٣٤ - سَبَأ
34 - Saba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
5
Tafseer
الرازي
تفسير : لما بين حال المؤمنين يوم القيامة بين حال الكافرين، وقوله: {وَٱلَّذِينَ سَعَوْ فِى ءايَـٰتِنَا } أي بالإبطال، ويكون معناه الذين كذبوا بآياتنا وحينئذٍ يكون هذا في مقابلة ما تقدم لأن قوله تعالى: {ءامَنُواْ } معناه صدقوا وهذا معناه كذبوا فإن قيل من أين علم كون سعيهم في الإبطال مع أن المذكور مطلق السعي؟ فنقول فهم من قوله تعالى: {مُعَـٰجِزِينَ } وذلك لأنه حال معناه سعوا فيها وهم يريدون التعجيز وبالسعي في التقرير والتبليغ لا يكون الساعي معاجزاً لأن القرآن وآيات الله معجزة في نفسها لا حاجة لها إلى أحد، وأما المكذب فهو آت بإخفاء آيات بينات فيحتاج إلى السعي العظيم والجد البليغ ليروج كذبه لعله يعجز المتمسك به، وقيل بأن المراد من قوله: {مُعَـٰجِزِينَ } أي ظانين أنهم يفوتون الله، وعلى هذا يكون كون الساعي ساعياً بالباطل في غاية الظهور، ولهم عذاب في مقابلة لهم رزق، وفي الآية لطائف الأولى: قال ههنا: {لَهُمْ عَذَابٌ } ولم يقل يجزيهم الله، وقد تقدم القول منا أن قوله تعالى: {لّيَجْزِىَ ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ } يحتمل أن يكون الله يجزيهم بشيء آخر، وقوله: {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ } إخبار عن مستحقهم المعد لهم، وعلى الجملة فاحتمال الزيادة هناك قائم نظراً إلى قوله: {لِيَجْزِىَ } وههنا لم يقل ليجازيهم فلم يوجد ذلك الثانية: قال هناك لهم مغفرة ثم زادهم فقال: {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } وههنا لم يقل إلا لهم عذاب من رجز أليم، والجواب تقدم في مثله الثالثة: قال هناك: {لَّهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ } ولم يقلله بمن التبعيضية فلم يقل لهم نصيب من رزق ولا رزق من جنس كريم، وقال ههنا: {لَهُمْ عَذَابٌ مّن رّجْزٍ أَلِيمٌ } بلفظة صالحة للتبعيض وكل ذلك إشارة إلى سعة الرحمة وقلة الغضب بالنسبة إليها والرجز قيل أسوأ العذاب، وعلى هذا {مِنْ } لبيان الجنس كقول القائل خاتم من فضة، وفي الأليم قراءتان الجر والرفع فالرفع على أن الأليم وصف العذاب كأنه قال عذاب أليم من أسوأ العذاب والجر على أنه وصف للرجز والرفع أقرب نظراً إلى المعنى، والجر نظراً إلى اللفظ، فإن قيل فلم تنحصر الأقسام في المؤمن الصالح عمله والمكذب الساعي المعجز لجواز أن يكون أحد مؤمناً ليس له عمل صالح أو كافر متوقف، فنقول إذا علم حال الفريقين المذكورين يعلم أن المؤمن قريب الدرجة ممن تقدم أمره والكافر قريب الدرجة ممن سبق ذكره وللمؤمن مغفرة ورزق كريم، وإن لم يكن في الكرامة مثل رزق الذي عمل صالحاً وللكافر غير المعاند عذاب وإن لم يكن من أسوأ الأنواع التي للمكذبين المعاندين. ثم قال تعالى:
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا} أي في إبطال أدلّتنا والتكذيب بآياتنا، {مُعَاجِزِينَ} مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا، وأن الله لا يقدر على بعثهم في الآخرة، وظنوا أنا نُهْملهم؛ فهؤلاء {لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} يقال: عاجزه وأعجزه إذا غالبه وسبقه. و«أَلِيمٍ» قراءة نافع بالكسر نعتاً للرِّجْز، فإن الرِّجْز هو العذاب، قال الله تعالى: {أية : فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [البقرة: 59]. وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم «عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ» برفع «الميم» هنا وفي «الجاثية» نعتاً للعذاب. وقرأ ابن كثِير وابن محيصن وحُميد بن قيس ومجاهد وأبو عمرو «مُعَجِّزِينَ» مثبِّطين؛ أي ثبطوا الناس عن الإيمان بالمعجزات وآيات القرآن.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ سَعَوْ فِى } إبطال {ءَايَٰتِنَا } القرآن {مُعَٰجِّزِينَ } وفي قراءة هنا وفيما يأتي «معاجزين» أي مقدّرين عجزنا أو مسابقين لنا، فيفوتوننا لظنهم أن لا بعث ولا عقاب {أُوْلَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ } سيِّىء العذاب {أَلِيمٌ } مؤلم بالجر، والرفع صفة لرجز أو عذاب.
