Verse. 3613 (AR)

٣٤ - سَبَأ

34 - Saba (AR)

وَقَالَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا ہَلْ نَدُلُّكُمْ عَلٰي رَجُلٍ يُّنَبِّئُكُمْ اِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ۝۰ۙ اِنَّكُمْ لَفِيْ خَلْقٍ جَدِيْدٍ۝۷ۚ
Waqala allatheena kafaroo hal nadullukum AAala rajulin yunabbiokum itha muzziqtum kulla mumazzaqin innakum lafee khalqin jadeedin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال الذين كفروا» أي قال بعضهم على جهة التعجب لبعض «هل ندلكم على رجل» هو محمد «ينبئكم» يخبركم أنكم «إذا مزقتم» قطعتم «كل ممزق» بمعنى تمزيق «إنكم لفي خلق جديد».

7

Tafseer

الرازي

تفسير : وجه الترتيب: هو أن الله تعالى لما بين أنهم أنكروا الساعة ورد عليهم بقوله: {أية : قُلْ بَلَىٰ وَرَبّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ } تفسير : [سبأ: 3] وبين ما يكون بعد إتيانها من جزاء المؤمن على عمله الصالح وجزاء الساعي في تكذيب الآيات بالتعذيب على السيئات، بين حال المؤمن والكافر بعد قوله: {قُلْ بَلَىٰ وَرَبّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ } فقال المؤمن: هو الذي يقول الذي أنزل إليك الحق وهو يهدي، وقال الكافر هو الذي يقول هو باطل، ومن غاية اعتقادهم وعنادهم في إبطال ذلك قالوا على سبيل التعجب: {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبّئُكُمْ إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ} وهذا كقول القائل في الاستبعاد، جاء رجل يقول: إن الشمس تطلع من المغرب إلى غير ذلك من المحالات.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ} وإن شئت أدغمت اللام في النون لقربها منها. {يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} هذا إخبار عمن قال: «لاَ تَأْتِيْنَا السَّاعَةُ» أي هل نرشدكم إلى رجل ينبئكم، أي يقول لكم: إنكم تبعثون بعد البِلى في القبور. وهذا صادر عن فرط إنكارهم. الزمخشرِيّ: «فإن قلت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهوراً علماً في قريش، وكان إنباؤه بالبعث شائعاً عندهم، فما معنى قولهم: «هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ» فنكّروه لهم وعرضوا عليهم الدلالة عليه، كما يُدَلّ على مجهول في أمر مجهول. قلت: كانوا يقصدون بذلك الطَّنْز والهزؤ والسخرية، فأخرجوه مخرج التحكي ببعض الأحاجي التي يتحاجى بها للضحك والتلّهي، متجاهلين به وبأمره. و«إذا» في موضع نصب والعامل فيها «مُزِّقْتُمْ» قاله النحاس. ولا يجوز أن يكون العامل فيها «يُنَبِّئُكُمْ»، لأنه ليس يخبرهم ذلك الوقت. ولا يجوز أن يكون العامل فيها ما بعد «إِنَّ»، لأنه لا يعمل فيما قبله، وألا يتقدّم عليها ما بعدها ولا معمولها. وأجاز الزجاج أن يكون العامل فيها محذوفاً؛ التقدير: إِذا مزقتم كل ممزق بعثتم، أو ينبئكم بأنكم تبعثون إذا مزقتم. المهدويّ: ولا يعمل فيه «مُزِّقْتُمْ»؛ لأنه مضاف إليه، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. وأجازه بعضهم على أن يجعل «إذَا» للمجازاة، فيعمل فيها حينئذٍ ما بعدها لأنها غير مضافة إليه. وأكثر ما تقع «إِذَا» للمجازاة في الشعر. ومعنى {مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} فرقتم كل تفريق. والمَزْق خرق الأشياء؛ يقال: ثوب مَزِيق وممزوق ومتمزِّق وممزَّق.

