٣٤ - سَبَأ
34 - Saba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم بين أن هذه النعمة التي يستحق الله بها الحمد وهي نعمة الآخرة أنكرها قوم فقال تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ } ثم رد عليهم وقال: {قُلْ بَلَىٰ وَرَبّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ * لّيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ }. أخبر بإتيانها وأكده باليمين، قال الزمخشري رحمه الله: لو قال قائل كيف يصح التأكيد باليمين مع أنهم يقولون لا رب وإن كانوا يقولون به، لكن المسألة الأصولية لا تثبت باليمين وأجاب عنه بأنه لم يقتصر على اليمين بل ذكر الدليل وهو قوله: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات} وبيان كونه دليلاً هو أن المسيء قد يبقى في الدنيا مدة مديدة في اللذات العاجلة ويموت عليها والمحسن قد يدوم في دار الدنيا في الآلام الشديدة مدة ويموت فيها، فلولا دار تكون الأجزية فيها لكان الأمر على خلاف الحكمة، والذي أقوله أنا هو أن الدليل المذكور في قوله: {عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ } أظهر، وذلك لأنه إذا كان عالماً بجميع الأشياء يعلم أجزاء الأحياء ويقدر على جمعها فالساعة ممكنة القيام، وقد أخبر عنها الصادق فتكون واقعة، وعلى هذا فقوله تعالى: {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ } فيه لطيفة وهي أن الإنسان له جسم وروح والأجسام أجزاؤها في الأرض والأرواح في السماء فقوله: {لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ } إشارة إلى علمه بالأرواح وقوله: {وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ } إشارة إلى علمه بالأجسام، وإذا علم الأرواح والأشباح وقدر على جمعها لا يبقى استبعاد في المعاد. وقوله: {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ } إشارة إلى أن ذكر مثقال الذرة ليس للتحديد بل الأصغر منه لا يعزب، وعلى هذا فلو قال قائل فأي حاجة إلى ذكر الأكبر، فإن من علم الأصغر من الذرة لا بد من أن يعلم الأكبر؟ فنقول لما كان الله تعالى أراد بيان إثبات الأمور في الكتاب، فلو اقتصر على الأصغر لتوهم متوهم أنه يثبت الصغائر، لكونها محل النسيان، أما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته، فقال الإثبات في الكتاب ليس كذلك فإن الأكبر أيضاً مكتوب فيه، ثم لما بين علمه بالصغائر والكبائر ذكر أن جمع ذلك وإثباته للجزاء فقال: {لّيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } ذكر فيهم أمرين الإيمان والعمل الصالح، وذكر لهم أمرين المغفرة والرزق الكريم، فالمغفرة جزاء الإيمان فكل مؤمن مغفور له ويدل عليه قوله تعالى: { أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } تفسير : [النساء: 48] وقوله عليه السلام فيما أخبرنا به تاج الدين عيسى بن أحمد بن الحاكم البندهي قال: أخبرني والدي عن جدي عن محيـي السنة عن عبد الواحد المليجي عن أحمد بن عبد الله النعيمي عن محمد بن يوسف الفربري عن محمد بن إسماعيل البخاري « حديث : يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من إيمان» تفسير : والرزق الكريم من العمل الصالح وهو مناسب فإن من عمل لسيد كريم عملاً، فعند فراغه من العمل لا بد من أن ينعم عليه إنعاماً ويطعمه طعاماً، ووصف الرزق بالكريم قد ذكرنا أنه بمعنى ذي كرم أو مكرم، أو لأنه يأتي من غير طلب بخلاف رزق الدنيا، فإنه ما لم يطلب ويتسبب فيه لا يأتي، وفي التفسير مسائل: المسألة الأولى: قوله: {أُوْلـئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون لهم ذلك جزاء فيوصله إليهم لقوله: {لّيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ }، وثانيهما: أن يكون ذلك لهم والله يجزيهم بشيء آخر لأن قوله: {أُوْلـئِكَ لَهُمْ } جملة تامة إسمية، وقوله تعالى: {لّيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } جملة فعلية مستقلة، وهذا أبلغ في البشارة من قول القائل. ليجزي الذين آمنوا رزقاً. المسألة الثانية: اللام في ليجزي للتعليل، معناه الآخرة للجزاء، فإن قال قائل: فما وجه المناسبة؟ فنقول: الله تعالى أراد أن لا ينقطع ثوابه فجعل للمكلف داراً باقية ليكون ثوابه واصلاً إليه دائماً أبداً، وجعل قبلها داراً فيها الآلام والأسقام وفيها الموت ليعلم المكلف مقدار ما يكون فيه في الآخرة إذا نسبه إلى ما قبلها وإذا نظر إليه في نفسه. المسألة الثالثة: ميز الرزق بالوصف بقوله كريم ولم يصف المغفرة واحدة هي للمؤمنين والرزق منه شجرة الزقوم والحميم، ومنه الفواكه والشراب الطهور، فميز الرزق لحصول الانقسام فيه، ولم يميز المغفرة لعدم الانقسام فيها.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ} قيل: المراد أهل مكة. قال مقاتل: قال أبو سفيان لكفار مكة: والّلات والعزّى لا تأتينا الساعة أبداً ولا نُبعث. فقال الله: {قُلْ} يا محمد {بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} وروى هارون عن طَلْق المعلم قال: سمعت أشياخنا يقرؤون «قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَيَأْتِيَنَّكُمْ» بياء، حملوه على المعنى، كأنه قال: ليأتينكم البعث أو أمره. كما قال: {أية : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} تفسير : [النحل:33]. فهؤلاء الكفار مقرّون بالابتداء منكرون الإعادة، وهو نقض لما اعترفوا بالقدرة على البعث، وقالوا: وإن قدر لا يفعل. فهذا تحكّم بعد أن أخبر على ألسنة الرسل أنه يبعث الخلق، وإذا ورد الخبر بشيء وهو ممكن في الفعل مقدور، فتكذيب مَن وجب صدقه محال. {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ} بالرفع قراءة نافع وابن كثِير على الابتداء، وخبره «لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ» وقرأ عاصم وأبو عمرو «عالِم» بالخفض، أي الحمد لِلَّه عالم، فعلى هذه القراءة لا يحسن الوقف على قوله: {لَتَأْتِيَنَّكُمْ}. وقرأ حمزة والكسائي: «علاّم الغيب» على المبالغة والنعت. {لاَ يَعْزُبَ عَنْهُ} أي لا يغيب عنه، «ويَعْزِب» أيضاً. قال الفراء: والكسر أحبّ إليّ. النحاس: وهي قراءة يحيـى بن وثاب، وهي لغة معروفة. يقال: عزَب يعزُب ويعزِب إذا بَعُد وغاب. {مِثْقَالُ ذَرَّةٍ} أي قدر نملة صغيرة. {فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ} وفي قراءة الأعمش «وَلاَ أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرَ» بالفتح فيهما عطفاً على «ذَرَّةٍ». وقراءة العامّة بالرفع عطفاً على «مِثْقَالُ». {إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} فهو العالم بما خلق ولا يخفى عليه شيء. {لِّيَجْزِيَ} منصوب بلام كي، والتقدير: لتأتينكم لِيجزي. {ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} بالثواب، والكافرين بالعقاب. {أُوْلَـٰئِكَ} يعني المؤمنين. {لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} لذنوبهم. {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} وهو الجنة.
ابن كثير
تفسير : هذه إحدى الآيات الثلاث التي لا رابع لهن، مما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد، لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد، فإحداهن في سورة يونس عليه السلام، وهي قوله تعالى: {أية : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِى وَرَبِّىۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} تفسير : [يونس: 53] والثانية هذه: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ}، والثالثة في سورة التغابن، وهي قوله تعالى: {أية : زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} تفسير : [التغابن: 7] فقال تعالى: {قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ} ثم وصفه بما يؤكد ذلك ويقرره، فقال: {عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ} قال مجاهد وقتادة: لا يعزب عنه: لا يغيب عنه، أي: الجميع مندرج تحت علمه، فلا يخفى عليه شيء، فالعظام، وإن تلاشت وتفرقت وتمزقت، فهو عالم أين ذهبت، وأين تفرقت، ثم يعيدها كما بدأها أول مرة، فإنه بكل شيء عليم. ثم بين حكمته في إعادة الأبدان وقيام الساعة، بقوله تعالى: {لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} أي: سعوا في الصد عن سبيل الله تعالى وتكذيب رسله، {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} أي: لينعم السعداء من المؤمنين، ويعذب الأشقياء من الكافرين، كما قال عز وجل: {أية : لاَ يَسْتَوِىۤ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ أَصْحَـٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ} تفسير : [الحشر: 20] وقال تعالى: {أية : أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِى ٱلأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ ٱلْمُتَّقِينَ كَٱلْفُجَّارِ } تفسير : [ص: 28]. وقوله تعالى: {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ} هذه حكمة أخرى معطوفة على التي قبلها، وهي أن المؤمنين بما أنزل على الرسل، إذا شاهدوا قيام الساعة، ومجازاة الأبرار والفجار بالذي كانوا قد علموه من كتب الله تعالى في الدنيا، رأوه حينئذ عين اليقين، ويقولون يؤمئذ أيضاً: {أية : لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ} تفسير : [الأعراف: 43] يقال أيضاً: {أية : هَذَا مَا وَعَدَ ٱلرَّحْمـٰنُ وَصَدَقَ ٱلْمُرْسَلُونَ} تفسير : [يس: 52] {أية : لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْبَعْثِ فَهَـٰذَا يَوْمُ ٱلْبَعْثِ} تفسير : [الروم: 56] {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} العزيز: هو المنيع الجناب، الذي لا يغالب ولا يمانع، بل قد قهر كل شيء وغلبه، الحميد، في جميع أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، وهو المحمود في ذلك كله جل وعلا.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ } القيامة {قُلْ } لهم {بَلَىٰ وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَٰلِمِ ٱلْغَيْبِ } بالجرّ صفة، والرفع خبر مبتدأ و(علاّم) بالجر {لاَ يَعْزُبُ } يغيب {عَنْهُ مِثْقَالُ } وزن {ذَرَّةٍ } أصغر نملة {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ وَلآَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلآ أَكْبَرُ إِلاَّ فِى كِتَٰبٍ مُّبِينٍ } بيّن: هو اللوح المحفوظ.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَالَّذِينَ سَعَواْ فِي ءَايَاتِنَا} فيه وجهان: أحدهما: أن سعيهم فيها بالجحود لها، قاله الضحاك. الثاني: بالتكذيب بها. {مُعَاِجِزِينَ} وقرىء. {مُعْجِزِينَ} وفي تأويل معاجزين أربعة أوجه: أحدها: مسابقين، قاله قتادة. الثاني: مجاهدين، قاله ابن زيد. الثالث: مراغمين مشاقين، وهو معنى قول ابن عباس وعكرمة. الرابع: أي لا يعجزونني هرباً ولا يفوتونني طلباً، وهو معنى قول الكلبي. وفي تأويل معجزين ثلاثة أوجه: أحدها: مثبطين الناس عن اتباع الرسول، قاله مجاهد. الثاني: مضعّفين لله أن يقدر عليهم، قاله بعض المتأخرين. الثالث: معجزين من آمن وصَدَّقَ بالبعث بإضافة العجز إليه. ويحتمل رابعاً: أنهم نسبوا المؤمنين إلى العجز عن الانتصار لدينهم إما بضعف الحجة وإما بقلة القوة. {أُوْلئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٍ} قال قتادة: الرجز هو العذاب الأليم. قوله عز وجل: {وَيَرَى الَّذينَ أوتُواْ الْعِلْمَ} فيهم قولان: أحدهما: أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. الثاني: أنهم المؤمنون من أهل الكتاب، قاله الضحاك. {الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ} قال الحسن هو القرآن كله حق. {وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} فيه قولان: أحدهما: يهدي إلى دين الله وهو الإسلام، رواه النواس بن سمعان الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. الثاني: إلى طاعة الله وسبيل مرضاته.
