٣٤ - سَبَأ
34 - Saba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
2
Tafseer
الرازي
تفسير : ما يلج في الأرض من الحبة والأموات ويخرج منها من السنابل والأحياء وما ينزل من السماء من أنواع رحمته منها المطر ومنها الملائكة ومنها القرآن، وما يعرج فيها منها الكلم الطيب لقوله تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ } ومنها الأرواح ومنها الأعمال الصالحة لقوله: {أية : وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ } تفسير : [فاطر: 10] وفيه مسائل: المسألة الأولى: قدم ما يلج في الأرض على ما ينزل من السماء، لأن الحبة تبذر أولاً ثم تسقى ثانياً. المسألة الثانية: قال {وما يعرج فيها} ولم يقل يعرج إليها إشارة إلى قبول الأعمال الصالحة ومرتبة النفوس الزكية وهذا لأن كلمة إلى للغاية، فلو قال وما يعرج إليها لفهم الوقوف عند السموات فقال: {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } ليفهم نفوذها فيها وصعودها منها ولهذا قال في الكلم الطيب: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ } لأن الله هو المنتهى ولا مرتبة فوق الوصول إليه، وأما السماء فهي دنيا وفوقها المنتهى. المسألة الثالثة: قال: {وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ } رحيم بالإنزال حيث ينزل الرزق من السماء، غفور عندما تعرج إليه الأرواح والأعمال فرحم أولاً بالإنزال وغفر ثانياً عند العروج.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِي ٱلأَرْضِ} أي ما يدخل فيها من قَطْر وغيره، كما قال: «أية : فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ» تفسير : [الزمر:21] من الكنوز والدفائن والأموات وما هي له كِفات. {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} من نبات وغيره. {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} من الأمطار والثلوج والبَرَد والصواعق والأرزاق والمقادير والبركات. وقرأ عليّ بن أبي طالب «وما ننزل» بالنون والتشديد. {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} من الملائكة وأعمال العباد؛ قاله الحسن وغيره. {وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ}.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَعْلَمُ مَا يَلْجُ } يدخل {فِى ٱلأَرْضِ } كماء وغيره {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } كنبات وغيره {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمآءِ } من رزق وغيره {وَمَا يَعْرُجُ } يصعد {فِيهَا } من عمل وغيره {وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ } بأوليائه {ٱلْغَفُورُ } لهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَلِجُ فِى الأَرْضِ} المطر و {يَخْرُجُ مِنْهَا} النبات، أو الوالج الأموات والخارج الذهب الفضة والمعادن، أو الوالج البذور الخارج الزرع. {وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ} من الملائكة {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} منهم، أو النازل القضاء والعارج العمل، أو النازل المطر والعارج الدعاء.
القشيري
تفسير : {يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ} من الحَبِّ تحت الأرض، والماءِ يرسب فيها، والأشياءِ التي تُلْقَى عليها، والناس يُقْبَرُون في الأرض.. {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} من النبات والأزهار، والموتى يُبعثون. {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ} من القَطْرِ والمَلَكِ، والبركة الرزق، والحُكْمِ. {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} من الصحف، وحوائج الناس: وهِمَمِ الأولياء. {وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ} بعباده، {ٱلْغَفُورُ} لجميع المذنبين من المسلمين.
اسماعيل حقي