ابن كثير

تفسير : هذا إخبار من الله عز وجل عن استبعاد الكفرة الملحدين قيام الساعة، واستهزائهم بالرسول صلى الله عليه وسلم في إخباره بذلك {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} أي: تفرقت أجسادكم في الأرض، وذهبت فيها كل مذهب، وتمزقت كل ممزق {إِنَّكُمْ} أي: بعد هذا الحال {لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ} أي: تعودون أحياء ترزقون بعد ذلك، وهو في هذا الإخبار لا يخلو أمره من قسمين: إما أن يكون قد تعمد الافتراء على الله تعالى أنه قد أوحي إليه ذلك، أو أنه لم يتعمد، لكن لبس عليه؛ كما يلبس على المعتوه والمجنون، ولهذا قالوا: {أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ} قال الله عز وجل راداً عليهم: {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ فِى ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلَـٰلِ ٱلْبَعِيدِ} أي: ليس الأمر كما زعموا، ولا كما ذهبوا إليه، بل محمد صلى الله عليه وسلم هو الصادق البار الراشد، الذي جاء بالحق، وهم الكذبة الجهلة الأغبياء {فِى ٱلْعَذَابِ} أي: الكفر المفضي بهم إلى عذاب الله تعالى، {وَٱلضَّلَـٰلِ ٱلْبَعِيدِ} من الحق في الدنيا، ثم قال تعالى منبهاً لهم على قدرته في خلق السموات والأرض، فقال تعالى: {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} أي: حيثما توجهوا وذهبوا، فالسماء مظللة عليهم، والأرض تحتهم، كما قال عز وجل: {أية : وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَاهَا بِأَييْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ وَٱلأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ ٱلْمَاهِدُونَ} تفسير : [الذاريات: 47 ــــ 48]. قال عبد بن حميد: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} قال: إنك إن نظرت عن يمينك، أو عن شمالك، أو من بين يديك، أو من خلفك، رأيت السماء والأرض. وقوله تعالى: {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أي: لو شئنا، لفعلنا بهم ذلك؛ بظلمهم وقدرتنا عليهم، ولكن نؤخر ذلك؛ لحلمنا وعفونا، ثم قال: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} قال معمر عن قتادة: {مُّنِيبٍ}: تائب. وقال سفيان عن قتادة: المنيب: المقبل إلى الله تعالى، أي: إن في النظر إلى خلق السماوات والأرض لدلالة لكل عبد فطن لبيب، رجاع إلى الله، على قدرة الله تعالى على بعث الأجساد ووقوع المعاد؛ لأن من قدر على خلق هذه السموات في ارتفاعها واتساعها، وهذه الأرضين في انخفاضها، وأطوالها وأعراضها، إنه لقادر على إعادة الأجسام، ونشر الرميم من العظام؛ كما قال تعالى: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ} تفسير : [يس: 81] وقال تعالى: {أية : لَخَلْقُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ أَكْـبَرُ مِنْ خَلْقِ ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْـثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } تفسير : [غافر: 57].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي قال بعضهم على جهة التعجب لبعض {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ } هو محمد {يُنَبِّئُكُمْ } يخبركم أنكم {إِذَا مُزِّقْتُمْ } قُطِّعتم {كُلَّ مُمَزَّقٍ } بمعنى تمزيق {إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ }؟.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني بالبعث. {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم. {يُنَبِّئُكُمْ إذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} أي يخبركم أنكم إذا متم فأكلتكم الأرض أو الطير حتى صرتم عظاماً ورفاتاً. {إنَكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} أي تحشرون وتبعثون. قيل إن أبا سفيان ابن حرب قال هذا لأهل مكة، فأجاب بعضهم بعضاً. {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ} أي قائل هذا أن يكون كذاباً أو مجنوناً فرد الله تعالى عليهم قولهم هذا بأن قال: {بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالأَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلاَلِ الْبَعِيدِ} العذاب في الآخرة، والضلال البعيد في الدنيا. وفيه وجهان: أحدهما: أنه البعيد من الهدى، قاله يحيى بن سلام. الثاني: أنه الشقاء الطويل، قاله السدي. قوله عز وجل: {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ} فيه وجهان: أحدهما: معناه ألم ينظروا إلى السماء والأرض كيف أحاطت بهم؟ لأنك إن نظرت عن يمينك أو شمالك، أو بين يديك أو خلفك رأيت السماء والأرض، قاله قتادة، إذكاراً لهم بقدرة الله تعالى عليهم وإحاطتها بهم، لأنهم، لا يرون لأوليتهما ابتداء ولا لآخرتهما انتهاء، وإن بعدوا شرقاً وغرباً. الثاني: يعني {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} فمن أهلكهم الله تعالى من الأمم الماضية في أرضه {وَمَا خَلْفَهُم} من أمر الآخرة في سمائه، قاله أبو صالح. {إن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ} يعني كما خسفنا بمن كان قبلهم. {أَوْ نُسْقِطْ عَلَيهِمْ كِسَفاً مِّنَ السَّمَآءِ} فيه وجهان: أحدهما: أن الكسف العذاب قاله السدي. الثاني: قطعاً من السماء ليعلموا أنه قادر على أن يعذب بسمائه إن شاء ويعذب بأرضه إن شاء، وكل خلقه له جند، قاله قتادة. {إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} فيه أربعة تأويلات: أحدها: أنه المجيب، قاله مجاهد وعطاء. الثاني: أنه المقبل بتوبته، قاله قتادة، قال الشاعر: شعر : أناب إلى قولي فأصبحت مرصداً له بالمكافأة المنيبة والشكر تفسير : الثالث: أنه المستقيم إلى ربه، وهو قول الضحاك. الرابع: أنه المخلص للتوحيد، حكاه النقاش.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} بالبعث. قيل: قاله أبو سفيان لأهل مكة فأجاب بعضهم بعضاً. {أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ} يعنون قائل هذا إما مجنون، أو كذاب. فرد الله ـ تعالى ـ عليهم بقوله: {بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} بالبعث {فِى الْعَذَابِ} في الأخرة {وَالْضَّلالِ الْبَعِيدِ} في الدنيا.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلّكُمْ عَلَى رَجُلٍ} لما بين حالة المكذب بالساعة ورد عليه بقوله: {قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} ثم بين ما يكون بعد إتيانها من جزاء المؤمن على عمله الصالح وجزاء الساعي في تكذيب الآيات بالتعذيب على السيئات وبين حال الكافر والمؤمن بعد قوله عليه (الصلاة و) السلام - {بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ} فقال المؤمن الذي أنزل إليك من ربك الحق وهو يهدي وقال الكافر المنكر للبعث متعجباً: {هَلْ نَدُلّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ} يخبركم يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم - وهذا كقول القائل في الاستبعاد: جاء رجل يقول: إنَّ الشمسَ تَطْلُعُ من المَغْرِب؛ إلى غير ذلك من المحاولات. فصل إذَا مُزِّقْتُم "إذا" منصوب بمقدر أي تُبْعَثُون وتُحْشَرُون وَقْتَ تمزيقكم لدلالة: {إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} عليه ولا يجوز أن يكون العامل "يُنَبِّئُكُمْ" لأن التنْبِئَة" لأن التنْبِئَة لم تقع ذلك الوقت ولا "خَلْقٍ جَدِيدٍ" لأن ما بعد "إنَّ" لا يعمل فيما قبلها. ومن توسع في الظرف أجازه هذا إذا جعلنا "إذَا" ظَرفاً محضاً، فإن جعلناه شرطاً كان جوابها مقدراً أي تبعثون وهو العامل في "إذا" عند جمهور النحاة. وجوَّز الزجاج أن تكون معمولة لمُزِّقتُمْ، وجعله ابن عطية خطأ وإفساداً للمعنى، قال أبو حيان: وليس بخطأٍ ولا إفساد. وقد اختلف في العامل في "إذا" الشرطية، والصحيح أن العامل فيها فعلُ الشرط كأخواتها من أسماء الشرط. وقال شهاب الدين: والجمهور على خلافِهِ، ثم قال أبو حيان: والجملة الشرطية تحتمل أن تكون معمولة لِـ"يُنَبِّئُكُمْ" لأن في معنى: يقول لكم إذا مزقتم تُبْعَثُونَ، ثم أكد ذلك بقوله: {إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} ويحتمل أن يكون: {إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ} معلقاً لِـ"يُنَبِّئُكُمْ" سادًّا مسد المفعولين ولولا اللام لفتحت "أن" وعلى هذا فجملة الشرط اعتراض، وقد مَنَعَ قوم التعليقَ في "اعلم" وبابها والصحيح جوازه، قال: شعر : 4108- حَذَارِ فَقَدْ نُبِّئْتَ إنَّكَ لَلَّذِي سَتُجْزَى بِمَا تَسْعَى فَتَسْعَد أو تَشْقَى تفسير : وقرأ زيْدُ بْنُ عليِّ بإبدال الهمزة ياء، وعنه يُنْبِئُكُمْ مِنْ "أَنْبَأَ" كأَكْرَمَ و"مُمَزَّق" فيه وجهان: أحدهما: أنه اسم "مصدر" وهو قياس كلّ ما زاد على الثلاث أن يجىء مصدره وزمانه ومكانه على زنة اسم مفعوله أي كُلَّ تَمْزِيقِ. والثاني: أنه ظرف مكان، قاله الزمخشري، أي كل تمزيق من القبور وبطون الوحش والطير، ومن مجئ مُفَعَّل مجيء التَّفْعِيلِ قوله: شعر : 4109- ألَمْ تَعْلَمِي مُسَرَّحِي القَوافي فَلاَ عيَّا بِهِنَّ وَلاَ اجْتِلاَبَا تفسير : أي تسريحي، والتمزيق التخريق والتقطيع، يقال ثَوبٌ مُمَزَّقٌ ومَمْزوقٌ ويقال: مزَّقَهُ فهو مَازِقٌ ومَزِقٌ أيضاً قال: شعر : 4110- أتَانِي أَنَّهُمْ مَزِقُونَ عِرْضِي .......................... تفسير : وقال الممزق العبدي - وبه سمي المُمَزَّقُ -: شعر : 4111- فَإن كُنْتُ مَأكُولاً فَكُنْ خَيْرَ آكِلٍ وَإلاَّ فَأدْرِكْنِي وَلَمَّا أُمَزَّقِ تفسير : أي ولما أبْلَى وأَفْنَى، و"جَدِيد" عند البصريين بمعنى فاعل يقال: جَدَّ الشَّيْءُ فَهُوَ جَادّ وجَدِيدٌ وعند الكوفيين بمعنى مَفْعُول من جَدَدْتُهُ أي قَطَعْتُهُ. فصل المعنى أن الكفار قالوا لقومهم متعجبين: إن محمداً يقول: إنكم إذا مِتَّمْ ومزقتم كل تمزيق وصرتم تراباً إنكم لفي خلق جديد أي تخلقون خلقاً جديداً. (قوله) "أَفْتَرى" هذه همزة الاستفهام وحذفت لأجلها همزة الوصل فلذلك ثبتت همزة الهمزة وصلاً وابتداء. قال البغوي: هذه ألف استفهام دخلت على ألف الوَصْل فلذلك نُصِبَ {عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} وبهذه الآية استدل الجَاحِظُ على أن الكلام ثلاثة أقسام صِدق وكَذِب ولا صدق ولا كذب ووجه الدلالة عنه على القسم. الثالث: أن قوله "بِهِ جُنَّةٌ" لا جائز أن يكون كذباً لأنه قسيم الكذب وقسيم الشيء غيره ولا جائز أن يكون صدقاً لأنهم لم يعتقدوه فثبت قسم ثالث. وأجيب عنه بأنَّ المعنى: أَمْ لَمْ يَفْتَرِ، ولكن عبر عن هذا بقولهم: "أَمْ بِهِ جِنَّةٌ"؛ لأن المجنون لا افتراء له والظاهر في "أم" هذه أنها متصلة لأنها تقدر بأيِّ الشَّيْئَين ويجاب بأحدهما لأنه قيل: أي الشيئين واقع افتراؤه الكذب أم كونه مجنوناً ولا يضر كونها بعدها جملة لأن الجملة بتأويل المفرد كقوله: شعر : 4112- لاَ أُبَالِي أَنَبَّ بالحَزْن تَيْسٌ أَمْ جَفَانِي بظَهْرِ غَيْب اللَّئِيمِ تفسير : ومثل قوله الآخر: شعر : 4113- لَعَمْرُكَ مَا أَدْرِي وإنْ كُنْتُ دَارِياً شُعَيْثُ بْنُ سَهْم أمْ شُعَيْثُ بْنُ مِنْقِرِ تفسير : لأن "منقر" خبر لا نعت كذا أنشده بعضهم مستشهداً على أنها جملة وفيه حذف التنوين بما قبل "ابن" وليس بصفة، وهذا إشارة إلى البحث المتقدم في سورة التوبة. فصل قوله: {أَفْتَرَى عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} يحتمل أن يكون من تمام قول الكافر أولاً أي من كلام القائلين: "هَلْ نَدُلُّكُمْ" ويحتمل أن يكون من كلام السامع المجيب للقائل: "هَلْ نَدُلّكُمْ" كأن السامع لما قيل له: هل ندلكم على رجل قال له وهو يفتري على الله كذباً إن كان يعتقد خلافه "أَوْ بِهِ جُنَّةٌ" مجنون؟ إن كان لا يعتقد خلافه، وفي هذا لطيفة وهي أن الكافر لاَ يَرْضَى بأن يظهر كذبه ولهذا قسم ولم يجزم بأنه مفتر بل قال مفتر أو مجنون احترازاً من أن يقول قائل: كَيْفَ يقول بأنه مفترٍ مع أنه جاز أن يظن أن الحق ذلك، وظن الصدق يمنع تسمية القائل مفترياً وكاذباً في بعض المواضع ألا ترى أن من يقول: جَاءَ زيد فإذا تبين أنه لم يجىء وقيل له: لم كذبتَ؟ يقول: ما كذبتُ وإنما سمعت من فلانٍ فظننت أنه صادق فيدفع الكذب عن نفسه بالظن فهم احترزوا عن تبيين كذبهم فكل عاقل ينبغي أن يحترز عن ظهور كذبه عند الناس ولا يكون العاقل أدنى درجة مِن الكافر، ثم إنه تعالى أَجَابهم مرة أخرى رداً عليهم فقال: {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ فِي ٱلْعَذَابِ} في مقابلة قولهم: {أفترَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً}. وقوله: "فِي الضِّلال البَعِيد" عن الحق في الدنيا، وهذا في مقابلة قولهم: "بِهِ جِنَّة" وكلاهما مناسب أما العذاب فلأن نسبة المكذب إلى الصادق مؤذٍ، لأنه شهادة عليه بأنه يستحق العذاب فجعل العذاب عليهم حيث نسبوا العذاب إلى البريء وأما الجنون فلأن نسبة الجنون إلى العاقل دونه في الإيذاء فإنه لا يشهد عليه بأنه يعذب وإنما ينسبه إلى عدم الهداية فبين أنَّهُم هم الضالون، ثم وصل ضلالهم بالبعد لأن من يسمي المهتديَ ضَالاً يكون أضلّ، والنبي عليه (الصلاة و) السلام (كان) هادي كل مهتد. قوله: "أفَلَمْ" فيه الرأيان المشهوران، قدّره الزمخشري أَعَمَوْا فَلَمْ يَرَوْا، وغيره يدِّعِي أن الهمزة مقدمة على حرف العطف. قوله: "مِنَ السَّمَاءِ" بيان للموصول، فيتعلق بمحذوف، ويجوز أن يكون حالاً فيتعلق به أيضاً قيل: (و) ثمَّ حال محذوفة تقديره: أفَلَمْ يَرَوْا إلَى كَذَا مَقْهُوراً تَحْتَ قُدْرَتِنَا، أو مُحِيطاً بِهِمْ فَيَعْلَمُوا أَنَّهُمْ حَيْثُ كَانُوا فإنَّ أرضي وسمائي محيطةٌ بهم لا يخرجون من أقطارها وأنا القادرُ عليهم. قوله: "إنْ نَشَأ" قرأ الأَخَوانِ يَشَأ يَخْسِفْ يُسْقِطْ بالياء في الثلاثة، والباقون بنون العظمة فيها، وهم واضِحَتَان، وأدغم الكسائي الفاء في الباء واستضعفها الناس من حيث أدغم الأقوى في الأضعف، قال الفارسي: وذلك لا يجوز لأن الباء أضعف في الصوت من الفاء فلا يدغم فيها وإن كانت الباء يدغم فيها نحو: اضْرِب فُلاَناً كما تدغم الباء في الميم كقولك: اضْرِب مالكاً وإن كانت الميم لا تدغم في الباء نحو: اضْمُمْ بكراً؛ لأن الباء انحطت عن الميم يفقد الغُنَّةِ، وقال الزمخشري: وليست بالقوية، وهذا لا ينبغي لأنها تواترت. فصل لما ذكر الدليل بكونه عالم الغيب وكونه جازياً على السَّيِّئات والحسنات ذكر دليلاً آخر فيه التهديد والتوحيد فأما دليل التوحيد فذكره السماء والأرض فإنهما يدلان على الوحدانية كما تقدم مراراً ويدلان على الحشر والإعادة لأنهما يدلان على كمال القدرة بقوله تعالى: {أية : أَوَلَـيْسَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَىٰ} تفسير : [يس:81] وأما التهديد فقوله: {إِن نَشَأ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ} أي نجعل عين نافعهم ضارهم بالحق والكشف ثم قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيةً لِكُلِّ عَبْدٍ} أي: فيما يرون من السماء والأرض آية تدل على قدرتنا على البعث {لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} تائب راجع الله بقلبه. ثم إنه تعالى لما ذكر من ينيب من عباده ذكر منهم من أناب وأصاب ومن جملتهم دَاوُد كما قال تعالى عنه: {أية : فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} تفسير : [ص:24].

