Verse. 3612 (AR)

٣٤ - سَبَأ

34 - Saba (AR)

وَيَرَى الَّذِيْنَ اُوْتُوا الْعِلْمَ الَّذِيْۗ اُنْزِلَ اِلَيْكَ مِنْ رَّبِّكَ ہُوَالْحَقَّ۝۰ۙ وَيَہْدِيْۗ اِلٰى صِرَاطِ الْعَزِيْزِ الْحَمِيْدِ۝۶
Wayara allatheena ootoo alAAilma allathee onzila ilayka min rabbika huwa alhaqqa wayahdee ila sirati alAAazeezi alhameedi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ويرى» يعلم «الذين أوتوا العلم» مؤمنوا أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه «الذي أنزل إليك من ربك» أي القرآن «هو» فصل «الحق ويهدي إلى صراط» طريق «العزيز الحميد» أي الله ذي العزة المحمود.

6

Tafseer

الرازي

تفسير : لما بين حال من يسعى في التكذيب في الآخرة بين حاله في الدنيا وهو أن سعيه باطل فإن من أوتي علماً لا يغتر بتكذيبه ويعلم أن ما أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم حق وصدق، وقوله: {هو الحق} يفيد الحصر أي ليس الحق إلا ذلك، وأما قول المكذب فباطل، بخلاف ما إذا تنازع خصمان، والنزاع لفظي فيكون قول كل واحد حقاً في المعنى، وقوله تعالى: {وَيَهْدِى إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ } يحتمل أن يكون بياناً لكونه هو الحق فإنه هاد إلى هذا الصراط، ويحتمل أن يكون بياناً لفائدة أخرى، وهي أنه مع كونه حقاً هادياً والحق واجب القبول فكيف إذا كان فيه فائدة في الاستقبال وهي الوصول إلى الله، وقوله: {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ } يفيد رغبة ورهبة، فإنه إذا كان عزيزاً يكون ذا انتقام ينتقم من الذي يسعى في التكذيب، وإذا كان حميداً يشكر سعي من يصدق ويعمل صالحاً، فإن قيل كيف قدم الصفة التي للهيبة على الصفة التي للرحمة مع أنك أبداً تسعى في بيان تقديم جانب الرحمة؟ نقول كونه عزيزاً تام الهيبة شديد الانتقام يقوي جانب الرغبة لأن رضا الجبار العزيز أعز وأكرم من رضا من لا يكون كذلك، فالعزة كما تخوف ترجى أيضاً، وكما ترغب عن التكذيب ترغب في التصديق ليحصل القرب من العزيز.

القرطبي

تفسير : لما ذكر الذين سَعْوا في إبطال النبوّة بيّن أن الذين أوتوا العلم يرون أن القرآن حق. قال مقاتل: «الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» هم مؤمنو أهل الكتاب. وقال ابن عباس: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل جميع المسلمين، وهو أصح لعمومه. والرؤية بمعنى العلم، وهو في موضع نصب عطفاً على «لِيَجْزِي» أي ليجزي وليرى، قاله الزجاج والفرّاء. وفيه نظر، لأن قوله: {لِّيَجْزِيَ} متعلق بقوله: «لَتَأْتِيَنَّكُمْ السَّاعَةَ»، ولا يقال: لتأتينكم الساعة ليرى الذين أوتوا العلم أن القرآن حق، فإنهم يرون القرآن حقًّا وإن لم تأتهم الساعة. والصحيح أنه رفع على الاستئناف، ذكره القشيريّ. قلت: وإذا كان «ليَجْزِيَ» متعلقاً بمعنى أثبت ذلك في كتاب مبين، فيحسن عطف «وَيَرَى» (عليه)، أي وأثبت أيضاً ليرى الذين أوتوا العلم أن القرآن حق. ويجوز أن يكون مستأنفاً. {ٱلَّذِيۤ} في موضع نصب على أنه مفعول أوّل لـ«ـيرى» {هُوَ ٱلْحَقَّ} مفعول ثان، و«هو» فاصلة. والكوفيون يقولون «هو» عماد. ويجوز الرفع على أنه مبتدأ. و«الْحَقّ» خبره، والجملة في موضع نصب على المفعول الثاني، والنصب أكثر فيما كانت فيه الألف واللام عند جميع النحويين، وكذا ما كان نكرة لا يدخله الألف واللام فيشبه المعرفة. فإن كان الخبر اسماً معروفاً نحو قولك: كان أخوك هو زيد، فزعم الفراء أن الاختيار فيه الرفع. وكذا كان محمد هو عمرو. وعلّته في اختياره الرفع أنه لما لم تكن فيه الألف واللام أشبه النكر في قولك: كان زيد هو جالس، لأن هذا لا يجوز فيه إلا الرفع. {وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} أي يهدي القرآن إلى طريق الإسلام الذي هو دين الله. ودلّ بقوله: {ٱلْعَزِيزِ} على أنه لا يغالب. وبقوله: {ٱلْحَمِيدِ } على أنه لا يليق به صفة العجز.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَيَرَى } يعلم {ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه {ٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ } أي القرآن {هُوَ } فصل {ٱلْحَقَّ وَيَهْدِى إِلَىٰ صِرَٰطِ } طريق {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ } أي الله ذو العزة المحمود.

ابن عطية

تفسير : قال الطبري والثعلبي وغيرهما {ويرى} معطوف على ما قبله من الأفعال والظاهر أنه فعل مستأنف وأن الواو إنما عطفت جملة على جملة وكأن المعنى الإخبار بأن أهل العلم يرون الوحي المنزل على محمد حقاً وأنه يهدي إلى صراط الله، وقوله {الذي أنزل} مفعول بـ {يرى}، و {الحق} مفعول ثان وهو عماد، و {الذين أوتوا العلم} قيل هم من أسلم من أهل الكتاب. وقال قتادة هم أمة محمد المؤمنون به كان من كان، {ويهدي} معناه يرشد، و"الصراط" الطريق، وأراد طريق الشرع والدين، ثم حكي عن الكفار مقالتهم التي قالوها على جهة التعجب والهزء، أي قالها بعضهم لبعض كما يقول الرجل لمن يريد أن يعجبه: هل أدلك على أضحوكة ونادرة فلما كان البعث عندهم من البعيد المحال جعلوا من يخبر به في حيز من يتعجب منه، والعامل في {إذا} فعل مضمر قبلها فيما قال بعض الناس تقديره "ينبئكم بأنكم تبعثون إذا مزقتم"، ويصح أن يكون العامل ما في قوله {إنكم لفي خلق جديد} من معنى الفعل لأن تقدير الكلام "ينبئكم إنكم لفي خلق جديد إذا مزقتم"، وقال الزجاج العامل في {إذا}، {مزقتم} وهو خطأ وإفساد للمعنى المقصود، ولا يجوز أن يكون العامل {ينبئكم} بوجه، و {مزقتم} معناه بالبلى وتقطع الأوصال في القبور وغيرها، وكسر الألف من {إنكم} لأن {ينبئكم} في معنى يقول لكم ولمكان اللام التي في الخبر، و {جديد} معناه مجدد، وقولهم {افترى} هو من قول بعضهم لبعض، وهي ألف الاستفهام دخلت على ألف الوصل فحذفت ألف الوصل وبقيت مفتوحة غير ممدودة، فكأن بعضهم استفهم بعضاً عن محمد أحال الفرية على الله هي حاله أم حال الجنون، لأن هذا القول إنما يصدر عن أحد هذين فأضرب القرآن عن قولهم وكذبه، فكأنه قال ليس الأمر كما قالوا {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة} والإشارة بذلك إليهم، {في العذاب} يريد عذاب الآخرة لأنهم يصيرون إليه، ويحتمل أن يريد {في العذاب} في الدنيا بمكابدة الشرع ومكابرته ومحاولة إطفاء نور الله تعالى وهو يتم، فهذا كله عذاب وفي {الضلال البعيد} أي قربت الحيرة وتمكن التلف لأنه قد أتلف صاحبه عن الطريق الذي ضل عنه.

ابن عبد السلام

تفسير : {الَّذِينَ أُوتُواْ العِلْمَ} أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، أو مؤمنو أهل الكتاب {الَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ} القرآن {صِرَاطِ الْعَزِيزِ} دين الإسلام مأثور، أو طاعة الله ـ تعالى وسبيل مرضاته.

