٣٣ - ٱلْأَحْزَاب
33 - Al-Ahzab (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
73
Tafseer
الرازي
تفسير : أي حملها الإنسان ليقع تعذيب المنافق والمشرك، فإن قال قائل لم قدم التعذيب على التوبة نقول لما سمى التكليف أمانة والأمانة من حكمها اللازم أن الخائن يضمن وليس من حكمها اللازم أن الأمين الباذل جهده يستفيد أجرة فكان التعذيب على الخيانة كاللازم والأجر على الحفظ إحسان والعدل قبل الإحسان وفيه مسألتان: المسألة الأولى: لم عطف المشرك على المنافق، ولم يعد اسمه تعالى فلم يقل ويعذب الله المشركين وعند التوبة أعاد اسمه وقال {ويتوب الله} ولو قال ويتوب على المؤمنين كان المعنى حاصلاً؟ نقول أراد تفضيل المؤمن على المنافق فجعله كالكلام المستأنف ويجب هناك ذلك الفاعل فقال: {وَيَتُوبَ ٱللَّهُ } ويحقق هذا قراءة من قرأ (ويتوب الله) بالرفع. المسألة الثانية: ذكر الله في الإنسان وصفين الظلوم والجهول وذكر من أوصافه وصفين فقال: {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } أي كان غفوراً للظلوم ورحيماً على الجهول، وذلك لأن الله تعالى وعد عباده بأنه يغفر الظلم جميعاً إلا الظلم العظيم الذي هو الشرك كما قال تعالى: { أية : إِنَّ ٱلشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } تفسير : [لقمان: 13] وأما الوعد فقوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48] وأما الرحمة على الجهل فلأن الجهل محل الرحمة ولذلك يعتذر المسيء بقوله ما علمت. وههنا لطيفة: وهي أن الله تعالى أعلم عبده بأنه غفور رحيم، وبصره بنفسه فرآه ظلوماً جهولاً ثم عرض عليه الأمانة فقبلها مع ظلمه وجهله لعلمه فيما يجبرها من الغفران والرحمة، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {لّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ } اللام متعلقة بـ«عرضنا» المترتب عليه حمل آدم {ٱلْمُنَٰفِقِينَ وَٱلْمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَٰتِ } المضيّعين الأمانة {وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَٰتِ } المؤدّين الأمانة {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً } للمؤمنين {رَّحِيماً } بهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {لِّيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ والْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ} بالشرك والنفاق، أو لخيانتهما الأمانة {وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} يتجاوز عنهم بأداء الأمانة {غَفُوراً} لمن تاب من الشرك {رَّحِيماً} بالهداية.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} أي بما خانوا الأمانة ونقضوا العهد {ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} أي يهديهم ويرحمهم بما أدوا من الأمانة. وقيل: عرضنا الأمانة ليظهر نفاق المنافق وشرك المشرك فيعذبهما الله، ويظهر إيمان المؤمن فيتوب عليه أي يعود عليه بالرحمة والمغفرة إن حصل منه تقصير في بعض الطاعات {وكان الله غفوراً رحيماً} والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.
القشيري
تفسير : اللام في "ليعذب" للصيرورة والعاقبة؛ أي صارت عاقبةُ هذا الأَمرِ عذابَ المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات بالمغفرة والتجاوز. (تَمَّت السورة) قد يقال: المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات والعاصون من المؤمنين والمؤمنات وَرَدَ ذكرهم.. فأين العابدون وذكرهم؟ ولكنهم في جملة مَنْ مضى ذِكْرُهم، وليسوا في المشركين ولا في المنافقين، فلا محالة في جملة العاصين الذين تاب عليهم. فيا أيها العاصي، كنت تحذر أَنْ يُخْرِجَك العابدون من جملتهم، فاشْهد الجبَّارَ - في هذا الخطاب - كيف أدرجك في جملتهم؟!
اسماعيل حقي
تفسير : {ليعذب الله المنافقين والمنافقات} الذين ضيعوا الامانة بعد ما قبلوها {والمشركين والمشركات} الذين خانوا فى الامانة بعدم قبولها رأسا. قال فى الارشاد اشارة الى الفريق الاول اى حملها الانسان ليعذب الله بعض افراده الذين لم يراعوها ولم يقابلوها بالطاعة على ان اللام للعاقبة فان التعذيب وان لم يكن غرضا له من الحمل لكن لما ترتب عليه بالنسبة الى بعض افراده ترتب الاغراض على الافعال المعللة بها ابرز فى معرض الغرض اى كان عاقبة حمل الانسان لها ان يعذب الله هؤلاء من افراده لخيانتهم الامانة وخروجهم عن الطاعة بالكلية. قال فى بحر العلوم ويجوز ان تكون اللام علة لعرضنا اى عرضنا ليظهر نفاق المنافقين واشراك المشركين فيعذبهما الله {ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} الذين حفظوا الامانة وراعوا حقها. قال فى الارشاد اشارة الى الفريق الثانى اى كان عاقبة حملة لها ان يتوب الله على هؤلاء من افراده اى يقبل توبتهم لعدم خلعهم ربقة الطاعة عن رقابهم بالمرة وتلافيهم لما فرط منهم من فرطات قلما يخلو عنها الانسان بحكم جبليته وتداركهم لها بالتوبة والانابة والالتفات الى الاسم الجليل اولا لتهويل الخطب وتربية المهابة والاظهار فى موضع الاضمار ثانيا لا براز مزيد الاعتناء بامر المؤمنين توفية لكل من مقامى الوعيد والوعد حقه {وكان الله غفورا رحيما} مبالغا فى المغفرة والرحمة حيث تاب عليهم وغفر لهم فرطاتهم واثاب بالفوز على طاعاتهم. وفى التأويلات النجمية هذه اللام لام الصيرورة والعاقبة