا السر لم يقل فابوا ان يحملوها بواو العقلاء. فان قلت ما ذكر من السموات وغيرها جمادات والجمادات لاادراك لها فما معنى عرض الامانة عليها. قلت للعلماء فيه قولان. الاول انه محمول على الحقيقة وهو الانسب بمذهب اهل السنة لانهم لا يؤولون امثال هذا بل يحملونها على حقيقتها خلافا للمعتزلة. وعلى تقدير الحقيقة فيه وجهان احدهما ادق من الآخر. الاول ان للجمادات حياة حقانية دل عليها كثير من الايات نحو قوله {أية : ألم تر ان الله يسجد له من فى السموات ومن فى الارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب} تفسير : وقوله {أية : ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين} تفسير : وقوله {أية : وان منها لما يهبط من خشية الله} تفسير : وقوله {أية : وان من شئ الا يسبح بحمده} وقوله {كل قد علم صلاته وتسبيحه } تفسير : قال حضرة الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر اكثر العقلاء بل كلهم يقولون ان الجمادات لا تعقل فوقفوا عند بصرهم والامر عندنا ليس كذلك فاذا جاءهم عن نبى او ولى ان حجرا كلمه مثلا يقولون خلق الله فيه العلم والحياة فى ذلك الوقت والامر عندنا ليس كذلك بل سره الحياة سارٍ فى جميع العالم وقد ورد (ان كل شى سمع صوت المؤذن من رطب ويابس يشهد له) ولا يشهد الا من علم وقد اخذ الله بابصار الانس والجن عن ادراك حياة الجماد الا من شاء الله كنحن واضرابنا فانا لا نحتاج الى دليل فى ذلك لكون الحق تعالى قد كشف لنا عن حياتها واسمعنا تسبيحها ونطقها وكذلك اندكاك الجبل لما وقع التجلى انما كان ذلك منه لمعرفته بعظمة الله ولولا ما عنده من معرفة العظمة لما تدكدك انتهى. ومثله ما روينا ان حضرة شيخنا وسندنا روح الله روحه ووالى فى البرزخ فتوحه دعا مرة من عنده للافطار فجلسنا له وبين يديه ماء وكعك مبلول وكان لا يأكل فى اواخر عمره الا الكعك المجرد فقال اثناء الافطار ان لهذا الخبز روحا حقانيا فظاهره يرجع الى الجسد وروحه يرجع الى الروح فيتقوى به الجسم والروح جميعا: وفى المثنوى شعر : علم وحكمت زايد از لقمه حلال عشق ورقت آيد ازلقمه حلال تفسير : ثم قال ولكل موجود روح اما حيوانى او حقانى فجسد الميت له روح حقانى غير روحه الحيوانى الذى فارقه ألا ترى ان الله تعالى لو انطقه لنطق فنطقه انما هو لروحه وقد جاء ان كل شئ يسبح بحمده حجرا او شجرا او غير ذلك وما هو الا لسريان الحياة فيه حقيقة ولذا سبح الجبال مع داود وحمل الريح سليمان عليه السلام وجذبت الارض قارون وحن الجذع فى المسجد النبوى وسلم الحجر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك مما لا لا يحصى: وفى المثنوى شعر : جون شماسوى جمادى مى رويد محرم جان جمادان جون شويد از جمادى عالم جانها رويد غلغل اجزاى عالم بشنويد جون ندارد جان توقنديلها بهر بينش كرده تأويلها تفسير : والوجه الثانى ان الله تعالى ركب العقل والفهم فى الجمادات المذكورة عند عرض الامانة كما ركب العقل وقبول الخطاب فى النملة السليمانية والهدهد وغيرهما من الطيور والوحوش والسباغ بل وفى الحجر والشجر والتراب فهن بهذا العقل والادراك سمعن الخطاب انطقهن الله بالجواب حيث قال لهن أتحملن هذه الامانة على ان يكون لكنّ الثواب والنعيم فى الحفظ والاداء والعقاب والجحيم فى الغدر والخيانة {فابين ان يحملنها} الاباء شدة الامتناع فكل اباء امتناع وليس كل امتناع اباء {واشفقن منها} قال فى المفردات الاشفاق عناية مختلطة بخوف لان المشفق يحب المشفق عليه ويخاف ما يلحقه فاذا عدى بمن فمعنى الخوف فيه اظهر واذا عدى بعلى فمعنى العناية فيه اظهر كما قال فى تاج المصادر [الاشفاق: ترسيدن ومهربانى كردن] ويعدى بعلى واصلهما واحد. والمعنى وخفن من الامانة وحملها وقلن يا رب نحن مسخرات بامرك لا نريد ثوابا ولا عقابا ولم يكن هذا القول منهن من جهة المعصية والمخالفة بل من جهة الخوف والخشية من ان لا يؤدين حقوقها ويقعن فى العذاب ولو كان لهن استعداد ومعرفة بسعة الرحمة واعتماد على الله لما ابين وكان العرض عرض تخيير لا عرض الزام وايجاب لان المخالفة والاباء عن التكليف الواجب يوجب المقت والسقوط عن درجة الكمال ولم يذكر تعالى توبيخا على الاباء ولا عقوبة. والقول الثانى انه محمول على الفرض والتمثيل فعبر عن اعتبار الامانة بالنسبة الى استعدادهن بالعرض عليهن لاظهار مزيد الاعتناء بامرها والرغبة فى قبولهن لها وعن عدم استعدادهن لقبولها بالاباء والاشفاق منها لتهويل امرها ومزيد فخامتها وعن قبولها بالحمل لتحقيق معنى الصعوبة المعتبرة فيها بجعلها من قبيل الاجسام الثقيلة التى يستعمل فيها القوى الجسمانية التى هى اشدها واعظمها ما فيهن من القوة والشدة فالمعنى ان تلك الامانة فى عظم الشأن بحيث لو كلفت هاتيك الاجرام العظام التى هى مثل فى الشدة والقوة مراعاتها وكانت ذات شهود وادراك لا بين قبولها واشفقن منها ولكن صرف الكلام عن سننه بتصوير المفروض بصورة المحقق روما لزيادة تحقيق المعنى المقصود بالتمثيل وتوضيحه {وحملها الانسان} عند عرضها عليه كما قال الامام القشيرى [امانتها برانها عرض نمود وبرانسان فرض نمود آنجا كه عرض بود سرباز زدند واينجا كه فرض بود در معرض حمل آمدند] والمراد بالانسان الجنس بدليل قوله {انه كان ظلوما جهولا} اى تكلفها والتزمها مع ما فيه من ضعف البنية ورخاوة القوة لان الحمل انما يكون بالهمة لا بالقوة. قال فى الارشاد وهو اما عبارة عن قبولها بموجب استعداده الفطرى او عن اعترافه يوم الميثاق بقوله بلى ولما حملها قال الله تعالى {أية : وحملناهم فى البر والبحر} {هل جزاء الاحسان الا الاحسان} تفسير : [واين را در ظاهر مثالى هست درختانى كه اصل ايشان محكم ترست وشاخ ايشان بيشتربار ايشان خردتر وسبكترباز درختانى كه ضعيف ترند وسست تر بارايشان شكرف تراست وبزركترجون خربزه وكدو ومانند آن ليكن اينجا لطيفه ايست آن درخت كه باراو شكرف تراست وبزركتر طاقت كشيدن آن ندارد اورا كفتند بار كران از كردن خويش برفرق زمين نه تاعالميان بدانندكه هركجا ضعيفى است مربئ او لطف حضرت عزت است اينست سر] {أية : وحملناهم فى البر والبحر} تفسير : فالانسان اختص بالعشق وقبول الفيض بلا واسطة وحمله من سائر المخلوقات لا ختصاصه باصابة رشاش النور الالهى وكل روح اصابه رشاش نور الله صار مستعدا لقبول الفيض الالهى بلا واسطة وكان عرض العشق والفيض عاما على المخلوقات وحمله خاصا بالانسان لان نسبة الانسان مع المخلوقات كنسبة القلب مع الشخص فالعالم شخص وقلبه الانسان فكما ان عرض الروح عام على الشخص الانسانى وقبوله وحمله مخصوص بالقلب بلا واسطة ثم من القلب بواسطة العروق الممتدة يصل عكس الروح الى جميع الاعضاء فيكون متحركا به كذلك عرض العشق والفيض الالهى عام لاحتياج الموجودات الى الفيض وقبوله وحمله خاص بالانسان ومنه يصل عكسه الى سائر المخلوقات ملكها وملكوتها فاما الى ملكها وهو ظاهر الكون اعنى الدنيا فيصل الفيض اليه بواسطة صورة الانسان من صنائعه الشريفة وحرفه اللطيفة التى بها العالم معمور ومزين واما الى ملكوتها وهو بامركن باطن الكون اعنى الآخرة فيصل الفيض اليها بواسطة روح الانسان وهو اول شئ تعلقت به القدرة فيتعلق الفيض الالهى من امركن اولا بالروح الانسانى ثم يفيض منه الى عالم الملكوت فظاهر العالم وباطنه معمور بظاهر الانسان وباطنه وهذا سر الخلافة المخصوصة بالانسان. وقال بعضهم المراد بالانسان آدم. وقد روى عن ابن مسعود رضى الله عنه انه قال مثلت الامانة كالصخرة المقاة ودعيت السماوات والارض والجبال اليها فلم يقربوا منها وقالوا لا نطيق حملها وجاء آدم من غير ان دعى وحرك الصخرة وقال لو امرت بحملها لحملتها فقلن له احمل فحملها الى ركبتيه ثم وضعها وقال لو اردت ان ازداد لزدت فقلن له احمل فحملها الى حقوه ثم وضعها وقال لو اردت ان ازداد لزدت فقلن له احمل فحملها حتى وضعت على عاتقه فاراد ان يضعها فقال الله مكانك فانها فى عنقك وعنق ذريتك الى يوم القيامة شعر : آسمان بارامانت نتوانست كشيد قرعه فال بنام من ديوانه زدند تفسير : وفى كشف الاسرار [جون آسمان وزمين وكوهها بترسيدند ازبذيرفتن امانت وباز نشستند ازبرداشتن آن رب العزة آدم را كفت (انى عرضت الامانة على السموات والارض والجبال فلم يطقنها وانت آخذها بما فيها قال يا رب وما فيها قال ان احسنت جوزيت وان اسأت عوقبت قال بين اذنى وعاتقى) يعنى آدم بطاعت وخدمت بنده واردر آمد وكفت برداشتم ميان كوش ودوش خويش رب العالمين كيف اكنون كه برداشت ترادران معونت وقوت دهم] اجعل لبصرك حجابا فاذا خشيت ان تنظر الى ما لا يحل لك فارخ حجابه واجعل للسانك لحيين وغلقا فاذا خشيت ان تتكلم بما لا يحل فاغلقه واجعل