البقاعي

تفسير : ولما عجب سبحانه من الذين كفروا في قولهم {لا تأتينا الساعة} المتضمن لتكذيبهم، وختم بتصديق الذين أوتوا العلم مشيراً إلى أن سبب تكذيب الكفرة الجهل الذي سببه الكبر، عجب منهم تعجيباً آخر أشد من الأول لتصريحهم بالتكذيب على وجه عجيب فقال: {وقال الذين كفروا} أي الذين تحققوا أمره صلى الله عليه وسلم وأجمعوا خلافه وعتوا على العناد، لمن يرد عليهم ممن لا يعرف حقيقة حاله معجبين ومنفرين: {هل ندلكم} أي أيها المعتقدون أن لا حشر. ولما أخرجوا الكلام مخرج الغرائب المضحكة لم يذكروا اسمه مع أنه أشهر الأسماء، بل قالوا: {على رجل} أي ليس هو صبياً ولا امرأة حتى تعذوره {ينبئكم} أي يخبركم متى شئتم أخباراً لا أعظم منه بما حواه من العجب الخارج عما نعقله مجدداً لذلك متى شاء المستخبر له. ولما كان القصد ذكر ما يدل عندهم على استبعاد البعث، قدموا المعمول فقالوا: {إذا} أي إنكم إذا {مزقتم} أي قطعتم وفرقتم بعد موتكم من كل من شأنه أن يمزق من التراب والرياح وطول الزمان ونحو ذلك تمزيقاً عظيماً، بحيث صرتم تراباً، وذلك معنى {كل ممزق} أي كل تمزيق، فلم يبق شيء من أجسادكم مع شيء، بل صار الكل بحيث لا يميز بين ترابه وتراب الأرض، وذهبت به السيول كل مذهب، فصار مع اختلاطه بتراب الأرض والتباسه متباعداً بعضه عن بعض، وكسر معمول "ينبئكم" لأجل اللام فقال: {إنكم لفي} أي لتقومون كما كنتم قبل الموت قياماً لا شك فيه، والإخبار يه مستحق لغاية التأكيد {خلق جديد *} وهذا عامل إذا الظرفية. ولما نفروا عنه بهذا الإخبار المحير في الحامل له عليه، خيلوا بتقسيم القول فيه في استفهام مردد بين الاستعجام تعجيباً والإنكار، فقالوا جواباً لمن سأل عن سبب إخباره بإسقاط همزة الوصل، لعدم الإلباس هنا بخلاف ما يصحب لام التعريف فإنها لفتحها تلبس بالخبر: {افترى} أي تعمد {على الله} أي الذي لا أعظم منه {كذباً} بالإخبار بخلاف الواقع وهو عاقل يصح منه القصد. ولما كان يلزم من التعمد العقل، قالوا: {أم به جنة} أي جنون، فهو يقول الكذب، وهو ما لا حقيقة له من غير تعمد، لأنه ليس من أهل القصد، فالآية من الاحتباك: ذكر الافتراء أولاً يدل على ضده ثانياً، وذكر الجنون ثانياً يدل على ذكر ضده أولاً. ولما كان الجواب: ليس به شيء من ذلك، عطف عليه مخبراً عن بعض الذين كفروا بما يوجب ردع البعض الآخر قوله: {بل الذين لا يؤمنون} أي لا يجددون الإيمان لأنهم طبعوا على الكفر {بالآخرة} أي الفطرة الآخرة التي أدل شيء عليها الفطرة الأولى. ولما كان هذا القول مسبباً عن ضلالهم، وكان ضلالهم سبباً لعذابهم، قدم العذاب لأنه المحط وليرتدع من أراد الله إيمانه فقال: {في العذاب} أي في الدنيا بمحاولة إبطال ما أراد الله إتمامه، وفي الآخرة لما فيه من المعصية، وأتبعه سببه فقال: {والضلال} أي عما يلزم من وجوب وحدانيته وشمول قدرته بسبب أن له ما في السماوات وما في الأرض. ولما كان قولهم بعيداً من الحق لوصفهم أهدى الناس بالضلال، وكان الضلال يبعد ببعد صاحبه عن الجادة وتوغله في المهامه الوعرة الشاسعة، قال واصفاً له بوصف الضال: {البعيد *} فبين الوصف أنه لا يمكن الانفكاك عنه، وعلم أن من الذين كفروا قسماً لم يطبعوا على الكفر، فضلوا ضلالاً قريباً يمكن انفكاكهم عنه، وهم الذين آمنوا منهم بعد، وهو من بديع القول حيث عبر بها الظاهر الذي أفهم هذا التقسيم موضع الإضمار الذي كان حقه: بل هم في كذا. ولما كانوا قد أنكروا الساعة لقطعهم بأن من مزق كل ممزق لا يمكن إعادته، فقطعوا جهلاً بأن الله تعالى لا يقول ذلك، فنسبوا الصادق صلى الله عليه وسلم في الإخبار بذلك إلى أحد أمرين: تعمد الكذب أو الجنون. شرع سبحانه يدل على صدقه في جميع ما أخبر به، فبدأ بإثبات قدرته على ذلك مستند إلى ضلالهم بسبب غفلتهم عن تدبر الآيات، فكان المعنى: ضلوا فلم يروا، فدل عليه منكراً عليهم مهدداً لهم مقرراً لذوي العقول من السامعين بقوله: {أفلم يروا} ونبه على أنهم في محل بعد عن الإبصار النافع بحرف النهاية فقال: {إلى ما بين أيديهم} أي أمامهم {وما خلفهم} وذلك إشارة إلى جميع الجوانب من كل من الخافقين وأنهما قد أحاطا بهم كغيرهم. ولما لم تدع حاجة إلى الجمع أفرد فقال: {من السماء والأرض} أي الذين جعلنا مطلع السورة أن لنا كل ما فيهما. ولما كان الإنكار لائقاً بمقام العظمة، فكان المعنى: إنا نفعل بهما وفيهما ما نشاء، عبر بقوله: {إن نشأ} بما لنا من العظمة - على قراءة الجمهور {نخسف} أي تغور {بهم} وأدغم الكسائي إلى أنه سبحانه قد يفعل ذلك في أسرع من اللمح بحيث يدرك لأكثر الناس وقد يفعله على وجه الوضوح وهو أكثر - بما أشارت إليه قراءة الإظهار للجمهور. ولما كان الخسف قد يكون لسطح أو سفينة ونحوهما، خص الأمر بقوله: {الأرض} أي كما فعلنا بقارون وذويه لأنه ليس نفوذ بعض أفعالنا فيها بأولى من غيره {أو نسقط عليهم كسفاً} بفتح السين على قراءة حفص وبإسكانه على قراءة غيره أي قاطعاً {من السماء} كذلك ليكون شديد الوقع لبعد الموقع المدى عن السحاب ونحوه لأن من المعلوم أنا نحن خلقناهما، ومن أوجد شيئاً قدر على هذه وهذا ما أراد منه، ومن جعل السياق للغيب - وهو حمزة والكسائي - رد الضمير على الاسم الأعظم الذي جعله مطلع السورة. ولما كان هذا أمراً ظاهراً، أنتج قوله مؤكداً لما لهم من إنكار البعث: {إن في ذلك} أي في قدرتنا على ما نشاء من كل منهما والتأمل في فنون تصاريفهما {لآية} أي علامة بينة على أنا نعامل من شئنا فيهما بالعدل بأي عذاب أردنا، ومن شئنا بالفضل بأي ثواب أردنا، وذلك دال على أنا قادرون على كل ما نشاء من الإماتة والإحياء وغيرهما، فقد خسفنا بقارون وآله وبقوم لوط وأشياعهم، وأسقطنا من السماء على أصحاب الأيكة يوم الظلة قطعاً من النار، وعلى قوم لوط حجارة، فأهلكناهم بذلك أجمعين. ولما كانت الآيات لا تنفع من طبع على العناد قال تعالى: {لكل عبد} أي متحقق أنه مربوب ضعيف مسخر لما يراد منه {منيب *} أي فيه قابلية الرجوع عما أبان له الدليل عن أنه زل فيه. ولما أشار سبحانه بهذا الكلام الذي دل فيه على نفوذ الأمر إلى أنه تارة يعدل وتارة يفضل، وكان الفضل أكثر استجلاباً لذوي الهمم العلية والأنفس الأبية، بدأ به في عبد من رؤوس المنيبين على وجه دال على البعث بكمال التصرف في الخافقين وما فيهما بأمور شوهدت لبعض عبيدة تارة بالعيان وتارة بالآذان، أما عند أهل الكتاب فواضح، وأما عند العرب فبتمكينهم من سؤالهم فقد كانوا يسألونهم عنه صلى الله عليه وسلم وقال أبو حيان: إن بعض ذلك طفحت به أخبارهم ونطقت به أشعارهم، فقال تعالى مقسماً تنبيهاً على أن إنكارهم للبعث إنكار لما يخبر به من المعجزات، عاطفاً على ما تقديره: فلقد آتينا هذا الرجل الذي نسبتموه إلى الكذب أو الجنون منا فضلاً بهذه الأخبار المدلول عليها بمعجز القرآن فيا بعد ما بينه ما نسبتموه إليه: {ولقد} أي وعزتنا وما ثبت لنا من الإحاطة بصفات الكمال بالاتصاف بالحمد لقد {آتينا} أي أعطينا إعطاء عظيماً دالاً على نهاية المكنة بما لنا من العظمة {داود}. ولما كان المؤتى قد تكون واسطة لمن منه الإيتاء، بين أن الأمر ليس إلا منه فقال: {منا فضلاً} ودل على أن التنوين للتعظيم وأنه لا يتوقف تكوين شيء على غير إرادته بقوله، منزلاً الجبال منزلة العقلاء الذين يبادرون إلى امتثال أوامره، تنبيهاً على كمال قدرته وبديع تصرفه في الأشياء كلها جواباً لمن كأنه قال: ما ذلك الفضل؟ مبدلاً من {أتينا} {يا} أي قلنا لأشد الأرض: يا {جبال أوبي} أي رجعي التسبيح وقراءة الزبور وغيرهما من ذكر الله {معه} أي كلما سبح، فهذه آية أرضية مما هو أشد الأرض بما هو وظيفة العقلاء، ولذلك عبر فيه بالأمر دلالة على عظيم القدرة. ولما كانت الجبال أغلظ الأرض وأثقلها، وكان المعنى: دعونا الجبال للتأويب معه، فبادرت الإجابة لدعائنا، لما تقدم من أنها من جملة من أبى أن يحمل الأمانة، عطف على ذلك أخف الحيوان وألطفه، ليكون آية سماوية، على أنه يفعل في السماء ما يشاء، فإنه لو أمات الطائر في جو السماء لسقط، ولا فرق في ذلك بين عال وعال، فقال: {والطير} أي دعوناها أيضاً، فكانت ترجع معه الذكر فدل قرانها بالطير على ذكرها حقيقة كذكر الطير دفعاً لتوهم من يظنه رجع الصدا، وقراءة يعقوب بالرفع عطف على لفظ "جبال" وقراءة غيره عطف على موضعه، أو تكون الواو بمعنى مع أو بتقدير فعل من معنى ما مضى كسخرنا، قال وهب بن منبه: كان يقول للجبال: سبحي، وللطير: أجيبي، ثم يأخذ وهو في تلاوة الزبور بين ذلك بصوته الحسن، فلا يرى الناس منظراً أحسن من ذلك، ولا يسمعون شيئاً أطيب منه، وذلك كما كان الحصى يسبح في كف النبي صلى الله عليه وسلم وكف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وكما كان الطعام يسبح في حضرته الشريفة وهو يؤكل، وكما كان الحجر يسلم عليه، وأسكفة الباب وحوائط البيت تؤمن على دعائه، وحنين الجذع مشهور، وكما كان الضب يشهد له والجمل يشكو إليه ويسجد بين يديه ونحو ذلك, وكما جاء الطائر الذي يسمى الحمرة تشكو الذي أخذ بيضها، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم برده رحمة لها. ولما ذكر طاعة أكثف الأرض وألطف الحيوان الذي أنشأه الله منها. ذكر ما أنشأه سبحانه من ذلك الأكثف، وهو أصلب الأشياء فقال: {وألنا له الحديد} أي الذي ولدناه من الجبال جعلناه في يده كالشمع يعمل منه ما يريد بلا نار ولا مطرقة، ثم ذكر علة الإلانة بصيغة الأمر إشارة إلى أن عمله كان لله فقال: {أن أعمل سابغات} أي دروعاً طوالاً واسعة. ولما كان السرد الخرز في الأديم وإدخال الخيط في موضع الخرز شبه إدخال الحلقة في الأخرى بلحمة لا طرف لها بمواضع الخرز فقال: {وقدر في السرد} أي النسج بأن يكون كل حلقة مساوية لأختها مع كونها ضيقة لئلا ينفذ منها سهم ولتكن في تحتها بحيث لا يقلعها سيف ولا تثقل على الدارع فتمنعه خفة التصرف وسرعة الانتقال في الكر والفر والطعن والضرب في البرد والحر، والظاهر أنه لم يكن في حلقها مسامير لعدم الحاجة بإلانة الحديد إليها، وإلا لم يكن بينه وبين غيره فرق، ولا كان للإلانة فائدة، وقد أخبر بعض من رأى ما نسب إليه بغير مسامير، قال الزجاج: السرد في اللغة: تقدير الشيء إلى الشيء ليتأتى متسقاً بعضه في أثر بعض متتابعاً، ومنه قولهم: سرد فلان الحديث. وهذا كما ألان الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم في الخندق تلك الكدية وفي رواية: الكذانة وذلك بعد أن لم تكن المعاول تعمل فيها وبلغت غاية الجهد منهم فضربها صلى الله عليه وسلم ضربة واحدة، وفي رواية رش عليها ماء فعادت كثيباً أهيل لا ترد فأساً وتلك الصخرة التي أخبره سلمان رضي الله عنها أنها كسرت فؤوسهم ومعاولهم وعجزوا عنها فضربها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث ضربات كسر في ضربه ثلاثاً منها وبرقت مع كل ضربة برقة كبر معها تكبيرة، وأضاءت للصحابة رضي الله عنهم ما بين لابتي المدينة بحيث كانت في النهار كأنها مصباح في جوف بيت مظلم، فسألوه عن ذلك فأخبرهم صلى الله عليه وسلم أن إحدى الضربات أضاءت له صنعاء من أرض اليمن حتى رأى أبوابها من مكانه ذلك، وأخبره جبرائيل عيله السلام أنها ستفتح على أمته، وأضاءت له الأخرى قصور الحيرة البيض كأنها أنياب الكلاب، وأخبر أنها مفتوحة لهم، وأضاءت له الأخرى قصور الشام الحمر كأنها أنياب الكلاب، وأخبر بفتحها عليهم، فصدقه الله تعالى في جميع ما قال، وأعظم من ذلك تصليب الخشب له حتى يصير سيفاً قوي المتن جيد الحديدة، وذلك أن سيف عبد الله بن جحش رضي الله عنه انقطع يوم أحد، فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرجونا فعاد في يده سيفاً قائمة منه فقاتل به، فكان يسمى العون، ولم يزل بعد يتوارث حتى بيع من بغا التركي بمائتي دينار ذكره الكلاعي في السيرة عن الزبير بن أبي بكر والبيهقي، وقاتل عكاشة بن محصن يوم بدر فانقطع سيفه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه جذلاً من حطب، فلما أخذه هزه فعاد في يده سيفاً طويل القامة شديد المتن أبيض الحديد فقاتل به حتى وفتح الله على المسلمين، وكان ذلك السيف يسمى العون، ثم لم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده حتى قتل في الردة وهو عنده، وعن الواقدي أنه انكسر سيف سلمة بن أسلم بن الحريش يوم بدر فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيباً كان في يده من عراجين ابن طاب فقال: اضرب به فإذا هو سيف جيد، فلم يزل عنده حتى قتل يوم جسر أبي عبيد، وإلحامه للحديد ليس بأعجب من إلحام النبي صلى الله عليه وسلم ليد معوذ بن عفراء لما قطعها أو جهل يوم بدر فأتى بها يحملها في يده الأخرى فبصق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وألصقها فلصقت وصحت مثل أختها كما نقله البيهقي وغيره. ولما أتم سبحانه ما يختص به من الكرامات، عطف عليها ما جمع فيه الضمير لأنه يعم غيره فقال: {واعملوا} أي أنت ومن أطاعك {صالحاً} أي بما تفضلنا به عليكم من العلم والتوفيق للطاعة، ثم علل هذا الأمر ترغيباً وترهيباً بقوله مؤكداً إشارة إلى أن إنكارهم للقدرة على البعث إنكار لغيرها من الصفات وإلى أن المتهاون في العمل في عداد من ينكر أنه يعين الله: {إني بما تعملون} أي كله {بصير *} أي مبصر وعالم بكل ظاهر له وباطن.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال الذين كفروا} منكرى البعث وهم كفار قريش قالوا بطريق الاستهزاء مخاطبا بعضهم لبعض {هل ندلكم} [يا دلالت كنيم ونشان دهيم شمارا] {على رجل} يعنون به النبى صلى الله عليه وسلم وانما قصدوا بالتنكير الهزؤ والسخرية {ينبئكم} اى يحدثكم ويخبركم باعجب الاعاجيب ويقول لكم {اذا مزقتم كل ممزق} الممزق مصدر بمعنى التمزيق وهو بالفارسية [يرا كنده كردن] واصل التمزيق التفريق يقال مزق ثيابه اى فرقها والمعنى اذا متم وفرقت اجسادكم كل تفريق بحيث صرتم رفاتا وترابا {انكم لفى خلق جديد} اى مستقرون فيه: وبالفارسية [در آفرينش تو خواهيد بود يعنى زنده خواهيد كشت] وجديد فعيل بمعنى فاعل عند البصريين من جدّ فهو جديد كقل فهو قليل وبمعنى المفعول عند الكوفيين من جدّ النساج الثوب اذا قطعه. قال فى المفردات يقال جددت الثوب اذا قطعته على وجه الاصلاح وثوب جديد اصله المقطوع ثم جعل لكل ما احدث انشاؤه والخلق الجديد اشارة الى النشأة الثانية والجديدان الليل والنهار والعامل فى اذا محذوف دل عليه ما بعده اى تنشأون خلقا جديدا ولا يعمل فيها مزقتم لاضافتها اليه ولا ينبئكم لان التنبئة لم تقع وقت التمزيق بل تقدمت ولا جديد لان ما بعد انّ لا يعمل فيما قبلها