يشير الى ان الحكمة فى عرض الامانة ان يكون الخليقة فى امرها على ثلاث طبقات. طبقة منها تكون الملائكة وغيرهم ممن لم يحملها فلا يكون لهم فى ذلك ثواب ولا عقاب. وطبقة منها من يحملها ولم يؤد حقها وقد خان فيها وهم المنافقون والمنافقات والمشركون والمشركات الذين حملوها بالظلومية على انفسهم وضيعوها بجهولية قدرها فما رعوها حق رعايتها فحاصل امرهم العذاب المؤبد. وطبقة منها من يحملها ويؤدى حقها ولم يخن فيها ولكن لثقل الحمل وضعف الانسانية يتلعثم فى بعض الاوقات فيرجع الى الحضرة بالتضرع والابتهال معترفا بالذنوب وهم المؤمنون والمؤمنات فيتوب الله عليهم لقوله {ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} والحكمة فى ذلك ليكون كل طبقة من الطبقات الثلاث مرآة يظهر فيها جمال صفة من صفاته. فالطبقة الاولى اذا لم يحملوا الامانة وتركوا نفعها لضرها فهم مرآة جمال صفة عدله. والطبقة الثانية اذ حملوها طمعا فى نفعها ولم يؤدوا حقها وقد خانوا فيها بان باعوها بعوض من الدنيا الفانية فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين فهم مرآة يظهر فيها جمال صفة قهره. والطبقة الثالثة اذ حملوها بالطوع والرغبة والشوق والمحبة وادوا حقها بقدر وسعهم ولكن كما قيل لكل جواد كبوة وقع فى بعض الاوقات قدم صدقهم عند ربهم فى حجر بلاء وابتلاء بغير اختيارهم ثم اجتباهم ربهم فتاب عليهم وهداهم بجذبات العناية الى الحضرة فهم مرآة يظهر فيها جمال فضله ولطفه وذلك قوله تعالى {وكان الله غفورا رحيما} للمؤمنين بفضله وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء انتهى. قال بعض العارفين الحكمة الالهية اقتضت ظهور المخالفة من الانسان ليظهر منه الرحمة والغفران: قال الحافظ شعر : سهو وخطاى بنده كرش نيست اعتبار معنى عفو ورحمت آمر زكار جيست تفسير : وفى الحديث القدسى "حديث : لو لم تذنبوا لذهبت بكم وخلقت خلقا يذنبون ويستغفرون فاغفر لهم" تفسير : وفى الحديث النبوى "حديث : لو لم تذنبوا لخشيت عليكم اشد من الذنب ألا وهو العجب" تفسير : ولهذه الحكمة خلق الله آدم بيديه اى بصفاته الجلالية والجمالية فظهر من صفة الجلال قابيل والمخالفة ومن صفة الجمال هابيل والموافقة وهكذا يظهر الى يوم قيام الساعة وليس الحديثان المذكوران واردين على سبيل الحث على الذنب فان قضية البعثة اصلاح العالم وهو لا يوجد الا بترك الكفر والشرك والمعاصى ولكن على سبيل الحث على التوبة والاستغفار. ابراهيم ادهم قدس سره [كفت فرصت مى جستم تاكعبه را خالى يابم ازطواف وحاجتى خواهم هيج فرصتى نيافتم تاشبى باران عظيم بود كعبه خالى ماند طواف كردم ودست در حلقه زدم وعصمت خواستم ندا آمد كه جيزى مى خواهى كه كسى را نداده ام اكر من عصمت دهم آنكاه درياى غفارى وغفورى ورحمانى ورحيمئ من كجا شود بس كفتم "اللهم اغفر لى ذنوبى" آوازى شنودم كه از همه جهان باما سخن كوى واز خود مكوى كه سخن تو ديكران كويند ودر مناجات كفت يا رب العزة مرا ازذل معصيت باعز طاعت آور وديكر كفت الهى آه "من عرفك لم يعرفك فكيف حال من لم يعرفك" آه آنكه ترا مى داند ترا نمى داند بس جكونه باشد حال كسى كه ترانميداند ابراهيم كفت بانزده سال مشقت كشيدم تاندايى شنودم كه] كن عبدا فاسترح يعنى ليست الراحة الا فى العبودية للمولى والاعراض عن الهوى من الادنى والاعلى فلا راحة لعبد الدنيا وما دون المولى لا فى الاولى ولا فى العقبى فاذا وقع تقصير او سهو او نسيان فالله تعالى يحكم اسميه الغفور الرحيم بمحوه ويعرض عنه ولا يثبته فى صحيفة ولا يناقش عليه ولا يعذب به بل من العصاة من يبدل الله سيآتهم حسنات هذا. قال ابىّ بن كعب رحمه الله كانت سورة الاحزاب تقارب سورة البقرة او اطول منها وكان فيها آية الرجم وهى "اذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما البتة نكالا من الله العزيز الحكيم" ثم رفع اكثرها من الصدور ونسخ وبقى ما بقى وفى الحديث "حديث : من قرأ سورة الاحزاب وعلمها اهله وما ملكت يمينه اعطى الامان من عذاب القبر" تفسير : اللهم اختم لنا بالخير واعصمنا من كل سوء وضير وآمنا من البلايا وفتنة القبر ومحاسبة الحشر
الجنابذي
تفسير : {لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ} تعليل لعرض الامانة او لحملها الانسان كما انّ قوله: انّا عرضنا الامانة كان تعليلاً لقوله اتّقوا الله وقولوا قولاً سديداً او لقوله يصلح لكم ويغفر ذنوبكم كأنّه قال: اتّقوا سخط الله وعذابه لانّا لم نعرض الامانة على السّماوات والارض الاّ لتميّز المنافق والمشرك عن المؤمن والاّ لعذاب المنافق وثواب المؤمن او يصلح لكم اعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم لانّا لم نعرض الامانة الاّ لذلك، وتقديم عذاب المنافق ونسبة العذاب الى الله لكون السّورة نازلةً فى تفضيح المنافقين ولذلك كان اوّل السّورة نهياً لمحمّدٍ (ص) عن طاعة المنافقين، ونقل عنهم انّ سورة الاحزاب فضحت نساء قريشٍ من العرب وكانت اطول من سورة البقرة ولكن نقّصوها وحرّفوها فادّى تعالى شأنه عذاب المنافقين كأنّه هو الغاية، ونسب العذاب الى نفسه لذلك، ولان يختم السّورة بثواب المؤمنين ورحمتهم {وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} فالغاية بالذّات ليست الاّ مغفرة الله ورحمته للمؤمنين فهو استدراك لما يتوهّم من كون الغاية بالذّات هو عذاب المنافقين او عذابهم ورحمة المؤمنين.