ابن عبد السلام
تفسير : {سَعَوْ فِى ءَايَاتِنَا} بالجحد، أو التكذيب {مُعَاجِزِينَ} مسابقين أو مجاهدين، أو مراغمين مشاقين "ع"، أو لا يعجزونني هرباً ولا يفوتونني طلباً {معجّزين} مثبطين الناس عن اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، أو مضعفين الله أن يقدر عليهم، أو معجزين من آمن بإضافة العجز إليه {مِّن رِّجْزٍ} من عذاب أليم.
الخازن
تفسير : {والذين سعوا في آياتنا} يعني في إبطال أدلتنا معجزين يعني يحسبون أنهم يفوتوننا {أولئك لهم عذاب من رجز أليم} قيل الرجز سوء العذاب {ويرى الذين أوتوا العلم} يعني مؤمني أهل الكتاب عبد الله بن سلام وأصحابه، وقيل هم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم {الذي أنزل إليك من ربك} يعني القرآن {وهو الحق} يعني أنه من عند الله {ويهدي} أي القرآن {إلى صراط العزيز الحميد} أي إلى دين الإسلام {وقال الذين كفروا} أي المنكرين للبعث المتعجبين منه {هل ندلكم} أي قال بعضهم لبعض هل ندلكم {على رجل ينبئكم} يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم معناه يحدثكم بأعجوبة من الأعاجيب وهي أنكم {إذا مزقتم كل ممزق} أي قطعتم كل تقطيع وفرقتم كل تفريق، وصرتم تراباً {إنكم لفي خلق جديد} أي يقول إنكم تبعثون وتنشئون خلقاً جديداً بعد أن تكونوا رفاتاً وتراباً {أفترى على الله كذباً} أي أهو مفتر على الله كذباً فيما ينسب إليه من ذلك؟ {أم به جنة} أي جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه قال الله تعالى: رداً عليهم ليس بمحمد صلى الله عليه وسلم من الافتراء والجنون شيء وهو مبرأ منهما {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة} يعني منكري البعث {في العذاب والضلال البعيد} أي عن الحق في الدنيا {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض} أي فيعلموا أنهم حيث كانوا في أرضي وتحت سمائي، فإن أرضي وسمائي محيطة بهم لا يخرجون من أقطارها, وأنا قادر عليهم {إن نشأ نخسف بهم الأرض} أي كما خسفنا بقارون {أو نسقط عليهم كسفاً من السماء} أي كما فعلنا بأصحاب الأيكة {إن في ذلك} أي فيما ترون في السماء والأرض {لآية} أي تدل على قدرتنا على البعث بعد الموت {لكل عبد منيب} أي تائب راجع إلى الله تعالى بقلبه. قوله عز وجل {ولقد آتينا داود منا فضلاً} يعني النبوة والكتاب. وقيل الملك وقيل هو جميع ما أوتي من حسن الصوت، وغير ذلك مما خص به {يا جبال أوبي معه} أي وقلنا يا جبال سبحي معه إذا سبح وقيل: رجعي معه إذا رجع ونوحي معه إذا ناح {والطير} أي وأمرنا الطير أن تسبح معه فكان داود إذا نادى بالتسبيح أو بالناحية أجابته الجبال بصداها، وعكفت الطير عليه من فوقه وقيل كان داود إذا لحقه ملل أو فتور أسمعه الله تعالى تسبيح الجبال فينشط له {وألنا له الحديد} يعني كان الحديد في يده كالشمع أو كالعجين يعمل منه ما يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقة قيل سبب ذلك أن داود عليه السلام لما ملك بني إسرائيل كان من عادته أن يخرج إلى الناس متنكراً فإذا رأى إنسانا لا يعرفه تقدم إليه، وسأله عن داود فيقول له ما تقول في داود وإليكم هذا أي رجل هو فيثنون عليه ويقولون خيرا فقيض الله له ملكا في صورة آدمي، فلما رآه داود تقدم إليه على عادته فسأله فقال الملك: نعم الرجل هو لولا خصلة فيه فراع داود عليه الصلاة والسلام، ذلك، وقال ما هي يا عبد الله قال: إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال قال فتنبه لذلك وسأل الله تعالى أن يسبب له سبباً يستغني به عن بيت المال فيتقوت منه ويطعم عياله فألان الله له الحديد وعلمه صنعة الدروع وأنه أول من اتخذها، وكانت قبل ذلك صفائح وقيل إنه كان يبيع كل درع بأربعة آلاف فيأكل منها، ويطعم عياله ويتصدق منها على الفقراء والمساكين وقد صح في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : كان داود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده"تفسير : {أن اعمل سابغات} أي دروعاً كوامل واسعات طوالاً تسحب في الأرض قيل: كان يعمل كل يوم درعاً {وقدر في السرد} أي ضيق في نسخ الدرع وقيل قدر المسامير في حلق الدرع ولا تجعل المسامير دقاقا فتفلت ولا تثبت، ولا غلاظاً فتكسر الحلق وقيل قدر في السرد أي اجعله على القصد وقدر الحاجة {واعملوا صالحاً} يريد داود وآله {إني بما تعملون بصير}. قوله تعالى {ولسليمان الريح} أي وسخرنا لسليمان الريح {غدوها شهر ورواحها شهر} معناه أن مسير غدو تلك الريح المسخرة له مسيرة