٣٤ - سَبَأ
34 - Saba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : السور المفتتحة بالحمد خمس سور سورتان منها في النصف الأول وهما الأنعام والكهف وسورتان في الأخير وهما هذه السورة وسورة الملائكة والخامسة وهي فاتحة الكتاب تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الأخير والحكمة فيها أن نعم الله مع كثرتها وعدم قدرتنا على إحصائها منحصرة في قسمين نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء، فإن الله تعالى خلقنا أولاً برحمته وخلق لنا ما نقوم به وهذه النعمة توجد مرة أخرى بالإعادة فإنه يخلقنا مرة أخرى ويخلق لنا ما يدوم فلنا حالتان الابتداء والإعادة وفي كل حالة له تعالى علينا نعمتان نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فقال في النصف الأول: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } تفسير : [الأنعام: 1] إشارة إلى الشكر على نعمة الإيجاد ويدل عليه قوله تعالى فيه: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ } تفسير : [الأنعام: 2] إشارة إلى الإيجاد الأول وقال في السورة الثانية وهي الكهف {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّماً } تفسير : [الكهف: 1، 2] إشارة إلى الشكر على نعمة الإبقاء، فإن الشرائع بها البقاء ولولا شرع ينقاد له الخلق لاتبع كل واحد هواه ولو وقعت المنازعات في المشتبهات وأدى إلى التقاتل والتفاني، ثم قال في هذه السورة {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } إشارة إلى نعمة الإيجاد الثاني ويدل عليه قوله تعالى: {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلأَخِرَةِ } وقال في الملائكة: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } إشارة إلى نعمة الإبقاء ويدل عليه قوله تعالى: {أية : جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً } تفسير : [فاطر: 1] والملائكة بأجمعهم لا يكونون رسلاً إلى يوم القيامة يرسلهم الله مسلمين كما قال تعالى: {أية : وَتَتَلَقَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } تفسير : [الأنبياء: 103] وقال تعالى عنهم: { أية : سَلَـٰمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَـٰلِدِينَ } تفسير : [الزمر: 73] وفاتحة الكتاب لما اشتملت على ذكر النعمتين بقوله تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ } تفسير : [الفاتحة: 2] إشارة إلى النعمة العاجلة وقوله: {أية : مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدّينِ } تفسير : [الفاتحة:4] إشارة إلى النعمة الآجلة قرئت في الافتتاح وفي الاختتام، ثم في الآية مسائل: المسألة الأولى: الحمد شكر والشكر على النعمة والله تعالى جعل ما في السموات وما في الأرض لنفسه بقوله: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } ولم يبين أنه لنا حتى يجب الشكر نقول جواباً عنه الحمد يفارق الشكر في معنى وهو أن الحمد أعم فيحمد من فيه صفات حميدة وإن لم ينعم على الحامد أصلاً، فإن الإنسان يحسن منه أن يقول في حق عالم لم يجتمع به أصلاً أنه عالم عامل بارع كامل فيقال له إنه يحمد فلاناً ولا يقال إنه يشكره إلا إذا ذكر نعمه أو ذكره على نعمه فالله تعالى محمود في الأزل لاتصافه بأوصاف الكمال ونعوت الجلال ومشكور ولا يزال على ما أبدى من الكرم وأسدى من النعم فلا يلزم ذكر النعمة للحمد بل يكفي ذكر العظمة وفي كونه مالك ما في السموات وما في الأرض عظمة كاملة فله الحمد على أنا نقول قوله: {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } يوجب شكراً أتم مما يوجبه قوله تعالى: { أية : خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلأَرْضِ } تفسير : [البقرة:29] وذلك لأن ما في السموات والأرض إذا كان لله ونحن المنتفعون به لا هو، يوجب ذلك شكراً لا يوجبه كون ذلك لنا. المسألة الثانية: قد ذكرتم أن الحمد ههنا إشارة إلى النعمة التي في الآخرة، فلم ذكر الله السموات والأرض؟ فنقول نعم الآخرة غير مرئية فذكر الله النعم المرئية وهي ما في السموات وما في الأرض، ثم قال: {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلآخِرَةِ } ليقاس نعم الآخرة بنعم الدنيا ويعلم فضلها بدوامها وفناء العاجلة ولهذا قال: {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ } إشارة إلى أن خلق هذه الأشياء بالحكمة والخير، والحكمة صفة ثابتة لله لا يمكن زوالها فيمكن منه إيجاد أمثال هذه مرة أخرى في الآخرة. المسألة الثالثة: الحكمة هي العلم الذي يتصل به الفعل فإن من يعلم أمراً ولم يأت بما يناسب علمه لا يقال له حكيم، فالفاعل الذي فعله على وفق العلم هو الحكيم، والخبير هو الذي يعلم عواقب الأمور وبواطنها فقوله: (حَكِيمٌ) أي في الابتداء يخلق كما ينبغي وخبير أي بالانتهاء يعلم ماذا يصدر من المخلوق وما لا يصدر إلى ماذا يكون مصير كل أحد فهو حكيم في الابتداء خبير في الانتهاء.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} «الَّذِي» في موضع خفض على النعت أو البدل. ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ، وأن يكون في موضع نصب بمعنى أعني. وحكى سيبويه «الحمد لله أهل الحمد» بالرفع والنصب والخفض. والحمد الكامل والثناء الشامل كله لله؛ إذ النعم كلها منه. وقد مضى الكلام فيه في أوّل الفاتحة. {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ} قيل: هو قوله تعالى: {أية : وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ} تفسير : [الزمر: 74]. وقيل: هو قوله: {أية : وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [يونس: 10] فهو المحمود في الآخرة كما أنه المحمود في الدنيا، وهو المالك للآخرة كما أنه المالك للأولى. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} في فعله. {ٱلْخَبِيرُ } بأمر خلقه.
البيضاوي
تفسير : مكية وقيل إلا قوله: ويرى الذين أوتوا العلم الآية، وآيها أربع وخمسون آية بسم الله الرحمن الرحيم {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} خلقاً ونعمة، فله الحمد في الدنيا لكمال قدرته وعلى تمام نعمته. {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلاْخِرَةِ} لأن ما في الآخرة أيضاً كذلك، وليس هذا من عطف المقيد على المطلق فإن الوصف بما يدل على أنه المنعم بالنعم الدنيوية قيد الحمد بها، وتقديم الصلة للاختصاص فإن النعم الدنيوية قد تكون بواسطة من يستحق الحمد لأجلها ولا كذلك نعم الآخرة. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} الذي أحكم أمور الدارين. {ٱلْخَبِيرُ } ببواطن الأشياء. {يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِى ٱلأَرْضِ} كالغيث ينفذ في موضع وينبع في آخر، وكالكنوز والدفائن والأموات. {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } كالحيوان والنبات والفلزات وماء العيون. {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَاء } كالملائكة والكتب والمقادير والأرزاق والأنداء والصواعق. {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } كالملائكة وأعمال العباد والأبخرة والأدخنة. {وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ } للمفرطين في شكر نعمته مع كثرتها، أو في الآخرة مع ما له من سوابق هذه النعم الفائتة للحصر. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ} إنكار لمجيئها أو استبطاء استهزاء بالوعد به. {قُلْ بَلَىٰ} رد لكلامهم وإثبات لما نفوه. {وَرَبّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ} تكرير لإِيجابه مؤكداً بالقسم مقرراً لوصف المقسم به بصفات تقرر إمكانه وتنفي استبعاده على ما مر غير مرة، وقرأ حمزة والكسائي «علام الغيب» للمبالغة، ونافع وابن عمر ورويس «عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ» بالرفع على أنه خبر محذوف أو مبتدأ خبره. {لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ} وقرأ الكسائي «لاَ يَعْزُبُ» بالكسر. {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ} جملة مؤكدة لنفي العزوب، ورفعهما بالابتداء ويؤيده القراءة بالفتح على نفي الجنس، ولا يجوز عطف المرفوع على {مِثْقَالَ} والمفتوح على {ذَرَّةٍ} بأنه فتح في موضع الجر لامتناع الصرف لأن الاستثناء يمنعه، اللهم إلا إذا جعل الضمير في {عَنْهُ} للغيب وجعل المثبت في اللوح خارجاً عنه لظهوره على المطالعين له فيكون المعنى لا ينفصل عن الغيب شيء إلا مسطوراً في اللوح. {لِّيَجْزِيَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} علة لقوله {لَتَأْتِيَنَّكُمْ} وبيان لما يقتضي إتيانها. {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } لا تعب فيه ولا مَنٌ عليه. {وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِى ءَايَـٰتِنَا} بإبطال وتزهيد الناس فيها. {مُعَـٰجِزِينَ } مسابقين كي يفوتونا. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {مُعَـٰجِزِينَ } أي مثبطين عن الإِيمان من أراده. {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مّن رّجْزٍ } من سَيِّءِ العذاب. {أَلِيمٌ} مؤلم، ورفعه ابن كثير ويعقوب وحفص. {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} ويعلم أولو العلم من الصحابة ومن شايعهم من الأمة، أو من مسلمي أهل الكتاب. {ٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ} القرآن. {هُوَ ٱلْحَقُّ } ومن رفع {ٱلْحَقّ} جعل هو مبتدأ و {ٱلْحَقّ } خبره والجملة ثاني مفعولي {يَرَىٰ}، وهو مرفوع مستأنف للاستشهاد بأولي العلم على الجهلة الساعين في الآيات. وقيل منصوب معطوف على {لِيَجْزِىَ } أي وليعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق عياناً كما علموه الآن برهاناً {وَيَهْدِى إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} الذي هو التوحيد والتدرع بلباس التقوى. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} قال بعضهم لبعض. {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ} يعنون محمداً عليه الصلاة والسلام. {يُنَبّئُكُمْ } يحدثكم بأعجب الاعاجيب. {إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ} إنكم تنشؤون خلقاً جديداً بعد أن تمزق أجسادكم كل تمزيق وتفريق بحيث تصير تراباً، وتقديم الظرف للدلالة على البعد والمبالغة فيه، وعامله محذوف دل عليه ما بعده فإن ما قبله لم يقارنه وما بعده مضاف إليه، أو محجوب بينه وبينه بأن و {مُمَزَّقٍ} يحتمل أن يكون مكاناً بمعنى إذا مزقتم وذهبت بكم السيول كل مذهب وطرحتم كل مطرح وجديد بمعنى فاعل من جد كحديد من حد، وقيل بمعنى مفعول من جد النساج الثوب إذا قطعه. {أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ} جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه، واستدل بجعلهم إياه قسيم الافتراء غير معتقدين صدقه على أن بين الصدق والكذب واسطة، وهو كل خبر لا يكون عن بصيرة بالمخبر عنه وضعفه بين لأن الافتراء أخص من الكذب. {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ فِى ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلَـٰلِ ٱلْبَعِيدِ} رد من الله تعالى عليهم ترديدهم وإثبات لهم ما هو أفظع من القسمين، وهو الضلال البعيد عن الصواب بحيث لا يرجى الخلاص منه وما هو مؤداه من العذاب، وجعله رسيلاً له في الوقوع ومقدماً عليه في اللفظ للمبالغة في استحقاقهم له، والبعد في الأصل صفة الضال ووصف الضلال به على الإسناد المجازي.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عن نفسه الكريمة أن له الحمد المطلق في الدنيا والآخرة، لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة، المالك لجميع ذلك، الحاكم في جميع ذلك، كما قال تعالى: {أية : وَهُوَ ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلأُولَىٰ وَٱلآخِرَةِ وَلَهُ ٱلْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} تفسير : [القصص: 70] ولهذا قال تعالى ههنا: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي: الجميع ملكه وعبيده وتحت تصرفه وقهره، كما قال تعالى: {أية : وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَٱلأُولَىٰ} تفسير : [الليل: 13]، ثم قال عز وجل: {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلآخِرَةِ} فهو المعبود أبداً، المحمود على طول المدى. وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} أي: في أقواله وأفعاله، وشرعه وقدره {ٱلْخَبِيرُ} الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه شيء، وقال مالك عن الزهري: خبير بخلقه، حكيم بأمره، ولهذا قال عز وجل: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} أي: يعلم عدد القطر النازل في أجزاء الأرض، والحب المبذور، والكامن فيها، ويعلم ما يخرج من ذلك؛ عدده وكيفيته وصفاته {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي: من قطر ورزق، وما يعرج فيها، أي: من الأعمال الصالحة وغير ذلك، {ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ} أي: الرحيم بعباده، فلا يعاجل عصاتهم بالعقوبة، الغفور عن ذنوب التائبين إليه، المتوكلين عليه.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } حَمِدَ تعالى نفسه بذلك، والمراد به الثناء بمضمونه من ثبوت الحمد وهو الوصف بالجميل لله تعالى {ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى #1649;لسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } ملكاً وخلقاً {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلأَخِرَةِ } كالدنيا: يحمده أولياؤه إذا دخلوا الجنة {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ } في فعله {ٱلْخَبِيرُ } بخلقه.
الشوكاني
تفسير : قوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } تعريف الحمد مع لام الاختصاص مشعران باختصاص جميع أفراد الحمد بالله سبحانه على ما تقدم تحقيقه في فاتحة الكتاب، والموصول في محل جرّ على النعت، أو البدل، أو النصب على الاختصاص، أو الرفع على تقدير مبتدأ. ومعنى {لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ }: أن جميع ما هو فيها في ملكه، وتحت تصرفه يفعل به ما يشاء، ويحكم فيه بما يريد، وكل نعمة واصلة إلى العبد، فهي مما خلقه له، ومنّ به عليه، فحمده على ما في السمٰوات والأرض هو: حمد له على النعم التي أنعم بها على خلقه مما خلقه لهم. ولما بين: أن الحمد الدنيوي من عباده الحامدين له مختص به بيّن أن الحمد الأخروي مختصّ به كذلك، فقال: {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلأَخِرَةِ }، وقوله: {له} متعلق بنفس الحمد، أو بما تعلق به خبر الحمد أعني: في الآخرة، فإنه متعلق بمتعلق عام هو: الاستقرار، أو نحوه، والمعنى: أن له سبحانه على الاختصاص حمد عباده الذين يحمدونه في الدار الآخرة إذا دخلوا الجنة، كما في قوله: {أية : وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ } تفسير : [الزمر: 74] وقوله: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَانَا لِهَـٰذَا } تفسير : [الأعراف: 43]، وقوله: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} تفسير : [فاطر: 34] وقوله: {أية : ٱلَّذِى أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ } تفسير : [فاطر: 35]، وقوله: {أية : وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [يونس: 10]، فهو سبحانه المحمود في الآخرة كما أنه المحمود في الدنيا، وهو: المالك للآخرة كما أنه المالك للدنيا {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ } الذي أحكم أمر الدارين {ٱلْخَبِيرُ } بأمر خلقه فيهما قيل: والفرق بين الحمدين: أن الحمد في الدنيا عباده، وفي الآخرة تلذذ، وابتهاج، لأنه قد انقطع التكليف فيها. ثم ذكر سبحانه بعض ما يحيط به علمه من أمور السمٰوات، والأرض، فقال: {يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِى ٱلأَرْضِ } أي: ما يدخل فيها من مطر، أو كنز، أو دفين {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } من زرع، ونبات، وحيوان {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَاء } من الأمطار، والثلوج، والبرد، والصواعق، والبركات، ومن ذلك ما ينزل منها من ملائكته، وكتبه إلى أنبيائه {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } من الملائكة، وأعمال العباد. قرأ الجمهور: {ينزل} بفتح الياء، وتخفيف الزاي مسنداً إلى {ما}، وقرأ عليّ بن أبي طالب، والسلمي بضم الياء وتشديد الزاي مسنداً إلى الله سبحانه {وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ } بعباده {ٱلْغَفُورُ } لذنوبهم. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ } المراد بهؤلاء القائلين جنس الكفرة على الإطلاق، أو كفار مكة على الخصوص، ومعنى {لا تأتينا الساعة}: أنها لا تأتي بحال من الأحوال، إنكاراً منهم لوجودها لا لمجرد إتيانها في حال تكلمهم، أو في حال حياتهم مع تحقق وجودها فيما بعد، فردّ الله عليهم، وأمر رسوله أن يقول لهم: {قُلْ بَلَىٰ وَرَبّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ }، وهذا القسم لتأكيد الإتيان، قرأ الجمهور: {لتأتينكم} بالفوقية، أي الساعة، وقرأ طلق المعلم بالتحتية على تأويل الساعة باليوم، أو الوقت. قال طلق: سمعت أشياخنا يقرءون بالياء: يعني: التحتية على المعنى، كأنه قال: ليأتينكم البعث، أو أمره كما قال: {أية : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلـٰئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبّكَ } تفسير : [النحل: 33]. قرأ نافع، وابن عامر: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ } بالرفع على أنه مبتدأ، وخبره: {لا يعزب}، أو على تقدير مبتدأ، وقرأ عاصم، وابن كثير، وأبو عمرو بالجرّ على أنه نعت لربي، وقرأ حمزة، والكسائي: (علام) بالجرّ مع صيغة المبالغة، ومعنى: {لاَ يَعْزُبُ }: لا يغيب عنه، ولا يستتر عليه، ولا يبعد {عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ } المثقال {وَلا أَكْبَرَ } منه {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ }، وهو: اللوح المحفوظ. والمعنى: إلاّ وهو مثبت في اللوح المحفوظ الذي اشتمل على معلومات الله سبحانه، فهو مؤكد لنفي العزوب. قرأ الجمهور: {يعزب} بضم الزاي، وقرأ يحيـى بن وثاب بكسرها. قال الفراء: والكسر أحبّ إليّ، وهما لغتان، يقال: عزب يعزب بالضم، ويعزب بالكسر إذا بعد، وغاب. وقرأ الجمهور: {ولا أصغر}، ولا {أكبر} بالرفع على الابتداء، والخبر: {إلاّ في كتاب}، أو على العطف على {مثقال}، وقرأ قتادة، والأعمش بنصبهما عطفاً على {ذرّة}، أو على أن لا هي لا التبرئة التي يبنى اسمها على الفتح. واللام في {لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} للتعليل لقوله: {لتأتينكم} أي: إتيان الساعة فائدته جزاء المؤمنين بالثواب، والكافرين بالعقاب، والإشارة بقوله: {أُوْلَـٰئِكَ } إلى الموصول، أي: أولئك الذين آمنوا، وعملوا الصالحات {لَهُم مَّغْفِرَةٌ } لذنوبهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ }، وهو الجنة بسبب إيمانهم، وعملهم الصالح مع التفضل عليهم من الله سبحانه. ثم ذكر فريق الكافرين الذين يعاقبون عند إتيان الساعة، فقال: {وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِى ءايَـٰتِنَا مُعَـٰجِزِينَ } أي: سعوا في إبطال آياتنا المنزلة على الرسل، وقدحوا فيها، وصدّوا الناس عنها، ومعنى {معاجزين}: مسابقين يحسبون، أنهم يفوتوننا، ولا يدركون، وذلك باعتقادهم: أنهم لا يبعثون، يقال: عاجزه، وأعجزه: إذا غالبه، وسبقه. قرأ الجمهور: {معاجزين}، وقرأ ابن كثير، وابن محيصن، وحميد، ومجاهد، وأبو عمرو: «معجزين» أي مثبطين للناس عن الإيمان بالآيات {أُوْلَـٰئِكَ } أي: الذين سعوا {لَهُمْ عَذَابٌ مّن رّجْزٍ } الرجز هو: العذاب، فمن للبيان، وقيل: الرجز هو: أسوأ العذاب، وأشدّه، والأوّل أولى. ومن ذلك قوله: {أية : فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزًا مّنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [البقرة: 59]. قرأ الجمهور: "أَلِيمٌ" بالجرّ صفة لرجز. وقرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم بالرفع صفة لعذاب، والأليم الشديد الألم. {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ } لما ذكر الذين سعوا في إبطال آيات الله ذكر الذين يؤمنون بها، ومعنى {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } أي: يعلمون، وهم الصحابة. وقال مقاتل: هم: مؤمنو أهل الكتاب. وقيل: جميع المسلمين، والموصول هو المفعول الأوّل ليرى، والمفعول الثاني الحقّ، والضمير هو: ضمير الفصل. وبالنصب قرأ الجمهور، وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع على أنه خبر الضمير، والجملة في محل نصب على أنها المفعول الثاني، وهي لغة تميم، فإنهم يرفعون ما بعد ضمير الفصل، وزعم الفرّاء: أن الاختيار الرفع، وخالفه غيره، وقالوا: النصب أكثر. قيل: وقوله: {يَرَىٰ } معطوف على {ليجزي}، وبه قال الزجاج، والفراء، واعترض عليهما بأن قوله: {لِيَجْزِىَ } متعلق بقوله: {لَتَأْتِيَنَّكُمْ } ولا يقال: لتأتينكم الساعة ليرى الذين أوتوا العلم أن القرآن حق، والأولى أنه كلام مستأنف لدفع ما يقوله الذين سعوا في الآيات، أي: إن ذلك السعي منهم يدلّ على جهلهم؛ لأنهم مخالفون لما يعلمه أهل العلم في شأن القرآن {وَيَهْدِى إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ } معطوف على: {الحقّ} عطف فعل على اسم، لأنه في تأويله كما في قوله: {أية : صَــٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ } تفسير : [الملك: 19] أي: وقابضات، كأنه قيل: وهادياً. وقيل: إنه مستأنف، وفاعله ضمير يرجع إلى فاعل أنزل، وهو: القرآن. والصراط: الطريق، أي: ويهدي إلى طريق {ٱلْعَزِيزُ } في ملكه {ٱلْحَمِيدِ } عند خلقه، والمراد: أنه يهدي إلى دين الله، وهو: التوحيد. ثم ذكر سبحانه نوعاً آخر من كلام منكري البعث، فقال: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي: قال بعض لبعض: {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ }. يعنون: محمداً صلى الله عليه وسلم أي: هل نرشدكم إلى رجل {يُنَبّئُكُمْ } أي: يخبركم بأمر عجيب، ونبأ غريب هو: أنكم {إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } أي: فرقتم كل تفريق، وقطعتم كل تقطيع، وصرتم بعد موتكم رفاتاً وتراباً {إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } أي: تخلقون خلقاً جديداً، وتبعثون من قبوركم أحياء، وتعودون إلى الصور التي كنتم عليها، قال هذا القول بعضهم لبعض استهزاء بما وعدهم الله على لسان رسوله من البعث. وأخرجوا الكلام مخرج التلهي به، والتضاحك مما يقوله من ذلك، «وإذا» في موضع نصب بقوله: {مزقتم}. قال النحاس: ولا يجوز: أن يكون العامل فيها ينبئكم، لأنه ليس يخبرهم ذلك الوقت. ولا يجوز: أن يكون العامل فيها ما بعد إنّ؛ لأنه لا يعمل فيما قبلها. وأجاز الزجاج: أن يكون العامل فيها محذوفاً، والتقدير: إذا مزّقتم كل ممزّق بعثتم، أو نبئتم بأنكم تبعثون إذا مزقتم، وقال المهدوي: لا يجوز أن يعمل فيه مزقتم؛ لأنه مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. وأصل المزق خرق الأشياء، يقال: ثوب مزيق، وممزق، ومتمزق، وممزوق. ثم حكى سبحانه عن هؤلاء الكفار: أنهم ردّدوا ما وعدهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من البعث بين أمرين، فقالوا: {أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ } أي: أهو كاذب فيما قاله أم به جنون بحيث لا يعقل ما يقوله، والهمزة في أفترى هي: همزة الاستفهام، وحذفت لأجلها همزة الوصل كما تقدّم في قوله: {أية : أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ } تفسير : [مريم: 78]، ثم ردّ عليهم سبحانه ما قالوه في رسوله، فقال: {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ فِى ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلَـٰلِ ٱلْبَعِيدِ } أي ليس الأمر كما زعموا، بل هم الذين ضلوا عن الفهم، وإدراك الحقائق، فكفروا بالآخرة، ولم يؤمنوا بما جاءهم به، فصاروا بسبب ذلك في العذاب الدائم في الآخرة، وهم اليوم في الضلال البعيد عن الحق غاية البعد. ثم وبخهم سبحانه بما اجتر عليه من التكذيب مبيناً لهم أن ذلك لم يصدر منهم إلاّ لعدم التفكر، والتدبر في خلق السماء والأرض، وأن من قدر على هذا الخلق العظيم لا يعجزه أن يبعث من مخلوقاته ما هو دون ذلك، ويعيده إلى ما كان عليه من الذات والصفات، ومعنى {إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ }: أنهم إذا نظروا رأوا السماء خلفهم، وقدّامهم، وكذلك إذا نظروا في الأرض رأوها خلفهم، وقدّامهم، فالسماء والأرض محيطتان بهم، فهو: القادر على أن ينزل بهم ما شاء من العذاب بسبب كفرهم، وتكذيبهم لرسوله، وإنكارهم للبعث، فهذه الآية اشتملت على أمرين: أحدهما: أن هذا الخلق الذي خلقه الله من السماء، والأرض يدلّ على كمال القدرة على ما هو دونه من البعث كما في قوله: {أية : أَوَ لَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } تفسير : [يسۤ: 81]. والأمر الآخر: التهديد لهم بأن من خلق السماء، والأرض على هذه الهيئة التي قد أحاطت بجميع المخلوقات فيهما قادر على تعجيل العذاب لهم {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ } كما خسف بقارون {أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً } أي: قطعاً {مّنَ ٱلسَّمَاء } كما أسقطها على أصحاب الأيكة، فكيف يأمنون ذلك. قرأ الجمهور: {إن نشأ} بنون العظمة، وكذا (نخسف)، (ونسقط). وقرأ حمزة، والكسائي بالياء التحتية في الأفعال الثلاثة؛ أي: إن يشأ الله. وقرأ الكسائي وحده بإدغام الفاء في الباء في: {نخسف بهم}. قال أبو علي الفارسي: وذلك غير جائز؛ لأن الفاء من باطن الشفة السفلى، وأطراف الثنايا العليا بخلاف الباء، وقرأ الجمهور: {كسفا} بسكون السين. وقرأ حفص، والسلمي بفتحها. {إِنَّ فِى ذَلِكَ } المذكور من خلق السماء والأرض {لآيَةً } واضحة دلالة بينة {لّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ } أي: راجع إلى ربه بالتوبة، والإخلاص، وخصّ المنيب؛ لأنه المنتفع بالتفكر. وقد أخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله: {يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِى ٱلأَرْضِ } قال: من المطر {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } قال: من النبات {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَاء } قال: من الملائكة {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } قال: الملائكة، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {مّن رّجْزٍ أَلِيمٌ } قال: الرجز هو: العذاب الأليم الموجع، وفي قوله: {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } قال: أصحاب محمد. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال: يعني: المؤمنين من أهل الكتاب. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ } قال: قال ذلك مشركو قريش {إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } يقول: إذا أكلتكم الأرض، وصرتم رفاتاً وعظاماً، وتقطعتكم السباع، والطير {إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } إنكم ستحيون، وتبعثون، قالوا ذلك تكذيباً به {أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ } قال: قالوا: إما أن يكون يكذب على الله، وإما أن يكون مجنوناً {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ } قالوا: إنك إن نظرت عن يمينك، وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك رأيت السماء والأرض {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ } كما خسفنا بمن كان قبلهم {أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مّنَ ٱلسَّمَاء } أي: قطعاً من السماء إن يشأ أن يعذب بسمائه فعل، وإن يشأ أن يعذب بأرضه فعل، وكل خلقه له جند {إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَةً لّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ } قال: تائب مقبل إلى الله.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّموَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ} فيه وجهان: أحدهما: الذي خلق ما في السموات وما في الأرض. الثاني: الذي يملك ما في السموات وما في الأرض. {ولَهُ الْحَمْدُ فِي الآخرَةِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: هو حمد أهل الجنة من غير تَكْلِفٍ فسرورهم بحمده كقولهم: الحمد لله الذي صدقنا وعْدَه، الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، قاله ابن عيسى. الثاني: يعني أن له الحمد في السموات وفي الأرضين لأنه خلق السموات قبل الأرضين فصارت هي الأولى، والأرضون هي الآخرة، حكاه النقاش. الثالث: له الحمد في الآخرة على الثواب والعقاب لأنه عَدْل منه، قاله بعض المتأخرين. {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} يعني الحكيم في أمره، الخبير بخلقه. قوله عز وجل: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وََمَا يَخْرُجُ مِنهَا} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: ما يلج في الأرض المطر، وما يخرج منها النبات، قاله الضحاك. الثاني: ما يلج فيها الأموات، قاله الكلبي، وما يخرج منها كنوز الذهب والفضة، والمعادن، حكاه النقاش. الثالث: ما يلج فيها: البذور، وما يخرج منها: الزروع. {وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: الملائكة تنزل من السماء وتعرج فيها، قاله السدي. الثاني: وما ينزل من السماء: القضاء، وما يعرج فيها: العمل، وهو محتمل. الثالث: ما ينزل من السماء: المطر، قاله الضحاك، وما يعرج فيها: الدعاء. وهو محتمل.
ابن عطية
تفسير : الألف واللام في {الحمد} لاستغراق الجنس، أي {الحمد} على تنوعه هو {لله} تعالى من جميع جهات الفكرة، ثم جاء بالصفات التي تستوجب المحامد وهي ملكه جميع ما في السماوات والأرض، وعلمه المحيط بكل شيء وخبرته بالأشياء إذ وجودها إنما هو به جلت قدرته ورحمته بأنواع خلقه وغفرانه لمن سبق في علمه أن يغفر له من مؤمن، وقوله تعالى: {وله الحمد في الآخرة} يحتمل أن تكون الألف واللام للجنس أيضاً وتكون الآية خبراً، أي أن الحمد في الآخرة هو له وحده لإنعامه وإفضاله وتغمده وظهور قدرته وغير ذلك من صفاته، ويحتمل أن تكون الألف واللام فيه للعهد والإشارة إلى قوله تعالى: {أية : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين}تفسير : [يونس: 10] أو إلى قوله{أية : وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده}تفسير : [الزمر: 74] و {يلج} معناه يدخل، ومنه قول شاعر: [الطويل] شعر : رأيت القوافي يتلجن هوالجا تضايق عنها أن تولجها الابر تفسير : و {يعرج} معناه يصعد، وهذه الرتب حصرت كلما يصح علمه من شخص أو قول أو معنى، وقرأ أبو عبد الرحمن "وما يُنَزّل من السماء" بضم الياء وفتح النون وشد الزاي.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الأَرْضِ} خلقاً، أو ملكاً {الْحَمْدُ فِى الأَخِرَةِ} حمد أهل الجنة ـ {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِىۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} تفسير : [فاطر: 34] { أية : ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ}تفسير : [الزمر: 74]، أو له الحمد في السماء والأرض لأنه خلق السموات قبل الأرض فصارت هي الأولى والأرض الآخرة، أو له "الحمد في الأولى على الهداية" وفي الآخرة على الثواب والعقاب. {الْحَكِيمُ} في أمره {الْخَبِيرُ} بخلقه.