اطفيش
تفسير : {ليعذب} تعليل للعرض أي كان ما كان من العرض عليهن وامتناعهن والعرض على الانسان وقبوله ليُعذب فلو قبلتها لم يصل التكليف بها اليه فضلا عن التعذيب عليها، او اللام للصيرورة متعلقة بحملها اي نتيجة حمله التعذيب لعدم وفائه. {الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} لخيانتهم الأمانة ونقض العهد قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : ينام الرجل فتقبض الأمانة من قلبه" تفسير : يعني الإيمان والاقامة بالوديعة المستلزم عدمها عدم الإيمان أو ضعفه فيصبح الناس يتبايعون فلا يكاد احد يؤدي الأمانة حتى يقال: ان في بني فلان رجلا أمينا حتى يقال للرجل: ما أجلده وما أظفره وما أعقله وما في قلبه مثقال حبه من الإيمان. قال حذيفة: لقد مر عليّ زمان وما أبالي أيكم بايعت مسلما او يهوديا او نصرانيا وأما اليوم فما أبايع منكم إلا فلانا وفلانا، حديث : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث القوم فجاء أعرابي فقال: متى الساعة؟ وتركه حتى قضى التحديث فقال: "أين السائل" فقال: أنا يا رسول الله. قال: "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة اذا كان الأمر لغير أهله"تفسير : فانتظرها وقوله اذا كان الأمر الخ. تفسير لتضييعها. {ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات} المؤدين للأمانة وتوبته عليهم عفوه عن تفريطهم في بعض الأوقات المسلتزم له كون الظلم والجهل لا ينفكان عنه لتوبتهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أدى الأمانة الى من إئتمنك ولا تخن من خانك" تفسير : وهذا الحديث ربما أبطل ما أجازه بعض العلماء من أن اتأخذ أمانة من إئتمنك عليها أو بعضها إذا كان لك عليه حق مثلها أو بعضها وأنكره او نسيه او مات ولا شهوة لك، والصحيح جواز هذا في غير الأمانة فيها، وقرأه الأعمش برفع يتوب على الإستئناف فلا يدخل في التعليل. {وكان ا لله غفوراً رحيما} لمن تاب من الشرك والنفاق والله أعلم اللهم بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والسورة أخر النصارى وأهنهم واكسر شوكتهم وغلب المسلمين والموحدين عليهم وصلي الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
اطفيش
تفسير : {ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات} اللام للعاقبة متعلقة بحملها، وإنما قلت ذلك لأن الانسان لا يقصد بحملها التعذيب، ويجوز أن تكون للتعليل متعلقة بعرضنا، أى عرضناها حتى أفضى العرض الى قبول الانسان لها ليعذب، أو بمحذوف أى فعلنا ذلك ليعذب، وأظهر لفظ الجلالة بعد التكلم فى عرضنا للتهويل، وقدم المنافقين والمنافقات، علىالمشركين لأن المراد بهم من أظهر التوحيد وأضمر الشر: وهو الذى فى الدرك الأسفل من النار، لا من فعل كبيرة، ووجد بقلبه ولسانه المسمى أيضا فى عرفنا منافقا، وهذا أيضا يدخل النار إن أصر. {ويتُوبَ اللَّهُ على المُؤمنين والمؤمنات} يرجع إليهم بالثواب، أو التوفيق إذ خروجهم عن الأمانة أحيانا لإعراض الله عنهم، أى كراهته لذلك الخروج، وقبول توبتهم ترك للأعراض {وكانَ الله غَفُورا رحيما} إذ غفر ذنوبهم، وأثابهم بالنجاة من النار، والفوز بالجنة، ومما يحض على ترك الذنوب ما روى عن سعيد بن جبير، أن الموتى لتأتيهم أخبار الأحياء، فما من أحد له قريب إلا ويأتيه خبر أقاربه، فان كان خيرا سرّ به وفرح، وإن كان شر عَبَس له وحزن. وقال عن أبى الدرداء: اللهم إنى أعوذ بك أن أعمل عملا تخزى به أمواتى، وقال وهب بن منبه: إن الله تعالى بنى داراً فى السماء السابعة يقال لها البيضاء، تجتمع فيها أرواح المؤمنين، فاذا مات الميت من أهل الدنيا تلقته الأرواح فيسألونه عن أخبار الدنيا، كما يسأل الغائب أهله إذا قدم من سفر عليهم رواه أبو نعيم. قال: وروى أن الأموات يسألون القادم عليهم عن أهل البيت كلهم ما فعل فلان، وهل تزوج فلان، أو تزوجت فلانة ونحو ذلك، ومما يحض على ترك الذنوب: عرض الأعمال على الله عز وجل وتعالى وعلى النبى صلى الله عليه وسلم، وعلى المؤمنين يا أرحم الراحمين أرحمنا. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الالوسي
تفسير : {لّيُعَذّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَـٰفِقِينَ وَٱلْمُنَـٰفِقَـٰتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَـٰتِ } أي حملها الإنسان ليعذب الله تعالى بعض أفراده الذين لم يراعوها ولم يقابلوها بالطاعة على أن اللام للعاقبة فإن التعذيب وإن لم يكن غرضاً [له] من الحمل لكن لما ترتب عليه بالنسبة إلى بعض أفراده ترتب الأغراض على الأفعال المعللة بها أبرز في معرض الغرض أي كان عاقبة حمل الإنسان لها أن يعذب الله تعالى هؤلاء من أفراده لخيانتهم الأمانة وخروجهم عن الطاعة بالكلية، وإلى الفريق الثاني أشير بقوله سبحانه: {وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ } أي كان عاقبة حمله لها أن يتوب الله تعالى على هؤلاء من أفراده أي يقبل توبتهم لعدم خلعهم ربقة الطاعة عن رقابهم بالمرة / وتلافيهم لما فرط منهم من فرطات قلما يخلو عنها الإنسان بحكم جبلته وتداركهم لها بالتوبة والإنابة والالتفات إلى الاسم الجليل أولاً لتهويل الخطاب وتربية المهابة، والإظهار في موضع الإضمار ثانياً لإبراز مزيد الاعتناء بأمر المؤمنين توفية لكل من مقامي الوعيد والوعد حقه كذا قال بعض الأجلة في تفسير الآية. ووراء ذلك أقوال فقيل الأمانة الطاعة لأنها