تفسير : {يعلم ما يلج فى الارض} الولوج الدخول فى مضيق اى يعلم ما يدخل فيها من البزور والغيث ينفذ فى موضع وينبع من آخر والكنوز والدفائن والاموات والحشرات والهوام ونحوها وايضا يعلم ما يدخل فى ارض البشرية بواسطة الحواس الخمس والاغذية الصالحة والفاسدة من الحلال والحرام {وما يخرج منها} كالحيوان من جحره والزرع والنبات وماء العيون والمعادن والاموات عند الحشر ونحوها وايضا ما يخرج من ارض البشرية من الصفات المتولدة منها والاعمال الحسنة والقبيحة {وما ينزل من السماء} كالملائكة والكتب والمقادير والارزاق والبركات والامطار والثلوج والبرد والانداء والشهب والصواعق ونحوها ايضا ما ينزل من سماء القلب من الفيوض الروحانية والالهامات الربانية {وما يعرج} يصعد {فيها} كالملائكة والارواح الطاهرة والابخرة والادخنة والدعوات واعمال العباد. ولم يقل "اليها" لان قوله تعالى {أية : اليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} تفسير : يشير الى ان الله تعالى هو المنتهى لا السماء ففى ذكر "فى" اعلام بنفوذ الاعمال فيها وصعودها منها. وايضا وما يعرج فى سماء القلب من آثار الفجور والتقوى وظلمة الضلالة ونور الهدى. وقال بعضهم [آنجه بالاميرود ناله تائبانست وآه مفلسان كه جون سحر كاه ازخلو تخانه سينه ايشان روى بدركاه رحمت بناه آرد فى الحال رقم قبول بروى افتدكه (انين المذنبين احب الىّ من زجل المسبحين) غلغل تسببح شيخ ارجند مقبولست ليك آه درد آلود رندانرا قبول ديكرست بداود عليه السلام وحى آمدكه اى داود آن ذلت كه ازتوصارشد برتو مبارك بودداود كفت بارخدا ذلت جكونه مبارك باشد كفت اى داود بيش ازان ذلت هرباركه بدركاه ما آمدى ملك وار مى آمدى باكر شمه وناز طاعت واكنون مى آيى بنده وار مى آيى باسوز ونياز مفلسى] {وهو الرحيم} للحامدين ولمن تولاه {الغفور} للمقصرين ولذنوب اهل ولايته فاذا كان الله متصفا بالخلق والملك والتصرف والحكمة والعلم والرحمة والمغفرة ونحوها من الصفات الجليلة فله الحمد المطلق والحمد هو الثناء على الجميل الاختيارى من جهة التعظيم من نعمة وغيرها كالعلم والكرم واما قولهم الحمد لله على دين الاسلام فمعناه على تعليم الدين وتوفيقه والحمد القولى هو حمد اللسان وثناؤه على الحق بما اثنى به بنفسه على لسان انبيائه والحمد الفعلى هو الاتيان بالاعمال البدنية ابتغاء لوجه الله والحمد الحالى هو الاتصاف بالمعارف والاخلاق الالهية والحمد عند المحنة الرضى عن الله فيما حكم به وعند النعم الشكر فيقال فى الضراء الحمد لله على كل حال نظرا الى النعمة الباطنة دون الشكر لله خوفا من زيادة المحنة لان الله تعالى قال {أية : لئن شكرتم لازيدنكم} تفسير : والحمد على النعمة كالروح للجسد فلا بد من احيائها وابلغ الكلمات فى تعظيم صنع الله وقضاء شكر نعمته الحمد لله ولذا جعلت زينة لكل خطبة وابتداء لكل مدحة وفاتحة لكل ثناء وفضيلة لكل سورة ابتدئت بها على غيرها. وفى الحديث "حديث : كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو اجذم" تفسير : اى اقطع فله الحمد قبل كل كلام بصفات الجلال والاكرام شعر : حمد اوتاج تارك سخنست صدر هرنامه نووكهنست تفسير : قال فى فتوح الحرمين شعر : احسن ما اهتم به ذو الهمم ذكر جميل لولى النعم جون نعم اوست برون ازخيال كيف يؤديه لسان المقال نعمت او بيشتر از شكر ماست شكرهم ازنعمتهاى خداست حديث : وعن رفاعة بن رافع رضى الله عنه قال كنا نصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رفع رأسه صلى الله عليه وسلم من الركوع قال "سمع الله لمن حمده" فقال رجل وراءه ربنا لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه فلما انصرف قال (من المتكلم آنفا) قال الرجل انا قال (لقد رأيت بضعا وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها اولا) تفسير : وانما ابتدرها هذا العدد لان ذلك عدد حروف هذه الكلمات فلكل حرف روح هو المثبت له والمبقى لصورة ما وقع النطق به فبالارواح تبقى الصور وبنيات العمال وتوجهات نفوسهم ترتفع حيث منتهى همة العامل وللملائكة مراتب منها مخلوق من الانوار القدسية والارواح الكلية ومنها من الاعمال الصالحة والاذكار الخالصة بعضها على عدد بعض كلمات الاذكار وبعضها على عدد حروف الاذكار وبعضها على عدد الحروف المكررة وبعضها على عدد اركان الاعمال على قدر استعداد الذاكرين وقوتهم الروحية وهمتهم العلية. وفى الحديث المذكور دليل على ان من الاعمال ما يكتبه غير الحفظة مع الحفظة ويختصم الملأ الاعلى فى الاعمال الصالحة ويستبقون الى كتابه اعمال بنى آدم على قدر مراتبهم وتفصيل سر الحديث فى شرح الاربعين لحضرة الشيخ الاجل صدر الدين القنوى قدس سره
الجنابذي