ابن عطية
تفسير : روي أن قائل هذه المقالة هو أبو سفيان بن حرب، وقال اللات والعزى ما ثم ساعة تأتي ولا قيامة ولا حشر فأمر الله تعالى نبيه أن يقسم بربه مقابلة لقسم أبي سفيان قبل رداً وتكذيباً وإيجاباً لما نفاه وأجاز نافع الوقف على {بلى} وقرأ الجمهور "لتأتينكم" بالتاء من فوق، وحكى أبو حاتم قراءة "ليأتينكم" بالياء على المعنى في البعث. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بخلاف "عالمِ" بالخفض على البدل من {ربي}، وقرأ نافع وابن عامر "عالمُ" بالرفع على القطع، أي هو عالم، ويصح أن يكون "عالم" رفع بالابتداء وخبره {لا يعزب} وما بعده، ويكون الإخبار بأن العالم لا يعزب عنه شيء إشارة إلى أنه قد قدر وقتها وعلمه والوجه الأول أقرب، وقرأ حمزة والكسائي "علامِ" على المبالغة وبالخفض على البدل و {يعزب} معناه يغيب ويبعد، وبه فسر مجاهد وقتادة، وقرأ جمهور القراء "لا يعزُب" بضم الزاي، وقرأ الكسائي وابن وثاب "لا يعزب" بكسرها وهما لغتان، و {مثقال ذرة} معناه مقدار الذرة، وهذا في الأجرام بين وفي المعاني بالمقايسة وقرأ الجمهور "ولا أصغرُ ولا أكبر" عطفاً على قوله {مثقال} وقرأ نافع والأعمش وقتادة "أصغرَ وأكبرَ" بالنصب عطفاً على {ذرة} ورويت عن أبي عمرو، وفي قوله تعالى: {إلا في كتاب مبين} ضمير تقديره إلا هو في كتاب مبين، والكتاب المبين هو اللوح المحفوظ، واللام من قوله تعالى: {ليجزي} يصح أن تكون متعلّقة، بقوله تعالى: {لتأتينكم} ويصح أن تكون متعلقة بقوله {لا يعزب}، ويصح أن تكون متعلقة بما في قوله {إلا في كتاب مبين} من معنى الفعل لأن المعنى إلا أثبته في كتاب مبين، و"المغفرة" تغمد الذنوب، و"الرزق الكريم" الجنة {والذين} معطوف على {الذين} الأول أي وليجزي الذين سعوا، و {معاجزين} معناه محاولين تعجيز قدرة الله فيهم، وقرأ الجحدري وابن كثير "معجزين" دون ألفٍ أي معجزين قدرة الله تعالى بزعمهم، وقال ابن الزبير: معناه مثبطين عن الإيمان من أراده مدخلين عليه العجز في نشاطه وهذا هو سعيهم في الآيات، ثم بين تعالى جزاء الساعين كما بين قبل جزاء المؤمنين، وقرأ عاصم في رواية حفص "أليمٌ" بالرفع على النعت للعذاب، وقرأ الباقون "أليمٍ" بالكسر على النعت، لـ {رجز}، و"الرجز" العذاب السيىء جداً، وقرأ ابن محيصن "من رُجز" بضم الراء.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ} رُوِيَ: أَنَّ قائلَ هذه المقالة هُو أَبُو سفيانَ بنِ حَرْبٍ، والَّلامُ من قوله: {لِّيَجْزِيَ} يَصِحُّ أَنْ تكونَ متعلقةً بقوله: {لَتَأْتِيَنَّكُمْ} و {ٱلَّذِينَ} مَعْطُوفٌ عَلَى {ٱلَّذِينَ} الأولى، أي: ولِيَجْزَي الَّذِينَ سَعَوْا و {مُعَـٰجِزِينَ} معناه: مُحَاوِلِينَ تَعْجِيزَ قدرةِ اللّهِ فِيهمْ، ثُم أَخْبَرَ تَعَالَى بَأَنَّ الذِينَ أُوتُوا العِلمَ يَرَوْنَ الوَحْيَ المُنَزَّل عَلَى مُحَمَّدٍ عليه السلام حَقاً، وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ قِيلَ: هُمْ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ، ثُمَّ حَكَى اللّهُ تَعَالَى عَنْ الكُفَّارِ مَقَالَتَهُمْ الَّتِي قَالُوهَا عَلَى جِهَةِ التَّعَجُّبِ وَالهُزْءِ وَاسْتِبْعَادِ البَعْثِ، هل نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ؛ يَعْنُونَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم {يُنَبئُكُمْ إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} بِالبِلَى وَتَقَطُّعِ الأَوْصَالِ فِي القُبُورِ وَغَيْرِهَا و {جَدِيدٍ} بمعنى مُجَدَّدِ، وقولهم: {أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} هُوَ أَيْضاً مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ثُمَّ أَضْرَبَ عَنْ قَوْلِهِمْ؛ فَقَالَ: {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ فِي ٱلْعَذَابِ}: يُريدُ عَذَابَ الآخرةِ؛ لأَنَّهُمْ صَائِرُونَ إلَيْه، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يريدَ عَذَابَ الدنيا أَيضاً، والضَّمِيرُ فِي قوله: {أَفَلَمْ يَرَوْاْ} لهؤلاء الذين لا يؤمِنُونَ بالآخرةِ وَقَفَهُمْ اللّه على قدرتِه، وخَوَّفَهُم من إحاطَتِهَا بهِمْ، والمعنى: أليسَ يَرونَ أمامَهم وَوَرَاءَهُم سَمَائِي وَأَرْضِي، وَبَاقِي الآيةِ بَيِّنٌ، ثم ذكَر اللّه تَعَالَى نعمتَه عَلى دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ احتجَاجاً عَلى مَا مَنَحَ مُحَمَّداً، و{أَوِّبِي} مَعنَاه: رَجِّعي معه، قال ابنُ عَبَّاسٍ وغيرُهُ: معناه: يا جبالُ سَبِّحِي مَعَه، أي: يُسَبِّحُ هُوَ وتُرَجِّع هِيَ معه التسبيحَ، أي: تُرَدِّدُهُ بالذكر. وقال مؤرج: {أَوِّبِي} سَبِّحِي بِلُغَةِ الحَبَشةِ، وقَرَأَ عَاصِمُ: «والطيرُ» ـــ بالرفع عَطْفاً عَلى لفظِ قوله: «يا جبال» وَقَرَأَ نَافِعُ وَابْنُ كَثِيرٍ: «والطيرَ» بِالنَّصَبِ. قَالَ سَيبَوَيْهِ: عَطَفَ عَلَى مَوْضِع قَوْلِهِ: «يا جبال» لأَنَّ مَوْضِعَ المنادَى المفردِ نصبٌ، وقيل: نَصْبُها بإضمار فِعْلٍ تقديرُه وسخَّرْنَا الطَّيْرَ، {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ} مَعْنَاه: جَعَلْنَاهُ لَيِّناً، ورَوَى قَتَادَةُ وَغَيْرِه: أَنَّ الْحَدِيدَ كَانَ لَهُ كَالشَّمْعِ؛ لاَ يَحْتَاجُ فِي عَمَلِهِ إلَى نَارٍ، و«السابغات»: الدُّرُوعُ الكَاسِيَاتِ ذَوَاتُ الفُضُولِ. وَقَوله تعالى: {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ} قَالَ ابنُ زَيْدٍ: الذي أَمَرَ بهِ هُوَ فِي قدر الحَلْقَة، أي: لا تَعْمَلْهَا صَغِيرَةً فَتَضْعُفَ؛ فَلا يَقْوَى الدِّرْعُ عَلى الدِّفَاعِ، وَلاَ تَعْمَلْهَا كَبِيرَةً، فَيُنَالَ لاَبِسُهَا مِنَ خِلاَلِهَا. وقال ابن عباس: التقديرُ: الَّذِي أَمَر بهِ هُو فِي المِسْمَارِ، وذَكَرَ البُخَارِيُّ فِي «صحيحهِ» ذَلِكَ؛ فَقَالَ: المَعْنَى: لاَ تَدِقَّ المِسْمَارَ فَيَتَسَلَّلَ وَلاَ تُغْلِظَهُ فَيَنْقَصِمَ بالقافِ وبالفاء أيضاً رواية. * ت *: قال الهُرَوِيُّ: قوله تعالى: {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ} «السرد» مُتَابَعَةُ حَلَقِ الدِّرْعِ شَيْئاً بعد شيء حتى يتناسقَ، يقالُ: فُلاَنٌ يَسْرِدُ الحَدِيثَ سَرْداً، أي: يُتَابِعُه. انتهى.
البقاعي
تفسير : ولما ثبتت حكمته بما نشاهد من محكم الأفعال وصائب الأقوال، فثبت بذلك علمه لأن الحكمة لا تكون إلا بالعلم، وكان الرب الرحيم العليم لا تكمل ربوبيته إلا بالملك الظاهر والأيالة القاهرة التي لا شوب فيها، ثبت البعث الذي هو محط الحكمة وموضع ظهور العدل، فكانت نتيجة ذلك: فالله يأتي بالساعة لما ثبت من برهانها كما ترون، فعطف عليه قوله: {وقال الذين كفروا} أي ستروا ما دلتهم عليه عقولهم من براهينها الظاهرة: {لا تأتينا الساعة} والإخبار عنها باطل. ولما تقدم من الأدلة ما لا يرتاب معه، أمره أن يجيبهم برد كلامهم مؤكداً بالقسم على أنه لم يخله من دليل ظاهر فقال: {قل بلى وربي} أي المحسن إليّ بما عمني به معكم من النعم، وبما خصني به من تنبئتي وإرسالي إليكم - إلى غير ذلك من أمور لا يحصيها إلا هو سبحانه، فهو أكرم من أن يدعكم من غير أن يحشركم لينتقم لي منكم، ويقر عيني بما يجازيكم به من أذاكم لي ولمن اتبعني، فإنه لا يكون سيد قط يرضى أن يبغي بعض عصاة عبيده على بعض، ويدعهم سدى من غير تأديب، فكيف إذا كان المبغي عليه مطيعاً له، والباغي عاصياً عليه، هذا ما لا يرضاه عاقل فكيف بحاكم فكيف بأحكام الحاكمين؟ {لتأتينكم} أي الساعة لتظهر فيها ظهوراً تاماً الحكمة بالعدل والفضل، وغير ذلك من عجائب الحكم والفصل. ولما كان الحاكم لا يهمل رعيته إلا إذا غابوا من علمه، ولا يهمل شيئاً من أحوالهم إلا إذا غاب عنه ذلك الشيء، وكانت الساعة من عالم الغيب، وكان ما تقدم من إثبات العلم ربما خصه متعنت بعالم الشهادة، وصف ذاته الأقدس سبحانه بما بين أنه لا فرق عنده بين الغيب الذي الساعة منه والشهادة، بل الكل عنده شهادة، وللعناية بهذا المعنى يقدم الغيب إذا جمعا في الذكر، فقال مبيناً عظمة المقسم به ليفيد حقية المقسم عليه لأن القسم بمنزلة الاستشهاد على الأمر، وكلما كان المستشهد به أعلى كعباً وأبين فضلاً وأرفع منزلة كان في الشهادة أقوى وآكد، والمستشهد عليه أثبت وأرسخ، واصفاً له على قراءة الجماعة ومستأنفاً، - وهو أبلغ - على قراءة المدنيين وابن عامر ورويس عن يعقوب بالرفع: {عالم الغيب} وقراءة حمزة والكسائي "علام" بصيغة المبالغة كما هو أليق بالموضع. ولما كنا القصور علمنا متقيدين بما في هذا الكون مع أن الكلام فيه، قال مصرحاً بالمقصود على أتم وجه: {لا يعزب} - أي يغيب ويبعد عزوباً قوياً - على قراءة الجماعة بالضم، ولا ضعيفاً - على قراءة الكسائي بالكسر {عنه مثقال ذرة} أي من ذات ولا معنى، والذرة نملة حمراء صغيرة جداً صارت مثلاً في أقل القليل فهي كناية عنه. ولما كان في هذه السورة السباق للحمد، وهو الكمال وجهة العلو به أوفق ولأمر الساعة ومبدأه منها بدأ بها. ولما كان قد بين