Verse. 3614 (AR)

٣٤ - سَبَأ

34 - Saba (AR)

اَفْتَرٰى عَلَي اللہِ كَذِبًا اَمْ بِہٖ جِنَّۃٌ۝۰ۭ بَلِ الَّذِيْنَ لَا يُؤْمِنُوْنَ بِالْاٰخِرَۃِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلٰلِ الْبَعِيْدِ۝۸
Aftara AAala Allahi kathiban am bihi jinnatun bali allatheena la yuminoona bialakhirati fee alAAathabi waalddalali albaAAeedi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أفترى» بفتح الهمزة للاستفهام واستغني بها عن همزة الوصل «على الله كذبا» في ذلك «أم به جنة» جنون تخيل به ذلك قال تعالى: «بل الذين لا يؤمنون بالآخرة» المشتملة على البعث والعذاب «في العذاب» فيها «والضلال البعيد» عن الحق في الدنيا.

8

Tafseer

الرازي

تفسير : هذا يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون تمام قول الذين كفروا أولاً أعني هو من كلام من قال: {هَلْ نَدُلُّكُمْ } ويحتمل أن يكون من كلام السامع المجيب لمن قال: {هَلْ نَدُلُّكُمْ } كأن السامع لما سمع قول القائل: {هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ } قال له: أهو يفتري على الله كذباً؟ إن كان يعتقد خلافه، أم به جنة [أي] جنون؟ إن كان لا يعتقد خلافه وفي هذا لطيفة: وهي أن الكافر لا يرضى بأن يظهر كذبه، ولهذا قسم ولم يجزم بأنه مفتر، بل قال مفتر أو مجنون، احترازاً من أن يقول قائل كيف يقول بأنه مفتر، مع أنه جائز أن يظن أن الحق ذلك فظن الصدق يمنع تسمية القائل مفترياً وكاذباً في بعض المواضع، ألا ترى أن من يقول جاء زيد، فإذا تبين أنه لم يجىء وقيل له كذبت، يقول ما كذبت، وإنما سمعت من فلان أنه جاء، فظننت أنه صادق فيدفع الكذب عن نفسه بالظن، فهم احترزوا عن تبين كذبهم، فكل عاقل ينبغي أن يحترز عن ظهور كذبه عند الناس، ولا يكون العاقل أدنى درجة من الكافر، ثم إنه تعالى أجابهم مرة أخرى وقال: {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ فِى ٱلْعَذَابِ } في مقابلة قولهم: {ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } وقوله: {وَٱلضَّلَـٰلِ ٱلْبَعِيدِ } في مقابلة قولهم: {بِهِ جِنَّةٌ } وكلاهما مناسب. أما العذاب فلأن نسبة الكذب إلى الصادق مؤذية، لأنه شهادة عليه بأنه يستحق العذاب فجعل العذاب عليهم حيث نسبوه إلى الكذب. وأما الجنون فلأن نسبة الجنون إلى العاقل دونه في الإيذاء، لأنه لا يشهد عليه بأنه يعذب، ولكن ينسبه إلى عدم الهداية فبين أنهم هم الضالون، ثم وصف ضلالهم بالبعد، لأن من يسمي المهتدي ضالاً يكون هو الضال، فمن يسمي الهادي ضالاً يكون أضل، والنبـي عليه الصلاة والسلام كان هادي كل مهتد.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} لما دخلت ألف الاستفهام استغنيت عن ألف الوصل فحذفتها، وكان فتح ألف الاستفهام فرقاً بينها وبين ألف الوصل. وقد مضى هذا في سورة «مريم» عند قوله تعالى: {أية : أَطَّلَعَ ٱلْغَيْبَ} تفسير : [مريم: 78] مستوفًى. {أَم بِهِ جِنَّةٌ} هذا مردود على ما تقدّم من قول المشركين، والمعنى: قال المشركون «أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً». والافتراء الاختلاق. «أَمْ بِهِ جِنَّةٌ» أي جنون، فهو يتكلم بما لا يدري. ثم ردّ عليهم فقال: {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ فِي ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ} أي ليس الأمر كما قالوا، بل هو أصدق الصادقين، ومن ينكر البعث فهو غداً في العذاب، واليوم في الضلال عن الصواب؛ إذ صاروا إلى تعجيز الإلٰه ونسبة الافتراء إلى من أيده الله بالمعجزات.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَفْتَرَىٰ } بفتح الهمزة للاستفهام واستغنى بها عن همزة الوصل {عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } في ذلك {أَم بِهِ جِنَّةٌ } جنون تخيل به ذلك، قال تعالى: {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ } المشتملة على البعث والعذاب {فِى ٱلْعَذَابِ } فيها {وَٱلضَّلَٰلِ ٱلْبَعِيدِ } عن الحق في الدنيا.