اسماعيل حقي

تفسير : {ويرى الذين اوتوا العلم} مستأنف مسوق للاستشهاد باولى العلم على الجهلة الساعين فى الآيات اى يعلم اولوا العلم من اصحاب رسول الله ومن شايعهم من علماء الامة او من آمن من علماء اهل الكتاب كعبد الله بن سلام وكعب الاحبار ونحوهما والاول اظهر لان السورة مكية كما فى التكملة {الذى انزل اليك من ربك} اى النبوة والقرآن والحكمة والجملة مفعول اول لقوله يرى {هو} ضمير فصل يفيد التوكيد كقوله تعالى {أية : هو خيرا لهم} تفسير : {الحق} بالنصب على انه مفعول ثان ليرى {ويهدى} عطف على الحق عطف الفعل على الاسم لانه فى تأويله كما فى قوله تعالى {أية : صافات} تفسير : اى وقابضات كأنه قيل ويرى الذين اوتوا العلم الذى انزل اليك الحق وهاديا {الى صراط العزيز الحميد} الذى هو التوحيد والتوشح بلباس التقوى وهذا يفيد رهبة لان العزيز يكون ذا انتقام من المكذب ورغبة لان الحميد يشكر على المصدق. وفيه ان دين الاسلام وتوحيد الملك العلام هو الذى يتوصل به الى عزة الدارين والى القربة والوصلة والرؤية فى مقام العين كما ان الكفر والتكذيب يتوصل به الى المذمة والمذلة فى الدنيا والآخرة والى البعد والطرد والحجاب عما تعاينه القلوب الحاضرة والوجوه الناظرة. قال بعض الكبار يشير بالآية الى الفلاسفة الذين يقولون ان محمدا صلى الله عليه وسلم كان حكيما من حكماء العرب وبالحكمة اخرج هذا الناموس الاكبر يعنون النبوة والشريعة ويزعمون ان القرآن كلامه انشأه من تلقاء نفسه يسعون فى هذا المعنى مجاهدين جهدا تاما فى ابطال الحق واثبات الباطل فلهم اسوأ الطرد والابعاد لان القدح فى النبوة ليس كالقدح فى سائر الامور. واما الذين اوتوا العلم من عند الله موهبة منه لا من عند الناس بالتكرار والبحث فيعلمون ان النبوة والقرآن والحكمة هو الحق من ربهم وانما يرون هذه الحقيقة لانهم ينظرون بنور العلم الذى اوتوه من الحق تعالى فان الحق لا يرى الا بالحق كما ان النور لا يرى الا بالنور ولما كان يرى الحق بالحق كان الحق هاديا لاهل لاحق وطالبيه الى طريق الحق وذلك قوله {ويهدى الى صراط العزيز الحميد} فهو العزيز لانه لا يوجد الا به وبهدايته والحميد لانه لا يرد الطالب بغير وجدان كما قال (ألا من طلبنى وجدنى). قال موسى عليه السلام اين اجدك يا رب قال يا موسى اذا قصدت الىّ فقد وصلت الىّ: قال المولى الجامى شعر : هرجه جزحق زلوح دل بتراش بكذر از خلق جمله حق را باش رخت همت بخطه جان كش بر ر خ دل غير خط نسيان كش بكسلى خويش از هوا وهوس روى دل در خداى دارى بس

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {ويرى}: مرفوع، استئناف، أو منصوب، عطف على {ليجزي}. و {الحق}: مفعول ثان ليرى العلمية. والمفعول الأول: {الذي أُنزل} وهو ضمير فصل. يقول الحق جلّ جلاله: {ويَرَى الذين أُوتوا العلم} من الصحابة، وممن شايعهم من علماء الأمة ومن ضاهاهم، أو علماء أهل الكتاب الذين أسلموا، كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، أي: يعلمون {الذي أُنزل إِليك من ربك} يعني القرآن {هو الحق} لا يرتابون في حقيّته؛ لِما نطوى عليه من الإعجاز، وبموافقته للكتب السالفة، على يد مَن تحققت أميته. أو: ليجزي المؤمنين، وليعلم أولو العلم عند مجيء الساعة أنه الحق، علماً لا يزاد عليه في الإيقان، لكونه محل العيان، كما علموه في الدنيا من طريق البرهان. {ويهدي إِلى صراط العزيز الحميد} وهو دينُ الله، من التوحيد، وما يتبعه من الاستقامة. الإشارة: أول ما يرتفع الحجاب عن العبد بينه وبين كلام سيده، فيسمع كلامه منه، لكن من وراء رداء الكبرياء، وهو رداء الحس والوهم، فيجد حلاوة الكلام ويتمتع بتلاوته، فيلزمه الخشوع والبكاء والرِقة عند تلاوته. قال جعفر الصادق: "لقد تجلّى الحق تعالى في كلامه ولكن لا تشعرون". ثم يرتفع الحجاب بينه وبين الحق تعالى، فيسمع كلامه بلا واسطة ولا حجاب، فتغيب حلاوة الكلام في حلاوة شهود المتكلم، فينقلب البكاء سروراً، والقبض بسطاً. وعن هذا المعنى عبّر الصدِّيق عند رؤيته قوماً يبكون عند التلاوة، فقال: "كذلك كنا ولكن قست القلوب" فعبّر عن حال التمكُّن والتصلُّب بالقسوة؛ لأن القلب قبل تمكُّن صاحبه يكون سريعَ التأثُّر للواردات، فإذا تمكّن واشتد لم يتأثر بشيء. وصراط العزيز الحميد هو طريق السلوك إلى حضرة ملك الملوك. وبالله التوفيق. ثم ذكر مقالة أخرى للكفرة فقال: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ...}

الطوسي

تفسير : قرأ حمزة والكسائي {إن يشأ يخسف بهم} بالياء كناية عن الله تعالى أنه إن شاء خسف. الباقون بالنون كناية على انه إخبار منه تعالى عن نفسه. يقول الله تعالى مخبراً أن الذين أوتوا العلم والمعرفة بوحدانية الله تعالى. قال قتادة: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وقال غيره: يجوز أن يكون المراد كل من أوتي العلم بالدين، وهو الاولى، لانه أعم {الذي أنزل إليك من ربك} يعني القرآن {هو الحق} فـ {الذي} في موضع نصب بأنه المفعول بـ {يرى} وقوله {هو} فصل، ويسميه الكوفيون عماداً، قال الشاعر: شعر : ليت الشباب هو الرجيع إلى الفتى والشيب كان هو البدء الاول تفسير : أنشده الكسائى على أن {هو} الاول عماد والثاني اسم. و {الحق} هو المفعول الثاني، و {يرى} في الآية بمعنى {يعلم} وموضعه يحتمل أن يكون نصباً عطفاً على {ليجزي} ويحتمل ان يكون رفعاً بالاستئناف، وإيتاء العلم اعطاؤه إما بخلق العلم او بنصب الادلة المسببة له، فهو لطف الله تعالى لهم بما أداهم إلى العلم، فكان كأنه قد أتاهم {الذي أنزل إليك} يعني القرآن وما أنزله الله عليه من الاحكام يعلمونه حقاً صحيحاً لمعرفتهم بالله وآياته الدالة على صدق نبيه {ويهدي} يعني القرآن ويرشد إلى {صراط العزيز الحميد} يعني إلى دين الله القادر الذي لا يغالب، والحميد يعني المحمود على جميع أفعاله، وهو الله تعالى. ثم حكى ان الكفار يقول بعضهم لبعض {هل ندلكم على} ونرشدكم إلى {رجل ينبئكم} أي يخبركم {إذا مزقتم كل ممزق} أي مزقت أعضاؤكم بعد الموت، وصرتم تراباً ورميماً {إنكم لفي خلق جديد} ابتداء بأن لم يعمل فيها {ينبئكم} لانه لو أعمل فيها لنصبها، يعيدكم ويحييكم، ويقولون: هذا على وجه الاستبعاد له والتعجب من هذا القول. ومعنى {مزقتم} بليتم وتقطعت أجسامكم. والعامل في (إذ) يقول - في قول الزجاج - وتقديره هل ندلكم على رجل يقول لكم إنكم إذا مزقتم تبعثون، ويكون {إذا} بمعنى الجزاء تعمل فيها التي تليها، قال قيس: شعر : إذا قصرت أسيافنا كان وصلها خطانا إلى اعدائنا فنضارب تفسير : والمعنى يكن وصلها، فلذلك جزم فنضارب. وقيل العامل فيه معنى الجملة كأنه قيل: يجدد خلقكم، ولا يجوز أن يعمل فيه ما بعد لام الابتداء، ولا ما بعد ان لانها حروف لا تتصرف في نفسها ولا في معمولها. وقوله {أفترى على الله كذباً} قال قوم: اسقط ألف الاستفهام من {أفترى} لدلالة {أم} عليه. وقال الرماني: هذا غلط، لأن الف الاستفهام لا تحذف إلا في ضرورة وإنما القراءة بقطع الألف، فألف الاستفهام ثابتة وألف (افتعل) سقطت، لأنها زائدة، ومثله قوله {أية : بيدي أستكبرت} تفسير : وقوله {أية : أصطفى البنات} تفسير : وقوله {أية : سواء عليهم أستغفرت لهم} تفسير : ونظائره كثيرة. ولم يفصل بينها بمدة لان الثانية مكسورة ففارق همزة {أية : آلله خير أما يشركون} تفسير : ولو لم تقطع لكان خبراً بعده استفهام، والمعنى إن هؤلاء الكفار الذين يتعجبون من قول النبي صلى الله عليه وآله إن الله يعيد الخلق بعد اماتتهم خلقاً جديداً، هل كذب على الله متعمداً {أم به جنة} يعنون جنوناً فيتكلم بمالا يعلم فقال الله تعالى ليس كما يقولون: {بل الذين لا يوقنون} أي لا يصدقون بالآخرة وبما فيها من الثواب والعقاب {في العذاب والضلال البعيد} يعني العدول البعيد عن الحق، فلذلك يقولون ما يقولون، بل نبههم على صحة ما يقول النبي صلى الله عليه وآله من الاعادة فقال {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض} فيفكروا فيه ويعتبروا به وإن الله تعالى خلقه واخترعه وأنه {إن نشأ نخسف بهم الأرض} من تحت أرجلهم {أو نسقط عليهم كسفاً} يعني قطعة من السماء ثم قال {إن في ذلك لآية} ودلالة {لكل عبد منيب} أي راجع إلى الله تعالى. ووجه التنبيه بالآية أن ينظروا فيعلموا أن السماء تحيط بهم، والارض حاملة لهم، فهم في قبضتنا {إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم السماء} أفما يحذرون هذا فيرتدعون عن التكذيب بآيات الله. و (المنيب) المقبل التائب - في قول قتادة -. ثم اخبر تعالى فقال {ولقد آتينا داود} يعني أعطاه {منا فضلا} من عند الله. وقيل: معناه النبوة. وقيل: الزبور. وقيل: حسن الصوت. وقيل: هو ما فسره أي قلنا {يا جبال أوبي معه} ومعناه أنه نادى الجبال وأمرها بأن أوبي معه أي ارجعي بالتسبيح معه، قال الشاعر: شعر : يومان يوم مقامات واندية ويوم سير إلى الاعداء تأويب تفسير : أي رجوع بعد رجوع. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: أمر الله الجبال أن تسبح معه إذا سبح {والطير} في نصبه وجهان: أحدهما وسخرنا الطير والثاني - بالعطف على موضع المنادى الاول كما قال الشاعر: شعر : ألا يا زيد والضحاك سيرا [فقد جاوزتما حد الطريق] تفسير : والاول أقوى عندهم لان الحمل على لفظة المنادى أشكل. ويكون كقولهم (أطعمتها تبناً وماء بارداً) أي وسقيتها. وقيل معنى {أوبي} سيري معه حيث شاء، وليس المعنى إن الله خاطب الجبال، وهي جماد بذلك، بل المراد أنه فعل في الجبال ما لو كانت حية قادرة لكان يتأني منها ذلك. وقوله {وألنا له الحديد} قال قتادة: كان الحديد في يده مثل الشمع يصرفه كيف يشاء من غير نار ولا تطريق. ثم قال وقلنا له {أن اعمل سابغات} وهي الدروع التامة والسابغ التام من اللباس، ومنه اسباغ النعمة إتمامها، وثوب سابغ تام {وقدر في السرد} معناه لا تجعل الحلقة واسعة لا تقي صاحبها وسرد الحديد نظمه. وقيل: السرد حلق الدرع - في قول ابن عباس وابن زيد - قال الشاعر: شعر : اجاد السدي سردها وأدالها تفسير : وقال قتادة: السرد المسامير التي في حلق الدرع، وهو مأخوذ من سرد الكلام سرده يسرده سرداً إذا تابع بين بعض حروفه وبعض كالتابعة في الحلق والمسامير، ومنه السرد للطعام وغيره للاستتباع في خروج ما ليس منه، قال الشاعر: شعر : وعليهما مسرودتان قضاهما داود او صنع السوابغ تبع تفسير : ويقولون: درع مسرودة أي مسمورة الحلق. وقيل: معنى {وقدر في السرد} عدل المسمار في الحلقة لا يدق فينكسر او يغلظ فيفصم، ذكره مجاهد والحكم. {واعملوا صالحاً} أمر لهم بأن يعملوا الاعمال الحسنة التي ليست قبيحة وما يكون بفعله مطيعاً لله {إني بما تعملون بصير} أي عالم بما تفعلونه، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، فالبصير العليم بالامور بما يتبين في تميزه بعضه من بعض وكان الكسائي يدغم الفاء في الباء في قوله {إن نشأ نخسف بهم} وهذا لا يجوز عند البصريين، لان الفاء من باطن الشفة العليا، واطرف الثنايا العليا، والباء يخرج من بين الشفتين، ولان الفاء فيه نفس، فاذا أدغم في الباء بطل، وأيضاً فهو من مخرج التاء، فكما لا يجوز ادغامه في التاء، فكذلك لا يجوز ادغامه في الباء، وأجاز ذلك الفراء. وأما إدغام التاء في الفاء، فلا خلاف فيه.