علمه بأمور السماء، وكان المراد بها الجنس، جمع هنا تصريحاً بذلك المراد فقال: {في السماوات} وأكد النفي بتكرير "لا" فقال: {ولا في الأرض} ولما كنا مقيدين بالكتاب، ابتدأ الخبر بما يبهر العقل من أن كل شيء مسطور من قبل كونه ثم يكون على وفق ما سطر، فإذا كشف للملائكة عن ذلك ازدادوا إيماناً وتسبيحاً وتحميداً وتقديساً، فقال - عند حميع القراء عاطفاً على الجملة من أصلها لا على المثقال لأن الاستثناء يمنعه: {ولا أصغر} أي ولا يكون شيء أصغر {من ذلك} أي المثقال {ولا أكبر} أي من المثقال فما فوقه {إلا في كتاب} وإخبارنا به لما جرت به عوائدنا من تقييد العلم بالكتاب، وأما هو سبحانه فغني عن ذلك. ولما كان الإنسان قد يكتب الشيء ثم يغيب عنه وينسى مكانه فيعجز في استخراجه أخبر أن كتابه على خلاف ذلك، بل هو حيث لا يكشف من يريد اطلاعه عليه شيئاً إلا وجده في الحال فقال: {مبين *} ويجوز - ولعله أحسن - إذا تأملت هذه مع آية يونس أن يعطف على مثقال، ويكون الاستثناء منقطعاً، ولكن على بابها في كونها بين متنافيين، فإن المعنى أنه لا يغيب ولا يبعد عنه شيء من ذلك لكنه محفوظ أتم حفظ في كتاب لا يراد منه كشف عن شي إلا كان له في غاية الإبانة، ولعله عبر بأداة المتصل إشارة إلى أنه إن كان هناك عزوب فهو على هذه الصفة التي هي في غاية البعد عن العزوب، ثم بين علة ذلك كله دليلاً على صدق القسم بما ختمت به الأحزاب من حكمة عرض الأمانة مما لا يمتري ذو عقل ولو قل في صحته، وأنه لا يجوز في الحكمة أن يفعل غيره فقال: {ليجزي الذين آمنوا} أي فإنه ما خلق الأكوان إلا لأجل الإنسان، فلا يجوز ان يدعه بغير جزاء: {وعملوا} أي تصديقاً لإيمانهم {الصالحات}. ولما التفت السامع إلى معرفة جزائهم، أوردة تعظيماً لشأنه، جواباً للسؤال مشيراً إليه بما دل على علو رتبته بعلو رتبة أهله: {أولئك} أي العالو الرتبة {لهم مغفرة} أي لزلاتهم أو هفواتهم لأن الإنسان المبني على النقصان لا يقدر العظيم السلطان حق قدره {ورزق كريم *} أي جليل عزيز دائم لذيذ نافع شهي، لا كدر فيه بوجه. ولما كانت أدلة الساعة قد اتضحت حتى لم يبق مانع من التصديق بها إلا العناد، وكان السياق لتهديد من جحدها، قال معبراً بالماضي: {والذين سعوا} أي فعلوا فعل الساعي {في آياتنا} أي على ما لها من العظمة {معجزين} أي مبالغين في قصد تعجيزها بتخلفها عما نزيده من إنفاذها، وهكذا معنى قراءة المفاعلة، ولما كان ذنبهم عظيماً، أشار بابتداء آخر فقال: {أولئك} أي البعداء البغضاء الحقيرون عن أن يبلغوا مراداً بمعاجزتهم {لهم عذاب} وأيّ عذاب {من رجز} أي شيء كله اضطراب، فهو موجب لعظيم النكد والانزعاج، فهو أسوأ العذاب {أليم *} أي بليغ الألم - جره الجماعة نعتاً لرجز، ورفعه ابن كثير وحفص عن عاصم نعتاً لعذاب. ولما ذم الكفرة، وعجب منهم في إنكارهم الساعة في قوله: {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة} وأقام الدليل على إتيانها، وبين أنه لا يجوز في الحكمة غيره ليحصل العدل والفضل في جزاء أهل الشر وأولي الفضل، عطف على ذلك مدح المؤمنين فقال واصفاً لهم بالعلم، إعلاماً بأن الذي أورث الكفرة التكذيب الجهل: {ويرى الذين} معبراً بالرؤية والمضارع إشارة إلى أنهم في عملهم غير شاكين، بل هم كالشاهدين لكل ما أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم وبالمضارع إلى تجدد عملهم مترقين في رتبه على الدوام مقابلة لجلافة أولئك في ثباتهم على الباطل الذي أشار إليه الماضي، وأشار إلى أن علمهم لدني بقوله: {أوتوا العلم} أي قذفه الله في قلوبهم فصاروا مشاهدين لمضامينه لو كشف الغطاء ما ازدادوا يقيناً سواء كانوا ممن أسلم من العرب أو من أهل الكتاب {الذي أنزل إليك} أي كله من أمر الساعة وغيره {من ربك} أي المحسن إليك بإنزاله، وأتي بضمير الفصل تفخيماً للأمر وتنصيصاً على أن ما بعده مفعول "أوتوا" الثاني فقال: {هو الحق} أي لا غيره من الكلام {ويهدي} أي يجدد على مدى الزمان هداية من اتبعه {إلى صراط} أي طريق واضح واسع. ولما كانت هذه السورة مكية، وكان الكفار فيها مستظهرين والمؤمنون قليلين خائفين، والعرب يذمونهم بمخالفة قومهم ودين آبائهم ونحو ذلك من الخرافات التي حاصلها الاستدلال على الحق المزعوم بالرجال قال: {العزيز الحميد *} أي الذي من سلك طريقه - وهو الإسلام - عز وحمده ربه فحمده كل شيء وأن تمالأ عليه الخلق أجمعون، فإنه سبحانه لا بد أن يتجلى للفصل بين العباد، بالإشقاء والإسعاد على قدر الاستعداد.
ابو السعود
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ} أرادوا بضمير المُتكلِّمِ جنسَ البشر قاطبةً لا أنفسَهم أو معاصريهم فقط كما أرادُوا بنفيِ إتيانها نفيَ وجودِها بالكُلِّيةِ لا عدمَ حضورِها مع تحقُّقها في نفس الأمر وإنما عبَّروا عنه بذلك لأنَّهم كانوا يُوعدون بإتيانها ولأنَّ وجود الأمور الزَّمانيةِ المُستقبلةِ لا سيَّما أجزاءُ الزَّمانِ لا يكون إلا بالإتيانِ والحضورِ، وقيل: هو استبطاءٌ لإتيانها الموعودِ بطريق الهُزءِ والسُّخريةِ كقولهم: متى هذا الوعدُ {قُلْ بَلَىٰ} ردٌّ لكلامِهم وإثباتٌ لِما نفَوه على معنى ليسَ الأمرُ إلاَّ إتيانَها. وقولُه تعالى: {وَرَبّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ} تأكيدٌ له على أتمِّ الوجوهِ وأكملِها. وقُرىء ليأتينَّكم على تأويل السَّاعةِ باليَّومِ أو الوقتِ وقوله تعالى: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ} الخ، إمداد للتَّأكيدِ وتسديدٌ له إثرَ تسديدٍ وكسر لسَورةِ نكيرِهم واستبعادهم فإنَّ تعقيب القسم بجلائل نُعوت المُقسَمِ بهِ على الإطلاق يُؤذنُ بفخامة شأنِ المُقْسَمِ عليه وقوَّةِ ثباته وصحَّتِه لما أنَّ ذلك في حكمِ الاستشهادِ على الأمرِ ولا ريب في أن المستشهدَ به كلَّما كان أجلَّ وأعلى كانتِ الشَّهادةُ آكدَ وأقوى والمستشهدُ عليه أحقَّ بالثُّبوتِ وأولى لا سيَّما إذا خُصَّ بالذِّكرِ من النُّعوتِ ما له تعلُّقٌ خاصٌّ بالمُقسَمِ عليه كما نحنُ فيهِ فإنَّ وصفَه بعلم الغيب الذي أشهرُ أفرادِه وأدخلُها في الخفاء هو المقسمُ عليهِ تنبـيه لهم على علَّةِ الحكم وكونه ممَّا لا يحومُ حوله شائبةُ ريبٍ ما، وفائدة الأمر بهذه المرتبة من اليمين أنْ لا يبقى للمعاندينَ عذرٌ ما أصلاً فإنَّهم كانوا يعرفون أمانتَه ونزاهتَه عن وصمةِ الكذب فضلاً عن اليمين الفاجرةِ وإنَّما لم يُصدِّقُوه مكابرةً. وقُرىء علاَّمُ الغيبِ وعالمُ الغيبِ وعالمُ الغُيوبِ بالرَّفعِ على المدحِ {لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ} أي لا يبعدُ. وقُرىء بكسرِ الزَّايِ {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} مقدارُ أصغرِ نملةٍ {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ} أي كائنةٌ فيهما {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ} أي من مثقالِ ذرَّةٍ {وَلا أَكْبَرَ} أي منه. ورفعُهما على الابتداءِ والخبرُ قوله تعالى: {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ} هو اللَّوحُ المحفوظُ. والجملةُ مؤكِّدةٌ لنفيِ العُزوبِ. وقُرىء ولا أصغرَ ولا أكبرَ بفتحِ الرَّاءِ على نفيِ الجنسِ ولا يجوزُ أن يُعطفَ المرفوعُ على مثقالُ ولا المفتوحُ على ذَرَّةٍ بأنَّه فتح في خبر الجرِّ لامتناع الصَّرفِ لما أنَّ الاستثناءَ يمنعه إلا أنْ يُجعلَ الضَّميرُ في عنه للغيب ويُجعلَ المثبتُ في اللَّوحِ خارجاً عنه لبروزه للمطالعينَ له فيكون المعنى لا ينفصلُ عن الغيب شيءٌ إلى مسطوراً في اللَّوحِ. {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات} علَّةٌ لقوله تعالى: {لَتَأْتِيَنَّكُمْ} وبـيان لما يقتضي إتيانها {أُوْلَـٰئِكَ} إشارةٌ إلى الموصولِ من حيثُ اتِّصافُه بما في حيِّزِ الصِّلةِ، وما فيه من معنى البُعد للإيذانِ ببُعدِ منزلتِهم في الفضلِ والشَّرفِ أي أولئك الموصوفون بالصِّفاتِ الجليلةِ {لَهُمْ} بسبب ذلك {مَغْفِرَةٌ} لما فَرَطَ منهم من بعض فَرَطاتٍ قلَّما يخلُو عنها البشرُ {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} لا تعبَ فيه ولا منَّ عليه.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} [الآية: 3]. قال الواسطى رحمة الله عليه فى هذه الآية: كيف يخفى عليه ما أنشأه أم كيف يستعظم شيئًا هو أبداه.
القشيري
تفسير : كرّر في القرآن تكذيبهم بالساعة، واستبعادهم لذلك، والردَّ عليهم. وأخبر عن سابق عِلمه بهم، وأنه لا يخرج شيء من معلوماته عن علمه، فأثبت علمه بكل شيءٍ وشموله لكل شيء.. لأَنه لو لم يكن له علم لكان نقصاً، ولأنه لو خرَجَ مَعلومٌ واحدٌ عن علمهِ لكان بقدرته نقصٌ، والنقصُ - بأي وصفٍ كان - لا يجوز في صفته بحالٍ.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ} وصف نفسه بالاحاطة على كل ذرة من العرش الى الثرى كيف يعزب عن علمه شئ من علمه ورادته وقدرته بدا ذلك الشئ وبه قيامه ووجوده قال الواسطى فى هذه الأية كيف يخفى عليه ما هو انشاها او كيف يستعظم شيئا هو ابداها.