النسفي
تفسير : مكية وهي أربع وخمسون آية بسم الله الرحمن الرحيم {ٱلْحَمْدُ } إن أجرى على المعهود فهو بما حمد به نفسه محمود، وإن أجرى على الاستغراق فله لكل المحامد الاستحقاق {لِلَّهِ } بلام التمليك لأنه خالق ناطق الحمد أصلاً فكان بملكه مالك الحمد للتحميد أهلاً {ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَمَا فِى ٱلأَرْضِ} خلقاً وملكاً وقهراً فكان حقيقاً بأن يحمد سراً وجهراً {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلآخِرَةِ } كما هو له في الدنيا إذ النعم في الدارين من المولى، غير أن الحمد هنا واجب لأن الدنيا دار تكليف وثم لا، لعدم التكليف وإنما يحمد أهل الجنة سروراً بالنعيم وتلذذاً بما نالوا من الأجر العظيم بقولهم {أية : ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ }تفسير : [الزمر: 74] {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ }تفسير : [فاطر: 34] {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ } بتدبير ما في السماء والأرض {ٱلْخَبِيرُ } بضمير من يحمده ليوم الجزاء والعرض {يَعْلَمْ } مستأنف {مَا يَلْجُ } ما يدخل {فِى ٱلأَرْضِ } من الأموات والدفائن {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } من النبات وجواهر المعادن {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَاء } من الأمطار وأنواع البركات {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } يصعد إليها من الملائكة والدعوات {وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ } بإنزال ما يحتاجون إليه {ٱلْغَفُورُ } لما يجترئون عليه. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي منكرو البعث {لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ } نفي للبعث وإنكار لمجيء الساعة {قُلْ بَلَىٰ } أوجب ما بعد النفي بـ «بلى» على معنى أن ليس الأمر إلا إتيانها {وَرَبّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ } ثم أعيد إيجابه مؤكداً بما هو الغاية في التوكيد والتشديد وهو التوكيد باليمين بالله عز وجل، ثم أمد التوكيد القسمى بما اتبع المقسم به من الوصف بقوله {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ } لأن عظمة حال المقسم به تؤذن بقوة حال المقسم عليه وبشدة ثباته واستقامته لأنه بمنزلة الاستشهاد على الأمر، وكلما كان المستشهد به أرفع منزلة كانت الشهادة أقوى وآكد والمستشهد عليه أثبت وأرسخ، ولما كان قيام الساعة من مشاهير الغيوب وأدخلها في الخفية كان الوصف بما يرجع إلى علم الغيب أولى وأحق. {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ } مدني وشامي أي هو عالم الغيب {علامِ ٱلْغَيْبَ} حمزة وعلي على المبالغة {لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ } وبكسر الزاي: عليّ. يقال: عزب يعزب ويعزب إذا غاب وبعد {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } مقدار أصغر نملة {فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ } من مثقال ذرة {وَلا أَكْبَرُ} من مثقال ذرة {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } إلا في اللوح المحفوظ، {وَلاَ أَصْغَرُ وَلا أَكْبَرُ} بالرفع عطف على {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ } ويكون «إلا» بمعنى لكن، أو رفعاً بالابتداء والخبر {فِى كِتَـٰبِ } واللام في {لّيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ } لما قصروا فيه من مدارج الإيمان {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } لما صبروا عليه من مناهج الإحسان متعلق بـ {لَتَأْتِيَنَّكُمْ } تعليلاً له. {وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِى ءايَـٰتِنَا } جاهدوا في رد القرآن {مُعَـٰجِزِينَ } مسابقين ظانين أنهم يفوتوننا. {مُعَـجِزِينَ } مكي وأبو عمرو أي مثبطين الناس عن اتباعها وتأملها أو ناسبين الله إلى العجز {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مّن رّجْزٍ أَلِيمٌ } برفع {أَلِيمٌ } مكي وحفص ويعقوب صفة لعذاب أي عذاب أليم من سيء العذاب. قال قتادة: الرجز سوء العذاب، وغيرهم بالجر صفة لرجز. {وَيَرَى } في موضع الرفع بالاستئناف أي ويعلم {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يطأ أعقابهم من أمته أو علماء أهل الكتاب الذين أسلموا كعبد الله بن سلام وأصحابه، والمفعول الأول لـ {يَرَىٰ } {ٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } يعني القرآن {هُوَ ٱلْحَقُّ } أي الصدق وهو فصل و {ٱلْحَقّ } مفعول ثانٍ أو في موضع النصب معطوف على {لِيَجْزِىَ } وليعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علماً لا يزاد عليه في الإيقان {وَيَهْدِى } الله أو الذي أنزل إليك {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ } وهو دين الله {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وقال قريش بعضهم لبعض {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ } يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم. وإنما نكّروه مع أنه كان مشهوراً علماً في قريش وكان إنباؤه بالبعث شائعاً عندهم تجاهلاً به وبأمره وباب التجاهل في البلاغة وإلى سحرها {يُنَبّئُكُمْ إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } أي يحدثكم بأعجوبة من الأعاجيب أنكم تبعثون وتنشئون خلقاً جديداً بعد أن تكونوا رفاتاً وتراباً ويمزق أجسادكم البلى كل ممزق أي يفرقكم كل تفريق، فالممزق مصدر بمعنى التمزيق، والعامل في {إِذَا } ما دل عليه {إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } أي تبعثون، والجديد فعيل بمعنى فاعل عند البصريين تقول جد فهو جديد كقل فهو قليل ولا يجوز {إِنَّكُمْ } بالفتح للام في خبره {ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } أهو مفترٍ على الله كذباً فيما ينسب إليه من ذلك والهمزة للاستفهام وهمزة الوصل حذفت استغناء عنها {أَم بِهِ جِنَّةٌ } جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ فِى ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلَـٰلِ ٱلْبَعِيدِ } ثم قال سبحانه وتعالى: ليس محمد من الافتراء والجنون في شيء وهو مبرأ منهما بل هؤلاء القائلون الكافرون بالبعث واقعون في عذاب النار وفيما يؤديهم إليه من الضلال عن الحق وهم غافلون عن ذلك. وذلك أجن الجنون، جعل وقوعهم في العذاب رسيلاً لوقوعهم في الضلال كأنهما كائنان في وقت واحد، لأن الضلال لما كان العذاب من لوازمه جعلا كأنهما مقترنان. ووصف الضلال بالبعيد من الإسناد المجازي لأن البعيد من الإسناد المجازي لأن البعيد صفة الضال إذا بعد عن الجادة.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض} معناه أن كل نعمة من الله، فهو الحقيق بأن يحمد ويثنى عليه من أجلها، ولما قال: الحمد لله وصف ملكه فقال: الذي له ما في السموات وما في الأرض أي ملكاً وخلقاً {وله الحمد في الآخرة} أي كما هو له في الدنيا لأن النعم في الدارين كلها منه، فكما أنه المحمود على نعم الدنيا فهو المحمود على نعم الآخرة وقيل: الحمد في الآخرة هو حمد أهل الجنة كما ورد "يلهمون التسبيح والحمد كما يلهمون النفس" {وهو الحكيم} أي الذي أحكم أمور الدارين {الخبير} أي بكل ما كان وما يكون {يعلم ما يلج في الأرض} أي من المطر والكنوز والأموات {وما يخرج منها} أي من النبات والشجر والعيون والمعادن والأموات إذا بعثوا {وما ينزل من السماء} أي من المطر والثلج والبرد، وأنواع البركات والملائكة {وما يعرج فيها} أي في السماء من الملائكة وأعمال العباد {وهو الرحيم الغفور} أي للمفرطين في أداء ما وجب عليهم من شكر نعمه قوله تعالى {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة} معناه أنهم أنكروا البعث وقيل: استبطؤوا ما وعدوه من قيام الساعة على سبيل اللهو والسخرية {قل بلى وربي لتأتينكم} يعني الساعة {عالم الغيب} أي لا يفوت علمه شيء من الخفيات وإذا كان كذلك اندرج في علمه، وقت قيام الساعة وأنها أتية {لا يعزب عنه} أي لا يغيب عنه {مثقال ذرة} يعني وزن ذرة {في السموات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك} أي من الذرة {ولا أكبر إلا من كتاب مبين} يعني في اللوح المحفوظ {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة} أي لذنوبهم {ورزق كريم} يعني الجنة.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {عالم الغيب} بالرفع: أبو جعفر ونافع وابن عامر ورويس. {علام} بالجر وبناء المبالغة: حمزة وعلي. الباقون {عالم} بالجر وبدون المبالغة. {معاجزين} بالألف وقد روي عن ابن كثير وأبي عمرو {معجزين} بالتشديد {رجز أليم} بالرفع صفة العذاب وكذلك في "الجاثية": ابن كثير وحفص ويعقوب وجبلة. الآخرون: بالجر {إن يشأ يخسف} {أو يسقط} على الغيبة فيهما: حمزة وعلي وخلف. الباقون: بالنون {نخسف بهم} بإدغام الفاء في الباء: علي {كسفاً} بفتح السين: حفص غير الخزاز {والطير} بالرفع حملاً على لفظ المنادى: يعقوب غير رويس الآخرون: بالنصب حملاً على المحل أو لأنه مفعول معه أو معطوف على {فضلاً} بمعنى وسخرنا له الطير {الريح} بالرفع: أبو بكر وحماد والمفضل بتقدير: ولسليمان الريح مسخرة أو سخرت الريح له {الرياح} بالرفع أيضاً ولكن مجموعاً: يزيد. الباقون: موحداً منصوباً {كالجوابي} بالياء في الحالين: ابن كثير وسهل ويعقوب وافق أبو عمرو وورش في الوصل {عبادي الشكور} يسكون الياء حمزة والوقف بالياء لا غير {منساته} بالألف: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن فليح وزيد عن يعقوب. وقرأ ابن ذكوان ساكنة الهمزة. الآخرون: بفتح الهمزة {تبينت الجن} على البناء للمفعول: يعقوب غير زيد {سبأ} غير مصروف: أبو عمرو والبزي {سبأ} بهمزة ساكنة: ابن مجاهد وأبو عون عن قنبل {سبأ} بالألف: ابن فليح وزمعة والقواس غير ابن مجاهد وأبي عون {مسكنهم} بفتح الكاف: حمزة وحفص، وبكسرها علي وخلف الباقون {مساكنهم} مجموعة {بجنتيهم} بضم الهاء: سهل ويعقوب {أكل خمط} بضم الكاف والإضافة: أبو عمرو وسهل ويعقوب. الآخرون: بالسكون والتنوين {نجازي} بضم النون وكسر الزاي {إلا الكفور} بالنصب: حمزة وعلي وخلف وحفص ويعقوب. الآخرون: بضم الياء وفتح الزاي وبرفع {الكفور} {ربنا} بالرفع {باعد} بلفظ الماضي من المفاعلة: سهل. الآخرون: {ربنا} بالنصب على النداء {باعد} على الأمر. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام {بعد} أمراً من التبعيد {صدّق} بالتشديد: عاصم وعلي وخلف. الباقون: بالتخفيف أي صدق في ظنه أو صدق يظن ظناً نحو "فعلته جهدك". الوقوف: {في الآخرة} ط {الخبير} ه {فيها} ط {الغفور} ه {الساعة} ط {لتأتينكم} ه لمن قرأ {عالم} بالرفع أي هو عالم ومن خفض جعله نعتاً لربي فلم يقف {بالغيب} ج لأن قوله {لا يعزب} يصلح حالاً واستئنافاً {مبين} ه لا لتعلق اللام أبو حاتم يقف {الصالحات} ط {كريم} ه {أليم} ه {الحق} ج لأن قولهن {ويهدي} عطف على المعنى اي يحق قبوله ويهدي {الحميد} ه {ممزق} ط لأن ما بعده في حكم المفعول لأنه مفعول ثان لـ {ينبئكم} وإنما كسرت لدخول اللام في خبرها {جديد} ه ج للآية ولاتحاد المقول {جنة} ط {البعيد} ه {الأرض} ط {السماء} ط {منيب} ه {فضلاً} ط {والطير} ج لأن ما يتلوه يصلح حالاً واستئنافاً {الحديد} ه لا لتعلق "أن" {صالحاً} ط {بصير} ه {ورواحها شهر} ط لأن قوله {واسلنا} عطف على محذوف أي وسخرنا لسليمان الريح {القطر} ط {ربه} ط {السعير} ه {راسيات} ط {شكراً} ط {الشكور} ه {منسأته} ه {المهين} ه {آية} ج لاحتمال أن يكون التقدير هي جنتان وأن يكون بدلاً من آية {وشمال} ط {له} ط اي لكم بلدة {غفور} ه {قليل} ه {كفروا} ط {الكفور} ه {السير} ط {آمنين} ه {ممزق} ط {الشكور} ه {المؤمنين} ه {شك} ط {حفيظ} ه. التفسير: قال في التفسير الكبير: السور المفتتحة بالحمد خمس: ثنتان في النصف الأول "الأنعام" و "الكهف"، وثنتان في النصف الأخير هذه "والملائكة" والخامسة وهي "الفاتحة" تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الأخير، وذلك لأن المكلف له حالتان الإبداء والإعادة وفي كل حالة لله علينا نعمتان: نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فأشار في أوّل "الأنعام" إلى نعمة الإيجاد الأول بدليل قوله تعالى {أية : هو الذي خلقكم من طين} تفسير : [الآية: 2] واشار في أوّل "الكهف" إلى إنزال الكتاب الذي به يتم نظام العالم ويحصل قوام معاش بني آدم، وأشار في أوّل هذه السورة إلى نعمة الإيجاد الثاني بدليل قوله تعالى {وله الحمد في الآخرة} وأشار في أوّل سورة الملائكة غلى الإبقاء الأبدي بدليل قوله {أية : جاعل الملائكة رسلاً} تفسير : [فاطر: 1] والملائكة بأجمعهم لا يكونون رسلاً إلا يوم القيامة يرسلهم الله مسلمين على المسلمين كقوله {أية : وتتلقاهم الملائكة}تفسير : [الأنبياء: 103] وقال تعالى في تحتهم {أية : سلام عليكم طبتم}تفسير : [الزمر: 73] وفاتحة الكتاب حيث تشتمل على نعمة الدنيا بقوله {أية : الحمد لله رب العالمين}تفسير : [الفاتحة: 2] وعلى نعمة الآخرة بقوله {أية : مالك يوم الدين} تفسير : [الفاتحة: 4] يقرأ في الافتتاح وفي الاختتام. واعلم أنه تعالى وصف نفسه في أول هذه السورة بأن له ما في السموات وما في الأرض إيذاناً بأنه كونه مالكاً لكل الأشياء يوجب كونه محموداً على كل لسان، لأن الكل إذا كان له فكل من ينتفع بشيء من ذلك كان مستنفعاً بنعمه. ثم صرح بأن له الحمد في الآخرة تفضيلاً لنعم الآخرة على نعم الدنيا وإيذاناً بأنها هي النعمة الحقيقية التي يحق أن يحمد عليها ويثنى عليه ن أجلها مع إفادة الاختصاص بتقديم الظرف {وهو الحكيم} في الابتداء {الخبير} بالانتهاء. ثم أكد علمه بقوله {يعلم ما يلج في الأرض} أي يدخل فيها من المياه والحبات والكنوز والأموات {وما يخرج منها} من الشجر والنبات ومياه الآبار والجواهر والمعدنيات {وما ينزل من السماء} من الأمطار والأرزاق وأنواع البركات والوحي {وما يعرج فيها} من الملائكة وأعمال العباد. وقد أشار بقوله {فيها} دون أن يقول "إليها" إلى أن الأعمال الصالحة مقبولة والنفوس الزكية واصلة، قد ينتهي الشيء إلى الشيء ولا ينفذ فيه ولا تصل به {وهو الرحيم} حين الإنزال {الغفور} وقت عروج الأعمال للمفرطين في الأقوال والأفعال. ثم بين أن نعمة الآخرة بإتيان الساعة الآخرة قد ينكرها قوم ثم رد عليهم بقوله {بلى} وأكد ذلك بقوله {وربي} ثم برهن على ذلك بقوله {عالم الغيب} لأن العالم بجميع الأشياء عالم بأجزاء الأحياء قادر على جمعها كما بدأها. وفي قوله {لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض} إشارة إلى أن الإنسان له جسم أرضي وروح سماوي، فالعالم بما في العالمين القادر على تأليفهما قادر على إعادتهما على ما كانا عليه. وإنما ذكر الأكبر مع أن الأصغر هو اللائق بالمبالغة لئلا يتوهم متوهم أن الصغار تثبت لكونها تنسى أما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته، بل المراد أن الصغير والكبير مثبت في الكتاب وقد مر نظيره في "يونس". وقدم السموات على الأرض موافقة لقوله {له ما في السموات وما في الأرض} بخلاف "يونس" فإن المخاطبين في الأرض فقدمت. ثم ذكر غاية الإعادة بقوله {ليجزي} إلى قوله {من رجز أليم} ومعنى {سعوا في آياتنا} أي في إبطال آياتنا معاجزين مريدين تعجيز النبيّ في التقرير والتبلي، أو يعجزون من آمن بنا. وقيل: أي مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا. وقال ابن زيد: جاهدين وهو قولهم {أية : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه}تفسير : [فصلت: 26] وعن قتادة: الرجز سوء العذاب. وحين بين جزاء المؤمن الصالح وعمله والمكذب الساعي العجز علم منه حال غيرهما، فالمؤمن الذي لم يعمل صالحاً يكون له مغفرة من غير رزق كريم، والكافر غير المعاند يكون له عذاب وإن لم يكن من أسوأ أنواعه. ثم بين أن الذين أوتوا العلم لا يغترون بشبهات أهل العناد ويرون ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق ليس الحق إلا هو والنزاع غير لفظي حتى يمكن تصحيح قول المعاند بوجه. وأولو العلم هم أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم: وقيل: هم علماء أهل الكتابين الذين أسلموا. ويرى من فعل القلب مفعولاه الذي مع صلته والحق وهو فصل. وقيل: إن {يرى} معطوف على {ليجزي} فلا وقف على {أليم} أي ويعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق علماً لا يزاد عليه في الإيقان ويحتجوا به على المعاند، أو وليعلم من لم يؤمن من الأحبار أنه هو الحق فيزدادوا حسرة. والعزيز إشارة إلى كونه منتقماً من الساعين في التكذيب، والحميد إشارة إلى أنه يشكر سعي من يصدق ويعمل صالحاً، وقدم صفة الهيبة لأن الكلام مع منكري البعث. ثم قص عناد أهل قريش وخصهم بالتعجيب من حالهم لأنهم تجاهلوا حين قالوا على رجل مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عندهم أظهر من الشمس قصدوا بذلك الطعن والسخرية فأخرجوا الكلام مخرج الحكاية ببعض الأضاحيك والأعاجيب كأن لم يكونوا قد عرفوا منه إلا أنه رجل ما. ومعنى {مزقتم كل ممزق} فرقت أوصالكم كل تفريق وجوّز جار الله أن يكون اسم مكان فمن الأموات ما حصل أجزاؤه في بطون الطير والسباع، ومنها ما مرت به السيول فذهب به كل مذهب أو سفته الرياح فطرحته كل مطرح. والعامل في "إذا" ما دل عليه قوله {إنكم لفي خلق جديد} وهو تبعثون أو تخلقون، ثم ازدادوا في التجاهل قائلين {افترى على الله كذبا} إن كان يعتقد خلافه {أ به جنة} إن كان لا يعتقد خلافه. وفيه أن الكافر لا يرضى بالكذب البحت فيردد كلامه بين الأمرين ولكن أخطأ ابن أخت خالته حين ترك قسماً ثالثاً وهو أنه عاقل صادق فلذلك ردّ الله عليهم بقوله {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد} جعل وقوعهم في العذاب رسلاً لوقوعهم في الضلال إذ العذاب من لوازم الظلال وموجباته قابل قولهم {أفترى} بالعذاب وقولهم {به جنة} بالضلال البعيد لأن نسبة الجنون إلى العاقل أقل في باب الإيذاء من نسبة الافتراء إليه. وقد أسقطت همزة الوصل في قوله {أفترى} استثقالا لاجتماع همزتين: همزة الاستفهام المفتوحة وهمزة الوصل المكسورة وهو على القياس. وجوز بعضهم أن يكون هذا الاستفهام من كلام السامع المجيب لمن قال: هل ندلكم. وحين قرر دليل الحشر من جهة كونه علام الغيوب أراد أن يذكر دليلاً آخر على ذلك من قبل كمال قدرته فقال {أفلم يروا} معناه أعموا فلم ينظروا، خصت بالفاء وليس غيره في القرآن تعجيلاً للجواب وتعقيباً لحل الشبهة نظيره قوله {أية : أو ليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم}تفسير : [يس: 81] ثم هدّدهم بأنه قادر على أن يجعل عين النافع ضاراً بالخسف وإسقاط الكسف. وقال جار الله: أراد أفلم ينظروا إلى السماء والأرض وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدرون أن يخرجوا من أقطارهما فلم يخافوا أن يخسف الله بهم، أو يسقط عليهم كسفاً لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة. {إن في ذلك} النظر والاعتبار {لآية لكل عبد منيب} لأن الراجع إلى ربه قلما يخلو من الاعتبار والاستبصار. ثم ذكر من عباده المنيبين إليه داود وسليمان كما قال في "ص" {أية : فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب} تفسير : [ص: 24] وقال في سليمان {أية : وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب} تفسير : [ص: 34] وفي قوله {منا} تنويه بالفضل وشأنه. ثم بين الفضل بقوله {يا جبال أوّبي} لأن هذا القول نوع من إيتاء الفضل، ويجوز أن يكون التقدير: قلنا يا جبال أوّبي أي رجعي معه التسبيح. قيل: كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين وكانت الجبال تساعده على نوحه بأصدائها والطير باصدائها، وقد مر تحقيقه في سورة الأنبياء. والتأويب السير طول النهار والنزول ليلاً فكأنه قال: أوّبي النهار كله بالتسبيح معه. وفي خطاب الجماد إشعار بأنه ما من صامت ولا ناطق إلا وهو منقاد لمشيئته. وقد ألان الله له الحديد كالشمع أو لان الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة. و"أن" في قوله {أن أعمل} مفسرة لأن إلانة الحديد له في معنى الأمر بأن يستعمل. {سابغات} أي دروعاً واسعة وهي من الصفات التي غلبت عيها الاسمية حتى ترك ذكر موصوفها. والسرد نسج الدروع ومعنى التقدير فيه أن لا تجعل المسامير دقاقاً فتقلق ولا غلاظاً فتفصم الحلق. يروى أنه كان يخرج حين ملك بني إسرائيل متنكراً فيسال الناس عن نفسه ويقول لهم: ما تقولون في داود؟ فيثنون عليه فقيض الله تعالى ملكاً في صورة آدمي فسأله على عادته فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه. فخاف داود فسأله فقال: لولا أنه يطعم عياله من بيت المال فطلب عند ذلك من الله أن يغنيه عن أكل بيت المال فعلمه صنعة اللبوس. وإنما اختار له ذلك لأنه وقاية للروح ويحفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل، فالزرّاد خير من القوّاس والسياف. وقيل: إن التقدير في السرد إشارة إلى أنه غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب يكون بقدر الحاجة إلى القوت وباقي اليوم والليلة للعبادة بدليل قوله {واعملوا صالحاً} اي لستم يا آل داود مخلوقين إلا للعمل الصالح فأكثروا منه وأما كسب القوت فاقتصدوا فيه. ثم أكد الفعل الصالح بقوله {إني بما تعملون بصير} فإن من يعلم أنه بمرأى من الملك اجتهد في حسن العمل وتزكية الباطن. ثم ذكر المنيب الآخر وهو سليمان، وحكى ما استفاد هو بالإنابة وهو تسخير الريح له كالمملوك المنقاد لأمره {غدوّها شهر} أي جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي كذلك. يروى أن بعض أصحاب سليمان كتب في منزل بناحية دجلة: نحن نزلناه وما بنيناه، ومبنياً وجدناه غدونا من اصطخر فقلناه، ونحن رائحون منه وبائتون بالشام إن شاء الله. ومن جملة معجزاته إسالة عين القطر، والقطر النحاس أساله لأجله كما ألان الحديد لداود فنبع كما ينبع الماء من العين فلذلك سماه عين القطر. روي أنه كان يسيل في شهر ثلاثة أيام. زعم بعض المتحذلقين أن المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها كانت تسبح كما يسبح كل شيء بحمده وكان هو عليه السلام يففقه تسبيحهم فيسبح. والمراد من تسخير الريح أنه راض الخيل وهو كالريح. وقوله {غدوها شهر} أي ثلاثون فرسخاً لأن الذي يخرج للتفرج لا يسير في العادة أكثر من فرسخ ثم يرجع. والمراد بإلانة الحديد وإسالة القطر أنهم استخرجوا الحديد والنحاس بالنار واستعمال آلاتها. والمراد بالشياطين ناس أقوياء. ولا يخفى ضعف هذه التأويلات فإن قدرة الله في باب خوارق العادات أكثر وأكمل من أن تحتاج إلى هذه التكلفات. وقال في التفسير الكبير: الجبال لما سبحت تشرفت بذكر الله فلم يضفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب، والريح لم يذكر فيها أنها سبحت فجعلها كالمملوكة. أو نقول: الجبل في السير ليس أصلاً بل هو يتحرك معه تبعاً، والريح لا تتحرك مع سليمان بل تتحرك مع نفسها فلم يقل الريح مع سليمان بل سليمان كان مع الريح. وههنا نكتة وهي أن الله تعالى ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة في حق سليمان. لعله كالمصروف عن جهته تأمل فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان: إذ كل منهما ثقيل مع خفيف، فالجبال أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح. وأيضاً تسخير الطير من جنس الجن فإن الطير تنفر من الآدمي والآدمي يتقي مواضع الجن والجن تطلب ابداً اصطياد الناس والإنسان يطلب اصطياد الطير. وإلانة الحديد شبيهة بإسالة القطر. وفي قوله {بإذن ربه} إشارة إلى أن حضور الجن بين يديه كان مصلحة له لا مفسدة. وفي قوله {عن أمرنا} دون أن يقول "عن أمر ربه" إشارة إلى أن الجن كانوا بصدد التعذيب عند زيغهم عن أمر الله، فإن لفظ الرب ينبئ عن الرحمة، وصيغة جمع المتكلم في مقام الوحدة ينبئ عن الهيبة. قال ابن عباس: عذاب السعير عذاب الآخرة. وعن السدي: كان معه ملك بيده سوط من النار كلما استعصى عليه الجنيّ ضربه من حيث لا يراه الجني. ثم فصل عمل الجن بقوله {يعملون له ما يشاء من محاريب} وهي المساجد والمجالس الرفيعة الشريفة المصونة عن الابتذال وقد مر في "آل عمران". والتماثيل صور الملائكة والنبيين كان يأمر بأن تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم. عن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور في تلك الشرائع محرماً ولعلها صور غير الحيوان من الأشجار ونحوها. ويروى أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه، ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما. وحين فرغ من تقرير مسكنه ونقوشه شرع في تقرير آلات مجلسه فقدم ذكر الجفان التي بها تظهر عظمة السماط الممدود منه. والجفنة القصعة الكبيرة، والجوابي الحياض الكبار، لأن الماء يجبى فيها أي يجمع جعل الفعل لها مجازاً وهي من الصفات الغالبة كالدابة، وكان يقعد على الجفنة ألف رجل. وحين ذكر الجفان كان يقع في النفس أن هذه الأطعمة كيف تكون قدروها فذكر أنها قدور راسيات تابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها. ويعلم من تقرير قصتي داود سليمان أن اشتغال داود بآلة الحرب أكثر لأنه قتل جالوت، ثم أراد تسوية الملك والغلبة على الجبابرة، وأما في زمن سليمان فالملك قد استوى ولم يكن على وجه الأرض أحد يقاومه وكان يفرق الأموال في الإطعام والإنعام. ثم بين بقوله {اعملوا آل داود شكراً} أن الدنيا عرض زائل وإن كان ملك سليمان فعلى العاقل أن يصرف همته في طلب الآخرة. وانتصب {شكراً} على أنه مفعول له أو حال أي شاكرين، أو مصدراً لأن {اعلموا} في معنى الشكر، أو مفعول به لأن الشكر عمل صالح. وقال جار الله: إنه على طريق المشاكلة ومعناه إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً. قلت: وفي لفظ العمل إشارة إلى أن الشكر اللساني غير كافٍ وإنما المعتبر الشكر الفعلي أو هو مع القولي. يروى أن داود عليه السلام جزّاً ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي. والشكور هو المتوفر على آداء الشكر الباذل وسعه فيه بالقلب واللسان والجوارح في أكثر الأوقات والأحوال وإنهم لقليل فلذلك قال بعضهم: اللهم اجعلني من الأقلين. وهذا الشكر القليل إنما هو بقدر الطاقة البشرية وأما الذي يناسب نعم الله فلن يقدر الإنسان عليه إلا أن يقول الله: عبدي ما أتيت به من الشكر قبلته منك مع قلته وكتبتك شاركاً لأنعمي بأسرها، وهذا القول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها. وحين بين عظمة سليمان وتسخير الريح والجن له، بين أنه لم ينج من الموت وأنه قضى عليه الموت ولو نجا أحد منه لكان نبي الله أولى بذلك. يروى أن داود عليه السلام أسس بناء بيت المقدس فمات قبل أن يتمه، فوصى به إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه، وكان من عادته أن يعتكف فيه أحياناً. فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله عز وجل فيسألها لأي شيء أنت؟ فتقول: لكذا حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة فسألها لأيّ شيء أنت؟ فقالت: لخراب هذا المسجد. فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ. فقال: اللهم عمّ على الجن موتي حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب. وقال لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني. فقال: مرت بك وقد بقيت في عمرك ساعة. فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب؟ فقام يصلي متكئاً على عصاه فقبض روحه فبقي كذلك وظن جنوده أنه في العبادة فكانوا يواظبون على الأعمال الشاقة إلى أن أكلت الأرضة عصاه فخرّ ميتاً وذلك بعد سنة. والأرض مصدر أرضت الخشبة أرضاً إذا أكلتها الأرضة. والمنسأة العصا لأنه ينسأ بها أي يطرد ويؤخر، وقديترك همزها. وقرئ {من سأته} أي طرف عصاه سميت بسأة القوس على الاستعارة. وتبينت بمعنى ظهرت "وأن" مع صلتها بدل من الجن بدل الاشتمال على نحو قولك "تبين زيد جهله" أو هو بمعنى علمت أي علم الجن كلهم بعد التباس الأمر على عامتهم أن كبارهم لا يعلمون الغيب وكان ادعاؤهم ذلك من قبل زوراً. أو المراد التهكم بهم وأن الذين ادعّوا منهم علم الغيب اعترفوا بعجزهم مع أنهم كانوا من قبل عارفين عجزهم كما لو قلت لمدعي الباطل إذا دحضت حجته: هل تبينت أنك مبطل. وأنت تعلم أنه لم يزل متبيناً لذلك. وكان عمر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة، ملك وهو ابن ثلاث عشرة وبقي في ملكه إلى أن مات، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه. ولما بين حال الشاكرين لأنعمه ذكر حال من كفر النعمة. وسبأ بصرف بناء على أنه اسم للحي أو الأب الأكبر، ولا يصرف بتأويل القبيلة وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. ثم سميت مدينة مأرب بسبأ، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث. من قرأ {مساكنهم} فظاهر. ومن قرأ على التوحيد فالمراد مسكن كل واحد منهم أو موضع سكانهم وهو بلدهم وأرضهم. عن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام. ومعنى كون الجنتين آية أنه جعل قصتهما عبرة لأهل الكفران، أو علامة دالة على الصانع وكمال اقتداره ووجوب شكره. قال جار الله: لم يرد بستانين اثنين فحسب وإنما أراد جماعيتن من البساتين: جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها، كأن كل واحد من الجماعتين في تقاربها وتضامها جنة واحدة، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كقوله {أية : جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب} تفسير : [الكهف: 32]. وقوله {كلوا من رزق} حكاية لسان الحال أو لسان الأنبياء المبعوثين إليهم وهم ثلاثة عشر نبياً على ما روي. وفيه إشارة إلى كمال النعمة حيث لم يمنعهم من أكل ثمارها خوف ولا مرض. وكذا قوله {واشكروا له} لأن الشكر لا يطلب إلا على النعمة المعتبرة. وكذا قوله {بلدة طيبة} اي عن المؤذيات من لعقارب والحيات وسائر الهوام والحشرات، أو المراد أنها ليست بسبخة كقوله {أية : والبلد الطيب}تفسير : [الأعراف: 58] {ورب غفور} أي ربكم الذي رزقكم فطلب شكركم غفور لمن يشكره بقدر طاقته لا يؤاخذه بالتقصير في أداء حق الشكر إذا توجه عليه الشكر وبذل وسعة فيه، أو أراد غفران سائر الذنوب فكأنه وعدهم سعادة الدارين. وعن ثعلب: معناه اسكن واعبد. وحين بين ما كان من جانبه ذكر ما كان من جانبهم وهو قوله {فأعرضوا} أي عن الشكر. ثم ذكر جزاءهم بقوله {فأرسلنا عليهم سيل العرم} وهو الجرذ. يروى أن بلقيس الملكة عمدت إلى جبال هناك فسدّت ما بينها من الشعب بالصخر والقار فحقنت به ماء العيون والأمطار وتركت فيه خروقاً لها أبواب مترتبة بعضها فوق بعض على مقدار ما يحتاجون إليه في سقي أراضيهم، فلما طغوا سلط الله على سدّهم الخلد فثقبه من أسفله. وقيل: العرم جمع عرمة وهي الحجارة المركوزة والمراد بها المسناة التي عقدوها سكراً. وقيل: العرم اسم الوادي: وقيل: المطر الشديد. والتركيب يدل على الشكاسة وسوء الخلق ومنه قولهم "صبي عارم" من العرام بالضم أي شرس. ومن ذلك "عرمت العظم" عرقته و"عرمت الإبل الشجر" نالت منه {ذواتي أكل} صاحبتي ثمر. والقياس ذاتي إلا أن المستعمل في التثنية هو الجمع. والخمط شجر الأراك. أبو عبيدة: كل شجر ذي شوك. الزجاج: كل نبت أخذ طعماً من مرارة حتى لا يمكن أكله. والأثل نوع من الطرفاء وهو من أحسن أشجار البادية فلذلك وصفه ههنا بالقلة. عن الحسن: قلل السدر لأنه أكرم ما بدّلوا، والتحقيق فيه أن البساتين إذا عمرت كل سنة ونقيت من الحشائش كانت ثمارها زاكية وأشجارها عالية، فإذا تركت سنين صارت كالغيضة والأجمة والتفت الأشجار بعضها ببعض فيقل الثمر وتكثر الحشائش والإشجار ذوات الشوك على أنه لا يبعد التبديل تحقيقاً فيكون شبه المشخ. من قرأ {أكل خمط} بالإضافة فظاهر، ومن قرأ بالتنوين فعلى حذف المضاف أي أكل أكل خمط، أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل: ذواتي أكل بشع. وتسمية البدل جنتين لأجل المشاكلة أو التهكم. قال في الكشاف: الأثل والسدر معطوفان على {أكل} لا على {خمط} لأن الأثل لا أكل له {ذلك} الإرسال والتبديل {جزيناهم بما كفروا} النعمة وغمطوها {وهل مجازي} مثل هذا الجزاء وهو العقاب العاجل {ألا الكفور} قال بعضهم: المجازاة في النقمة والجزاء في النعمة إلا إذا قيد كقوله سبحانه {جزيناهم بما كفروا} وقال جار الله: الجزاء عام لكل مكافأة يستعمل في المعاقبة تارة وفي الإثابة أخرى، فلما استعمل أوّلاً في معنى المعاقبة استعمل ثانياً على نحو ذلك. وقيل: إن المجازاة مفاعلة وهي في الأكثر تكون بين اثنين يوجد من كل واحد جزاء في حق الآخر، ففي النعمة لا يكون مجازاة لأن الله مبتدئ بالنعم. وحين ذكر حال مسكنهم وجنتيهم وحكى تبديل الجنتين بما لا نفع فيه أراد أن يذكر حال خارج بلدهم وما يؤل إليه أمره فقال {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها} وهي قرى الشام {قرى ظاهرة} متواصلة يرى من كل منها ما يتلوها لتقاربها، أو ظاهرة للسابلة لكونها على متن الطريق. {وقدرنا فيها السير سيروا} فيقيل الغادي في قرية ويبيت الرائح في أخرى، فمنازل ما بين تلك القرى مقدّرة ومعلومة لا يجوزها المسافر عرفاً بخلاف المفاوز فإن السائر يسير فيها بقدر طاقته حتى يقطعها. ثم بين أمن تلك الطريق بقوله {سيروا} أي قلنا لهم سيروا إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار. قال أهل البيان: لا قول ثمة ولكنهم مكنوا من السير بتهيئة أسبابه من وجدان الزاد والراحلة وعدم المخاوف والمضارّ فكأنهم أمروا بذلك. والمقصود من ذكر الليالي والأيام تقرير كمال الأمن ولذلك قدمت الليالي فإنها مظنة الآفات. ويمكن تقرير الأمن بوجه آخر وهو أن يقال: سيروا فيها وإن تطاولت مدّة سفركم فيها وامتدت أياماً وليالي، أو يراد بالليالي والأيام مدّة أعمارهم أي سيروا فيها مدّة عمركم فإنكم لا تلقون إلا الأمن. ثم حكى أنهم سئموا العيش الهنيء وملوا الدعة والراحة كما طلب بنو إسرائيل البصل والفوم مكان المن والسلوى {فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا} أرادوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزوّدوا الأزواد قائلين: لو كان جني جناتنا أبعد كان أشهى وأرغد. ويحتمل أن يكون لفساد اعتقادهم وشدّة اعتمادهم على أن ذلك لا يعدم كما يقول القائل لغيره: اضربني مشيراً بذلك إلى أنه لا يقدر عليه. ومن قرأ على الابتداء والخبر فالمراد استبعاد مسايرهم على قصرها ودنوّها لفرط تنعمهم وترفههم {وظلموا أنفسهم} بوضع الكفر موضع الشكر {فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق} فرقناهم كل تفريق لا جرم اتخذ الناس حالهم مثلاً قائلين "ذهبوا أيدي سبأ" أي في طرق شتى. واليد في كلام العرب الطريق يقال: سلك بهم يد البحر. وقيل: الأيادي الأولاد لأنه يعضد بهم كما بالأيدي. والمعنى ذهبوا تفرق أولاد سبأ فلحق غسان بالشام، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان {إن في ذلك} الجعل والتمزيق {لآيات لكل صبار} عن المعاصي {شكور} للنعم أو صبار على النعم حتى لا يلحقه البطر شكور لها برعاية حق الله فيها. ثم أخبر عن ضعف عزم الإنسان بقوله {ولقد صدّق عليهم} أي على بني آدم لقرينة الحال. وقيل: على أهل سبأ وظن إبليس هو قوله{أية : لأغوينهم}تفسير : [الحجر: 39] أو قوله {أية : أنا خير منه}تفسير : [ص: 76] بدليل قوله {فاتبعوه} والمتبوع خير من التابع. ولا ريب أن الكافر أدون حالاً من إبليس لأنه خالف أمر الله في سجدة آدم والكافر يجحد الصانع أو يشرك به. ثم بين قوله {وما كان له} أن الشيطان ليس بملجئ ولكنه آية وعلامة يتميز به ما هو السابق في علمه من المقرّ والشاك. والحفيظ المحافظ ويدخل في مفهوم الحفظ العلم والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه وكذا العاجز. التأويل: {يعلم ما يلج} في أرض البشرية بواسطة الحواس والأغذية الحلال والحرام {وما يخرج منها} من الصفات المتولدة منها. {وما ينزل} من سماء القلب من الفيوض والإلهامات {وما يعرج فيها} من آثار الفجور والتقوى وظلمة الضلالة ونور الهدى إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من سماء القلب وأرض النفس، نخسف بهم أرض البشرية بغلبات صفاتها أو يغلب عليهم صفة من صفات القلب بالميل إلى الإفراط فنهلكهم بها كالسخاوة فإنها صفة حميدة لكنها إذا جاوزت حدّ الاعتدال صارت ذميمة {أية : إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين} تفسير : [الإسراء: 27] {يا جبال أوبي} قد مر تأويله في سورة الأنبياء {وقدّر في السرد} وهو المتكلم بالحكمة على قدر عقول الناس {ولسليمن} القلب سخرت ريح العناية وذلك أن مركب القلوب في السير هو الجذبة الإِلهية كما أن مركب البدن في المسير البدن. يروى أن سليمان في سيره لاحظ ملكه يوماً فمال الريح ببساطه فقال سليمان للريح: استو قالت الريح: استو أنت فإني لا أكون مستوية حتى تستوي أنت. كذلك حال السر مع القلب وريح العناية إذا زاغ القلب أزاغ الله بريح الخذلان بساط السر {أية : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} تفسير : [الرعد: 11] {وأسلنا له عين القطر} الحقائق والمعاني وسخرنا له صفات الشيطنة لتعمل بين ديه على وفق أوامر الله ونواهيه كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم "حديث : شيطاني أسلم على يدي فلا يأمرني إلا بالخير"تفسير : {من محاريب} وهو كل ما يتوج إلى الله به بخاصية الإباء والاستكبار وأنفة السجود لغير الله، ولو وكل القلب والروح إلى خاصية الروحانية التي جبل الروح عليها ما كان يرغب في العبور عن مقام الروحانية كالملائكة. قال جبرائيل عليه السلام: لو دنوت أنملة لاحترقت. {وجفان كالجواب} فيه إشارة إلى مأدبة الله التي أكل منها الأنبياء والأولياء إذ يبيتون عنده {اعملوا آل داود} وهم متولدات الروح فشكر البدن استعمال الشريعة بجميع الأعضاء والحواس، وشكر النفس بإقامة شرائط التقوى والورع، وشكر القلب بمحبة الله وحده، وشكر السر المراقبة، وشكر الروح بذل الوجود على نار المحبة كالفراش على شعلة الشمعة، وشكر الخفي قبول الفيض بلا واسطة في مقام الوحدة مخفياً بنور الوحدة عن نفسه. فالعوام شكرهم بالأقوال، والخواص شكرهم بالأعمال، وخواص الخواص شكرهم بالأحوال من الاتصاف بصفة الشكورية التي تعطي على عمل. فإن عشرة ثواب باقٍ ولذلك وصفهم بالقلة {تاكل منسأته} اتكأ سليمان على عصاه فبعث الله أخس دابة لإبطال متكئه وجعله سبباً لزوال ملكه وفوات روحه وكان قبل متكئاً على فضل الله فآتاه ما لم يؤت أحداً من خلقه {لقد كان لسبأ} السر {جنتان} جنة الروح عن يمين السر وجنة القلب عن شمال السر {بلدة طيبة} هي بلدة الإنسانية القابلة لبذر التوحيد {ورب غفور}يستر العيوب {فأعرضوا} عن الوفاء وأقبلوا على الجفاء {فأرسلنا عليهم سيل} سطوات {العرم} قهرنا {وبدلناهم بجنتيهم} الشجرتين بأشجار الأخلاق الحميدة {جنيتن} من الأوصاف الذميمة {وهل نجازي} وهل يكون للأشجار الخبيثة إلا الأثمار الخبيثة. {قرى ظاهرة} منازل السالكين ومقامات العارفين من التوبة والزهد والتوكل والتزكية والتحلية. وقلنا لهم سيورا في ليالي البشرية وايام الروحاينة {آمنين} في حيازة الشريعة فطلبوا البعد عن الله بالميل إلى ما سواه ففرقناهم في أودية الهلاك ودركات البعد. {وما كان له عليهم من سلطان} فيه أن الشيطان إنما سلط على بني آدم لاستخراج جواهر النفوس من معادنها.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} الأَلِفُ واللام في {ٱلْحَمْدُ}: لاستغراق جنس المحامد، أي: الحَمْد على تَنَوُّعِهِ هُو لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ جميع جهات الفكرة، {وَيَلِجُ} معناه: يدخل، و {يَعْرُجُ} معناه: يَصْعَدُ.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} اعلم أن السور المفتتحة بالحمد خمسٌ، سورتان منها في النصف الأول وهما الأنعام والكهف وسورتان في النصف الأخير وهما هذه وسورة الملائكة، والخامسة وهي سورة فاتحة الكتاب تقرأ مع النصف الأول ومع النصف الأخير. والحكمة فيها أن نعم الله مع كثرتها وعدم قدرتنا على إحصائها منحصرة في قسمين نعمةِ الإيجاد ونعمة الإبقاء فإن الله خلقنا أولاً برحمته وخلق لنا ما نقوم به وهذه النعمة توجد مرة أخرى بالإعادة فإنه خلقنا مرةً أخرى ويخلق لنا ما ندوم به فلنا حالتان الإبداء والإعادة وفي كل حالة له تعالى علينا نعمتان نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فقال في النصف الأول: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلِّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ} إشارة إلى الشكر على نعمة الإيجاد، ويدل عليه قوله تعالى: {ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ} فأشار إلى الإيجاد الأول وقال في السورة الثانية: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ ٱلكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قِيَماً لِيُنْذِرَ} فأشار إلى الشكر على نعمة الإبقاء فإن الشرائع بها البقاء ولولا شرع يُنْقاد له لا تّبع كُلُّ واحدٍ هواه ووقعت المنازعات وأدت إلى التقاتل والتّفاني وقال ههنا: {ٱلحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاواتِ وٱلأَرْضِ} إشارة إلى نعمةِ الإيجاد الثاني بدليل قوله: {أية : وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ} تفسير : [سبأ:1] وقال في الملائكة: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [فاطر:1] إشارة إلى نعمة الإبقاء بدليل قوله تعالى: {جَاعِلِ ٱلمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} أي: يوم القيامة يرسلهم الله مسلمين على المسلمين كما قال تعالى: {أية : وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} تفسير : [الأنبياء:103] وقال تعالى عنهم: {أية : سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ فَٱدْخُلُوهَا خَالِدِينَ} تفسير : [الزمر:73] وفاتحة الكتاب لما اشتملت على ذلك نعمتين أشار بقوله: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الفاتحة:2] إلى النعمة العاجلة، وأشار بقوله: {أية : مَالِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [الفاتحة: 4] إلى النعمة الآجلة، فرتب الافتتاح والاختتام عليهما. فإن قيل: قد ذكرتم أن الحمد ههنا إشارة إلى النعم التي في الآخرة فلماذا ذكر الله السموات والأرض؟ فالجواب: أن نعم الآخرة غير مرئية فذكر الله النعم المرئية وهي ما في السموات وما في الأرض ثم قال: {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ} لتنقاس نعم الآخرة بنعم الدنيا ويعلم فضلها بدوامها. قوله: "الَّذِي لَهُ" يجوز فيه أن يكون تابعاً وأن يكون مقطوعاً نصباً ورفعاً على المدح فيهما و"مَا فِي السَّمَاواتِ" يجوز أن يكون فاعلاً به وهو الأحسن وأن يكون متبدأ. قوله: "فِي الآخِرَةِ" يجوز أن يتعلق بنفس الحَمْدِ، وأن يتعلق بما تعلق به خبره (وَهُو الحَكِيمُ) يجوز أن يكون معترضاً إذا أعربنا "يَعْلَمُ" حالاً مؤكدة من ضمير الباري تعالى، ويجوز أن يكون "يَعْلَمُ" مستأنفاً، وأن يكون حالاً من الضمير في "الخَبِيرِ". فصل له ما في السموات وما في الأرض مِلْكاً وخَلْقاً وله الحمد في الآخرة كما هو له في الدنيا؛ لأن النعم في الدين كلها منه وقيل: الحمد في الآخرة هو حمد أهل الجنة كما قال تعالى: {أية : وَقَالُواْ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِيۤ أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ} تفسير : [فاطر:34] و {أية : ٱلْحَـمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ} تفسير : [الزمر:74] وهو الحكيم الخبير فالحكمة هي العلم الذي يتصل به الفعل فإن من يعلم أمراً ولا يأتي بما يناسب علمه لا يقال له حكيم، والفاعل الذي فعله على وفق العلم وهو الحكيم، والخبير هو الذي يعلم عواقب الأمور وبواطنها، فقوله حكيم أي في ابتداء الخلق كما ينبغي وخبير أي بالانتهاء يعلم ما يصدر من المخلوق وما لا يصدر فهو حكيم في الابتداء خبير في الانتهاء ثم بيّن كمال خيره بقوله: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ} أي ما يدخل فيها من الماء والأموات وما يخرج منها من النبات والأموات إذا حشروا. قوله: "وَمَا يَنْزِلُ" العامة على "يَنْزِلُ" مفتوح الياء مخفف الزاي مسندٌ إلى ضمير "مَا" وعَليُّ - رضي الله عنه - والسُّلَميُّ بضمها وتشديد الزاي أي الله تعالى. والمراد الأمطار والملائكة والقرآن. {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} من الكلام الطيب لقوله: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ} تفسير : [فاطر:10] والملائكة والأعمال الصالحة لقوله: {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} وقدم: {مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ} على: {مَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ}؛ لأن الحبة تُبْذَرُ أولاً ثم تسقي ثانياً. وقال: {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} ولم يقل: "مَا يَعْرُج إليها" إشارة إلى قبول الأعمال الصالحة لأن كلمة: "إلَى" للغاية فلو قال وما يعرج إليها لفم الوقوف عند السموات فقال: وما يعرج فيها ليفهم نفوذها فيها وصعودها منها ولهذا قال في الكلم الطيب: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ}؛ لأن الله هو المنتهى ولا مرتبة فوق الوصول إليه ثم قال: {وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلغَفُورُ} رحيم عند الإنزال حيث ينزل الرزق من السماء غفور عندما يعرج إليه الأرواح والأعيان والأعمال. ثم بين أن هذه النعمة التي يستحق الله بها الحمد هي نعمة الآخرة أنكرها قَوْمٌ فقال: {وقَالَ ٱلَّذينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ} قوله: "بَلَى" جواب لقولهم: "لاَ تَأتِينَا" وما بعدها قسمٌ على ذلك. وقرأ العامة: لتأتِيَنَّكُمْ بالتأنيث، وقرأ (طَلْقٌ) بالياء فقيل: (أي) البعث. وقيل: على معنى الساعة أي اليوم. قاله الزمخشري وره أبو حيان بأنه ضرورة كقوله: شعر : 4101-........................ وَلاَ أَرْضَ أبْقَلَ إبْقَالَهَا تفسير : وليس مثله، وقيل: (أي) الله بمعنى أمره. ويجوز على قياس هذا الوجه أن يكون: "عالم" فاعلاً لِتَأتِيَنَّكُمْ في قراءة مَنْ رفعه. قوله: "عَالِمُ" قرأ الأخَوَانِ: عَلاَّم على صيغة المبالغة وخفضه نعتاً لـ "ربِّي" أو بدلاً منه. وهو قليل؛ لكونه مشتقاً. ونافعُ وابْنُ عَامرٍ عالمٌ بالرفع على هُوَ عالم، أو على أنه مبتدأ وخبره "لاَ يَعْزُبُ" أو على أن خبره مضمر أي هو ذكره الحَوفيّ. وفيه بعد، والباقون عالمٍ بالخفض على ما تقدم وإذا جعل نعتاً فلا بدّ من تقدير تعريفه. وقد تقدم أن كل صفة يجوز أن تتعرف بالإضافة إلى الصفة المشبهة، وتقدمت قراءتا "يَعْزُب" في يُونُسَ. فصل اعلم أن الله تعالى ردَّ على مُنْكِري الساعة فقال: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأتِينَّكُمْ} فأخر بإتيانها وأكدها باليمين. فإن قيل: إنهم يقولون لا ريب أو إن كانوا يقولون به لكن المسألة الأصولية لا تثبت باليمين فأجاب عن هذا بأنه لم يقتصر على اليمين بل ذكر الدليل وهو قوله: {لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّالِحَاتِ}. وبيان كونه دليلاً هو أن المسيء قد يبقى في الدنيا مدة مديدة في اللذات العاجلة ويموت عليها والمحسن قد يدوم في الدنيا في الآلام الشديدة ويموت فيها فلولا دار تكون للجزاء لكان الأمر على خلاف الحكمة. قوله: {لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ في ٱلسَّموَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} فيه لطيفة وهي أن الإنسان له جسم وروح، فالأجسام أجزاءها في الأرض والأرواح في السماء فقوله: {لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَوَاتِ} إشارة إلى علمه بالأرواح، وقوله: {وَلاَ في ٱلأَرْضِ} إشارة إلى عمله بالأجسم فإذا علم الروح والأجسام قدر على جمعها فلا استبعاد في الإعادة. قوله: "وَلاَ أَصْغَرُ" العامة على رفع "أصْغَر وأَكْبَر" وفيه وجهان: أحدهما: الابتداء، والخبر قوله "إلاَّ فِي كِتَابٍ". والثاني: النَّسَق على "مِثْقَالِ" وعلى هذا فيكون: "إلاَّ فِي كِتَابٍ" تأكيداً للنفي في: "لاَ يَعْزُبُ" كأنه قال لكنه في كتاب مبين وقرأ قتادة والأعمش ورويت عن أبي عمرو ونافع أيضاً بفتح الراءين. وفيها وجهان: أحدهما: أنها "لا" التبرئة وبني اسمها معها، والخبر قوله: "إلاَّ فِي كِتَابٍ". والثاني: النسق على "ذَرَّةٍ" وتقدم في يونس أن حمزة قرأ بفتح رَاءِ "أَصْغَر وأَكْبَر" وهنا وافق على الرفع وتقدم البحث هناك. قال الزمخشري: فإن قلتَ: هَلاَّ جَازَ عطفُ: "وَلاَ أصْغَر" على "مِثْقَال" وعطف "وَلاَ أَكْبَر" على ذرة؟ قُلْتُ: يأبي ذلك حرف الاستثناء إلا إذا جعلت الضمير في "عَنْهُ" للغيب وجعلت الغيب اسماً للخفيات قبل أن تكتب في اللوح المحفوظ لأنها إثباتها في اللوح نوع من البُرُوزِ عن الحجاب على معنى أنه لا ينفصل عن الغيب شيء ولا يُزَال عنه إلا مسطوراً في اللوح. قال أبو حيان: ولاَ يُحْتَاج إلى هذا التأويلٍ إذ جعلنا الكتاب ليس اللوح المحفوظ، وقرأ زيد بن علي بخفض راء أصغر وأكبر وهي مشكلة جدًّا، وخرجت على أنهما في نية الإضافة، إذ الأصل: "ولا أصغره ولا أكبره" وما لا ينصرف إذا أضيف انجر في موضع الجر ثم حذف المضاف إليه ونوي معناه فترك المضاف بحاله وله نظائر كقولهم: شعر : 4102- بَيْنَ ذِرَاعِيْ وَجَبْهَةِ الأَسَدِ 4103- يَا تَيْمَ تَيْم عَدِيِّ تفسير : على خلاف. وقد يفرق بأن هناك ما يدل على المحذوف لفظاً بخلافِ هنا. وقد ردّ بعضهم هذا التخريج لوجود "من"؛ لأنَّ "أفعل" متى أضيف لم يجامع "مِنْ" وأجيب عن ذلك بوجهين: أحدهما: أن (مِنْ) ليست متعلقة "بأفعل" بل بمحذوف على سبيل البيان؛ لأنه لما حذف المضاف إليه أبهم المضاف فبين "بمن" ومجروها أي أعني من ذلك. والثاني: أنه مع تقديره للمضاف إليه نوي طرحه، فلذلك أتى "بِمن" ويدل على ذلك أنه قد ورد التصريح بالإضافة مع وجود "من" قال الشاعر: شعر : 4104- نَحْنُ بِغَرْسِ الوَدِيِّ أعْلَمُنَا مِنَّا بِرَكْضِ الجِيادِ في السُّدَفِ تفسير : وخرج على هذين الوجهين إما التعلق بمحذوف وإما نية طرح المضاف إليه وهذا كما احتاجوا إلى تأويل الجمع بين "أل" ومن في أفعل كقوله: شعر : 4105- ولَسْتُ بالأكْثَرِ مِنْهُمْ حَصًى ......................... تفسير : وهذه توجيهات شذوذ ويكفي فيها مثل ذلك. فصل قوله: {وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَٰلِكَ} إشارة إلى أن مثقال لم يذكر للتحديد بل الأصغر منه لا يعزب. فإن قيل: فأيُّ حاجة إلى ذكر الأكبر وإنَّ من علم الأصغر من الذرة لا بدّ وأن يعلم الأكبر؟ فالجواب: لما كان الله تعالى أراد بيان إثبات الأمور في الكتاب فلو اقتصر على الأصغر لتوهم متوهمٌ أنه يثبت الصغائر لكونها محل النّسيان وأما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته فقال الإثبات في الكبائر ليس كذلك فإن الأكبر فيه أيضاً مكتوب ثم لما بين علمه بالصغائر والكبائر ذكر أن جميع ذلك وإثباته للجزاء فقال: {لِيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّالِحَاتِ}. قوله: "لِيَجْزِيَ" فيه أوجه: أحدهما: أنه متعلق (بلا) وقال أبو البقاء و (يعزب) بمعنى لا يعزب أي يُحْصِي ذلك ليجزي. وهو حسن أو بقوله: "ليأتِيَنَّكُمْ" أو بالعامل في قوله: "إلاَّ فِي كَتَابٍ" اي إلا استقر ذلك "في كتاب مبين" لِيَجْزِيَ. فصل اعلم أنه تعالى ذكر منهم أمرين الإيمانَ والعملَ الصالح وذكر لهم أمرين المغفرةَ والرِّزْقَ الكريمة فالمغفرة جزاء الإيمان فكل مؤمن مغفور له لقوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النساء: 116] وقوله عليه (الصلاة و) السلام: "حديث : يَخْرُجُ مِنَ النَّارِ مَنْ قَالَ لاَ إله إلاَّ اللَّهَ ومَنْ (في) قَلْبِهِ وزنُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمانٍ ". تفسير : والرزق الكريم مرتب على العمل الصالح وهذا مناسب فإن من عمل لسيد كريم عملاً فعند فراغه من العمل لا بدّ وأن ينعم عليه. وتقدم وصف الرزق بالكريم أنه بمعنى ذَا كرم أو مُكْرِم أو لأنه يأتي من غير طلب بخلاف رزق الدنيا فإنه إن لم يُطْلَبْ ويتسبب إليه لا يأتي. فإن قيل: ما الحكمة في تَمييزِهِ الرزق بوصفه بأنّه كريمٌ ولم يضف المغفرة؟ فالجواب: لأنَّ المغفرة واحدة وهي للمؤمنين وأما الرزق فمنه شجرة الزَّقّوم والحَميم ومن الفواكهُ والشَّرَاب الطهور فميز الرزق لحصول الانقسام فيه ولم يميز المغفرة لعدم الانْقِسَام فيها. فصل قوله: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون ذلك لهم جزاء فيوصله إليه لقوله: {ليَجْزِي ٱلَّذِينَ آمَنُواْ}. وثانيهما: أن يكون ذلك لهم واللَّهُ يجزيهم بشيء آخر لأن قوله: "أُولَئكَ لَهُمْ" جُملة (تامة اسمية، وقوله تعالى: {لِيَجْزيَ ٱلَّذِينَ آمَنُوا} جملة) فعلية مستقلة وهذا أبلغ في البشارة من قول القائل: "لِيَجْزِيَ الَّذين آمنوا وعملوا الصالحات رزقاً". فصل اللام في "ليجزي" ومعناه الآخرة للجزاء. فإن قيل: فما وجه المناسبة؟ فالجواب: أن الله تعالى أراد أن لا يقطع ثوابه فجعل للمكلف داراً باقيةً تكون ثوابه واصلاً إليه فيها دائماً أبداً وجعل قبلها داراً فيه الآلام والأسقام وفيها الموت ليعلم المكلف مقدار ما يكون فيه في الآخرة إذا نسبه إلى ما قبله. قوله: "والِّذِين سَعَوْا" يجوز فيه وجهان: أظهرهما: أنه مبتدأ و "أولئك" (و) ما بعده خبره. والثاني:أنه عطف على الذي قبله أي ويجزي الذين سعوا ويكون "أُولَئِكَ" الذي بعده مستأنفاً و"أُولَئِكَ" الذي قبله وما في خبره معترضاً بين المُتَعَاطِفَيْن. قوله: {وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} أي في إبطال أَدِلَّتِنَا مُعَاجِزِينَ يحسبون أنهم يَفُوتُونَنَا وقد تقدم في الحج قراءتا معاجزين. واعلم أنه تعالى لما بين حال المؤمنين يوم القيامة بين حال الكافرين والمراد بهم الذين كذبوا بآياتنا وقوله: "مُعَاجِزِينَ" أي سَعَوا في إبْطَالِهَا لأن المكذّب آتٍ بإخفاء آياتِ بيناتٍ فيحتاج إلى السعي العظيم والجدّ البليغ ليروّج كَذِبَهُ لعله يُعْجز المتمسك به. قوله: {أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ} قرأ ابنُ كثير وحفصٌ هنا وفي الجاثية ألِيمٌ بالرفع والباقون بالخفض. فالرفع على أنه نعت "لعَذَابِ" والخفض على أنه نعت "لرجزٍ" إلا أن مَكِّيًّا ضعف قراءة الرفع واستبعدها قال: لأن الرّجز هو العذاب فيصير التقدير عذاب أليم من عذاب وهذا المعنى غير ممكن قال: والاختيار خَفْضُ "أليم" لأنه أصحّ في التقدير والمعنى إذ تقديره لهم عذابٌ من عذابٍ أليم أي هذا الصِّنف من أصناف العذاب، لأن العذاب بعضه آلم من بعض وأجيب: بأن الرجز مطلق العذاب فكأنه قيل: لهم هذا الصنف من العذاب من جنس العذاب، وكأن أبا البقاء لَحَظَ هذا حيث قال: وبالرفع صفة لعذاب، والرِّجْز مطلق العذاب. فصل قال قتادة: الرجز أسوأ العذاب فيكون "مِنْ" لبَيَان الجِنْس كقولك: خَاتَمٌ مِنْ فِضَّةٍ. قال ابن الخطيب: قال هناك: لَهُمْ رِزْقٌ كَريمٌ ولم يقدر بمن التبغيضية فلم يقل: لهم نصيبٌ من رزقٍ، ولا رزق من جنس كريم، وقال ههنا: {لهم عذابٌ مِنْ رجزٍ أليمٌ} بلفظة صالحة للتبعيض، وذلك إشارة إلى سَعَةِ الرحمة وقله الغضب وقال هناك: "لَهُمْ مغَفْرَةٌ" ثم قال: {أية : وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} تفسير : [الأنفال:4] وههنا لم يقل إلا: "لَهُمْ عَذَابٌ" فزادهم هناك الرزق الكريم، وههنا لم يزدهم على العذاب وفيما قاله نظر، لقوله تعالى في موضع آخر: {أية : زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ ٱلْعَذَابِ} تفسير : [النحل:88]. قوله: {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْعِلْمَ} فيه وجهان: أحدهما: أنه عطف على "لِيَجْزِيَ" قال الزمخشري: أي وليعلم الذين أوتوا العلم عند مجيء الساعة. وإنما قيده بقوله عند مجيء الساعة لأنه علق: "ليجزي" بقوله: "لَتَأتِيَنَّكُمْ" فبنى هذا عليه وهو من أحسن ترتيب. والثاني: أنه مستأنف أخبر عنهم بذلك "و الَّذِي أُنْزِلَ" هو المفعول الأول وهُو فَصْلٌ و "الْحَقَّ" مفعول ثانٍ، لأن الرؤية عِلْميَّة، وقرأ ابنُ أَبي عَبْلَةَ الْحَقُّ بالرفع على أن خبر "هُوَ" والجملة في موضع المفعول الثاني وهي لغة تميم يجعلون ما هو فصل مبتدأ وخبر و"مِنْ رَبِّكَ" حال على القراءتين. فصل لما لين حال من يسعى في التكذيب في الآخرة بين حاله في الدنيا وهو أن سَعْيَه باطل فإن من أُوتِيَ علماً لا يعتبر تكذيبه وهو يعلم أن ما أنزل إلى محمد عليه (الصلاة و) السلام حق وصدق وقوله: هُوَ الحَقّ يفيد الحصر أي ليس الحق إلا ذلك وأم قول المكذب فباطل بخلاف ما إذا تنازع خَصْمَان والنزاع لفظي فيكون قوله كل واحد حقاً في المعنى، قال المفسرون: {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ} يعني مؤمني أهل الكتاب عبدَ الله بن سَلام وأصْحَابه {ٱلَّذِي أُنزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ ٱلحَقَّ} يعني القرآن هو الحق يعني أنه من عند الله. قوله: {وَيَهْدِي} فيه أوجه: أحدها: أنه مستأنف وفي فاعله احتمالان: أظهرهما: أنَّه ضمير "الَّذِي" وهو القرآن والثاني: ضمير الله تعالى ويتعلق هذا بقوله: {إلى صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ}؛ إذ لو كان كذلك لقيل: إلى صِراطِهِ ويجاب بأنه من الالتفات ومن إبراز المضمر ظاهراً تنبيهاً على وصفه بهاتين الصِّفَتَيْنِ. الوجه الثاني: أنه معطوف على موضع "الحقّ" و"أن" معه مضمرة تقديره هو الحق والهداية. الثالث: أنه عطف على "الحق" عَطْفَ فعلٍ على اسم لأنه في تأويله كقوله تعالى: {أية : صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ} تفسير : [الملك: 19] أي: وقَابِضَاتٍ كما عطف الاسم على الفعل بمعناه كقوله: شعر : 4106- فَألْفَيْتُهُ يَوْمًا يُبِيرُ عَدُوَّهُ وَمُجْرٍ عَطَاءً يَسْتَخِفُّ المَعَابِرَا تفسير : كأنه قيل: وليروه الحق وهادياً. الرابع: أن "ويهدي" حال من "الَّذِي أُنْزِلَ" ولا بدّ من إضمار مبتدأ أي وهو يهدي كقوله: شعر : 4107-............................. نَجَوْتُ وَأرَهْنُهُمْ مَالِكاً تفسير : وهو قليل جداً، ثم قال: {إلَى صِراطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلحَمِيدِ} وهاتان الصفتان يفيدان الرهبة والرغبة فالعزيز يفيد التخويف والانتقام من المكذّب والحميد يفيد الترغيب في الرحمة للمصدق.