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {إذا}: العامل فيه محذوف، دلّ عليه: {لفي خلق جديد}. و {مُمَزَّقٍ}: مصدر، أي: تجددون إذا مزقتم كل تمزيق، و {جديد}: فعيل بمعنى فاعل، عند البصريين. تقول: جَدَّ الثوب فهو جديد، أو بمعنى مفعول، كقتيل، من جد النساج الثوب: قطعه. ولا يجوز فتح {إنكم} للاّم في خبره. و {أَفْترى}: الهمزة للاستفهام، وحذفت همزة الوصل للآستغناء عنها. يقول الحق جلّ جلاله: {وقال الذين كفروا} من منكري البعث: {هل نَدلُّكم على رجلٍ} يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم، وإنما نكّروه ـ مع أنه كان مشهوراً عَلَماً في قريش، وكان إنباؤه بالبعث شائعاً عندهم ـ تجاهلاً به وبأمره. وباب التجاهل في البلاغة معلوم، دال على سِحْرها، {يُنَبئُكم إِذا مُزِّقْتمْ كلَّ مُمزَّقٍ إِنكم لفي خلقٍ جديدٍ} أي: يحدثكم بأعجوبة من الأعاجيب، إنكم تُبعثون وتنشئون خلقاً جديداً، بعد أن تكونوا رفاتاً وتراباً، وتمزق أجسادكم بالبلى، كل تمزيق، وتفرقون كل تفريق، {افْترَى على الله كذباً} أي: أهو مفترٍ على الله كذباً فيما يُنسب إليه من ذلك؟ {أم به جِنَّة} جنون توهمه ذلك، وتلقيه على لسانه. واستدلت المعتزلة بالآية على أن بين الصدق والكذب واسطة، وهو كل خبر لا يكون عن بصيرة بالمخبر عنه، وأجيب: بأن الافتراء أخص من الكذب، لاختصاص الافتراء بالتعمُّد، والكذب أعم. وكأنه قيل: أتعمّد الكذب أو لم يتعمّد بل به جنون. قال تعالى: {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلالِ البعيدِ} أي: ليس محمد من الافتراء والجنون في شيء، وهو منزّه عنهما، بل هؤلاء الكفرة، المنكرون للبعث، واقعون في عذاب النار، وفيما يؤديهم إليه من الضلال البعيد عن الحق، بحيث لا يرجى لهم الخلاص منه، وهم لا يشعرون بذلك، وذلك أحق بالجنون. جُعل وقوعهم في العذاب رسيلاً لوقوعهم في الضلال، مبالغة في استحقاقهم له، كأنهما كائنان في وقتٍ واحد؛ لأن الضلال، لمّا كان العذاب من لوازمه، جُعلا كأنهما مقترنان. ووَصْف الضلال بالبعيد من الإسناد المجازي؛ لأنَّ البعيد في صفة الضالّ إذا بَعُدَ عن الجادة. {أفلم يَرَوا إِلى ما بين أيديهم وما خلفَهُم من السماءِ والأرض إِن نشأ نَخْسِفُ بهم الأرضَ أو نُسْقِطْ عليهم كِسَفاً من السماء} أي: أعموا فلم ينظروا إلى السماء والأرض، وأنهما أينما كانوا، وحيثما ساروا، وجدوهما أمامهم وخلفهم، محيطتان بهم، لا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما، وأن يخرجوا عما هم فيه، من ملكوت الله، ولم يخافوا أن يخسفَ الله بهم في الأرض، أو يسقط عليهم {كِسفاً} قطعة، أو قطعاً من السماء بتكذيبهم الآيات، وكفرهم بما جاء به الرسول، كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة. وقرأ حمزة والكسائي "يخسف"، و "يسقط" بالياء؛ لعود الضمير على (الله) في قوله: {أَفترى على الله} ، وقرأ حفص: "كَسَفاً" بالتحريك، جمعاً. {إِن في ذلك لآيةً} إن في النظر إلى السماء والأرض والتفكُّر فيهما، وما يدلان عليه من كمال قدرته تعالى لدلالةً ظاهرة على البعث والإنشاء من بعد التفريق، {لكل عبدٍ مُّنِيب} راجع بقلبه إلى ربه، مطيع له تعالى، إذ المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله، فيعتبر، ويعلم أن مَن قدر على إنشاء هذه الأجرام العظام، قادر على إحياء الأموات وبعثها، وحسابها وعقابها. الإشارة: يقول شيوخ التربية: بقدر ما يمزق الظاهر بالتخريب والإهمال؛ يحيى الباطن ويعمر بنور الله، وبقدر ما يعمر الظاهر يخرب الباطن، فيقع الإنكار عليهم، ويقول الجهلة: هل ندلكم على رجل يُنبئكم إذا مُزقتم في الظاهر كل مُمَزقٍ، يُجدد الإيمان والإحسان في بواطنكم، أَفْترى على الله كذباً أم به جِنة؟ بل الذين لا يؤمنون بالنشأة الآخرة ـ وهي حياة الروح بمعرفة الله ـ في عذاب الحجاب والضلال، عن معرفة العيان بعيد، ما داموا على ذلك الاعتقاد، ثم يهددون بما يُهدد به منكرو البعث. والله تعالى أعلم. ثم ذكر تعالى نعمته على داود وسليمان، احتجاجاً على ما منح محمد ـ عليه الصلاة والسلام ـ من الرسالة والوحي، ردًّا لقولهم: {أَفترى على الله كذباً}، ودلالة على قدرته تعالى على البعث وغيره. فقال: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً...}