شهر ومسير رواحها مسيرة شهر فكانت تسير به في يوم واحد مسيرة شهرين، قيل كان يغدو من دمشق فيقيل باصطخر وبينهما مسيرة شهر، ثم يروح من اصطخر فيبيت بكابل وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع وقيل إنه كان يتغذى بالري ويتعشى بسمرقندى {وأسلنا له عين القطر} أي أذبنا له عين النحاس قال أهل التفسير: أجريب له عين النحاس ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء، وكان بأرض اليمن وقيل أذاب الله لسليمان النحاس كما ألان لداود الحديد {ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه} أي بأمر ربه قال ابن عباس سخر الله الجن لسليمان عليه الصلاة والسلام، وأمرهم بطاعته فيما يأمرهم به {ومن يزغ} أي يعدل {منهم} من الجن {عن أمرنا} أي الذي أمرنا به من طاعة سليمان {نذقه من عذاب السعير} قيل هذا في الآخرة وقيل: في الدنيا وذلك أن الله تعالى وكل بهم ملكاً بيده سوط من نار فمن زاغ منهم عن طاعة سليمان ضربه بذلك السوط ضربة أحرقته.
ابو السعود
تفسير : {وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِى ءايَـٰتِنَا} بالقدحِ فيها وصدِّ النَّاسِ عن التَّصديقِ بها {مُعَـٰجِزِينَ} أي مسابقين كي يفوتونَا وقُرىء مُعجزين أي مُثبِّطينَ عن الإيمانِ مَن أراده {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ} الكلام فيه كالذي مرَّ آنِفاً ومِن في قوله تعالى: {مّن رّجْزٍ} للبـيانِ قال قَتَادةُ رضي الله عنه: الرِّجزُ سوءُ العذابِ وقولُه تعالى: {أَلِيمٌ} بالرَّفعِ صفة عذاب أي أولئك السَّاعُون لهم عذابٌ من جنس سوء العذاب شديدُ الإيلامِ. وقُرىء أليمٍ بالجرِّ صفة لرجزٍ {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} أي يعلم أولُو العلمِ من أصحابِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ومَن شايعهم من عُلماءِ الأمَّةِ أو مَن آمنَ من علماء أهلِ الكتابِ كعبدِ اللَّهِ بنِ سَلاَم وكعبٍ وأضرابِهما رضي الله عنهم {ٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ} أي القرآنَ {هُوَ ٱلْحَقُّ} بالنَّصبِ على أنَّه مفعول ثانٍ ليَرى، والمفعولُ الأوَّلُ هو الموصول الثَّانِي. وهو ضميرُ الفصلِ. وقُرىء بالرَّفعِ على الابتداءِ والخبرِ، والجملةُ هو المفعولُ الثَّاني ليَرى. وقولُه تعالى: {وَيَرَى} الخ، مستأنفٌ مسوقٌ للاستشهادِ بأولي العلم على الجَهَلةِ السَّاعينَ في الآياتِ. وقيل: منصوبٌ عطفاً على يجزيَ أي وليعلمَ أولو العلم عند مجيءِ السَّاعةِ مُعاينةً أنَّه الحقُّ حسبما علمُوه الآنَ بُرهاناً ويحتجُّوا به على المكذِّبـين. وقد جُوِّز أنْ يُرادَ بأولي العلم مَن لم يؤمنْ من الأحبار أي ليعلمُوا يومئذٍ أنَّه هو الحقُّ فيزدادوا حسرةً وغمًّا {وَيَهْدِى} عطف على الحقَّ عطف الفعل على الاسم لأنَّه في تأويله كما في قوله تعالى: { أية : صَــٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ} تفسير : [سورة الملك: الآية 19] أي وقابضاتٍ كأنَّه قيل: ويرى الذين أُوتوا العلم الذي أُنزل إليك الحقَّ وهادياً {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} الذي هو التَّوحيدُ والتَّدرعُ بلباس التَّقوى. وقيل: مستأنف وقيل: حالٌ من الذي أُنزل على إضمارِ مبتدأ أي وهو يهدي كما في قول من قال: [المتقارب] شعر : فلمَّا خشيتُ أظافيرهُم نجوت وأرهنهم مالكاً تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} هم كفَّارُ قُريشٍ قالوا مخاطباً بعضُهم لبعضٍ: {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ} يعنون به النَّبـيَّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وإنَّما قصدُوا بالتَّنكيرِ الطَّنزَ والسُّخريةَ قاتلهم الله تعالى {يُنَبّئُكُمْ} أي يُحدِّثكم بعجبٍ عُجابٍ. وقُرىء ينبئكم من الإنباءِ {إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} أي إذا متُم ومُزِّقتْ أجسادُكم كلَّ تمزيقٍ وفُرِّقت كلَّ تفريقٍ بحيث صرتُم تُراباً ورُفاتاً {إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ} أي مستقرُّون فيه عدل إليه عن الجملة الفعليَّةِ الدَّالَّةِ على الحدوث مثل تبعثون أو تخلقون خلقاً جديداً للإشباعِ في الاستبعادِ والتَّعجيبِ وكذلك تقديم الظَّرفِ والعامل فيه ما دلَّ عليه المذكورُ لا نفسه لما أنَّ ما بعد إنَّ لا يعمل فيما قبلَها. وجديدٍ فعيلٌ بمعنى فاعلٍ من جَدَّ فهو جديدٌ وقلَّ فهو قليلٌ وقيل: بمعنى مفعولٍ من جدَّ النَّسَّاجُ الثوبَ إذا قطعه ثمَّ شاع.