تفسير : {يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِي ٱلأَرْضِ} اى ما يدخل فى ارض عالم المثال العلوىّ من اشعّة العقول والنّفوس، ومن صور علوم العقول والنّفوس، ومن الافاضات الّلاتى تفيض عليها من العالم المثال العلوىّ الّتى بها بقاؤها ورزقها، والّتى تفيض عنها الى ما دونها من عالم الطّبع وعالم الجنّة ويعلم ما يلج فى الارض الّتى هى جملة عالم الطّبع من اشعّة العقول والنّفوس وعالم المثال، وممّا يفيض عليها ممّا به بقاؤها ورزقها، ومن الصّور الّتى تفيض على اجرامها، ومن الوجود الّذى يتجدّد على جملة اجزائها آناً فآناً ويعلم ما يلج فى الارض العنصريّة من اشعّة العقول والنّفوس وعالم المثال واشعّة كواكب الافلاك وصور المواليد والقوى والاستعدادات الّتى تدخل فيها بعد امتزاجها بسائر العناصر وتولّد المواليد منها وهكذا الاستعدادات الّتى تدخل فى جملة المواليد ويعلم المياه الّتى تدخل فيها من البحار والانهار والامطار وما يستحيل من الهواء اليها ومن الاجزاء الرّشيّة الهوائيّة الّتى تدخل فى تجاويفها، ومن الحبوب والعروق الّتى تدخل فيها، ويعلم ما يلج فى الارض الّتى هى عالم الجنّة من القوى والاستعدادات، ومن الاناسىّ الّذين يدخلون فى عالمهم من الاشقياء الّذين يصيرون من سنخهم، وممّا يفيض عليها من العلويّين ومن القوى والاستعدادات الّتى تتولّد فيها من تأثير العلويّين، ويعلم ما يلج فى عالم البرزخ المسمّى بهور قوليا فى لسان الاقدمين فانّه مدينة لها الف الف بابٍ، وفى النّزول يدخل فيها كلّ يوم من ابوابها المشرقيّة ما لا يحصى عددهم من الملائكة النّازلة، ويدخل فيها من تلك الابواب ما لا يحصى ممّا يفيض على ما دونها من عالم الطّبع وعالم الجنّة، وفى الصّعود يدخل فيها كلّ يومٍ بل كلّ آنٍ ما لا يحصى عددهم من الملائكة الصّاعدين والنّفوس البشريّة المنخلعة عن الابدان الصّاعدة الى المثال العلوىّ وعالم الارواح، او النّازلة الى عالم الجنّة والجحيم {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} يمكن ان يعلم ذلك بالمقايسة {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ} الّذى يرحم عباده وخلقه بان لا يقطع مدد حيٰوتهم ورزقهم منهم مع ما يرى منهم من قبائح اعمالهم ومع ما يعرج منهم الى السّماوات من الاعمال السّيّئة الّتى ينبغى ان يعذّبوا عليها {ٱلْغَفُورُ} الّذى يستر قبائح اعمالهم عن الاناسىّ والملائكة بل عن انفسهم.
اطفيش
تفسير : {يعلم ما يلج في الأرض} يدخل فيها من مطر وميت وكنز. {وما يخرج منها} من ماء يتصاعد بواسطة وبدونها وشجر ونبات ومعادن وموتى بالبعث وبالخلق وبالخروج بعد الإستتار كالحيات والعقارب. {وما ينزل من السماء} من ماء وثلج وبرد وملك وبركة وكتاب ومقدار ورزق وإيذاء وصاعقة، وقرأ علي بالنون والتشديد على طريق الإلتفات. {وما يعرج فيها} كملك وعمل عبد ونجار ودخان والعروج الصعود وفي بمعنى الى أو ضمن معنى الدخول فعدي بني الظرفية. {وهو الرحيم الغفور} بخلقه لمن تاب من التفريط في شكر هذه النعم الكثيرة التي لا تحصر والمراد الرحمة العامة رحمة الدنيا للمؤمن والكافر ورحمة الآخرة للمؤمن أو الرحمة الخاصة بالمؤمنين وهي رحمة الآخرة لهم رحمة الآخرة بعد هذه الرحمة التي في الدنيا.
اطفيش
تفسير : {يعْلمُ ما يلجُ في الأرض وما يخرجُ منها وما ينْزلُ من السَّماءِ وما يعْرجُ فيها} بيان لبعض جزئيات خبرته مستأنف، أو حال من الهاء فى له ما السماوات، أى ما يدخل فى الأرض من مياه وأموات، وما يغيب فيها بدفن أو غيره، أو بالحفر للسكنى، وما يخرج منها من النبات ونحو المعادن والحيوانات، إذ خلقهن من التراب، والموتى يبعثون منها، وما ينزل من السماء من الملائكة والمطر والثلج، والبرد والصواعق، والمقادير ونحو ذلك على العموم، بحيث يفسر السماء بجهة العلو مطلقا، وما يعرج إليها من الملائكة ومن الجن لاستراق السمع، والأبخرة والأدخنة وأعمال العباد وأدعيتهم، وفى الأخيرة بمعنى الى، وترتيب الآية كام هى ترق فى المدح، فان العلم بما كان خفيا فى الأرض أقوى من العلم بما كان ظاهرا، ثم خفى، وما يعرج اليها أظهر مما فيها ونزل، وذلك لبادىء الرأى، وفى الجملة، وأما فى علم الله فسواء ذلك كله، ويعلمه قبل وقوعه، وبعد وقوعه ومع وقوعه. {وهُو الرَّحيمُ الغُفُور} للعصاة إن تابوا.