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} هذه الجملة مقابلة لقوله تعالى ويرى الّذين اوتوا العلم وهما معطوفتان وفيهما معنى التّعليل وكان المناسب للمقابلة ان يقول ويقول الّذين كفروا لكنّه للاشعار بثبات اقوال المؤمنين وافعالهم واستمرارها اتى هناك بالمضارع وللدّلالة على عدم ثبات اقوال الكافرين وافعالهم فانّها كشجرةٍ خبيثةٍ اجتثّت من فوق الارض اتى بالماضى ههنا {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ} بامرٍ عجيبٍ كانوا يعنون النّبىّ (ص) ويستهزؤن به {إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} بالبعث بعد الموت.

اطفيش

تفسير : {وقال الذين كفروا} بعضهم لبعض. {هل ندلكم على رجل} يعنون محمدا وانما نكروه مع شهرته كنور على علم وتنبآته بالبعث شائعة وعبروا بالدلالة كما يدل على مجهول لقصد الهزوء والسخرية فخرجوه مع اخباره بالبعث مخرج اعجوبة نكيرة غريبة يتحاجا بها للضحك والتلهي والتجاهل. {ينبئكم} وقرأ زيد بن علي باسكان النون وتخفيف الموحدة. {إذا مزقتم} قطعتم. {كل ممزق} كل تمزيق فكل مفعول مطلق وممزق مصدر مبني بزنة اسم مفعول غير الثلاثي لانه من غير الثلاثي ويجوز ان يكون اسم مكان كذلك وكل ظرف اي في كل مكان تمزيق كبطون الطير والسباع والوحوش والأودية والبحر وغير ذلك وجملة يبني صفة رجل وقوله: {إنكم لفي خلق جديد} جملة في محل نصب قامت مقام المفعول الثاني والثالث لينبىء وجواب اذا الناصب لاذا محذوف دلت عليه هذه الجملة اي فانكم لفي خلق جديد اي ستكونون فيه او قد حصل وثبت انكم تكونون فيه وليست هذه الجملة جوابا لاذا لخلوها عن الفاء وليس جوابها ينبىء محذوفا لأن التنبئة في الحياة لا اذا مزقوا الخلق الجديد هو انشاءهم بعد العدم والجديد فعل بمعنى فاعل يقال جد الشيء فهو جديد اي صار جديدا لا قديما او بمعنى مفعول اي مقطوع بمعنى انه خلق مخترع ومالي به وانما قدمت اذا اعتناء بالتمزيق ووقته اي بخبركم بأعجوبة وهي انكم تبعثون مع انكم قد مزقتم وذلك منهم استبعاد.

اطفيش

تفسير : {وقال الَّذين كفرُوا} قريش يخاطب بعضها بعضا استهزاء به صلى الله عليه وسلم {هل ندلُّكم على رجُل} يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونكروه للتحقير، كأنهم لم يعرفوا منه إلا أنه رجل منتصف بقول كذا، مع أنه أظهر من الشمس، وفى قلوبهم وصفه بالكمال، ولقد أحسن القائل: شعر : وليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم تفسير : ونعتوه بقولهم: {يُنبئكم إذا مُزِّقْتم كُلَّ ممزَّق} جواب إذا محذوف، أى تبعثون وتعلق به، أو يقدر تبعثون قبلها، وتعلق به خارجة عن الشرط، والصدر المجموع على كل حال مفعول به لقوله: ينبى محكى، لأن معناه يقولون، وذكرت الحكاية على طريق النحو، ولا يقدم فيه منع أصحابنا رحمهم الله أن يقال: حكى الله إذ لا معنى فى ذلك محذور، لأن المراد أن الله تعالى ذكر عنهم كذا، ولا يعلق بخلق أو بجديد، أو فى استقرار فى قوله: "أية : يخلق" تفسير : [آل عمران: 47] على أن الجملة جواب إذا، لأنها لو كانت جواب إذا لقيل فانكم بالفاء، ولا معمول خبر إن ومتعلقاته لا يتقدم على إن، وجديد نعت، ومعمول النعت لا يتقدم على المنعوت، ولا يتعلق بندل أو ينبىء، لأن الدلالة والتنبئة حال كلامهم لا تعتبران بوقت التمزيق، والتمزيق التفريق، وكل مفعول مطلق وممزق مصدر ميمى، بمعنى التمزيق، وأجيز أن يكون كل ظرف مكان، وممزق اسم مكان ميمى اى مزقتم فى كل موضع تمزيق. {إنْكم لفي خلْق جَديدٍ} تأكيد لجواب إذا المقدر، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا لينبىء فى نية التقديم، على إذا معلقا عنه باللام، فيكون إذا ومتعلقها تأكيدا لهذه الجملة، ويقدر خبر ان مستقبلا على كل حال، ويجوز تقديره ماضيا لتحقق الوقوع.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } عم كفار قريش قالوا مخاطباً بعضهم لبعض على جهة التعجب والاستهزاء {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ } يعنون به النبـي صلى الله عليه وسلم والتعبير عنه عليه الصلاة والسلام بذلك من باب التجاهل كأنهم لم يعرفوا منه صلى الله عليه وسلم إلا أنه رجل وهو عليه الصلاة والسلام عندهم أظهر من الشمس:شعر : وليس قولك من هذا بضائره العرب تعرف من أنكرت والعجم تفسير : {يُنَبّئُكُمْ } يحدثكم بأمر مستغرب عجيب. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما «ينبيكم» بإبدال الهمزة ياء محضة وحكي عنه {يُنَبّئُكُمْ } بالهمز من أنبأ. {إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } (إذا) شرطية وجوابها محذوف لدلالة ما بعده عليه أي تبعثون أو تحشرون وهو العامل في (إذا) على قول الجمهور والجملة الشرطية بتمامها معمولة لينبئكم لأنه في معنى يقول لكم إذا مزقتم كل ممزق تبعثون ثم أكد ذلك بقوله تعالى: {إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ } وجوز أن يكون {إنكم لفي خلق جديد} معمولاً لينبئكم وهو معلق ولولا اللام في خبر (إن) لكانت مفتوحة والجملة سدت مسد المفعولين والشرطية على هذا اعترض، وقد منع قوم التعليق في باب أعلم والصحيح جوازه وعليه قوله:شعر : حذار فقد نبئت أنك للذي ستجزى بما تسعى فتسعد أو تشقى تفسير : وجوز أن تكون (إذا) لمحض الظرفية فعاملها الذي دل عليه ما بعد يقدر مقدماً أي تبعثون أو تحشرون إذا مزقتم، ولا يجوز أن يكون العامل {يدلكم} أو {يُنَبّئُكُمْ } لعدم المقارنة ولا {مُزّقْتُمْ } لأن (إذا) مضافة إليه والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. ولا خلق ولا جديد لأن (إن) لها الصدر فلا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وقال الزجاج: (إذا) في موضع النصب بمزقتم وهي بمنزلة من الشرطية يعمل فيها الذي يليها، وقال السجاوندي: العامل محذوف وما بعدها إنما يعمل فيها إذا كان مجزوماً بها وهو مخصوص بالضرورة نحوشعر : وإذا تصبك خصاصة فتجمل تفسير : فلا يخرج عليه القرآن فإذا لم تجزم كانت مضافة إلى ما بعدها والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. وقال أبو حيان: الصحيح أن العامل فيها فعل الشرط كسائر أدوات الشرط، وتمام الكلام على ذلك في كتب النحو. وممزق مصدر جاء على زنة اسم المفعول كمسرح في قوله:شعر : ألم تعلم مسرحي القوافي فلا عياً بهن ولا اجتلاباً تفسير : وتمزيق الشيء تخريقه وجعله قطعاً قطعاً ومنه قوله:شعر : إذا كنت مأكولاً فكن خير آكل وإلا فأدركني ولما أمزق تفسير : والمراد إذا متم وفرقت أجسادكم كل تفريق بحيث صرتم رفاتاً وتراباً، ونصب {كُلٌّ } على المصدرية. وجوز أن يكون اسم مكان فنصب كل على الظرفية لأن لها حكم ما تضاف إليه أي إذا فرقت أجسادكم في كل مكان من القبور وبطون الطير والسباع وما ذهبت به السيول كل مذهب وما نسفته الرياح فطرحته / كل مطرح. و {جَدِيدٍ } فعيل بمعنى فاعل عند البصريين من جد الشيء إذا صار جديداً وبمعنى مفعول عند الكوفيين من جده إذا قطعه ثم شاع في كل جديد وإن لم يكن مقطوعاً كالبناء، والسبب في الخلاف أنهم رأوا العرب لا يؤنثونه ويقولون ملحفة جديد لا جديدة فذهب الكوفيون إلى أنه بمعنى مفعول والبصريون إلى خلافه وقالوا ترك التأنيث لتأويله بشيء جديد أو لحمله على فعيل بمعنى مفعول كذا قيل.