اسماعيل حقي
تفسير : {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة} [نمى آيد بما قيامت] وعبر عن القيامة بالساعة تشبيها لها بالساعة التى هى جزء من اجزاء الزمان لسرعة حسابها. قال فى الارشاد ارادوا بضمير المتكلم جنس البشر قاطبة لا انفسهم او معاصرهم فقط كما ارادوا بنفى اتيانها نفى وجودها بالكلية لاعدم حضورها مع تحققها فى نفس الامر وانما عبروا عنه بذلك لانهم كانوا يوعدون باتيانها ولان وجود الامور الزمانية المستقبلة لا سيما اجزاء الزمان لا تكون الا بالاتيان والحضور. وفى كشف الاسرار [منكران بعث دو كروه اند كروهى كفتند {ان نظن الا ظنا وما نحن بمستيقنين} يعنى مادر كما نيم برستا خيز يقين نميدانيم كه خواهد بود ورب العالمين ميكويد ايمان بنده وقتى درست شود كه برستاخيز وآخرت بيكمان باشد: وذلك قوله {وبالآخرة هم يوقنون} كروهى ديكر كفتند {لا تأتينا الساعة} رستاخيز بما نيايد ونخواهد بود] {قل بلى} رد لكلامهم واثبات لما نفوه من اتيان الساعة على معنى ليس الامر الا اتيانها [درلباب كفته كه ابو سفيان بلات وعزى سوكند خوردكه بعث ونشور نيست حق تعالى فرمود كه اى حبيب من تو هم سوكند خوركه] {وربى} الواو للقسم: يعنى [بحق آفريدكار من بزودى] {لتأتينكم} الساعة البتة: يعنى [بيايد بشما قيامت] وهو تأكيد لما قبله {عالم الغيب} نعت لربى او بدل منه وهو تشديد للتأكيد يريد ان الساعة من الغيوب والله عالم بكلها والغيب ما غاب عن الخلق على ما قال بعضهم العلقة غيب فى النطفة والمضغة غيب فى العلقة والانسان غيب فى هذا كله والماء غيب فى الهواء والنبات غيب فى الماء والحيوان غيب فى النبات والانسان غيب فى هذا كله والله تعالى قد اظهره من هذه الغيوب وسيظهره بعد ما كان غيبا فى التراب وفائدة الامر باليمين ان لا يبقى للمعاندين عذر اصلا لما انهم كانوا يعرفون امانته ونزاهته عن وصمة الكذب فضلا عن اليمين الفاجرة وانما لم يصدقوه مكابرة وهذا الكفر والتكذيب طبيعة النفوس الكاذبة المكذبة فمن وكله الله بالخذلان الى طبيعة نفسه لا يصدر منه الا الانكار ومن نظره الله الى قلبه بنظر العناية فلا يظهر منه عند سماع قوله {قل بلى وربى لتأتينكم عالم الغيب} الا الاقرار والنطق بالحق {لا يعزب عنه} [العزوب: درشدن] والعازب المتباعد فى طلب الكلأ وعن اهله اى لا يبعد عن علمه ولا يغيب {مثقال ذرة} المثقال ما يوزن به وهو من الثقل وذلك اسم لكل سنج كما فى المفردات. والذرة النملة الصغيرة الحميراء وما يرى فى شعاع الشمس من ذرات الهواء اى وزن اصغر نملة او مقدار الهباء {فى السموات ولا فى الارض} اى كائنة فيهما. وفيه اشارة الى علمه بالارواح والاجسام {ولا اصغر من ذلك} المثقال {ولا اكبر} منه ورفعهما على الابتداء فلا وقف عند اكبر والخبر قوله تعالى {الا} مسطور ومثبت {فى كتاب مبين} هو اللوح المحفوظ المظهر لكل شئ وانما كتب جريا على عادة المخاطبين لا مخافة نسيان وليعلم انه لم يقع خلل وان اتى عليه الدهر والجملة مؤكدة لنفى العزوب
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {ولا أصغر} و {لا أكبر}: عطف على {مِثْقال}، أو: مبتدأ، وخبره: ما بعد الاستثناء. و {ليجزي}: متعلق بقوله: {لَتَأتينكم}، وتجويز ابن جزي تعلقه بيعزب بعيد؛ لأن الإحاطة بعلمه تعالى ذاتية، والذاتي لا يُعلل، وإنما تعلل الأفعال؛ لجوازها، ويصح تعلقه بما تعلق به {في كتاب} أي: أحصى في كتاب مبين للجزاء. يقول الحق جلّ جلاله: {وقال الذين كفروا} أي: منكرو البعث. والناطق بهذه المقالة أبو سفيان بن حرب، ووافق عليها غيره، وقد أسلم هو. قالوا: {لا تأتينَا الساعةُ} وإنما هي أرحام تدفع، وأرض تبلع. قبَّح الله رأيهم، وأخلى الأرض منهم. {قلْ} لهم: {بلى} أبطل مقالتهم الفاسدة ببلى، التي للإضراب، وأوجب ما بعدها، أي: ليس الأمر إلا إتيانها، ثم أعيد إيجابه، مؤكداً بما هو الغاية في التوكيد والتشديد، وهو التوكيد باليمين بالله عزّ وجل، فقال: {وربي لَتأتينَّكم}. ولمَّا كان قيام الساعة من الغيوب المستقبلية الحقية أتبعه بقوله: {عالم الغيبِ}، وقرأ حمزة والكسائي: "علاّم الغيب"، بالمبالغة، يعلم ما غاب في عالم ملكه وملكوته، {لا يَعْزُبُ عنه}: لا يغيب عن علمه {مثقالُ ذرة}: مقدار أصغر نملة {في السماواتِ ولا في الأرض، ولا أصغرُ من ذلك} أي: من مثقال ذرة {ولا أكبرُ إِلا في كتاب مبين} في اللوح المحفوظ، أو في علمه القديم، وكنَّى عنه بالكتاب؛ لأن الكتاب يحصي ما فيه. قال الغزالي، في عقيدة أهل السنة: وأنه تعالى عالم بجميع المعلومات، محيط بما يجري من تخوم الأرض إلى أعلى السماوات، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، يعلم دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، ويُدرك حركة الذر في جو السماء، ويعلم السر وأخفى، ويطّلع على هواجس الضمائر، وحركات الخواطر، وخفيات السرائر، بعلم قديم أزلي، لم يزل موصوفاً به في أزل الأزل. هـ. ثم علل إتيان الساعة بقوله: {ليجزيَ الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أولئك لهم مغفرةٌ} لِما اقترفوا من العصيان، وما قصروا فيه من مدارج الإيمان، {ورِزق كريم} لِمَا صبروا عليه من مناهج الإحسان. {والذين سَعَوْا في آياتنا مُعَاجِزين} بالإبطال وتعويق الناس عنها، {أولئك لهم عذابٌ من رِجْزٍ أليم} أي: لهم عذاب من أقبح العذاب مؤلم. ورفع "أليم" مكي وحفص ويعقوب، نعت لعذاب، وغيرهم بالجر نعت لرجز. قال قتادة: الرجز: سُوء العذاب. الإشارة: بقدر ما يربو الإيمان في القلب يعظم الإيمان بالبعث وما بعده، حتى يكون نُصب عين المؤمن، لا يغيب عنه ساعة، فإذا دخل مقام العيان، استغرق في شهود الذات، فغاب عن الدارين، ولم يبقَ له إلا وجود واحد، يتلون بهيئة الدنيا والآخرة. وفي الحقيقة ما ثَمَّ إلا واحد أحد، الأكوان ثابتة بإثباته، ممحوة بأحدية ذاته. كان الله ولا شيء معه، وهو الآن كما كان، ويكون في المآل كما هو الآن. والله تعالى أعلم. ثم ذكر ضدهم فقال: {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ...}
الجنابذي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ} اى القيامة او ظهور القائم او الرّجعة انكروها واستبطأوها استهزاءً {قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} قد مضى فى سورة يونس (ع) تفسير الآية وقدّم الارض هناك واخّرها ههنا، ووجه تقديم السّماوات ظاهرٌ، ووجه تقديم الارض مضى هناك.
اطفيش
تفسير : {وقال الذين كفروا} قيل المراد ابوسفيان ومن رضى بقوله. {لا تأتينا الساعة} إنكار لمجيئها فقط لا إنكار لمجيئها واستبطاء استهزأ بالوعد بها كما قيل لأن الآية صرحت عنهم بالنفي للساعة وهي ساعة البعث وإنما الذي اجتمع فيه الإنكار والإستبطاء استهزأ قولهم متى هذا الوعد ونحو ذلك. {قل} لهم. {بلى} ليست لا تأتي. {وربي لتأتينكم} قسم وجوابه تأكيدا لقوله بلى وكذا ما بعد هذا الى ليجزي تعظيما لأمر المثبت الذي هو البعث، وقرىء بالتحتية لتأويل الساعة باليوم او الوقت او نحو ذلك او على ان الفاعل عالم الغيب اي يأتي امره وان قلت كما لم يصدقوا بما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم لا يصدقونه اذا حلف فماذا يحذي الحلف قلت لا يستوي التوكيد وعدمه ومن جودة الكلام توكيده للمنكر عساه يتدرج الى التصديق ولو بقليل فالتأكيد ابلغ في الحجة عليهم وان سلمنا ان الحلف لا يجدي شيئا لكن اذا لم يتبع حجة اما اذا ابلغ حجة بجد وقد اتبع بها هنا فان الله جل وعلا قد وضع في العقول وركب في الغرائز وجوب الجزاء وان المحسن لا بد له من ثواب والمسيء لا بد له من عقاب. {عالم الغيب} خبر المحذوف اي هو عالم الغيب الذي هو ما خفي عن الخلق ومنه البعث وفسر الحسن الغيب هنا لما لم يكن او مبتدأ خبره جملة قوله. {لا يعزب} اي لا يغيب من العزوب وهو البعد وما غاب فهو بعيد ولو حضر وقرأه الكسائي بكسر الزاي. {عنه مثقال} وزن. {ذرة} اصغر نملة. {في السماوات ولا في الأرض} متعلق بيعزب او بلا او بمحذوف نعت مثقال او حال منه وقرأ غير نافع وابن عامر ورويس بجر عالم نعت الذي لان اضافة عالم للمعرفة تفيد التعريف لأنه ليس للاستقبال بل للماضي والاستمرار وكذا في قراءة من قرأ {علام الغيب} بالجر وقراءة من قرأ {عالم الغيب} بالجر ايضا وقرأ بعضهم {عالم الغيوب} بالرفع على ما مر. {ولا أصغر من ذلك} المثقال. {ولا أكبر إلا في كتاب مبين} جملة مبتدأ وخبره مؤكدة لقوله {لا يعزب عنه} الخ وأصغر مبتدأ واكبر معطوف عليه وفي كتاب خبر وقرىء بفتح الرائين على ان اصغر اسم لا وهي عاملة عمل ان وهو معرب لانه عامل فيما بعده وكذا اكبر والخبر للأولى او الثانية ويقدر للآخر مثله اولا الثانية زايدة واكبر معطوف على اصغر ولا يجوز العطف في قراءة الرفع على مثقال وفي قراءة الفتح على ذرة على ان الفتحة نائبة عن الكسرة لان الاستثناء يأتي ذلك. قال جار الله: الا ان جعلت الضمير في عنه للغيب وجعلت الغيب بمعنى الخفيات قبل ان تكتب في اللوح المحفوظ وهو الكتاب المبين لان كتبها فيه نوع من البروز عن الحجاب على معنى لا ينفصل عن الغيب شيء ولا يزول عنه الا مسطورا في اللوح.