البقاعي
تفسير : قوله {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال من الخلق والأمر كله مطلقاً في الأولى الأخرى وغيرهما مما يمكن أن يكون ويحيط به علمه سبحانه {لله} ذي الجلال والجمال. ولما كان هذا هو المراد، وصفه بما يفيد ذلك، فقال منبهاً على نعمة الإبداء والإبقاء أولاً: {الذي له} أي وحده مِلكاً ومُلكاً وإن نسبتم إلى غيره ملكاً وملكاً ظاهرياً {ما في السموات} أي بأسرها {وما في الأرض} أي كما ترون أنه لا متصرف في شيء من ذلك كمال التصرف غيره، وقد علم في غير موضع وتقرر في كل فطرة أنه ذو العرش العظيم، فأنتج ذلك أن له ما يحويه عرشه من السماوات والأراضي وما فيها، لأن من المعلوم أن العرش محيط بالكل، فالكل فيه، وكل سماء في التي فوقها، وكذا الأراضي، وقد تقرر أن له ما في الكل، فأنتج ذلك أن له الكل بهذا البرهان الصحيح، وهو أبلغ مما لو عبر عن ذلك على وجه التصريح، وإذ قد كان له ذلك كله فلا نعمة على شيء إلا منه، فكل شيء يحمده لما له عليه من نعمه بلسان قال، فإن لم يكن فبلسان حاله. ولما أفاد ذلك أن له الدنيا وما فيها، وقد علم في آخر الأحزاب أن نتيجة الوجود العذاب والمغفرة، ونحن نرى أكثر الظلمة والمنافقين يموتون من غير عذاب، وأكثر المؤمنين يموتون لم يوفوا ما وعدوه من الثواب، ونعلم قطعاً أنه لا يجوز على حكيم أن يترك عبيده سدى يبغي بعضهم على بعض وهو لا يغير عليهم، فأفاد ذلك أن له داراً أخرى يظهر فيها العدل وينشر الكرم والفضل، فلذلك قال عاطفاً على ما يسببه الكلام الأول من نحو: فله الحمد في الأولى، وطواه لأجل خفائه على أكثر الخلق، وأظهر ما في الآخرة لظهوره لأنها دار كشف الغطاء، فقال منبهاً على نعمة الإعادة والإبقاء ثانياً: {وله} أي وحده {الحمد} أي الإحاطة بالكمال {في الآخرة} ظاهراً لكل من يجمعه الحشر، وله كل ما فيها، لا يدعي ذلك أحد في شيء منه لا ظاهراً ولا باطناً، فكل شيء فيها لظهور الحمد إذ ذاك بحمده كما ينبغي لجلاله بما له عليه من نعمة أقلها نعمة الإيجاد حتى أهل النار فإنهم يحمدونه بما يحبب إليهم في الدنيا من إسباغ نعمه ظاهرة وباطنة، ومنها إنزال الكتب وإرسال الرسل على وجه ما أبقى فيه للتحبب موضعاً في دعائهم إليه وإقبالهم عليه، وبذل النصيحة على وجوه من اللطف كما هو معروف عند من عاناه، فعلموا أنهم هم المفرطون حيث أبوا في الأولى حيث ينفع الإيمان، واعترفوا في الآخرة حيث فات الأوان {وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش} - الآيات، وأيضاً فهم يحمدونه في الآخرة لعلمهم أنه لا يعذب أحداً منهم فوق ما يستحق وهو قادر على ذلك، ولذلك جعل النار طبقات، ورتبها دركات، فكانوا في الأولى حامدين على غير وجهه، فلم ينفعهم حمدهم لبنائه على غير أساس، وحمدوا في الآخرة على وجهه فما أغنى عنهم لكونها ليست دار العمل لفوات شرطه، وهو الإيمان بالغيب، والآية من الاحتباك: حذف أولاً "له الحمد في الأولى" لما دل عليه ثانياً، وثانياً "وله كل ما في الآخرة" لما دل عليه أولاً، وقد علم بهذا وبما قدمته في النحل والفاتحة أن الحمد تارة يكون بالنظر إلى الحامد، وتارة بالنظر إلى المحمود، فالثاني اتصاف المحمود بالجميل، والأول وصف الحامد له بالجميل، فحمد الله تعالى اتصافه بكل وصف جميل، وحمد الحامد له وصفه بذلك، فكل الأكوان ناطقة بألسن أحوالها بحمده سواء أنطق لسان القال بذلك أم لا، وهو محمود قبل تكوينها، وذلك هو معنى قولي الإحاطة بأوصاف الكمال، وحمد غيره له تارة يطلق بالمدلول اللغوي، وتارة بالمدلول العرفي، وتحقيق ما قال العلماء في ذلك في نفسه وبالنسبة بينه وبين الشكر أن الحمد في اللغة هو الوصف بالجميل الاختياري على جهة التعظيم، ومورده اللسان وحده فهو مختص بالظاهر ومتعلقه النعمة وغيرها، فمورده خاص ومتعلقه عام، والشكر لغة على العكس من ذلك متعلقه خاص ومورده عام، لأنه فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب إنعامه فمورده الظاهر والباطن لأنه يعم اللسان والجنان والأركان، ومتعلقه النعمة الواصلة إلى الشاكر، ومن موارده القلب وهو أشرف الموارد كلها، لأنه فعله وإن كان خفياً يستقل بكونه شكراً من غير أن ينضم إليه فعل غيره بخلاف الموردين الآخرين، إذ لا يكون فعل شيء منهما حمداً ولا شكراً حقيقة ما لم ينضم إليه فعل القلب. ولما كان تعاكس الموردين والمتعلقين ظاهر الدلالة على النسبة بين الحمد والشكر اللغويين، علم أن بينهما عموماً وخصوصاً وجهياً، لأن الحمد قد يترتب على الفضائل المجردة، والشكر قد يختص بالفواضل، فينفرد الحمد من هذه الجهة، وينفرد الشكر بالفعل الظاهر والاعتقاد الباطن على الفواضل من غير قول، ويجتمعان في الوصف الجناني واللساني على الفواضل، ففعل القلب اعتقاد اتصاف المشكور بصفات الكمال من الجلال والجمال، وفعل اللسان ذكر ما يدل على ذلك، وفعل الأركان الإتيان بأفعال دالة على ذلك. ولما كان هذا حقيقة الحمد والشكر لغة لا عرفاً، وكانت الأوهام تسبق إلى أن الحمد ما يشتمل على لفظ ح م د، قال القطب الرازي في شرح المطالع: وليس الحمد عبارة عن خصوص قول القائل "الحمد لله" وإن كان هذا القول فرداً من أفراد الماهية، وكذا ليس ماهية الشكر عبارة عن خصوص قول القائل "الشكر لله" ولا القول المطلق الدال على تعظيم الله وإن كان الثاني جزءاً منه والأول فرد من هذا الجزء، وحقيقة الحمد في العرف ما يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعماً، وحقيقة الشكر العرفي هو صرف العبد جميع ما أنعم الله عليه من القوى إلى ما خلق له كصرف النظر إلى مطالعة مصنوعاته للاعتبار إلى عليّ حضراته، وإلقاء السمع إلى تلقي ما ينبىء عن مرضاته، والاجتناب عن منهياته، فذكر الوصف في اللغوي يفهم الكلام سواء كان نفسائياً أو لسانياً فيشمل حمد الله تعالى نفسه وحمدنا له، والجميل متناول للأنعام وغيره من مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، وعدم تقييد الوصف بكونه في مقابلة نعمه مظهر لأن الحمد قد يكون واقعاً بإزاء النعمة وقد لا يكون، واشتراط التعظيم يفهم تطابق الظاهر والباطن، فإن عرى قول اللسان عن مطابقة الاعتقاد أو خالفه فعل الجوارح لم يكن حمداً حقيقة، بل استهزاء وسخرية، ومطابقة الجنان والأركان شرط في الحمد لا شطر، فلا يتداخل التعريفان، ولا يخرج بالاختيار صفات الله القديمة، فإنها من حيث قدرته على تعليقها بالأشياء تكون داخلة فيكون الحمد على الوصف الاختياري، وكذا إذا مدح الشجاع بشجاعته والقدرة على تعليق الوصف بما يتحقق به كانت الشجاعة خاصة لم يكن هناك محمود عليه، فقد علم من هذا أنه إذا كان هناك اختيار في الآثار كان الحمد عليه وإلا فلا، فلا يسمى وصف اللؤلؤة بصفاء الجوهر وبهجة المنظر حمداً بل مدحاً، ويسمى الوصف بالشجاعة للاختيار في إظهار آثارها حمداً، فاختص الحمد بالفاعل المختار دون المدح، وعلم أيضاً أن القول المخصوص وهو "الحمد لله" ليس حمداً لخصوصه، بل لأند دال على صفة الكمال ومظهر لها، فيشاركه في التسمية كل ما دل على ذلك من الوصف، ولذلك قال بعض المحققين من الصوفية: حقيقة الحمد إظهار الصفات الكمالية، وذلك قد يكون بالقول كما عرف، وقد يكون بالفعل وهو أقوى، لأن الأفعال التي هي آثار الأوصاف تدل عليها دلالة عقلية قطعية، لا يتصور فيها خلف بخلاف الأقوال، فإن دلالتها عليها وضعية، وقد يتخلف عنها مدلولها، وقد حمد الله تعالى نفسه بما يقطع به من القول والفعل، ما الفعل فإنه بسط بساط الوجود على ممكنات لا تحصى ووضع عليه موائد كرمه التي لا تتناهى، فكشف ذلك عن صفات كماله وأظهرها بدلالات قطعية تفصيلية غير متناهية، فإن كل ذرة من ذرات الوجود تدل عليها، ولا يتصور في عبارات المخلوق مثل هذه الدلالات، ومن ثمة قال صلى الله عليه وسلم "حديث : لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك"تفسير : ولا بد للتنبه لما قاله الأستاذ أبو الحسن التجيبي المغربي الحرالي في تفسيره بأن حمدلة الفاتحة تتضمن من حيث ظاهرها المدح التام الكامل ممن يرى المدحة سارية في كل ما أبدعه الله وما أحكمه من الأسباب التي احتواها الكون كله، وعلم أن كلتا يدى ربه يمين مباركة، وهو معنى ما يظهره إحاطة العلم بإبداء الله حكمته على وجه لا نكرة فيه منه، ولا ممن هو في أمره خليفته، وليس من معنى ما بين العبد وربه من وجه إسداء النعم وهو أمر يجده القلب علماً، لا أمر يوافق النفس غرضاً، فمن لم يكمل بعلم ذلك تالياً على أثر من علمه، واجداً بركة تلاوته - انتهى. وأما القول فإنه سبحانه لما علم أن لسان الحال إنما يرمز رمزاً خفياً لا يفهمه إلا الأفراد وإن كان بعد التحقيق جلياً، أنزل عليما كتاباً مفصحاً بالمراد أثنى فيه على نفسه، وبين صفات كماله بالبيان الذي يعجز عنه القوى، ثم جعل الإعجاز دلالة قطعية على كماله، وعلى كل ما له من جلاله وجماله، وقد علم من هذه التعاريف أن بين الحمد والشكر اللغويين عموماً وخصوصاً من وجه، لأن الحمد قد يترتب على الفضائل وهي الصفات الجميلة التي لا يتجاوز منها أثر ومنفعة إلى غير الممدوح كالشجاعة، والشكر يختص بالفواضل وهي النعم وهي الصفات والمزايا المتعدية التي يحصل منها منفعة لغير الممدوح كالإحسان والمواهب والعطايا كما مضى، وبين الحمد والشكر العرفيين عموماً وخصوصاً مطلقاً، فالحمد أعم مطلقاً لعموم النعم الواصلة إلى الحامد وغيره، واختصاص الشكر بما يصل إلى الشاكر، وذلك لأن المنعم المذكور في التعريف مطلق لم يقيد بكونه منعماً على الحامد أو على غيره، فمتناولهما بخلاف الشكر وقد اعتبر فيه منعم مخصوص وهو الله تعالى، ونعم واصلة منه إلى الشاكر، ولعموم هذا الحمد مطلقاً وخصوص هذا الشكر مطلقاً وجه ثان، وهو أن فعل القلب واللسان مثلاً قد يكون حمداً وليس شكراً أصلاً، إذ قد اعتبر فيه شمول الآلات، ووجه ثالث وهو أن الشكر بهذا المعنى لا يتعلق بغيره تعالى بخلاف الحمد، وما يقال من أن النسبة بالعموم المطلق، بين العرفيين إنما تصح بحسب الوجود دون الحمل الذي كلامنا فيه، لأن الحمد بصرف القلب مثلاً فيما خلق لأجله جزء من صرف الجميع غير محمول عليه لامتيازه في الوجود عن سائر أجزائه, وأما في الحمل فلا يمتاز المحمول عن الموضوع في الوجود الخارجي، فغلظ من باب اشتباه الشيء بما صدق هو عليه، فإن ما ليس محمولاً على ذلك الصرف هو ما صدق عليه الحمد، أعني صرف القلب وحده لا مفهومه المذكور، وهو فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعماً، وهذا المفهوم يحمل على صرف الجميع، وما يقال إن صرف الجميع أفعال متعددة، فلا يصدق عليه أنه فعل واحد، وما يقال إن صرف الجميع أفعال متعددة، فلا يصدق عليه أنه فعل واحد، جوابه أنه فعل واحد تعدد متعلقه، فلا ينافي وصفه بالوحدة كما يقال: صدر عن زيد فعل واحد إكرام جميع القوم مثلاً، وتحقيقه أن المركب قد يوصف بالوحدة الحقيقية كبدن واحد، والاعتبارية كعسكر واحد، وصدق الجميع من قبيل الثاني كما لا يرتاب فيه ذو مسكة، والنسبة بين الحمدين اللغوي والعرفي عموم وخصوص من وجه، لأن الحمد العرفي هو الشكر اللغوي، وقد مضى بيان ذلك فيهما. وبين الشكر العرفي واللغوي عموم مطلق لأن الشكر اللغوي يعم النعمة إلى الغير دون العرفي فهو أعم، والعرفي أخص مطلقاً، وكذا بين الشكر العرفي والحمد اللغوي لأن الأول مخصوص بالنعمة على الشاكر سواء كان باللسان أو لا، والثاني وإن خص باللسان فهو مشترط فيه مطابقة الأركان والجنان، ليكون على وجهة التبجيل، وقد لا يكون في مقابلة نعمة فهو أعم مطلقاً فكل شكر عرفي حمد لغوي، ولا ينعكس وهذا بحسب الوجود، وكذا بين الحمد العرفي والشكر اللغوي عموم مطلق أيضاً إذا قيدت النعمة في اللغوي بوصولها إلى الشاكر كما مر، وأما إذا لم تقيد فهما متحدان، وأما الشكر المطلق فهو على قياس ما مضى تعظيم المنعم بصرف نعمته إلى ما يرضيه، ولا يخفى أنه إذا كان نفس الحمد والشكر من النعم لم يمكن أحداً الإتيان بهما على التمام والكمال لاستلزامه تسلسل الأفعال إلى ما لا يتناهى، وهذا التحقيق منقول عن إمام الحرمين والإمام الرازي - هذا حاصل ما في شرح المطالع للقطب الرازي وحاشيته للشريف الجرجاني بزيادات، وقد علم صحة ما أسلفته في شرح الحمد بالنظر إلى الحامد وبالنظر إلى المحمود، وإذا جمعت أطراف ما تقدم في سورة النحل والفاتحة وغيرهما من أن المادة تدور على الإحاطة علم أنه بالنظر إلى الحامد وصفة المحمود بالإحاطة بأوصاف الكمال، وبالنظر إلى المحمود اتصافه بالإحاطة بأوصاف الكمال، فإن الوصف يشترط أن يكون مطابقاً وإلا كان مدحاً لا حمداً، كما حققه العلامة قاضي دمشق شمس الدين أحمد بن خليل الخويي في كتابه أقاليم التعاليم. ولما تقرر أن الحكمة لا تتم إلا بإيجاد الآخرة قال: {وهو الحكيم} أي الذي بلغت حكمته النهاية التي لا مزيد عليها، والحكمة هي العلم بالأمور على وجه الصواب متصلاً بالعمل على وفقه. ولما كانت الحكمة لا تتهيأ إلا بدقيق العلم وصافيه ولبابه وهو الخبرة قال: {الخبير} أي البليغ الخبر وهو العلم بظواهر الأمور وبواطنها حالاً ومالاً، فلا يجوز في عقل انه - وهو المتصف بهاتين الصفتين كما هو مشاهد في إتقان أفعاله وإحكام كل شيء سمعناه من أقواله - يخلق الخلق سدى من غير إعادة لدار الجزاء، وقد مضى في الفاتحة وغيرها عن العلامة سعد الدين التفتازاني أنه قال: التصدير بالحمد إشارة إلى إمهات النعم الأربع، وهي الإيجاد الأول، والإيجاد الثاني، والإبقاء الأول، والإبقاء الثاني، وأن الفاتحة لكونها أم الكتاب أشير فيها إلى الكل، ثم أشير في كل سورة صدرت بعدها بالحمد إلى نعمة منها على الترتيب، وأنه أشير في الأنعام إلى الإيجاد الأول وهو ظاهر وفي الكهف إلى الإبقاء الأول، لأن انتظام البقاء الأول والانتفاع بالإيجاد لا يكون إلا بالكتاب والرسول، وأنه أشير في هذه السورة إلى الإيجاد الثاني لانسياق الكلام إلى إثبات الحشر والرد على منكري الساعة حيث قال سبحانه {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي} انتهى، وقد علم مما قررته أنها من أولها مشيرة إلى ذلك على طريق البرهان. وقال أبو جعفر بن الزبير: افتتحت بالحمد لله لما أعقب بها ما انطوت عليه سورة الأحزاب من عظيم الآلاء وجليل النعماء حس ما أبين - آنفاً - يعني في آخر كلامه على سورة الأحزاب - فكان مظنة الحمد على ما منح عباده المؤمنين وأعطاهم فقال تعالى {الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} ملكاً واختراعاً، وقد أشار هذا إلى إرغام من توقف منقطعاً عن فهم تصرفه سبحانه في عباده بما تقدم وتفريقهم بحسب ما شاء فكأن قد قيل: إذا كانوا له ملكاً وعبيداً، فلا يتوقف في فعله بهم ما فعل من تيسير للحسنى أو لغير ذلك مما شاءه بهم على فهم علته واستطلاع سببه، بل يفعل بهم ما شاء وأراد من غير حجر ولا منع {وهو الحكيم الخبير} وجه الحكمة في ذلك التي خفيت عنكم، وأشار قوله {وله الحمد في الآخرة} إلى أنه سيطلع عباده المؤمنين - من موجبات حمده ما يمنحهم أو يضاعف لهم من الجزاء أو عظيم الثواب في الآخرة - على ما لم تبلغه عقولهم في الدنيا ولا وفت به أفكارهم {أية : فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين}تفسير : [السجدة: 17] ثم أتبع سبحانه ما تقدم من حمده على ما هو أهله ببسط شواهد حكمته وعلمه فقال تعالى {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها} إلى قوله {وهو الرحيم} فبرحمته وغفرانه أنال عباده المؤمنين ما خصهم به وأعطاهم، فله الحمد الذي هو أهله، ثم أتبع هذا بذكر إمهاله من كذب وكفر مع عظيم اجترائهم لتتبين سعة رحمته ومغفرته فقال تعالى {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة} إلى قوله: {إن في ذلك لآية لكل عبد منيب} أي إن في إمهاله سبحانه لهؤلاء بعد عتوهم واستهزائهم في قولهم {لا تأتينا الساعة} وقوله: {هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق أنكم لفي خلق جديد} وإغضائهم عن الاعتبار بما بين أيديهم من السماء والأرض وأمنهم أخذهم من أي الجهات وفي إمهالهم وإدرار أرزاقهم مع عظيم مرتكبهم آيات لمن أناب واعتبر، ثم بسط لعباده المؤمنين من ذكر الآية ونعمه وتصريفه في مخلوقاته ما يوضح استيلاء قهره وملكه، ويشير إلى عظيم ملكه كما أعلم في قوله سبحانه {الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} فقال سبحانه {ولقد آتينا داود منا فضلاً يا جبال أوبي معه والطير وألنّا له الحديد} ثم قال {ولسليمان الريح} إلى قوله: {اعملوا آل داود شكراً} ثم أتبع ذلك بذكر حال من لم يشكر فذكر قصة سبأ إلى آخرها، ثم وبخ تعالى من عبد غيره معه بعد وضوح الأمر وبيانه فقال {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله} إلى وصفه حالهم الأخروي ومراجعة متكبريهم ضعفاءهم وضعفائهم متكبريهم {وأسروا الندامة لما رأوا العذاب} ثم التحمت الآي جارية على ما تقدم من لدن افتتاح السورة إلى ختمها - انتهى. ولما ختم بصفة الخبر، أتبع ذلك ما يدل عليه فقال: {يعلم ما يلج في الأرض} أي هذا الجنس من المياه والأموال، والأموات، وقدم هذا لأن الشيء يغيب في التراب أولاً ثم يسقى فيخرج {وما يخرج منها} من المياه والمعادن والنبات {وما ينزل من السماء} أي هذا الجنس من حرارة وبرودة وماء وملك وغير ذلك {وما يعرج} ولما كانت السماوات أجساماً كثيفة متراقية، لم يعبر بحرف الغاية كما في قوله تعالى {أية : إليه يصعد الكلم الطيب} تفسير : [فاطر: 10] بل قال: {فيها} أي من الأعمال والملائكة وكل ما يتصاعد من الأرض في جهة العلو وأنتم كما ترونه يميز كل شيء عن مشابهه، فيميز ما له أهلية التولد من الماء والتراب في الأرض من النباتات عن بقية الماء والتراب على اختلاف أنواعه مميزاً بعضه من بعض، ومن المعادن الذهب والفضة والحديد والنحاس والرصاص إلى غير ذلك، مع أن الكل ما يخالط الزاب، فكيف يستبعد عليه أن يحيي الموتى لعسر تمييز تراب كل ميت بعد التمزق والاختلاط من تراب آخر. ولما كان الحاصل من هذا المتقدم أنه رب كل شيء، وكان الرب لا تنتظم ربوبيته إلا بالرفق والإصلاح، وكان ربما ظن جاهل انه لا يعلم أعمال الخلائق لأنه لو علمها ما أقر عليها، اعلم أن رحمته سبقت غضبه، ولذلك قدم صفة الرحمة، ولأنه في سياق الحمد، فناسب تقديم الوصف الناظر إلى التكميل على الوصف النافي للنقص فقال: {وهو} أي والحال أنه وحده مع كثرة نعمه المقيمة للأبدان {الرحيم} أي المنعم بما ترضاه الإلهية من إنزال الكتب وإرسال الرسل لإقامة الأديان {الغفور *} أي المحاء للذنوب أما من اتبع ما أنزل من ذلك كما بلغته الرسل فبالمحو عيناً وأثراً حتى لا يعاقبهم على ما سلف منها ولا يعاتبهم، وأما غيره فالتكفير بأنواع المحن أو التأخير إلى يوم الحشر.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وهو الحكيم الخبير} قال {حكيم} في أمره {خبير} بخلقه. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {يعلم ما يلج في الأرض} قال: من المطر {وما يخرج منها} قال: من النبات {وما ينزل من السماء} قال: الملائكة {وما يعرج فيها} قال: الملائكة. وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب} قال: يقول: بلى وربي عالم الغيب لتأتينكم. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {أولئك لهم مغفرة ورزق كريم} قال: مغفرة لذنوبهم {ورزق كريم} في الجنة {والذين سعوا في آياتنا معاجزين} قال: أي لا يعجزون وفي قوله {أولئك لهم عذاب من رجز أليم} قال: الرجز هو العذاب الأليم الموجع. وفي قوله {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق} قال: أصحاب محمد. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله {ويرى الذين أوتوا العلم} قال: الذين أوتوا الحكمة {من قبل} قال: يعني المؤمنين من أهل الكتاب. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم} قال: قال ذلك مشركو قريش {إذا مزقتم كل ممزق} يقول: إذا أكلتكم الأرض وصرتم عظاماً ورفاتاً. وتقطعتكم السباع والطير {إنكم لفي خلق جديد} إنكم ستحيون وتبعثون قالوا: ذلك تكذيباً به {أفترى على الله كذباً أم به جنة} قال: قالوا: إما أن يكون يكذب على الله، واما أن يكون مجنوناً {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض} قال: إنك إن نظرت عن يمينك، وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك رأيت السماء والأرض {إن نشأ نخسف بهم الأرض} كما خسفنا بمن كان قبلهم {أو نسقط عليهم كسفاً من السماء} أي قطعاً من السماء إن يشأ يعذب بسمائه فعل، وان يشأ يعذب بأرضه فعل، وكل خلقه له جند قال قتادة رضي الله عنه: وكان الحسن رضي الله عنه يقول: إن الزبد لمن جنود الله {إن في ذلك لآية لكل عبد منيب} قال قتادة: تائب مقبل على الله عز وجل.
ابو السعود
تفسير : (سورة سـبأ مكية وقيل إلا {ويرى الذينَ أُوتُوا الْعِلْم} الآية وهى أربع وخمسون آية {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي له تعالى خَلقاً ومُلكاً وتصرُّفاً بالإيجادِ والإعدامِ والإحياءِ والإماتةِ جميعُ ما وُجد فيهما داخلاً في حقيقتِهما أو خارجاً عنهما مُتمكِّناً فيهما فكأنَّه قيل: له جميعُ المخلوقاتِ كما مرَّ في آية الكُرسيِّ، ووصفُه تعالى بذلك لتقرير ما أفاده تعليقُ الحمدِ المُعرَّف بلام الحقيقة بالاسم الجليلِ من اختصاصِ جميعِ أفراده به تعالى على ما بُـيِّنَ في فاتحة الكتاب ببـيان تفرُّدِه تعالى واستقلاله بما يُوجب ذلك وكونِ كلِّ ما سواه من الموجودات التي من جُملتها الإنسان تحت ملكوتِه تعالى ليس لها في حدِّ ذاتها استحقاقُ الوجود فضلاً عمَّا عداه من صفاتها بل كلُّ ذلك نعمٌ فائضة عليها من جهته عزَّ وجلَّ فما هذا شأنُه فهو بمعزلٍ من استحقاقِ الحمد الذي مداره الجميل الصَّادرُ عن القادر باختيار فظهر اختصاصُ جميعِ أرادِه به تعالى. وقولُه تعالى: {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلاْخِرَةِ} بـيانٌ لاختصاص الحمد الأُخرويِّ به تعالى إثرَ بـيانِ اختصاص الدُّنيويِّ به على أنَّ الجارَّ متعلِّق إمَّا بنفس الحمد أو بما تعلَّق به الخبرُ من الاستقرارِ، وإطلاقُه عن ذكرِ ما يُشعر بالمحمودِ عليه ليس للاكتفاءِ بذكر كونه في الآخرةِ عن التعيـين كما اكتفي فيما سبق بذكر كون المحمود عليه في الدُّنيا عن ذكر كونِ الحمد أيضاً فيها بل ليعمَّ النِّعمَ الأُخرويَّةَ كما في قوله تعالى: { أية : ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ} تفسير : [سورة الزمر: الآية 74] وقوله تعالى: { أية : ٱلَّذِى أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ} تفسير : [سورة فاطر: الآية 35] الآيةَ، وما يكون ذريعةً إلى نيلِها من النِّعمِ الدُّنيويَّةِ كما في قوله تعالى: { أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَانَا لِهَـٰذَا} تفسير : [سورة الأعراف: الآية 43] أي لِما جزاؤه هذا من الإيمانِ والعملِ الصَّالحِ، والفرق بـين الحمدينِ مع كون نعمتَيْ الدُّنيا والآخرةِ بطريق التَّفضلِ أنَّ الأوَّلَ على نهج العبادة والثَّانِي على وجه التَّلذذِ والاغتباطِ. وقد ورد في الخبرِ أنَّهم يُلهمون التَّسبـيحَ كما يُلهمون النَّفسَ {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} الذي أحكم أمورَ الدُّنيا ودبَّرها حسبما تقتضيه الحكمةُ {ٱلْخَبِيرُ} ببواطن الأشياءِ ومكنوناتِها وقوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِى ٱلأَرْضِ} الخ، تفصيلٌ لبعض ما يحيط به علمُه من الأمور التي نِيطتْ بها مصالحهم الدُّنيويةُ والدِّينيةُ أي يعلم ما يدخل فيها من الغيثِ والكُنوزِ والدَّفائنِ والأموات ونحوها {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} كالحيوان والنبات وماء العيون ونحوها {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَاء} كالملائكةِ والكتبِ والمقاديرِ ونحوِها. وقُرىء وما نُنزِّل بالتَّشديدِ ونونِ العظمةِ {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} كالملائكةِ وأعمالِ العبادِ والأبخرةِ والأَدْخنةِ {وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ} للحامدينَ على ما ذُكر من نِعَمِه {ٱلْغَفُورُ} للمفرِّطين في ذلك بلُطفِه وكرمِه.
السلمي
تفسير : قال ابن عطاء رحمة الله عليه: المحمود من لا يربط عباده بشىء من الأكوان قطع آمالكم عن الجميع لئلا يشتغل به ويكون اشتغالهم بمن له الأكوان وما فيها. قوله عز وعلا: {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ}، حيث لم يناقش فى المحاسبة مع عباده وهو الحكيم فيما دبر والخبير بما عفى وستر. قال القاسم: حقيقة الحمد أن تكف عن اللغو وعن مدح الخلق وعما لا يعنيك. سمعت أبا العباس محمد بن أحمد الفارسى يقول: سمعت أحمد بن مزاحك يقول: سمعت أبا بكر الوراق يقول: لا يكمل الحمد إلاَّ بخلال ثلاث: محبة المنعم بالقلب وابتغاء مرضاته بالنية وقضاء حقه بالسعى. وقال بعضهم: لا تعرض عمن كفاك أمر دنياك وأطعمك فى عقباك ولم يخلك فى حاله عن نظره وتواتر نعمه فالزم شكره بقلبك وأدم حمده على لسانك تصل إلى محل الحامدين والشاكرين.