لازمة الوجود كما أن الأمانة لازمة الأداء والكلام تقرير الوعد الكريم الذي ينبىء عنه قوله تعالى: {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً }تفسير : [الأحزاب: 71] بجعل تعظيم شأن الطاعة ذريعة إلى ذلك بأن من قام بحقوق مثل هذا الأمر العظيم الشأن وراعاه فهو جدير بأن يفوز بخير الدارين. وتعقب بأن جعل الأمانة التي شأنها أن تكون من جهته تعالى عبارة عن الطاعة التي هي من أفعال المكلفين التابعة للتكليف بمعزل عن التقريب وإن حمل الكلام على التقرير بالوجه الذي قرر يأباه وصف الإنسان بالظلم والجهل أولاً وتعليل الحمل بتعذيب فريق والتوبة على فريق ثانياً، وقد يقال: مراد ذلك القائل أن الأمانة هي الطاعة من حيث أمره عز وجل بها وأن قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ } الخ على معنى أنه كان كذلك إن لم يراع حقها فتأمل. وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أن الأمانة الفرائض وروي نحوه عن سعيد بن جبير، وهو غير ما ذكر أولاً بناء على أن التكليفات الشرعية مراد بها المعنى المصدري دون اسم المفعول، وقيل: الصلاة فقد روي عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه كان إذا دخل وقت الصلاة اصفر وجهه الشريف وتغير لونه فسئل عن ذلك فقال: إنه دخل عليَّ وقت أمانة عرضها الله تعالى على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وقد حملتها أنا مع ضعفي فلا أدري كيف أؤديها. وحكى السفيري أنها الغسل من الجنابة، وقيل: الصلاة والصيام والغسل من الجنابة فقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : الأمانة ثلاثة الصلاة والصيام والغسل من الجنابة»تفسير : وفي رواية عن السدي والضحاك أنها أمانات الناس المعروفة والوفاء بالعهود. وقيل هي أن لا تغش مؤمناً ولا معاهداً في شيء قليل ولا كثير، وقيل: هي كلمة التوحيد لأنها المدار الأعظم للتكليفات الشرعية. وقيل هي الأعضاء والقوى، فقد أخرج ابن أبـي الدنيا في «الورع» والحكيم الترمذي عن عبد الله بن عمر ورضي الله تعالى عنهما قال: «أول ما خلق الله تعالى من الإنسان فرجه ثم قال هذه أمانتي عندك فلا تضعها إلا في حقها فالفرج أمانة والسمع أمانة والبصر أمانة». ولا يخفى أن تفسير الأمانة في الآية بالأعضاء مما لا ينبغي أن يلتفت إليه، والخبر المذكور إن صح لا يدل عليه، ومثله بل دونه بكثير أنها حروف التهجي ولا يكاد يقول به إلا أطفال المكاتب. وأقرب الأقوال المذكورة للقبول القول بأنها الفرائض أي من فعل وترك، وتخصيص شيء منها بالذكر في خبر إن صح لا يدل على أنه الأمانة في الآية لا غيره وكم يخص بعض أفراد العام بالذكر لنكتة، وقال أبو حيان: الظاهر أنها كل ما يؤتمن عليه من أمر ونهي وشأن دين ودنيا، ويعم هذا المعنى جميع ما تقدم، وفيها أقوال أخر ستأتي إن شاء الله تعالى. واختلفت كلمات الذاهبين إلى أنها الفرائض في تحقيق ما بعد فقيل: الكلام على حذف مضاف والتقدير إنا عرضنا الأمانة على أهل السماوات الخ. وحكي ذلك عن الجبائي وليس بشيء، وقيل الكلام على ظاهره وكذا العرض والإباء وذلك أنه عز وجل خلق للسماوات والأرض والجبال فهماً وتمييزاً فخيرت في الحمل فأبت وروي ذلك عن ابن عباس. / وأخرج ابن المنذر وابن أبـي حاتم وابن الأنباري عن ابن جريج قال: بلغني أن الله تعالى لما خلق السماوات والأرض والجبال قال: إني فارض فريضة وخالق جنة وناراً وثوباً لمن أطاعني وعقاباً لمن عصانـي فقالت السماوات خلقتني فسخرت فيَّ الشمس والقمر والنجوم والسحاب والريح فأنا مسخرة على ما خلقتني لا أتحمل فريضة ولا أبغي ثواباً ولا عقاباً ونحو ذلك قالت الأرض والجبال، ويعلم مما ذكر أن الإباء لم يكن معصية لأنه لم يكن هناك تكليف بل تخيير، وأما كونها استحقرت أنفسها عن أن تكون محل الأمانة فلا ينفي عنهن العصيان بالإباء لو كان هناك تكليف بالحمل، وقيل: لا حذف والكلام من باب التمثيل على ما سمعت أولاً. وذهب كثير إلى أن المراد بحملها التزام القيام بها وبالإنسان آدم عليه السلام، واختلف في حمله إياها هل كان بعد عرضها عليه أو بدونه؟ فقيل كان بعد العرض. فقد أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم «أن الله تعالى عرض الأمانة على السماء الدنيا فأبت ثم التي تليها فأبت حتى فرغ منها ثم الأرضين ثم الجبال ثم عرضها على آدم عليه السلام فقال نعم بين أذني وعاتقي» الخبر وقيل: بدونه. قال ابن الجوزي: لما خلق الله عز وجل آدم عليه السلام ونفخ فيه الروح مثلت له الأمانة بصخرة ثم قال: للسماوات احملي هذه فأبت وقالت: إلهي لا طاقة لي بها وقال سبحانه: للأرض احمليها فقالت: لا طاقة لي بها وقال تعالى للجبال: احمليها فقالت: لا طاقة لي بها فأقبل آدم عليه السلام فحركها بيده وقال لو شئت لحملتها فحملها حتى بلغت حقويه ثم وضعها على عاتقه فلما أهوى ليضعها نودي من جانب العز يا آدم مكانها لا تضعها فهذه الأمانة قد بقيت في عنقك وعنق أولادك إلى يوم القيامة ولكم عليها ثواب في حملها وعقاب في تركها، وهذا ظاهر في أن الحمل على حقيقته وفي أن العرض على السماوات والأرض والجبال كان بمسمع من آدم عليه السلام وإلى هذا ذهب ابن الأنباري. وفي بعض الآثار ما يدل على أن العرض عليهن قبل خلقه عليه السلام. أخرج ابن أبـي حاتم عن مجاهد قال: لما خلق الله تعالى السماوات والأرض عرض عليهن الأمانة فلم يقبلنها فلما خلق آدم عليه السلام عرضها عليه فقال: يا رب وما هي؟ قال سبحانه: هي إن أحسنت أجرتك وأن أسأت عذبتك قال: فقد تحملت يا رب فما كان بين أن تحملها إلى أن أخرج إلا قدر ما بين الظهر والعصر، وكأني بك تختار من هذه الأقوال أن العرض على تقدير كونه بعد إعطائهم الفهم والتمييز كان بمسمع من آدم عليه السلام وأنه بعد أن سمع الإباء حملته الغيرة على الحمل، وربما يفضي بك هذا إلى اختيار القول بأنه حمل الأمانة بدون عرضها عليه كما هو ظاهر الآية وبه يتأكد وصفه بما وصف لكني لا أظنك تقول بصحة حديث تمثل الأمانة بصخرة وإن قلت بصحة تمثل المعاني بصور الأجسام كما ورد في حديث ذبح الموت وغيره، وأنا لا أميل إلى القول بأن المراد بالإنسان آدم عليه السلام وإن كان أول أفراد الجنس ومبدأ سلسلتها لمكان {أية : إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }تفسير : [الأحزاب: 72] فإنه يبعد غاية البعد وصف صفي الله عز وجل بنص {أية : إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَى آدَمَ }تفسير : [آل عمران: 33] بمزيد الظلم والجهل؛ وكون المعنى كان ظلوماً جهولاً بزعم الملائكة عليهم السلام قول بارد، وحمله على معنى كان ظلوماً لنفسه حيث حملها على ضعفه ما أبت الأجسام القوية حمله جهولاً بقدر ما دخل فيه أو بعاقبه ما تحمل لا يزيل البعد، ولا أستحسن كون المراد كان من شأنه لو خلي ونفسه ذلك كما قيل:شعر : الظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم تفسير : إلا على القول بإرادة الجنس، وإخراج الكلام مخرج الاستخدام على نحو ما قالوا في عندي درهم ونصفه بعيد لفظاً ومعنى. وقيل المراد بالأمانة مطلق الانقياد الشامل للطبيعي والاختياري وبعرضها استدعاؤه الذي يعم طلب الفعل من المختار وإرادة صدوره من غيره وبحملها الخيانة فيها والامتناع عن أدائها، ومنه قولهم حامل الأمانة ومحتملها لمن لا يؤديها فتبرأ ذمته وأنشدوا:شعر : إذا أنت لم تبرح تؤدي أمانة وتحمل أخرى أخرجتك الودائع تفسير : فيكون الإباء امتناعاً من الخيانة وإتياناً بالمراد، فالمعنى أن هذه الأجرام مع عظمها وقوتها أبين الخيانة لأمانتها وأتين بما أمرناهن به لقوله تعالى: {أية : أَتَيْنَا طَائِعِينَ}تفسير : [فصلت: 11] وخانها الإنسان حيث لم يأت بما أمرناه به إنه كان ظلوماً جهولاً ولا يخفى بعده ولم نر في المأثور ما يؤيده، نعم إن العوام يقولون: إن الأرض لا تخون الأمانة حتى إنهم جرت عادتهم في بلادنا أنهم إذا أرادوا دفن ميت في مكان ولم يتيسر لهم وضعوه في قبر وقالوا حين الوضع مخاطبين الأرض: هذا أمانة عندك كذا شهراً أو كذا سنة وحثوا التراب عليه وانصرفوا فإذا نبشوا القبر قبل مضي المدة وجدوه كما وضعوه لم يتغير منه شيء فيخرجونه ويدفنونه حيث أرادوا وإذا بقي حتى تمضي المدة التي عينوها وجدوه متغيراً، وهذا أمر تواتر نقله لنا وهو مما يستبعده العقل، وإلى نحو هذا ذهب أبو إسحاق الزجاج إلا أنه قال: عرض الأمانة وضع شواهد الوحدانية في المصنوعات، ونقله عنه أبو حيان وذكر البيت المار آنفاً لكنه تعقبه بأن الحمل فيه ليس نصاً في الخيانة. وقيل المراد بالأمانة العقل أو التكليف وبعرضها عليهن اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن وبابائهن الإباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة والاستعداد لها وبحمل الإنسان قابليته واستعداده لها وكونه ظلوماً جهولاً لما غلب عليه من القوة الغضبية الداعية للظلم والشهوية الداعية للجهل بعواقب الأمور، قيل وعليه ينتظم قوله تعالى: {أية : إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } تفسير : [الأحزاب: 72] مع ما قبله على أنه علته باعتبار حمل العقل عليه بمعنى إيداعه فيه لأجل إصلاح ما فيه من القوتين المحتاجتين إلى سلطان العقل الحاكم عليهما فكأنه قيل: حملناه ذلك لما فيه من القوى المحتاجة لقهره وضبطه، وكذا إذا أريد التكليف فإن معظم المقصود منه تعديل تلك القوى وكسر سورتها، ومن هنا قيل إنه أقرب للتحقيق. وقيل الأمانة تجلياته عز وجل بأسمائه الحسنى وصفاته تعالى العليا وعرضها عليهن وإباؤهن وحمل الإنسان كالمذكور آنفاً. وقوله تعالى: {أية : إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }تفسير : [الأحزاب: 72] تعليل للحمل مشار به إلى قوة استعداده، وقوله سبحانه: {لّيُعَذّبَ } تعليل للعرض على معنى عرضنا ذلك لتظهر تجلياتنا الجلالية والجمالية، ويشير إلى هذا قول العلامة الطيبـي عليه الرحمة: إن الله تعالى خلق الخلق ليكون مظاهر أسمائه الحسنى وصفاته العليا فحامل معنى الكبرياء والعظمة السماوات والأرض والجبال من حيث كونها عاجزة عن حمل سائر الصفات لعدم استعدادها لقبولها ولذلك أبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان لقوة استعداده واقتداره لكونه ظلوماً جهولاً فاختص لذلك من بين سائر المخلوقات بقبول تجلي القهارية والتوابية والمغفرة وشاركها بقبول تجلي الرحمة وله النصيب الأوفر منها لقوة استعداده واقتداره، وهو مشرب صوفي كما لا يخفى. وأنا أختار كون الأمانة كل ما يؤتمن عليه ويطلب حفظه ورعايته ولها أفراد كثيرة متفاوتة في جلالة القدر وإن عرضها على تلك الأجرام كان على وجه التخيير / لهن في حملها لا الإلزام وأنهن خوطبن في ذلك وعقلن الخطاب والله عز وجل قادر على أن يخلق في كل ذرة من ذرات الكائنات الحياة والعلم كما خلقهما سبحانه في ذوي الألباب بل ذهب الفلاسفة إلى القول بثبوت النفوس والحركة الإرادية للأفلاك