اطفيش
تفسير : {وقال الَّذين كفروا لا تأتينا} معشر الخلق {السَّاعة} يوم القيامة، وأردوا بنفى إيتانها نفى أن توجد بعد، وعدم الوجود موجب لعدم الاتيان، ففى ذلك تعبير بالمسبب واللازم، عن السبب والملزوم، واختاروا هذا مقابلة لقول من قال تأتى، وقيل: استبطاء لاتيانها على طريق الهزء، وهو ضعيف لأنه لم يقل: ألا تأتينا الآن بالاستفهام كما فى "أية : متى هذا الوعد" تفسير : [يونس: 48] ويجوز توجيهه بأنه كما يرجو الانسان شيئا، ويقول على طريق الضجر لا يأتى، وهم بهذه الصورة على طريق الهزء والعطف عطف قصة على أخرى. {قُل} لهم رداً عليهم {بلى} أى ليست لا تأتى، وأكد هذا بقوله: {وربِّي لتأتينَّكُم} ذكر الرب بالاضافة للاشارة الى الانتصار بمن هو ربه تعالى ينصره على من خالفه فى قوله: لا، للاشارة الى أن إتيانها من شأن الربوبية، والقسم بمربيه تشديد للقسم {عالم الغَيْب} هو عالم الغيب، أو مبتدأ خبره قوله: {لا يعْزب عنْه مثْقال ذرَّة في السَّماوات ولا في الأرض} وذكر علم الغيب تأكيدا لقوله: "أية : يعلم ما يلج"تفسير : [سبأ: 2] إلخ وأجزاء الميت المتفرقة لا تخفى، فكيف لا يقدر على بعثه مع قدرته على الخلق من العدم، والقرآن والأحاديث كالنصوص فى رد ما فنى البتة حتى كان لا وجود له فنقلدهما فى ذلك والمفهوم رد الموجود، وقد صرح الحديث والآثار برد الشعور والجلود وغيرها من الأجزاء من أول خلقة الانسان الى موته، حتى قيل: ترد الأعراض والأزمنة مع الأجسام أيضا. وفى ذكر عالم الغيب مناسبة لكون إتيانها من الغيب الذى اختص الله به عز وجل، وهم عالمون أنه صلى الله عليه سولم صادق فى الجملة، متنزه عن الكذب، وانما كذبوه عنادا وتكبرا عن أن تبعوه، وأمره الله عزوجل باليمين مجاراة على ظاهر إنكارهم، وإلا فالمناسب إذ علموا ذلك أن لا يقسم لهم، لكن أقسم لأنهم لم يجزموا فى نفس البعث بأنه صادق فيه، والمناسب للمنكر أن يجاب بالقسم ونحوه من التأكيد إلا لغرض آخر، مثل أن تيأس منه فترد كلامه بلا تأكيد كأنك تقول هذا ثابت لا يحتاج الى تأكيد صدقت أو كذبت، ولا يعزب لا يبعد، ومن شأن البعيد أن يغيب، فالمعنى لا يغيب عن علمه مثقال ذرة، وهو ما يوازن الدقيقة الواحدة التى ترى فى الشمس من كوة، أو نملة صغيرة فى الثقل، وقوله: {في السماوات ولا في الأرض} نعت لذرة، والمراد بالأرض فى هذه المواضع ونحوها الأرضون، ولو لم أنبه عليه فى كل موضع ما لم يدل دليل على هذه الأرض. {ولا أصْغَر من ذلك} المثقال {ولا أكبر} منه، وأكبرية الذرة نسبية، فان الذرة مثلا أكبر مما على عشرها أو أقل أو أكثر، وأصغر مبتدأ خبره فى قوله: {إلا في كتاب مُبِين} اللوح المحفوظ، أو الضبط، وكونهما فى اللوح المحفوظ موجب لكونهما معلومين لله تعالى، ويدل لذلك قراءة أخرى لنافع بفتح الراءين، على أن لا عاملة إن وخبرها فى كتاب، ويجوز عطف أكبر وأصغر على مثقال بالرفع، وعطفهما مع فتح الراءين على ذرة، وعلى هذين الوجهين فى يكون الاستثناء منقطعاً، والتقدير: لكن ما ذكر ثابت فى اللوح المحفوظ.
الالوسي
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ } أرادوا بضمير المتكلم جنس البشر قاطبة لا أنفسهم أو معاصريهم فقط وبنفي إتيانها نفي وجودها بالكلية لا عدم حضورها مع تحقيقها في نفس الأمر، وإنما عبروا عنه بذلك لأنهم كانوا يوعدون بإتيانها، وقيل: لأن وجود الأمور الزمانية المستقبلة لا سيما أجزاء الزمان لا يكون إلا بالإتيان والحضور، وقيل: هو استبطاء لإتيانها الموعود بطريق الهزء والسخرية كقولهم: {أية : مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ }تفسير : [سبأ: 29] / والأول أولى، والجملة قيل: معطوفة على ما قبلها عطف القصة على القصة وجعلها حالية غير ظاهر. {قُلْ بَلَىٰ } رد لكلامهم وإثبات لما نفوه على معنى ليس الأمر إلا إتيانها، وقوله تعالى: {وَرَبّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ } تأكيد له على أتم الوجوه وأكملها، وجاء القسم بالرب للإشارة إلى أن إتيانها من شؤون الربوبية، وأتى به مضافاً إلى ضميره صلى الله عليه وسلم ليدل على شدة القسم، وروى هارون كما قال ابن جني عن طليق قال: سمعت أشياخنا يقرؤون {ليأتينكم} بالياء التحتية وخرجت على أن الفاعل ضمير البعث لأن مقصودهم من نفي إتيان الساعة أنهم لا يبعثون، وقيل: الفاعل ضمير {ٱلسَّاعَةَ } على تأويلها باليوم أو الوقت. وتعقبه أبو حيان بأنه بعيد إذ لا يكون مثل هذا إلا في الشعر نحو:شعر : ولا أرض أبقل إبقالها تفسير : وقوله تعالى: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ } بدل من المقسم به على ما ذهب إليه الحوفي وأبو البقاء، وجوز أن يكون عطف بيان، وأجاز أبو البقاء أن يكون صفة له. وتعقب بأنه صفة مشبهة وهي كما ذكره سيبويه في «الكتاب» - لا تتعرف بالإضافة إلى معرفة، والجمهور على أنها تتعرف بها ولذا ذهب جمع من الأجلة إلى أنه صفة ووصف سبحانه بإحاطة العلم إمداداً للتأكيد وتشديداً له إثر تشديد فإن عظمة حال المقسم به تؤذن بقوة حال المقسم عليه وشدة ثباته واستقامته لأنه بمنزلة الاستشهاد على الأمر وكلما كان المستشهد به أعلى كعباً وأبين فضلاً وأرفع منزلة كانت الشهادة أقوى وآكد والمستشهد عليه أثبت وأرسخ، وخص هذا الوصف بالذكر من بين الأوصاف مع أن كل وصف يقتضي العظمة يتأتى به ذلك لما أن له تعلقاً خاصاً بالمقسم عليه فإنه أشهر أفراد الغيب في الخفاء ففيه مع رعاية التأكيد حسن الإقسام على منوال وثناياك أنها إغريض كأنه قيل: وربـي العالم بوقت قيامها لتأتينكم، وفيه إدماج أن لا كلام في ثبوتها. وقال صاحب «الفرائد»: جىء بالوصف المذكور لأن إنكارهم البعث باعتبار أن الأجزاء المتفرقة المنتشرة يمتنع اجتماعها كما كانت يدل عليه قوله تعالى: {أية : قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ }تفسير : [ق: 4] الآية، فالوصف بهذه الأوصاف رد لزعمهم الاستحالة وهو أن من كان علمه بهذه المثابة كيف يمتنع منه ذلك انتهى، واستحسنه الطيبـي، وقال في «البحر»: أتبع القسم بقوله تعالى: {عَـٰلِمُ ٱلْغَيْبِ } وما بعده ليعلم أن إتيانها من الغيب الذي تفرد به عز وجل، وما ذكر أولاً أبعد مغزى، وفائدة الأمر بهذه المرتبة من اليمين أن لا يبقى للمعاندين عذر ما أصلاً فإنهم كانوا يعرفون أمانته صلى الله عليه وسلم ونزاهته عن وصمة الكذب فضلاً عن اليمين الفاجرة وإنما لم يصدقوه عليه الصلاة والسلام مكابرة، وغفل صاحب «الفرائد» عن هذه الفائدة فقال: اقتضى المقام اليمين لأن من أنكر ما قيل له فالذي وجب بعد ذلك إذا أريد إعادة القول له أن يكون مقترناً باليمين وإلا كان خطأ بالنظر إلى علم المعاني وإن كان صحيحاً بالنظر إلى العربية والنحو وقد يغفل الأريب. وقرأ نافع وابن عامر ورويس وسلام والجحدري وقعنب {عَـٰلِمُ } بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو عالم، وجوز الحوفي أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي عالم الغيب هو، وجوز هو وأبو البقاء أن يكون مبتدأ والجملة بعده خبره. / وقرأ ابن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي {علام} بصيغة المبالغة والخفض، وقرىء {عـالم} بالرفع يكون بلا مبالغة {ٱلْغُيُوبِ } بالجمع. {لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ } أي لا يبعد ومنه روض عزيب بعيد من الناس. وقرأ الكسائي بكسر الزاي {مثْقَالُ ذَرَّة } مقدار أصغر نملة {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ } أي كائنة فيهما {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ } أي مثقال ذرة {وَلا أَكْبَرَ } أي منه، والكلام على حد {أية : لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً} تفسير : [الكهف: 49] ورفعهما على الابتداء والخبر قوله تعالى: {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ مُّبِينٍ } هو اللوح المحفوظ عند الأكثرين. والجملة مؤكدة لنفي العزوب، وقرأ الأعمش وقتادة وأبو عمرو ونافع في رواية عنهما {وَلاَ أَصْغَرَ... وَلا أَكْبَرَ } بالنصب على أن {لا } لنفي الجنس عاملة عمل إن وما بعدها اسمها منصوب بها لأنه شبيه بالمضاف ولم ينون للوصف ووزن الفعل فليس ذلك نحو «لا مانع لما أعطيت»، والخبر هو الخبر على قراءة الجمهور، وقال أبو حيان: {لا } لنفي الجنس وهي وما بني معها مبتدأ على مذهب سيبويه والخبر {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ } وما ذكرناه في توجيه القراءتين هو الذي ذهب إليه كثير من الأجلة، وقيل: إن ذلك معطوف في قراءة الرفع على {مِثْقَالَ } وفي القراءة الأخرى على {ذَرَّةٍ } والفتحة فيه نيابة عن الكسرة للوصف والوزن وإليه ذهب أبو البقاء. واستشكل بأنه يصير المعنى عليه - إذا كان الاستثناء متصلاً كما هو الأصل - لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين فإنه يعزب عنه فيه، وفساده ظاهر. والتزم السراج البلقيني على تقدير العطف المذكور أن يكون الاستثناء من محذوف والتقدير ولا شيء إلا في كتاب ثم قال: ولا بدع في حذف ما قدر لدلالة الكلام عليه، ويحصل من مجموع ذلك إثبات العلم لله تعالى بكل معلوم وأن كل شيء مكتوب في الكتاب، وقيل العطف على ما ذكر والاستثناء منقطع والمعنى لا يعزب عنه تعالى شيء من ذلك لكن هو في كتاب، وقيل العطف على ذلك والكلام نهج قوله:شعر : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائبتفسير : فالمعنى إن كان يعزب عنه شيء فهو الذي في كتاب مبين لكن الذي في الكتاب لا يعزب عنه فلا يعزب عنه شيء، وفيه من البعد ما فيه؛ وقيل: إن المراد بقوله تعالى: {لاَ يَعْزُبُ } الخ أنه تعالى عالم به والمراد بقوله سبحانه: {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ } نحو ذلك لأن الكتاب هو علم الله تعالى، والمعنى وما يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء إلا يعلمه ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في علمه فيكون نظير قوله: {أية : وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِى ظُلُمَـٰتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ }تفسير : [الأنعام: 59] وفيه أنه أبعد مما قبله. وقيل: يعزب بمعنى يظهر ويذهب والعطف على ما سمعت، والمعنى لم يظهر شيء عن الله تعالى بعد خلقه له إلا وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، وتلخيصه كل مخلوق مكتوب، وفيه أن هذا المعنى ليعزب غير معروف وإنما المعروف ما تقدم، نعم قال الصغاني في «العباب» قال أبو سعيد الضرير: يقال ليس لفلان امرأة تعزبه أي تذهب عزبته بالنكاح مثل قولك تمرضه أي تقوم عليه في مرضه ثم قال الصغاني: والتركيب يدل على تباعد وتنح فتفسيره بالظهور بعيد ولئن سلمنا قربه فلأي شيء جمع بين الظهور والذهاب، وقيل (إلا) بمعنى الواو وهو مقدر في الكلام والكلام قد تم عند {أَكْبَرَ } كأنه قيل: لا يعزب عنه ذلك وهو في كتاب، ومجيء إلا بمعنى الواو ذهب إليه الأخفش من البصريين والفراء من الكوفيين. / وخرج عليه قوم {أية : يَجْتَنِبُونَ كَبَـٰئِرَ ٱلإثْمِ وَٱلْفَوٰحِشَ إِلاَّ ٱللَّمَمَ }تفسير : [النجم: 32] و{أية : خَـٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوٰتُ وَٱلأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ }تفسير : [هود: 107] وقد حكى هذا القول مكى في نظير الآية ثم قال: وهو قول حسن لولا أن جميع البصريين لا يعرفون (إلا) بمعنى الواو كأنه لم يقف على قول الأخفش وهو من رؤساء نحاة البصرة أو لم يعتبره فلذا قال جميع البصريين، وقد كثر الكلام في هذا الوجه وارتضاه السراج البلقيني وأنا لا أراه مرضياً وأن أوقد له ألف سراج. وقيل العطف على ما سمعت وضمير {عَنْهُ } للغيب فلا إشكال إذ المعنى حينئذ لا يبعد عن غيبه شيء إلا ما كان في اللوح لبروزه من الغيب إلى الشهادة واطلاع الملأ الأعلى عليه. وتعقب بأن المعنى لا يساعده لأن الأمر الغيبـي إذا برز إلى الشهادة لم يعزب عنه بل بقي في الغيب على ما كان عليه مع بروزه، ومعناه أن كونه ففي اللوح المحفوظ كناية عن كونه من جملة معلوماته تعالى وهي إما مغيبة وإما ظاهرة وكل مغيب سيظهر وإلا كان معدوماً لا مغيباً وظهوره وقت ظهوره لا يرفع كونه مغيباً فلا يكون استثناء متصلاً، ألا ترى أنك لو قلت علم الساعة مغيب عن الناس إلا علمهم بها حين تقوم ويشاهدونها لم يكن هذا الاستثناء متصلاً كذا قيل فتأمل ولا تغفل. وأنت تعلم أن هذا الوجه على فرض عدم ورود ما ذكر عليه ضعيف لأن الظاهر الذي يقتضيه قوله تعالى:{أية : وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِى ٱلسَّمَاء }تفسير : [يونس: 61] الآية رجوع الضمير إلى الله عز وجل. والذي ذهب إليه أبو حيان أن الكتاب ليس هو اللوح وليس الكلام إلا كناية عن ضبط الشيء والتحفظ به. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما {وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلا أَكْبَرَ } بكسر الراءين. وخرج على أنه نوى مضاف إليه والتقدير ولا أصغره ولا أكبره، و {مّن ذٰلِكَ } ليس متعلقاً بأفعل بل هو تبيين لأنه لما حذف المضاف إليه أبهم لفظاً فبين بقوله تعالى من ذلك أي أعني من ذلك، ولا يخفى أنه توجيه شذوذ.