لفرجك لباسا فلا تكشفه على ما حرمت عليك. شيخ جنيد قدس سره [فرموده كه نظر آدم برعرض حق بود نه برامانت لذت عرض ثقل امانت را بروفراموش كردانيد لا جرم لطف ربانى بزبان عنايت فرموده كه برداشتن ازتو ونكاه داشتن ازمن جون تو بطوع بارمرا برداشتى من هم ازميان همه تر برداشتم] {وحملناهم فى البر والبحر} ـ وروى ـ ان آدم عليه السلام قال احمل الامانة بقوتى ام بالحق فقيل من يحملها يحمل بنا فان ما هو منا لا يحمل الا بنا فحلمها شعر : راه اورا بدو توان بيمود بار اورا بدو توان برداشت تفسير : قال بعضهم شعر : آن باركه ازبردن آن عرش اباكرد باقوت او حامل آن بارتوان بود تفسير : ـ القصة ـ [خلعت حمل امانت جز برقامت بااستقامت انسان كه منشور {أية : انى جاعل فى الارض خليفة} تفسير : اوبرنام نامى نوشته اند راست نيامد وجون كارى بدين عظمت وفهمى بدين ابهت نامزد اوشد جهت دفع جشم زخم حسود آن شياطين كه دشمن ديرينه اند سبند {انه كان ظلوما جهولا} برآتش غيرت افكندند تاكورشود هر آنكه نتواندديد] كما قال {انه} اى الانسان {كان ظلوما} لنفسه بمعصية ربه حيث لم يف بالامانة ولم يراع حقها {جهولا} بكنه عاقبتها يعنى [نادان بعقوبت خيانت اكر واقع شود] والظلم وضع الشئ فى غير موضعه المختص به اما بنقصان او بزيادة واما بعدول عن وقته او مكانه ومن هذا ظلمت السقاء اذا تناولته فى غير وقته ويسمى ذلك اللبن الظلم وظلمت الارض اذا حفرتها ولم تكن موضعا للحفر وتلك الارض يقال لها المظلومة والتراب الذى يخرج منها ظليم والظلم يقال فى مجاوزة الحد الذى يجرى مجرى النقطة فى الدائرة ويقال فيما يكثر ويقل من التجاوز ولذا يستعمل فى الذنب الصغير والكبير ولذا قيل لآدم فى تقدمه ظالم وفى ابليس ظالم وان كان بين الظلمين بون بعيد. قال بعض الحكماء الظلم ثلاثة. احدها بين الانسان وبين الله واعظمه الكفر والشرك والنفاق. والثانى ظلم بينه وبين الناس. والثالث ظلم بينه وبين نفسه وهذه الثلاثة فى الحقيقة للنفس فان الانسان اول ما يهم بالظلم فقد ظلم نفسه شعر : اول بظالمان اثر ظلم ميرسد بيش ازهدف هميشه كمان تارميكند تفسير : والجهل خلو النفس من العلم وهو على قسمين ضعيف وهو الجهل البسيط وقوى وهو الجهل المركب الذى لا يدرى صاحبه انه لا يدرى فيكون محروما من التعلم ولذا كان قويا قال فى الارشاد وقوله انه الخ اعتراض وسط بين الحمل وغايته للايذان من اول الامر بعدم وفائه بما عهده وتحمله اى انه كان مفرطا فى الظلم مبالغا فى الجهل اى بحسب غالب افراده الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة او عهودهم يوم الارواح دون من عداهم من الذين لم يبدلوا فطرة الله وجروا على ما اعترفوا بقولهم بلى. وقال بعضهم الانسان ظلوم وجهول اى من شأنه الظلم والجهل كما يقال الماء طهور اى من شأنه الطهارة. واعلم ان الظلومية والجهولية صفتا ذم عند اهل الظاهر لانهما فى حق الخائنين فى الامانة فمن وضع الغدر والخيانة موضع الوفاء والاداء فقد ظلم وجهل. قال فى كشف الاسرار [عادت خلق آنست كه جون امانتى عزيز بنزديك كسى نهند مهرى بروى نهند وآن روز كه باز خواهند مهررا مطالعت كنندا اكر مهر برجاى بود اورا ثناها كويند امانتى بنزديك تونهادند از عهد ربوبيت {أية : ألست بربكم} تفسير : ومهرى كه بروى نهادند جون عمر بآخر رسد وترا بمنزل خاك برند آن فرشته در آيد وكويد "من ربك" آن مطالعت كه ميكند تامهرروز اول برجاى هست يانه] قال الحافظ شعر : از دم صبح ازل تا آخر شام ابد دوستى ومهر بريك عهد ويك ميثاق بود تفسير : وقال اهل الحقيقة هما صفتا مدح اى فى حق مؤدى الامانة فان الانسان ظلم نفسه بحمل الامانة لانه وضع شيئا فى غير موضعه فافنى نفسه وازال حجبها الوجودية وهى المعروفة بالانانية وجهل ربه فانه فى اول الامر يحب هذه البهيمية التى تأكل وتشرب وتنكح وتحمل الذكورية والانوثية اللتين اشترك فيهما جميع الحيوانات وما يدرى ان هذه الصورة الحيوانية قشر وله لب هو محبوب الحق الذى قال {أية : يحبهم} تفسير : وهو محب الحق الذى قال {أية : يحبونه} تفسير : فاذا عبر عن قشر جسمانية الظلمانية ووصل على لب روحانية النورانية. ثم علم ان هذا اللب النورانى ايضا قشر فان النبى صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ان لله سبعين الف حجاب من نور وظلمة" تفسير : فعبر عن القشر الروحانى ايضا ووصل الى لبه الذى هو محبوب الحق ومحبه فقد عرف نفسه واذا عرف نفسه فقد عرف ربه بتوحيد لاشرك فيه وجهل ما سوى الله تعالى بالكلية وايضا ان الجهول هوالعالم لان نهاية العلم هو الاعتراف بالجهل فى باب المعرفة والعجز عن درك الادراك ادراك قال المولى الجامى قدس سره شعر : غير انسان كسش نكرد قبول زانكه انسان ظلوم بود وجهول ظلم او آنكه هستئ خود را ساخت فانى بقاى سرمدرا جهل اوآنكه هرجه جزحق بود صورت آن زلوح دل نزدود نيك ظلمى كه عين معدلتست نغز جهلى كه مغز معرفتست اى نكرده دل از علائق صاف مزن از دانش خلائق لاف زانكه در عالم خدا دانى جهل علمست علم نا دانى تفسير : فلو لم يكن للانسان قوة هذه الظلومية والجهولية لما حمل الامانة وبهذا الاعتبار صح تعليل الحمل بهما وقال بعض اهل التفسير وتبعهم صاحب القاموس ان الوصف بالظلومية والجهولية انما يليق بمن خان فى الامانة وقصر عن حقها لا بمن يتحملها ويقبلها فمعنى حملها الانسان اى خانها والانسان الكافر والمنافق من قولك فلان حامل للامانة ومحتمل لها بمعنى انه لا يؤديها الى صاحبها حتى تزول عن ذمته ويخرج من عهدتها بجعل الامانة كأنها راكبة للمؤتمن عليها كما يقال ركبته الديون فما يحمل اذا كناية عن الخيانة والتضيع والمعنى انا عرضنا الطاعة على هذه الاجرام العظام فانقادت لامر الله انقيادا يصح من الجمادات واطاعت له اطاعة تليق بها حيث لم تمتنع عن مشيئة وارادته ايجادا وتكوينا وتسوية على هيآت مختلفة واشكال متنوعة كما قال {أية : اتينا طائعين} تفسير : والانسان مع حياته وكمال عقله وصلاحه للتكليف لم يكن حاله فيما يصح منه ويليق به من الانقياد لا وامر الله ونواهيه مثل حال تلك الجمادات بل مال الى ان يكون محتملا لتلك الامانة مؤديا اياها ومن ثم وصف بالظلم حيث ترك اداء الامانة وبالجهل حيث اخطأ طريق السعادة ففى هذا التمثيل تشبيه انقياد تلك الاجرام لمشيئة الله ايجادا وتكوينا بحال مأمور مطيع لا يتوقف عن الامتثال فالحمل فى هذا مجاز وفى التمثيل السابق على حقيقته وليس فى هذا المعنى حذف المعطوف مع حرف العطف بخلافه فى محل الحمل على التحمل فان المراد حينئذ وحملها الانسان ثم غدر بالحمل حتى يصح التعليل بقوله انه كان الخ فاعرف هذا المقام والقول ما قالت حذام. قال فى الاسئلة المقحمة كيف عرض الامانة عليه ما علمه بحاله من كونه ظلوما جهولا والجواب هذا سؤال طويل الذيل فانه تعالى قد بعث الرسل مبشرين ومنذرين الى جميع الخلق ليدعوهم الى الايمان مع علمه السابق بان يؤمن بعضهم ويكفر بعضهم والخطاب عم الكل مع علمه باختلاف احوالهم فى الايمان والكفر فهذا من قبيله وسبيله فانه مالك الاعيان والآثار على الاطلاق. وقد قال ابن عباس رضى الله عنهما كان ظلوما بحق الامانة جهولا بما يفعل من الخيانة يعنى لم تكن الخيانة عن عمد وقصد بل كانت عن جهل وسهو كما قال {أية : فنسى ولم نجد له عزما} تفسير : والسهو والنسيان مغفور والجهل فى بعض المواضع معذور الهنا اصنع بنا ما انت اهله ولا تصنع بنا ما نحن اهله: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : بر در كعبه سائلى ديدم كه همى كفت ميكرستى خوش من نكويم كه طاعتم ببذير قلم عفو بركناهم كش