اسماعيل حقي
تفسير : {والذين سعوا} [بشتافتند] {فى آياتنا} القرآنية بالرد والطعن فيها ومنع الناس عن التصديق بها {معاجزين} اى مسابقين كى يفوتونا. قال فى البحر ظانين فى زعمهم وتقديرهم انهم يفوتوننا وان كيدهم للاسلام يتم لهم. وفى المفردات السعى المشى السريع وهو دون العدو ويستعمل للجد فى الامر خيرا كان او شرا واعجزت فلانا وعاجزته جعلته عاجزا اى ظانين ومقدرين انهم يعجزوننا لانهم حسبوا ان لا بعث ولا نشور فيكون لهم ثواب وعقاب وهذا فى المعنى كقوله تعالى {أية : ام حسب الذين يعملون السيآت ان يسبقونا} تفسير : وقال فى موضع اخر اى اجتهدوا فى ان يظهروا لنا عجزا فيما انزلناه من الآيات: وبالفارسية [وميكوشند درانكه مارا عاجز آرند وبيش شوند] {اولئك} الساعون {لهم} بسبب ذلك {عذاب من رجز} من للبيان والرجز سوء العذاب اى من جنس سوء العذاب {اليم} بالرفع صفة عذاب اى شديد الا يلام ويجيئ الرجز بمعنى القذر والشرك والاوثان كما فى قوله {أية : والرجز فاهجر} تفسير : سماها رجزا لانها تؤدى الى العذاب وكذا سمى كيد الشيطان رجزا فى قوله تعالى {أية : ويذهب عنكم رجز الشيطان} تفسير : لانه سبب العذاب. وفى المفردات اصل الرجز الاضطراب وهو فى الآية كالزلزلة
الجنابذي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا} الآفاقيّة من الانبياء والاولياء عليهم السّلام بالاستهزاء بهم وتوهينهم وايذائهم وضربهم وقتلهم واخفاء احوالهم واخلاقهم وسننهم عن النّاس وتلبيس احكامهم وآياتنا الآفاقيّة الاخر باخفائها عن النّاس وعن انفسهم وآياتنا التّدوينيّة باخفائها وتحريفها وتأويلها الى ما يوافق باطلهم {مُعَاجِزِينَ} النّاس عن اعلان حقّهم واظهار آية حقّهم او معاجزين المدّعين لدلالة الآيات على الحقّ عن ادّعائهم او معاجزين الله وخلفاءه، وقرئ معجزين بمعنى مثبّطين عن الايمان وعن النّظر الى دلالة الآية على الحقّ {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} تنوين عذابٌ للتّفخيم والتّهويل، والرّجز مطلق العذاب وحينئذٍ يكون من للتّبعيض، او بيانيّة ويكون تنكيره للتّفخيم، او المراد منه عبادة الاوثان ويكون من للتّعليل او للابتداء، او المراد منه الشّرك ويكون التّنكير للتّفخيم والتّنويع ولفظة من كسابقها، والمراد بالشّرك العظيم هو الشّرك بالولاية، او المراد منه القذر ويكون لفظة من كسابقها واليمٌ قرئ بالرّفع صفة لعذاب وبالجرّ صفة لرجزٍ.
اطفيش
تفسير : {والذين سعوا في آياتنا} اي في ابطالها وهي القرآن وذلك انهم يكذبونه ويزهدون الناس فيه ويصدون عنه. {معاجزين} مقدرين عجزنا او مسابقين ليفوتونا يحسبون انهم قادرون على ذلك وقرا ابن كثير وابو عمرو {معجزين} باسكان العين اي مثبطين عن الايمان من اراد الايمان. {أولئك لهم عذاب من رجز} عذاب سيء قاله قتادة. {أليم} مؤلم وقرأ ابن كثير ويعقوب وحفص هنا وفي الجاثية برفعه على انه نعت لعذاب.