الجنابذي

تفسير : {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} يرى بمعنى يعتقد او يعلم والمراد بالعلم الّذى اوتوه هو النّور الّذى يقذفه الله فى قلب من يشاء ولذلك قال تعالى: اوتوا العلم ولم يقل كسبوا العلم واولى درجات هذا العلم هو النّور الّذى يجعل الانسان متحيّراً فى امره لا يدرى ما يقول ولا يفعل فيسكت عن الكلام ويتحيّر فى طلب اصله كيف يطلب، ولذلك حديث : قال (ص) حين سئل عن العلم: انّه الانصات تفسير : {ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ} قرئ الحقّ منصوباً وعليه فالّذى انزل اليك مفعول اوّل ليرى وهو ضمير الفصل والحقّ مفعوله الثّانى وقرئ الحقّ مرفوعاً وعليه يجوز ان يكون الّذى انزل اليك صفة للعلم ومفعول يرى محذوفاً وجملة هو الحقّ مستأنفة، ويجوز ان يكون الموصول مفعولاً ليرى ويكون يرى متعدّياً لواحدٍ، او المفعول الثّانى محذوفاً وهو الحقّ جملة مستأنفة، ويجوز ان ان يكون الموصول مفعولاً اوّلاً وجملة هو الحقّ مفعولاً ثانياً والمراد بالّذى انزل اليه (ص) جملة ما انزل اليه او المعهود ممّا انزل اليه فى ولاية علىٍّ (ع) والمراد بالّذين اوتوا العلم علىّ (ع) او جملة المؤمنين {وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} عطف على جملة هو الحقّ او عطف على جملة يرى الّذين اوتوا العلم ويكون حينئذٍ ضمير الفاعل راجعاً الى البعض المستفاد من الّذين اوتوا العلم يعنى يهدى كلّ بعضٍ منهم بوجوده وفعله وقوله وخلقه وحاله كعلىّ (ع) وبعض المؤمنين او ببعضها كبعضٍ آخر منهم.

الأعقم

تفسير : {ويرى الذين أوتوا العلم} أعطوا العلم قيل: هو أصحاب محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، وقيل: من آمن من علماء أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، وقيل: كل من أوتي العلم إلى يوم القيامة، وقيل: هم علماء التوحيد والعدل {الذي أنزل إليك} أي يعلمون أنه {الحق} وهو القرآن {ويهدي} يعلمون أنه حق ويعلمون أنه يهدي {إلى صراط العزيز} القادر {الحميد} المحمود والصراط قيل: هو دين الإِسلام {وقال الذين كفروا} القادة والاتباع متعجبين منه: {هل ندلكم على رجل} يعنون محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) {ينبئكم} يخبركم {إذا مزّقتم كل ممزّق} بليتم وتفرق أجزاؤكم وتقطع أوصالكم وصرتم تراباً، كل ممزق يعنون تفريقاً عظيماً {إنكم لفي خلق جديد} أي تعودون أحياء كما كنتم {أفترى على الله كذباً} قيل: هو من كلام المتبوعين أيضاً قالوه معجبين، وقيل: هو من كلام الاتباع جواباً لهم {أم به جِنّة} أو مجنون لا يدري {بل} الكفار {الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب} أي يصيرون إلى العذاب {والضلال البعيد} يعني بعيد عن الحق {أفلم يروا} أفلم ينظروا {إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض} ألم يروا أن السماء محفوظة بهم والأرض، وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدروا أن ينفذوا من أقطارها وان يخرجوا عما هم فيه من ملكوت الله، وقيل: بالسماء والأرض أنعم عليهم أفلا يدبرون {إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفاً من السماء} لتكذيبهم بالآيات وكفرهم بالرسول وبما جاء به كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة {إن في ذلك} النظر إلى السماء والأرض والفكر فيهما وما يدلان عليه من قدرة الله {لآية} دلالة {لكل عبد منيب} وهو الرجع إلى ربه المطيع له تائب من ذنوبه {ولقد آتينا داوود منا فضلاً} أي أعطيناه فضلاً، والمراد أنا فضلناه على غيره بما أعطيناه من النبوة والكتاب وهو الزبور والمعجزات الظاهرات {يا جبال أوبي معه} وقلنا: يا جبال أوبي من التأويب والأوب أي رجعي معه التسبيح، ومعنى تسبيح الجبال أن الله سبحانه خلق فيها تسبيحاً كما خلق الكلام في الشجر فسمع منها كما يسمع من المسبح معجزة لداوود (عليه السلام) {والطير} بأصواتها، قال جار الله: والذي ذكره الحاكم قال معناه يا جبال أوبي معه أي سخرنا الجبال له وسهلناها فلا يصعب عليه ما يريده منها من قطع وغيره لأنه ليس بحيّ مخاطب، وقيل: كانت الجبال تسبح إذا سبح، عن ابن عباس: أي رجعي معه بالتسبيح، وقيل: إذا قرأ الزبور بصوت حزين والطير تعظيماً لقراءته، وهذا يحتمل أن الله خلق ذلك فيها معجزة لداوود {وألنّا له الحديد} وجعلناه له لينا كالطين والعجين والشمع يصرفه كيف شاء من غير نار ولا ضرب بمطرقة {ان اعمل سابغات} وهي الدروع الواسعة الصافية، وهو أول من اتخذها، وكان يأكل من كسب يده، وروي أنه كان يبيع الواحد بأربعة آلاف {وقدّر في السرد} في نظم الحلق والسرد حلق الدرع، وقيل: السابغات الدروع والسرد الإِرسال والله أعلم {واعملوا صالحاً} أي قلنا لهم اعملوا {إني بما تعملون بصير} فمجازيكم به.