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {إِنا عرضنا الأمانةَ على السماواتِ والأرضِ والجبالِ} الأمانة هنا هي التوحيد في الباطن، والقيام بوظائف الدين في الظاهر، من الأوامر والنواهي، فالإيمان أمانة الباطن، والشريعة بأنواعها كلها أمانة الظاهر، فمَن قام بهاتين الخصلتين كان أميناً، وإلا كان خائناً. والمعنى: إنا عرضنا هذه الأمانة على هذه الأجرام العظام، ولها الثواب العظيم، إن أحسنت القيام بها، والعقاب الأليم إن خانت، فأبتْ وأشفقتْ واستعفتْ منها، مخافةَ ألاَّ تقدر عليها، فطلبت السلامة، ولا ثواب ولا عقاب. وهذا معنى قوله: {فأبَيْنَ أن يحْمِلنَها وأشفقنَ منها} فيحتمل أن يكون الإباء بإدراكٍ، خلقه الله فيها، وقيل: أحياها وأعقلها، كقوله: {أية : ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً}تفسير : [فصلت: 11] ويحتمل أن يكون هذا العرض على أهلها من الملائكة والجن. وقال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن الفاسي: وقد يقال: الأمانة هي ما أخذ عليهم من عهد التوحيد في الغيب بعد الإشهاد لربوبيته، وينظر لذلك قوله: "حديث : لن يسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن"تفسير : . وأما حملها على التكاليف فلا يختص بالآدمي؛ لأن الجن أيضاً مكلف، ومناسبة الآية لِمَا قبلها: أن الوفاء بها من جملة التقوى المأمور بها. هـ. وقيل: لم يقع عَرض حقيقةً، وإنما المقصود: تعظيم شأن الطاعة، وسماها أمانة من حيث إنها واجبة الأداء. والمعنى: أنها لعظمة شأنها لو عُرضت على هذه الأجرام العظام، وكانت ذا شعور وإدراك، لأبيْن أن يحمِلْنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان، مع ضعف بنيته، ورخاوة قوته، لا جرم، فإن الراعي لها، والقائم بحقوقها، بخير الدارين. هـ. قاله البيضاوي. والمراد بالإباية: الاستعفاء، لا الاستكبار، أي: أشفقن منها فعفا عنهن وأعفاهن. {وحَمَلَها الإِنسانُ} أي: آدم. قيل: فما تمّ له يوم من تحملها حتى وقع في أمر الشجرة، وقيل: جنس الإنسان، وهذا يناسب حملَ الأمانة على العهد الذي أخذ على الأرواح في عالم الغيب. {إِنه كان ظلوماً جهولاً} حيث تعرض لهذا الخطر الكبير، ثم إن قام بها ورعاها حق رعايتها خرج من الظلم والجهل، وكان صالحاً أميناً عدولاً، وإن خانها ولم يقم بها، كان ظلوماً جهولاً، كلٌّ على قدر خيانته وظُلمه، فالكفار خانوا أصل الأمانة، وهي الإيمان فكفروا، ومن دونهم خانوا بارتكاب المناهي أو ترك الطاعة، فبعضهم أشد، وبعضهم أهون، وكل واحد عقوبته على قدر خيانته. ثم علل عرضها، وهو: لتقوم الحجة على عباده، فقال: {ليُعذبَ اللهُ المنافقين والمنافقاتِ والمشركينَ والمشركاتِ} حيث لم يقوموا بها، وخانوا فيها، فتقوم الحجة عليهم، ولا يظلم ربك أحداً. وقال أبو حيان: اللام للصيرورة والعاقبة. وقال أبو البقاء: اللام متعلق بحَمَلَها، وحينئذ تكون للعاقبة قطعاً. {ويتوبَ اللهُ على المؤمنين والمؤمنات} حيث حملوا الأمانة، إلا أن العبد لا يخلو من تفريط، قال تعالى: {أية : كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ}تفسير : [عبس: 23] وقال: {أية : وَمَا قَدَرُواْ اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ}تفسير : [الزمر: 67] ولذلك قال: {وكان الله غفوراً رحيماً} فالغفران لمن لَحِقه تفريط وتقصير، والرحمة لمَن اجتهد قدر طاقته، كالأولياء وكبار الصالحين. والحاصل: أن العذاب لمَن تحملها أولاً، ولم يقم بحقها ثانياً. والغفران لمَن تحملها وقام بحقها، والرحمة لمَن تحملها ورعاها حق رعايتها. والله تعالى أعلم. الإشارة: الأمانة التي عرضها الله على السماوات والأرض والجبال هي شهود أسرار الربوبية في الباطن، والقيام بآداب العبودية في الظاهر، أو تقول: هي إشراق أسرار الحقائق في الباطن، والقيام بالشرائع في الظاهر، مع الاعتدال، بحيث لا تغلب الحقائق على الشرائع، ولا الشرائع على الحقائق، فلا يغلب السُكْرُ على الصحو، ولا الصحو على السُكْر. وهذا السر خاص بالآدمي؛ لأنه اجتمع فيه الضدان؛ اللطافة والكثافة، النور والظلمة، المعنى والحس، القدرة والحكمة، فهو سماوي أرضي، رُوحاني بشري، معنوي وحسي. ولذلك خصّه الله تعالى من بين سائر الأكوان بقوله: {أية : خَلَقْتُ بِيَدَيَّ}تفسير : [ص: 75] أي: بيد القدرة والحكمة، فكان جامعاً للضدين، ملكياً ملكوتيًّا، حسه حكمة، ومعناه قدرة: وليست هذه المزية لغيره من الكائنات، فالملائكة والجن معناهم غالب على حسهم، فإذا أشرقت عليهم أنوار الحقائق غلب عليهم السكر والهَيَمان، والحيوانات والجمادات حسهم غالب على معناهم، فلا يظهر عليهم شيء من الأنوار والأَسرار. وهذا السر الذي خُصّ به الآدمي هو كامن فيه، من حيث هو، كان كافراً أو مؤمناً، كما كَمُن الزبد في اللبن، فلا يظهر إلا بعد الترتيب والضرب والمخض، وإلا بقي فيه كامناً، وكذلك الإنسان، السر فيه كامن، وهو نور الولاية الكبرى، فإذا آمن ووحّد الله تعالى، واهتز بذكر الله، وضرب قلبه باسم الجلالة، ظهر سره، إن وجد شيخاً يُخرجه من سجن نفسه وأسر هواه. وله مثال آخر، وهو أن كمون السر فيه ككمون الحَب في الغصون قبل ظهوره، فإذا نزل المطر، وضربت الرياح أغصان الأشجار، أزهرت الأغصان وأثمرت، وإليه أشار في المباحث الأصلية، حيث قال: شعر : وهي من النفوس في كُمُون كما يكون الحب في الغصون حتى إذا أرعدت الرعود وانسكب الماء ولان العود وجال في أغصانها الرياح فعندها يرتقب اللقاح تفسير : ثم قال: شعر : فهذه فواكه المعارف لم تشر بالتالِد أو بالطارف ما نالها ذو العين والفلوس وإنما تُباع بالنفوس تفسير : فلا يظهر هذا السر الكامن في الإنسان إلا بعد إرعاد الرعود فيه، وهي المجاهدة والمكابدة، وقتل النفوس، بخرق عوائدها، وبعد نزول أمطار النفحات الإلهية، والخمرة الأزلية، على يد الأشياخ، الذين أهَّلهم الله لسقي هذا الماء، وتجول في أغصان عوالمه رياح الواردات، وينحط مع أهل الفن، حتى يسري فيه أنوارهم، ويتأدّب بآدابهم، فحينئذ ينتظر لقاح السر فيه، ويجني ثمار معارفه، وإلا بقي السر أبداً كامناً فيه. وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. وصلّى الله على سيدنا محمد وآله.
الجنابذي
تفسير : المراد بالامانة كما اشير اليه فى سورتى النّساء والمؤمنون وغيرهما وفى هذه السّورة قبيل هذا اللّطيفة السّيّارة الانسانيّة الّتى لم يكن فى خزانة الحقّ تعالى شأنه جوهر ابهى وامثل منها، فأخرجها من خزانته الغيبيّة وعرضها على سماوات العقول والنّفوس وسماوات الافلاك الطّبيعيّة بان امرّها عليها ثمّ عرضها على اراضى العناصر ثمّ على جبال المواليد فأبى الكلّ من حملها لما لم يكن لها بأهلٍ، لانّ هذه الجوهرة بذاتها كانت تقتضى محلاًّ مأمناً عليه حفّاظ كثيرة لكثرة سرّاقها وحسّادها ومستعدّاً للخروج من التّقيّد والحدود والوصول الى عالم الاطلاق، وكلّ تلك المذكورات امّا لم يكن مستعدّاً للخروج من الحدود او لم يكن مستعدّاً اولا مأمناً ولا عليه حفّاظ، فأشفق كلّ منها عليها ومن فنائها وهلاكها وتضرّع على الله ان يعفيه منها، ثمّ عرضها على المولود الاخير وغاية الكلّ ونهاية الجميع فوجده اهلاً لحمله، ونظر الانسان الى استعداده وقوّة الخروج عن الحدود فاشتاق اليها وتقبّلها وسأل الحفّاظ والمعاونين من سنخ الجنّة والشّياطين وسأل الحفّاظ من سنخ الاناسىّ فأعطاه الله ذلك، وبهذا البيان للامانة يجتمع المختلفات من الاخبار ويتوافق المتخالفات منها؛ فقد فسّرت فيها بمطلق التّكليف، وبالصّلٰوة، وبالامامة والامارة، وبالخلافة، وبمنزلة محمّدٍ (ص) وآل محمّد، وبتمنّى منزلتهم، وبمطلق الامانة، وبولاية علىّ بن ابى طالب (ع)، وبشهادة حسين بن علىّ (ع)، وبالخلافة المغصوبة، وباختلاف التّفاسير فى الامانة يختلف تفسير الانسان بعلىّ (ع) وحسين (ع) وآدم (ع) وغاصبى الخلافة ومطلق الانسان وهكذا الظّلوم والجهول، فمن اراد الاطّلاع على اختلاف الاخبار فليرجع الى كتب التّفاسير والاخبار.
فرات الكوفي
تفسير : فرات [قال: حدثني. أ، ب] علي بن عتاب معنعناً: عن فاطمة الزهراء [أ، ب: بنت محمد] عليها السلام قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حديث : لما عرج بي إلى السماء صرت إلى سدرة المنتهى {فكان قاب قوب قوسين أو أدنى} [9/ النجم] فأبصرته بقلبي ولم أره بعيني، فسمعت أذاناً مثنى مثنى وإقامة وتراً وتراً فسمعت منادياً ينادي: يا ملائكتي وسكان سماواتي وأرضي وحملة عرشي اشهدوا أني لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، قالوا: شهدنا وأقررنا، قال: اشهدوا يا ملائكتي وسكان سماواتي وأرضي وحملة عرشي بأن [ر (خ ل): أن] محمداً عبدي ورسولي، قالوا: شهدنا وأقررنا، قال: اشهدوا يا ملائكتي وسكان سماواتي وأرضي وحملة عرشي بأن [ر: ان] علياً وليي وولي رسولي وولي المؤمنين بعد رسولي، قالوا: شهدنا وأقررنا. تفسير : قال: عباد بن صهيب قال: جعفر بن محمد قال أبو جعفر [عليهما السلام. ب، ر]: وكان ابن عباس رضي الله عنه: إذا ذكر [هذا الحديث. ر، ب] فقال!: إني لأجده في كتاب الله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً} قال: فقال ابن عباس [رضي الله عنه. ر]: والله ما استودعهم ديناراً ولا درهماً ولا كنزاً من كنوز الأرض ولكنه أوحى إلى السماوات والأرض والجبال من قبل أن يخلق آدم عليه [الصلاة و. أ، ر] السلام: إني مخلف فيك الذرية ذرية محمد صلى الله عليه وآله وسلم فما أنت فاعلة بهم؟ إذا دعوك فأجيبيهم وإذا آووك فآويهم، وأوحى إلى الجبال إذا دعوك فأجيبيهم وأطيعي [ظ: وأطبقي] على عدوهم فأشفقن منها السماوات والأرض والجبال عما سأله الله من الطاعة فحملها بني [ر، أ: بنو] آدم فحملوها. قال عباد قال جعفر: والله ما وفوا بما حملوا [ب: حملهم] من طاعتهم.