الالوسي
تفسير : وقوله تعالى: {يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِى ٱلأَرْضِ } الخ استئناف لتفصيل بعض ما يحيط به علمه تعالى من الأمور التي نيطت بها مصالحهم الدينية والدنيوية، وجوز أن يكون تفسيراً لخبير، وأن يكون حالاً من ضميره تعالى في {أية : لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ }تفسير : [سبأ: 1] فيكون {لَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلأَخِرَةَ } اعتراضاً بين الحال وصاحبها أي يعلم سبحانه ما يدخل في الأرض من المطر {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا } من النبات قاله السدي. وقال الكلبـي: ما يدخل فيها من الأموات وما يخرج منها من جواهر المعادن، والأولى التعميم في الموصولين فيشملان كل ما يلج في الأرض ولو بالوضع فيها وكل ما يخرج منها حتى الحيوان فإنه كله مخلوق من التراب. {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } أي من الملائكة قاله السدي والكلبـي، والأولى التعميم فيشمل {مَا يَنزِلُ} المطر والثلج والبرد والصاعقة والمقادير ونحوها أيضاً {وَمَا يَعْرُجُ } الأبخرة والأدخنة وأعمال العباد وأدعيتهم ونحوها أيضاً، ويراد بالسماء جهة العلو مطلقاً ولعل ترتيب المتعاطفات كما سمعت إفادة للترقي في المدح، وضمن العروج معنى السير أو الاستقرار على ما قيل فلذا عدي بفي دون إلى، وقيل: لا حاجة إلى اعتبار التضمين والمراد بما يعرج فيها ما يعرج في ثخن السماء ويعلم من العلم بذلك العلم بما يعرج إليها من باب أولى فتدبر. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه والسلمي {ينزل} بضم الياء وفتح النون وشد الزاي أي الله كذا في «البحر». وفي «الكشاف» عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قرأ {نُنَزّلُ } بالتشديد ونون العظمة. {وَهُوَ } مع كثرة نعمته وسبوغ فضله {ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ } للمفرطين في أداء مواجب شكرها فهذا التذنيب مع كونه مقرراً للخبرة مفصل لما أجمل في قوله سبحانه: {أية : لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [سبأ: 1] يعرف منه كيف كان كله نعمة وكالتبصر لأنواع النعم الكلية فكل منه ومن التذنيب السابق في موضعه اللاحق فلا تتوهم أن العكس أنسب.
ابن عاشور
تفسير : بيان لجملة { أية : وهو الحكيم الخبير } تفسير : [سبأ: 1] لأن العلم بما ذكر هنا هو العلم بذواتها وخصائصها وأسبابها وعللها وذلك عين الحكمة والخبرة، فإن العلم يقتضي العمل، وإتقانُ العمل بالعلم. وخص بالذكر في متعلِّق العلم ما يلج وما يخرج من الأرض دون ما يَدِبّ على سطحها، وما ينزل وما يعرج إلى السماء دون ما يجول في أرجائها لأن ما ذكر لا يخلو عن أن يكون دَابًّا وجائلاً فيهما، والذي يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها يعلم ما يدبّ عليها وما يزحف فوقها، والذي يعلم ما ينزل من السماء وما يعرج يعلم ما في الأجواء والفضاء من الكائنات المرئية وغيرها ويعلم سير الكواكب ونظامها. والولوج: الدخول والسلوكُ مثل ولُوج ماء المطر في أعماق الأرض وولوج الزريعة. والذي يخرج من الأرض، النبات والمعادن والدواب المستكنة في بيوتها ومغاراتها، وشمل ذلك من يُقبرون في الأرض وأحوالهم. والذي ينزل من السماء: المطر والثلج والرياح، والذي يعرج فيها ما يتصاعد في طبقات الجو من الرطوبات البحرية ومن العواصف الترابية، ومن العناصر التي تتبخر في الطبقات الجوية فوق الأرض، وما يسبح في الفضاء وما يطير في الهواء، وعروجُ الأرواح عند مفارقة الأجساد قال تعالى: { أية : تعرج الملائكة والروح إليه } تفسير : [المعارج: 4]. واعلم أن كلمتي {يلج} و{يخرج} أوضح