بل قال بعضهم نحو ذلك في الكواكب وأثبت الحركة الإرادية ونفى القواسر هناك وأن المراد بالإنسان الجنس وأن قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } في موضع التعليل للحمل. ووصف الجنس بصيغتي المبالغة لكثرة الأفراد المتصفة بالظلم والجهل منه وإن لم يكونا فيها على وجه المبالغة بل لا يخلو فرد من الأفراد عن الاتصاف بظلم ما وجهل ما، ولا يجب في وصف الجنس بصيغة المبالغة تحقق تلك الصفة في الأفراد كلاً أو بعضاً على وجه المبالغة، نعم إن تحقق ذلك فهو زيادة خير، كما فيما نحن فيه فإن أكثر أفراد الإنسان في غاية الظلم ونهاية الجهل، ولعل المراد بظلوم جهول من شأنه الظلم والجهل وأن قوله تعالى: {لّيُعَذّبَ } الخ متعلق بعرضنا على أنه تعليل له، وفي الكلام التفات لا يخفى، وتقديم التعذيب لأنه أوفق بصفتي الظلم والجهل، وقيل: لأن الأمانة من حكمها اللازم أن خائنها يضمن وليس من حكمها أن حافظها يؤجر، ومقابلة التعذيب بالتوبة دون الإثابة أو الرحمة للإشارة إلى أن في المؤمنين والمؤمنات من يصدر منه ما يصح أن يعذب عليه ومع ذلك لا يعذب، وفيه إشعار بأنه لا يعذب على كل ظلم وجهل وفي هذا من إدخال السرور على المؤمنين والكآبة على أضدادهم ما فيه، وأيضاً أن ذلك أوفق بظاهر قوله تعالى: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً } وقيل لم يعتبر بالإثابة لأنها علمت من قوله سبحانه: {أية : وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً }تفسير : [الأحزاب: 71] فعبر بما ذكر للتنبيه على أن ذلك بمحض الفضل وهو كما ترى، وقيل إن ذاك لأن التذييل متكفل بإفادة رحمتهم وإثابتهم. وقرأ الحسن كما ذكر صاحب «اللوامح» «ويتوب» بالرفع على الاستئناف. {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً } أي مبالغاً في المغفرة والرحمة حيث تاب على المؤمنين والمؤمنات وغفر لهم فرطاتهم وأثابهم بالفوز العظيم على طاعاتهم نسأل الله تعالى أن يتوب علينا ويغفر لنا ويثيبنا بالفوز العظيم إنه جل جلاله وعم نواله غفور رحيم. ومن باب الإشارة في آيات من هذه السورة الكريمة: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ }تفسير : [الأحزاب: 1] الخ فيه إشارة إلى عظم شأن التقوى وكذا شأن كل أمر ونهي يتعلقان به عليه الصلاة والسلام، وفيه أيضاً إشارة إلى أنه لا ينبغي محبة أعداء الله عز وجل حيث نهى عن طاعتهم وهما كالمتلازمين {مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِ } لأن موقعه في البدن موقع الرئيس في المملكة والحكمة تقتضي وحدة الرئيس، وفي الخبر«حديث : إذا بويع خليفتان فاقتلوا أحدهما»تفسير : . وقيل: إن ذاك لتشعر وحدته في بدن الإنسان الذي هو العالم الأصغر المنطوي فيه العالم الأكبر بوحدة الله سبحانه في الوجود. وينبغي أن يعلم أن للقلب عندهم كما قال الصدر القونوي إطلاقين الأول: إطلاقه على اللحم الصنوبري الشكل المعروف عند الخاصة والعامة، والثاني: إطلاقه على الحقيقة الجامعة بين الأوصاف والشؤون الربانية وبين الخصائص والأحوال الكونية الروحانية منها والطبيعية وهي تنشأ من بين الهيئة الاجتماعية الواقعة بين الصفات والحقائق الإلهية والكونية وما يشتمل عليه هذان الأصلان من الأخلاق والصفات اللازمة وما يتولد من بينهما بعد الارتياض والتزكية وظهور ذلك مما ذكر ظهور السواد بين العفص والزاج والماء وهذا هو القلب الذي أخبر عنه الحق على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله سبحانه: «حديث : ما وسعني أرضي ولا سمائي / ووسعني قلب عبدي المؤمن التقي النقي الوادع»تفسير : وهو محل نظر الحق ومنصة تجليه ومهبط أمره ومنزل تدليه واللحم الصنوبري أحقر من حيث صورته أن يكون محل سره جل وعلا فضلاً عن أن يسعه سبحانه ويكون مطمح نظره الأعلى ومستواه، وادعوا أن تسمية ذلك الصنوبري الشكل بالقلب على سبيل المجاز باعتبار تسمية الصفة والحامل باسم الموصوف والمحمول. {أية : وَمَا جَعَلَ أَزْوٰجَكُمُ ٱللاَّئِى تُظَـٰهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَـٰتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ }تفسير : [الأحزاب: 4] فيه أن الحقائق لا تنقلب وأن في القرابة النسبية خواص لا تكون في القرابة السببية فأين الأزواج من الأمهات والأدعياء من الأبناء فالأمهات أصول ولا كذلك الأزواج والأبناء فروع ولا كذلك الأدعياء، ومن هنا قيل: «الولد سر أبيه»، وقد أورده الشمس الفناري في «مصباح الأنس» حديثاً بصيغة الجزم من غير عزو ولا سند ولا يصح ذلك عند المحدثين، وهو إشارة إلى الأوصاف والأخلاق والكمالات التي يحصلها الولد بالسراية من والده لا بواسطة توجه القلب إلى حضرة الغيب الإلهي وعالم المعاني فإنه باعتبار ذلك قد تحصل للولد أوصاف وأخلاق على خلاف حال والده، ومنه يظهر سر {أية : يُخْرِجُ ٱلْحَىَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ } تفسير : [الأنعام: 95] {أية : فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوۤاْ آبَاءَهُمْ فَإِخوَانُكُمْ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ } تفسير : [الأحزاب: 5] فيه إشارة إلى أن للدين نوعاً من الأبوة ولهذا قد يقع به التوارث {أية : ٱلنَّبِىُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ }تفسير : [الأحزاب: 6] لأنه عليه الصلاة والسلام يحب لهم فوق ما يحبون لها ويسلك بهم المسلك الذي يوصلهم إلى