اطفيش
تفسير : {إنا عرضنا الأمانة على السمٰوات والأرض والجبال} أتحمل هذه الأمانة بما فيها قلن: وما فيها؟ قال: إن أحسنتن جوزيتن وظفرتن بالجنة وان أسأتن عوقبتن بالنار وقد ركب فيهن العقل اذ ذاك وذلك قبل خلق آدم. {فأبين} إمتنعن. {أن يحملنها وأشفقن منها} تعظيماً لدينه أن يضيعنه وقلن: لا نريد ثواباً ولا عقابا نحن مسخرات لأمرك وكان العرض عليهن تخييرا لا إلزاما وإلا لما أبين. {وحملها الإنسان} آدم وتلك الأمانة جميع الفرائض عند الجمهور وبه قال: ابن عباس والكلبي ومجاهد، قال الكلبي: قال الله عز وجل لآدم: إني عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال ولم تطقها وخافت ان لا تقوم بها فيلحقها العذاب فهل انت آخذها بما فيها؟ فقال: يا رب وما فيها، قال: إن أحسنت جوزيت وإن أسأت عوقبت فتحملها فقال: بين أذني وعاتقي فقال: أما إذا تحملت فسأعينك وأجعل لبصرك حجابا فاذا خشيت ان تنظر الى ما لا يحل سأرخ عليه حجابه وأغلق لحييك على لسانك إذا خفت منه وأجعل لفرجك لباساً فلا تكشفه على ما حرمت عليك. قال مجاهد: فما كان بين أن حملها وبين أن خرج من الجنة إلا مقدار ما بين الظهر والعصر. وقال ابن مسعود: الأمانة الصلاة والزكاة وصوم رمضان وحج البيت وصدق الحديث وقضاء الدين والعدل في الكيل والوزن وأشد من هذ كله الودائع حتى ان ابن عباس في رواية فسر الأمانة بالودائع والوفاء بالعهود، وقال زيد بن اسلم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أيأتمن الله ابن آدم على ثلاث الصلاة ولو شاء قال: صليت وعلى الصيام ولو شاء قال: صمت على الغسل من الجنابة ولو شاء قال: قد اغتسلت ثم تلا الآية وتلا يوم تبلى السرائر" تفسير : وهذا قول ابن عباس في رواية إبراهيم بن محمد بن صلاح قال الله سبحانه: ثلاث من حفظهن فهو عبدي حقا ومن ضيعهن فهو عدوي حقا الصلاة والصوم والغسل من الجنابة: وقال عبدالله بن عمر وابن العاصي بإسكان الميم وإثبات الياء بعد الصاد وتركها أول ما خلق الله من الإنسان الفرج وقال: هذه الأمانة استودعكها الله فالفرج أمانة والإذن أمانة والعين أمانة واليد أمانة ولا إيمان لمن لا أمانة له، وقيل: صوم رمضان وغسل الجنابة وما خفي من الشرائع. ويجوز ان لا يكون تم عرض على السماوات والأرض والجبال حقيقة ولا على الانسان حقيقة ولكن المعنى انا خلقنا السماوات والأرض والجبال على حالة لا يليق بهن حمل الأمانة وخلقنا الانسان على حالة تقبل حملها فأمتناعهن عن الحمل عدم إمكان الحمل وقبول الانسان إمكان الحمل ويجوز ان يريد بقوله {فأبين أن يحملنها} فأبين أن يضمنها فان الشيء اذا ضيعته فأنت حامل له مترتب في ذمتك اي علمن انهن لا يقدرن فلو قبلتها لضيعتها وكان دينا عليهن، ومعنى حمل الانسان لها كونها دينا عليه لازما له معاقبا به لتضييعه إياها المترتب على قبوله إياها، وقيل: عرضت عليهن امانة وهن الخضوع والانقياد فامتنعن ان تكن حاملات لها اي ضامنات اي لا يضيعن فضلا عن ان يضمنها بل وفين بها بخلاف الانسان، وقيل: المراد عرضناها على أهلهن وهو الملائكة فانهم في الأرض والجبال والسماوات. {إنه كان ظلوماً} لنفسه إذ لم يفِ بها وعصى ربه. {جهولا} لأمر ربه وعاقبة حمل الأمانة وعاقبتها عدم الوفاء بها المترتب عليه المعاقبة. وقال الحسن: الإنسان الكافر والمنافق حملا الأمانة وخانا فيها، وقيل: الناس كلهم، والوصف بالظلومية والجهولية على هذا باعتبار الأغلب ولا يخفى أن الكافر والمنافق جاهلان لدين الله وأمره، والجملة مستأنفة او تعليل للحمل لكن على معنى قولك حملها لما سبق في علم الله أنه ظلوم لا يفي بها جهول وهذا التعليل مجاز بمعنى العاقبة والصيرورة او على معنى أنه حملها لانه كان ذا قوة غضبية وقوة شهوية خلق العقل لقهرهما.
اطفيش
تفسير : {إنَّا عَرضْنا الأمانة} ما يجب فعله وما يجب تركه، وجاء فى الحديث، عن زيد بن أسلم، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : الأمانة ثلاث: الصلاة والصيام والغسل من الجنابة"تفسير : قلنا: هذا تمثيل لا حصر، وهذا هو الصحيح، وقيل: لا إله إلا الله، لأن الأعمال تتوقف على التوحيد، ويضعف تفسيرها بالأعضاء، ومثل لها ابن عمر موقوفا بالفرج، وشهر هذا عن عمرو بن العاص، وقال: "حديث : أول ما خلق الله من الانسان الفرج وقال: هذه أمانتى عندك فلا تضعها إلا فى حقها" تفسير : والسمع أيضا أمانة، وقيل: أمانات الناس، والوفاء بالعهود، وقيل: أن لا تغش أحدا، وإذا حملنا الأقوال على التمثيل عدنا الى ما فسرت به أولا من الواجب فعلا أو تركا. {على السَّماوات والأرض} المراد الأرضون {والجِبَال} أى على أهلهن، ولما حذف قيل: "أبين ويحملنها وأشفقن" ولم يقل: أبوا، وأن يحملوها واشفقوا، وقيل: خلق فيهن العقل وخيرهن فى القبول على الثوب والعقاب، وقلن تخاف العقاب، ولا نحتاج الى الثواب كما قال الله عز وجل: {فأبَين} امتنعن منها، ولولا التخيير لم يمتنعن {أن يحْملنَها} مفعول به، أى منعهن حملها عن أنفسهن، أى لم يقبلنه وكرهنه، أو امتنعن من أن يحلمنها {وأشْفَقْن منها} اشد خوفهن للعقاب على عدم الوفاء، أو معنى عرضها عليهن، وابائهن خلقهن على وجه لا يقبل التكليف بها، لعدم العقل، وعدم صور ما يتصور من الانسان منهن، أو المعنى لو عرضناها عليهن لأبين بعقل أو دونه على حد ما مر. {وحَمَلها الإنسانُ} أى خلقناه على وجه تتصور هى منه، وكذا الجن والملائكة، إلا أنهم لا تشق عليهم وهى العبادة، لأنها من جنس ما طبعوا عليه، ومع ذلك لهم اختيار مدحوا به، والجن كالانسان، إلا أنهم لم يذكروا، لأن الكلام فى الانسان وإيذائه الرسول، والمراد جنس الانسان، وحمله لها كونه على وجه يتصور معه أداؤها، أو نطقه بأدائها يوم يقول: "أية : ألست بربكم" تفسير : [الأعراف: 172] وكذا أقر آدم، وقل: الانسان آدم، خلق الله تعالى صخرة عجزت عنها السماوات والأرض والجبال، وقد عرضت عليهن، فحركها آدم وقال: لو شئت لحركتها فحملها الى حقوية، ثم الى عاتقة، وأراد وضعها فنودى: كما أنت قد لزمتك وذريتك الى يوم القيامة اى قف كما أنت لا تضعها، وفيه أن تسمية آدم بما قال الله تعالى: {إنَّه كان ظَلُوما جَهُولا} بعيدة لأنه ولى له لا يسميه بذلك، ولو كان المعنى أنه ظلوم لنفسه جهول لأمر الله، أى بعاقبة حملها، ولو قيل بأن من شأنه ذلك، لولا أن الله وفقه، أو قيل: ظلوم جهول فى حساب الملائكة، ثم علموا غير ذلك، قيل: ما بين حملها وخروجه من الجنة بالزلة إلا قدر ما بين الظهر والعصر، ويقال: قال: أحملها إجلالا لك، فقال: وجلالى لأعيننك، والصحيح أن الانسان الجنس، والمبالغة فى الظلم والجهل باعتبار غالب الأفراد، وكذا تظنهم الملائكة يوم "أية : أتجعل فيها من يفسد فيها" تفسير : [البقرة: 30].
الالوسي
تفسير : {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا } لما بين جل شأنه عظم شأن طاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ببيان مآل الخارجين عنها من العذاب الأليم ومنال المراعين لها من الفوز العظيم عقب ذلك [ببيان] عظم شأن ما يوجبها من التكاليف الشرعية وصعوبة أمرها بطريق التمثيل مع الإيذان بأن ما صدر عنهم من الطاعة وتركها صدر عنهم بعد القبول والالتزام من غير جبر هناك ولا إبرام، وعبر عنها بالأمانة وهي في الأصل مصدر كالأمن والأمان تنبيهاً على أنها حقوق مرعية أودعها الله تعالى المكلفين وائتمنهم عليها وأوجب عليهم تلقيها بحسن الطاعة والانقياد وأمرهم بمراعاتها والمحافظة عليها وأدائها من غير إخلال بشيء من حقوقها، وعبر عن اعتبارها بالنسبة إلى استعداد ما ذكر من السماوات وغيرها من حيث الخصوصيات بالعرض عليهن لإظهار مزيد الاعتناء بأمرها والرغبة في قبولهن لها، وعن عدم استعدادهن لقبولها ومنافاتها لما هن عليه بالإباء والإشفاق منها لتهويل أمرها وتربية فخامتها وعن قبولها بالحمل لتحقيق معنى الصعوبة المعتبرة فيها بجعلها من قبيل الأجسام الثقيلة، والمعنى أن تلك الأمانة في عظم الشأن بحيث لو كلفت هاتيك الأجرام العظام التي هي مثل في القوة والشدة مراعاتها وكانت ذات شعور وإدراك لأبين قبولها وخفن منها لكن صرف الكلام عن سننه بتصوير المفروض بصورة المحقق لزيادة تحقيق المعنى المقصود وتوضيحه. {وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ } أي هذا الجنس نحو {أية : إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لِرَبّهِ لَكَنُودٌ } تفسير : [العاديات: 6] و {أية : إِنَّ ٱلإِنسَـٰنَ لَيَطْغَىٰ }تفسير : [العلق: 6] وحمله إياها إما باعتبارها بالإضافة إلى استعداده أو بتكليفه إياها يوم الميثاق أي تكلفها والتزمها مع ما فيه من ضعف البنية ورخاوة القوة، وهو إما عبارة عن قبولها بموجب استعداده الفطري أو عن القبول القولي يوم الميثاق، وتخصيص الإنسان بالذكر مع أن الجن مكلفون أيضاً وكذا الملائكة عليهم السلام وإن لم يكن في ذلك كلفة عليهم لما أنه ليس فيه ما يخالف طباعهم لأن الكلام معه. وقوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} اعتراض وسط بين الحمل وغايته للإيذان من أول الأمر بعدم وفائه بما تحمل، والتأكيد لمظنة التردد أي إنه كان مفرطاً في الظلم مبالغاً في الجهل أي بحسب غالب أفراده الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة أو قبولهم السابق دون من عداهم من الذين لم يبدلوا فطرة الله تعالى تبديلاً، ويكفي في صدق الحكم على الجنس بشيء وجوده في بعض أفراده فضلاً عن وجوده في غالبها، وإلى الفريق الأول أشير بقوله تعالى: {لّيُعَذّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ...}.