ابن عاشور
تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ}. كان ذكر ما يلج في الأرض وما يخرج منها مشعراً بحال الموتى عند ولوجهم القبور وعند نشرهم منها كما قال تعالى: { أية : ألم نجعل الأرض كفاتاً أحياءً وأمواتاً } تفسير : [المرسلات: 25، 26] وقال: { أية : يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً ذلك حشر علينا يسير } تفسير : [ق: 44]، وكان ذكر ما ينزل من السماء وما يعرج فيها مومياً إلى عروج الأرواح عند مفارقة الأجساد ونزول الأرواح لتُرَدّ إلى الأجساد التي تعاد يوم القيامة، فكان ذلك مع ما تقدم من قوله: { أية : وله الحمد في الآخرة } تفسير : [سبأ: 1] مناسبة للتخلص إلى ذكر إنكار المشركين الحشر لأن إبطال زعمهم من أهم مقاصد هذه السورة، فكان التخلص بقوله: {وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة}، فالواو اعتراضية للاستطراد وهي في الأصل واو عطف الجملة المعترضة على ما قبلها من الكلام. ولما لم تفد إلا التشريك في الذكر دون الحكم دعوها بالواو الاعتراضية وليست هنا للعطف لعدم التناسب بين الجملتين وإنما جاءت المناسبة من أجزاء الجملة الأولى فكانت الثانية استطراداً واعتراضاً، وتقدم آنفاً ما قيل: إن هذه المقالة كانت سبب نزول السورة. وتعريف المسند إليه بالموصولية لأن هذا الموصول صار كالعَلَم بالغلبة على المشركين في اصطلاح القرآن وتعارف المسلمين. و{الساعة}: عَلَم بالغلبة في القرآن على يوم القيامة وساعة الحشر. وعبر عن انتفاء وقوعها بانتفاء إتيانها على طريق الكناية لأنها لو كانت واقعة لأتت، لأن وقوعها هو إتيانها. وضمير المتكلم المشارك مراد به جميع الناس. ولقد لقن الله نبيئه صلى الله عليه وسلم الجواب عن قول الكافرين بالإِبطال المؤكد على عادة إرشاد القرآن في انتهاز الفرص لتبليغ العقائد. و{بلى} حرف جواب مختص بإبطال النفي فهو حرف إيجاب لما نفاه كلام قبله وهو نظير (بل) أو مركب من (بل) وألف زائدة، أو هي ألف تأنيث لمجرد تأنيث الكلمة مثل زيادة تاء التأنيث في ثُمّة ورُبّة، لكن {بلى} حرف يختص بإيجاب النفي فلا يكون عاطفاً و(بل) يجاب به الإِثبات والنفي وهو عاطف، وتقدم الكلام على {بلى} عند قوله تعالى: { أية : بلى من كسب سيئة } تفسير : في سورة البقرة (81). وأكد ما اقتضاه {بلى} من إثبات إتيان الساعة بالقسم على ذلك للدلالة على ثقة المتكلم بأنها آتية وليس ذلك لإِقناع المخاطبين وهو تأكيد يروع السامعين المكذبين. وعُدّي إتيانها إلى ضمير المخاطبين من بين جميع الناس دون: لَتأتينَّا، ودون أن يجرد عن التعدية لمفعول، لأن المراد إتيان الساعة الذي يكون عنده عقابهم كما يقال: أتاكم العدوّ، وأتاك أتاك اللاّحقون، فتعلقه بضمير المخاطبين قرينة على أنه كناية عن إتيان مكروه فيه عذاب. وفعل (أتى) يرد كثيراً في معنى حلول المكروه مثل { أية : أتى أمر الله } تفسير : [النحل: 1] و { أية : فأتاهم العذاب } تفسير : [الزمر: 25] و { أية : يوم يأتي بعض آيات ربك } تفسير : [الأنعام: 158]، وقول النابغة: شعر : فلتأتينك قصائد وليدفعَن جيشاً إليك قوادم الأكوار تفسير : وقوله: شعر : أتاني أبيْتَ اللعن أنك لُمتني تفسير : ومن هذا ينتقلون إلى تعدية فعل (أتى) بحرف (على) فيقولون: أتى على كذا، إذا استأصله. ويكثر في غير ذلك استعمال فعل (جاء)، وقد يكون للمكروه نحو { أية : وجآءهم الموج من كل مكان } تفسير : [يونس: 22]. {عَـٰلِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِيِنٍ}. {عالمُ الغيب} خبر ثان عن ضمير الجلالة في قوله: { أية : وهو الحكيم الخبير } تفسير : [سبأ: 1] في قراءة من قرأه بالرفع، وصفة لــــ{ربي} المقسم به في قراءة من قرأه بالجر وقد اقتضت ذكرَه مناسبةُ تحقيق إتيان الساعة فإن وقتها وأحوالها من الأمور المغيبة في علم الناس. وفي هذه الصفة إتمام لتبين سعة علمه تعالى فبعد أن ذُكرت إحاطة علمه بالكائنات ظاهرها وخفيّها جليلها ودقيقها في سورة البقرة أتبع بإحاطة علمه بما سيكون أنه يكون ومتى يكون. والغيب تقدم في قوله: { أية : الذين يؤمنون بالغيب } تفسير : [البقرة: 3] على معان ذكرت هنالك. وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر ورويس عن يعقوب {عالمُ الغيب} بصيغة اسم الفاعل، وبرفع {عالمُ} على القطع. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وخلف وروح عن يعقوب بصيغة اسم الفاعل أيضاً ومجروراً على الصفة لاسم الجلالة في قوله: {ربّي}. وقرأ حمزة والكسائي {علاّم} بصيغة المبالغة وبالجر على النعت. وقد تكرر في القرآن إتباع ذكر الساعة بذكر انفراده تعالى بعلمها لأن الكافرين بها جعلوا من عدم العلم بها دليلاً سفسطائياً على أنها ليست بواقعة، ولذلك سماها القرآن الواقِعة في قوله: { أية : إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة } تفسير : [الواقعة: 1، 2]. والعزوب: الخفاء. ومادته تحوم حول معاني البعد عن النظر وفي مضارعه ضم العين وكسرها. قرأ الجمهور بضم الزاي، وقرأه الكسائي بكسر الزاي ومعنى {لا يعزب عنه}: لا يعزب عن علمه. وقد تقدم في سورة يونس { أية : وما يعزب عن ربك مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء}تفسير : (61). وتقدم مثقال الحبة في سورة الأنبياء { أية : وإن كان مثقال حبة من خردل}تفسير : (47). وأشار بقوله: {مثقال ذرة} إلى تقريب إمكان الحشر لأن الكافرين أحالوه بعلة أن الأجساد تصير رُفاتاً وتراباً فلا تمكن إعادتها فنبهوا إلى أن علم الله محيط بأجزائها. ومواقع تلك الأجزاء في السماوات وفي الأرض وعلمه بها تفصيلاً يستلزم القدرة على تسخيرها للتجمع والتحاق كل منها بعديله حتى تلتئم الأجسام من الذرات التي كانت مركبة منها في آخر لحظات حياتها التي عقبها الموت وتوقف الجسد بسبب الموت عن اكتساب أجزاء جديدة. فإذا عَدت الأرض على أجزاء ذلك الجسد ومزقته كل ممزّق كان الله عالماً بمصير كل جزء، فإن الكائنات لا تضمحل ذراتها فتمكن إعادة أجسام جديدة تنبثق من ذرات الأجسام الأولى وتُنفخ فيها أرواحها. فالله قادر على تسخيرها للاجتماع بقوى يحدثها الله تعالى لجمع المتفرقات أو بتسخير ملائكة لجمعها من أقاصي الجهات في الأرض والجو أو السماء على حسب تفرقها، أو تكون ذرات منها صالحة لأن تتفتق عن أجسام كما تتفتق الحبة عن عرق الشجرة، أو بخلق جاذبية خاصة بجذب تلك الذرات بعضها إلى بعض ثم يصور منها جسدها، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: { أية : وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه } تفسير : [الروم: 27] ثم تنمو تلك الأجسام سريعاً فتصبح في صور أصولها التي كانت في الحياة الدنيا. وانظر قوله تعالى: { أية : يوم يدع الداع إلى شيء نكر خشعاً أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر } تفسير : في سورة القمر [6، 7]، وقوله: { أية : يوم يكون الناس كالفراش المبثوث } تفسير : في سورة القارعة (4) فإن الفراش وهو فراخ الجراد تنشأ من البَيْض مثل الدود ثم لا تلبث إلا قليلاً حتى تصير جراداً وتطير. ولهذا سمى الله ذلك البعث نَشْأة لأن فيه إنشاء جديداً وخلقاً معاداً وهو تصوير تلك الأجزاء بالصورة التي كانت ملتئمة بها حين الموت ثم إرجاع رُوح كل جسد إليه بعد تصويره بما سُمي بالنفخ فقال: { أية : وإن عليه النشأة الأخرى } تفسير : [النجم: 47] وقال: { أية : أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد ولقد خلقنا الإنسان } تفسير : [ق: 15، 16] الآية. أي فذلك يشبه خلق آدم من تراب الأرض وتسويته ونفخ الروح فيه وذلك بيان مقنع للمتأمل لو نصبوا أنفسهم للتأمل. وأشار بقوله: {ولا أصغر من ذلك ولا أكبر} إلى ما لا يعلمه إلا الله من العناصر والقوى الدقيقة أجزاؤها الجليلة آثارها، وتسييرها بما يشمل الأرواح التي تحل في الأجسام والقوى التي تودعها فيها.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار أنكروا البعث، وقالوا: لا تأتينا الساعة: أي القيامة، وأنه جل وعلا أمر نبيه أن يقسم لهم بربه العظيم أن الساعة سوف تأتيهم مؤكداً ذلك توكيداً متعدداً. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من إنكار الكفار للبعث جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى {أية : وَأَقْسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لاَ يَبْعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتَ} تفسير : [النحل: 38] وقوله تعالى: {أية : وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحيِي ٱلْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} تفسير : [يس: 78] وقوله تعالى: {أية : وَيَقُولُ ٱلإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً} تفسير : [مريم: 66] وقوله تعالى عنهم: {أية : وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ} تفسير : [الأنعام: 29] {أية : وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ} تفسير : [الدخان: 35] والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً، وما ذكره جل وعلا من أنه أمر نبيه بالإقسام لهم على أنهم يبعثون، جاء موضحاً في مواضع أخر. قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة: هذه إحدى الآيات الثلاث التي لا رابعة لهن مما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد، لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد، فإحداهن في سورة يونس عليه السلام وهي قوله تعالى: {أية : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} تفسير : [يونس: 53] والثانية هذه: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} [سبأ: 3] والثالثة: في سورة التغابن وهي قوله تعالى: {أية : زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ} تفسير : [التغابن: 7] الآية. وقد قدمنا البراهين الدالة على البعث بعد الموت من القرآن في سورة البقرة، وسورة النحل وغيرهما. وقد قدمنا الآيات الدالة على إنكار الكفار البعث، وما أعدّ الله لمنكري البعث من العذاب في الفرقان في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ سَعِيراً} تفسير : [الفرفان: 11] وفي مواضع أخر. وقوله: قل بلى لفظة بلى قد قدمنا معانيها في اللغة العربية بإيضاح في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَأَلْقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوۤءٍ بَلَىٰ} تفسير : [النحل: 