ابو السعود

تفسير : {ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا} فيما قاله {أَم بِهِ جِنَّةٌ} أي جنونٌ يوهمه ذلك ويُلقيه على لسانِه. والاستدلالُ بهذا التَّرديدِ على أنَّ بـين الصِّدقِ والكذب واسطةً هو ما لا يكون من الإخبار عن بصيرةٍ بـين الفساد لظهور كون الافتراء أخصَّ من الكذبِ {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ فِى ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلَـٰلِ ٱلْبَعِيدِ} جوابٌ من جهة الله تعالى عن ترديدِهم الوارد على طريقةِ الاستفهامِ بالإضرابِ عن شقَّيهِ وإبطالِهما وإثباتِ قسمٍ ثالثٍ كاشفٍ عن حقيقةِ الحال ناعٍ عليهم سوءَ حالهم وابتلاءهم بما قالُوا في حقِّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ كأنَّه قيل: ليس الأمرُ كما زعمُوا بل هم في كمال اختلال العقل وغاية الضَّلالِ عن الفهم والإدراك الذي هو الجنون حقيقةً وفيما يؤدِّي إليه ذلك من العذابِ ولذلك يقولون ما يقولون. وتقديمُ العذاب على ما يُوجبه ويستتبعه للمسارعةِ إلى بـيانِ ما يسوؤُهم ويفتُّ في أعضادِهم والإشعارِ بغاية سُرعة ترتُّبِه عليه كأنَّه يُسابقه فيسبقه. ووصفُ الضَّلالِ بالبُعد الذي هو وصف الضَّالِ للمبالغة. ووضعُ الموصولِ موضعَ ضميرِهم للتَّنبـيهِ بما في حيِّزِ الصِّلةِ على أنَّ علَّةَ ما ارتكبُوه واجترؤا عليه من الشَّناعةِ الفظيعةِ كفرُهم بالآخرة وما فيها من فنون العقاب، ولولاه لما فعلُوا ذلك خوفاً من غائلتِه وقوله تعالى {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ} استئنافٌ مسوق لتهويلِ ما اجترؤا عليه من تكذيبِ آياتِ الله تعالى واستعظامِ ما قالُوا في حقِّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّه من العظائمِ الموجبة لنزول أشدِّ العقاب وحلول أفظع العذاب من غير ريثٍ وتأخير. والفاءُ للعطفِ على مقدَّرٍ يقتضيه المقامُ وقوله تعالى {إِن نَّشَأْ} الخ، بـيانٌ لما يُنبىءُ عنه ذكرُ إحاطتِهما بهم من المحذورِ المتوقَّعِ من جهتهما وفيه تنبـيهٌ على أنَّه لم يبقَ من أسباب وقوعِه إلا تعلُّقُ المشيئةِ به أي فعلُوا ما فعلُوا من المنكر الهائلِ المستتبع للعُقوبة فلم ينظروا إلى ما أحاطَ بهم من جميع جوانبهم بحيثُ لا مفرَّ لهم عنه ولا محيصَ إنْ نَشَأْ جرياً على موجب جناياتِهم {نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ} كما خسفناها بقارونَ {أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً} أي قِطعاً {مّنَ ٱلسَّمَاء} كما أسقطناها على أصحابِ الأَيْكةِ لاستيجابهم ذلك بما ارتكبُوه من الجرائم. وقيل: هو تذكيرٌ بما يُعاينونَهُ ممَّا يدلُّ على كمال قُدرتِه وما يحتمل فيه إزاحة لاستحالتِهم البعث حتى جعلُوه افتراء وهُزؤاً وتهديداً عليها، والمعنى أعمُوا فلم ينظروا إلى ما أحاطَ بجوانبهم من السَّماءِ والأرضِ ولم يتفكَّروا أهمْ أشدُّ خلقاً أم هي وإنْ نَشَأْ نخسف بهم الأرض أو نُسقط عليهم كِسفاً لتكذيبِهم بالآياتِ بعد ظهورِ البـيِّنات فتأمَّلْ وكن على الحقِّ المُبـين. وقُرىء يَخسف ويَسقط بالياء لقوله تعالى: {ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ} وكِسْفاً بسكون السِّينِ {إِنَّ فِى ذَلِكَ} أي فيما ذُكر من السَّماء والأرضِ من حيث إحاطتُهما بالنَّاظرِ من جميع الجوانب أو فيما تُلي من الوحيِ النَّاطقِ بما ذُكر {لآيَةً} واضحةً {لّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} شأنُه الإنابةُ إلى ربِّه فإنه إذا تأمَّلَ فيهما أو في الوحيِ المذكورِ ينزجرُ عن تعاطي القبائحِ وينيبُ إليه تعالى وفيه حثٌّ بليغٌ على التَّوبةِ والإنابة وقد أكدَّ ذلك بقولِه تعالى:

اسماعيل حقي

تفسير : {افترى على الله كذبا} فيما قاله وهذا ايضا من كلام الكفار واصل افترى أافترى بهمزة الاستفهام المفتوحة الداخلة على همزة الوصل المكسورة للانكار والتعجب فحذفت همزة الوصل تخفيفا مع عدم اللبس. والفرق بين الافتراء والكذب ان الافتراء هو افتعال الكذب من قول نفسه والكذب قد يكون على وجه التقليد للغير فيه ومعنى الافتراء بالفارسية [دروغ بافتن] اى اختلق محمد على الله كذبا {ام به جنة} [يا بدو جنونى هست] اى جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه من غير قصد والجنون حائل بين النفس والعقل وهذا حصر للخبر الكاذب بزعمهم فى نوعيه وهما الكذب على عمد وهو المعنىّ بالافتراء والكذب لا عن عمد وهو المعنّى بالجنون فيكون معنى ام به جنة ام لم يفتر فعبر عن عدم الافتراء بالجنة لان المجنون لا افتراء له لان الكذب عن عند ولا عمد للمجنون فالاخبار حال الجنة قسيم للافتراء الاخص لا الكذب الاعمم ثم اجاب الله عن ترديدهم فقال {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة} اى ليس محمد من الافتراء والجنون فى شئ كما زعموا وهو مبرأ منهما بل هؤلاء القائلون الكافرون بالحشر والنشر واقعون {فى العذاب} فى الآخرة {والضلال البعيد} فى الدنيا اى البعيد عن الصواب والهدى بحيث لا يرجى الخلاص منه ووصف الضلال بالبعد على الاسناد المجازى للمبالغة اذ هو فى الاصل وصف الضال لانه الذى يتباعد عن المنهاج المستقيم وكلما ازداد بعدا عنه كان اضل وتقديم العذاب على ما يوجبه ويؤدى اليه وهو الضلال للمسارعة الى بيان ما يسوؤهم وجعل العذاب والضلال محيطين بهم احاطة الظرف بالمظروف لان اسباب العذاب معهم فكأنهم فى وسطه ووضع الموصول موضع ضميرهم للتنبيه على ان علة ما اجترأوا عليه كفرهم بالآخرة وما فيها فنون العقاب ولولاه لما فعلوا ذلك خوفا من غائلته. وحاصل الآية اثبات الجنون الحقيقى لهم فان الغفلة عن الوقوع فى العذاب وعن الضلال الموجب لذلك جنون اى جنون واختلال عقل أى اختلال اذ لو كان فهمهم وادراكهم تاما وكاملا لفهموا حقيقة الحال ولما اجترأوا على سوء المقال. قال بعض الكبار كما ان الطفل الصغير يسبى الى بعض البلاد فينسى وطنه الاصلى بحيث لو ذكر به لم يتذكر كذلك نفس الانسان القاسى قلبه ان ذكر بالآخرة وهو وطنه الاصلى لم يتذكر ويكفر به ويقول مستهزئا ما يقول ولا يتفكر ان اجزاءه كانت متفرقة حين كان هو ذرة اخرجت من صلب آدم كيف جمع الله ذرات شخصه المتفرقة وجعلها خلقا جديدا كذلك يجمع الله اجزاءه المتفرقة للبعث شعر : بامرش وجود از عدم نقش بست كه داند جزاو كردن ازنيست هست دكر ره بكتم عدم در برد وزانجا بصحراى محشر برد دهد روح كر تربت آدمى شود تربت آدم دران يكدمى كسى كو بخواهد نظير نشور بكو در نكر سبزه را در ظهور كه بعد خزان بشكفد جند كل بجوشد زمين در بهاران جومل