ابن عاشور

تفسير : انتقال إلى قولة أخرى من شناعة أهل الشرك معطوفة على { أية : وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة } تفسير : [سبأ: 3]. وهذا القول قائم مقام الاستدلال على القول الأول لأن قولهم {لا تأتينا الساعة} دعوى وقولهم: {هل ندلّكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد} مستنَد تلك الدعوى، ولذلك حكي بمثل الأسلوب الذي حكيت به الدعوى في المسند والمسند إليه. وأدمجوا في الاستدلال التعجيب من الذي يأتي بنقيض دليلهم، ثم إرداف ذلك التعجيب بالطعن في المتعجَّب به. والمخاطب بقولهم: {هل ندلكم} غير مذكور لأن المقصود في الآية الاعتبار بشناعة القول، ولا غرض يتعلق بالمقول لهم. فيجوز أن يكون قولهم هذا تقاولاً بينهم، أو يقوله بعضهم لبعض، أو يقوله كبراؤهم لعامتهم ودهمائهم. ويجوز أن يكون قول كفار مكة للواردين عليهم في الموسم. وهذا الذي يؤذن به فعل {ندلكم} من أنه خطاب لمن لم يبلغهم قول النبي صلى الله عليه وسلم. والاستفهام مستعمل في العرض مثل قوله تعالى: { أية : فقل هل لك إلى أن تزكى } تفسير : [النازعات: 18] وهو عرض مكنّى به عن التعجيب، أي هل ندلكم على أعجوبة من رجل ينبئكم بهذا النبأ المحال. والمعنى: تسمعون منه ما سمعناه منه فتعرفوا عذرنا في مناصبته العداء. وقد كان المشركون هَيأوا ما يكون جواباً للذين يردون عليهم في الموسم من قبائل العرب يتساءلون عن خبر هذا الذي ظهر فيهم يدعي أنه رسول من الله إلى الناس، وعن الوحي الذي يُبلغه عن الله كما ورد في خبر الوليد بن المغيرة إذ قال لقريش: إنه قد حضر هذا الموسمُ وأن وفود العرب ستقدم عليكم فيه، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا، فأَجْمِعوا فيه رأيا واحداً ولا تختلفوا فيكذِّب بعضكُم بعضاً ويردّ قولُكم بعضه بعضاً، فقالوا: فأنت يا أبا عبد شمس فقُل وأقم لنا رأياً نقول به. قال: بل أنتم قولوا أسمعْ، قالوا: نقول كاهن؟ قال: لا والله ما هو بكاهن، لقد رأيْنا الكهان فما هو بزمزمة الكاهن ولا بسجعه. قالوا: فنقول مجنون؟ قال: ما هو بمجنون لقد رأينا الجُنون وعرفناه فما هو بخنقه ولا تخلجه ولا وسوسته، قالوا: فنقول شاعر؟ قال: لقد عرفنا الشعر كله فما هو بالشعر، فقالوا: فنقول ساحر؟ قال: ما هو بنفثه ولا عَقده، قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ قال: إن أقرب القول فيه أن تقولوا: ساحر، جاء بقول هو سحر يفرّق بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجه وبين المرء وعشيرته. فلعل المشركين كانوا يستقبلون الواردين على مكة بهاته المقالة {هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد} طمعاً منهم بأنها تصرف الناس عن النظر في الدعوة تلبساً باستحالة هذا الخَلْق الجديد. ويرجح ذلك إتمامها بالاستفهام {أفترى على الله كذباً أم به جنة}. ثم إن كان التقاول بين المشركين بعضِهم لبعض، فالتعبير عن الرسول صلى الله عليه وسلم بــــ{رجل} منكَّر مع كونه معروفاً بينهم وعن أهل بلدهم، قصدوا من تنكيره أنه لا يعرف تجاهلاً منهم. قال السكاكي «كأنْ لم يكونوا يعرفون منه إلا أنه رجل ما». وإن كان قول المشركين موجهاً إلى الواردين مكّة في الموسم، كان التعبير بـــ{رجل} جرياً على مقتضى الظاهر لأن الواردين لا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم ولا دعوتَه فيكون كقول أبي ذَرّ (قبل إسلامه) لأخيه «اذهب فاستعلم لنا خبر هذا الرجل الذي يزعم أنه نبيء». ومعنى: {ندلكم} نُعرفكم ونُرشدكم. وأصل الدلالة الإِرشاد إلى الطريق الموصل إلى مكان مطلوب. وغالب استعمال هذا الفعل أن يكون إرشادَ من يطلبُ معرفةً، وبذلك فالآية تقتضي أن هذا القول يقولونه للذين يسألونهم عن خبر رجل ظهر بينهم يدّعي النبوءة فيقولون: هل ندلكم على رجل يزعم كذا، أي ليس بنبيء بل مُفْترٍ أو مجنون، فمورد الاستفهام هو ما تضمنه قولهم: {إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد أفترى على الله كذباً أم به جنة} أي هل تريدون أن ندلكم على من هذه صفته، أي وليس من صفته أنه نبيء بل هو: إما كاذب أو غير عاقل. والإِنباء: الإِخبار عن أمر عظيم، وعظمةُ هذا القول عندهم عظمة إقدام قائله على ادعاء وقوع ما يرونه محال الوقوع. وجملة {إنكم لفي خلق جديد} هي المنبَّأُ به. ولمّا كان الإِنباء في معنى القول لأنه إخبار صح أن يقع بعده ما هو من قول المنبِّىء. فالتقدير من جهة المعنى: يقول إنكم لفي خلق جديد، ولذلك اجتلبت (إنَّ) المكسورة الهمزة دون المفتوحة لمراعاة حكاية القول. وهذا حكاية ما نبَّأ به لأن المنبىء إنما نَبّأ بأن الناس يصيرون في خلق جديد. وأما شبه الجملة وهو قوله: {إذا مزقتم كل ممزق} فليس مما نَبَّأ به الرجلُ وإنما هو اعتراض في كلام الحاكين تنبيهاً على استحالة ما يقوله هذا الرجل على أنّه لازم لإِثبات الخلق الجديد لكل الأموات. وليس {إذَا} بمفيد شرطاً للخلق الجديد لأنه ليس يلزم للخلق الجديد أن يتقدمه البِلى، ولكن المراد أنه يكون البِلى حائلاً دون الخلق الجديد المنبَّأ به. وتقديم هذا الاعتراض للاهتمام به ليتقرر في أذهان السّامعين لأنه مناط الإِحالة في زعمهم، فإن إعادة الحياة للأموات تكون بعد انعدام أجزاء الأجساد، وتَكون بعد تفرقها تفرقاً قريباً من العدم، وتَكون بعدَ تفرق مَّا، وتَكون مع بقاء الأجساد على حالها بقاء متفاوتاً في الصلابة والرطوبة، وهم أنكروا إعادة الحياة في سائر الأحوال، ولكنهم خَصُّوا في كلامهم الإِعادة بعد التمزق كل ممزق، أي بعد اضمحلال الأجساد أو تفرقها الشديد، لقوة استحالة إرجاع الحياة إليها بعدئذٍ. والتمزيق: تفكيك الأجزاء المتلاصقة بعضها عن بعض بحيث تصير قطعاً متباعدة. والممزَّق: مصدر ميمي لمزَّقه مثل المسرَّح للتسريح. و{كل} على الوجهين مستعملة في معنى الكثرة كقوله تعالى: { أية : ولو جاءتهم كل آية } تفسير : [يونس: 97] وقول النابغة: شعر : بها كل ذيّال ...................... تفسير : وقد تقدم غير مرة. والخلق الجديد: الحديث العهد بالوجود، أي في خلق غير الخلق الأول الذي أبلاه الزمان، فجديد فعيل من جَدّ بمعنى قطع. فأصل معنى جديد مقطوع، وأصله وصف للثوب الذي ينسجه الناسج فإذا أتمه قطعه من المنوال. أريد به أنه بحدثان قطعه فصار كناية عن عدم لبسه، ثم شاع ذلك فصار الجديد وصفاً بمعنى الحديث العهد، وتنوسي معنى المفعولية منه فصار وصفاً بمعنى الفاعلية، فيقال: جَدّ الثوب بالرقع، بمعنى: كان حديث عهد بنسج. ويشبه أن يكون (جد) اللازم مطاوعاً لــــ (جدّه) المتعدّي كما كان (جَبر العظمُ) مطاوعاً لــــ (جبر) كما في قول العجاج: شعر : قد جبر الدينَ الإِله فجَبر تفسير : وبهذا يحق الجمع بين قول البصريين الذين اعتبروا جديداً فعيلاً بمعنى فاعل، وقول الكوفيين بأنه فعيل بمعنى مفعول، وعلى هذين الاعتبارين يجوز أن يقال: ملحفة جديد كما قال: { أية : إن رحمة الله قريب } تفسير : [الأعراف: 56]. ووصف الخلق الجديد باعتبار أن المصدر بمنزلة اسم الجنس يكون قديماً فهو إذن بمعنى الحاصل بالمصدر، ويكون جديداً فهو بمنزلة اسم الفاعل، فوصف بالجديد ليتمحّض لأحد احتماليه، والظرفية من قوله: {في خلق جديد} مجازية في قوة التلبس بالخلق الجديد تلبساً كتلبس المظروف بالظرف. وجملة {أفترى على الله كذباً أم به جنة} في موضع صفة ثانية لــــ{رجل} أتوا بها استفهامية لتشريك المخاطبين معهم في ترديد الرجل بين هذين الحالين. وحذفت همزة فعل {أفترى} لأنها همزة وصل فسقطت لأن همزة الاستفهام وُصلت بالفعل فسقطت همزة الوصل في الدرج. وجعلوا حال الرسول صلى الله عليه وسلم دائراً بين الكذب والجنون بناء على أنه إن كان ما قاله من البعث قاله عن عمد وسلامة عقل فهو في زعمهم مفتر لأنهم يزعمون أن ذلك لا يطابق الواقع لأنه محال في نظرهم القاصر، وإن كان قاله بلسانه لإِملاء عقل مختلّ فهو مجنون وكلام المجنون لا يوصف بالافتراء. وإنما ردَّدوا حاله بين الأمرين بناء على أنه أخبر عن تلقي وحي من الله فلم يبق محتملاً لقسم ثالث وهو أن يكون متوهماً أو غالطاً كما لا يخفى. وقد استدل الجاحظ بهذه الآية لرأيه في أن الكلام يصفه العرب بالصدق إن كان مطابقاً للواقع مع اعتقاد المتكلم لذلك، وبالكذب إن كان غير مطابق للواقع ولا للاعتقاد، وما سوى هذين الصنفين لا يوصف بصدق ولا كذب بل هو واسطة بينهما وهو الذي يخالف الواقع ويوافق اعتقاد المتكلم أو يخالف الاعتقاد الواقع أو يخالفهما معاً، أو لم يكن لصاحبه اعتقاد، ومن هذا الصنف الأخير كلام المجنون. ولا يصح أن تكون هذه الآية دليلاً له لأنها حكت كلام المشركين في مقام تمويههم وضلالهم أو تضليلهم فهو من السفسطة، ثم إن الافتراء أخص من الكذب لأن الافتراء كان عن عمد فمقابلته بالجنون لا تقتضي أن كلام المجنون ليس من الكذب بل إنه ليس من الافتراء. والافتراء: الاختلاق وإيجاد خبر لا مخبر له. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : ولكن الذين كفروا يفترون على اللَّه الكذب } تفسير : في سورة العقود (103). وقد ردّ الله عليهم استدلالهم بما أشار إلى أنهم ضالّون أو مُضِلُّون، وواهِمون أو مُوهِمون فأبطل قولهم بحذافره بحرف الإِضراب، ثم بجملة {الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد}. فقابل ما وصَفوا به الرسول صلى الله عليه وسلم بوصفين: أَنهم في العذاب وذلك مقابل قولهم: {أفترى على الله كذباً} لأن الذي يكذب على الله يسلِط الله عليه عذابه، وأنهم في {الضلال البعيد} وذلك مقابل قولهم: {به جنة}. وعدل عن أن يقال: بل أنتم في العذاب والضلال إلى {الذين لا يؤمنون بالآخرة} إدماجاً لتهديدهم. و{الضلال}: خطأ الطريق الموصّل إلى المقصود. و{البعيد} وصف به الضلال باعتبار كونه وصفاً لطريق الضالّ، فإسناد وصفه إلى الضلال مجازي لأنه صفة مكان الضلال وهو الطريق الذي حاد عن المكان المقصود، لأن الضالّ كلما توغّل مسافة في الطريق المضلول فيه ازداد بُعداً عن المقصود فاشتد ضلاله، وعسر خلاصه، وهو مع ذلك ترشيح للإِسناد المجازي. وقوله: {في العذاب} إدماج يصف به حالهم في الآخرة مع وصف حالهم في الدنيا. والظرفية بمعنى الإِعداد لهم فحصل في حرف الظرفية مجازان إذ جُعِل العذاب والضلال لتلازمهما كأنهما حاصلان معاً، فهذا من استعمال الموضوع للواقع فيما ليس بواقع تنبيهاً على تحقيق وقوعه.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} ـ إلى قوله ـ {وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ} ما تضمنته هذه الآية الكريمة من إنكار البعث، وتكذيب الله لهم في ذلك قدم موضحاً في مواضع كثيرة، من هذا الكتاب في البقرة والنحل وغيرهما. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} أي تمزقت أجسادكم وتفرقت وبليت عظامكم، واختلطت بالأرض. وتلاشت فيها. وقوله عنهم: {إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} أي البعث بعد الموت وهو مصب إنكارهم قبحهم الله، وهو جل وعلا يعلم ما تلاشى في الأرض من أجسادهم، وعظامهم كما قال تعالى: {أية : قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضَ مِنْهُمْ وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} تفسير : [ق: 4].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وقال الذين كفروا: أي قال بعضهم لبعض على جهة التعجيب. هل ندلكم على رجل: أي محمد صلى الله عليه وسلم. إذا مُزقتم كل ممزق: أي قطعتم كل التقطيع. إنكم لفي خلق جديد: أي تبعثون خلقاً جديداً لم ينقص منكم شيء. أم به جنة: أي جنون تخيّل له بذلك. بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد: أي ليس الأمر كما يقول المشركون من افتراء الرسول أو جنونه بل الأمر الثابت والواقع أن الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب في الآخرة، وفي الضلال البعيد في الدنيا. أفلم يروا: أي ينظروا. إلى ما بين أيديهم وما خلفهم: أي من أمامهم وورائهم وفوقهم وتحتهم إذ هم محاطون من كل جهة من السماء والأرض. أو نسقط عليهم كسفاً: أي قطعاً جمع كسِفة أي قطعة. إن في ذلك لآية: أي علامة واضحة ودليلاً قاطعاً على قدرة الله عليهم. لكل عبد منيب: أي لكل مؤمن منيب إلى ربّه رجَّاع إليه في أمره كله. معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير عقيدة البعث والجزاء إنه لما قررها تعالى في الآيات قبل أورد هنا ما يتقاوله المشركون بينهم في تهكم واستهزاء واستبعاد للحياة الآخرة. فقال تعالى حاكيا قولهم: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وهم مشركو مكة أي بعضهم لبعضٍ متعجبين {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ} يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم {يُنَبِّئُكُمْ} أي يخبركم بأنكم إذا متم وتمزقت لحومكم وتكسرت عظامكم وذهبتم في الأرض تراباً تبعثون في خلق جديد بعد أن مزقتم كل ممزق اي كل التمزيق فلم يبق شيء متصل ببعضه بعضاً. {أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} أي محمد فكذب على الله هذا القول وزوره عنه وادعى أنه أخبره بوجود بعث جديد للناس بعد موتهم لحسابهم وجزائهم؟! أم به جنة أي به مس من جنون فهي تخيل له صور البعث وما يجري فيه وهو يخبر به ويدعو إلى الإِيمان به؟ وهنا رد الله تعالى عليهم كذبهم وباطلهم فقال {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ فِي ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ} أي ليس الأمر كما يقولون من أن النبي افترى على الله كذباً، أو به جنون فتخيل له البعث وإنما الأمر الثابت والواقع المقطوع به أن الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب يوم القيامة. وفي الضلال البعيد اليوم في الدنيا وشؤمهم أتاهم من تكذيبهم بالآخرة. ثم قال تعالى مهدداً لهم لعلهم يرتدعون عن التهجم والتهكم بالنبي صلى الله عليه وسلم {أَفَلَمْ يَرَوْاْ} أي أعموا فلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض أفلم ينظروا كيف هم محاطون من فوقهم ومن تحتهم ومن أمامهم ومن ورائهم أي الأرض تحتهم والسماء فوقهم {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ} فيعودون فيها {أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً} أي قطعاً من السماء فتهلكهم عن آخرهم فلا يجدون مهرباً والجواب لا، لأنهم مهما جروْا هاربين لا تزال السماء فوقهم والأرض تحتهم والله قاهر لهم متى شاء خسف بهم أو أسقط السماء عليهم. وقوله تعالى {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} أي إن في ذلك المذكور من إحاطة السماء والأرض وقدرة الله على خسف من شاء خسف الأرض بهم وإسقاط كِسَفٍ من السماء على من شاء ذلك لهم آية. وعلامة بارزة على قدرة الله على إهلاك من شاء ممن كفروا بالله وبرسوله وكذبوا بلقائه. وكون المذكور آية لكل عبد منيب دون غيره لأن المنيب هو الرجاع إلى ربه كلما أذنب آب لخشيته من ربه فالخائف الخاشي هو الذي يجد الآية واضحة أمامه في إحاطة الأرض والسماء بالإِنسان وقدرة الله على خسف الأرض به أو إسقاط السماء كسفاً عليه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان ما كان المشركون عليه من استهزاء وتكذيب وسخرية بالنبي صلى الله عليه وسلم. 2- تقرير البعث وأن المكذبين به محكوم عليهم بالعذاب فيه. 3- لفت الأنظار إلى قدرة الله تعالى المحيطة بالإِنسان ليخشى الله تعالى ويرهبه فيؤمن به ويعبده ويوحده. 4- فضل الإِنابة إلى الله وشرف المنيب. والإِنابة الرجوع إلى التوبة بعد الذنب والمعصية، والمنيب الذي رجع في كل شيء إلى ربه تعالى.