القشيري
تفسير : افتتح السورة بذكر الثناء على نفسه، ومَدْحُه لنفسه إِخبارٌ عن جلالِه، واستحقاقه لنعوت عزِّه وجمالِه، فهو في الأَزل حامدٌ لنفسِه محمودٌ، وواحدٌ موجود، في الآزال معبود، وبالطلبات مقصود. {ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ}: المُلْكُ لا يكون بالشركة؛ فلا مَلِكَ إلا الله. وإِنْ أجرى هذا الاسمَ على مخلوق بالزنجيُّ لا يتغير لونُه وإِنّ سُمِّيَ كافوراً! {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ} مِنَ الذين أَعتقهم، وفي النعمة أغرقهم. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} بتخليد قومٍ في الجنة، وتأبيد قومٍ في النار.
البقلي
تفسير : {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} حمد نفسه قبل الكون ورفع حقوق الحمد عن الخليفة ثم حمد نفسه بعد الكون علما بعجزهم عن أداء شكره {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ} حيث يقبل الحسنات ويعفو عن السيئات ويدنى العارفين من المشاهدات ويكشف لهم جمال الذات والصفات قال ابو العباس بن عطا المحمود من لم يربط عباده بشئ من الاكوان قطع املاكهم عن الجميع لئلا يشتغلوا بها ويكون اشتغالهم بمن له الاكوان وما فيها وله الحمد فى الأخرة حيث لم يناقش بالمحاسبة مع عباده وهو الحكيم فيما دبره الخبير عما عفى وستر.
اسماعيل حقي
تفسير : {الحمد لله} الالف واللام لاستغراق الجنس واللام للتمليك والاختصاص اى جميع افراد المدح والثناء والشكر من كل حامد ملك لله تعالى ومخصوص به لا شركه لاحد فيه لانه الخالق والمالك كما قال {الذى له} خاصة خلقا وملكا وتصرفا بالايجاد والاعدام والاحياء والاماتة {ما فى السموات وما فى الارض} اى جميع الموجودات فاليه يرجع الحمد لا الى غيره وكل مخلوق اجرى عليه اسم المالك فهو مملوك له تعالى فى الحقيقة وان الزنجى لا يتغير عن لونه لان سمى كافورا والمراد على نعمه الدنيوية فان السموات والارض وما فيها خلقت لانتفاعنا فكلها نعمة لنا دينا ودنيا فاكتفى بذكر كون المحمود عليه فى الدنيا عن ذكر كون الحمد ايضا فيها وقد صرح فى موضع آخر كما قال {أية : له الحمد فى الاولى والآخرة} تفسير : وهذا القول اى الحمد لله الخ وان كان حمدا لذاته بذاته لكنه تعليم للعباد كيف يحمدونه {وله الحمد فى الآخرة} بيان لاختصاص الحمد الاخروى به تعالى اثر بيان اختصاص الدنيوى به على ان الجار متعلق اما بنفس الحمد او بما تعلق به الخبر من الاستقرار واطلاقه عن ذكر ما يشعر بالمحمود عليه ليعم النعم الاخروية كما فى قوله {أية : الحمد لله الذى صدقنا وعده واورثنا الارض نتبوأ من الجنة حيث نشاء} تفسير : وقوله {أية : الذى احلنا دار المقامة من فضله} تفسير : الآية وما يكون ذريعة الى نيلها من النعم الدنيوية كما فى قوله {أية : الحمد لله الذى هدانا لهذا} تفسير : اى لما جزاؤه هذا من الايمان والعمل الصالح. يقال يحمده اهل الجنة فى ستة مواضع. احدها حين نودى {أية : وامتازوا اليوم ايها المجرمون} تفسير : فاذا يميز المؤمنون من الكافرين يقولون {أية : الحمد لله الذى نجانا من القوم الظالمين} تفسير : كما قال نوح عليه السلام حين انجاه الله من قومه. والثانى حين جاوزوا الصراط قالوا {أية : الحمد لله الذى اذهب عنا الحزن } تفسير : والثالث لما دنوا الى باب الجنة واغتسلوا بماء الحياة ونظروا الى الجنة قالوا {الحمد لله الذى هدانا لهذا}. الرابع لما دخلوا الجنة واستقبلتهم الملائكة بالتحية قالوا {أية : الحمد لله الذى احلنا دار المقامة } تفسير : والخامس حين استقروا فى منازلهم قالوا {أية : الحمد لله الذى صدقنا وعده واورثنا الارض } تفسير : والسادس كلما فرغوا من الطعام قالوا {أية : الحمد لله رب العالمين } تفسير : والفرق بين الحمدين مع كون نعمتى الدنيا والآخرة بطريق التفضل ان الاول على نهج العبادة والثانى على وجه التلذذ كما يتلذذ العطشان بالماء البارد لا على وجه الفرض والوجوب وقد ورد فى الخبر (انهم يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس) [وكفته اند مجموع اهل آخرت مرورا حمد كويند دوستان اورا بفضل ستايند ودشنمان بعدل]. يقول الفقير فيه نظر لان الآخرة المطلقة كالعاقبة الجنة مع ان المقام يقتضى ان يكون ذلك من ألسنة اهل الفضل اذ لا اعتبار بحال اهل العدل كما لا يخفى {وهو الحكيم} الذى احكم امور الدين والدنيا ودبرها حسبما تقتضيه الحكمة وتستدعيه المصلحة {الخبير} بليغ الخبرة والعلم ببواطن الاشياء ومكنوناتها ثم بين كونه خبيرا وقال
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {الحمدُ لله} إن أُجري على المعهود فهو بما حمد به نفسه محمود، وإن أجرى على الاستغراق فله لكل المحامد الاستحقاق. واللام في (لله) للتمليك؛ لأنه خالقُ ناطقِ الحمد أصلاً، فكان بملكه مالك للحمد، وللتحميد أهلاً، {الذي له ما في السماوات وما في الأرض} خلقاً، وملكاً، وقهراً، فكان حقيقياً بأن يُحمد سرًّا وجهراً، {وله الحمدُ في الآخرة} كما له الحمد في الدنيا؛ إذ النعم في الدارين هو مُوليها والمُنعم بها. غير أن الحمد هنا واجب؛ لأن الدنيا دار التكليف. وثمَّ لا؛ لأن الدار دار التعريف، لا دار التكليف. وإنما يحمد أهل الجنة سروراً بالنعيم، وتلذذاً بما نالوا من الفوز العظيم، كقوله: {أية : الْحَمْدُ للهِ الَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ...} تفسير : [الزمر: 74] و {أية : الْحَمْدُ للهِ الَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ...}تفسير : [فاطر: 34] فأشار إلى استحقاقه الحمد في الدنيا بقوله: {الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} وأشار إلى استحقاقه في الآخرة بقوله: {وله الحمدُ في الآخرة وهو الحكيمُ} بتدبير ما في السماوات والأرض، {الخبيرُ} بضمير مَن يحمده ليوم الجزاء والعَرْض. {يعلمُ ما يَلِجُ} ما يدخل {في الأرض} من الأموات والدفائن، {وما يخرج منها} من النبات وجواهر المعادن، {وما ينزلُ من السماء} من الأمطار وأنواع البركات، {وما يعرجُ} يصعد {فيها} من الملائكة والدعوات، {وهو الرحيمُ} بإنزال ما يحتاجون إليه، {الغفورُ} بما يجترئون عليه. قاله النسفي. الإشارة: المستحق للحمد هو الذي بيده ما في سماوات الأرواح؛ من الكشوفات وأنواع الترقيات، إلى ما لا نهاية له، من عظمة الذات، وبيده ما في أرض النفوس؛ من القيام بالطاعات وآداب العبودية وتحسين الحالات، وما يلحق ذلك من المجاهدات والمكابدات، وبيده ما يتحفهم به في الآخرة، من التعريفات الجمالية، والفتوحات الربانية، والترقي في الكشوفات السرمدية. فله الحمد في هذه العوالم الثلاثة؛ إذ كلها بيده، يخص بها مَن يشاء من عباده، مع غناه عن الكل، وإحاطته بالكل، ورحمته للكل. يعلم ما يلج في أرض النفوس من الهواجس والخواطر، وما يعرج منها من الصغائر والكبائر، أو من الطاعة والإحسان من ذوي البصائر، وما ينزل من سماء الملكوت من العلوم والأسرار، وما يعرج فيها من الطاعات والأذكار، وهو الرحيم بالتقريب والإقبال، الغفور لمساوئ الضمائر والأفعال. ثم ردَّ على من أنكر الآخرة التي تقدم ذكرها فقال: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا...}
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي {علام الغيب} بتشديد اللام وألف بعدها وخفض الميم. وقرأه اهل المدينة وابن عامر ورويس بألف قبل اللام وتخفيف اللام وكسرها ورفع الميم. الباقون كذلك إلا أنهم خفضوا الميم، وهم ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وخلف وروح. وقرأ ابن كثير وحفص ويعقوب {من رجز أليم} برفع الميم - ها هنا - وفي الجاثية، و {معجزين} قد مضى ذكره، وقرأ الكسائي وحده {يعزب} بكسر الزاي. الباقون بضمها. و {الحمد} رفع بالابتداء و {لله} خبره. والحمد هو الشكر، والشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم. والحمد هو الوصف بالجميل على جهة التعظيم، ونقيضه الذم، وهو الوصف بالقبيح على جهة التحقير، ولا يستحق الحمد إلا على الاحسان، فلما كان احسان الله لا يوازيه احسان احد من المخلوقين، فكذلك لا يستحق الحمد احد من المخلوقين مثل ما يستحقه، وكذلك يبلغ شكره إلى حد العبادة ولا يستحق العبادة سوى الله تعالى، وإن استحق بعضنا على بعض الشكر والحمد. ومعنى قوله {الحمد لله} أي قولوا {الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} معناه الذي يملك التصرف في جميع ما في السموات، وجميع ما في الأرض، وليس لاحد منعه منه ولا الاعتراض عليه {وله الحمد} في الأولى يعني بما أنعم عليه من فنون الاحسان و {في الآخرة} بما يفعل بهم من الثواب والعوض وضروب التفضل في الآخرة، والآخرة وإن كانت ليست دار تكليف فلا يسقط فيها الحمد والاعتراف بنعم الله تعالى، بل العباد ملجأون إلى فعل ذلك لمعرفتهم الضرورية بنعم الله تعالى عليهم وما يفعل من العقاب بالمستحقين فيه أيضاً إحسان لما للمكلفين به في دار الدنيا من الالطاف والزجر عن المعاصي ويفعل الله العقاب بهم لكونه مستحقاً على معاصيه في دار الدنيا، ومن حمد أهل الجنة قولهم: الحمد لله الذي صدقنا وعده. وقولهم: الحمد لله الذي هدانا لهذا. وقيل: إنما يحمده أهل الآخرة من غير تكليف على وجه السرور به {وهو الحكيم} في جميع أفعاله، لأنها كلها واقعة موقع الحكمة {الخبير} العالم بجميع المعلومات. ثم وصف نفسه بأنه {يعلم ما يلج في الأرض} من سائر انواع الاشياء {وما يخرج منها} كذلك. وقال الحسن: معناه يعلم ما يلج في الأرض من المطر، وما يخرج منها من النبات، والولوج الدخول، ولج يلج ولوجاً، قال الشاعر: شعر : رأيت القوافي يلجن موالجا تضايق عنه ان تولجه الابر تفسير : ومعنى {ما ينزل من السماء} قال الحسن: يعني من الماء {وما يعرج فيها} من ملك فهو يجري جميع ذلك على تدبير عالم به وتوجبه المصلحة فيه. ثم حكى عن الكفار أنهم يقولون {لا تأتينا الساعة} يعني القيامة تكذيباً للنبي صلى الله عليه وآله في ذلك فـ {قل} لهم يا محمد {بلى} تأتيكم {و} حق الله {ربي} الذي خلقني وأخرجني من العدم إلى الوجود {لتأتينكم} الساعة {عالم الغيب} من جر {عالم} جعله صفة لقوله {وربي} وهو في موضع جر بواو القسم. ومن رفعه، فعلى انه خبر ابتداء محذوف، وتقديره هو عالم الغيب. ومن قرأ {علام} أراد المبالغة في وصفه بأنه عالم الغيب، والغيب كل شيء غاب عن العباد علمه {لا يعزب عنه} أي لا يفوته {مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض} بل هو عالم بجميع ذلك، يقال: عزب عنه الشيء يعزب ويعزب لغتان، في المضارع {ولا أصغر من ذلك ولا أكبر} أي ولا يعزب عنه علم ما هو اصغر من مثقال ذرة، ولا علم ما هو اكبر منه {إلا في كتاب مبين} يعني اللوح المحفوظ الذي أثبت الله تعالى فيه جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة ليطلع عليه ملائكته، فيكون لطفاً لهم، ويكون للمكلفين أيضاً في الاخبار عنه لطف لهم. ثم بين أنه إنما أثبت ذلك في الكتاب المبين {ليجزي} على ذلك {الذين آمنوا وعملوا الصالحات} بنعيم الجنة وهو قوله {أولئك لهم مغفرة} لذنوبهم وستر لها، ولهم مع ذلك {رزق كريم} قال قتادة: الرزق الكريم الجنة. وقال غيره: هو الهنيء الذي ليس فيه تنغيص، ولا تكدير. ثم بين أن الذين يسعون في آيات الله وحججه {معاجزين} له أي متعاونين مجاهدين في ابطال آياته {أولئك لهم عذاب} على ذلك {من رجز أليم} فمن جر {أليم} جعله صفة {رجز} والرجز هو الرجس، وقال قوم: هو سيء العذاب وقال آخرون: هو العذاب. والرجز بضم الراء الصنم ومنه قوله {أية : والرجز فاهجر} تفسير : وقال ابو عبيدة {معاجزين} بمعنى سابقين و {معجزين} معناه مثبطين - في قول الزجاج.
الجنابذي
تفسير : {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} قد مضى تفسيره فى اوّل الحمد {ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ} اى سماوات الارواح وسماوات الافلاك {وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} اى ارض عالمى المثال وعالم الطّبع فانّ الكلّ بالنّسبة الى الارواح اراض وارض العنصر وقد تكرّر انّ الّلام فى مثل هذا تستعمل فى المبدئيّة والمرجعيّة والمالكية وتكرّر ايضاً انّه اذا قيل: لزيد ما فى الصّندوق، يدلّ على انّ الصّندوق وما فيه له خصوصاً اذا كان ما فى الصّندوق نفيساً {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ} اى يخصّه الحمد فى الدّار الآخرة او يخصّه فى آخرة مراتب الحمد فانّه يتراءى ان يكون غيره محموداً ايضاً ما دام الانسان فى الدّنيا او فى مراتب الحمد وبعد النّظر الدّقيق وفى دار الآخرة الّتى يتراءى كلّ شيءٍ كما هو يعلم انّ الحمد خاصّ به {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} فى فعاله او فى فعاله وعلومه {ٱلْخَبِيرُ} بكلّ شيءٍ مع اتقان العمل والدّقّة فى العلم.
الأعقم
تفسير : {الحمد لله} وهو صفة بأسمائه الحسنة وصفاته العليا وشكره على نعمه في الدين والدنيا {الذي له ما في السماوات وما في الأرض} ملكاً وخلقاً {وله الحمد في الآخرة} وهو المحمود على أفعاله المستحق للحمد في الدارين لكونه منعماً فيهما {وهو الحكيم} الذي أحكم أمور الدارين ودبرهما بحكمته {الخبير} بكل كائن يكون {يعلم ما يلج في الأرض} من الغيب والكنوز والأموات {وما يخرج منها} من الشجر والنبات لا يعلمها إلا هو {وما ينزل من السماء} من الأمطار والثلوج والبرد والصواعق والأرزاق والملائكة وأعمال العباد {وهو الرحيم الغفور} للمفرطين في أداء مواجيب شكرها وغفور لذنوبهم إذا تابوا {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل} يا محمد {بلى} تأتيهم الساعة {وربي} أخبر به وأكده باليمين {عالم الغيب} يعني يعلم كل ما يغيب لا تخفى عليه خافية لأنه عالم لذاته فلا يختص بمعلوم دون معلوم {لا يعزب عنه} أي لا يغيب عن علمه {مثقال ذرة} وهي النملة {في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلاَّ في كتاب مبين} يعني محفوظ عنده، وقيل: في اللوح المحفوظ {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي ليكافي من آمن وعمل صالحاً بما يستحقه من الثواب {أولئك لهم مغفرة ورزق كريم} أي هنيء لا يكدره شيء يعني في الجنة {والذين سعوا في آياتنا} أي في حجتنا {معاجزين} أي عملوا في إبطالها وهو الكتاب وسائر المعجزات وسعيهم ردها بالتكذيب، وقيل: سعيهم دعاءهم إلى الكفر، وقوله: {معاجزين} أي منافقين، أي يحسبون أنهم يعجزوننا ويفوتوننا، وقرئ معجزين {أولئك لهم عذاب من رجزٍ أليم} قيل: هي الأمور الكريهة، وعن قتادة: الرجز سوء العذاب.
الهواري
تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} حمد نفسه، وهو أهل الحمد. {الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الأَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ} أي: في أمره، أحكم كل شيء {الخَبِيرُ} بخلقه. {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ} أي: ما يدخل {فِي الأَرْضِ} من المطر {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} أي: من النبات {وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ} أي من المطر وغير ذلك {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} أي: وما يصعد فيها، أي: ما تصعد به الملائكة {وَهُوَ الرَّحِيمُ} أي: بخلقه {الغَفُورُ} أي: لمن تاب وآمن. قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لاَ تَأْتِينَا السَّاعَةُ} أي: القيامة. {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ} من قرأها بالرفع رجع إلى قوله: وهو الرحيم الغفور عالمُ الغيب. ومن قرأها بالرفع رجع إلى قوله: وهو الرحيم الغفور عالمُ الغيب. ومن قرأها بالجر {عَالِمِ الغَيْبِ} فهو يقول: قل بلى وربي عالم الغيب. وفيها تقديم. وهي تقرأ على وجه آخر: علاَّم الغيب، وإنما هو كقولك فاعل وفعّال. والغيب، في تفسير الحسن في هذا الموضع: ما لم يكن. قال: لتأتيَنَّكم الساعة. قال: {لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ} أي: وزن، أي: لا يغيب عنه علم ذلك، أي: ليعلم ابن آدم أن عمله الذي عليه الثواب والعقاب لا يغيب عن الله منه مثقال ذرة. {فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} وقد فسَّرنا ذلك في حديث ابن عباس: إن أول ما خلق الله القلم فقال: اكتب. قال: ربّ، وما أكتب؟ قال: ما هو كائن، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة. فأعمال العباد تعرض كل يوم اثنين وخميس، فيجدونه على ما في الكتاب الأول.
اطفيش
تفسير : {الحمد لله} حمد نفسه تلويحا بأن له الوصف الجميل الذي لا كنه له او على معنى قولوا الحمد لله. {الذي له ما في السماوات وما في الأرض} ملكا وخلقا وأنعاما تقرران الموصول والصلة كشيء واحد فتعلق الحمد بهما كتعلق الحمد بمشتق وتعلق الحكم بالمشتق يؤذن بأن مضمون ذلك المشتق عله للحكم فانه قيل: الحمد لله على ثبوت ما في السماوات والأرض له ثبوتا يستلزم الإنتفاع منه وهذا حمد على تمام القدرة وكمال النعمة وهو واجب على الخلق كله في الدنيا. {وله الحمد في الآخرة} على رضاه ونعمه الدائمة فيها يحمده أولياء اذا دخلوا الجنة حمداً يتلذذون به كتلذذ العطشان بالماء البارد لا مشقة فيه ولا تعب وليس بتكليف في الآخرة وانما هو نعمة يتلذذون بها في الآخرة كتلذذ الملائكة به في الدنيا والآخرة، وقدم الجار والمجرور لان نعم الآخرة لا تجري على يد أحد كما تجري نعم الدنيا كثرا فلا يستحق الحمد احد المتغايرين على الآخر كقولك زيد بن عمرو في المسجد وزيد بن بكر في السوق لا من عطف المطلق على المقيد وكذا على قول من قال المعنى له الحمد في الدنيا على نعم الآخرة. {وهو الحكيم} الذي أحكم وأتقن أمور الدنيا والآخرة على ما ينبغي ويليق وكل أفعاله على ما تقتضيه الحكمة. {الخبير} ببواطن المخلوقات.
اطفيش
تفسير : {الحمدُ لله الَّذي لَه ما في السَّماوات وما في الأرض} من أجزاء أنفسهما، ومنافع أجزائهما، وما فيهما من غيرهما، وما فى هوائهما إيجاداً وإعداماً، وملكاً وتصرفاً والموصول كالمشتق تؤذن صلته بالعلية، فكون ذلك له ولا سيما مع اشتماله على المنافع موجب، لأن نحمده فى الدنيا، وموجب لحقيقة الحمد التى لا تتناهى أفرادها، وإن شئت فطاعات المطيعين داخلة فى ذلك، فهو بالذات كما يأتى قريبا أهل للعبادة. {ولهُ الحمْدُ في الآخرة} أيضاً على نعمها، على رضا الله عنهم، وتوفيقهم إليها، فهم فيها يلهمون التسبيح، كالنفس بلا تكليف كما ألهمه الملائكة فى كل زمان، لأنه لا تكليف فى الآخرة، أو ذكر الحمد، فى الآخرة، وحذف أن له ما فيها، وذكر أن له ما فى السماوات وما فى الأرض، ولم يذكر أن الحمد له فى الدنيا، فذكر فى كل واحد ما حذف من الأخرى، أو قل: حذف فى كل واحدة ما ذكر فى الأخرى، وذلك احتباك، وأصله الحمد لله إلخ فى الدنيا، وله ما فى الآخرة، والحمد فيها إلا أن تعليل الحمد بأن له ما فى السماوات إلخ كانص فى ذكر أن الحمد فى الدنيا، قيل: لا مانع من أنه أطلق الحمد أولا، ولم يقيده بزمان ليعم الحمد فى الدنيا عل نعم الآخرة، وفيه أن ذكر الدنيا لا يوجب أن الحمد فيها على نعمها فقط، بل قابل للحمد فيها على نعم الآخرة، وعلى ما يوصل إليها. ويجوز أن يكون المعنى: هو المحمود على نعم الدنيا، كما هو المحمود على نعم الآخرة، وقدم له للحصر لأن نعم الدنيا قد تكون بواسطة من يستحق الحمد لأجلها، بخلاف إعطاء نعم الآخرة وإحضارها فى يد أهلها، أى لا حمد الإله فى الآخرة، لأنه لا محضر للنعم فيها لأهلها إلا هو بلا واسطة، أو بواسطة الملائكة، وإن اعتبرت أسبابها، وأنها تكون بواسطة مرشدك إلى ما هو عبادة، فالتقديم للاعتناء بنعم الآخرة، وشأن الآخرة، وهكذا قل لا ما تجده مخالفا له من أن اللام تفيد الحصر، والتقديم مؤكد لهذا الحصر. {وهُو الحَكِيم} الذى أتقن الدارين بحيث إنه لا نقص بما لم يفعل ولا زيادة على ما فعل {الخَبيرُ} بدقائق الأشياء كظواهرها، فهو محمود بالصفات، كما هو محمود بالأفعال كإنعامه كما مر قريباً، لأن الحكمة، والخبرة ذاتيتان.
الالوسي
تفسير : {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى لَهُ مَا فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ } أي له عز وجل خلقاً وملكاً وتصرفاً بالإيجاد والإعدام والإحياء والإماتة جميع ما وجد فيهما داخلاً في حقيقتهما أو خارجاً عنهما متمكناً فيهما فكأنه قيل: له هذا العالم بالأسر، ووصفه تعالى بذلك على ما قاله أبو السعود لتقرير ما أفاده تعليق الحمد المعرف بلام الحقيقة عند أرباب التحقيق بالاسم الجليل من اختصاص جميع أفراد المخلوقات به عز وجل ببيان تفرده تعالى واستقلاله بما يوجب ذلك وكون كل ما سواه سبحانه من الموجودات التي من جملتها الإنسان تحت ملكوته تعالى ليس لها في حد ذاتها استحقاق الوجود فضلاً عما عداه من صفاتها بل كل ذلك نعم فائضة عليها من جهته عز وجل فما هذا شأنه فهو بمعزل من استحقاق الحمد الذي مداره الجميل الصادر عن القادر بالاختيار فظهر اختصاص جميع أفراده به تعالى، وفي الوصف بما ذكر أيضاً إيذان بأنه تعالى المحمود على نعم الدنيا حيث عقب الحمد بما تضمن جميع النعم الدنيوية فيكون الكلام نظير قولك: أحمد أخاك الذي حملك وكساك فإنك تريد به احمده على حملانه وكسوته. وفي عطف قوله تعالى: {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلأَخِرَةِ } على الصلة كما هو الظاهر إيذان بأنه سبحانه المحمود على نعم الآخرة ليتلاءم الكلام، وفي تقييد الحمد فيه بأن محله الآخرة إيذان بأن محل الحمد الأول الدنيا لذلك أيضاً فتفيد الجملتان أنه عز وجل المحمود على نعم الدنيا فيها وأنه تبارك وتعالى المحمود على نعم الآخرة فيها، وجوز أن يكون في الكلام صنعة الاحتباك وأصله الحمدلله الخ في الدنيا وله ما في الآخرة والحمد فيها فأثبت في كل منهما ما حذف من الآخر. وقال أبو السعود: إن الجملة الثانية لاختصاص الحمد الأخروي به تعالى إثر بيان اختصاص الدنيوي به سبحانه على أن {فِى ٱلأَخِرَةِ } متعلق بنفس الحمد أو بما تعلق به {لَهُ } من الاستقرار، وإطلاقه عن ذكر ما يشعر بالمحمود عليه ليس للاكتفاء بذكر كونه في الآخرة عن التعيين كما اكتفى فيما سبق بذكر كون المحمود عليه في الدنيا عن ذكر كون الحمد فيها أيضاً بل ليعم النعم الأخروية كما في قوله تعالى: {أية : ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء }تفسير : [الزمر: 74] وقوله تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِى أَذْهَبَ عَنَّا ٱلْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * ٱلَّذِى أَحَلَّنَا دَارَ ٱلْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ } تفسير : [فاطر: 34ـ35] وما يكون ذريعة إلى نيلها من النعم الدنيوية كما في قوله تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَانَا لِهَـٰذَا }تفسير : [الأعراف: 43] أي لما جزاؤه هذا النعيم من الإيمان والعمل الصالح. وأنت تعلم أن المتبادر إلى الذهن هو ما قرر أولاً. والفرق بين الحمدين مع كون نعم الدنيا ونعم الآخرة بطريق التفضل أن الأول على نهج العبادة والثاني على وجه التلذذ والاغتباط، وقد ورد في الخبر أن أهل الجنة يلهمون التسبيح كما يلهمون النفس، وقول الزمخشري: «إن الأول واجب لأنه على نعمة متفضل بها والثاني ليس بواجب لأنه على نعمة واجبة الإيصال إلى مستحقها» مبني على رأي المعتزلة على أن قوله: لأنه على نعمة واجبة الإيصال ليس على إطلاقه عندهم لأن ما يعطي الله تعالى العباد في الآخرة ليس مقصوراً على الجزاء عندهم بل بعض ذلك تفضل وبعضه أجر. وتقديم الخبر في الجملة الثانية لتأكيد الحصر المستفاد من اللام على ما هو الشائع اعتناء بشأن / نعم الآخرة، وقيل: للاختصاص لأن النعم الدنيوية قد تكون بواسطة من يستحق الحمد لأجلها ولا كذلك نعم الآخرة، وكأنه أراد لتأكيد الاختصاص أو بني الأمر على أن الاختصاص المستفاد من اللام بمعنى الملابسة التامة لا الحصر كما فصله الفاضل اليمني، وأما أنه أراد لاختصاص الاختصاص فكما ترى، ويرد على قوله: ولا كذلك نعم الآخرة {أية : عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا }تفسير : [الإسراء: 79] فتأمل. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ } الذي أحكم أمر الدارين ودبره حسبما تقتضيه الحكمة {ٱلْخَبِيرُ } العالم ببواطن الأشياء ومكنوناتها ويلزم من ذلك علمه تعالى بغيرها، وعمم بعضهم من أول الأمر وما ذكر مبني على ما قاله بعض أهل اللغة من أن الخبرة تختص بالبواطن لأنها من خبر الأرض إذا شقها. وفي هذه الفاصلة إيذان بأنه تعالى كما يستحق الحمد لأنه سبحانه منعم يستحقه لأنه جل شأنه منعوت بالكمال الاختياري وتكميل معنى كونه تعالى منعماً أيضاً بأنه على وجه الحكمة والصواب وعن علم بموضع الاستحقاق والاستيجاب لا كمن يطلق عليه أنه منعم مجازاً.