الحياة الأبدية {أية : وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ ٱلنَّبِيّيْنَ مِيثَاقَهُمْ }تفسير : [الأحزاب: 7] أي في الأزل إذ كانوا أعياناً ثابتة أو يوم الميثاق إذ صار لهم نوع تعين {أية : لِّيَسْأَلَ ٱلصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ}تفسير : [الأحزاب: 8] سؤال تشريف لا تعنيف، والصدق على ما قالوا أن لا يكون في أحوالك شوب ولا في أعمالك عيب ولا في اعتقادك ريب، ومن أماراته وجود الإخلاص من غير ملاحظة المخلوق وتصفية الأحوال من غير مداخلة إعجاب وسلامة القول من المعاريض والتباعد عن التلبيس فيما بين الناس وإدامة التبري من الحول والقوة بل الخروج من الوجود المجازي شوقاً إلى الوجود الحقيقي {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ }تفسير : [الأحزاب: 9] الخ طبق بعضهم ما تضمنته الآيات من قصة الأحزاب على ما في الأنفس ولا يخفى حاله، ومن غريب ما رأيت أن الشيخ محي الدين قدس الله سره قسم الأولياء إلى أقسام وجعل منهم قسماً يقال لهم اليثربيون وقال: هم قوم من الأولياء لا مقام لهم كما لسائر الأولياء وجعل قول المنافقين: {أية : يٰأَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ } تفسير : [الأحزاب: 13] إشارة إلى ذلك، وكم قول غريب لهذا الشيخ غفر الله تعالى له. {أية : لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ ٱللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لّمَن كَانَ يَرْجُو ٱللَّهَ وَٱلْيَوْمَ ٱلأَخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيراً }تفسير : [الأحزاب: 21] لأنه عليه الصلاة والسلام أكمل الخلق على الإطلاق وأحظى الناس بإشراق أنوار أخلاقه عليه الذين يرجون الله تعالى واليوم الآخر ويذكرونه عز وجل كثيراً لصقالة قلوبهم وقوة استعدادها لإشراق الأنوار وظهور الآثار {أية : مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ } تفسير : [الأحزاب: 23] أي رجال كاملون، وقول بعضهم: أي متصرفون في الموجودات تصرف الذكور في الإناث كلام بشع تنقبض منه ككثير من كلام المتصوفة قلوب المقتفين للسلف الصالح. {أية : يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ قُل لأَزْوٰجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ ٱلْحَيَٰوةَ ٱلدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتّعْكُنَّ وَأُسَرّحْكُنَّ سَرَاحاً جميلاً} تفسير : [الأحزاب: 28] الخ فيه إشارة إلى أن حب الدنيا وزينتها يكون سبباً لمفارقة رسول الله صلى الله عليه وسلم والبعد عن حضرته الشريفة وأن محبته عليه الصلاة والسلام تكون سبباً للأجر العظيم {أية : يٰنِسَاء ٱلنَّبِىّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ }تفسير : [الأحزاب: 30] الخ فيه إشارة إلى تفاوت قبح المعاصي وحسن الطاعات باعتبار الأشخاص ومثل ذلك تفاوتها باعتبار الأماكن والأزمان / {أية : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ }تفسير : [الأحزاب: 36] إشارة إلى مقام التسليم وأنه اللائق بالمؤمنين وهذا حكم مستمر على الأمة إلى يوم القيامة فلا ينبغي لأحد بلغه شيء عن الله عز وجل وعن رسوله صلى الله عليه وسلم أن يختار لنفسه خلافه لإشعار ذلك باتهام الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام. ولعل الإشارة في الآيات بعد ظاهرة لمن له أدنى التفات بيد أنهم أطالوا الكلام في الأمانة المذكورة في قوله تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ } تفسير : [الأحزاب: 72] الآية فلنذكر بعضاً من ذلك فنقول: قال الشيخ محي الدين قدس سره في «بلغة الغواص»: إن الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض فأبين أن يحملنها هي السعة لمعرفة الله تعالى فلم يوجد في السماوات والأرض قبول لما قبله الإنسان بهذا التأليف الصوري إذ هو ثمرة العالم فهو يرى نفسه في العالم ويرى ربه سبحانه بالعالم الذي هو نفسه من حيث هو كل العالم فلذلك اتسع لما لم يسعه العالم ولذلك خصه سبحانه بالسعة حيث أخبر جل شأنه أنه لم يسعه سماواته ولا أرضه ووسعه قلب المؤمن من نوع الإنسان انتهى. وكأنه أراد بكونه وسع الحق سبحانه كونه مظهراً جامعاً للأسماء والصفات على وجه لا ينافي تنزيه الحق جل جلاله، وهذا قريب مما ذكرناه في التفسير وقلنا إنه مشرب صوفي كما لا يخفى، وقال آخر: هي عبارة عن الفيض الإلهي بلا واسطة وحمله خاص بالإنسان لأن نسبته مع المخلوقات كنسبة القلب مع الشخص فالعالم شخص وقلبه الإنسان فكما أن القلب حامل للروح بلا واسطة وتسري منه بواسطة العروق والشرايين ونحوها إلى سائر البدن كذلك الإنسان حامل للفيض الإلهي بلا واسطة ويسري منه إلى ظاهر الكون وباطنه بواسطة ظاهره وباطنه من أعمال البدن والروح فظاهر العالم وباطنه معموران بظاهر الإنسان وباطنه وهذا سر الخلافة ومعنى كونه ظلوماً أنه ظالم لنفسه حيث استعد لأن يحمل أمراً عظيماً وكونه جهولاً أنه جاهل بها حيث لم يعرف حقيقتها ولم يدرك منها سوى الصورة الحيوانية المتصفة بالصفات البهيمية من الأكل والشرب والنكاح وهاتان الصفتان في حق حاملي الأمانة ومؤدي حقها من حيث إنهما صارتا سبباً لحمل الأمانة صفتا مدح وفي حق الخائنين صفتا ذم والشيء قد يكون ذماً في حق شخص ومدحاً في حق آخر، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل ومنه الاستمداد في فهم كلامه العزيز الجليل.