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي أفاد الإنباء على سنة عظيمة من سنن الله تعالى في تكوين العالم وما فيه وبخاصة الإِنسان ليرقب الناس في تصرفاتهم ومعاملاتهم مع ربهم ومعاملاتهم بعضهم مع بعض بمقدار جريهم على هذه السنة ورعيهم تطبيقها فيكون عرضهم أعمالهم على معيارها مشعراً لهم بمصيرهم ومبيناً سبب تفضيل بعضهم على بعض واصطفاء بعضهم من بين بعض. وموقع هذه الآية عقب ما قبلها، وفي آخر هذه السورة يقتضي أن لمضمونها ارتباطاً بمضمون ما قبلها، ويصلح عوناً لاكتشاف دقيق معناها وإزالة ستور الرمز عن المراد منها، ولو بتقليل الاحتمال، والمصير إلى المآل. والافتتاح بحرف التوكيد للاهتمام بالخبر أو تنزيله لغرابة شأنه منزلة ما قد ينكره السامع. وافتتاح الآية بمادة العَرض، وصَوغها في صيغة الماضي، وجعل متعلقها السماوات والأرض والجبال والإنسان يُومِئ إلى أن متعلق هذا العَرض كان في صعيد واحد فيقتضي أنه عرْض أَزَلي في مبدأ التكوين عند تعلق القدرة الربانية بإيجاد الموجودات الأرضية وإيداعها فُصُولها المقوّمة لمواهيها وخصائصها ومميزاتها الملائمة لوفائها بما خلقت لأجله كما حمل قوله: {أية : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم} تفسير : [الأعراف: 172] الآية. واختتام الآية بالعلّة من قوله: {أية : ليعذب الله المنافقين والمنافقات}تفسير : [الأحزاب: 73] إلى نهاية السورة يقتضي أن للأمانة المذكورة في هذه الآية مزيد اختصاص بالعبرة في أحوال المنافقين والمشركين من بين نوع الإِنسان في رعي الأمانة وإضاعتها. فحقيق بنا أن نقول: إن هذا العَرض كان في مبدأ تكوين العالم ونوعِ الإنسان لأنه لما ذكرت فيه السماوات والأرض والجبال مع الإِنسان علم أن المراد بالإِنسان نوعه لأنه لو أريد بعض أفراده ولو في أول النشأة لمَا كان في تحمل ذلك الفرد الأمانة ارتباطٌ بتعذيب المنافقين والمشركين، ولَمَا كان في تحمل بعض أفراده دون بعض الأمانةَ حكمة مناسبة لتصرفات الله تعالى. فتعريف {الإنسان} تعريف الجنس، أي نوع الإِنسان. والعرض: حقيقته إحضار شيء لآخر ليختاره أو يقبله ومنه عَرْضُ الحوض على الناقة، أي عرضه عليها أن تشرب منه، وعرضُ المجنَّدين على الأمير لقبول من تأهل منهم. وفي حديث ابن عمر: "عُرِضَتُ على رسول الله وأنا ابن أربع عشرة فردني وعُرِضتُ عليه وأنا ابن خمس عشرة فأجازني". وتقدم عند قوله تعالى: {أية : أولئك يعرضون على ربهم} تفسير : في سورة هود [18]، وقوله: {أية : وعرضوا على ربك صفاً} تفسير : في سورة الكهف [48]. فقوله: {عرضنا} هنا استعارة تمثيلية لوضع شيء في شيء لأنه أهل له دون بقية الأشياء، وعدم وضعه في بقية الأشياء لعدم تأهلها لذلك الشيء، فشبهت حالة صرف تحميل الأمانة عن السموات والأرض والجبال ووضعها في الإِنسان بحالة من يعرض شيئاً على أناس فيرفضه بعضهم ويقبله واحد منهم على طريقة التمثيلية، أو تمثيل لتعلق علم الله تعالى بعدم صلاحية السماوات والأرض والجبال لإِناطة ما عبر عنه بالأمانة بها وصلاحيةِ الإِنسان لذلك، فشبهت حالة تعلق علم الله بمخالفة قابلية السماوات والأرض والجبال بحمل الأمانة لقابلية الإِنسان ذلك بعرض شيء على أشياء لاستظهار مقدار صلاحية أحد تلك الأشياء للتلبس بالشيء المعروض عليها. وفائدة هذا التمثيل تعظيم أمر هذه الأمانة إذ بلغت أن لا يطيق تحملها ما هو أعظم ما يبصره الناس من أجناس الموجودات. فتخصيص {السماوات والأرض} بالذكر من بين الموجودات لأنهما أعظم المعروف للناس من الموجودات، وعطف {الجبال} على {الأرض} وهي منها لأن الجبال أعظم الأجزاء المعروفة من ظاهر الأرض وهي التي تشاهد الأبصارُ عظمتها إذ الأبصار لا ترى الكرة الأرضية كما قال تعالى: {أية : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله}تفسير : [الحشر: 21]. وقرينة الاستعارة حالية وهي عدم صحة تعلق العرض والإِباء بالسماوات والأرض والجبال لانتفاء إدراكها فأنّى لها أن تختار وترفض، وكذلك الإنسان باعتبار كون المراد منه جنسه وماهيته لأن الماهية لا تفاوض ولا تختار كما يقال: الطبيعة عمياء، أي لا اختيار لها، أي للجبلة وإنما تصدر عنها آثارها قسراً. ولذلك فأفعال {عَرضنا، أبَيْن، يحملنها، وأشفقن منها، وحملها} أجزاء للمركب التمثيلي. وهذه الأجزاء صالحة لأن يكون كل منها استعارة مفردة بأن يشبه إيداع الأمانة في الإنسان وصرفها عن غيره بالعرض، ويشبه عدم مُصَحح مَواهي السماوات والأرض والجبال لإِيداع الأمانة فيها بالإِباء، ويشبه الإِيداع بالتحميل والحمل، ويشبه عدم التلاؤم بين مواهي السماوات والأرض والجبال بالعجز عن قبول تلك الكائنات إياها وهو المعبر عنه بالإِشفاق، ويشبه التلاؤم ومُصحِّح القبول لإِيداع وصف الأمانة في الإِنسان بالحمل للثقْل. ومثل هذه الاستعارات كثير في الكلام البليغ. وصلوحية المركب التمثيلي للانحلال بأجزائه إلى استعارات معدود من كمال بلاغة ذلك التمثيل. وقد عُدّت هذه الآية من مشكلات القرآن وتردد المفسرون في تأويلها تردداً دلّ على الحيرة في تقويم معناها. ومرجع ذلك إلى تقويم معنى العَرض على السماوات والأرض والجبال، وإلى معرفة معنى الأمانة، ومعرفة معنى الإِباء والإِشفاق. فأما العرض فقد استبانت معانيه بما علمت من طريقة التمثيل. وأما الأمانة فهي ما يؤتمن عليه ويطالب بحفظه والوفاء دون إضاعة ولا إجحاف، وقد اختلف فيها المفسرون على عشرين قولاً وبعضها متداخل في بعض، ولنبتدئ بالإلمام بها ثم نعطف إلى تمحيصها وبيانها. فقيل: الأمانة الطاعة، وقيل: الصلاة، وقيل: مجموع الصلاة والصوم والاغتسال، وقيل: جميع الفرائض، وقيل: الانقياد إلى الدين، وقيل: حفظ الفرج، وقيل: الأمانة التوحيد، أو دلائل الوحداينة، أو تجليات الله بأسمائه، وقيل: ما يؤتمن عليه، ومنه الوفاء بالعهد، ومنه انتفاء الغش في العمل، وقيل: الأمانة العقل، وقيل: الخلافة، أي خلافة الله في الأرض التي أودعها الإِنسان كما قال تعالى: {أية : وإذ قال ربك للملائكة إِني جاعل في الأرض خليفة}تفسير : [البقرة: 30] الاية. وهذه الأقوال ترجع إلى أصناف: صنف الطاعات والشرائع، وصنف العقائد، وصنف ضد الخيانة، وصنف العقل، وصنف خلافة الأرض. ويجب أن يطرح منها صنف الشرائع لأنها ليست لازمة لفطرة الإِنسان فطالما خلت أمم عن التكليف بالشرائع وهم أهل الفِتَر فتسقط ستة أقوال وهي ما في الصنف الأول. ويبقى سائر الأصناف لأنها مرتكزة في طبع الإِنسان وفطرته. فيجوز أن تكون الأمانة أمانة الإِيمان، اي توحيد الله، وهي العهد الذي أخذه الله على جنس بني آدم وهو الذي في قوله تعالى: {أية : وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا} تفسير : وتقدم في سورة الأعراف [172]. فالمعنى: أن الله أودع في نفوس الناس دلائل الوحدانية فهي ملازمة للفكر البشري فكأنها عهْد عَهِد الله لهم به وكأنه أمانة ائتمنهم عليها لأنه أودعها في الجبلة مُلازِمة لها، وهذه الأمانة لم تودع في السماوات والأرض والجبال لأن هذه الأمانة من قبيل المعارف والمعارف من العلم الذي لا يتصف به إلا من قامت به صفة الحياة لأنها مصححة الإِدراك لمن قامت به، ويناسب هذا المحمل قولُه: {أية : ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} تفسير : [الأحزاب: 73]، فإن هذين الفريقين خالون من الإِيمان بوحدانية الله. ويجوز أن تكون الأمانة هي العقل وتسميته أمانة تعظيم لشأنه ولأن الأشياء النفيسة تودع عند من يحتفظ بها. والمعنى: أن الحكمة اقتضت أن يكون الإنسان مستودَع العقل من بين الموجودات العظيمة لأن خلقته مُلائمة لأن يكون عاقلاً فإن العقل يبعث على التغير والانتقال من حال إلى حال ومن مكان إلى غيره، فلو جعل ذلك في سماء من السماوات أو في الأرض أو في جبل من الجبال أو جميعها لكان سبباً في اضطراب العوالم واندكاكها. وأقرب الموجودات التي تحمل العقل أنواع الحيوان ما عدا الإِنسان فلو أودع فيها العقل لما سمحت هيئات أجسامها بمطاوعة ما يأمرها العقل به. فلنفرض أن العقل يسول للفرس أن لا ينتظر علفه أو سومه وأن يخرج إلى حناط يشتري منه علفاً، فإِنه لا يستطيع إفصاحاً ويضيع في الإِفهام ثم لا يتمكن من تسليم العوض بيده إلى فرس غيره. وكذلك غذا كانت معاملته مع أحد من نوع الإنسان. ومناسبة قوله: {أية : ليعذب الله المنافقين}تفسير : [الأحزاب: 73] الآية لهذا المحمل نظير مناسبته للمحمل الأول. ويجوز أن تكون الأمانة ما يؤتمن عليه، وذلك أن الإِنسان مدني بالطبع مخالط لبني جنسه فهو لا يخلو عن ائتمان أو أمانة فكان الإنسان متحملاً لصفة الأمانة بفطرتِه والناس متفاوتون في الوفاء لما ائتمنوا عليه كما في الحديث: "حديث : إذا ضُيّعت الأمانة فانتظر الساعة" تفسير : أي إذا انقرضت الأمانة كان انقراضها علامة على اختلال الفطرة، فكان في جملة الاختلالات المنذرة بدنو الساعة مثل تكوير الشمس وانكدار النجوم ودكّ الجبال. والذي بَيَّن هذا المعنى قولُ حذيفة: "حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جِذر قلوب الرجال ثم عَلِموا من القرآن ثم علموا من السنة، وحدثنا عن رفعها فقال: ينام الرجل النومةَ فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر الوَكْت، ثم ينام النومة فتقبض فيبقى أثرها مثل المَجْل كجمر دَحرَجْتَه على رِجْلك فنفط فتراه منتبرًا وليس فيه شيء فيصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة فيقال: إن في بني فلان رجلاً أميناً، ويقال للرجل: ما أعقله وما أظرفه وما أجلده، وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان" أي من أمانة لأن الإِيمان من الأمانة لأنه عهد الله. ومعنى عرض هذه الأمانة على السماوات والأرض والجبال يندرج في معنى تفسير الأمانة بالعقل، لأن الأمانة بهذا المعنى من الأخلاق التي يجمعها العقل ويصرّفها، وحينئذٍ فتخصيصها بالذكر للتنبيه على أهميتها في أخلاق العقل. والقول في حَمل معنى الأمانة على خلافة الله تعالى في الأرض مثل القول في العقل لأن تلك الخلافة ما هيّأ الإِنسان لها إلا العقلُ كما أشار إليه قوله تعالى: {أية : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} تفسير : [البقرة: 30] ثم قوله: {أية : وعلم آدم الأسماء كلها} تفسير : [البقرة: 31] فالخلافة في الأرض هي القيام بحفظ عمرانها ووضع الموجودات فيها في مواضعها، واستعمالها فيما استعدّت إليه غرائزها. وبقية الأمور التي فسر بها بعض المفسرين الأمانة يعتبر تفسيرها من قبيل ذكر الأمثلة الجزئية للمعاني الكلية. والمتبادر من هذه المحامل أن يكون المراد بالأمانة حقيقتها المعلومة وهي الحفاظ على ما عُهد به ورعْيهُ والحذارُ من الإِخلال به سهواً أو تقصيراً فيسمى تفريطاً وإضاعة، أو عمداً فيسمى خيانة وخيساً لأن هذا المحمل هو المناسب لورود هذه الآية في ختام السورة التي ابتدئت بوصف خيانة المنافقين واليهود وإخلالهم بالعهود وتلونهم مع النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {أية : ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار} تفسير : [الأحزاب: 15] وقال: {أية : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه} تفسير : [الأحزاب: 23]. وهذا المحمل يتضمن أيضاً أقرب المحامل بعده وهو أن يكون هو العقل لأن قبول الأخلاق فرع عنه. وجملة {إنه كان ظلوماً جهولاً} محلها اعتراض بين جملة {وحملها الإنسان} والمتعلق بفعلها وهو {أية : ليعذب الله المنافقين} تفسير : [الأحزاب: 73] الخ. ومعناها استئناف بياني لأن السامع خبرَ أن الإِنسان تحمل الأمانة يترقب معرفة ما كان من حسن قيام الإِنسان بما حُمِّله وتحمّله وليست الجملة تعليلية لأن تحمل الأمانة لم يكن باختيار الإِنسان فكيف يعلل بأن حمله الأمانة من أجل ظلمه وجهله. فمعنى {كان ظلوماً جهولاً} أنه قصّر في الوفاء بحق ما تحمله تقصيراً: بعضُه عن عمْد وهو المعبر عنه بوصف ظلوم، وبعضه عن تفريط في الأخذ بأسباب الوفاء وهو المعبر عنه بكونه جهولاً، فظلوم مبالغة في الظلم وكذلك جهول مبالغة في الجهل. والظلم: الاعتداء على حق الغير واريد به هنا الاعتداء على حق الله الملتزم له بتحمل الأمانة، وهو حق الوفاء بالأمانة. والجهل: انتفاء العلم بما يتعين علمه، والمراد به هنا انتفاء علم الإِنسان بمواقع الصواب فيها تحمل به، فقوله: {إنه كان ظلوماً جهولاً} مؤذن بكلام محذوف يدل هو عليه إذ التقدير: وحملها الإِنسان فلم يف بها إنه كان ظلوماً جهولاً، فكأنه قيل: فكان ظلوماً جهولاً، أي ظلوماً، أي في عدم الوفاء بالأمانة لأنه إجحاف بصاحب الحق في الأمانة أيّاً كان، وجهولاً في عدم تقديره قدر إضاعة الأمانة من المؤاخذة المتفاوتة المراتب في التبعية بها، ولولا هذا التقدير لم يلتئم الكلام لأن الإِنسان لم يحمل الأمانة باختياره بل فُطَر على تحملها. ويجوز أن يراد {ظلوماً جهولاً} في فطرته، أي في طبع الظلم، والجهل فهو معرض لهما ما لم يعصمه وازع الدين، فكان من ظلمه وجهله أن أضاع كثير من الناس الأمانة التي حملها. ولك أن تجعل ضمير {إنه} عائداً على الإِنسان وتجعل عمومه مخصوصاً بالإِنسان الكافر تخصيصاً بالعقل لظهور أن الظلوم الجهول هو الكافر. أو تجعل في ضمير {إنه} استخداماً بأن يعود إلى الإنسان مراداً به الكافر وقد أطلق لفظ الإِنسان في مواضع كثيرة من القرآن مراداً به الكافرُ كما في قوله تعالى: {أية : ويقول الإِنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حياً}تفسير : [مريم: 66] الآية قوله: {أية : يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم}تفسير : [الانفطار: 6] الآيات. وفي ذكر فعل {كان} إشارة إلى أن ظلمه وجهله وصفان متأصلان فيه لأنهما الغالبان على أفراده الملازمان لها كثرة أو قلة. فصيغتا المبالغة منظور فيهما إلى الكثرة والشدة في أكثر أفراد النوع الإِنساني والحكم الذي يسلط على الأنواع والأجناس والقبائل يراعى فيه الغالب وخاصة في مقام التحذير والترهيب. وهذا الإِجمال يبينه قوله عقبه: {ليعذب الله المنافقين} إلى قوله {أية : ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} تفسير : [الأحزاب: 73] فقد جاء تفصيله بذكر فريقين: أحدهما: مضيع للأمانة والآخر مراعٍ لها. ولذلك أثنى الله على الذين وَفّوا بالعهود والأمانات فقال في هذه السورة {أية : وكان عهد الله مسئولاً}تفسير : [الأحزاب: 15] وقال فيها: {أية : من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه}تفسير : [الأحزاب: 23] وقال: {أية : واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد} تفسير : [مريم: 54] وقال في ضد ذلك: {أية : وما يضل به إلا الفاسقين، الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} تفسير : [البقرة: 26، 27] إلى قوله: {أية : أولئك هم الخاسرون} تفسير : [البقرة: 27]. .
الشنقيطي
تفسير : ذكر جل وعلا في الآية الكريمة: أنه عرض الأمانة، وهي التكاليف مع ما يتبعها من ثواب وعقاب، على السماوات والأرض والجبال، وأنهن أبين أن يحملنها، وأشفقن منها: أي خفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك عذاب الله وسخطه، وهذا العرض والإباء، والإشفاق كله حق، وقد خلق الله للسماوات والأرض والجبال إدراكاً بعلمه هو جل وعلا، ونحن لا نعلمه، وبذلك الإدراك أدركت عرض الأمانة عليها، وأبت وأشفقت أي خافت. ومثل هذا تدل عليه آيات وأحاديث كثيرة، فمن الآيات الدالة على إدراك الجمادات المذكورة قوله تعالى في سورة البقرة في الحجارة: {أية : وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 74] فصرح بأن من الحجارة ما يهبط من خشية الله، وهذه الخشية التي نسبها الله لبعض الحجارة بإدراك يعلمه هو تعالى. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: {أية : تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَاوَاتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} تفسير : [الإسراء: 44] الآية. ومنها قوله تعالى: {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ} تفسير : [الأنبياء: 79] الآية. إلى غير ذلك من الآيات. ومن الأحاديث الصحيحة الدالة على ذلك قصة حنين الجذع، الذي كان يخطب عليه النبي صلى الله عليه وسلم لما انتقل بالخطبة إلى المنبر، وهي في صحيح البخاري وغيره. ومنها: ما ثبت في صحيح مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : إني لأعرف حجراً كان يسلم عليَّ في مكة" تفسير : وأمثال هذا كثيرة، فكل ذلك المذكور في الكتاب والسنة، إنما يكون بإدراك يعلمه الله، ونحن لا نعلمه. كما قال تعالى: {أية : وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} تفسير : [الإسراء: 44] ولو كان المراد بتسبيح الجمادات، دلالتها على خالقها لكنا نفقهه، كما هو معلوم وقد دلت عليه آيات كثيرة. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} الظاهر أن المراد بالإنسان آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأن الضمير في قوله: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72] راجع للفظ الإنسان مجرداً عن إرادة المذكور منه الذي هو آدم: والمعنى: أنه أي الإنسان الذي لا يحفظ الأمانة كان ظلوماً جهولاً: أي كثير الظلم والجهل، والدليل على هذا أمران. أحدهما: قرينة قرآنية دالة على انقسام الإنسان في حمل الأمانة المذكورة إلى معذب ومرحوم في قوله تعالى بعده متصلاً به: {أية : لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} تفسير : [الأحزاب: 73] فدل هذا على أن الظلوم الجهول من الإنسان، هو المعذب والعياذ بالله، وهم المنافقون، والمنافقات، والمشركون، والمشركات، دون المؤمنين والمؤمنات. واللام في قوله: ليعذب: لام التعليل وهي متعلقة بقوله: وحملها الإنسان. الأمر الثاني: أن الأسلوب المذكور الذي هو رجوع الضمير إلى مجرد اللفظ دون اعتبار المعنى التفصيلي معروف في اللغة التي نزل بها القرآن، وقد جاء فعلاً في آية من كتاب الله، وهي قوله تعالى: {أية : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} تفسير : [فاطر: 11]، لأن الضمير في قوله: ولا ينقص من عمره: راجع إلى لفظ المعمر دون معناه التفصيلي. كما هو ظاهر، وقد أوضحناه في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً} تفسير : [الفرقان: 61] وبينا هناك أن هذه المسألة هي المعروفة عند علماء العربية بمسألة عندي درهم ونصفه: أي نصف درهم آخر كما ترى. وبعص من قال من أهل العلم إن الضمير في قوله: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} عائد إلى آدم، قال المعنى: أنه كان ظلوماً لنفسه جهولاً: أي غراً بعواقب الأمور، وما يتبع الأمانة من الصعوبات، والأظهر هو ما ذكرنا والعلم عند الله تعالى.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {ٱلإِنْسَانُ} (72) - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الأَمَانَةُ هُنَا تَعْنِي الطَّاعَةَ، وَقَالَ أَيْضاً: إِنَّها الفَرَائِضُ. يَقُولُ تَعَالى: إِنَّهُ عَرَضَ التَّكَاليفَ عَلَى السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وَالجِبَالِ، فَلَمْ يُطِقْنَ حَمْلَها، وَأَشْفَقَنْ مِنْها مَخَافَةَ التَّقْصِيرِ فِي أَمرٍ أَرَادَهُ اللهُ، ثُمَّ عَرَضَهَا عَلَى آدَمَ وَقَالَ لَهُ: إِنَّنِي قَدْ عَرَضْتُ الأَمَانَةُ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالجِبالِ فَلَم يُطِقْنَهَا، فَهَلْ أَنْتَ آخذٌ بِمَا فِيها؟ قَال: يَا ربِّ وَمَا فِيها؟ قَالَ: إِنْ أَحْسَنْتَ جُزِيْتَ، وَإِنَّ أَسَأْتَ عُوقِبْتَ. فَقَبلَ آدمُ حَمْلَها بِمَا فِيها. وَهكَذَا حَمَلَ الإِنسَانُ الأَمَانَةَ عَلَى ضَعْفِهِ، وَكَانَ جَاهِلاً بِثِقَلِها، ظَلُوماً نَفْسَهُ بِحَمْلِها، إِلاَّ مَنْ عَصَمَ اللهُ. عَرَضْنَا الأَمَانَة - التَّكاليفَ مِنْ أَوَامِرَ وَنَواهٍ. فَأَبْينَ - امْتَنَعْنَ. أَشْفَقْنَ - خِفْنَ مِنَ الخِيَانَةِ فِيها.