سيد قطب
تفسير : موضوعات هذه السورة المكية هي موضوعات العقيدة الرئيسية: توحيد الله، والإيمان بالوحي، والاعتقاد بالبعث. وإلى جوارها تصحيح بعض القيم الأساسية المتعلقة بموضوعات العقيدة الرئيسية. وبيان أن الإيمان والعمل الصالح ـ لا الأموال ولا الأولاد ـ هما قوام الحكم والجزاء عند الله. وأنه ما من قوة تعصم من بطش الله؛ وما من شفاعة عنده إلا بإذنه. والتركيز الأكبر في السورة على قضية البعث والجزاء؛ وعلى إحاطة علم الله وشموله ولطفه. وتتكرر الإشارة في السورة إلى هاتين القضيتين المترابطتين بطرق منوعة، وأساليب شتى؛ وتظلل جو السورة كله من البدء إلى النهاية. فعن قضية البعث يقول: {وقال الذين كفروا: لا تأتينا الساعة. قل بلى وربي لتأتينكم}.. وعن قضية الجزاء يقول: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أولئك لهم مغفرة ورزق كريم. والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم}.. وفي موضع آخر قريب في سياق السورة: {وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد؟ أفترى على الله كذباً أم به جنة؟ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد}. ويورد عدة مشاهد للقيامة، وما فيها من تأنيب للمكذبين بها، ومن صور العذاب الذي كانوا يكذبون به، أو يشكون في وقوعه كهذا المشهد: {أية : ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول. يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا: لولا أنتم لكنا مؤمنين. قال الذين استكبروا للذين استضعفوا: أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم؟ بل كنتم مجرمين. وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا: بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً. وأسروا الندامة لما رأوا العذاب، وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا. هل يجزون إلا ما كانوا يعملون؟ }.. تفسير : وتتكرر هذه المشاهد وتتوزع في السورة وتختم بها كذلك: {أية : ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب. وقالوا: آمنا به. وأنى لهم التناوش من مكان بعيد؟ وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل. إنهم كانوا في شك مريب }. تفسير : وعن قضية العلم الإلهي الشامل يرد في مطلع السورة: {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها}.. ويرد تعقيباً على التكذيب بمجيء الساعة: {قل: بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين}.. ويرد قرب ختام السورة: {أية : قل: إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب }.. تفسير : وفي موضوع التوحيد تبدأ السورة بالحمد لله {الذي له ما في السماوات وما في الأرض، وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير}.. ويتحداهم مرات في شأن الشركاء الذين يدعونهم من دون الله: {أية : قل: ادعوا الذين زعمتم من دون الله، لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وما لهم فيهما من شرك، وما له منهم من ظهير }.. تفسير : وتشير الآيات إلى عبادتهم للملائكة وللجن وذلك في مشهد من مشاهد القيامة: {أية : ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة: أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون؟ قالوا: سبحانك! أنت ولينا من دونهم. بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون }. تفسير : وينفي ما كانوا يظنونه من شفاعة الملائكة لهم عند ربهم: {أية : ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له، حتى إذا فزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير }.. تفسير : وبمناسبة عبادتهم للشياطين ترد قصة سليمان وتسخير الجن له، وعجزهم عن معرفة موته: {أية : فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته. فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين }.. تفسير : وفي موضوع الوحي والرسالة يرد قوله: {أية : وقال الذين كفروا: لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه}..تفسير : وقوله: {أية : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا: ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم. وقالوا: ما هذا إلا إفك مفترى، وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم: إن هذا إلا سحر مبين }.. تفسير : ويرد عليهم بتقرير الوحي والرسالة: {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق، ويهدي إلى صراط العزيز الحميد}.. {أية : وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً. ولكن أكثر الناس لا يعلمون }.. تفسير : وفي موضوع تقرير القيم يرد قوله: {أية : وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها: إنا بما أرسلتم به كافرون. وقالوا: نحن أكثر أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذبين. قل: إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحاً، فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون. والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون }.. تفسير : ويضرب على هذا أمثلة من الواقع التاريخي في هذه الأرض: قصة آل داود الشاكرين على نعمة الله. وقصة سبأ المتبطرين الذين لا يشكرون. وما وقع لهؤلاء وهؤلاء. وفيه مصداق مشهود للوعد والوعيد. هذه القضايا التي تعالجها السور المكية في صور شتى، تعرض في كل سورة في مجال كوني، مصحوبة بمؤثرات منوعة، جديدة على القلب في كل مرة. ومجال عرضها في سورة سبأ هذه هو ذلك المجال، ممثلاً في رقعة السماوات والأرض الفسيحة، وفي عالم الغيب المجهول المرهوب. وفي ساحة الحشر الهائلة العظيمة. وفي أعماق النفس المطوية اللطيفة. وفي صحائف التاريخ المعلومة والمجهولة، وفي مشاهد من ذلك التاريخ عجيبة غريبة. وفي كل منها مؤثر موح للقلب البشري، موقظ له من الغفلة والضيق والهمود. فمنذ افتتاح السورة وهي تفتح على هذا الكون الهائل؛ وعلى صحائفه وما فيها من آيات الله، وعلى مجالي علمه اللطيف الشامل الدقيق الهائل: {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وما ينزل من السماء وما يعرج فيها}.. {وقال الذين كفروا: لا تأتينا الساعة. قل: بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين}.. والذين يكذبون بالآخرة يتهددهم بأحداث كونية ضخمة: {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض؟ إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء. إن في ذلك لآية لكل عبد منيب}.. والذين يعبدون من دون الله ملائكة أو جناً يقفهم وجهاً لوجه أمام الغيب المرهوب في الملأ الأعلى: {أية : ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له. حتى إذا فزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق. وهو العلي الكبير }.. تفسير : أو يواجههم بالملائكة في ساحة الحشر حيث لا مجال للمواربة والمجادلة: {أية : ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة: أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون.. الخ }. تفسير : والمكذبون لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذين يتهمونه بالافتراء أو أن به جنة يقفهم أمام فطرتهم، وأمام منطق قلوبهم بعيداً عن الغواشي والمؤثرات المصطنعة: {أية : قل: إنما أعظكم بواحدة. أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا. ما بصاحبكم من جنة. إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد }.. تفسير : وهكذا تطوف السورة بالقلب البشري في تلك المجالات المتنوعة، وتواجهه بتلك المؤثرات الموحية الموقظة. حتى تنتهي بمشهد عنيف أخاذ من مشاهد القيامة كما أسفلنا.. ويجري سياق السورة في عرض موضوعاتها في تلك المجالات وتحت تلك المؤثرات في جولات قصيرة متلاحقة متماسكة؛ يمكن تقسيمها إلى خمسة أشواط؛ لتيسير عرضها وشرحها. وإلا فإنه ليس بينها فواصل تحددها تحديداً دقيقاً.. وهذا هو طابع السورة الذي يميزها.. تبدأ السورة بالحمد لله، المالك لما في السموات والأرض المحمود في الآخرة، وهو الحكيم الخبير. وتقرر علمه الشامل الدقيق لما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها. وتحكي إنكار الذين كفروا لمجيء الساعة ورد الله عليهم بتوكيد مجيئها، وعلم الله الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر. ليتم جزاء المؤمنين وجزاء الذين يسعون في آيات الله معاجزين، عن علم دقيق. وتثبت رأي أولي العلم الحقيقي الذين يشهدون أن ما أنزل الله لنبيه هو الحق. وتحكي عجب الذين كفروا من قضية البعث، وترد عليهم بأنهم في العذاب والضلال البعيد؛ وتهددهم بخسف الأرض من تحتهم أو إسقاط السماء كسفاً عليهم.. وبذلك ينتهي الشوط الأول. فأما الشوط الثاني فيتناول طرفاً من قصة آل داود الشاكرين لله على نعمته، بتسخير قوى كثيرة لداود وسليمان بإذن الله. غير متبطرين ولا مستكبرين، ومن هذه القوى المسخرة الجن الذين كان يعبدهم بعض المشركين، ويستفتونهم في أمر الغيب. وهم لا يعلمون الغيب. وقد ظلوا يعملون لسليمان عملاً شاقاً مهيناً بعد موته وهم لا يعلمون.. وفي مقابل قصة الشكر تجيء قصة البطر. قصة سبأ. وما كانوا فيه من نعيم لم يشكروه: {أية : فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق}.. تفسير : وذلك أنهم اتبعوا الشيطان، وما كان له عليهم من سلطان، لولا أنهم أعطوه قيادهم مختارين! ويبدأ الشوط الثالث بتحدي المشركين أن يدعوا الذين يزعمونهم آلهة من دون الله. وهم {أية : لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير}. تفسير : وهم لا يملكون لهم شفاعة عند الله ـ ولو كانوا من الملائكة ـ فالملائكة يتلقون أمر الله بالخشوع الراجف؛ ولا يتحدثون حتى يزول عنهم الفزع والارتجاف العميق.. ويسألهم عمن يرزقهم من السماوات والأرض. والله مالك السماوات والأرض، وهو الذي يرزقهم بلا شريك.. ثم يفوض أمره وأمرهم إلى الله، وهو الذي يفصل فيما هم مختلفون. ويختم هذا الشوط بالتحدي كما بدأه، أن يروه الذين يلحقونهم بالله شركاء. {أية : كلا بل هو الله العزيز الحكيم }.. تفسير : والشوط الرابع والشوط الخامس يعالجان معاً قضية الوحي والرسالة، وموقفهم منها، وموقف المترفين من كل دعوة، واعتزازهم بأموالهم وأولادهم؛ ويقرران القيم الحقيقية التي يكون عليها الحساب والجزاء، وهي قيم الإيمان والعمل الصالح لا الأموال والأولاد. ويعرضان مصائر المؤمنين والمكذبين في عدة مشاهد متنوعة من مشاهد القيامة، يتبرأ فيها التابعون من المتبوعين. كما يتبرأ فيها الملائكة من عبادة الضالين المشركين.. ويدعوهم بين هذه المشاهد إلى أن يرجعوا إلى فطرتهم يستلهمونها مجردة عن الهوى وعن الضجيج في أمر هذا الرسول الذي يندفعون في تكذيبه بلا دليل. وهو لا يطلب إليهم أجراً على الهدى، وليس بكاذب ولا مجنون.. ويختم كل من الشوطين بمشهد من مشاهد القيامة. وتنتهي السورة بإيقاعات قصيرة قوية: {أية : قل: إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب. قل: جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد. قل: إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إليّ ربي إنه سميع قريب}.. تفسير : وتختم بمشهد من مشاهد القيامة قصير الخطى قوي عنيف. والآن نأخذ بعد هذا العرض الإجمالي في التفصيل.. {الحمد لله، الذي له ما في السماوات، وما في الأرض، وله الحمد في الآخرة، وهو الحكيم الخبير. يعلم ما يلج في الأرض، وما يخرج منها، وما ينزل من السماء، وما يعرج فيها، وهو الرحيم الغفور}.. ابتداء السورة التي تستعرض إشراك المشركين بالله، وتكذيبهم لرسوله، وشكهم في الآخرة، واستبعادهم للبعث والنشور. ابتداء بالحمد لله. والله محمود لذاته ـ ولو لم يقم بحمده أحد من هؤلاء البشر ـ وهو محمود في هذا الوجود الذي يسبح بحمده، ومحمود من شتى الخلائق ولو شذ البشر عن سائر خلائق الله. ومع الحمد صفة الملك لما في السماوات وما في الأرض؛ فليس لأحد معه شيء، وما لأحد في السماوات والأرض من شرك، فله ـ سبحانه ـ كل شيء فيهما.. وهذه هي القضية الأولى في العقيدة. قضية التوحيد. والمالك لكل شيء هو الله الذي لا مالك لشيء سواه في هذا الكون العريض. {وله الحمد في الآخرة}.. الحمد الذاتي. والحمد المرتفع من عباده. حتى ممن كانوا يجحدونه في الدنيا، أو يشركون معه غيره عن ضلالة، تتكشف في الآخرة، فيتمحض له الحمد والثناء. {وهو الحكيم الخبير}.. الحكيم الذي يفعل كل ما يفعل بحكمة؛ ويصرف الدينا والآخرة بحكمة؛ ويدبر أمر الوجود كله بحكمة.. الخبير الذي يعلم بكل شيء، وبكل أمر، وبكل تدبير علماً كاملاً شاملاً عميقاً يحيط بالأمور. ثم يكشف صفحة من صحائف علم الله، مجالها الأرض والسماء: {يعلم ما يلج في الأرض، وما يخرج منها، وما ينزل من السماء، وما يعرج فيها}.. ويقف الإنسان أمام هذه الصفحة المعروضة في كلمات قليلة، فإذا هو أمام حشد هائل عجيب من الأشياء، والحركات، والأحجام، والأشكال، والصور، والمعاني، والهيئات، لا يصمد لها الخيال! ولو أن أهل الأرض جميعاً وقفوا حياتهم كلها يتتبعون ويحصون ما يقع في لحظة واحدة، مما تشير إليه الآية لأعجزهم تتبعه وإحصاؤه عن يقين! فكم من شيء في هذه اللحظة الواحدة يلج في الأرض؟ وكم من شيء في هذه اللحظة يخرج منها؟ وكم من شيء في هذه اللحظة ينزل من السماء؟ وكم من شيء في هذه اللحظة يعرج فيها؟ كم من شيء يلج في الأرض؟ كم من حبة تختبئ أو تخبأ في جنبات هذه الأرض؟ كم من دودة ومن حشرة ومن هامة ومن زاحفة تلج في الأرض في أقطارها المترامية؟ كم من قطرة ماء ومن ذرة غاز، ومن إشعاع كهرباء تندس في الأرض في أرجائها الفسيحة؟ وكم وكم مما يلج في الأرض وعين الله عليه ساهرة لا تنام؟ وكم يخرج منها؟ كم من نبتة تنبثق؟ وكم من نبع يفور؟ وكم من بركان يتفجر؟ وكم من غاز يتصاعد؟ وكم من مستور ينكشف؟ وكم من حشرة تخرج من بيتها المستور؟ وكم وكم مما يرى ومما لا يرى، ومما يعلمه البشر ومما يجهلونه وهو كثير؟ وكم مما ينزل من السماء؟ كم من نقطة مطر؟ وكم من شهاب ثاقب؟ وكم من شعاع محرق. وكم من شعاع منير؟ وكم من قضاء نافذ ومن قدر مقدور؟ وكم من رحمة تشمل الوجود وتخص بعض العبيد. وكم من رزق يبسطه الله لمن يشاء من عباده ويقدر.. وكم وكم مما لا يحصيه إلا الله. وكم مما يعرج فيها؟ كم من نفس صاعد من نبات أو حيوان أو إنسان أو خلق آخر مما لا يعرفه الإنسان؟ وكم من دعوة إلى الله معلنة أو مستسرة لم يسمعها إلا الله في علاه. وكم من روح من أرواح الخلائق التي نعلمها أو نجهلها متوفاة. وكم من ملك يعرج بأمر من روح الله. وكم من روح يرف في هذا الملكوت لا يعلمه إلا الله. ثم كم من قطرة بخار صاعدة من بحر، ومن ذرة غاز صاعدة من جسم؟ وكم وكم مما لا يعلمه سواه؟! كم في لحظة واحدة؟ وأين يذهب علم البشر وإحصاؤهم لما في اللحظة الواحدة ولو قضوا الأعمار الطوال في العد والإحصاء؟ وعلم الله الشامل الهائل اللطيف العميق يحيط بهذا كله في كل مكان وفي كل زمان.. وكل قلب وما فيه من نوايا وخواطر وما له من حركات وسكنات تحت عين الله، وهو مع هذا يستر ويغفر.. {وهو الرحيم الغفور}.. وإن آية واحدة من القرآن كهذه الآية لمما يوحي بأن هذا القرآن ليس من قول البشر. فمثل هذا الخاطر الكوني لا يخطر بطبيعته على قلب بشر؛ ومثل هذا التصور الكوني لا دافع إليه من طبيعة تصور البشر، ومثل هذه الإحاطة باللمسة تتجلى فيها صنعة الله بارئ هذا الوجود! التي لا تشبهها صنعة العبيد! وبعد تقرير تلك الحقيقة في تلك الصورة الرائعة الواسعة المدى الفسيحة المجال يحكي إنكار الذين كفروا بمجيء الساعة؛ وهم القاصرون الذين لا يعلمون ماذا يأتيهم بعد الغد؛ والله هو العليم بالغيب؛ الذي لا يند عن علمه شيء في السماء ولا في الأرض؛ والساعة لا بد منها ليلاقي المحسن والمسيء جزاء ما قدما في هذه الأرض: {وقال الذين كفروا: لا تأتينا الساعة: قل: بلى وربي لتأتينكم، عالم الغيب، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين. ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم. والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم}.. وإنكار الذين كفروا للآخرة ناشئ من عدم إدراكهم لحكمة الله وتقديره. فحكمة الله لا تترك الناس سدى، يحسن منهم من يحسن ويسيء منهم من يسيء؛ ثم لا يلقى المحسن جزاء إحسانه، ولا يلقى المسيء جزاء إساءته. وقد أخبر الله على لسان رسله: أنه يستبقي الجزاء كله أو بعضه للآخرة. فكل ما يدرك حكمة الله في خلقه يدرك أن الآخرة ضرورية لتحقيق وعد الله وخبره.. ولكن الذين كفروا محجوبون عن تلك الحكمة. من ثم يقولون قولتهم هذه: {لا تأتينا الساعة}.. فيرد عليهم مؤكداً جازماً: {قل: بلى وربي لتأتينكم}.. وصدق الله تعالى وصدق رسول الله ـ عليه صلوات الله ـ وهم لا يعلمون الغيب ومع ذلك يتأولون على الله، ويجزمون بما لا علم لهم به. والله الذي يؤكد مجيء الساعة هو: {عالم الغيب}.. فقوله الحق عن علم بما هنالك وعن يقين. ثم يعرض هذا العلم في صورة كونية كالتي سبقت في مطلع السورة، تشهد هي الأخرى بأن هذا القرآن لا يكون من صنع بشر، لأن خيال البشر لا تخطر له عادة مثل هذه الصور: {لا يعزب عنه مقال ذرة في السماوات ولا في الأرض؛ ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين}.. ومرة أخرى نقول: إن طبيعة هذا التصور ليست بشرية. وإنه ليست لها سابقة في كلام البشر شعره ونثره على السواء. فعندما يتحدث البشر عن شمول العلم ودقته وإحاطته لا يخطر على بالهم أن يصوروه في هذه الصورة الكونية العجيبة: {لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر...}.. ولست أعرف في كلام البشر اتجاهاً إلى مثل هذا التصور للعلم الدقيق الشامل. فهو الله، سبحانه، الذي يصف نفسه، ويصف علمه، بما يعلم من الأوصاف التي لا تخطر للبشر! وبذلك يرفع تصور المسلمين لإلههم الذي يعبدونه فيعرفونه بصفته في حدود طاقتهم البشرية المحدودة على كل حال. وأقرب تفسير لقوله تعالى: {إلا في كتاب مبين} أنه علم الله الذي يقيد كل شيء، ولا يند عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر. ونقف أمام لفتة في قوله تعالى: {مثقال ذرة.. ولا أصغر من ذلك}. والذرة كان معروفاً ـ إلى عهد قريب ـ أنها أصغر الأجسام. فالآن يعرف البشر ـ بعد تحطيم الذرة ـ أن هناك ما هو أصغر من الذرة، وهو جزيئاتها التي لم تكن في حسبان أحد يومذاك! وتبارك الله الذي يعلم عباده ما يشاء من أسرار صفته ومن أسرار خلقه عندما يشاء. مجيء الساعة حتماً وجزماً، وعلمه الذي لا تند عنه صغيرة ولا كبيرة: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات. أولئك لهم مغفرة ورزق كريم. والذين سعوا في آياتنا معاجزين، أولئك لهم عذاب من رجز أليم}.. فهناك حكمة وقصد وتدبير. وهناك تقدير في الخلق لتحقيق الجزاء الحق للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وللذين سعوا في آيات الله معاجزين.. فأما الذين آمنوا وحققوا إيمانهم بالعمل الصالح فلهم {مغفرة} لما يقع منهم من خطايا ولهم {رزق كريم} والرزق يجيء ذكره كثيراً في هذه السورة، فناسب أن يعبر عن نعيم الآخرة بهذا الوصف، وهو رزق من رزق الله على كل حال. وأما الذين سعوا باذلين جهدهم للصد عن آيات الله، فلهم عذاب من أليم العذاب وسيئه. والرجز هو العذاب السيّئ. جزاء اجتهادهم ومعاجزتهم وكدهم في سبيل السوء! وبهذا وذلك تتحقق حكمة الله وتدبيره، وحكمة الساعة التي يجزمون بأنها لا تأتيهم؛ وهي لا بد أن تجيء.. وبمناسبة جزمهم بأن الساعة لا تأتيهم ـ وهي غيب من غيب الله ـ وتأكيد الله لمجيئها ـ وهو عالم الغيب ـ وتبليغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما أمره ربه بتبليغه من أمرها يقرر أن {الذين أوتوا العلم} يدركون ويشهدون بأن ما جاءه من ربه هو الحق وأنه يهدي إلى طريق العزيز الحميد: {ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق، ويهدي إلى صراط العزيز الحميد}.. وقد ورد أن المقصود بالذين أوتوا العلم هم أهل الكتاب، الذين يعلمون من كتابهم أن هذا القرآن هو الحق، وأنه يقود إلى صراط العزيز الحميد. ومجال الآية أكبر وأشمل. فالذين أوتوا العلم في أي زمان وفي أي مكان، من أي جيل ومن أي قبيل، يرون هذا متى صح علمهم واستقام؛ واستحق أن يوصف بأنه {العلم}! والقرآن كتاب مفتوح للأجيال. وفيه من الحق ما يكشف عن نفسه لكل ذي علم صحيح. وهو يكشف عن الحق المستكن في كيان هذا الوجود كله. وهو أصدق ترجمة وصفية لهذا الوجود وما فيه من حق أصيل. {ويهدي إلى صراط العزيز الحميد}.. وصراط العزيز الحميد هو المنهج الذي أراده للوجود؛ واختاره للبشر لينسق خطاهم مع خطى هذا الكون الذي يعيشون فيه. وهو الناموس الذي يهيمن على أقدار هذا الكون كله، بما فيه من الحياة البشرية التي لا تنفصل في أصلها ونشأتها، ولا في نظامها وحركتها عن هذا الكون وما فيه ومن فيه. يهدي إلى صراط العزيز الحميد بما ينشئه في إدراك المؤمن من تصور للوجود وروابطه وعلاقاته وقيمه؛ ومكان هذا الإنسان منه، ودوره فيه؛ وتعاون أجزاء هذا الكون من حوله ـ وهو معها ـ في تحقيق مشيئة الله وحكمته في خلقه؛ وتناسق حركات الجميع وتوافقها في الاتجاه إلى بارئ الوجود. ويهدي إلى صراط العزيز الحميد بتصحيح منهج التفكير، وإقامته على أسس سليمة، متفقة مع الإيقاعات الكونية على الفطرة البشرية؛ بحيث يؤدي هذا المنهج بالفكر البشري إلى إدراك طبيعة هذا الكون وخواصه وقوانينه، والاستعانة بها، والتجاوب معها بلا عداء ولا اصطدام ولا تعويق. ويهدي إلى صراط العزيز الحميد بمنهجه التربوي الذي يعد الفرد للتجاوب والتناسق مع الجماعة البشرية. ويعد الجماعة البشرية للتجاوب والتناسق ـ أفراداً وجماعات ـ مع مجموعة الخلائق التي تعمر هذا الكون! ويعد هذه الخلائق كلها للتجاوب والتناسق مع طبيعة الكون الذي تعيش فيه.. كل ذلك في بساطة ويسر ولين. ويهدي إلى صراط العزيز الحميد بما فيه من نظم وتشريعات مستقيمة مع فطرة الإنسان وظروف حياته ومعاشه الأصيلة، متناسقة مع القوانين الكلية التي تحكم بقية الأحياء، وسائر الخلائق؛ فلا يشذ عنها الإنسان بنظمه وتشريعاته. وهو أمة من هذه الأمم في نطاق هذا الكون الكبير. إن هذا الكتاب هو الدليل إلى هذا الصراط. الدليل الذي وضعه خالق الإنسان وخالق الصراط، العارف بطبيعة هذا وذاك. وإنك لتكون حسن الطالع وأنت تقوم برحلة في طريق لو حصلت على دليل من وضع المهندس الذي أنشأ هذا الطريق. فكيف بمنشئ الطريق ومنشئ السالك في الطريق؟! وبعد هذه اللمسة الموقظة الموجهة يستأنف حكاية حديثهم عن البعث، ودهشتهم البالغة لهذا الأمر، الذي يرونه عجيباً غريباً، لا يتحدث به إلا من أصابه طائف من الجن، فهو يتفوه بكل غريب عجيب، أو يفتري الكذب ويقول بما لا يمكن أن يكون. {وقال الذين كفروا: هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد! أفترى على الله كذباً أم به جنة؟ بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد}.. إلى هذا الحد من الاستغراب والدهش كانوا يقابلون قضية البعث. فيعجبون الناس من أمر القائل بها في أسلوب حاد من التهكم والتشهير: {هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد؟} هل ندلكم على رجل عجيب غريب، ينطق بقول مستنكر بعيد، حتى ليقول: إنكم بعد الموت والبلى والتمزق الشديد تخلقون من جديد، وتعودون للوجود؟! ويمضون في العجب والتعجيب، والاستنكار والتشهير: {أفترى على الله كذباً أم به جنة؟}.. فما يقول مثل هذا الكلام ـ بزعمهم ـ إلا كاذب يفتري على الله ما لم يقله، أو مسته الجن فهو يهذي أو ينطق بالعجيب الغريب! ولم هذا كله؟ لأنه يقول لهم: إنكم ستخلقون خلقاً جديداً! وفيم العجب وهم قد خلقوا ابتداء؟ إنهم لا ينظرون هذه العجيبة الواقعة. عجيبة خلقهم الأول. ولو قد نظروها وتدبروها ما عجبوا أدنى عجب للخلق الجديد. ولكنهم ضالون لا يهتدون. ومن ثم يعقب على تشهيرهم وتعجيبهم تعقيباً شديداً مرهوباً: {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد}.. وقد يكون المقصود بالعذاب الذي هم فيه عذاب الآخرة، فهو لتحققه كأنهم واقعون فيه، وقوعهم في الضلال البعيد الذي لا يرجى معه اهتداء.. وقد يكون هذا تعبيراً عن معنى آخر. معنى أن الذين لا يؤمنون بالآخرة يعيشون في عذاب كما يعيشون في ضلال. وهي حقيقة عميقة. فالذي يعيش بلا عقيدة في الآخرة يعيش في عذاب نفسي. لا أمل له ولا رجاء في نصفة ولا عدل ولا جزاء ولا عوض عما يلقاه في الحياة. وفي الحياة مواقف وابتلاءات لا يقوى الإنسان على مواجهتها إلا وفي نفسه رجاء الآخرة، وثوابها للمحسن وعقابها للمسيء. وإلا ابتغاء وجه الله والتطلع إلى رضاه في ذلك العالم الآخر، الذي لا تضيع فيه صغيرة ولا كبيرة؛ وإن تكن مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله. والذي يحرم هذه النافذة المضيئة الندية المريحة يعيش ولا ريب في العذاب كما يعيش في الضلال. يعيش فيهما وهو حي على هذه الأرض قبل أن يلقى عذاب الآخرة جزاء على هذا العذاب الذي لقيه في دنياه! إن الاعتقاد بالآخرة رحمة ونعمة يهبهما الله لمن يستحقهما من عباده بإخلاص القلب، وتحري الحق، والرغبة في الهدى. وأرجح أن هذا هو الذي تشير إليه الآية، وهي تجمع على الذين لا يؤمنون بالآخرة بين العذاب والضلال البعيد. هؤلاء المكذبون بالآخرة يوقظهم بعنف على مشهد كوني يصور لهم أنه واقع بهم ـ لو شاء الله ـ وظلوا هم في ضلالهم البعيد. مشهد الأرض تخسف بهم والسماء تتساقط قطعاً عليهم: {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض؟ إن نشأ نخسف بهم الأرض، أو نسقط عليهم كسفاً من السماء. إن في ذلك لآية لكل عبد منيب}.. وهو مشهد كوني عنيف، منتزع في الوقت ذاته من مشاهداتهم أو من مدركاتهم المشهودة على كل حال. فخسف الأرض يقع ويشهده الناس. وترويه القصص والروايات أيضاً. وسقوط قطع من السماء يقع كذلك عند سقوط الشهب وحدوث الصواعق. وهم رأوا شيئاً من هذا أو سمعوا عنه. فهذه اللمسة توقظ الغفاة الغافلين، الذين يستبعدون مجيء الساعة. والعذاب أقرب إليهم لو أراد الله أن يأخذهم به في هذه الأرض قبل قيام الساعة. يمكن أن يقع بهم من هذه الأرض وهذه السماء التي يجدونها من بين أيديهم ومن خلفهم، محيطة بهم، وليست بعيدة عنهم بعد الساعة المغيبة في علم الله. ولا يأمن مكر الله إلا القوم الفاسقون. وفي هذا الذي يشهدونه من السماء والأرض، والذي يتوقع من خسف الأرض في أية لحظة أو سقوط قطع من السماء. في هذا آية للقلب الذي يرجع ويثوب: {إن في ذلك لآية لكل عبد منيب}.. لا يضل ذلك الضلال البعيد..
ابن عاشور
تفسير : افتتحت السورة بــــ{الحمد لله} للتنبيه على أن السورة تتضمن من دلائل تفرده بالإِلهية واتصافه بصفات العظمة ما يقتضي إنشاء الحمد له والإِخبار باختصاصه به. فجملة {الحمد لله} هنا يجوز كونها إخباراً بأن جنس الحمد مستحَق لله تعالى فتكون الّلام في قوله: {لله} لام الملك. ويجوز أن تكون إنشاء ثناء على الله على وَجه تعليم الناس أن يخصوه بالحمد فتكون اللام للتبيين لأن معنى الكلام: أحمد الله. وقد تقدم الكلام على { أية : الحمد لله } تفسير : في سورة الفاتحة (2)، وتقدم الكلام على تعقيبه باسم الموصول في أول سورة الأنعام وأول سورة الكهف. وهذه إحدى سور خمس مفتتحة بــــ{الحمد لله} وهنّ كلها مكية وقد وضعت في ترتيب القرآن في أوله ووسطه، والربع الأخير، فكانت أرباع القرآن مفتتحة بالحمد لله كان ذلك بتوفيق من الله أو توقيف. واقتضاء صلة الموصول أن ما في السماوات والأرض ملك لله تعالى يجعل هذه الصلة صالحة لتكون علة لإِنشاء الثناء عليه لأن مِلكه لما في السماوات وما في الأرض ملك حقيقي لأن سببه إيجادُ تلك المملوكات وذلك الإِيجادُ عمل جميل يستحق صاحبه الحمد، وأيضاً هو يتضمن نعماً جمة. وهي أيضاً تقتضي حمد المنعِم، لأن الحمد يكون للفضائل وللفواضِل؛ فما في السموات فإن منه مهابط أنوار حقيقية ومعنوية، فيها هدى حسِّي ونفساني، وإليه معارجَ للنفوس في مراتب الكمالات التي بها استقامة السِيَر، وإزالةُ الغِيَر، ونزول الغيوث بالمطر. وما في الأرض منه مسارح أنظار المتفكرين، ومنابت أرزاق المرتزقين، وميادين نفوس السائرين. وفي هذه الصلة تعريض بكفران المشركين الذين حمدوا أشياء ليس لها في هذه العوالم أدنى تأثير ولا لَها بما تحتوي عليه أدنى شعور، ونَسُوا حمد مالكها وسائر ما في السماوات والأرض. وجملة {وله الحمد في الآخرة} عطف على الصلة، أي والذي له الحمد في الآخرة، وهذا إنباء بأنه مالكُ الأمر كله في الآخرة. وفي هذا التحميد براعة استهلال الغرض من السورة. وتقديم المجرور لإِفادة الحصر، أي لا حمد في الآخرة إلا له، فلا تتوجه النفوس إلى حمد غيره لأن الناس يومئذٍ في عالم الحق فلا تلتبس عليهم الصور. واعلم أن جملة: {الحمد لله} وإن اقتضت قصر الحمد عليه تعالى قصراً مجازياً للمبالغة كما تقدم في سورة الفاتحة بناء على أن حمد غير الله للاعتداد بأن نعمة الله جرت على يديه، فلما شاع ذلك في جملة {الحمد لله} وأريد إفادة أن الحمد لله مقصور عليه تعالى في الآخرة حقيقة غيرت صيغة الحمد المألوفة إلى صيغة {له الحمد} لهذا الاعتبار، وهذا نظير معنى قوله تعالى: { أية : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار } تفسير : [غافر: 16]، فالمعنى: أن قصر الحمد عليه في الآخرة أحق لأن التصرفات يومئذٍ مقصورة عليه لا يلتبس فيها تصرفُ غيرهِ بتصرفه. ولما نيط حمده في الدنيا والآخرة بما اقتضى مرجعَ التصرفات إليه في الدارين أعقب ذلك بصفتي {الحكيم الخبير}، لأن الذي أوجد أحوال النشأتين هو العظيم الحكمة الخبير بدقائق الأشياء وأسرارها. فالحكمة: إتقان التصرف بالإِيجاد وضده، والخبرة تقتضي العلم بأوائل الأمور وعواقبها. والقرن بين الصفتين هنا لأن كل واحدة تدلّ على معنى أصلي ومعنى لزومي، وهما مختلفان، فالمعنى الأصلي للحكيم أنه متقن التصرف والصنع لأن الحكيم مشتق من الإِحكام وهو الإِتقان، وهو يستلزم العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه، والخبير هو العليم بدقائق الأشياء وظواهرها بالأولى بحيث لا يفوته شيء منها، وهو يستلزم التمكن من تصريفها، ففي التتميم بهذين الوصفين إيماء إلى أن المقصود من الجملة قبله استحماق الذين أقبلوا في شؤونهم على آلهة باطلة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ}. قد ذكرنا ما هو بمعناه من الآيات في أول سورة الفاتحة في الكلام على قوله: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الفاتحة: 2].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- الثناء كله حق لله - وحده - الذى له ما فى السموات وما فى الأرض خلقا ومُلْكا وتدبيرا، وله - وحده - الثناء فى الآخرة لملكه الشامل، وهو الحكيم الذى لا يخطئ، الخبير الذى لا يغيب عنه سر. 2- يعلم كل ما يدخل فى أجزاء الأرض كالماء والكنوز والدفائن وأجزاء الموتى، وكل ما يخرج منها كالحيوان والنبات والمعادن ومياه الآبار والعيون، ويعلم ما ينزل من السماء كالملائكة والكتب التى يَتَلَقَّاها الأنبياء والمطر والصواعق، وما يصعد فيها ويرقى إليها كالملائكة وأعمال العباد والأرواح، وهو الكثير الرحمة العظيم المغفرة. 3- وقال الذين كفروا: لا تأتينا الساعة الموعودة للبعث والنشور. قل لهم - أيها الرسول -: ستأتيكم، وربى لتأتينكم عالم الغيب لا يغيب عن علمه قدر ذرة فى السموات ولا فى الأرض، ولا أصغر من الذرة ولا أكبر منها إلا مسطور فى كتاب تام البيان. 4- ليثيب الله الذين آمنوا وعملوا الخير لأنفسهم وللناس، أولئك المؤمنون العاملون لهم من الله مغفرة تمحو ذنوبهم ورزق واسع لا مَنَّ فيه.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الحمد لله: أي الوصف بالجميل واجب لله مستحق له. الذي له ما في السماوات وما في الأرض: أي خلقاً وملكاً وتصريفاً وتدبيراً. وله الحمد في الآخرة: أي يحمده فيها أولياؤه وهم في رياض الجنان، كما له الحمد في الدنيا. وهو الحكيم الخبير: أي الحكيم في أفعاله الخبير بأحوال عباده. يعلم ما يلج في الأرض: أي ما يدخل فيها من مطر وأموات وكنوز. وما يخرج منها: أي من نبات وعيون ومعادن. وما ينزل من السماء: أي من ملائكة وأمطار وأرزاق ونحوها. وما يعرج فيها: أي وما يصعد فيها من ملائكة وأعمال العباد وأرواحهم بعد الموت. وهو الرحيم الغفور: أي الرحيم بالمؤمنين الغفور للتائبين. معنى الآيتين: يخبر تعالى عباده بأن له الحمد والشكر الكاملين التامين، دون سائر خلقه، فلا يحمد على الحقيقة إلا هو أما مخلوقاته فكل ما يُحمد له هو من عطاء الله تعالى لها وإفاضته عليها فلا يستحق الحمد على الحقيقة إلا الله، كما أخبر تعالى بموجب حمده وشكره وهو أن له ما في السماوات وما في الأرض خلقاً وملكاً وتدبيراً وتصريفاً وليس لأحد سواه من ذلك شيء هذا في الدنيا، {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ} إذ يكرم أولياءه فينزلهم دار السلام فيحمدونه على ذلك {أية : وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ} تفسير : [الزمر: 74] وقوله تعالى {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ} في تصريف أمور عباده وسائر مخلوقاته وتدبيرها الخبير بأحوالها العليم بصفاتها الظاهرة والباطنة. وقوله {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ} أي ما يدخل في الأرض من مطر وكنوز وأموات، {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} أي من الأرض من نبات ومعادن ومياه، وما ينزل من السماء من أمطار وملائكة وأرزاق، {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} أي يصعد من ملائكة وأعمال العباد. وهو مع القدرة والجلال والكمال هو وحده الرحيم بعباده المؤمنين الغفور للتائبين. بهذه الصفات الثابتة للذات الإِلهية وهي صفات جلال وجمال وكمال استحق الرب تعالى العبادة دون سواه فكل تأليه لغيره هو باطل ومنكر وزور يجب تركه والتخلي عنه، والتنديد بفاعله حتى يتركه ويتخلى عنه. هداية الآيتين: من هداية الآيتين: 1- وجوب حمد الله تعالى وشكره بالقلب واللسان والجوارح والأركان. 2- بيان أن الحمد لا يصح إلا مع مقتضيه من الجلال والجمال. 3- لا يحمد في الآخرة إلا الله سبحانه وتعالى. 4- بيان علم الله تعالى بالظواهر والبواطن في كل خلقه. 5- تقرير توحيد الله تعالى في ربوبيته وأُلوهيته.