الالوسي
تفسير : {وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِى ءايَـٰتِنَا } بالقدح فيها وصد الناس عن التصديق بها {مُعَـٰجِزِينَ } أي مسابقين يحسبون أنهم يفوتوننا قاله قتادة، وقال عكرمة: مراغمين، والقال ابن زيد: مجاهدين في إبطالها. وقرأ جمع {معجزين} مخففاً، وابن كثير وأبو عمرو والجحدري وأبو السمال مثقلاً، قال ابن الزبير: أي مثبطين عن الإيمان من أراده مدخلين عليه العجز في نشاطه، وقيل معجزين قدرة الله عز وجل في زعمهم. {أُوْلَـٰئِكَ } الموصوفون بما ذكر وفيه إشارة إلى بعد منزلتهم في الشر {لَهُمْ } بسبب ذلك {عَذَابٌ مّن رّجْزٍ } / أي من سيء العذاب وأشده، و(من) للبيان {أَلِيمٌ } بالرفع صفة {عَذَابِ } وقرأ كثر السبعة بالجر على أنه صفة مؤكدة لرجز بناء على ما سمعت من معناه، وجعله بعضهم صفة مؤسسة له بناء على أن الرجز كما روي عن قتادة مطلق العذاب وجوز جعله صفة {عَذَابِ } أيضاً والجر للمجاورة، والظاهر أن الموصول مبتدأ والخبر جملة {أُوْلَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ } وجوز أن يكون في محل نصب عطفاً على الموصول قبله أي ويجزي الذي سعوا وجملة {أُوْلٰئِكَ لَهُمْ } الخ التي بعده مستأنفة والتي قبله معترضة. وفي «البحر» يحتمل على تقدير العطف على الموصول أن تكون الجملتان المصدرتان بأولئك هما نفس الثواب والعقاب؛ ويحتمل أن يكونا مستأنفتين والثواب والعقاب غير ما تضمنتا مما هو أعظم كرضا الله تعالى عن المؤمن دائماً وسخطه على الكافر دائماً، وفيه أنه كيف يتأتى حمل ذلك على رضا الله تعالى وضده وقد صرح أولاً بالمغفرة والرزق الكريم وفي مقابله بالعذاب الأليم وجعل الأول جزاء.
الشنقيطي
تفسير : لم يبين هنا نوع هذا العذاب، ولكنه بينه بقوله في الحج: {أية : وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلْجَحِيمِ} تفسير : [الحج: 51] وقوله: {مُعَاجِزِينَ}: أي مغالبين، ومسابقين يظنون أنهم يعجزون ربهم، فلا يقدر على بعثهم وعذابهم، والرجز العذاب كما قال: {أية : فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً} تفسير : [البقرة: 59] الآية، وقرأ هذا الحرف ابن كثير، وأبو عمرو: معجزين بلا ألف بعد العين مع تشديد الجيم المكسورة. وقرأه الباقون بألف بعد العين، وتخفيف الجيم، ومعنى قراءة التشديد أنهم يحسبون أنهم يعجزون ربهم، فلا يقدر على بعثهم وعقابهم. وقال بعضهم: أن معنى معجزين بالتشديد: أي مثبطين الناس عن الإيمان وقرأ ابن كثير، وحفص من رجز أليمٌ: بضم الميم من قوله: أليم على أنه نعت لقوله: عذاب. وقرأ الباقون: أليم بالخفض على أنه نعت لقوله: رجز.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 5- والذين أجهدوا أنفسهم فى محاربة القرآن مغالبين أمر الله فى نصر رسوله، أولئك لهم عذاب من أسوأ العذاب المؤلم. 6- ويعلم الذين مَنَّ الله عليهم بالعلم أن القرآن الذى أنزل إليك من ربك - بما فيه من عقائد وهداية - هو الحق الذى لا مرية فيه، وهو الذى يهدى إلى طريق الله الغالب على كل شئ، المستحق لكل ثناء. 7- وقال الكفار بعضهم لبعض - استهزاء بخبر البعث -: هل ندلكم على رجل يُحدثكم أنكم إذا متم وفُرِّقت أجسامكم كل تفريق أنكم لتبعثون فى خلق جديد؟ 8- أختلق هذا الرجل على الله كذباً فيما نسبه إليه من إحياء الموتى، أم به جنون فهو يتكلم بما لا يدرى؟ ليس الأمر كما زعموا، بل الحقيقة أن الذين لا يؤمنون بالآخرة واقعون فى العذاب والضلال البعيد عن الحق. 9- أعموا فلم ينظروا إلى ما بين أيديهم وما وراءهم من السماء والأرض، ليعلموا قدرتنا على فعل ما نشاء؟! إن نشأ نخسف بهم الأرض خسفناها بهم، أو إن نشأ نُسقط عليهم قطعاً من السماء نسحقهم بها أسقطناها. إن فيما ذكرنا لدليلا لكل عبد راجع إلى ربه فى كل أمره.