القطان

تفسير : اذا مُزقتم كل ممزق: متُّم وتفرقت اجسامكم في التراب. لفي خلْق جديد: يوم البعث في القيامة. افترى على الله؟: هل اختلق هذا الكلام من عنده. ام به جِنة: جنون. كسفا من السماء: قطعا من السماء نعذبكم بها. لعبد منيب: تائب راجع الى ربه. قال بعض الذين كفروا تعجباً واستهزاءً: هل ندلكم على رجل يخبركم أنكم إذا متم وتمزقتْ اجسامكم وتفرقت في ذرات التراب ستبعثون من جديد! أكذبَ على الله ام به جنون جعله يتوهم ذلك ويتكلم بما لا يدري!؟ ليس الأمر كما زعموا، بل الحقيقة ان الذين لا يؤمنون بالآخرة في ضلال كبير سيؤدي بهم الى جهنم. أفلَمْ ينظر هؤلاء المكذّبون بالمعاد الى ما حولهم من السماء والأرض ليعلموا قدرتنا على فعل ما نشاء؟ فنحن إن نشأ نخسفْ بهم الارض، او نسقطْ عليهم قطعاً من السماء تسحقهم. وفي ذلك دليل كاف لكل عبد تواب راجع الى ربه. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: ان يشأ يخسف بهم بالياء، والباقون: ان نشأ نخسف بهم بالنون.

د. أسعد حومد

تفسير : (7) - وَقَالَ بَعْضُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ لِبَعْضِ المُتَهَكَّمينَ وَالمُسْتَهزِئِينَ بِالرَّسُولِ: هَلْ تُرِيدُونَ أَنْ نَدُلَّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُخْبِرُكُم أَنَّكُمْ سَتُبْعَثُونَ أَحياءً، بَعدَ أَنْ تَمُوتوا، وَتَتَفَرَّقَ أَجْسَادُكُمْ، وَتَتَبَعْثَرَ فِي تُرابِ الأَرضِ، وَأَنَّكُمْ سَتُحَاسَبُونَ عَلَى أَعْمَالِكُمُ التِي عَمِلْتُمُوهَا فِي الدُّنْيا، إِنْ خَيْراً فَخَيْراً، وَإِنْ شَراً فَشَرّاً؟ وَيَقْصِدُونَ بِالرَّجُلِ محَمَّداً (صلى الله عليه وسلم).

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ..} [سبأ: 7] معلوم أن القول يحتاج إلى قائل، وإلى مقُول له، القائل هم الذين كفروا، قالوا: لمن؟ قالوا بعضهم لبعض وهم يتسامرون، أو قال المتبوع منهم لتابعه الذي يقلده. أما قولهم فهو {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [سبأ: 7]. ويلفت أنظارنا في هذا القول أنهم وصفوا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكلمة (رجل)، وهي نكرة قصدوا بها الاستهزاء والاستنكار والتقليل من شأنه صلى الله عليه وسلم. وهذا في حد ذاته يدل على غبائهم وتغفيلهم، فهم أنفسهم الذين وصفوه بأنه رسول الله حين قالوا كما حكى القرآن عنهم: {أية : لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [المنافقون: 7] فدلَّ ذلك على غبائهم. وهم أيضاً الذين قالوا - لما فَتَر الوحي عن رسول الله - إن ربَّ محمد قلاه، وهذا عجيب منهم، فعند المحنة والسوء يعترفون أن لمحمد رباً. وقولهم {يُنَبِّئُكُمْ ..} [سبأ: 7] من النبأ، ولا يُطلَق إلا على الخبر الهام وليس مطلق الخبر، فمثلاً حين أقول لك: أكلتُ اليوم كذا وكذا، وذهبتُ إلى مكان كذا لا يُعَدُّ هذا نبأ؛ لأنه خبر عادي، أما النبأ فخبر عجيب وهام وعظيم، كما جاء في قول الله تعالى: {أية : عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ * عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلْعَظِيمِ} تفسير : [النبأ: 1-2]. ومعنى {إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ..} [سبأ: 7] التمزيق: إبطال الكل عن أجزائه، وإبعاد الأجزاء بعضها عن بعض، فمثلاً أنا أجلس الآن على كرسي، هذا الكرسي كُلٌّ مكوَّن من أجزاء: خشب ومسامير وغِراء وقطن وقماش .. إلخ، فتمزيق هذا الكل أن أفصل هذه الأجزاء عن بعضها، فينهدم هذا الكل إلى أجزاء. وينبغي هنا أن نُفرِّق بين الكل والكلى: الكل مكوَّن من شيء كثير، لكنه مختلف في الحقيقة، فالخشب غير المسمار غير الغِراء غير القماش، فكل جزء له تكوينه الخاص. أما الكلي فيُطلق على أشياء كثيرة منفصلة، إلا أنها متفقة في الحقيقة، كما نقول مثلاً: إنسان بالنسبة للأفراد شيء كلي؛ لأن الإنسان يُطلق على كل المجموع، بحيث يُقال عن كل فرد: إنسان، إنما في الكل لا أقول الخشب كرسي. هذا هو التمزيق، فماذا أضافت {كُلَّ مُمَزَّقٍ ..} [سبأ: 7]؟ أي: تمزيقاً شديداً يُمزِّق الكل، ويمزِّق الجزء، إذن: التمزيق له مراحل وصور، فمعنى {مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ..} [سبأ: 7] استقصاء لأصغر شيء يصل إليه الممزَّق، وهذا التمزيق نشاهده في تحلل الميت وتفكُّك أجزائه وعناصره، حتى تذهب في الأرض، لا يبقى لها أثر. ومن ذلك قولهم: {أية : وَقَالُوۤاْ أَءِذَا ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ أَءِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ..} تفسير : [السجدة: 10]. فمعنى {أية : ضَلَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ ..} تفسير : [السجدة: 10] أي: ذهبنا فيها وغِبْنا في متاهتها. والتمزيق له أسباب متعددة، فمَنْ يموت ويُدفن تمزِّقه الأرض، ومَنْ يموت محروقاً تمزِّقه النار، وربما تذروه الرياح وتتبعثر ذراته، ومَنْ تأكله الحيوانات والطير .. إلخ. ومع هذا التمزيق والتفتيت والبعثرة تستطيع قدرة الله أنْ تعيد الإنسان من جديد، واقرأ: {أية : قۤ وَٱلْقُرْآنِ ٱلْمَجِيدِ * بَلْ عَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُمْ مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ هَـٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ} تفسير : [ق: 1-3] يستبعدون البعث، فيردّ القرآن عليهم {أية : قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ ٱلأَرْضُ مِنْهُمْ ..} تفسير : [ق: 4] يعني: لا تستعجبوا، فكل ذرة تبعثرتْ نعلمها، ونعلم مكانها، ونقدر على إعادتها {أية : وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} تفسير : [ق: 4] يعني: ليس مجرد علم، إنما علم مُسجَّل محفوظ، لا يناله تغيير ولا تبديل. وقوله: {إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ} [سبأ: 7] الخلق الجديد أن يُعاد الشيء إلى أصل تكوينه، كالذي يقلب البدلة مثلاً فتصير جديدة، لماذا؟ لأنه أعاد تكوينها من جديد. ثم يقول الحق سبحانه: {أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا } على وجه التكذيب والاستهزاء والاستبعاد، وذكر وجه الاستبعاد. أي: قال بعضهم لبعض: { هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } يعنون بذلك الرجل، رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وأنه رجل أتى بما يستغرب منه، حتى صار - بزعمهم - فرجة يتفرجون عليه، وأعجوبة يسخرون منه، وأنه كيف يقول { إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ } بعدما مزقكم البلى، وتفرقت أوصالكم، واضمحلت أعضاؤكم؟!. فهذا الرجل الذي يأتي بذلك، هل { أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا } فتجرأ عليه وقال ما قال، { أَمْ بِهِ جِنَّةٌ } ؟ فلا يستغرب منه، فإن الجنون فنون، وكل هذا منهم، على وجه العناد والظلم، ولقد علموا، أنه أصدق خلق اللّه وأعقلهم، ومن علمهم، أنهم أبدوا وأعادوا في معاداتهم، وبذلوا أنفسهم وأموالهم، في صد الناس عنه، فلو كان كاذبا مجنونا لم ينبغ لكم - يا أهل العقول غير الزاكية - أن تصغوا لما قال، ولا أن تحتفلوا بدعوته، فإن المجنون، لا ينبغي للعاقل أن يلفت إليه نظره، أو يبلغ قوله منه كل مبلغ. ولولا عنادكم وظلمكم، لبادرتم لإجابته، ولبيتم دعوته، ولكن { مَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ } ولهذا قال تعالى: { بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ } ومنهم الذين قالوا تلك المقالة، { فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ } أي: في الشقاء العظيم، والضلال البعيد، الذي ليس بقريب من الصواب، وأي شقاء وضلال، أبلغ من إنكارهم لقدرة اللّه على البعث وتكذيبهم لرسوله الذي جاء به، واستهزائهم به، وجزمهم بأن ما جاءوا به هو الحق، فرأوا الحق باطلا والباطل والضلال حقا وهدى. ثم نبههم على الدليل العقلي، الدال على عدم استبعاد البعث، الذي استبعدوه، وأنهم لو نظروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم، من السماء والأرض فرأوا من قدرة اللّه فيهما، ما يبهر العقول، ومن عظمته ما يذهل العلماء الفحول، وأن خلقهما وعظمتهما وما فيهما من المخلوقات، أعظم من إعادة الناس - بعد موتهم - من قبورهم، فما الحامل لهم، على ذلك التكذيب مع التصديق، بما هو أكبر منه؟ نعم ذاك خبر غيبي إلى الآن، ما شاهدوه، فلذلك كذبوا به. قال اللّه: { إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ } أي: من العذاب، لأن الأرض والسماء تحت تدبيرنا، فإن أمرناهما لم يستعصيا، فاحذروا إصراركم على تكذيبكم، فنعاقبكم أشد العقوبة. { إِنَّ فِي ذَلِكَ } أي: خلق السماوات والأرض، وما فيهما من المخلوقات { لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ }. فكلما كان العبد أعظم إنابة إلى اللّه، كان انتفاعه بالآيات أعظم، لأن المنيب مقبل إلى ربه، قد توجهت إراداته وهماته لربه، ورجع إليه في كل أمر من أموره، فصار قريبا من ربه، ليس له هم إلا الاشتغال بمرضاته، فيكون نظره للمخلوقات نظر فكرة وعبرة، لا نظر غفلة غير نافعة.

همام الصنعاني

تفسير : 2393- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}: [الآية: 7]، يقول: إذا أَكَلَتْكُم الأرض، وكنتم عظاماً ورفاتاً {إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ}.