اطفيش

تفسير : {ويرى} مستأنف مرفوع ومعناه يعلم. {الذين أوتوا العلم} من الصحابة ومن تابعهم من الأمة او المراد بالذين اوتوا العلم مسلموا اهل الكتاب ككعب الاحبار وعبدالله بن سلام وبالأول قال قتادة. {الذي أنزل اليك} مفعول اول ليرى وهو القرآن. {من ربك هو الحق} بنصب الحق على انه المفعول الثاني ولفظ هو ضمير لا محل له او حرف قولان اصحهما الاول واجاز بعضهم كونه بدلا من الذي مستعارا للنصب وزعم بعض انه يجوز كونه تأكيدا للذي وقرىء برفع الحق على انه خبر لهو والجملة مفعول ثان وذلك المرفوع المستأنف وما بعده استشهاد بأولى العلم على الجهلة الساعين في ابطال الآيات. وقيل: يرى منصوب معطوف على يجزي فهو داخل في التعليل اي ليعلم اولوا العلم عند مجيىء الساعة انه الحق علما عيانا تعدى العلم الذي لهم في الدنيا بأنه حق بالبرهان فهم يزيدون في الآخرة يقينا لا يقين فوقه ويوبخوا بذلك هؤلاء الساعين ويجوز ان يراد بالذين اوتوا العلم الأحبار الذين لم يؤمنوا اي وليراه هؤلاء الأحبار في الآخرة انه الحق فيشتد غمهم وحسرتهم. {ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} اي الى طريق الله العزيز المحمود ذاتا وصفة وفعلا وطريقة هو دين الاسلام.

اطفيش

تفسير : {ويَرى} يعلم {الَّذين أوتُوا العِلْم} من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، وكعب الأحبار، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين، وهكذا والمشركون يعتبرون مؤمنى أهل الكتاب، لأنهم يحكون لهم عن التوراة والانجيل تصديق النبى صلى الله عليه وسلم والقرآن، وأجاز بعض أن يراد بالذين أوتوا العلم الأحْبار الذين لم يؤمنوا، أى ليعلموا يومئذ أن القرآن ومحمد أحق فيزدادوا حسرة، ويرده أن أولى العلم مدح، وأجيب بأنهم علموا من التوراة والإنجيل أنهما حق، وأنكروا ولا مدح فى ذلك، إلا أنه بعيد، وأيضا المقابلة به للذين كفروا يقتضى الحمل على المؤمنين، وكعب الأحبار مؤمن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يظهر إيمانه، فليس صحابيا، وقيل آمن بعد موته صلى الله عليه وسلم، وعلى كل حال هو من التابعين. {الَّذي أنْزل إليْكَ} القرآن الذى، أو الكلام الذى، أنزل إليك {من ربِّكَ} الناصر لك {هُو} ضمير فصل إعراب لا له {الحقَّ} مفعول ثان، والأول الذى، والمشهور عن نافع الرفع على أنه خبر هو، ونحن نقرأ بالنصب، والجملة مفعول ثان، والعطف فى قوله: "ويرى" إلخ على قوله: "أية : والذين سعوا في آياتنا"تفسير : [سبأ: 5] إلخ عطف فعلية على اسمية استشهادا بأولى العلم على الجهلة الساعين فى الآيات، أو عطف على: "أية : قال الذين كفروا" تفسير : [سبأ: 3] وفيه بعد، وطول الفصل، والمعنى قال الذين كفروا: لا ساعة، وقال الذين أوتوا العلم: ثابتة لأنها فى القرآن الحق، واعترض بأن الآية تدل على أن المقام للاهتمام بشأن القرآن، وذكرت الساعة استطرادا، أو أجيب بأن المقام للساعة، وذكر القرآن استطرادا. والمقصود بالذات الساعة، ألا ترى الى قوله: "أية : وقال الذين كفروا هل ندلكم" تفسير : [سبأ: 7] إلخ، ويضعف العطف على يجزى بمعنى لتأتيكم الساعة، ليجزى المؤمنين، وليرى أولو العلم المؤمنون بها الحق الذى هو الساعة، فيحتجوا على من نفاها، الذين سعوا معطوف على الذين، أو مبتدأ والجملة معترضة. {ويَهْدي إلى صِراط} توحيد وتقوى {العَزيز الحَميد} القاهر لكل ما سواه، المحمود فى ذاته وصفاته وأفعاله، وفاعل يهدى ضمير الله، أو الذى والعطف للذى على الذى إذا جعلنا الضمير للذى، وإذا جعل الضمير لله فذلك وضع للظاهر موضع المضمر، ويجوز العطف على الحق أى يرونه حقا، وهاديا على أنه مفعول ثان مع فاعله بعد مفعول ثان، أوعطف عليه، لأنه وصف كقوله تعالى: "أية : صافات ويقبضن"تفسير : [الملك: 19] كأنه قيل هو يحق ويهدى.

الالوسي

تفسير : {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ } أي ويعلم أولوا العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن يطأ أعقابهم من أمته عليه الصلاة والسلام أو من آمن من علماء أهل الكتاب كما روي عن قتادة كعبد الله بن سلام وكعب وأضرابهما رضي الله تعالى عنهم {ٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } أي القرآن {هُوَ ٱلْحَقُّ } بالنصب على أنه مفعول ثان ليرى والمفعول الأول هو الموصول الثاني و {هُوَ } ضمير الفصل. وقرأ ابن أبـي عبلة بالرفع على جعل الضمير مبتدأ وجعله خبراً والجملة في موضع المفعول الثاني ليرى وهي لغة تميم يجعلون ما هو فصل عند غيرهم مبتدأ. وقوله تعالى: {وَيَرَى } الخ ابتداء كلام غير معطوف على ما قبله مسوق للاستشهاد بأولي العلم على الجهلة الساعين في الآيات. وفي «الكشف» هو عطف على قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ }تفسير : [سبأ: 3] على معنى وقال الجهلة: لا ساعة وعلم أولي العلم أنه الحق الذي نطق به المنزل إليك الحق وتعقب بأنه تكلف بعيد فإن دلالة النظم الكريم على الاهتمام بشأن القرآن لا غير، وقيل عليه: أنت خبير بأن ما قبله من قوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ } تفسير : [سبأ: 3] وقوله سبحانه: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ } تفسير : [سبأ: 7] الخ في شأن الساعة ومنكري الحشر فكيف يكون ما ذكر بعيداً بسلامة الأمير فذكر حقية القرآن بطريق الاستطراد والمقصود بالذات حقية ما نطق به من أمر الساعة، وقال الطبري والثعلبي: إن {يَرَىٰ } منصوب بفتحة مقدرة عطفاً على {يجزي} [سبأ: 4] أي وليعلم أولو العلم عند مجيء الساعة معاينة أنه الحق حسبما علموه قبل برهانا ويحتجوا به على المكذبين وعليه فقوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ} تفسير : [سبأ: 5] معطوف على الموصول الأول أو مبتدأ والجملة معترضة فلا يضر الفصل كما توهم، وجوز أن يراد بأولي العلم من لم يؤمن من الأحبار أي ليعلموا يومئذ أنه هو الحق فيزدادوا حسرة وغماً وتعقب بأن وصفهم بأولي العلم يأباه لأنه صفة مادحة ولعل المجوز لا يسلم هذا، نعكم كون ذلك بعيداً لا ينكر لا سيما وظاهر المقابلة بقوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ }تفسير : [سبأ: 3] يقتضي الحمل على المؤمنين. {وَيَهْدِى إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ } الذي يقهر ولا يقهر {ٱلْحَمِيدِ } المحمود في جميع شؤونه عز وجل، والمراد بصراطه تعالى التوحيد والتقوى، فاعل (يهدي) إما ضمير {ٱلَّذِى أَنزَلَ } أو ضمير الله تعالى ففي {ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ } التفات، والجملة على الأول إما مستأنفة أو في موضع الحال من {ٱلَّذِى } على إضمار مبتدأ أي وهو يهدي كما في قوله:شعر : نجوت وأرهنهم مالكاً تفسير : أو معطوفة على {ٱلْحَقّ } بتقدير وإنه يهدي وجوز أن يكون يهدي / معطوفاً على {ٱلْحَقّ } عطف الفعل على الاسم لأنه في تأويله كما في قوله تعالى: {أية : صَــٰفَّـٰتٍ وَيَقْبِضْنَ} تفسير : [الملك: 19] أي قابضات وبعكسه قوله:شعر : وألفيته يوماً يبير عدوه وبحر عطاء يستحق المعابرا