القطان
تفسير : ما يلج في الارض: ما يدخل فيها. وما يعرج فيها: ما يصعد الى السماء. لا يعزب عنه: لا يغيب عنه. مثقال ذرة: ثقْل اصغر نملة. معاجزين: سابقين لإظهار عجزه. من رجز: الرِجزُ أشدّ العذاب، وله معان اخرى. صراط العزيز الحميد: طريق الهدى. الحمد لله وحده مالكِ الكون ومدبّره، وله الحمد في الآخرة على جميل إحسانه ورحمته وهو الحكيم الخبير ببواطن الأمور وجميع ما يدور في هذا الكون. إنه يعلم ما يدخل في جوف الأرض وما فيها من ماء وكنوز ومعادن وغير ذلك، وما يخرج منها كالحيوان والنبات ومياه الآبار والعيون، وما ينزل من السماء وما يصعد فيها ويرقى اليها، كالملائكة وأعمالِ العباد والأرواح والأبخرة والدخان وكل ما يطير ويحلّق في الأجواء.... لا تخفى عليه صغيرة ولا كبيرة مما يحصل في هذا الكون الواسع العجيب. وهو مع كثرة نِعمه وفضله، واسع الرحمة عظيم الغفران، بابُه مفتوح لكل تائب أواب. ومع كل هذا فقد أنكر الذين كفروا مجيء يوم القيامة، فقلْ لهم أيها الرسول: ستأتيكم الساعة وحقِّ ربي، عالمِ الغيب الذي لا يغيب عن علمه مقدارُ ذرّة في السماوات والارض، ولا أصغرُ من ذلك ولا اكبر.... وكل ذلك مسطور في كتاب مبين. والحكمةُ من البعث وإعادة الناس يوم القيامة أن يجزيَ الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويثيبهم خيراً ومغفرة ورزقاً كريما، ويثْبت للذين كفروا وسَعوا في الارض فسادا انهم كانوا خاطئين، وانهم في العذاب الأليم مخلدون. وهذا هو العدل من الله تعالى..... ينعُم السعداءُ المؤمنون, ويعذَّب الاشقياء الكافرون. إن الذين منّ الله عليهم بالعلم من اهل الكتاب وغيرهم يعلمون ان القرآن الذي أنزله عليك ربك يا محمد هو الحق الذي لا مرية فيه، وانه يهدي الى صراط العزيز الحميد وهو الاسلام، الدين القويم. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: علاّم الغيب، وقرأ أهل المدينة وابن عامر ورويس: عالِمُ الغيب برفع الميم. والباقون: عالِمِ الغيب بكسر الميم. وقرأ ابن كثير ويعقوب وحفص: من رجز أليمٌ برفع الميم صفة لعذاب، والباقون: بكسرها. وقرأ الكسائي وحده: لا يعزِب بكسر الزاي. والباقون: يعزب بضم الزاي.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {ٱلآخِرَةِ} (1) - يُمَجِّدُ اللهُ تَعَالى نَفْسَهُ الكَرِيمَةَ، وَيُخْبِرُ عِبَادَهُ بِأَنَّهُ هُوَ المُسْتَوْجِبُ الثَّنَاءَ المُطْلَقَ (الحَمْدُ) فِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ، وَفي السَّماوَاتِ والأَرضِ، لأََِنَّهُ الخَالِقُ الرَّازِقُ، المُتَفَضِّلُ عَلَى الخَلاَئِقِ، فِي الدُّنيا وَفي الآخِرَةِ، وَهُوَ المَالِكُ لِلوُجُودِ جَمِيعِه بِمَنْ فِيهِ وَمَا فِيهِ، وَهُوَ الحَاكِمُ المُتَصَرِّفُ فِيه، وَالجَميعُ تَحْتَ قَهرِهِ وَحُكْمِهِ، وَهُوَ الحَكِيمُ فِي شَرْعِهِ وَقَدَرِهِ وَتَدْبِيرِهِ، وَهُوَ الخَبِيرُ الذِي لاَ تَخْفَى عَلَيهِ خَافِيةٌ مِنْ أَحْوالِ الخَلْقِ.
الثعلبي
تفسير : قوله: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} وهو الوصف بالجميل على جهة التعظيم {ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ} كما هو له فى الدنيا؛ لأنّ النعم كلها في الدارين منه، {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ}. قوله: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ} يدخل ويغيب فيها من الماء والموادّ والحيوانات، {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} من النبات، {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} من الأمطار، {وَمَا يَعْرُجُ} يصعد {فِيهَا}: من الملائكة وأعمال العباد، {وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ}. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} الساعة، ثم عاد جلّ جلاله إلى تمجيده والثناء على نفسه، فقال عز من قائل: {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ}، اختلف القراء فيها، فقرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي: (علاّمِ الغيب) بخفض الميم على وزن فعال، وهي قراءة عبد الله وأصحابه. قال الفراء: وكذلك رأيتها في مصحف عبد الله (علاّمِ). وقرأ أهل مكة والبصرة وعاصم بجر الميم على مثال فاعل رداً على قوله، وهي اختيار أبي عبيد فيه، وفي أمثاله يؤثر النعوت على الابتداء. وقرأ الآخرون (عالمُ) رفعاً بالاستئناف؛ إذ حال بينهما كلام. {لاَ يَعْزُبُ} يغيب ويبتعد {عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ}: وزن نملة، وهذا مثل؛ لأنه سبحانه لا يخفى عليه ما هو دون الذرة. {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ * لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ * وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا} عملوا في إبطال أدلّتنا والتكذيب بكتابنا {مُعَاجِزِينَ}: مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا. قال ابن زيد: جاهدين، وقرأ: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ}تفسير : [فصلت: 26]. {وْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ}، قرأ ابن كثير ويعقوب وعاصم برواية حفص والمفضل {أَلِيمٌ} بالرفع على نعت الـ (عذاب). غيرهم بالخفض على نعت الـ (رجز). قال قتادة: الرجز أسوأ العذاب، ومثله في الجاثية {وَيَرَى} يعني: وليرى {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} يعني: مؤمني أهل الكتاب: عبد الله بن سلام وأصحابه، وقال قتادة: هم أصحاب محمد (عليه السلام). {ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} يعني: القرآن {هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِيۤ} يعني: القرآن {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} وهو الإسلام. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} منكرين للبعث متعجبين منه: {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ}: يخبركم، يعنون: محمداً (عليه السلام) {إِذَا مُزِّقْتُمْ}: قطعتم وفرقتم {كُلَّ مُمَزَّقٍ} وصرتم رفاتاً {إِنَّكُمْ} بالكسر على الابتداء والحكاية، مجازة يقول لكم: {إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}. {أَفْتَرَىٰ} ألف الاستفهام دخلت على ألف الوصل لذلك نُصب {عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ}: جنون؟ قال الله تعالى: {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ فِي ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ * أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} فيعلموا أنهم حيث كانوا، فإن أرضي وسمائي محيطة بهم، لا يخرجون من أقطارها، وأنا لقادر عليهم ولا يعجزونني؟ {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} قطعة. قراءة العامة بالنون في الثلث، وقرأ الأعمش والكسائي كلها بالياء وهو اختيار أبي عبيد قال: لذكر الله عز وجل قبله. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} تائب مقبل على ربه راجع إليه بقلبه.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ..} [سبأ: 1] جملة قائلُها الحق سبحانه، فهل قالها لنفسه أم قالها ليُعلِّمنا نحن أنْ نقولها؟ قالها ليُعلِّمنا. والحمد أنْ تأتي بثناء على مستحق الثناء بالصفات الجميلة. ومقابله: الذم، وهو أنْ تأتي لمستحقِّ الذم بالصفات القبيحة، وتنسبها إليه. وأنت قد تحمد شيئاً لا علاقةَ لك به، لمجرد أنه أعجبك ما فيه من صفات، فاستحق في نظرك أنْ يُحمد، كأن تحمد الصانع على صَنْعة أتقنها مثلاً، وإنْ لم تكُنْ لك علاقة بها. إذن: فالحمد مرة يكون لأن المحمود فيه صفات تستحق الحمد، وإنْ لم تَصِلْ إليك، فكيف إذا كانت صفات التحميد والتمجيد والتعظيم أثرها واصلَ إليك؟ لا شكَّ أن الحمد هنا أوجب. لذلك نقول: كل حمد ولو توجَّه لبشر عائد في الحقيقة إلى الله تعالى؛ لأنك حين تحمد إنساناً إنما تحمده على صفة وهبها الله له، فالحمد على إطلاقه ولو لمخلوق حَمْدٌ لله. وكلمة {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ..} [سبأ: 1] وردت في القرآن ثمان وثلاثون مرة، وخُصَّتْ منها في فواتح السور خمس مرات: في الفاتحة: والأنعام، والكهف، وسبأ، وفاطر. والحق سبحانه بدأ بالحمد؛ لأنه بدأ خَلْقه من عدم فله علينا نعمة الخَلْق من عدم، ثم أمدَّنا بمقومات الحياة فوفَّر لنا الأقوات التي بها استبقاء الحياة، ثم التناسل الذي به استبقاء النوع، هذا لكيان الإنسان المادي، لكن الإنسان مطلوب منه حركة الحياة، وهو يعيش مع آخرين فلا بدَّ أنْ تتساند حركاتهم لا تتعاند، لا بُدَّ أن تنسجم الحركات وإلا لتفانى الخَلْق. وهذا التساند لا يتأتَّى إلا بمنهج يُحدِّد الحركات، ويحكم الأهواء، وإلا لجاء واحد يبني، وآخر يهدم. هذا في الدنيا، أما في الحياة الآخرة فسوف يُعِدُّنا لها إعداداً آخر، ويعيدنا إلى خير مما كنا فيه؛ لأننا نعيش في الدنيا بالأسباب المخلوقة لله تعالى، أما في الأخرة فنعيش مع المسبِّب سبحانه مع ذات الحق. نحن في الدنيا نزرع ونحصد ونطبخ ونخبز ونغزل .. إلخ، هذه أسباب لا بُدَّ من مزاولتها، لكنك في الآخرة تعيش بكُنْ من المسبِّب، في الدنيا تخاف أنْ يفوتك النعيم أو تفوته أنت، أما في الآخرة فنعيمها بَاقٍ لا يزول ولا يحول، في الدنيا تتمتع على قَدْر إمكاناتك، أما في الآخرة فتتمتع على قَدْر إمكانات ربك. فالحق سبحانه أوجدنا من عدم، وأمدنا من عُدْم، ووضع لنا المنهج الذي يحفظ القيم، ويُنظِّم حركة الحياة قبل أن تُوجد الحياة، فقبل أنْ يخلقك خلق لك كالصانع الذي يُحدِّد مهمة صنعته قبل صناعتها، وهل رأيتم صانعاً صنع شيئاً، ثم قال: انظروا في أيِّ شيء يمكن أن يستخدم؟ لذلك قال تعالى: {أية : ٱلرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ ٱلْقُرْآنَ * خَلَقَ ٱلإِنسَانَ * عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ} تفسير : [الرحمن: 1-4] فالمنهج المتمثل في القرآن وُضِع أولاً ليحدد لك مهمتك وقانون صيانتك، قبل أن تُوجَد أيها الإنسان. والمتأمل لآيات الحمد في بدايات السور الخمس يجد أنها تتناول هذه المراحل كلها، ففي أول الأنعام: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَٰتِ وَٱلنُّورَ ثْمَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} تفسير : [الأنعام: 1]. تكلَّم الحق سبحانه عن بَدْء الخَلْق، ثم قال: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ ..} تفسير : [الأنعام: 2] وهذا هو الإيجاد الأول. ثم في أول الكهف يذكر مسألة وَضْع المنهج والقيم: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا} تفسير : [الكهف: 1]. هذا هو القانون الذي يحكم الأهواء، ويُنظِّم حركة الحياة لتتساند ولا تتعاند. وفي أول سورة سبأ التي نحن بصددها يذكر الحمد في الآخرة: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ ..} [سبأ: 1] وحين تنظر إلى الحمد في الآخرة تجده حَمْداً مركباً مضاعفاً؛ لأنك في الدنيا تحمد الله على خَلْق الأشياء التي تتفاعل بها لتعيش بالأسباب، لكن في الآخرة لا توجد أسباب، إنما المسبِّب هو الله سبحانه، فالحمد في الآخرة أكبر حَمْداً يناسب عَيْشَك مع ذات ربك سبحانه. وفي أول فاطر: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ ..} تفسير : [فاطر: 1]. نحمد الله على القيم، وعلى المنهج الذي وضعه لنا الحق سبحانه بواسطة الملائكة، والملائكة هم رسل الله إلى الخَلْق، ومنهم الحفظة، ومنهم المدبِّرات أمراً التي تدبر شئون الخَلْق، ومنهم مَنْ أسجدهم الله لك. ثم جاءت أم الكتاب، فجمعت هذا كله في: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الفاتحة: 2] والربّ هو الخالق الممدّ {أية : ٱلرَّحْمـٰنِ ٱلرَّحِيمِ * مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ} تفسير : [الفاتحة: 3-4] أي: في الآخرة، ثم ذكرت وجوب السير على المنهج {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * ٱهْدِنَا ٱلصِّرَاطَ ٱلْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ ٱلضَّآلِّينَ} تفسير : [الفاتحة: 5-7]. ولأنها جمعتْ البداية والنهاية، والدنيا والآخرة سُمِّيت فاتحةَ الكتاب، وسُمِّيت المثاني، وسُمِّيت أم القرآن. فقوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ..} [سبأ: 1] علَّمنا الله تعالى أن نقولها؛ لأن الناس مختلفون في المواهب، وفي الملَكات، وفي حُسْن الأداء، وفي صياغة الثناء، فلا يستوي في الحمد والثناء الأديب والأُميُّ الذي لا يجيد الكلام؛ لذلك قال الله لنا: أريحوا أنفسكم من هذه المسألة، وسوف أُعلمكم صيغة يستوي فيها الأديب الفيلسوف مع راعي الشاة، وسوف تكون هذه الصيغة هي أحبّ صِيغ الحمد إليَّ، هذه الصيغة هي {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ..} [سبأ: 1]. لذلك جاء في الحديث قول سيدنا رسول الله في حمد ربه، والثناء عليه: "سبحانك لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك" فحين أقول خطبة طويلة في حمد الله والثناء عليه، وتقول أنت: الحمد لله لا أقول لك قصَّرت في حمد ربك، وكأن هذه الصيغة وتعليمها لنا نعمة أخرى تستحق الحمد؛ لأنها سوَّتْ الجميع، ولم تجعل لأحد فضلاً على أحد في مقام حمد الله والثناء عليه. وحين تحمد الله على أن علَّمك هذه الصيغة، بماذا تحمده؟ تحمده بأن تقول الحمد لله. إذن: هي سلسلة متوالية من الحمد لا تنتهي، الحمد لله على الحمد لله، ومعنى ذلك أنْ تظل دائماً حامداً لله، وأنْ يظلَّ الله تعالى دائماً وأبداً محموداً. كما قُلْنا: إن اختلاف المواقيت في الأرض واختلاف المشارق والمغارب إنما جُعِلَتْ لتستمر عبادة الله لا تنقطع أبداً في كل جزئيات الزمن، ففي كل لحظة صلاة، وفي كل لحظة الله أكبر، وفي كل لحظة أشهد ألا إله إلا الله، وفي كل لحظة أشهد أن محمداً رسول الله ... إلخ لتظل هذه الألفاظ وهذه العبادات دائرة طوال الوقت، فالكون كله يلهج بذكْر الله وعبادة الله في منظومة بديعة، المهم مَنْ يُحسِن استقبالها، المهم صفاء جهاز الاستقبال عندك. وقوله سبحانه {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ ..} [سبأ: 1] بيَّنَّا أن الحمد في الآخرة أكبر وأعظم من الحمد في الدنيا؛ لأنك في الدنيا تعيش بالأسباب، أما في الآخرة فتعيش مع ذات المسبِّب سبحانه، في الدنيا نعيم موقوت، وفي الآخرة نعيم باقٍ، في الدنيا فناء، وفي الآخرة بقاء؛ لذلك قال سبحانه عن الآخرة: {أية : وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [يونس: 10]. وقال سبحانه حكايةً عن المؤمنين في الآخرة: {أية : وَقَـالُواْ ٱلْحَـمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا ٱلأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ ٱلْعَامِلِينَ} تفسير : [الزمر: 74]. وقالوا: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاۤ أَنْ هَدَانَا ٱللَّهُ ..} تفسير : [الأعراف: 43]. فإنْ قُلْت: فما وجه الحمد في أن الله تعالى يملك السماوات والأرض؟ نقول: فَرْق بين أنْ يخدمك في الكون مَا لا تملك، وبين أنْ يخدمك ما تملك، فالعظمة هنا أنك تنتفع هنا بما لا تملك، فالسماوات والأرض مِلْك لله، ومع ذلك هي في خدمتك أنت، وليست العظمة من أنْ يخدمكَ ما تملكه. لذلك قالوا لأحد الناس: لماذا لا تشتري لك سيارة؟ قال: والله الإخوان كثيرون، وكلهم عندهم سيارات، وكل يوم أركب سيارة واحد منهم، ولا يغرمني هذا شيئاً. إذن: انتفاعك بما يملك الغير أعظمُ من انتفاعك بما تملك أنت، وملْك الله جُعل لصالحنا نحن، وهذه تستحق الحمد، فاللهم لا تحرمنا نعمك. ملحظ آخر أن الحق سبحانه يريد أن يُطمئِنَ العبادَ، فمُلْك السماوات والأرض لله وحده، ولو كانت لغيره لمنعنا منها، فكأن ربك يقول لك: اطمئن فهذا ملْكي وأنا ربك ولن أتخلى عنك أبداً، وليس لي شريك ينازعني، فيمنع عنك خيراتي، فأنا المتفرِّد بالملْك والسلطان. لذلك، فالحق سبحانه حين يقول للشيء: {أية : كُنْ فَيَكُونُ} تفسير : [آل عمران: 47] ما قال (كُنْ) إلا لأنه سبحانه يعلم أنه لا يستطيع ألاَّ يكون، والدليل قوله تعالى عن الأرض {أية : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} تفسير : [الانشقاق: 2] أي: أصغتْ السمع، وحَقَّ لها ذلك، فما قال سبحانه لشيء كُنْ إلا وهو واثق أنه لا يخرج عن أمره. لذلك سبق أن قُلْنا: إن الحق سبحانه حين طلب منا أنْ نشهد أنه لا إله إلا هو شهد بها لنفسه أولاً، فقال: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ..} تفسير : [آل عمران: 18] وهذه شهادة الذات للذات، ولذلك تصرَّف سبحانه في الملك تصرُّف مَنْ لا شريكَ له، فلم يقُل شيئاً أو يحكم حكماً، ثم خاف أن ينقضه أحد أو يعدله. ثم شهدتْ بذلك الملائكة، ثم شهد بذلك أولو العلم من عباده {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ قَآئِمَاً بِٱلْقِسْطِ ..} تفسير : [آل عمران: 18]. فشهادة الله شهادة الذات للذات، وشهادة الملائكة شهادة المشهد، وشهادة أُولي العلم شهادة العلم والدليل. ونلحظ أيضاً أن الحق سبحانه قال: {ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..} [سبأ: 1] فكرَّر الاسم الموصول (ما) ولم يقُلْ له ما في السماوات والأرض، كما جاء في قوله سبحانه في التسبيح: مرة: {أية : يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الجمعة: 1]. ومرة: {أية : يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الحشر: 24]. وفَرْق بين التعبيرين؛ لأن هناك خَلْقاً مشتركاً بين السماء والأرض، وهناك خَلْق خاص بالسماء، وخَلْق آخر خاص بالأرض، فإنْ أراد الكل قال: {أية : مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الحشر: 24]، وإنْ أراد الاختلاف كلاً في جهته، قال {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ..} [سبأ: 1]. والسماوات والأرض ظرف لما فيهما من خيرات، والذي يملك الظرف والمكان يملك المظروف فيه، فالحيز هنا مشغول. ثم يقول سبحانه تذييلاً لهذه الآية {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ} [سبأ: 1] الحكيم: هو الذي يضع الشيء في مكانه وموضعه المناسب، ولا يتأتّى هذا إلا لخبير يعلم الشيء، ويعلم موضعه الذي يناسبه؛ لذلك قال سبحانه {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ} [سبأ: 1] الذي لديه خِبْرة بدقائق الأشياء وبواطنها. ثم أراد سبحانه أنْ يعطينا نموذجاً لهذه الحكمة ولهذه الخبرة، فقال سبحانه: {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ...}.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {يَلِجَ} يدخل والولوج الدخول ومنه {أية : حَتَّىٰ يَلِجَ ٱلْجَمَلُ فِي سَمِّ ٱلْخِيَاطِ}تفسير : [الأعراف: 40] {يَعْرُجُ} يصعد ومنه المعراج لأنه صعودٌ إِلى السماوات. {يَعْزُبُ} يغيب يقال: عزب عن عينه أي غاب عنها {مِثْقَالُ} وزن ومقدار {جِنَّةٌ} بكسر النون بمعنى الجنون وبضمها بمعنى الوقاية والحجاب {كِسَفاً} قطعاً {أَوِّبِي} سبحي والتأويب: التسبيح {سَابِغَاتٍ} واسعات كاملات يقال: سبغ الدرعُ والثوبُ إذا غطَّى كل البدن وفضل منه شيء قال أبو حيان: السابغات: الدروع وأصله الوصف بالسبوغ وهو التمام والكمال، وغلب على الدروع فصار كالأبطح، قال الشاعر: شعر : عليها أُسودٌ ضارياتٌ لبُوسُهم سوابغُ بيضٌ لا يخرقها النَّبل تفسير : {ٱلسَّرْدِ} النسج، وهو نسج حلق الدروع قال القرطبي: وأصله من الإِحكام، قال لبيد: شعر : صنع الحديد مضاعفاً أسراده لينال طول العيش غير مروم تفسير : {ٱلْقِطْرِ} النحاس المذاب {جِفَانٍ} جمع جفنه وهي القصعة الكبيرة {ٱلْجَوَابِ} جمع جابية وهي الحوض الكبير يجمع فيه الماء، قال الأعشى: شعر : نفى الذم عن آل المحلَّق جفنةٌ كجابية الشيخ العراقي تفهق تفسير : {مِنسَأَتَهُ} المنسأة: العصا سميت بذلك لأنه يُنسأ بها أي يُطرد ويزجر، قال الشاعر: شعر : إِذا دببتَ على المنْساة من كبر فقد تباعد عنك اللهو والغزل تفسير : التفسِير: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي الثناء الكامل على جهة التعظيم والتبجيل لله الذي له كل ما في الكون خلقاً وملكاً وتصرفاً، الجميع ملكه وعبيده وتحت قهره وتصرفه، فله الحمد في الدنيا لكمال قدرته، وفي الآخرة لواسع رحمته {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ} أي وله الحمد بأجمعه لا يستحقه أحد سواه، لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ} أي الحكيم في صنعه، الخبير بخلقه، فلا اعتراض عليه من فعلٍ من أفعاله {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} تفصيل لبعض معلوماته جلَّ وعلا أي يعلم ما يدخل في جوف الأرض من المطر والكنوز والأموات، وما يخرج من الأرض من الزروع والنباتات وماء العيون والأبار {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} أي وما ينزل من السماء من المطر والملائكة والرحمة، وما يصعد إليها من الأعمال الصالحات، والدعوات الزاكيات {وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ} أي الرحيم بعباده، الغفور عن ذنوب التائبين حيث لا يعالجهم بالعقوبة، ثم حكى تعالى مقالة المنكرين للبعث والقيامة فقال: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ} أي وقال المشركون من قومك لا قيامة أبداً ولا بعث ولا نشور، قال البيضاوي: وهو إِنكار لمجيئها أو استبطاء استهزاءً بالوعد به {قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} أي قل لهم يا محمد: أقسم بالله العظيم لتأتينكم الساعة، فإِنها واقعة لا محالة، قال ابن كثير: هذه إِحدى الآيات الثلاث التي أمر الله رسوله أن يقسم بربه العظيم على وقوعها، والثانية في يونس {أية : قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ}تفسير : [يونس: 53]، والثالثة في التغابن {أية : قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ}تفسير : [التغابن: 7] {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} أي هو جل وعلا العالمُ بما خفي عن الأبصار، وغاب عن الأنظار، لا يغيب عنه مقدار وزن الذرة في العالم العلوي أو السفلي {وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ} أي ولا أصغر من الذرة ولا أكبر منها {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} أي إِلا ويعلمه الله تعالى وهو في اللوح المحفوظ، والغرضُ أن الله تعالى لا تخفى عليه ذرة في الكون فكيف يخفى عليه البشر وأحوالهم؟ فالعظام وإِن تلاشت وتفرقت وتمزقت، فهو تعالى عالمٌ أين ذهبت وتفرقت، ثم يعيدها يوم القيامة {لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي أثبت ذلك في الكتاب المبين لكي يثيب المؤمنين الذين أحسنوا في الدار الدنيا بأحسن الجزاء {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} أي لهم مغفرة لذنوبهم، ورزق حسن كريم في دار النعيم {وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} أي وأما الذين بذلوا جهدهم وجدّوا لإِبطال القرآن مغالبين لرسولنا، يظنون أنهم يعجزونه بما يثيرونه من شبهات حول رسالته والقرآن {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} أي فهؤلاء المجرمون لهم عذاب من أسوأ العذاب، شديد الإِيلام، قال قتادة: الرجزُ: سوء العذاب {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} أي ويعلم أولو العلم من أصحاب النبي عليه السلام ومن جاء بعدهم من العلماء العاملين {ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ} أي يعلمون أن هذا القرآن الذي أُنزل عليك يا محمد هو الحق الذي لا يأتيه الباطل {وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} أي ويرشد من تمسك به إِلى طريق الله الغالب الذي لا يُقهر، الحميد أي المحمود في ذاته وصفاته وأفعاله، ثم ذكر تعالى أساليب المشركين في الصدِّ عن دين الله، والسخرية برسول الله فقال {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي وقال الكافرون من مشركي مكة المنكرون للبعث والجزاء {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ} أي هل نرشدكم إلى رجلٍ يحدثكم بأعجب الأعاجيب؟- يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم - {إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} أي إذا بليتم في القبور، وتفرقت أجسادكم في الأرض، وذهبت كل مذهب بحيث صرتم تراباً ورفاتاً {إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}؟ أي إنكم ستخلقون خلقاً جديداً بعد ذلك التمزيق والتفريق؟ والغرضُ من هذا المقال هو السخرية والاستهزاء قال أبو حيان: والقائلون هم كفار قريش قالوه على جهة التعجب والاستهزاء، كما يقول الرجل لمن يريد أن يعجبه: هل أدلك على قصة غريبة نادرة؟ ولما كان البعث عندهم من المحال جعلوا من يخبر عن وقوعه في حيز من يتعجب منه، ونكّروا اسمه عليه {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ} مع أن اسمه أشهر علم من قريش بطريق الاستهزاء {أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ} أي هل اختلق الكذب على الله، أم به جنون فهو يتكلم بما لا يدري؟ قال تعالى رداً عليهم: {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} {بَلِ} للإِضراب أي ليس الأمر كما يزعمون من الكذب والجنون، بل الذي يجحدون البعث ولا يصدّقون بالآخرة {فِي ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ} أي بل هؤلاء الكفار من ضلالٍ وحيرةٍ عن الحق توجب لهم عذاب النار، فهم واقعون في الضلال وهم لا يشعرون وذلك غاية الجنون والحماقة، ولما ذكر تعالى ما يدل على إِثبات الساعة، ذكر دليلاً آخر يتضمن التوحيد مع التهديد فقال: {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} أي ألم يشاهدوا ما هو محيط بهم من جميع جوانبهم من السماء والأرض؟ فإِن الإِنسان أينما توجه وحيثما نظر رأى السماء والأرض أمامه وخلفه، وعن يمينه وشماله، وهما يدلان على وحدانية الصانع، أفلا يتدبرون ذلك فيعلمون أن الذي خلقهما قادر على بعث الناس بعد موتهم؟ ثم هددهم بقوله: {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أي لو شئنا لخسفنا بهم الأرض كما فعلنا بقارون، أو أسقطنا عليهم قطعاً من السماء كما فعلنا بأصحاب الأيكة، فمن أين لهم المهرب؟ قال ابن الجوزي: المعنى أنهم أين كانوا فأرضي وسمائي محيطة بهم، وأنا القادر عليهم، إن شئتُ خسفتُ بهم الأرض، وإن شئتُ أسقطت عليهم قطعة من السماء {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} أي إن فيما يشاهدون من آثار القدرة الوحدانية لدلالة وعبرة لكل عبد تائب رجّاع إلى الله، متأمل فيما يرى، قال ابن كثير: يريد أن من قدر على خلق هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها، وهذه الأرضين في انخفاضها وأطوالها وأعراضها، قادر على إِعادة الأجسام، ونشر الرميم من العظام، ثم ذكر تعالى قصة داود وما خصَّه الله به من الفضل العظيم فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً} اللام موطئة لقسم محذوف تقديره وعزة الله وجلاله لقد أعطينا داود منا فضلاً عظيماً واسعاً لا يُقدر قال المفسرون: الفضل هو النبوة، والزبور، وتسخير الجبال، والطير، وإِلانة الحديد، وتعليمه صنع الدروع إِلى غير ذلك {يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ} أي وقلنا يا جبال سبحي معه ورجّعي التسبيح إِذا سبَّح وكذلك أنت يا طيور، قال ابن عباس: كانت الطير تسبح معه إِذا سبَّح، وكان إِذا قرأ لم تبقَ دابةٌ إِلا استمعت لقراءته وبكت لبكائه {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ} أي جعلنا الحديد ليناً بين يديه حتى كان كالعجين، قال قتادة: سخر الله له الحديد فكان لا يحتاج أن يدخله ناراً، ولا يضربه بمطرقة، وكان بين يديه كالشمع والعجين {أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ} أي اعمل منه الدروع السابغة التي تقي الإِنسان شر الحرب، قال المفسرون: كان يأخذ الحديد بيده فيصير كأنه عجين يعمل به ما يشاء، ويصنع الدرع في بعض يوم يساوي ألف درهم فيأكل ويتصدق، والسابغات صفة لموصوف محذوف تقديره دروعاً سابغات، وهي الدروع الكوامل التي تغطي لابسها حتى تفضل عنه فيجرها على الأرض {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ} أي وقدر في نسج الدروع بحيث تتناسب حلقاتها، قال الصاوي: أي اجعل كل حلقة مساوية لأختها ضيقة لا ينفذ منها السهم لغلظها، ولا تثقل حاملها واجعل الكل بنسبةٍ واحدة {وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً} أي واعملوا يا آل داود عملاً صالحاً ولا تتكلوا على عز أبيكم وجاهه {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي إِني مطلع على أعمالكم مراقب لها وسأجازيكم بها قال الامام الفخر: ألان الله لداود الحديد حتى كان في يده كالشمع وهو في قدرة الله يسير، فإِنه يَلين بالنار حتى يصبح كالمداد الذي يكتب به، فأي عاقلٍ يستبعد ذلك على قدرة الله؟ وهو أول من صنع الدروع حلقاً وكانت قبل ذلك صفائح ثقالاً كما قال تعالى: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ}تفسير : [الأنبياء: 80]، ثم ذكر تعالى ما أنعم به على ولده "سليمان" من النبوة والملك والجاه العظيم قال: {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} أي وسخرنا لسليمان الريح تسير بأمره، وسيرها من الصباح إِلى الظهر مسيرة شهر للسائر المجد، ومن الظهر إِلى الغروب مسيرة شهر، قال المفسرون: سخّر الله له الريح تقطع به المسافات الشاسعة في ساعات معدودات، تحمله مع جنده فتنتقل به من بلدٍ إلى بلد، تغدو به مسيرة شهر إِلى نصف النهار، وترجع به مسيرة شهر إلى آخر النهار، فتقطع به مسيرة شهرين في نهار واحد {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ} أي وأذبنا له النحاس حتى كان يجري كأنه عين ماء متدفقة من الأرض، قال المفسرون: أجرى الله لسليمان النحاس، كما ألان لداود الحديد، آية باهرة، ومعجزة ظاهرة {وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ} أي وسخرنا له الجن تعمل بأمره وإِرادته ما شاء مما يعجز عنه البشر، وكل ذلك بأمر الله وتسخيره {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا} أي ومن يعدل منهم عمّا أمرناه به من طاعة سليمان {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} أي نذقه النار المستعرة في الآخرة، ثم أخبر تعالى عما كلف به الجنُّ من الأعمال فقال {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ} أي يعمل هؤلاء الجن لسليمان ما يريد من القصور الشامخة {وَتَمَاثِيلَ} أي والتماثيل العجيبة من النحاس والزجاج، قال الحسن: ولم تكن يومئذٍ محرمة، وقد حرمت في شريعتنا سداً للذريعة لئلا تُعبد من دون الله {وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ} أي وقصاعٍ ضخمة تشبه الأحواض، قال ابن عباس: "كالجواب" أي كالحياض {وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ} أي وقدورٍ كبيرة ثابتات لا تتحرك لكبرها وضخامتها، قال ابن كثير: والقدور الراسياتُ أي الثابتات في أماكنها لا تتحرك ولا تتحول عن أماكنها لعظمها {ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً} أي وقلنا لهم اشكروا يا آل داود ربكم على هذه النعم الجليلة، فقد خصكم بالفضل العظيم والجاه العريض، واعملوا بطاعة الله شكراً له جل وعلا {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} أي وقليل من العباد من يشكر الله على نعمه، قال ابن عطية: وفيه تنبيه وتحريض على شكر الله، ثم أخبر تعالى عن كيفية موت سليمان فقال {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ} أي حكمنا على سليمان بالموت ونزل به الموت {مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} أي ما دلَّ الجنَّ على موته إلا تلك الحشرة وهي الأَرَضة ـ السوسة التي تأكل الخشب ـ تأكل عصا سليمان {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ} أي فلما سقط سليمان عن عصاه ظهر للجن واتضح لهم أنهم لو كانوا يعرفون الغيب كما زعموا {مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} أي ما مكثوا في الأعمال الشاقة تلك المدة الطويلة، قال المفسرون: كانت الإِنس تقول: إِن الجن يعلمون الغيب الذي يكون في المستقبل، فوقف سليمان في محرابه يصلى متوكئاً على عصاه، فمات ومكث على ذلك سنةً والجنُّ تعمل تلك الأعمال الشاقة ولا تعلم بموته، حتى أكلت الأَرَضةُ عصا سليمان فسقط على الأرض فعلموا موته، وعلم الإِنس أن الجنَّ لا تعلم الغيب لأنهم لو علموه لما أقاموا هذه المدة الطويلة في الأعمال الشاقة وهم يظنون أنه حي وهو عليه السلام ميت. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان نوجزها فيما يلي: 1- تعريف الطرفين لإِفادة الحصر {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} ومعناه لا يستحق الحمد الكامل إِلا الله. 2- الطباق بين {يَلِجُ ..و.. يَخْرُجُ} وبين {يَنزِلُ ..و.. يَعْرُجُ} وبين {أَصْغَرُ ..و.. أَكْبَرُ}. 3- صيغة فعيل وفعول للمبالغة {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ} {وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ} {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ}. 4- المقابلة بين {لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ..} الآية وبين {وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} فقد جعل المغفرة والرزق الكريم جزاء المحسنين، وجعل العذاب والرجز الأليم جزاء المجرمين. 5- الاستفهام للسخرية والاستهزاء {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ} وغرضهم الاستهزاء بالرسول ولم يذكروا اسمه إِمعاناً في التجهيل كأنه إِنسان مجهول. 6- التنكير للتفخيم {آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً} أي فضلاً عظيماً، وتقديم داود على المفعول الصريح للاهتمام بالمقدم والتشويق إِلى المؤخر. 7- الإِيجاز بالحذف {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} أي غدوها مسيرة شهر ورواحها مسيرة شهر. 8- التشبيه {وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ} ويسمى التشبيه المرسل المجمل لذكر أداة التشبيه وحذف وجه الشبه.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} الآية هذه السورة مكية وقيل فيها غير مكي وسبب نزولها أن أبا سفيان قال لكفار قريش لما سمعوا ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات محمد يتوعدنا بالعذاب بعد أن نموت ويخوفنا بالبعث واللات والعزى لا تأتينا الساعة أبداً ولا نبعث فقال الله تعالى قل يا محمد بلى وربي لتبعثن وباقي السورة تهديد لهم وتخويف * ومن ذكر هذا السبب ظهرت المناسبة بين هذه السورة والتي قبلها والحمد لله مستغرق لجميع المحامد كلها. {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ} ظاهره الاستغراق ولما كانت نعم الآخرة مخبر أنها غير مرئية لنا في الدنيا ذكرها لتقاس نعمها بنعم الدنيا قياس الغائب على الشاهد وإن اختلفتا في الفضيلة والديمومة. {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ} أي من المياه. {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} أي من النبات. {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي من المطر وغير ذلك. {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} من أعمال الخلق وبلى جواب للنفي السابق من قولهم لا تأتينا الساعة أي بلى لتأتينكم واتبع القسم بقوله: عالم الغيب وما بعده ليعلم أن إتيانها من الغيب الذي انفرد به تعالى وجاء القول بقوله: وروي مضافاً إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليدل على شدة القسم إذا لم يأت به في الإِسم المشترك بينه وبين من أنكر الساعة وهو لفظ الله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} هم قريش قال بعضهم لبعض على سبيل التعجيب والاستهزاء كما يقول الرجل لمن يريد أن يعجبه هل أدلك على قصة غريبة نادرة لما كان البعث عندهم من المحال جعلوا من يخبر عن وقوعه في حيز من يتعجب منه وأتوا باسمه عليه السلام نكرة في قولهم هل ندلكم على رجل واسمه أشهر علم في قريش في الدنيا واخباره بالبعث أشهر خبر لأنهم أخرجوا ذلك مخرج الاستهزاء والتحلي ببعض الأحاجي المعمولة للتلهي والتعمية فلذلك نكروا اسمه وإذا الشرطية مختلف في العامل فيها وقد بيناه في شرح التسهيل فإِن الصحيح أن يعمل فيها فعل الشرط كسائر أدوات الشرط والجملة الشرطية يحتمل أن تكون معمولة لينبئكم لأنه في معنى يقول لكم إذا مزقتم كل ممزق ثم أكد ذلك بقوله: إنكم لفي خلق جديد ويحتمل أن يكون انكم لفي خلق جديد معمولاً لينبئكم وينبئكم معلق ولولا اللام في خبر ان لكانت مفتوحة والجملة سدت مسد المفعولين والجملة الشرطية على هذا التقدير اعتراض وقد منع قوم التعليق في باب أعلم والصحيح جوازه وقال الشاعر: شعر : حذار فقد نبئت أنك للذي ستجزى بما تسعى فتسعد أو تشقى تفسير : وممزق مصدر جاء على زنة اسم المفعول على القياس في إسم المصدر من كل فعل زائد على الثلاثة والظاهر أن قوله افترى من قول بعضهم لبعض أي أهو مفتر على الله كذباً فيما ينسب إليه من أمر البعث أم به جنون يوهم ذلك ويلقيه على لسانه عادلوا بين الافتراء والجنون لأن هذا القول عندهم إنما يصدر عن أحد هذين لأنه إن كان يعتقد خلاف ما أنبأ به فهو مفتر وإن كان لا يعتقده فهو مجنون فأضرب تعالى عن مقالتهم والمعنى ليس الرسول صلى الله عليه وسلم كما نسبتم إليه بل أنتم في عذاب النار أو في عذاب الدنيا بما تكابدونه من إبطال الشرع وهو بحق وإطفاء نور الله وهو يتم * ولما كان الكلام في البعث قال: بل الذين لا يؤمنون بالآخرة فرتب العذاب على إنكار البعث وتقدم الكلام في وصف الضلال بالبعد وهو من أوصاف المحال استعير للمعنى ومعنى بعده أنه لا يقتضي خبره الملتبس به. {أَفَلَمْ يَرَوْاْ} أي هؤلاء الكفار الذين لا يؤمنون بالآخرة. {إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} أي حيث ما تصرفوا فالسماء والأرض قد أحاطتا بهم لا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما ولا يخرجوا عن ملكوت الله فيهما. {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ} كما فعلنا بقارون. {أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} كما فعلنا بأصحاب الظلة. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي في النظر إلى السماء والأرض والفكر فيهما وما يدلان عليه من قدرة الله تعالى. {لآيَةً} لعلامة ودلالة. {لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} راجع إلى ربه مطيع له لأن المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله تعالى على أنه قادر على كل شىء من البعث ومن عقاب من يكفر به. {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً} مناسبة قصة داود وسليمان لما قبلهما هي أن أولئك الكفار أنكروا البعث لاستحالته عندهم فأخبروا بوقوع ما هو مستحيل في العادة مما لا يمكنهم إنكاره إذ طفحت ببعضه أخبارهم ونطقت به شعراؤهم على ما يأتي ذكره من تأويب الجبال والطير مع داود والإِنة الحديد وهو الجرم المستعصي وتسخير الريح لسليمان واسالة النحاس له كما ألان الحديد لأبيه وتسخير الجن في ما شاء من الأعمال الشاقة وغير ذلك * أوبي معه أي سبحي قاله ابن عباس وقرىء: والطير بالنصب عطفاً على موضع يا جبال وبالرفع عطفاً على لفظ يا جبال * والانة الحديد قال ابن عباس: حتى صار كالشمع وروي أن داود عليه السلام كان يتنكر فيسأل الناس عن حاله فعرض له ملك في صورة إنسان فسأله فقال: نعم العبد لولا خلة فيه فقال: وما هي قال: يرتزق من بيت المال ولو أكل من عمل يده لنمت فضائله فدعا الله تعالى أن يعلمه صنعة ويسهلها عليه فعلمه صنعة الدروع الان له الحديد فاثرى وكان ينفق ثلث المال في مصالح المسلمين. {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ} قال ابن زيد هو في قدر الحلقة أي لا تعملها صغيرة فتضعف فلا يقوى الدرع على الدفاع ولا كبيرة فينال لابسها من خلالها. {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ} أبدله الله تعالى من الخيل الريح تجري بأمره. {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ} الظاهر أنه جعله أي النحاس له عليه السلام في معدنه عيناً تسيل كعيون الماء دلالة على نبوته يستعملها فيما يريد وعن ابن عباس أجريت له ثلاثة أيام بلياليهن وكانت بأرض اليمن قال مجاهد: سالت من صنعاء ولم يذب النحاس فيما روي لأحد قبله وكان لا يذوب. {بِإِذْنِ رَبِّهِ} أي بأمر ربه لقوله: {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا} أي ومن يعدل عن أمرنا الذي أمرناه به من طاعة سليمان وقرىء: يزغ مضارع زاغ وقرىء: بالضم من أزاغ أي ومن يمل وعذاب السعير عذاب الآخرة قاله ابن عباس * والمحاريب قال مجاهد المساجد والتماثيل الصور والجفان جمع جفنة وهي معروفة والجوابي الحياض العظام واحدها جابية لأنه يجبى فيها الماء أي يجتمع قال الأعشى * نفي الذم عن آل المحلق جفنة كجابية المسيح العراقي تفهق * والراسيات الثابتات على الأثافي فلا تنقل ولا تحمل لعظمها وقدّمت المحاريب على التماثيل لأن النفوس تكون في الأبنية وقدم الجفان على القدور مع أن القدور آلة الطبخ والجفان آلة الأكل والطبخ قبل الأكل لما بين الأبنية الملكية أراد بيان عظمة السماط الذي يمد في تلك الدور وأشار إلى الجفان لأنها تكون فيها والقدور لا يكون فيها ولا تحضر هناك ولهذا قال راسيات ولما بين حال الجفان سرى الذهن إلى عظمة ما يطبخ فيها فذكر القدور للمناسبة وذكر في حق داود اشتغاله بآلة الحرب لاحتياجه إلى قتال أعدائه وفي حق سليمان من المحاريب في التماثيل لأنه كان ملكاً ابن ملك قد وطد له أبوه الملك أي مهده له فكانت حاله حالة سلم إذ لم يكن أحد يقدر على محاربته وقال عقب أن أعمل سابغات اعملوا صالحاً وعقب ما يعمله الجن. {ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً} عقب كل جملة بما يناسبها وروي أن مصلى داود عليه السلام لم يخل قط من قائم يصلي ليلاً أو نهاراً وكانوا يتناوبونه وكان سليمان عليه السلام يأكل الشعير ويطعم أهله الخشكار والمساكين الدرمك وما شبع قط وقيل له في ذلك فقال: إني أخاف إن شبعت أن أنسى الجياع والشكور صيغة مبالغة وأريد به من الجنس. {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ} أي أنفذنا عليه ما قضينا في الأزل من الموت وأخرجناه إلى حيز الوجود والضمير في دلهم عائد على الجن الذين كانوا يعملون له وكان سليمان قد أمر الجن ببناء صرح فبنوه ودخل فيه تخلياً ليصفو له يوم واحد من الدهر من الكدر فدخل عليه شاب فقال له: كيف دخلت من غير استئذان فقال: إنما دخلت بإِذن قال: ومن أذن لك؟ قال: رب هذا الصرح فعلم سليمان عليه السلام أنه ملك الموت أتى لقبض روحه، فقال سليمان: سبحان الله هذا اليوم الذي طلبت فيه الصفاء، فقال له: طلبت ما لم يخلق فاستوثق من الإِتكاء على العصا فقبض روحه وبقيت الجن تعمل على عادتها وكان سليمان قصد تعمية موته لأنه كان قد بقي من تمام بناء المسجد عمل سنة فسأل الله تعالى تمامها على يد الإِنس والجن وكان يخلو بنفسه الشهرين والثلاثة فكانوا يقولون: يتحنث أي يتعبد وقيل ان ملك الموت أعلمه أنه بقي من حياته ساعة فدعا الجن فبنوا الصرح وقام يصلي متكئاً على عصاه فقبض روحه وهو متكىء عليها وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه فلا ينظر أحد منهم إليه في صلاته إلا احترق فخر واحد منهم فلم يسمع صوته ثم رجع فلم يعلم فنظر فإِذا هو خر ميتاً وكان عمره ثلاثاً وخمسين سنة ملك بعد موت أبيه وهو ابن ثلاث عشرة سنة وكان أبوه قد أسس بنيان المسجد موضع فسطاط موسى عليه السلام فمات قبل أن يتمه ووصى به إلى ابنه فأمر الشياطين بإِتمامه ومات قبل تمامه ودابة الأرض هي سوسة الخشب وهي الأرضة وقيل غير ذلك والمنسأة العصا وكانت فيما رووا من خرنوب وذلك أنه كان يتعبد في بيت المقدس فتنبت له في محرابه كل سنة شجرة تخبره بمنافعها فيأمر فتقلع وتصرف في منافعها وتغرس لتتناسل فلما قرب موته نبتت له شجرة وسألها فقالت انا الخرنوب خرجت لخراب ملكك فعرف أنه حضر أجله فاستعد واتخذ منها عصا واستدعى بزاد سنة والجن تتوهم أنه يتغذى بالليل. {مِنسَأَتَهُ} على وزن مفعلة كمطرقة وهي العصا سميت بذلك لأنها ينسأ بها الأشياء أي تؤخر وقرىء: منسأته على وزن مفعلة بهمزة مفتوحة بعد السين وبإِبدالها ألفاً على غير قياس وبإِسكانها على غير قياس والأصل فتحها لأنها لام الكلمة. {فَلَمَّا خَرَّ} الضمير عائد على سليمان عليه السلام أي سقط عن العصا ميتاً وقرىء تبينت مبنياً للفاعل ومبنياً للمفعول وإن هي المخففة من الثقيلة وينسبك منها مصدر أي تبينت الجن جهلها أي جهل الخبر والمعنى أن الجن لو كانت تعلم الغيب ما خفي عليها موت سليمان وقد ظهر أنه خفي عليها بدوامها في الخدمة والصنعة.
الجيلاني
تفسير : {ٱلْحَمْدُ} المحيط، المستوعب لجميع المحامد الناشئة من ألسنة عموم ما لمع عليه برق الوجود، ثابت {للَّهِ} المستجمع لجميع الأوصاف والأسماء المربية لعموم الأشياء الكائنة غيباً وشهادةً {ٱلَّذِي} ثبت {لَهُ} ملكاً وتصرفاً وإظهاراً وإعداماً وإعادةً جميع {مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: علويات عالم الأسماء والصفات والأعيان الثابتة في الأزل {وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} أي: سفليات عالم الطبيعة المنعكسة من العلويات وما بينهما من الكوائن والفواسد التي برزت بنور الوجود على مقتضى الوجود، من مكمن العدم إلى فضاء الظهور {وَ} بعدما ثبت أن الكل منه بدأ وإليه يعود في الانتهاء، ثبت {لَهُ ٱلْحَمْدُ} والثناء الصادر من عموم ألسنة المظاهر، المتوجه نحو المظهر الموجد طوعاً لا غيره من الوسائل والأسباب العادية؛ إذ منتهى الكل إليه {فِي ٱلآخِرَةِ} كما أن مبدأه منه في الأولى، فله الحمد في الأولى والأخرى {وَ} كيف لا {هُوَ ٱلْحَكِيمُ} المتقن في أفعاله بالاستقلال بلا شريك وظهير {ٱلْخَبِيرُ} [سبأ: 1] عن كيفية اتحاد المظاهر وإعدامها، أولاًَ وآخراً، أزلاً وأبداً. إذا هو سبحانه بمقتضى علمه الحضوري {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ} أي: ظلمة الطبيعة القابلة لفيضان الاستعدادات، الفائضة من المبدأ الفياض {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} من المعارف والحقائق الكامنة المختفية فيها على مقتضى تربية مربيها ومظهرا {وَ} كذا يعلم بعلمه الحضوري {مَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} أي: عالم الأسماء إلى أرض المظاهر والمسميات من الفيوضات والفتوحات، الشاملة لأنواع الكمالات {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} متصاعدة من المكاشفات والمشاهدات الحاصلة من تلك الفتوحات الهابطة {وَ} بالجملة: {هُوَ ٱلرَّحِيمُ} لعباده بإفاضة أنواع الكرامات بمقتضى رحمته الواسعة {ٱلْغَفُورُ} [سبأ: 2] لذنوب أنانياتهم وتعيناتهم الباطلة بعدما رجعوا إليه وتوجهوا نحوه تائبين آيبين مخلصين. رزقنا الله الوصول إلى محل القبول. {وَ} بعدما أخبر سبحانه بقيام الساعة في كتبه وعلى ألسنة رسله، سيما في كتابك يا أكمل الرسل وعلى لسانك {قَالَ} الجاحدون المنكرون {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بالحق، وستروه بالباطل وكذبوا الرسل وعاندوا معهم يا أكمل الرسل، مستهزئين: {لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ} الموعدة على لسانك أيها المدعي مع أنك أدعيت الصدق في جميع أخبارك وأقوالك، فكيف لا تأتي الساعة التي ادعيت إتيانها، وأخبرت بها؟! لعلك كذبت وافتريت إلى ربك {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل بعدما استهزءوا معك، ونسبوك إلى الكذب والافتراء، وأنكروا بإتيان الساعة: {بَلَىٰ} تأتي الساعة الموعودة عليَّ وعلى حميع الرسل والأنبياء، لاشك في إتيانها وقيامها {وَ} حق {رَبِّي} القادر المقتدر على إنجاز جميع ما وعد بلا خلف {لَتَأْتِيَنَّكُمْ} الساعة الموعودة من عندهح إذ وعده سبحانه مقضي حتماً جزماً بلا شائبة شك وطريان غفلة عليه وسهو عنه، وكيف يطرأ عليه سبحانه سهو وذهول، وهو {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ} بالعلم الحضوري، فالمغيبات حاضرة عنده غير مغيبة عنه؛ إذ {لاَ يَعْزُبُ} ولا يغيب {عَنْهُ} سبحانه وعن حيطة حضرة علمه {مِثْقَالُ ذَرَّةٍ} ومقدار خردلة لا من الكوائن {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: العلويات {وَلاَ} من الكوائن {فِي ٱلأَرْضِ} أي: السفليات، ولا من المكونات الحادثة بينهما {وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ} المقدار {وَلاَ أَكْبَرُ} منه {إِلاَّ} وهو مثبت {فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 3] هو حضرة علمه ولوح قضائه. إنما أثبت وأحضر الكل في لوح قضائه {لِّيَجْزِيَ} سبحانه المؤمنين {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بتوحيده، واعترفوا بتصديق رسله {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المقربة إليه سبحانه، المقبولة عنده، خير الجزاء ويعطيهم أحسن المواهب والعطاء {أُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبولون عنده المستحقون لأنواع الكرامات {لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} لما تقدم من ذنوبهم تفضلاً عليهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [سبا: 4] صوري في الجنة، ومعنوي عند وصولهم إلى شرف لقائه، بلا كيف وأين ووجهة وجهة ومكان وزمان.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : { ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} [سبأ: 1] يشير إلى الثناء على نفسه والمدح لذاته إخباراً عن كمال جلاله واستحقاقه لنعوت عزه وجماله، فهو في الأزل حامد لنفسه محمود وأحمد موجود وفي الآزال معبود وبالظلمات مقصود الذي له ما في السماوات وما في الأرض ملكاً وملكاً لا شركة لأحد فيهما فلا ملك ولا مالك إلا هو وإن جرى هذان الاسمان على مخلوقه، فإن ذلك المخلوق داخل في ملكه وملكه وأنه الزِّنجي لا يتغير عن لونه، وإن سمي كافوراً. {وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِي ٱلآخِرَةِ} ذكر بلام التمليك، وذكر الحمد بالألف واللام وهي لاستغراق الجنس يعني كل حمد به الحامدون في السماوات والأرض وفي الدنيا والآخرة، وكل حمد يحمد به أحد من خلقه راجع إليه؛ لأنه هو أصل الحمد والحمد ملك له لا شركة لأحد فيه وأنه حمد نفسه بقوله الحمد لله، وأنزل على خلقه ليحمدوه بحمد قديم فيه معنى يصلح لذاته القديم، فإن الحمد المحدث بمعنى محدث تدركه الأفهام المحدثة لا يصلح لذاته القديم ولهذا ليلة المعراج. كما قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: "حديث : أثن علي، قال صلى الله عليه وسلم: لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" تفسير : يعني: الثناء المحدث من محدث لا يصلح لذاتك القديم إلا ثناؤك القديم الصادر من ذاتك القديم من الأزل إلى الأبد بلا بداية له ولا نهاية يصلح لذاتك الذي لا أول ولا آخر، بل أنت أول كل شيء وآخر كل آخر وظاهر كل ظاهر وباطن كل باطن. {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ} [سبأ: 1] فيما قدر ودبر {ٱلْخَبِيرُ} [سبأ: 1] بما خلق كيف خلق وبما خلق {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ} [سبأ: 2] أي: أرض البشرية بواسطة الحواس الخمس والأغذية الصالحة والفاسدة من الحلال والحرام {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} [سبأ: 2] من الصفات المتولدة منها والأعمال المنجية {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} [سبأ: 2] سماء القلب من الفيض الروحاني والإلهامات الربانية {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} من آثار الفجور والتقوى وظلمة الضلالة ونور الهدى {وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ} [سبأ: 2] لمن تولاه {ٱلْغَفُورُ} [سبأ: 2] لذنوب أهل ولايته. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ} [سبأ: 3] أي: وقالت النفوس الكاذبة المكذبة لأهلها أن القيامة ليست آتية ولا نبعث، فبهذا التمني كفروا وكذبوا الرسل وما قبلوا دعوتهم وكلامهم، وتابعوا أهواءهم وهذا الكفر والتكذيب والتمني الفاسد طبيعة النفوس كلها، فمن وكله الله بالخذلان إلى طبيعة نفسه تكون هذه الخصال سجنه أبدّاً. وإذا أراد الله لعبد خيراً ينظر إلى قلبه بنظر العناية ويسمعه قوله: {قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} [سبأ: 3]، وينطبق بهذا الإقرار وتصديق الرسل وقول الشريعة والعمل بها وهو {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ} [سبأ: 3] غيب القلوب والشهادة شهادة النفوس {لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ} [سبأ: 3] مما يجري {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [سبأ: 3] سماوات القلوب {وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} [سبأ: 3] أرض النفوس {وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 3] مكتوب عنده في أم الكتاب وبتقديره يجري ما يجري على أهل النفوس وبتوفيقه يجري ما يجري على أهل القلوب كما اقتضت الحكمة الإلهية والمشيئة القديمة. {لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} [سبأ: 4] خير الجزاء {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} [سبأ: 4] لذنوب النفوس {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} [سبأ: 4] من كرم الحق وفضله للأرواح والقلوب من المواهب السنية {وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا} [سبأ: 5] أي: في إبطال القرآن أنه منا بهذا يشير إلى الفلاسفة الذين يقولون: إن محمداً صلى الله عليه وسلم كان حكيما من الحكماء وبالحكمة أخرج هذا الناموس الأكبر يعنون النبوة والشريعة، ويزعمون أن القرآن كلامه أنشأه من تلقاء نفسه يسعون في هذا المعنى {مُعَاجِزِينَ} [سبأ: 5] يجاهدون جهداً تاماً في إبطال الحق وإثبات الباطل {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} [سبأ: 5] الرجز سوء الطرد والإبعاد.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : الحمد: الثناء بالصفات الحميدة، والأفعال الحسنة، فللّه تعالى الحمد، لأن جميع صفاته، يحمد عليها، لكونها صفات كمال، وأفعاله، يحمد عليها، لأنها دائرة بين الفضل الذي يحمد عليه ويشكر، والعدل الذي يحمد عليه ويعترف بحكمته فيه. وحمد نفسه هنا، على أن { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ } ملكا وعبيدا، يتصرف فيهم بحمده. { وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ } لأن في الآخرة، يظهر من حمده، والثناء عليه، ما لا يكون في الدنيا، فإذا قضى اللّه تعالى بين الخلائق كلهم، ورأى الناس والخلق كلهم، ما حكم به، وكمال عدله وقسطه، وحكمته فيه، حمدوه كلهم على ذلك، حتى أهل العقاب ما دخلوا النار، إلا وقلوبهم ممتلئة من حمده، وأن هذا من جراء أعمالهم، وأنه عادل في حكمه بعقابهم. وأما ظهور حمده في دار النعيم والثواب، فذلك شيء قد تواردت به الأخبار، وتوافق عليه الدليل السمعي والعقلي، فإنهم في الجنة، يرون من توالي نعم اللّه، وإدرار خيره، وكثرة بركاته، وسعة عطاياه، التي لم يبق في قلوب أهل الجنة أمنية، ولا إرادة، إلا وقد أعطي فوق ما تمنى وأراد، بل يعطون من الخير ما لم تتعلق به أمانيهم، ولم يخطر بقلوبهم. فما ظنك بحمدهم لربهم في هذه الحال، مع أن في الجنة تضمحل العوارض والقواطع، التي تقطع عن معرفة اللّه ومحبته والثناء عليه، ويكون ذلك أحب إلى أهلها من كل نعيم، وألذ عليهم من كل لذة، ولهذا إذا رأوا اللّه تعالى، وسمعوا كلامه عند خطابه لهم، أذهلهم ذلك عن كل نعيم، ويكون الذكر لهم في الجنة، كالنَّفس، متواصلا في جميع الأوقات، هذا إذا أضفت ذلك إلى أنه يظهر لأهل الجنة في الجنة كل وقت من عظمة ربهم، وجلاله، وجماله، وسعة كماله، ما يوجب لهم كمال الحمد، والثناء عليه. { وَهُوَ الْحَكِيمُ } في ملكه وتدبيره، الحكيم في أمره ونهيه. { الْخَبِيرُ } المطلع على سرائر الأمور وخفاياها ولهذا فصل علمه بقوله: { يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأرْضِ } أي: من مطر، وبذر، وحيوان { وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } من أنواع النباتات، وأصناف الحيوانات { وَمَا يَنزلُ مِنَ السَّمَاءِ } من الأملاك والأرزاق والأقدار { وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } من الملائكة والأرواح وغير ذلك. ولما ذكر مخلوقاته وحكمته فيها، وعلمه بأحوالها، ذكر مغفرته ورحمته لها، فقال: { وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ } أي: الذي الرحمة والمغفرة وصفه، ولم تزل آثارهما تنزل على عباده كل وقت بحسب ما قاموا به من مقتضياتهما.
همام الصنعاني
تفسير : 2389- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْحَكِيمُ ٱلْخَبِيرُ}: [الآية: 1]، قال: حكيم في أمْرِهِ، خبير بخلقه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):