ما يُعَبَّر به عن أحوال جميع الموجودات الأرضية بالنسبة إلى اتصالها بالأرض، وأن كلمتي {ينزل} و{يعرج} أوضح ما يعبَّر به عن أحوال الموجودات السماوية بالنسبة إلى اتصالها بالسماء، من كلمات اللغة التي تدل على المعاني الموضوعة للدلالة عليها دلالةً مطابقية على الحقيقة دون المجاز ودون الكناية، ولذلك لم يعطف السماء على الأرض في الآية فلم يقل: يعلم ما يلج في الأرض والسماء، وما يخرج منهما، ولم يُكتَفَ بإحدى الجملتين عن الأخرى. وقد لاح لي أن هذه الآية ينبغي أن تجعل من الإِنشاء مثل ما اصطلح على تسميته بصراحة اللفظ. ولذلك ألحقتها بكتابي «أصول الإنشاء والخطابة» بعد تفرق نسخه بالطبع، وسيأتي نظير هذه في أول سورة الحديد. ولما كان من جملة أحوال ما في الأرض أعمال الناس وأحوالهم من عقائد وسير، ومما يعرج في السماء العمل الصالح والكَلم الطيّب أتبع ذلك بقوله: {وهو الرحيم الغفور} أي الواسع الرحمة والواسع المغفرة. وهذا إجمال قصد منه حث الناس على طلب أسباب الرحمة والمغفرة المرغوب فيهما، فإن من رغب في تحصيل شيء بحث عن وسائل تحصيله وسعى إليها. وفيه تعريض بالمشركين أن يتوبوا عن الشرك فيغفر لهم ما قدموه.
الشنقيطي
تفسير : بيّن جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنّه يعلم ما يلج في الأرض، أي ما يدخل فيها كالماء النازل من السماء، الذي يلج في الأرض، كما أوضحه بقوله تعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الزمر: 21] الآية. وقوله: {أية : وَأَنزَلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [المؤمنون: 18] الآية، فهو جل وعلا، يعلم عدد القطر النازل من السماء إلى الأرض، وكيف لا يعلمه من خلقه: {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} تفسير : [الملك: 14] ويعلم أيضاً ما يلج في الأرض من الموتى الذين يُدفنون فيها، كما قال جل وعلا {أية : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} تفسير : [طه: 55] وقال: {أية : أَلَمْ نَجْعَلِ ٱلأَرْضَ كِفَاتاً أَحْيَآءً وَأَمْواتاً} تفسير : [المرسلات: 25ـ26] والكفات من الكفت: وهو الضم، لأنها تضمّهم أحياء على ظهرها، وأمواتاً في بطنها، ويعلم ما يلج في الأرض من البذر كما قال تعالى: {أية : وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام: 59]. وكذلك ما في بطنها من المعادن وغير ذلك. قوله: {وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا} أي من الأرض كالنبات، والحبوب والمعادن، والكنوز، والدفائن وغير ذلك، ويعلم ما ينزل من السماء من المطر، والثلج، والبرد، والرزق وغير ذلك، وما يعرج: أي يصعد فيها أي السماء كالأعمال الصالحة، كما بينه بقوله: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} تفسير : [فاطر: 10] وكأرواح المؤمنين وغير ذلك كما قال تعالى: {أية : تَعْرُجُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} تفسير : [المعارج: 4] الآية. وقال تعالى: {أية : يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ إِلَى ٱلأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ} تفسير : [السجدة: 5] وما ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه يعلم جميع ما ذكره في سورة الحديد في قوله: {أية : يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَٱللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} تفسير : [الحديد: 4]. وقد أوضحنا الآيات الدالة على كمال إحاطة علم الله بكل شيء في أول سورة هود، في الكلام على قوله تعالى: {أية : أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ} تفسير : [هود: 5] الآية، وفي مواضع أخر متعددة.