ابن عاشور

تفسير : عطف على { أية : ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات } تفسير : [سبأ: 4] وهو مقابل جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فالمراد بالذين سَعوا في الآيات الذين كفروا، عدل عن جعل صلة اسم الموصول { أية : كفروا } تفسير : [سبأ: 3] لتصلح الجملة أن تكون تمهيداً لإِبطال قول المشركين في الرسول صلى الله عليه وسلم { أية : أفترى على الله كذباً أم به جنة } تفسير : [سبأ: 8]، لأن قولهم ذلك كناية عن بطلان ما جاءهم به من القرآن في زعمهم فكان جديراً بأن يمهد لإِبطاله بشهادة أهل العلم بأن ما جاء به الرسول هو الحق دون غيره من باطل أهل الشرك الجاهلين، فعطف هذه الجملة من عطف الأغراض، وهذه طريقة في إبطال شُبَه أهل الضلالة والملاحدة بأن يقدم قبل ذكر الشبهة ما يقابلها من إبطالها، وربما سلك أهل الجدل طريقة أخرى هي تقديم الشبهة ثم الكرور عليها بالإِبطال وهي طريقة عضد الدين في كتاب «المواقف»، وقد كان بعض أشياخنا يحكي انتقاد كثير من أهل العلم طريقته فلذلك خالفها التفتزاني في كتاب «المقاصد». والحق أن الطريقتين جادّتان وقد سُلكتا في القرآن. ويجوز أن تكون جملة {ويرى الذين أوتوا العلم} عطفاً على جملة { أية : والذين سعوا في آياتنا معاجزين } تفسير : [سبأ: 5] فبعد أن أوردت جملة {والذين سعوا} لمقابلة جملة { أية : ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات } تفسير : [سبأ: 4] الخ اعتبرت مقصوداً من جهة أخرى فكانت بحاجة إلى رد مضمونها بجملة {ويرى الذين أوتوا العلم} للإِشارة إلى أن الذين سعوا في الآيات أهل جهالة فيكون ذكرها بعدها تعقيباً للشبهة بما يبطلها وهي الطريقة الأخرى. والرؤية علمية. واختير فعل الرؤية هنا دون (ويعلم) للتنبيه على أنه علم يقيني بمنزلة العِلم بالمرئيات التي علمها ضروري، ومفعولا (يرى) {الذي أنزل} و{الحق}. وضمير {هو} فصل يفيد حصر الحق في القرآن حصراً إضافياً، أي لا ما يقوله المشركون مما يعارضون به القرآن، ويجوز أيضاً أن يفيد قصراً حقيقياً ادعائياً، أي قصر الحقِّيَّة المحض عليه لأن غيره من الكتب خلط حقها بباطل. و{الذين أوتوا العلم} فسره بعض المفسرين بأنهم علماء أهل الكتاب من اليهود والنصارى فيكون هذا إخباراً عما في قلوبهم كما في قوله تعالى في شأن الرهبان { أية : وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق } تفسير : [المائدة: 83]، فهذا تحد للمشركين وتسلية للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وليس احتجاجاً بأهل الكتاب لأنهم لم يعلنوا به ولا آمن أكثرهم، أو هو احتجاج بسكوتهم على إبطاله في أوائل الإسلام قبل أن يدعوهم النبي صلى الله عليه وسلم ويحتج عليهم ببشائر رسلهم وأنبيائهم به فعاند أكثرهم حينئذٍ تبعاً لعامتهم. وبهذا تتبين أن إرادة علماء أهل الكتاب من هذه الآية لا يقتضي أن تكون نازلة بالمدينة حتى يتوهم الذين توهموا أن هذه الآية مستثناة من مكيات السورة كما تقدم. والأظهر أن المراد من {الذين أوتوا العلم} مَن آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم من أهل مكة لأنهم أوتوا القرآن. وفيه علم عظيم هم عالموه على تفاضلهم في فهمه والاستنباط منه، فقد كان الواحد من أهل مكة يكون فظًّا غليظاً حتى إذا أسلم رقّ قلبه وامتلأ صدره بالحكمة وانشرح لشرائع الإِسلام واهتدى إلى الحق وإلى الطريق المستقيم. وأول مثال لهؤلاء وأشهره وأفضله هو عمر بن الخطاب للبون البعيد بين حالتيه في الجاهلية والإِسلام. وهذا ما أعرب عنه قول أبي خراش الهذلي خالطاً فيه الجد بالهزل: شعر : وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل سوى العدل شيئاً فاستراح العواذل تفسير : فإنهم كانوا إذا لقوا النبي صلى الله عليه وسلم أشرقت عليهم أنوار النبوءة فملأتهم حكمة وتقْوَى. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه: « حديث : لو كنتم في بيوتكم كما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة بأجنحتها »تفسير : . وبفضل ذلك ساسوا الأمة وافتتحوا الممالك وأقاموا العدل بين الناس مسلمهم وذمِّيهم ومُعَاهَدِهم وملأوا أعين ملوك الأرض مهابة. وعلى هذا المحمل حمل { أية : الذين أوتوا العلم } تفسير : في سورة الحج (54) ويؤيده قوله تعالى: { أية : وقال الذين أوتوا العلم والإيمان } تفسير : في سورة الروم (56). وجملة {ويهدي إلى صراط العزيز الحميد} في موضع المعطوف على المفعول الثاني لـــ{يَرَى}. والمعنى: يرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هادياً إلى العزيز الحميد، وهو من عطف الفعل على الاسم الذي فيه مادة الاشتقاق وهو {الحق} فإن المصدر في قوة الفعل لأنه إما مشتق أو هو أصل الاشتقاق. والعدول عن الوصف إلى صيغة المضارع لإِشعارها بتجدد الهداية وتكررها. وإيثار وصفي {العزيز الحميد} هنا دون بقية الأسماء الحسنى إيماء إلى أن المؤمنين حين يؤمنون بأن القرآن هو الحق والهداية استشعروا من الإِيمان أنه صراط يبلغ به إلى العزة قال تعالى: { أية : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } تفسير : [المنافقون: 8]، ويبلغ إلى الحمد، أي الخصال الموجبة للحمد، وهي الكمالات من الفضائل والفواضل.