ابن عاشور
تفسير : متعلق بقوله: {أية : وحملها الإنسان} تفسير : [الأحزاب: 72] لأن المنافقين والمشركين والمؤمنين من أصناف الإِنسان. وهذه اللام للتعليل المجازي المسماة لامَ العاقبة. وقد تقدم القول فيها غير مرة إحداها قوله تعالى: {أية : إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً}تفسير : في آل عمران [178]. والشاهد الشائع فيها هو قوله تعالى: {أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً} تفسير : [القصص: 8] وعادة النحاة وعلماء البيان يقولون: إنها في معنى فاء التفريع: وإذ قد كان هذا عاقبة لحمل الإِنسان الأمانة وكان فيما تعلق به لام التعليل إجمال تعين أن هذا يفيد بياناً لما أُجمل في قوله: {أية : إنه كان ظلوماً جهولاً} تفسير : [الأحزاب: 72] كما قدمناه آنفاً، أي فكان الإِنسان فريقين: فريقاً ظالماً جاهلاً، وفريقاً راشداً عالماً. والمعنى: فعذب الله المنافقين والمشركين على عدم الوفاء بالأمانة التي تحملوها في أصل الفطرة وبحسب الشريعة،وتاب على المؤمنين فغفر لهم من ذنوبهم لأنهم وفوا بالأمانة التي تحملوها. وهذا مثل قوله فيما مر: {أية : ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم} تفسير : [الأحزاب: 24] أي كما تاب على المؤمنين بأن يندموا على ما فرط من نفاقهم فيخلصوا الإِيمان فيتوب الله عليهم وقد تحقق ذلك في كثير منهم. وإظهار اسم الجلالة في قوله: {ويتوب الله} وكان الظاهر إضماره لزيادة العناية بتلك التوبة لما في الإِظهار في مقام الإِضمار من العناية. وذكر المنافقات والمشركات والمؤمنات مع المنافقين والمشركين والمؤمنين في حين الاستغناء عن ذلك بصيغة الجمع التي شاع في كلام العرب شموله للنساء نحو قولهم: حل ببني فلان مرض يريدون وبنسائهم. فذِكْرُ النساء في الآية إشارة إلى أن لهن شأناً كان في حوادث غزوة الخندق من إعانة لرجالهن على كيد المسلمين وبعكس ذلك حال نساء المسلمين. وجملة {وكان الله غفوراً رحيماً} بشارة للمؤمنين والمؤمنات بأن الله عاملهم بالغفران وما تقتضيه صفة الرحمة.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْمُنَافِقِينَ} {ٱلْمُنَافِقَاتِ} {ٱلْمُشْرِكَاتِ} {ٱلْمُؤْمِنَاتِ} (73) - وَقَدْ حَمَّلَ اللهُ الإِنسَانَ الأَمَانةَ (وَهِيَ التَّكَالِيفُ) لِتَكُونَ نَتيجَةُ ذلِكَ أَنْ يُعَذِّبَ مَنْ خَانَها، وَقَصَّرَ فِي حَمْلِها وَأَدَائِهَا، مِنْ المُنَافِقينَ وَالمُنَافِقَاتِ الذِينَ يُبْطِنُونَ الكُفْرَ والشِّرْكَ، وَيُظْهِرُونَ الإِيمَانَ خَوْفاً وَتَحَسُّباً، ومنَ الكَافِرِينَ الجَاحِدِينَ بِوُجُودِ اللهِ وَوحْدَانِيَّتِهِ، وَلِيَقْبَلَ تَوْبَةَ المُؤْمِنينَ وَالمُؤمِنَاتِ إِذا رَجَعُوا إِليهِ تَائِبينَ مُنِيبِينَ، لِتَلافِيهِمْ مَا فَرطَ مِنْهُمْ عَنْ جَهْلٍ وَعَدَمِ تَبَصُّرٍ، وَتَدَارُكِهِمْ ذَلِكَ بالتَّوْبَةِ. واللهُ تَعَالى غَفَّارٌ لِلذُّنُوبِ، سَتَّارٌ لِلْعُيوبِ، كَثيرُ الرَّحْمَةِ لِلْعِبَادِ التَّائِبِينَ إِليْهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أولاً: يلفت أنظارنا أن الآية السابقة ذُيِّلَتْ بقوله تعالى {أية : إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72] وذُيِّلَتْ هذه الآية بقوله سبحانه {وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [الأحزاب: 73] فكأن وصف (ظَلُومَاً) قابله (غَفُورَاً)، و (جَهُولاً) قابله (رَحيماً). فالحق سبحانه غفور لمن ظلم، ورحيم لمن جهل، فالنسق القرآني مظهر من مظاهر رحمة الله، والله سبحانه وتعالى عُلم عنه مِمَّنْ آمن به أنه غفور رحيم، لكن لا ينبغي أنْ تغرَّك صفات الجمال في ربك - عز وجل - فتُقدِم على الذنب وتظلم، اعتماداً على أنَّ ربك سيغفر وسيرحم. لذلك قالوا في قوله تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلْكَرِيمِ} تفسير : [الانفطار: 6] أن الذي غَرَّ الإنسان بربه فعصاه أو كفر به اعتماده على أن ربه كريم، فصفة الكرم في الله هي التي أغرَتْ بعصيانه. وكأن الحق سبحانه لقَّنَ الإنسان الجواب عن هذه المسألة، فإنْ سُئِل: ما غرَّك بربك؟ يقول: كرمه، وعندنا في الفلاحين يسأل أحدهم الآخر: لماذا لا تطمئن في صلاتك، وتنقرها هكذا أرأيتَ لو كان عليك (شلن) لواحد هل يصلح أن تعطيه (شلناً ممسوحاً)؟ فردَّ عليه الرجل: والله لو كان كريماً لقَبِله. وفي الآية دقيقة أخرى في قوله تعالى: {لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ ..} [الأحزاب: 73] فهل كان عَرْضُ الأمانة والتكليف للناس ليُعذبهم؟ هل التعذيب مقصود لله في الحكم؟ قالوا: لا؛ لأن اللام هنا {لِّيُعَذِّبَ ..} [الأحزاب: 73] لام العاقبة، فالحق سبحانه جعل التكليف ليتبعه الناس ولا يعذبون، فاللام دلَّت على النتيجة كما في قوله تعالى: {أية : فَٱلْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} تفسير : [القصص: 8]. فساعة التقطه آل فرعون التقطوه عليه السلام ليكون قُرَّة عَيْن لهم، لا ليكون عدواً، لكن الذي حدث أنه صار عدواً وحَزَناً، فاللام ليست للتعليل، إنما لام النتيجة والعاقبة، وهي أن تفعل الشيء لمراد عندك، ثم تأتي العاقبة لتدلّ على غباء الذي فعل. وقوله: {ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ ..} [الأحزاب: 73] سبق أن عرَّفنا النفاق، وقلنا: إن النفاق أشدُّ من الكفر؛ لأن الكافر كان منطقياً مع نفسه؛ لأنه كفر بقلبه وبلسانه. يعني: وافق لسانه ما في قلبه، أما المنافق فغير منطقي مع نفسه؛ لأنه اعتقد شيئاً ونطق بخلافه: أخفى الكفرَ وأظهر الإيمانَ فهو مُشتَّت الفكر؛ لذلك استحق أنْ يكون أعدى الأعداء، وأن يكون في الدَّرْك الأسفل من النار، ويكفي ما فيه من خداع وتمويه، فهو بظاهره معك، وفي حقيقته هو عدوك. ونلحظ أيضاً في هذه الآية أن الحق سبحانه أراد أنْ يفصل فصلاً تاماً بين جزاء المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات، وبين جزاء المؤمنين والمؤمنات، فالأسلوب البشري يقتضي أن يقول بعدها: {لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلْمُنَافِقِينَ وَٱلْمُنَافِقَاتِ وَٱلْمُشْرِكِينَ وَٱلْمُشْرِكَاتِ ..} [الأحزاب: 73] ويتوب على المؤمنين والمؤمنات. لكن السياق القرآني هنا لم يعطف التوبة على العذاب وفصل الفعلين بتكرار الفاعل الصريح، وهو لفظ الجلالة فقال {لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ..} [الأحزاب: 73] وقال: {وَيَتُوبَ ٱللَّهُ ..} [الأحزاب: 73] ليفصل هذا عن هذا، ويعزله بحكم خاص به؛ لأن لله تعالى - كما ذكرنا - صفات جلال، تختص بالكافرين والمنافقين، وصفات جمال تختص بالمؤمنين، ولكل من النوعين سياق خاص مستقل.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):