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : العَرْض: إدارة معروض على معروض عليه، كما نرى مثلاً في العرض العسكري، حيث تمر نماذج من الجيوش والأسلحة أمام القائد، ومنه قوله تعالى في قصة سيدنا سليمان عليه السلام: {أية : إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ} تفسير : [ص: 31]. ومنه قولك: عرضتُ على فلان الأمر يعني: أطلعتُه عليه، ليرى فيه رأيه يقبل أو لا يقبل، فالعرض تخيير لا إلزامَ فيهِ. فالحق سبحانه يقول: عرضت الأمانة على خَلْقي كلّ خَلْقي، ومنه الإنسان والحيوان والجماد والنبات لأرى مَنْ منهم سيقبل تحمُّلها، ومَنْ سيرفض، إذن: معنى العَرْض أن هناك مَنْ سيقبل، وهناك مَنْ سيرفض. لذلك قًلْنا: من الخطأ: أن نقول: إن الأرض والسماء والجبال .. إلخ مُسَيَّرة مقهورة، بل يجب أن نُعدِّل العبارة فنقول هي مقهورة باختيارها؛ لأن الله حين عرض عليهن الأمانة أبينْ أن يحملنها وأشفقْنَ منها، وقالت: نخرج من باب الجمال، فاختارتْ ألاَّ تكون مختارة. ومعنى الأمانة في عُرْفنا هي المال، أو الأشياء النفيسة التى تخشى عليها الضياع، فتُودعها عند مَنْ تلتمس فيه أنه يحافظ عليها لحين حاجتك لها، وليس لك أنْ تأخذ ممَّنْ ائتمنته صَكاً، ولا أنْ تُحضر شهوداً، وإلا ما أصبحت أمانة، إذن: ليس عليها إثبات إلا أمانة مَنْ أخذها، فإنْ شاء أقرَّ بها وأدَّاها، وإنْ شاء أنكرها. فالأمانة إيعاد النفس بأن تكون مختارة في الفعل وغيره، فإنْ كانت مقهورة بصَكٍّ، أو بشهادة شهود لم تَعُدْ أمانة. والأمانة التي عرضها الحق سبحانه على خَلْقه هي أمانة الاختيار في أنْ يكون مختاراً في أنْ يؤمن أو يكفر، في أنْ يطيع أو يعصي، فكل ما عدا الإنسان رفض التحمُّل؛ لأنه لم تأخذه الحمية وقت العَرْض والتحمُّل، مخافة أنْ يأتي وقت الأداء، فلا يجد له ذمة. وفَرْق بين وقت التحمُّل ووقت الأداء، فمَنْ يلاحظ وقت التحمل فقط يُقدِم عليها ويقبلها، لكن مَنْ يلاحظ مع التحمُّل الأداءَ يرفض، فربما مع حُسْن النية والرغبة في الأداء تتغير الظروف، أو تتغير الذمة، أو يطرأ عليك ما يُحوجك لها، فتمتد إليها يدك، فيأتي وقت الأداء، فلا تستطيع. كل أجناس الوجود ما عدا الإنسان أبَوْا، أن يحملوا الأمانة واختاروا القهر والتسيير للخالق عز وجل؛ لأن الإنسان كما وصفه ربه {كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72]. كذلك وصل عباد الله الصالحين إلى منزلة العبودية لله حين وجَّهوا اختيارهم حَسْب مراد ربِّهم، فالله أعطاهم الاختيار في الإيمان أو الكفر فآمنوا، وأعطاهم الاختيار في الطاعة وفي المعصية فأطاعوا، فوجَّهوا اختيارهم إلى ما أحبَّ ربهم، فصاروا من عباده المقربين. فكأنك إذن تنازلتَ عن اختيار نفسك في حرية الحركة، فصِرْتَ كالسماوات والأرض والجبال حين تنازلن عن اختيارهن لاختيار ربها ووصلْتَ - مع أنك مختار - إلى أنْ لا تختار إلا ما وضعه الله لك منهجاً. هنا يحلو للبعض أنْ يقول: كيف عُرِضَتْ الأمانة على السماوات والأرض والجبال، وهي جمادات، وكيف لها أنْ تأبى؟ ... إلخ نقول: أنت أدخلتَ نفسك في متاهة، وهل كان العرض منك أنت حتى لا تفهمك الجمادات؟ أم كان العرض من ربها وخالقها؟ ساعة ترى فِعْلاً يحدث منك ويحدث من الله، إياك أنْ تعزل الحدث عن فاعله، والله يقول: {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} تفسير : [الملك: 14]. فهو سبحانه خالقها، وهو الذي يخاطبها، ولم تنكر ذلك، وقد علَّم الله بعض رسله مثلاً لغة الطير فعرفها وتفاهم معها، كما قال سبحانه عن نبيه سليمان أنه قال: {أية : عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ ..} تفسير : [النمل: 16]. وقال: {أية : فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِّن قَوْلِهَا ..} تفسير : [النمل: 19]. وقال عن تسبيح الجبال مع سيدنا داود عليه السلام {أية : يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ ..} تفسير : [سبأ: 10] فالجبال، نعم تُسبِّح في كل حال، لكن الذي امتاز به سيدنا داود أنْ يوافق تسبيحُه تسبيحَ الملائكة، وكأنهم جميعاً فرقة ينشدون نشيداً واحداً. إذن: الخالق سبحانه هو الذي يخاطب ما يشاء من خَلْقه، ولو علَّمك أنْ تخاطب الجمادات لخاطبتها، وتأمل مثلاً قصة الهدهد وسيدنا سليمان حين ذهب إلى أهل سبأ، ووجدهم يعبدون الشمس من دون الله، وكيف أنه كان على فقه تام بقضية التوحيد. فأَرِحْ نفسك وانْسِبْ الفعل إلى فاعله وأنت تستريح، ولك في تصرفات حياتك أُسْوَةٌ، فأنت مثلاً لو دخل عليك ولدك مُمزق الثياب، يسيل منه الدم، قبل أن تسأله عن شيء تسأله: مَنْ فعل بك هذا؟ لا بُدَّ أن تحدد الفاعل أولاً، فعليه ستبني حكمك وقرارك، فإنْ كان الفاعل ابن الجيران مثلاً تقيم الدنيا ولا تُقعدها، وإنْ قال لك: عمِّي فلان ضربني تهدأ أعصابك، وتقول للولد: لا بُدَّ أنك فعلتَ شيئاً استحق العقاب، ولو ذهبتَ إلى عمه لعرفتَ فعلاً أن الولد ارتكب خطأ، إذن: الفعل الواحد يمكن أنْ يكون سيئاً، ويمكن أن يكون حسناً، المهم مَن الفاعل؟ وآياتُ القرآن يساند بعضها بعضاً، وتسعفنا في هذه المسألة، فالذي قال {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ ..} [الأحزاب: 72] قال {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ..} تفسير : [الإسراء: 44]. فكل شيء في الوجود كله مُسبِّح، فدلَّ هذا على أن الموجودات لها دلالة عن ذاتها، وتستطيع أن تبين عما في مرادها، ونعجب من بعض العلماء حين يقول: هذه دلالة حال، لا دلالة مقال، وهذا القول يرده قوله تعالى: {أية : وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..} تفسير : [الإسراء: 44]. ونحن نفهم تسبيح الدلالة، ونراه في انسجام جزئيات الكون ونظامه البديع، والحق يقرر أننا لن نفهم هذا التسبيح. إذن: هو تسبيح مَقال على الحقيقة لا يعرفه إلا مَنْ عرّفه الله. ولِمَ نستبعد تسبيح الكائنات، ونحن نرى لبعض الطوائف والمهن (شفرات) وإشارات لا يفهمها غيرهم، وفي اللغة الواحدة يمكن أن تسمع كلمات لا تعرف معناها، فضلاً عن اختلاف اللغات بين الجنسيات المختلفة. فإذا كنتَ لا تعرف بعض المعاني في لغتك، وإذا كنت لا تعرف لغات الآخرين وهم من بني جنسك، فلماذا تنكر أنْ يكون للأجناس الأخرى في الوجود لغات يتعارفون عليها، ويُعبِّرون بها؟ ثم أكُلّ اللغات ووسائل الفهم منطوقة؟ أليستْ هناك مثلاً لغة الإشارة، يتعارف عليها البعض، ويفهم بها؟ ومع ذلك هناك قَدْر مشترك ومنطق في الدلالة يتفق عليه الجميع في كل اللغات ويتفاهمون به، كما يتفاهم الخُرْس مثلاً، كما أن هناك أشياءً تتفق فيها كل الطباع كالضحك والبكاء، فليس هناك ضحك عربي، ولا بكاء فرنسي مثلاً. ومعنى حَمْل الأمانة أي: القيام بها وتطبيقها، كما جاء في قوله تعالى في معنى الحَمْل: {أية : مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ..} تفسير : [الجمعة: 5]. فقد حملوها كمنهج وحفظوا ما فيها، لكن لم يحملوها بمعنى: لم يُطبِّقوا هذا المنهج، فصار مثَلهم عند الله كمثل الحمار الذي يحمل الكتب، وهو لا يستفيد مما فيها، وهذا في حَدِّ ذاته ليس ذمّاً للحمار، وليس اتهاماً له بالغباء كما يدَّعي البعض، فالحمار ليس شغله الفهم إنما الحَمل. فحسب، فمَنْ حمل منهجاً دون أنْ يستفيد به فهو شبه الحمار في هذه المسألة، وهذه خصوصية للحمار - أنه يحمل ما لا يفهم. والحمار في أمور أخرى يفهم ويؤدي مهمته على الوجه الذي ربما عجز عنه الإنسان، فمن المعروف عن الحمار أنه إذا ذهب إلى مكان فإنه لا ينساه ولا يضل عنه ولو بعد فترة، وربما يضلّ الإنسان طريقه الذي سار فيه منذ فترة، أما الحمار فلو تركتَ له حرية الحركة لذهبَ بك إلى نفس المكان. إذن: مَنِ الغبي؟ لذلك فالبعض يسأل: إذن لماذا يتهمون الحمار بالغباء؟ قالوا: لأنهم كلَّفوه بما لم يُكلِّفه الله به، فالحمار خُلِق للحمل، وأنت تريده على درجة من الفهم ربما تفقدها في الإنسان العاقل. وسبق أن قُلْنا: إنك إذا أردتَ من الحمار أنْ يقفز فوق قناة مثلاً أوسع من إمكاناته، فإنه لا يطاوعك أبداً فمهما ضربته لا يُقدِم على القفز، فإنْ كانت في مقدوره نظر إليها وكأنه يُقدِّر اتساعها بالضبط، ثم يقفز دون أنْ تجبره، وهذا التصرف تصرف مَنْ يحسب العواقب جيداً، ويفهم ما يفعل. إذن: الشيء لا ينفصل عن مهمته، ولا يطلب منه فوق ما هُيِّىء له، ومثَّلنا لذلك بعود الحديد ترى جماله في استقامته، فإن أردته خُطَّافاً مثلاً فجماله وأداؤه لمهمته لا يتم إلا بِعوَجه، وساعتها لا تستطيع أنْ تقول عنه إنه مُعْوج؛ لأن هذا العوج هو عَيْن الاستقامة لمهمته. لذلك قلنا في قوله تعالى: {أية : إِنَّ أَنكَرَ ٱلأَصْوَاتِ لَصَوْتُ ٱلْحَمِيرِ} تفسير : [لقمان: 19] ليس ذماً لصوت الحمار؛ لأن صوت الحمار جعله الله عالياً هكذا؛ لأنه يعيش في بادية، وغالباً ما يستتر خلف مرتفع أو حجر أو شجرة أو يبتعد مسافة طويلة عن صاحبه، فجاء صوته بهذه الهيئة ليدل عليه ويُرشد صاحبه إلى مكانه. إذن: فالصوت العالي يكون مُنكراً إذا لم يكُنْ له مهمة، وإذا استُعمل في غير موضعه، والشيء قد يكون مختلفاً، لكن مهمته تكون متحدة. مثلاً، الدم الذي به حياة الإنسان إذا تجلط داخل أوعيته يؤدي إلى شلل العضو، ويحتاج إلى أدوية تعيد له سيولته، وفي المقابل إذا زادت سيولة الدم أدى ذلك إلى نزيف، وإذا حدث جُرْح مثلاً لا يندمل؛ لأن الدم لا يتجلط ولا يسدّ أماكن خروجه، إذن: تجلُّط الدم مطلوب خارج الأوعية، وسيولة الدم مطلوبة داخل الأوعية. إذن: لكل منهما حكمة في مكانه. ومعنى: {وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ..} [الأحزاب: 72] أي: خِفْنَ وقت التحمل مخافة أنْ يأتي وقت الأداء فلا يؤدي {وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ ..} [الأحزاب: 72] لما عنده من فكر واختيار ومحاولة، لكن قد يأتي فكره بالضرر. وقلنا: إن الإنسان يأكل مثلاً حتى يشبع، ثم يُعرض عليه الحلو والبارد، فتمتلئ بطنه حتى التخمة وحتى المرض، في حين أن الحمار أو الجاموسة مثلاً لا تأكل عوداً واحداً فوق الشِّبع؛ لأنها محكومة بالغريزة التي لا تعرف التصرف في الأشياء، وميزة الحيوان في هذه الغريزة وفي عدم تصرفه. لذلك وصف الإنسان هنا بأنه {كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72] وهذه صيغة فَعُول الدالة على المبالغة في الظلم والمبالغة في الجهل. وقد يُعقل الظلم للغير؛ لأن الظالم يظن أنه يستفيد منه، أمّا أنْ يظلم المرءُ نفسه بأنْ يمنعها خيراً، أو يجلب لها ضُرًّا، فهذا ما لا يُعقل ودليل الغباء. فحين يتكاسل عن الطاعة لشهوة نفس موقوتة يمنعها خيراً باقياً، ومتعة لا حدودَ لها، فهو عدو لنفسه؛ لذلك قال العلماء: إن نفس الإنسان هي أعدى أعدائه؛ لأن العدو إنْ كان من خارجك تستطيع أنْ تراه، وأنْ تحتاط له، أمّا إنْ كان من داخلك فأمره شاقّ. وقد بيَّن الحق سبحانه أن أعظم الظلم الشرك بالله، فقال سبحانه: {أية : إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} تفسير : [لقمان: 13] وهذا الظلم أيضاً لا يعود ضرره على الله تعالى، إنما يعود على المشرك بالله؛ لذلك وصف الإنسانَ بعد الظلم بأنه جهول؛ لأنه يظلم نفسه، وهذا يدل على الجهل وعدم العلم، والجهول هو الذي يقع في الخطأ ويعدل عن الحق عن جهل، فالوصف هنا يدل على الحكمة الأدائية {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} [الأحزاب: 72]. ثم يقول الحق سبحانه: {لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ ...}.