د. أسعد حومد
تفسير : (2) - يَعْلَمُ مَا يَدْخُلُ فِي الأَرْضِ (يَلِجُ) مِنْ مَطَرٍ وَبَذْرٍ وَمَعَادِنَ وَأَمْوَاتٍ وَدَفَائِنَ، وَمَا يَخْرُجُ مِنْها مِنْ حَيَوَانٍ وَنَبَاتٍ وَغَازَاتٍ وَمَاءٍ وَمَعَادِنَ وَمُخَلَّفَاتٍ تَرَكَتْها الأُمَمُ السَّالِفَةُ، وَيَعْلَمُ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَلائِكةٍ وَكُتُبٍ وَشُهُبٍ وَمَطرٍ وَصَوَاعِقَ، وَمَا يَصْعَدُ (يَعْرُجُ) فِيها مِنْ مَلائِكَةٍ وَأَعْمَالِ عِبَادٍ، وَغيرِ ذَلكَ، وَهُوَ الرَّحيمُ بِعِبَادِهِ فَلاَ يُعَاجِلُ العُصَاةَ بِالعُقُوبَةِ، وَهُوَ الغُفُورُ لِذُنُوبِ التَّائِبينَ إليهِ، المُنِيبِينَ لَهُ. مَا يَلِجُ - مَا يَدْخُلُ فِي الأَرْضِ مِنْ مَطَرٍ وَغيرِهِ. مَا يَعْرُجُ - مَا يَصْعَدُ مِنَ المَلاَئِكَةِ وَالأَعْمَالِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى {يَلِجُ ..} [سبأ: 2] يدخل، ومنه قوله تعالى: {أية : يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ ..} تفسير : [فاطر: 13] يعني: يُدخِل كلاً منهما في الآخر، فزيادة الليل تنقص من النهار، وزيادة النهار تنقص من الليل؛ لذلك نرى اختلاف المواقيت. لكن، ما الذي يدخل في الأرض - في حدود ما تراه أنظارنا -؟ هناك أشياء تدخل في الأرض لا دَخْلَ لنا بها كماء المطر مثلاً حين ينزل من السماء، نأخذ منه حاجاتنا، ويتسرَّب منه جزء في باطن الأرض، كما قال تعالى: {أية : فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [الزمر: 21]. ويدخل في الأرض الحبة التي نزرعها، فينشأ عنها الاقتيات الذي يضمن لنا بقاء الحياة، وهذه الاقتيات يأتي من مضاعفة الحبة إلى أضعاف كثيرة، كذلك يدخل في الأرض الميِّت الذي نستودعه الأرضَ بعد أنْ يموت، ولك أنْ تلحظ وجه الشبه بين الحبة تزرعها، والميت تدفنه في ضوء قوله تعالى: {أية : مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} تفسير : [طه: 55]. فكما أن الحبة أنبتتْ سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، كذلك يجب أن نقيس المتواليات الذهنية فنقول كذلك حين أدخل أو أدفن في الأرض بعد الموت: أخرج بحياة أخرى أكثر نماءً من حياتي في الدنيا، وأكثر خَيْراً فضلاً عما سترَتْه الأرض من سَوْءاتي. وقوله سبحانه: {وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ ..} [سبأ: 2] ما الذي ينزل من السماء؟ ينزل منها المطر لاستبقاء الحياة، وبالماء حياة كل شيء حي، هذا في مادة تكوينك، أما في حياتك الروحية فتنزل الملائكة بالقيم وبالمنهج الذي به تحيا الأرواح والقلوب، وتنزل الملائكة المدبِّرات أمراً، التي تدبر شئون الخلائق، والتي قال الله فيها: {أية : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [الرعد: 11]. والبعض لا يفهم معنى الآية، فيقول: كيف تحفظه الملائكة من أمر الله؟ يريدون أن أمر الله ينبغي أنْ يُنفذ، فكيف يحفظونه منه؟ والمعنى: يحفظونه حِفْظاً صادراً من أمر الله، ليس تطوُّعاً من عندهم. والحق سبحانه يُرينا قدرته في إنزال المطر حينما نُجري عملية تقطير الماء في المعامل والأجزاخانات، انظر كم يتكلف كوب الماء المقطر، وكم يأخذ من الوقت والجهد، أما المطر فتُقطِّره لك قدرة الله دون أنْ تشعر أنت به، فحرارة الشمس تُبخِّر الماء الذي يُكوِّن السحب، ثم تسوقه الرياح إلى حيث شاء الله له أنْ ينزل، ومن حكمته تعالى أنْ جعل ثلاثة أرباع الكرة الأرضية ماءً لتتسع مساحة البخر، فيكفي المطر حاجة الأحياء. ومثّلنا لهذه الظاهرة بكوب الماء الذي تتركه لمدة شهر، فلا ينقص إلا عدة سنتيمترات، أما إنْ سكبْتَه في أرض الحجرة فإنه يجفّ قبل أن تغادرها، لماذا؟ لأنك وسَّعْتَ المساحة التي يتبخر منها الماء. وماء المطر هو الماء العَذْب الزلال الذي يشرب منه الإنسان والحيوان والطير، ونسقي منه الزرع ومشارف الأرض، وما تبقَّى يسلكه الله في جوف الأرض لحين الحاجة إليه، فالمطر آية من آيات الله الدالة على قدرته تعالى. ثم يقول سبحانه: {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ..} [سبأ: 2] أى: يصعد، وقد أشار القرآن إلى هذه المسألة في قوله تعالى: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ..} تفسير : [فاطر: 10] أى: تصعد آثار التكليف المنهجي من الله تعالى. لكن نلحظ في أسلوب {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ..} [سبأ: 2] استخدام حرف الجر (في) ولم يَقُلْ يعرج إليها، نعلم أن الحرف يدل على معنًى في ذاته، لكن هذا المعنى لا بُدَّ له من ضميمة شيء إليه، ليعطي معنى يفهم، فالحرف (في) يدل على الظرفية، كما تقول: ماء في الكوب، أمَّا لو قلت (في) مستقلة بذاتها، فإنها لا تدلُّ على شيء. والعلماء حينما استقبلوا كثيراً من الأساليب وجدوا بها حروفاً ظَنُّوا أنها زائدة، أو أنها بمعنى حرف آخر، كما قالوا في معنى: {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا} [سبأ: 2] أن (في) هنا بمعنى (إلى)، لكن لماذا عدل الأسلوب عن (إلى) إلى (في)؟ إذن: لا بُدَّ أنها تحمل معنى الظرفية. وللتوضيح نذكر ما قُلْنا في قوله تعالى: {أية : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ} تفسير : [طه: 71] البعض قال أي: على جذوع النخل، وهذا فَهْم غير دقيق عن الله؛ لأن (في) هنا تعطيني المعنيين: معنى (على) ومعنى (في). فالتصليب صَلْب شيء على شيء، وهذا المعنى تؤديه (على)، لكن فيه قصور، فإنْ أردتَ (على) فحسب، فينبغي أنْ تقول: لأصلبنكم على جذوع النخل تصليباً قوياً، بحيث تدخل أجزاء المصلوب في المصلوب عليه. إذن: المعنى الكامل للتصليب لا تؤديه إلا (في). خُذْ مثلاً عود كبريت وضَعْه على يدك، أو على أصبعك، والفُفْ عليه خيطاً خفيفاً، في هذه الحالة الخيط فقط يثبت العود، أما إذا شددْتَ عليه الخيط بقوة، فإن العود يدخل في الجلد حتى يكاد يختفي بداخله، هذا هو التصليب المراد أنْ تشدَّ المصلوب على المصلوب عليه بقوة بالمسامير أو الحبال أو نحوه. لذلك قال سبحانه: {أية : فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ ..} تفسير : [طه: 71] ولم يقُلْ على جذوع النخل؛ لأن (في) أدَّتْ معنى الاستعلاء والظرفية معاً. كذلك في {وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ..} [سبأ: 2] ولم يقًلْ: وما يعرج إليها؛ لأن إلى لا تؤدي المعنى المطلوب، فـ (إلى) تدل على الغاية، كما تقول: سافرت من القاهرة إلى الإسكندرية. والسماء ليست هي غاية صعود الكَلِم الطيب، إنما غايته ومنتهاه إلى الله عز وجل، وما السماء إلا طريق يُوصل إلى المنتهى الأعلى، وسبق أنْ قُلْنا: إن السماء هي كل مَا علاك. وهذا المعنى لحرف الجر واضح كذلك في قوله تعالى: {أية : وَسَارِعُوۤاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ..} تفسير : [آل عمران: 133] فاستخدم (إلى) لأن المغفرة هي غاية ما يَسْعى إليه المؤمن ويسارع. وقال: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي ٱلْخَيْرَاتِ ..} تفسير : [المؤمنون: 61]. ولم يقل: إلى الخيرات؛ لأن الخيرات ليست هي الغاية، إنما هي مراتب يترقَّى فيها المؤمن ويتعالى، كلما وصل إلى خير تطلَّع إلى أَخْيَر منه، فكأن الخيرات ظرف يسير فيه لا إليه. كذلك لما تكلَّم الحق سبحانه عن الذين كذَّبوا الرسل، قال: {أية : فَرَدُّوۤاْ أَيْدِيَهُمْ فِيۤ أَفْوَٰهِهِمْ ..} تفسير : [إبراهيم: 9]. البعض يقول: أي: إلى أفواههم، لا لأن (في) تحمل معنى المبالغة في رَدِّ المنهج الذي جاء به الرسل، فالمعنى أن الرسل حينما جاءوا بالمنهج لم يقبله المكذِّبون وقالوا لهم: وفروا عليكم كلامكم، يعنى: لن يُجدي معنا شيئاً، وجعلوا أيديهم داخل الأفواه، وعَضُّوا عليها من الغيظ مما سمعوا من الرسل، وهذا المعنى لا تؤديه لفظة: إلى أفواههم. ثم هو سبحانه: {وَهُوَ ٱلرَّحِيمُ ٱلْغَفُورُ} [سبأ: 2] صفة الرحيم أي: الذي يمنع وقوع الضُّرِّ بِدايةً، كما قال سبحانه: {أية : وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ ..} تفسير : [الإسراء: 82]. كلمة {شِفَآءٌ ..} [الإسراء: 82] تعني: أنه أصابك مرض نشأ من الغفلة، فجاء القرآن ليُذكِّرك ويُنبِّهك ويشفي نفسك من هذه الغفلة، فإنْ لم توجد الغفلة كان القرآن رحمة تمنع حدوث الداء من البداية. و (رحيم) صيغة مبالغة من الرحمة. كذلك {ٱلْغَفُورُ} [سبأ: 2] صيغة مبالغة من المغفرة، والحق سبحانه كثيراً ما يؤكد على هذه الصفة؛ لأنه سبحانه خلق الإنسان، ويعلم أنه لن يسير دائماً على الصراط المستقيم، ولا بُدَّ أن ينحرف يوماً ما عن المنهج القويم؛ لذلك قال {أية : يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ ٱلْكِتَابِ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ ..} تفسير : [المائدة: 15]. وقلنا: إنه لولا صفة الرحمة والتوبة والمغفرة لتمادى المذنب في الذنوب، ويئس أنْ يعود إلى الطريق المستقيم، وهذا الذي أسميناه (فاقد) وبه يشقى المجتمع كله، لكن إنْ عرف أن له رباً يغفر الذنب ويقبل التوبة، فإنه يُقبل عليها ويتوب ولم لا، وقد تكفَّل الله له بمغفرة ذنوبه إنْ تاب وأناب؟ إذن: شرع اللهُ التوبةَ ليرحم الخَلْقَ ليرحم الخَلْق كلهم، ويُقدِّم لهم جميلاً، فحين يتوب على المذنب يرحم المجتمع مِن شرِّه، ويرحمه هو من آثار ذنوبه؛ لذلك يقول تعالى: {أية : ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ ..} تفسير : [التوبة: 118] أى: شرع لهم التوبة ليفتح لهم مجال التراجع وطريق العودة إلى الله، حتى لا يكون هناك شراسة وتَمَادٍ في الشر، ولا ينقلب المذنب إلى طاغوت. وحين نتأمل قوله تعالى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ..} تفسير : [إبراهيم: 34] نجد صَدْر الآية ورد بنفس اللفظ في موضعين، لكن العَجُز مختلف، ففي آية: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} تفسير : [إبراهيم: 34] وفي الأخرى: {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَآ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [النحل: 18]. عندما وقف بعضهم عند هذه الآية اعترضوا، فقالوا: كيف تُعَدُّ النعمة، وهي واحدة؟ {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا ..} تفسير : [إبراهيم: 34] والرد: أن النعمة التي تراها واحدة في ظاهرها في طَيِّها نِعَم شتى، وقد وَضُح لنا هذا بعد أنْ تقدَّمت العلوم وظهر علم عناصر الأشياء، فالتفاحة مثلاً تراها في ظاهرها نعمة واحدة، لكن علم العناصر يُبيِّن لنا أن بها نعَماً شتى، وعناصر وفوائد مختلفة، فهي نعمة في طيِّها نِعَم. والنعمة تقتضي: نعمة، ومُنْعِماً، ومُنْعَماً عليه، فالنعمة في ذاتها من الكثرة بحيث لا تُعَدُّ ولاَ تُحصى؛ لذلك استخدم كلمة (إنْ) الدالة على الشك، ولم يقل مثلاً: إذا عددتم نعمة الله؛ لأن هذا مجال لا يطمع فيه أحد، ونِعَم الله ليست مظنة الإحصاء. لذلك لم يُقْدِم أحد على محاولة عَدِّ نِعَم الله حتى بعد أنْ وُجدت جامعات وكليات متخصصة في الإحصاء، حاولت إحصاء كل شيء إلا هذه المسألة، لأن الإقبال على العَدِّ والإحصاء يعني إمكانية الوصول إلى إحصاء المعدود. أما من حيث المنْعَم عليه وهو الإنسان، فهو ظَلُوم كفار، ظلوم لنفسه ولغيره، كفَّار بالنعمة، ولو آخذناه بذلك لحرمناه هذه النعمة، والذي حماه من هذا الحرمان أن المُنعِم عليه غفور ورحيم، وهذا إذا نظرنا إلى المنعمِ سبحانه. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ...}.
زيد بن علي
تفسير : أخبرنا أبو جعفر. قال: حدثنا علي بن أحمد. قال: حدثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السَّلامُ في قولهِ تعالى: {مَا يَلِجُ فِي ٱلأَرْضِ} معناه يَدْخُلُ ويَغيبُ فِيها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):