د. أسعد حومد

تفسير : {صِرَاطِ} (6) - والمُؤْمِنُونَ الذِينَ صَدَّقُوا الرُّسُلَ فِيمَا جَاؤُوهُمْ بهِ مِنْ رَبِّهِمْ واعتَقَدُوا بأَنَّ اللهَ سَيَحْشُرُ العِبَادَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لِيُحَاسِبَهُمْ عَلَى أَعْمَالِهِمْ، فَإِنَّهُمْ حِينَما يَرَوْنَ قِيَامَ السَّاعَةِ يَقُولُونَ: مَا أَنْزلَهُ اللهُ إِليكَ يَا مُحَمَّدُ هُوَ الحَقُّ الذِي لاَ شَكَّ فِيهِ وَلا مِرْيَةَ، وَهُوَ يُرْشِدُ مَنِ اتَّبَعَهُ إِلى سَبيلِ اللهِ الذِي لاَ يُغَالَبُ ولا يُمَانَعُ (العَزِيزُ) وَهُوَ المَحْمُودُ فِي جميعِ مَا قَالَ وَشَرَعَ وَقَدَّرَ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هنا تثبيت لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكأن ربه - عز وجل - يقول له: يا محمد لا تيأس من هؤلاء الذين سَعَوْا في آياتنا معاجزين ولا تهتم، فإن الذي جعل من الكفرة مَنْ يسعون بالفساد ويُعاجزون خالقهم جعل أيضاً لك مَنْ ينصر دعوتك ويؤيدك من الذين يؤمنون بآيات الله، ويعلمون أنها الحق، وأن مَا يقوله هؤلاء من الهراء، وهو الباطل. فكما أثبتَ لهم سَعْياً في الباطل ومعاجزة أثبتَ للمؤمنين العلم بآيات الله وتصديقها والاعتراف بأنها الحق، وطمأن رسول الله أن هؤلاء لن يفسدوا عليك أمرك، ولن يُطفئوا نور الله، كما قال سبحانه: {أية : يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ} تفسير : [الصف: 8]. وقال: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} تفسير : [التوبة: 33]. فقوله تعالى: {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ ..} [سبأ: 6] أي: يشهدون لك بأنك على الحق، وأنك جِئتَهم بمنهج هو الحق، ويهدي إلى صراط مستقيم. إذن: فضَعْ هؤلاء قبالة الذين سعَوْا في آياتنا معاجزين، واعقد مقارنة بين هؤلاء وهؤلاء. فالكفار الذين سَعَوْا في آياتنا بالفساد مُجرَّدون عن معونة القدرة، بل إن القدرة ضدهم ولهم بالمرصاد، أما الذين أوتوا العلم وشهدوا لرسول الله، فهم مُؤيِّدون للقدرة الإلهية، والقدرة معهم تساندهم، فأيُّ الكِفَّتين أرجح؟ ومعنى: {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} [سبأ: 6] الذين أوتول العلم من المؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم الذين صدَّقوه وصدَّقوا معجزته ورسالته. أو: الذين أوتوا العلم من أهل الكتاب اليهود أو النصارى، فالمنصفون منهم يعلمون صِدْق رسول الله، ويعرفونه كما يعرفون أبناءهم وهم الذين ذهبوا إلى يثرب قبل بعثة رسول الله ينتظرون بعثته، وكانوا يستفتحون به على الذين كفروا يقولون: لقد أظلّ زمن نبي جديد نتبعه ونقتلكم به قَتْل عاد وإرم {أية : فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ ..} تفسير : [البقرة: 89]. لذلك يقولون القرآن في جدال الكافرين: {أية : وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً قُلْ ..} تفسير : [الرعد: 43] أي: رداً عليهم {أية : كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ..} تفسير : [الرعد: 43] أي: الله الذي أرسلني بالمعجزة {أية : وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ ٱلْكِتَابِ} تفسير : [الرعد: 43] أي: من اليهود والنصارى، أهل التوراة والإنجيل. والعلم: هو كل قضية مجزوم بها، وهي واقعة وعليها دليل، وغير ذلك لا يعتبر عِلْماً، فالقضية إنْ لم يكُنْ مجزوماً بها فلا تدخل في العلم، إنما هي في الشك، أو في الظن، أو في الوهم، فإنْ كانت القضية مجزوماً بها، لكن ليس لها واقع، فهذا هو الجهل. لذلك سبق أن قلْنا: ليس الجاهل هو الذي لا يعلم، إنما الجاهل الذي يعلم قضية منافية للواقع، أما الذي لا يعلم فهو الأميُّ خالي الذِّهْن تماماً؛ لذلك يقبل منك ما تقول، على خلاف الجاهل الذي ينبغي عليك أنْ تثبت له خطأ قضيته أولاً، ثم تقنعه بما تريد. فإنْ كانت القضية مجزوماً بها ولها واقع، لكن لا تستطيع أنْ تُدلِّل عليها، فهي تقليد كالولد الذي نلقنه مثلاً {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ * ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ} تفسير : [الإخلاص: 1-2] فيحفظها كما هي، لكن لا يستطيع أنْ يقيم الدليل عليها، فهو إذن مُقلد لمن يثق فيه وفي إخلاصه له، كأبيه أو مُعلمه، فإنْ وصل الولد إلى مرحلة يستطيع فيها أنْ يُدلِّل على صِدْق هذه القضية فقد وصل إلى مرتبة العلم. والعلم وإنْ كان أنواعاً كثيرة، إلا أنه يمكن حَصْره في العلم الشرعي والعلم الكوني: العلم الشرعي أو علم الشرع، ومصدره السماء يُبلِّغه رسول بمعجزة، ولا دَخْلَ لأحد فيه، وليس للبشر في علم الشرع إلا النقل والرواية، والبلاغ من الرسول، وهذا العلم هو الذي يُحدِّد لنا الحلال والحرام، وقد جاء العلم الشرعي لا ليتدخل في العلم الكوني، إنما جاء ليضبط الأهواء المختلفة؛ لذلك يختلف الناس في هذا العلم. أما العلم الكوني فهو العلم الذي يبحث في أجناس الوجود كلها: في الجماد، وفي النبات، وفي الحيوان، وفي الإنسان، فهذا العلم يقوم على نشاط العقل، ولا يختلف الناس فيه؛ لأنه مادىٌّ يعتمد على البحث والتجربة والملاحظة؛ لذلك يتنافس فيه الناس، وربما سرقوه بعضهم من بعض. وبهذا العلم الكوني يُرَقِّي الإنسان حياته، فالخالق عز وجل أعطاك كل مُقوِّمات الحياة وضرورياتها، وعليك إنْ أردتَ رفاهية الحياة أن تُعمِل عقلك وفكرك في معطيات الكون من حولك لتكتشف ما لله تعالى في كونه من أسرار وآيات تُرقِّي بها حياتك. ففي الماضي، كان الإنسان مثلاً إذا أراد الماء يذهب إلى النهر أو إلى البئر، فإنْ عَزَّ عليه الماء طلب السُّقْيا من الله، وتوجَّه إليه بالدعاء ولا شيء آخر، فلما تطورتْ الوسائل وتوصَّل الإنسان إلى خواصِّ الماء واستطراقه من أعلى إلى أسفل، واستحدث الخزانات والمواسير، وصار يستقبل الماء في بيته بمجرد فَتْح صنبور المياه أصبح إذا انقطعت عنه المياه لا يقول: يا ربِّ اسقنى. إنما يبحث عن سبب انقطاعها، أهو في (ماسورة) كُسِرت؟ أم أن الكهرباء انقطعت فعطلتْ موتور الرفع؟ أم أن محطة المياه تعطلت؟ .. إلخ. إذن: كلما تقدمتْ الحضارة ووسائل المدنية بَعُدت الصِّلات بيننا وبين الله. وهذا العلم الكوني الذي يقوم على الفكر وإعمال العقل لا دَخْلَ للسماء فيه، ويستوي فيه المؤمن والكافر، فمَنْ سعى إليه وأخذ بأسبابه أعطتْه الأسباب؛ لذلك وجدنا معظم الاختراعات والاكتشافات جاء بها علماء كفرة لا يؤمنون بالله، كالكهرباء والتليفون والتلغراف وغيرها. فمعنى: {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ..} [سبأ: 6] أى: العلم الشرعي، وهم الذين آمنوا بك وصدَّقوك بالمعجزة على أنك رسول الله، وأن ما جئتَ به هو الحق {ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ ..} [سبأ: 6]. وكذلك الذين أوتوا العلم الكوني لهم دَوْر في تصديق الرسل وتأييدهم بما أوتوا من العلم الكوني الذي يدلُّ على الله، وإذا كان القرآن كتابَ الله المقروء، فالكون بأجناسه المختلفة كتاب الله المشَاهَد المنظور. واقرأ إنْ شئت قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا ..} تفسير : [فاطر: 27] هذا هو النبات {أية : وَمِنَ ٱلْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ} تفسير : [فاطر: 27] وهذا هو الجماد {أية : وَمِنَ ٱلنَّاسِ ..} تفسير : [فاطر: 28] الإنسان {أية : وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلأَنْعَامِ ..} تفسير : [فاطر: 28] أي: الحيوان {أية : مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ ..} تفسير : [فاطر: 28]. ثم يختم الحق سبحانه بقوله: {أية : إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ ..} تفسير : [فاطر: 28] أيّ علماء؟ علماء الكون الذين يبحثون في أجناسه المختلفة وقوانينه العلمية والاجتماعية والصحية .. إلخ. وهؤلاء العلماء يخشوْنَ الله؛ لأنهم يشاهدون أسراره في كونه، ويُطْلِعون الناس عليها، فهم جُنْد من جنود الدعوة إنْ آمنوا يؤيدون قدرةَ الله، بل ويستشهد علماء الشرع بكلامهم، ويُظْهِرون قدرة الله في الكون من خلال نظرياتهم العلمية، إذن: للعلم الكوني مهمة كبرى في مجال الدعوة إلى الله. لكن، مَنْ الذي يرى مِنْ هؤلاء - علماء الشرع، أو علماء الكون - أن الذي جاء به محمد هو الحق؟ إنْ قُلْنا علماء الشرع فقد شهدوا لرسول الله وصدَّقُوه، سواء من المؤمنين برسالته، أم من علماء أهل الكتاب، وإنْ قلنا علماء الكون فقد شهدوا هم أيضاً لرسول الله وأيَّدوه بما لديهم من أسرار قدرة الله، والدليل أننا كنا نتحدث في قوله تعالى: {أية : عَالِمِ ٱلْغَيْبِ لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} تفسير : [سبأ: 3]. قُلْنا: إن الذرة هي الهباءة المتناهية في الصِّغَر، والتي لا تُرَى بالعين المجردة إلا في شعاع الشمس، هذا هو كلام الحق سبحانه، فأعطنى من العلم الكوني ما يثبت هذا الكلام، وما يقنعني بأن الله تعالى يعلم كل شيء، ولا يخفى عليه حتى الذرة في السماوات ولا في الأرض. نقول: مَنِ الذى خلق السماوات والأرض وما فيهن؟ لا أحد يستطيع أن يقول غير الله. كما قال سبحانه: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ ..} تفسير : [لقمان: 25] أي: الكفار {أية : مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ..} تفسير : [لقمان: 25]، وقال تبارك وتعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ} تفسير : [الزخرف: 87]. لا أحد يجرؤ أنْ يقول غير هذا، مع أن الكفرة والملاحدة كثيرون، لكن لم يدَّع أحد أنه خلق شيئاً، كيف والناس يقفون عند أتفه الأشياء، فيُؤرِّخون لها ويُخلِّدون اسم صانعها أو مخترعها، لو سألت تلميذ الابتدائية: مَنِ اكتشف الكهرباء؟ يقول لك. أديسون. مَنْ أول مَنْ صعد إلى القمر؟ يقول لك: كذا وكذا. فكيف نعرف هؤلاء ونصنع لهم التماثيل ونكرمهم، ولا نسأل أنفسنا: مَنْ خلق الشمس، مَنْ خلق القمر؟ مَنْ أجرى الهواء.. إلخ، وهذه مقومات الحياة وأساسياتها، وليست ترفاً كالأخرى. إذن: قضية الخَلْق هذه ساعةَ تُعرض لا بُدَّ أنْ يتمثل لك قوله تعالى {أية : فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ ..} تفسير : [البقرة: 258] يعني: لا يملك إلا أن يقول: الله. تذكرون أننا قلنا: إذا قال الحق قولاً، وقال البشر قولاً يجب أن ينطمس قول البشر أمام قول الله؛ لأن البشر حين يُقنِّنون يُقنِّنون حسب ما يرى من أحداث، ولا يحسب حساباً لما سيطرأ، وما يُستجد؛ لذلك تأتي قوانين البشر عاجزة قاصرة تحتاج دائماً إلى تعديل. كذلك، في مسألة الإضاءة نرى البشر يضيء كل منهم بيته مثلاً حَسْب إمكاناته وقدراته، فإذا جاء نور الله أُطْفِئت كل الأنوار، ومن هذه المسألة نأخذ الدليل على مسألة الذرة التي نحاول أنْ نثبت عِلْم الله لها من خلال العلم الكوني. فنحن الآن في المسجد، والمسجد مُضاء، ونرى كل شيء، فهل ترون الآن غباراً في جو المسجد؟ لا، مع أننا في النور، لكن ماذا لو جلستَ بجوار شباك مثلاً يدخل منه شعاع الشمس؟ لا شك أنك سترى هذا الغبار المتطاير في الجو. إذن: هذا الغبار لا تراه إلا في ضوء الشمس، فنور البشر لا يكشف الغيبَ، إنما يكشفه نور الله المتمثل في ضوء الشمس، فإذا كانت الشمس المخلوقة لله تعالى بيَّنَت لنا ما خَفِى عَنَّا، أيعجز خالق الشمس سبحانه أنْ يعلم ما غاب عنَّا؟ هذه إذن رسالة العلم الكوني، أنْ يُثبت لنا ما يؤيد الدعوة، وأن ما جاء به الرسول حق. مسألة أخرى توضح مكانة العلم الكوني ومنزلته في الدعوة، هذه المسألة نجدها في قوله تعالى عن عذاب الكفار يوم القيامة: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ ..} تفسير : [النساء: 56]. هكذا قال الله تعالى، وهكذا نقلها القرآن لنا لم يخبرنا شيئاً عن مراكز الألم والإحساس، وكنا لا نعلم شيئاً عنها، حتى جاء علماء وتخصَّصوا في وظائف الأعضاء، وبعد بحوث وتجارب توصَّلوا إلى أن الجلد هو المسئول عن الإحساس، فقد لاحظ الألمان أن المريض حين نعطيه حقنة مثلاً لا يشعر بالألم إلا بمقدار ما تنفذ الإبرة من طبقة الجلد، فأخذوا من ذلك أن الجلد هو محلُّ الإحساس، وليس المخ أو النخاع الشوكي كما قال البعض. أخذ علماء الشرع هذه القضية، وجعلوها دليلاً على قول الحق سبحانه: {أية : كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا ..} تفسير : [النساء: 56] لماذا يا رب؟ {أية : لِيَذُوقُواْ ٱلْعَذَابَ ..} تفسير : [النساء: 56] فالجلد محل الإذاقة، وهكذا ساعدني العلم الكوني في إثبات صِدق القرآن الكريم، وأنه حق. كذلك نفعنا العلم الكوني في إثبات كروية الأرض، وأنها تدور حول الشمس، فالحق سبحانه أخبرنا أن الليل والنهار خِلْفة أى: يخلف كل منهما الآخر، وهذا واضح لنا الآن في تعاقب الليلَ والنهار، لكن ماذا كان أول الخَلْق لو أن النهار خُلِق أولاً يعني: خُلِقت الشمس مواجهة للأرض ثم غابت، فجاء الليل، فالنهار في هذه الحالة ليس خِلْفة لليل، لأن النهار جاء أولاً لم يسبقه ليل فليس خِلْفة. وعليه فلا بُدَّ أن تكون الأرض خُلِقت على هيئة كروية، ما قابل الشمس منها يكون النهار فيه، وما لم يقابل الشمس يكون الليل فيه، فهما معاً في وقت واحد، فلما دارت الشمس تعاقب الليل والنهار، وخلف كل منهما الآخرَ، فلا تتأتى هذه الخِلْفة إلا بكُروية الأرض. فقوله تعالى: {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ..} [سبأ: 6] أي: العلم الشرعي المنزَّل من أعلى، أو العلم الكوني القائم على البحث والمشاهدة. وقوله {أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ..} [سبأ: 6] سواء كان عِلْماً شرعياً، أو علما كونياً يدل على أن العلم إيتاءٌ، فليس هناك عالم بذاته، إنما العلم إيتاء من الله حتى فى علم الكونيات لذلك لم يقل علموا، إنما {أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ..} [سبأ: 6]. لذلك قالوا: إنْ كان العلمُ نعمةً من الله، فكذلك النسيان قد يكون نعمة، وجندياً يخدم الإنسان، فنحن نعرف مثلاً (الخميرة) التي تخمر العيش، إذا وجدت رغيف العيش (مبلّط) يعني: وجهه ملتصق بظهره ترده للبائع وتطلب الرغيف (القابب) هذا ما تفعله (الخميرة) في رغيف العيش تجعل الهواء يدخل بين ذرات العجين، فحين تُدخِله النار يتمدد هذا الهواء فيُحدِث فاصلاً بين وجه الرغيف وظهره. وهذه الخميرة هي التي تعطى للعيش طعمه المميز، فهل تعرف من أين جاءت هذه الفكرة؟ جاءت نتيجة نسيان، فيُروى في هذه المسألة أن امرأة عجنتْ العجين، ثم انشغلت عن خَبْزه بعض الوقت ونسيته، فلما تذكرتْ جاءتْ إليه وخبزته كما هو، فوجدتْ هذا الفرق بين العجين حين يُخبز سريعاً، وحين يُترك حتى يختمر، وكانت هذه بداية فكرة الخميرة، وكأن كل قطعة خميرة نأكلها الآن هي في الحقيقة جزء من خميرة هذه المرأة. كذلك يقال في سبب شواء اللحم أن الإنسان أولاً كان يأكل اللحم نيئاً، وقد ذبح رجل شاة بالليل، وأوقد ناراً يستدفئ بها، فجاء ذئب ينازعه الشاة، فدخل معه في معركة، فوقعت قطعة لحم في النار، فلما خلص من الذئب شَمَّ رائحة الشِّواء فأعجبته، ومن هنا عرف الإنسان كيف يشوي اللحم. إذن: الحق سبحانه يهدي خَلْقه ولو بالنسيان، ولو بالمصادفة، فالعلم حتى الكوني منه إيتاء من الله، وكل قضية كونية لا يعطيك الله علمها مباشرة، يعطيك المقدمات التي تُوصِّل إليها، وتهدي إلى معرفتها. وكنا ونحن نتعلم الهندسة ندرس كتاباً اسمه (هول ونايت) نتعلم كيف نبرهن على صحة النظرية، فمثلاً النظرية المائة نبرهن عليها بما ثبت في النظرية التسعة والتسعين وهكذا، فحين تسلسل هذه المسألة نصل إلى النظرية، رقم واحد، كيف نبرهن على صحتها؟ قالوا: البرهان عليها بدهية في الكون، فكأن كلَّ علم وصل إلينا أصله بدهية مخلوقة لله تعالى، إذن: فالعلم سواء أكان شرعياً أو كونياً إيتاء من الله؛ لذلك قال سبحانه: {أية : وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ ..} تفسير : [البقرة: 282] يعني: يلهمكم ويرشدكم إلى الأشياء ولو بالمصادفة، وسبق أن قًلْنا: إن لكل سر في الكون ميلاداً، إما أنْ يأتي نتيجة بحث الإنسان، فإنْ لم يبحث الإنسان فيه كشفه الله له ولو بالمصادفة، كما اكتشف الإنسان مثلاً البنسلين. لذلك يقول سبحانه في العلم الكوني {أية : ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَآءَ ..} تفسير : [البقرة: 255]. فمعنى{إِلاَّ بِمَا شَآءَ ..} [البقرة: 255] أي: يأذن سبحانه بميلاد هذا الشيء، فإنْ شاء سبحانه أعطاك علمه نتيجة بحثك وأنت تبحث وإنْ لم يكُنْ هناك بَحْث أعطاك العلم مصادفة. أما العلم الذي استأثر الله به فهو غيب لا يحيط به أحد، كما قال سبحانه: {أية : عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاَّ مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ ..} تفسير : [الجن: 26-27] هذا هو العلم الذي لا دَخْل لأحد فيه، أما العلم الكوني فله زمن، وله ميلاد يولَدُ فيه. ونلحظ في أسلوب الآية أن المفعول الثانى للفعل (يرى) جاء على صورة الضمير المنفصل {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلْحَقَّ ..} [سبأ: 6] ولم يقل الحق فقط إنما {هُوَ ٱلْحَقَّ ..} [سبأ: 6] وهذا الضمير المنفصل يعني أن غيره ليس حقاً، فالحق هو الذي أُنزِل على رسول، وما عداه ليس حقاً، وكأنها خاصية لم تُعْط إلا له صلى الله عليه وسلم. ومثلها قوله تعالى حكاية عن سيدنا إبراهيم: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 78] فلم يَقُلْ: الذي خلقني يهديني؛ لأنها تحتمل أن يهديك غيره، إنما {أية : فَهُوَ يَهْدِينِ} تفسير : [الشعراء: 78] قصرت الهداية عليه سبحانه وتعالى، ومثلها {أية : وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ} تفسير : [الشعراء: 79-80] فقصر الإطعام والسُّقْيا والشفاء على الله سبحانه وتعالى، لأنك قد تظن أن أباك هو الذي يُطعمك ويسقيك، وهو مجرد سبب ومناول عن الله. وكذلك قد تظن أن الشفاء بيد الطبيب، وما الطبيب إلا معالج، والشفاء من الله، لكن تأمل حين تكلم سبحانه بعدها عن الموت والحياة، قال: {أية : وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ} تفسير : [الشعراء: 81] ولم يأتِ بالضمير المنفصل هنا، لماذا؟ لأن الموت والحياة لم يدَّعِها أحد غَير الله، فليست مظنة المشاركة، والكلام هنا عن الموت لا عن القتل، وهناك فَرْق بينهما سبق أنْ أوضحناه. إذن: قوله تعالى: {هُوَ ٱلْحَقَّ ..} [سبأ: 6] دلَّتْ على أن الحق واحد، هو ما أنزل الله، وما عداه باطل، ولا يجتمع حقَّانِ في مسألة واحدة، إلا إذا كانت الجهة مُنفكة كأن تقول مثلاً: والله أنا ودعت فلاناً اليوم في المطار وسافر إلى كذا، فيقول آخر: بل لم يسافر وأنا رأيتُه اليوم في بيته، وعندها يتهم كل واحد منكما الآخر بالكذب فأسرعتَ إلى التليفون واتصلتَ بهذا الرجل، فقال لك: نعم لم أسافر فقد طرأ لي طارىء، فرجعت من المطار. إذن: فالخبران صادقان، لكن الجهة منفكة. والحق هو: الشيء الثابت الذي لا يتغير ولا يُنكر، وكيف تنكر الحق وأنت حين تريد أنْ تؤيد نفسك في شيء تقول: هذا حقي يعني لي ولا ينازعني فيه أحد، فالدَّعْوى التي تقيمها أن هذا حقك. والحق إلى جانب أنه أمر ثابت فهو ينفعك، فله إذن ميزتان أو حجتان: الأولى أنه الحق الثابت وغيره باطل، والأخرى أنه يعود عليك نفعه؛ لذلك قال تعالى بعدها: {وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} [سبأ: 6]، فإذا لم تقبل الحق لذاته وتتعصب له، فاقبله لما يعود عليك من نفعه، فهذان الأمران هما من حيثيات التمسك بالحق. ومعنى {ٱلْعَزِيزِ ..} [سبأ: 6] هو الذي لا يُغلب ولا يُقهر، ومنه قولنا: عزَّ علىَّ كذا يعني: لم أقدر عليه، وفلان عزيز يعني لا يقهره أحد، فصفة العزة صفة ترهيب، فحين تُعرِض عن هذا الحق فاعلم أنك تعصي عزيزاً لا يُقهر، يغلب ولا يُغلب. ثم يتبعها سبحانه بصفة من صفات الترغيب {ٱلْحَمِيدِ} [سبأ: 6] بمعنى المحمود على ما يُعطى من النِّعَم، فهي تُرغِّبك في المزيد من نِعَم الله. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {وَيَرَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْعِلْمَ} [سبأ: 6] من عند الله موهبة منه لا من عند الناس بالتكرار والبحث {ٱلَّذِيۤ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} [سبأ: 6] من النبوة والقرآن والحكمة {هُوَ ٱلْحَقَّ} وإنما يرون هذه الحقيقة؛ لأنهم ينظرون بنور العلم الذي أريتهم من الحق تعالى، فإن الحق لا يُرى إلا بالحق كما أن النور لا يُرى إلا بالنور، ولما يرى الحق بالحق كان الحق هادياً لأهل الحق وطالبيه إلى طريق الحق، وذلك قوله تعالى: {وَيَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ} [سبأ: 6] لأنه لا يوجد إلا به وبهدايته الحميد؛ لأنه لا يرد الطالب بغير وجدان كما قال: "حديث : ألا من طلبني وجدني " تفسير : ثم أخبر عن منكري البعث من الكفار بقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [سبأ: 7] بالاستهزاء {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [سبأ: 7] يشير إلى أن تراكم الغفلة على القلوب وظلمات الشهوات النفسانية وغلبات الصفات الذميمة الحيوانية إذا استولى بظلمات صفات النفس ويقسو حتى ينسى الله وينسى عالم الأرواح الذي هو الآخرة كالطفل الصغير يسير إلى بعض البلاد فينسى وطنه الأصلي بحيث لو ذكر به لم يتذكر كذلك نفس الإنسان القاسي قلبه إن ذكر الآخرة، وهي وطنه الأصلي لم يتذكر ويكفر به. ويقول مستهزئاً به: {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [سبأ: 7] ويتعجب من هذا الكلام ولا يتفكر أن أجزاءه كانت ممزقة حين هو ذرة أخرجت من صلب آدم وكيف جمع الله ذرات شخصه المتفرقة، وجعلها خلقاً جديداً كذلك يجمع الله أجزاءه الممزقة للبعث ويقول منكراً متعجباً: {أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ} [سبأ: 8]. وقال تعالى: {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} [سبأ: 8] من الغفلة وكثرة الحجب {فِي ٱلْعَذَابِ} من العمى والصم {وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ} هو البعد عن الحضرة {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} [سبأ: 9] سماء القلب {وَٱلأَرْضِ} [سبأ: 9] أرض النفس ما بين أيديهم من صفات القلب وما خلفهم من صفات النفس {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ} [سبأ: 9] أرض البشرية بغلبات صفاتهم {أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} [سبأ: 9] أي: نقلب عليهم صفة من صفات القلب ونهلكهم بها؛ لأن كل صفة من صفات القلب وإن كانت حميدة، فإذا جاوزت حدها تؤول إلى الصفة فتصير ذميمة كالسخاوة، فإنها حميدة من صفات القلب فإذا جاوزت حدها يكون تبذيراً وهي ذميمة {أية : إِنَّ ٱلْمُبَذِّرِينَ كَانُوۤاْ إِخْوَانَ ٱلشَّيَاطِينِ}تفسير : [الإسراء: 27]. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} [سبأ: 9] راجع إلى الله يرى الآيات بنور الله عن فضله بعد أن أخبر عن عدله بقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً} [سبأ: 10] يشير إلى داود الروح والفضل الذي أعطاه منه هو الفيض الإلهي بلا واسطة ولما ذكره بلفظ النكرة فضلاً يدل على أنه أعطاه شيئاً من الفضل وهو مما يتعلق به تعالى؛ إذ قال: {مِنَّا} وهو الفيض كما ذكرنا، والفرق بينه وبين نبينا صلى الله عليه وسلم أنه ذكر فضله في حق داود عليه السلام على صيغة النكرة وهي تدل على نوع من الفضل، وقال في حق نبينا صلى الله عليه وسلم: {أية : وَكَانَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} تفسير : [النساء: 113] والفضل الموصوف بالعظمة يدل على كمال الفضل، وكذلك قوله {أية : فَضْلُ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 113] لما أضاف الفضل إلى الله اشتمل على جميع الفضل كما لو قال: أخذ دار فلان اشتمل على جميع الدار. وبقوله: {يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ} [سبأ: 10] يشير إلى أن الذكر من اللسان يعبر إلى أن يصل إلى الروح ويصير الروح ذاكراً لله، فعلى مقتضى كرم الله وسنته بقوله تعالى: {أية : فَٱذْكُرُونِيۤ أَذْكُرْكُمْ}تفسير : [البقرة: 152] بذكر الله ولما تنور الروح بنور ذكر الله إياه ينعكس النور من داود الروح على جبال النفس وطير القلب فتصير ذاكراً لله ومذكوراً له، ثم بالمداومة ينعكس نور الذكر من النفس على البدن فيستوعب جميع أجزاء البدن ظاهرها وباطنها، ثم ينعكس من أجزاء العنصرية على العناصر الأربعة مفردها ومركبها وينعكس من النفس على النفوس أعني الإنسانية والنفس الحيوانية والنفس السماوية والنفس النجومية ينعكس نور الذكر من الروح الإنساني على عالم الأرواح إلى أن يستوعب جميع العالم ملكه وملكوته، فيذكر العالم بما فيه موافقة للذاكر وإلى هذا المقام أشار بقوله تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} تفسير : [الإسراء: 44]. ثم يعبر الذكر عن المخلوقات ويصعد إلى رب العالمين، كما قال تعالى: {أية : إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ}تفسير : [فاطر: 10] فيذكره تعالى كما يذكره الذاكر، ففي هذا المقام يتصف العبد بصفة الرب ويتخلق بخلقه في الذاكر به والمذكور به، فكما أنه تعالى يكون الذاكر والمذكور يكون العبد أيضاً ذاكراً ومذكوراً تفهم إن شاء الله وتؤمن به، فتحقيق هذا المقام يعلم حقيقته. قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً} [سبأ: 10] أنه هو مذكور به الحق تعالى، وينبئ عن هذا المعنى قوله: {يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ} [سبأ: 10] يشير بالجبال إلى عالم الملك وبالطير إلى عالم الملكوت، وبقوله: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ} [سبأ: 10] يشير إلى إلانة قلبه.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تعالى إنكار من أنكر البعث، وأنهم يرون ما أنزل على رسوله ليس بحق، ذكر حالة الموفقين من العباد، وهم أهل العلم، وأنهم يرون ما أنزل اللّه على رسوله من الكتاب، وما اشتمل عليه من الأخبار، هو الحق، أي: الحق منحصر فيه، وما خالفه وناقضه، فإنه باطل، لأنهم وصلوا من العلم إلى درجة اليقين. ويرون أيضا أنه في أوامره ونواهيه { يَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } وذلك أنهم جزموا بصدق ما أخبر به من وجوه كثيرة: من جهة علمهم بصدق من أخبر به، ومن جهة موافقته للأمور الواقعة، والكتب السابقة، ومن جهة ما يشاهدون من أخبارها، التي تقع عيانا، ومن جهة ما يشاهدون من الآيات العظيمة الدالة عليها في الآفاق وفي أنفسهم ومن جهة موافقتها، لما دلت عليه أسماؤه تعالى وأوصافه. ويرون في الأوامر والنواهي، أنها تهدي إلى الصراط المستقيم، المتضمن للأمر بكل صفة تزكي النفس، وتنمي الأجر، وتفيد العامل وغيره، كالصدق والإخلاص وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى عموم الخلق، ونحو ذلك. وتنهى عن كل صفة قبيحة، تدنس النفس، وتحبط الأجر، وتوجب الإثم والوزر، من الشرك، والزنا، والربا، والظلم في الدماء والأموال، والأعراض. وهذه منقبة لأهل العلم وفضيلة، وعلامة لهم، وأنه كلما كان العبد أعظم علما وتصديقا بأخبار ما جاء به الرسول، وأعظم معرفة بحكم أوامره ونواهيه، كان من أهل العلم الذين جعلهم اللّه حجة على ما جاء به الرسول، احتج اللّه بهم على المكذبين المعاندين، كما في هذه الآية وغيرها.