الجيلاني
تفسير : ثم لما أراد سبحانه بمقتضى تجلياته الحبيبة اللطيفة أن يطالع ذاته الكاملة المتصفة بصفات الكمال في مرآة مجلوة تصير نائبة عنها، خليفة لها، يتراءى فيها جميع أوصافه وأسمائه الذاتية على ما أشار إليه الحديث القدسي، عرض سبحانه أمانة الخلافة والنيابة على استعدادات المظاهر وقابليات المصنوعات فامتنع الكل عن حملها، وأبى عن قبولها كما قال سبحانه: {إِنَّا} بمقتضى تجلياتنا الجمالية المنبعثة عن الشئون الحِبِّية والتطورات اللطيفة {عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ} أي: أمانة الخلافة والنيابة، وأردنا أن نحمّل أعباء العبودية المشتملة على التخلق بالأخلاق الإلهية والتكليفات الشاقة، القالعة للأوصاف البهيمية والأدناس الإسكانية الراسخة في القوى الطبيعية؛ لتحصل التصفية والتزكية عن أكدار الهيولي المانعة عن الوصول إلى الملأ الأعلى {عَلَى} استعدادات {ٱلسَّمَٰوَٰتِ} العلا {وَ} قابليات {ٱلأَرْضِ} السفلى {وَٱلْجِبَالِ} الأسنى، وعلى استعدادات ما بينهما من المركبات العظمى والمؤلفات الكبرى {فَأبَيْنَ} وامتنعن؛ أي: كل منهم {أَن يَحْمِلْنَهَا} إذ ما أودع سبحانه في استعداداتهم وقابلياتهم ما يسع لحمل هذه الأمانة العظيمة والكرامة الكريمة. {وَ} لذلك {أَشْفَقْنَ مِنْهَا} أي: خفن وخشين من حملها ألاَّ يفين حقها {وَ} بعدما امتنعن وخفن جميعاً عن حملها {حَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ} المجبول على صورة الرحمن، المنتخب من بين الأكوان بالقوة القدسية المودعة فيه، المقتضية لحملها {إِنَّهُ} حينئذ من كمال شوقه ووفور تحننه وذوقه {كَانَ ظَلُوماً} على نفسه بارتكاب هذه التحميلات البليغة والتكليفات الشديدة الثقيلة من ققطع المألوفات الطبيعية، والمشتهيات البهيمية واللذات الحسية {جَهُولاً} [الأحزاب: 72] ذهولاً عن مقتضيات ناسوته وملائماتها بحسب القوى البشرية لغلبة القوى الروحانية الجالبة للسعادة الأزلية الأبدية على القوى الجسمانية المستتبعة للشقاوة السرمدية، فأين هذامن ذلك؟! رزقنا الله المنعم المفضل ألاَّ نظلم على نفوسنا، ونمنعها عن مقتضياتها وأمانيها، بمنِّه وجوده. ومن جملة الأمانات المحمولة على الإنسان: حفظ السرائر ورعاية الآداب والحقوق الجارية بين ذوي الألباب من الرجال والنساء، وإنما حمّلها سبحانه عليهم ابتلاءً لهم واختباراً {لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ} الحكيم المتقن في أفعاله {ٱلْمُنَافِقِينَ} المخفين، الساترين كفرهم وشركهم والخيانات الصادرة عنهم لمصلحة دنيوية {وَٱلْمُنَافِقَاتِ} منهم كذلك {وَٱلْمُشْرِكِينَ} المصرين المجاهرين بكفرهم وشركهم وخياناتهم {وَٱلْمُشْرِكَاتِ} أيضاً كذلك تعذيباً شديداً؛ لعدم وفائهن على الأمانات المحمولة عليهم {وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ} أي: يوفقهم على التوبة والإنابة بعدما صدر عنهم شيء من الخيانة وعدم الوفاء بالأماننة التي ائتمنوا بها من حقوق الله وحقوق العباد، وبعدما تابوا وأنابوا على وجه الإخلاص والندامة، فقد أدوا حق الأمانة ووفوا بها على وجهها {وَكَانَ ٱللَّهُ} المطلع لإخلاصهم {غَفُوراً} لما صدر عنهم من الخيانة قبل التوبة {رَّحِيماً} [الأحزاب: 73] يقبل توبتهم ويرحم عليهم بعدما تابوا وأخلصوا. رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين. خاتمة السورة عليك أيها الطالب لمرتبة الخلافة والنيابة، القاصد لحمل الأمانة الإلهية، المتحمل لأعباء العبودية بالقوة الذاتية القدسية والقابلية الفطرية، يسَّر الله عليك الأداء والوفاء بجميع حققه وعهوده وأماناته، وحقوق جميع عباده ورعاية لوازم الإخاء المصاحبة معهمه، وأطاقك سبحانه على حمل التكاليف من المفترضات والنوافل المسنونات، وأعانك على التخلق بأخلاقه، أن تتوجه بوجه قلبك إلى ربك وتتخذه وكيلاً في أمرك الذي هو التخلق بأخلاقه سبحانه؛ ليتيسر لك مرتبة الخلافة ويتم عليك أمر النيابة. فلك أن تعرف أولاً شياطينك التي هي أمانيك النفسانية، المتولدة من القوى البهيمية، المانعة عن الوصول إلى الدرجات العلية، وتفصلها على وجه لا يشذ عنك منها شيء، وتلازم على زجرها ومنعها إلى أن تصير الكل منزجرة مقهورة للقوى الروحانية، بحيث لا يبقى لها قوة مقاومة ومقابلة مع الروحانيات أصلاً. ثم لك أن تنفي وتفني أوصافك وأخلاقك في أوصاف الحق وأخلاقه إلى أن تضمحل وتتلاشى أوصافك وأخلاقك في صافته وأخلاقه سبحانه، ويرتفع اسمك ورسمك عن البين، ويتصفى العين من الغين، والشأن عن الشين، ولم يبق البون والبين، واتصل العين بالعين، وحينئذ صرت ما صرت، وفزت بما فزت، وتمكنت في مقعهد صدق الخلافة والنيابة عند مليك مقتدر. رزقنا الله التقرر والتمكن في مقعد الصدق بلا تلوين وتبديل.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يعظم تعالى شأن الأمانة، التي ائتمن اللّه عليها المكلفين، التي هي امتثال الأوامر، واجتناب المحارم، في حال السر والخفية، كحال العلانية، وأنه تعالى عرضها على المخلوقات العظيمة، السماوات والأرض والجبال، عرض تخيير لا تحتيم، وأنك إن قمت بها وأدَّيتِهَا على وجهها، فلك الثواب، وإن لم تقومي بها، [ولم تؤديها] فعليك العقاب. { فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا } أي: خوفًا أن لا يقمن بما حُمِّلْنَ، لا عصيانًا لربهن، ولا زهدًا في ثوابه، وعرضها اللّه على الإنسان، على ذلك الشرط المذكور، فقبلها، وحملها مع ظلمه وجهله، وحمل هذا الحمل الثقيل. فانقسم الناس -بحسب قيامهم بها وعدمه- إلى ثلاثة أقسام: منافقون، أظهروا أنهم قاموا بها ظاهرًا لا باطنًا، ومشركون، تركوها ظاهرًا وباطنًا، ومؤمنون، قائمون بها ظاهرًا وباطنًا. فذكر اللّه تعالى أعمال هؤلاء الأقسام الثلاثة، وما لهم من الثواب والعقاب فقال: { لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا } . فله الحمد تعالى، حيث ختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين، الدالين على تمام مغفرة اللّه، وسعة رحمته، وعموم جوده، مع أن المحكوم عليهم، كثير منهم، لم يستحق المغفرة والرحمة، لنفاقه وشركه. تم تفسير سورة الأحزاب. بحمد اللّه وعونه.
همام الصنعاني
تفسير : 2384- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن وقتادة، في قوله: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً}: [الآية: 72]، إلى آخر السورة، قال: هي فرائض الله التي عرضها على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها. 2385- حدّثنا عبد الرزاق، عن الثوري، عن غير واحدٍ، عن الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ}: [الآية: 72]، قال: هي الفرائض، قال: وقوله: {فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا}: [الآية: 72]، قال: فلم تَسْتطعها، قال: فقيل لآدم: هل أنت آخذها بما فيها؟ قال: وما فيها؟ قال: إن أحسنت أُجِِرْتَ، وإن أسأت جوزيت، قال: فحملها. 2386- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الأمانة ثلاث: الصلاة، والصيام، والغُسْل من الجنابة ". تفسير : 2387- حدّثنا عبد الرزاق، عن الثَّوْري، عن الأعمش، عن مسلم أبى الضحى، عن مسروق، عن أُبيّ بن كَعْب، قال: من الأمانة، أن المرأة أؤتمنت عَلَى فَرْجِها. 2388- [حدّثنا عبد الرزاق، عن] معمر، عن زيد بن أسلم قال: أخبرني وهب (الديناري)، قال: في الزبور مكتوب إن الله يقول: من اغتسل من الجنابة فإنه عبدي حقّاً، ومن لم يَغْتَسِلْ من الجنابة فإنه عدوي حَقّاً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):