28] الآية. قوله تعالى: {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبَ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك، ولا أكبر جاء موضحاً في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذٰلِكَ وَلاۤ أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [يونس: 61] وقوله تعالى: {أية : وَعِندَهُ مَفَاتِحُ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ ٱلأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [الأنعام: 59] والآيات بمثل ذلك كثيرة، وقد بيّناها في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {لاَ يَعْزُبَ}: أي لا يغيب عنه مثقال ذرة، ومنه قول كعب بن سعد الغنوي: شعر : أخي كان أما حلمه فمروح عليه وأما جهله فعزيب تفسير : يعني أن الجهل غائب عنه ليس متَّصفاً به. وقرأ هذا الحرف نافع وابن عامر: عالم الغيب بألف بعد العين، وتخفيف اللام المكسورة، وضم الميم على وزن فاعل. وقرأه حمزة والكسائي: علاّم الغيب بتشديد اللام وألف بعد اللام المشددة وخفض الميم على وزن فعال وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم عالم الغيب كقراءة نافع وابن عامر: إلا أنهم يخفضون الميم وعلى قراءة نافع، وابن عامر: بضم الميم من قوله: عالم الغيب، فهو مبتدأ خبره جملة: {لاَ يَعْزُبَ عَنْهُ} الآية. أو خبر مبتدأ محذوف أي هو عالم الغيب. وعلى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم عالم الغيب بخفض الميم فهو نعت لقوله ربي: أي قل بلى وربي عالم الغيب لتأتينكم، وكذلك على قراءة حمزة، والكسائي: علاَّم الغيب. وقرأ هذا الحرف عامة القرّاء غير الكسائي: {لاَ يَعْزُبَ عَنْهُ} بضم الزاي من يعزب، وقرأه الكسائي بكسر الزاي.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: لا تأتينا الساعة: أي القيامة. لا يعزب عنه: أي لا يغيب عنه. مثقال ذرة: أي وزن ذرة: أصغر نملة. ولا أصغر من ذلك ولا أكبر: أصغر من الذرة ولا أكبر منها. إلا في كتاب مبين: أي موجود في اللوح المحفوظ مكتوب فيه. ليجزي الذين آمنوا: أي اثبته في اللوح المحفوظ ليحاسب به ويجزي صاحبه. والذين سعوا في آياتنا: أي عملوا على إبطالها وسعوا في ذلك جهدهم. معاجزين: أي مغالبين لنا ظانين عجزنا عنهم، وأنهم يفوتوننا فلا نبعثهم ولا نحاسبهم ولا نجزيهم. عذاب من رجز أليم: أي عذاب من أقبح العذاب وأسوأه. ويرى الذين أوتوا العلم: أي ويعلم الذين أوتوا العلم وهم علماء أهل الكتاب كعبدالله ابن سلام وأصحابه. الذي أنزل إليك من ربك هو الحق: أي القرآن هو الحق الموحى به من الله تعالى. ويهدي إلى صراط العزيز الحميد: أي القرآن يهدي إلى صراط الله الموصل إلى رضاه وجواره الكريم وهو الإِسلام. والعزيز ذو العزة والحميد المحمود. معنى الآيات: بعد ما قررت الآيات السابقة توحيد الله في ربوبيته وأُلوهيته ذكر تعالى في هذه الآيات تقرير عقيدة البعث والجزاء فقال تعالى مخبراً بما قاله منكراً البعث والجزاء: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ} وهو إنكار منهم للبعث إذ الساعة هي ساعة الفناء والبعث بعدها، وأمر رسوله أن يقول لهم: {بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} أي أقسم لهم بالله تعالى ربه ورب كل شيء لتأتينهم أحبوا أم كرهوا ثم أثنى الرب تبارك وتعالى على نفسه بصفة العلم إذ البعث يتوقف على العلم كما يتوقف على القدرة والقدرة حاصلة، إذ خلقهم ورزقهم ويميتهم. فذكر تعالى أنه عالم الغيب وهو كل ما غاب في السماوات وفي الأرض. وأخبر أنه لا يعزب أي لا يغيب عن علمه مثقال ذرة أي وزن ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من الذرة ولا أكبر أيضاً إلا في كتاب مبين أي بيِّن وهو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه كل أحداث العالم فلا حركة ولا سكون وقع أو يقع في الكون إلا وله صورته ووقته في اللوح المحفوظ. هذا ما تضمنته الآية الثالثة وقوله تعالى في الآية [4] ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أي إذ الحكمة من كتابة الأحداث صغيرها وكبيرها ومن البعث الآخر هي ليجزي تعالى الذين آمنوا أي صدقوا الله ورسوله وعملوا الصالحات وهي أداء الفرائض والسنن بما ذكر من جزائهم في قوله: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ} أي لذنوبهم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} في الجنة وقوله في الآية [5] {وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا} بيَّن فيه جزاء الكافرين بعد أن بين جزاء المؤمنين ذلك الجزاء الذي هو حكمة وعلَّة البعث وكتابة الأعمال في اللوح المحفوظ فقال: {وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} أي والذين عملوا جهدهم في إِبطال آيات الله إذ قالوا فيها أنها من كلام الكهان وانها شعر وأساطير الأولين حتى لا يؤمنوا ولا يوحدوا أولئك البعداء في الخسِّة والانحطاط لهم جزاء، عذاب من رجزٍ أليم والرجز سيء العذاب وأشده ومعنى أليم أي ذي ألم وإيجاع شديد. وقوله تعالى: في الآية [6] ويرى الذين أوتوا العلم، أي ويعلم علماء أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه من مؤمني أهل الكتاب. الذي أنزل إليك من ربك وهو القرآن الكريم هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد، وعلم أهل الكتاب بأن القرآن حقٌّ ناتج عن موافقته لما في كتاب الله التوراة من عقيدة القدر وكتابة الأعمال دقيقها وجليلها في اللوح المحفوظ ليجزي بها الله تعالى المؤمنين والكافرين يوم القيامة. هذا ما دلت عليه الآية [6] والأخيرة وهي قوله تعالى: {وَيَرَى} أي وليعلم {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} وهو الإِسلام. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير عقيدة البعث والجزاء بعد تقرير توحيد الألوهية. 2- تقرير عقيدة القضاء والقدر وكتابة الأعمال والأحداث في اللوح المحفوظ. 3- طلب شهادة أهل الكتاب على صحة الإِسلام والحصول عليها لموافقة التوراة للقرآن. 4- تقرير النبوة إذ القرآن فرع نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم ودليلها المقرر لها.
د. أسعد حومد
تفسير : {عَالِمِ} {ٱلسَّمَاوَاتِ} {كِتَابٍ} (3) - بَعْدَ أًَنْ أَبَانَ اللهُ تَعَالى أَنَّهُ صَاحِبُ الحَمْدِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَفِي الدُّنيا وَالآخِرَةِ عَلَى مَا أَسْدَى إِلَى عِبَادِهِ مِنَ النِّعَمِ، أَتْبَعَ ذَلِكَ بِقَولِهِ إِنَّ كَثيراً مِنْ خَلْقِهِ يُنْكِرِ الآخِرَةَ، وَيَسْتَهزِئُ بِمَنْ يَعْتَقِدُ بِوُقُوعِها، وَيَسْتَعجِلُ بِالعَذابِ الذِي يَتَهَدَّدُ اللهُ بهِ المُجْرِمينَ الكَافِرينَ، فَيقُولُ تَعَالى: وَقَال الذِينَ كَفَروا بِاللهِ وَنِعَمِهِ عَلَيهِمْ، وَجَحَدُوا بِما تَهْدِي إِليهِ العُقُولُ السَّلِيمَةُ: إِنَّهُ لاَ رَجْعَةَ إِلى الحَيَاةِ بَعْدَ أَنْ يَمُوتَ البَشَرُ، وَلاَ بَعْثَ وَلاَ حِسَابَ وَلاَ عِقَابَ، وَمَا يُهْلِكُهُمْ إِلاَّ الدَّهْرُ.. ثُمَّ أَمَرَ اللهُ تَعَالَى رَسُولَهُ صلى الله عليه وسلم بِأَنْ يَرُدَّ عَلَيهِمْ مُقْسِماً بِرَبِّهِ العَظِيمِ عَلَى أَنَّ المَعَادَ سَيَقَعُ، لاَ مَحَالَةَ، وَلاَ شَكَّ في ذلِكَ، وَلكِنَّ وَقْتَ مَجِيءِ السَّاعَةِ التِي تَقُومُ فِيهَا القِيَامَةُ، وَيَبْعَثُ فِيها اللهُ الخَلائِقِ، لاَ يَعْلَمُهُ إلاّ اللهُ عَلاَّمُ الغُيُوبِ، الذِي لا يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيءٌ دَخَل فِي الأَرْضِ، أَوْ صَعِدَ فِي السَّمَاءِ، فَهُوَ تَعَالى يَعْلَمُ مَا يَتَفَرَّقُ مِنْ ذَرّاتِ أَجْسَادِ الأَموَاتِ وأَيْنَ تَسْتَقِرُّ فَيَجْمَعُها يَومَ القِيَامَةِ بأَمرٍ مِنْهُ فَيُعِيدُها خَلْقاً جَدِيداً كَمَا كَانَتْ، وَقَدْ أوْدَعَ اللهُ تَعَالى كُلَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ لاَ يَضِلُّ وَلا يَنْسَى. وَهذِهِ الآيَةُ إِحْدَى ثَلاثِ آياتٍ فِي القُرآنِ، أَمرَ اللهُ فِيها الرَّسُولَ الأكرمَ بِأَنْ يُقَسِمَ بِرَبِّهِ العَظِيمِ عَلَى أَنَّ السَّاعَةَ سَتَقُومُ، وَأَنَّ الأَمواتَ سَيُبْعَثُونَ لِلْحِسَابِ. الآيَةُ الأولَى جَاءَت فِي سُورَةِ يُونُس: {أية : وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّيۤ إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} تفسير : وَالآيَةُ الثَّانيَةُ جَاءَتْ فِي سُورَةِ التَّغَابُنِ: {أية : زَعَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَن لَّن يُبْعَثُواْ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ}. تفسير : والثَّالثَةُ هذهِ الآيَةُ. لا يَعْزُبُ - لاَ يَغِيبُ عَنْهُ وَلاَ يَخْفَى عَلَيهِ. مِثْقَالُ ذَرَّةٍ - مِقْدَارُ أَصْغَرِ مَا يُوزَنُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هنا أيضاً يُحدِّثنا عن الساعة، ففي آخر الأحزاب {أية : يَسْأَلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ ..} تفسير : [الأحزاب: 63] وهنا ينكرونها {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ ..} [سبأ: 3] أي: القيامة. فلماذا ينكرونها؟ نعم ينكرونها؛ لأنهم أسرفوا على أنفسهم، وتمادوا في غيِّهم، ولن تكون القيامة في صالحهم؛ لذلك يهربون منها بالإنكار والتكذيب. حتى إخوان هؤلاء المكذبين مِمَّنْ يحبون أن يستدركوا على كلام الله يقولون: إذا كان الله قد قدَّر كل شيء على العبد، فقدَّر الطاعة، وقدَّر المعصية، فلماذا يعذبه على المعصية؟ والمحلاحظ، أنه لم يقُلْ أحد منهم في المقابل: ولماذا يثيبه على الطاعة؟ مما يدل على أن هذه الوقفة خاطئة وغير منطقية، وأنهم يخافون العقاب، وصاحب هذه المقولة ما قالها إلا لأنه واثق من كثرة سيئاته، ومن مصلحته أن يُكذِّب بالقيامة وينكرها، كالذي قال: {أية : وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً} تفسير : [الكهف: 36]. فكثرة سؤالهم عن الساعة وإنكارهم لها يدلُّ على خوفهم منها، بل هم مرعوبون من مجرد تصديقها؛ لأنهم يعلمون جيداً أنهم إن استتروا عن الناس فلن يستتروا من الله، وإنْ عَمُّوا على قضاء الأرض فلن يُعَمُّوا على قضاء السماء، ولن تنفعهم في القيامة حجة ولا لباقة منطق، ولا تزييف للحقائق. لذلك قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ أحدكم أن يكون ألحنَ بحُجَّته فأقضى له، فمَنْ قضيتُ له من حقِّ أخيه بشيء فلا يأخذه، فإنما أُقْطِع له قطعةً من النار ". تفسير : فالقاضي يحكم بالحجة وبالبيان، ويمكن للمتكلم أَن يُضلِّل القاضي، وأنْ يأخذ حقَّ الآخرين ظلماً، كما يفعل بعض المحامين الآن، هذا في الدنيا، أما في الآخرة فأنت في محكمة قاضيها الحق سبحانه وتعالى. إذن: هؤلاء ينكرون القيامة؛ لأنها اللغز الذي يحيِّرهم، والحقيقة التي تقضُّ مضاجعهم وتُرعبهم، الحقيقة التي تزلزل جاههم، وتقضي على سيادتهم، وإنْ أَمِنوا في الدنيا لما لهم من جاه وسيطرة، ففي القيامة سيأتون كما قال تعالى {أية : وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَٰدَىٰ كَمَا خَلَقْنَٰكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خَوَّلْنَٰكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ ..} تفسير : [الأنعام: 94]. وكثرة سؤالهم عن الساعة له نظير في العالم الحديث وفي عالم الاقتصاد، فمثلاً ترى الرجل كلما جلس مع عالم سأله عن رأي الدين في فوائد البنوك، حتى إنه ليسأل في ذلك ألفَ عالمٍ، فلماذا لا يكتفي بقول واحد منهم؟ لأنه يريد أنْ يسمع رأياً على هواه يقول له: إن فوائد البنوك حلال، فهذه مسألة شائكة تشغل الكثيرين، لكن ما دامت قد حاكتْ في الصدر، فهي من الباطل الذي قال عنه سيدنا رسول الله: "حديث : والإثم ما حاك في الصدر، وخشيتَ أنْ يطلعَ عليه الناسُ ". تفسير : ثم يرد الحق سبحانه على إنكارهم للساعة، فيقول مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ..} [سبأ: 3] يعني: قُلْ بِملء فيك (بلى) وبلى نفي للنفي السابق في قولهم {لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ ..} [سبأ: 3] وحين ننقض النفي، فإننا نثبت المقابلَ له، فمعنى (بلى) أي: أنها ستأتي. ثم لا يكتفي الأسلوب بذلك، إنما يؤكد هذه القضية بالقَسَم {قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ ..} [سبأ: 3] فالحق سبحانه يُعلِّم رسوله أنْ يحلف بذاته سبحانه وهو مطمئن أنها ستأتيهم، والحق سبحانه لا يُلقِّن رسوله يميناً كاذباً، والحق سبحانه صادق دون حلف، فما بالك حين يحلف لك؟ وقوله تعالى بعدها {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ ..} [سبأ: 3] فيه إشارة إلى أننا لا نخبر بالساعة ولا نحلف على إتيانها من فراغ، إنما بما عندنا من علم الغيب، فهي لا بُدَّ آتية، ليس هذا فحسب، إنما سنُوافيكم فيها بإحصاء كامل للذنوب، كبيرها وصغيرها، ظاهرها وخَفيِّها، فعالِم الغيب لا يخفى عليه شيء مهما استتر، ومهما كنتَ بارعاً في إخفائه عن الناس. {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 3] لا يعزب: لا يغيب عن علمه. والحق سبحانه في جمهرة الآيات يضرب المثل لِصِغَر الأشياء بالذرة، وهي الهباءة التي نراها في شعاع الشمس، ولا نراها في الظل لِصِغَر حجمها، إذن: كَوْنُك لا ترى الشيء لا يعني أنه غير موجود، بل موجود، لكنْ ليستْ لديك آلة البصر الدقيقة التي تستطيع رؤيته بها، والعين المجردة لا ترى كلَّ الأشياء، لكن حزمة الضوء القوية تساعدك على رؤية الأشياء الدقيقة؛ لذلك قالوا: إن الضوء والذر أحكم مقاييس الكون. لذلك يستخدم المهندسون هذه الظاهرة مثلاً في استلام المباني، والتأكد من دقة تنفيذها، فالحائط الذي يبدو لك مستوياً مستقيماً لو تركتَه عدة أيام لكشفَ لك الغبار عَمَّا فيه من نتوءات وعدم استواء؛ لأن الغبار والذرات تتساقط عمودياً، كذلك الضوء حين تُسلِّطه على حائط يكشف لك ما فيه من عيوب، مهما كانتْ دقيقة لا تراها بالعين المجردة. ولأن الذرة كانت أصغر ما يعرفه الإنسان، قال تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ..} تفسير : [النساء: 40]. لكن، هل ظلَّتْ الذرة هي أصغر ما في الكون؟ حينما انهزمت ألمانيا في الحرب العالمية الأولى لم تقبل الهزيمة، وأبَتْ أنْ تكون مغلوبة فصممتْ على أنها تثأر لنفسها، فاشتغل كل فرد فيها في اختصاصه، وكان مما أنجزوه عملية تحطيم الجوهر الفرد أي: تحطيم الجزء الذي لا يتجزأ، وهذه أول فكرة في تفتيت الذرة يعرفها العالم. وهذه العملية نشاهدها نحن في عصارة القصب مثلاً، وهي أن تُدخِل عود القصب بين أسطوانتين، فكلما ضاقت المسافة بين الأسطوانتين زَادت عملية العصر وتفتيت العود، كذلك عملت ألمانيا أسطوانة تحطيم الجوهر الفرد. وعندها قال الذين يحبون أن يستدركوا على كلام الله؛ ذكَر القرآن أن الذرة هى أصغر ما في الكون، وها نحن فتتنا الذرة إلى أجزاء. ولو أَلَمَّ هؤلاء بكل القرآن، وقرأوا هذه الآية: {عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 3] لعرفوا أن القرآن احتاط لما سيأتي به العلم من تفتيت الذرة، وأن في كلام الله رصيداً لكل تقدم علميٍّ. وتأمل الدقة الأدائية هنا، فقط ذكر الذرة، وهي أصغر شيء عرفه الإنسان، ثم ذكر الصغير عنها والأصغر بحيث مهما وصلنا في تفتيت الذرة نجد في كلام الله رصيداً لما سنصل إليه. وقال: {لاَ يَعْزُبُ ..} [سبأ: 3] لا يغيب {عَنْهُ مِثْقَالُ ..} [سبأ: 3] مقدار {ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ..} [سبأ: 3] لشمول كل ما في الكون {وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ ..} [سبأ: 3] أي: أصغر من الذرة {وَلاَ أَكْبَرُ ..} [سبأ: 3] من الذرة. ولقائل أنْ يقول: إذا كان الحق سبحانه يمتنُّ علينا بمعرفة الذرة، وما دَقَّ من الأشياء، فما الميْزة في أنه سبحانه يعلم الأكبر منها؟ قالوا: هذه دقيقة من دقائق الأسلوب القرآني، فالشيء يخفى عليك، إما لأنه مُتناهٍ في الصِّغَر، بحيث لا تدركه بأدواتك، أو لأنه كبير بحيث لا يبلغه إدراكك، فهو أكبر من أنْ تحيط به لِكبره، إذن: فالحق سبحانه مُسلَّط على أصغر شيء، وعلى أكبر شيء لا يغيب عنه صغير لصِغَره، ولا كبير لِكِبَره. والحق سبحانه لا يحيط علمه بما في كَوْنه فحسب، بل ويُسجِّله في كتاب مُعْجِز خالد، وفَرْق بين الأخبار بالعلم قوْلاً وبين تسجيله، فإذا لم يكُنْ العلم مُسجَّلاً فَلَك أن تقول ما تشاء، لكن حين يسجل يصير حجة عليك. لذلك نرى الحق سبحانه حين يعطينا قضية في الكون يحفظها مع القرآن، وأنت لا تحفظ إلا ما في صالحك، وما دام الحق سبحانه يحفظها فهذا يعنى أنها واقعة لا محالة، وإلا ما سجَّلها الحق سبحانه وحفظها، فهو سبحانه يعلم تمام العلم أنه لا يكون في مُلْكه إلا ما علم، إذن: كتب لأنه علم، وليس عَلِم لأنه كُتِب. ومَن الذي أمر بكتابته؟ علمه سبحانه إذن: فالعلم أسبق. لكن، لماذا عندما سألوا عن الساعة أو أنكروها ذكَّرهم الله بعلمه لكل صغيرة وكبيرة، فقال: {لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 3]. قالوا: ذكر لهم الحق سبحانه إحاطة علْمه بكل شيء؛ ليلهيهم عن التفكير في أمر الساعة، ويشغلهم بذنوبهم، وأنها محسوبة عليهم لا يخفى على الله منها شيء، وعندها سيقولون: ليتنا ما سألنا، كما قال تعالى: {أية : يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ..} تفسير : [المائدة: 101]. إذن: سألوا عن الساعة، فأخذهم إلى ساحة أخرى تزعجهم وتزلزلهم كلما علموا أنَّ عِلْم الله تعالى يحيط بكل شيء في السماوات وفي الأرض. فالمسألة ليست مجرد (فنطزية) عِلم، إنما سيترتب على هذا العلم جزاء وحساب، فقال سبحانه: {لِّيَجْزِيَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَخبرنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ} [الآية: 3]. يقول: لا يغيب عنه. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} [الآية: 10]. يقول: سبحي معه. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن /62 و/ مجاهد: {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ} [الآية: 11]. يقول: قد رالمسمار والحلق، لا تدق المسامير فتسلسل. ولا تجلها فتفصم.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ} معناه لاَ يَغيبُ عَنهُ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : لما بين تعالى، عظمته، بما وصف به نفسه، وكان هذا موجبا لتعظيمه وتقديسه، والإيمان به، ذكر أن من أصناف الناس، طائفة لم تقدر ربها حق قدره، ولم تعظمه حق عظمته، بل كفروا به، وأنكروا قدرته على إعادة الأموات، وقيام الساعة، وعارضوا بذلك رسله فقال: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } أي باللّه وبرسله، وبما جاءوا به، فقالوا بسبب كفرهم: { لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ } أي: ما هي، إلا هذه الحياة الدنيا، نموت ونحيا. فأمر اللّه رسوله أن يرد قولهم ويبطله، ويقسم على البعث، وأنه سيأتيهم، واستدل على ذلك بدليل من أقرَّ به، لزمه أن يصدق بالبعث ضرورة، وهو علمه تعالى الواسع العام فقال: { عَالِمِ الْغَيْبِ } أي: الأمور الغائبة عن أبصارنا، وعن علمنا، فكيف بالشهادة؟". ثم أكد علمه فقال: { لا يَعْزُبُ } أي: لا يغيب عن علمه { مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ } أي: جميع الأشياء بذواتها وأجزائها، حتى أصغر ما يكون من الأجزاء، وهو المثاقيل منها. { وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } أي: قد أحاط به علمه، وجرى به قلمه، وتضمنه الكتاب المبين، الذي هو اللوح المحفوظ، فالذي لا يخفى عن علمه مثقال الذرة فما دونه، في جميع الأوقات، ويعلم ما تنقص الأرض من الأموات، وما يبقى من أجسادهم، قادر على بعثهم من باب أولى، وليس بعثهم بأعجب من هذا العلم المحيط. ثم ذكر المقصود من البعث فقال: { لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا } بقلوبهم، صدقوا اللّه، وصدقوا رسله تصديقا جازما، { وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } تصديقا لإيمانهم. { أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ } لذنوبهم، بسبب إيمانهم وعملهم، يندفع بها كل شر وعقاب. { وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } بإحسانهم، يحصل لهم به كل مطلوب ومرغوب، وأمنية. { وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ } أي: سعوا فيها كفرا بها، وتعجيزا لمن جاء بها، وتعجيزا لمن أنزلها، كما عجزوه في الإعادة بعد الموت. { أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ } أي: مؤلم لأبدانهم وقلوبهم.
همام الصنعاني
تفسير : 2390- معمر، عن قتادة، في قوله: {قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ ٱلْغَيْبِ}: [الآية: 3]، قال، يقول: بلى وربي عالم الغيب لتأتينكم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):