د. أسعد حومد
تفسير : {سَعَوْا} {آيَاتِنَا} {مُعَاجِزِينَ} {أُوْلَـٰئِكَ} (5) - أَمَّا الذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ، وَسَعَوْا فِي صَدِّ النَّاسِ عَنِ اتِّبَاعِ مَا دَعَتْهُمْ إِليهِ الرُّسُلُ مِنَ الإِيمَانِ، وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، وَسُبُلِ الهُدَى، وَأَجْهَدُوا أَنْفُسَهُمْ فِي مُحَارَبةِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَقُرآنِهِ... فَإِنَّ اللهَ سَيُعَذِّبُهُمْ فِي نَارِ جَهَنَّمَ عَذَاباً أَليماً. مُعَاجِزينَ - مُسَابِقِينَ ظَانِّينَ أَنَّهُمْ يَفُوتُونَ اللهَ هَرَباً. الرِّجْزَ - العَذَابُ الشَّديدُ المُؤْلِمُ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : السعي هو المشي الحثيث وقطع المسافة، فما معنى {سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا ..} [سبأ: 5] ألم تسمع قولهم: سعى فلان بفلان عند السلطان مثلاً؟ والمراد: أنه نَقَل إلى السلطان ما يُغضبه وما يُحزنه من هذا الشخص، وهذه التي نسميها في العامية وبين الموظفين (ضربه زُنْبَة) هي هنا بنفس هذا المعنى. {سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا ..} [سبأ: 5] يعني: ضربوا فيها (زُنَب) وألَّبوا الناس عليها ليزهد فيها مَنْ كان مُقْبلاً عليها، ويخرج منها مَنْ كان فيها ويتملَّص منها، سعَوْا في آيات الله وهي القرآن ليبطلوه وليصرفوا الناس عنه، لماذا؟ لأنهم واثقون من أثر القرآن في القلوب، فلو أعطاه الناسُ آذانهم لابد وأنْ يؤثر فيهم ويجذبهم إلى ساحة الإيمان، فتنفعل به قلوبهم. وتلهج به ألسنتهم. وهؤلاء هم الذين قالوا: {أية : لاَ تَسْمَعُواْ لِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَٱلْغَوْاْ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} تفسير : [فصلت: 26] ولو كان القرآن كلاماً عادياً غير ذي أثر لَمَا نَهوْا عن سماعه، ولما شوَّشوا عليه، وخافوا من سماعه. ومعنى {مُعَاجِزِينَ ..} [سبأ: 5] مفردها مُعَاجز: اسم فاعل من عَاجَزَ مثل: قَاتَل ومقاتل، وعاجز مثل نافس، والمنافسة الأصل فيها التسابق في التنفس، وقد رُوى أن سيدنا عمر وسيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما مَرَّا ببحيرة، فقال عمر: هيا بنا نتنافس يعني: نغطس تحت الماء، لنرى أيّنا أطول نَفَساً من الآخر، ومعروف أن طول فترة الغطس تدل على قوة التنفس وسلامة الرئة، وأنها تحتوى مخزوناً أكبر من الهواء، ثم أُطلِقت المنافسة على كل مسابقة. ومثل نافس: عَاجَزَ يعنى: حاول كُلٌّ من الطرفين إثبات عجز الآخر. تقول: عاجزني يعني: جعلني أفعل فعلاً أعجز عنه، فكأنهم يريدون بسعيهم في آيات الله أنْ يُثبِتوا عجزها، وأن يُعجِزوا الدعوة أنْ تبلغ مداها، ويُعجِزوا رسولَ الله أنْ يتمم رسالته، ويُعْجزوا منهج الله أن يصل إلى خلق الله. لكن يُعاجزون مَنْ؟ يُعاجزون الله؟ كيف وهو سبحانه الذي أرسل الرسل، وتكفَّل بنصرتهم وعدم التخلِّي عنهم، وما كانت الحروب والقتال بين الرسل والمكذبين إلا سبباً يأتي من خلاله نصر الله، كما قال سبحانه: {أية : قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ ٱللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} تفسير : [التوبة: 14]. وقال سبحانه: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-172]. إذن: مَنْ سيُعاجزون؟ ربما يُقبل أنْ يُعاجزوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يُعاجزوا المؤمنين، أما الحق سبحانه فهو الغالب القادر، وهل يستطيع أحد أنْ يُعجز الله، ويتغلب عليه سبحانه، فيجعله عاجزاً، وهو سبحانه القادر الغالب؟ فمعنى {سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا ..} [سبأ: 5] أي: وضعوا المكايد والعراقيل في طريقها: ليفسدوا أمر الدعوة، وحتى يردُّوها على رسول الله في فمه الذي قالها {مُعَاجِزِينَ ..} [سبأ: 5] حالة كونهم معاجزين، يعني: يسيرون مع خالقهم في مضمار واحد، الله يريد أن يُعجزهم، وهم يريدون أنْ يُعجزوا الله، وأنْ يكونوا في مكان القدرة الإلهية العليا؛ ليثبتوا أن الدعوة باطلة. ثم يُبيِّن سبحانه جزاء هؤلاء المعاجزين: {أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} [سبأ: 5] الرِّجز والرُّجز هو الحِمْل الثقيل، وأصله الذنب، وما يترتب عليه من عقوبة؛ لذلك يقول تعالى: {أية : وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ} تفسير : [المدثر: 5] أي: الذنب الكبير، أو العقوبة المترتبة عليه، والمعنى: لا تفعل الذنب، ولا ما يؤدي للعقوبة، وإذا هجرتَ الذنب لا تأتي العقوبة. وقد وُصف العذاب هنا بأنه {عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} [سبأ: 5] والعذاب يُوصَف مرة بأنه أليم، ومرة بأنه مهين، ومرة بأنه عظيم، وهي أوصاف تدل على مَعَانٍ مختلفة لحال واحدة، فهو أليم أي: يؤلم صاحبه، فإنْ كان جَلْداً يدعى التحمُّل فله عذاب مهين يُهينه، ويحطُّ من كرامته، وهو الذي يتعالى أو يظنُّ نفسه عظيماً. والعذاب المهين ليس بالضرورة أن يكون مؤلماً، فمن الناس مَنْ يؤلمه التوبيخ والتقريع، فإن أردتَ ضخامة العذاب من حيث القدر، فهو عذاب عظيم. إذن: إن أردتَ الإيلام فهو عذاب أليم، وإنْ كان قليلاً في قدره، وإنْ أردتَ التحقير والإهانة فهو عذاب مهين، وإنْ أردتَ ضخامة العذاب فهو عذاب عظيم. ثم يقول الحق سبحانه: {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} أي مسابِقِينَ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} ليجزي سبحانه أيضاً أسوأ الجزاء وأشد العذاب والنكال الكافرين {ٱلَّذِينَ سَعَوْا} واجتهدوا {فِيۤ} إبطال {آيَاتِنَا} الدالة على توحيد ذاتنا وكمال أسمائنا وصفاتنا حال كونهم {مُعَاجِزِينَ} قاصدين عجزنا عن إتيان الآيات البينات، منكرين لإيجادنا وإنزالنا إياها، مكذبين رسلنا الحاملين لوحينا، صارفين الناس عن تصديقهم وعن الإيمان بنا وبهم، وملتهم {أُوْلَـٰئِكَ} الأشقياء المردودون، المبعدون عن روح الله وسعة رحمته، المنهمكون في الغي والضلال {لَهُمْ عَذَابٌ} عظيم، أشد وأسوأ {مِّن} كل {رِّجْزٍ أَلِيمٌ} [سبأ: 5] وعقوب مؤلمة؛ لعظم جرمهم وسعيهم في إبطال آياتنا الناشئة عن كمال قدرتنا ووفور حكمتنا، وإنما سعوا واجتهدوا في إبطال آياتنا؛ لجهلهم بنا وبها بما فيها من الهداية العظمى والسعادة الكبرى، وعدم تأملهم وتدبرهم في مرموزاتها ومكنوناتها؛ لذلك أنكروا بها اجتهدوا في إبطالها وتكذيبها جهلاً وعناداً. {وَيَرَى} يا أكمل الرسل العلماء العرفاء {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} من قبلنا فضلاً منا إياهم المتعلق بأن الكتاب {ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} تأييداً لشأنك وترويجاً لأمرك {هُوَ ٱلْحَقَّ} المطابق للواقع، الحقيق بالمتابعة والإطاعة، الثابت المثبت نزوله عندنا بلا ريب وتردد {وَ} كيف لا يكون حقاً {يَهْدِيۤ} بأوامره ونواهيه أو تذكيراته الضالين المنصرفين عن جادة العدالة {إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ} الغالب، القادر المقتدر على انتقام المنحرفين عن منهج الرشاد {ٱلْحَمِيدِ} [سبأ: 6] المستحق في ذاته لجميع المحامد الكرمات، لولا تحميد الناس له وتمجيدهم إياه، وصراطه هو التوحيد الذاتي المستلزم لتوحيد الصفات والأفعال، المنبئ عن إسقاط عموم الإضافات. {وَ} بعدما سمع المشركون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحوال الحشر والنشر والمعاد الجسماني، وأهوال الفزع الأكبر {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: بعض لبعض على سبيل الاستهزاء والتهكم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مستفهمين مستنكرين، متعجبين من قوله: {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ} يعنون الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما أنكروه لاستبعادهم قوله إنكارهم على مقوله، وإنما يتحدثون به بينهم؛ لغرابته {يُنَبِّئُكُمْ} بالمحال العجيب ويخبركم بالممتنع الغريب معتقداً إمكانه، بل جازماً بوقوعه ووجوده، وهو أنكم {إِذَا مُزِّقْتُمْ} وفُرقتم {كُلَّ مُمَزَّقٍ} أي: تفريقاً بليغاً وتشتيتاً شديداً، إلى حيث صرتم هباء تذهب به الرياح {إِنَّكُمْ} بعدما صرتم كذلك {لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [سبأ: 7] على النحو الذي كنتم عليها في حياتكم قبل موتكم بلا تفاوت، كما يتجدد الأعراض بأمثالها. بعدما سمعتم قوله هذا، كيف تتفكرون في شأن هذا الرجل الذي يدعي النبوة والوحي والرسالة من عند الحكيم العليم، مع أنه صدر عنه أمثال هذه المستحيلات، أي شيء تظنون في أمره هذا؟!. {أَفْتَرَىٰ} وكذب عن عمد ونسبه {عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} تغريراً وتلبيساً على ضعفاء الأنام؛ ليقبلوا منه أمثال هذه الخرافات، ويعتقدوه رسولاً مخبراً عن المغيبات وعجائب الأمور وغرائبه {أَم بِهِ جِنَّةٌ} خبط واختلال يعرض في دماغه، فيتكلم بأمثال هذه الهذيانات هفوة بلا قصد وشعور بها، كما يتكلم بأمثاله سائر المجانين، وسماه وحياً وإلهاماً؟!. ثم لما بالغ المشركون في قدحه صلى الله عليه وسلم وتجهيله، رد الله عليهم بأنه لا افتراء في كلامه صلى الله عليه وسلم وإخباره، ولا خبط في عقله؛ إذ هو صلى الله عليه وسلم من أعقل الناس وأبعدهم عن الافتراء والمراء وأسلمهم عن الكذب وجميع الكدورات الطبيعية مطلقاً {بَلِ} الكافرون الضالون {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} والأمور التي أخبر الله بوقوعها فيها، ولا يصدقون أيضاً بما نطق به الكتب والرسل، مخلدون في النشأة الأخرى {فِي ٱلْعَذَابِ} المؤبد المخلد {وَ} متوغلون في {ٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ} [سبأ: 8] عن الهداية أبد الآباد، لا نجاة لهم منها، ومن شدة غيَّهم وضلالهم تكلموا بأمثال هذه الهذيانات الباطلة بالنسبة إلى من هو منزه عن أمثالها مطلقاً. ثم أشار سبحانه إلى كمال قدرته واقتداره على انتقام المكذبين ليوم الحشر والجزاء والمفترين على رسوله صلى الله عليه وسلم على سبيل الجزاء من الخبط والجنون، وغير ذلك من الأمور التي لا يليق بشأنه صلى الله عليه وسلم، فقال مستفهماً على سبيل التقريع والتوبيخ: {أَ} عموا وفقدوا أبصارهم أولئك المعاندون {فَلَمْ يَرَوْاْ} ولم ينظروا ويبصروا {إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} المحيط بهم خلفاً ووراء {وَٱلأَرْضِ} الممهدة لهم بين أيديهم، يتمكنون عليها ويتنعمون بمستخرجاتها وبما نزل عليها من السماء، ولم تتفكروا وتتأملوا أن إحياء الموتى أهون من خلق السماوات العلا على إيجادهما أكمل من القدرة على إعادة المعدوم، فينكروا قدرتنا عليها مع أنهم يرون منا أمثال هذه المقدورات، ولم يخافوا من بطشنا وانتقامنا، ولم يعلموا أنَّا من مقام قهرنا وجودنا وجلالنا {إِن نَّشَأْ} إهلاكهم واستئصالهم {نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ} كما خسفنا على قارون وأمثاله {أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً} بالتحريك والتسكين على القراءتين؛ أي: قطعاً {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} فنهلكهم بها {إِنَّ فِي ذَلِكَ} البيان على وجه التقريع والتعبير {لآيَةً} دالة على قدرتنا وقهرنا على انتقام من خرج عن ربقة عبوديتنا {لِّكُلِّ عَبْدٍ} تحقق بمقام العبودية وفوض أموره كلها إليها {مُّنِيبٍ} [سبأ: 9] رجع إلينا وهرب عن مقتضيات قهرنا وجلالنا، بعدما عرف أن الكل منا بدأ، ويحولنا وقوتنا ظهر وعاد أيضاً كما بدأ؛ إذ منا المبدأ وإلينا المنتهى، وليس وراءنا مقصد ومرمى.
همام الصنعاني
تفسير : 2392- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَٱلَّذِينَ سَعَوْا فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ}: [الآية: 5]، قال: يظنون أنهم يُعْجِزُون الله، ولَنْ يُعْجِزُوه.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):