الجنابذي

تفسير : {أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} فى نسبة ذلك الى الله او فى ادّعاء الرّسالة من الله {أَم بِهِ جِنَّةٌ} اى جنون لا يقول ما يقول عن قصدٍ وشعورٍ {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ} وضع الظّاهر موضع المضمر اشعاراً بعلّة الحكم {فِي ٱلْعَذَابِ} الّذى جعلهم كالمجنون فى عدم الاعتناء بقولهم {وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ} نسبة البعد الى الضّلال مجاز عقلىّ يعنى انّهم مفترون وانّهم كالمجنون لا الرّسول.

الهواري

تفسير : {أَفْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ} أي: جنون. قال الله: {بَلِ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالأَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ} أي: في الآخرة {وَالضَّلاَلِ} أي: في الدنيا {البَعِيدِ} الذي لا يصيبون منه خيراً في الدنيا ولا في الآخرة. وقال بعضهم: البعيد من الهدى. وقال بعضهم: (الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ) أي: الشقاء الطويل. قال الله: {أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم} أي: حيثما قام الإِنسان فإن بين يديه من السماء والأرض مثل ما خلفه منها. {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السَّمَآءِ} والكسف: القطعة. والكسف مذكر؛ والقطعة مؤنثة، والمعنى على القطعة. قال: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً} أي: لعبرة {لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ}. وهو المقبل إلى الله بالإِخلاص له. قوله: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً} يعني النبوة {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} أي: سبّحي معه {وَالطَّيْرَ}. وهو قوله: (أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ)تفسير : [الأنبياء: 79]. قال: {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} ألانه الله له، فكان يعمل بلا نار ولا مطرقة بأصابعه الثلاث كهيئة الطين بيده {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ} وهي الدروع {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} أي: لا تعظم المسمار وتصغر الحلقة فتنقسم الحلقة، ولا تعظّم الحلقة وتصغر المسمار فينكسر المسمار. وبلغنا أن لقمان حضر داوود عند أول درع عملها، فجعل يتفكر فيما يريد بها ولا يدري ما يريد بها. فلم يسأله؛ حتى إذا فرغ منها داوود قام فلبسها فقال لقمان: الصمت حكمة، وقليل فاعله. قال: {وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي: لا يغيب عن الله من أعمالهم شيء.

اطفيش

تفسير : {افترى} اقترح ما لم يكن وان قلت افترى ماض خماسي فهمزته وصلا لا تثبت في الدرج وان اثبتت فحقها الكسر لا الفتح قلت همزة الوصل محذوفة لصيرورتها بهمزة في الدرج والهمزة المفتوحة همزة الاستفهام وتقلب همزة ال الفا وتسهل اذا دخلت عليها همزة الاستفهام. {على الله} في ذلك. {كذبا} مفعول به لافترى اي اقترح كذبا اي شيئا مكذوبا فيه لم يكن او مفعول مطلق. {أم به} فيه. {جنة} جنون تحيل به ذلك قلت ظاهر هذا انه لا يسمى الكلام الذي هو على خلاف الواقع كذبا الا ان كان على العمد بدليل مقابلة الكذب بالجنون الذي هو من تكلم في حالة غير معتمد او متعمد ما لم يصح مثلا معتقداته صحيح ولذلك جعل الجنون قسيما للافتراء ومضاددا له حتى كأنه قل افترى ام لم يفتر فعبر عن عدم الافتراء بالجنون وقد اختلفوا في الصدق والكذب فقال الجاحظ الصدق مطابقة الخبر للواقع مع اعتقادهما والكذب عدم مطابقته للواقع مع اعتقاد عدمهما في من الخير عنده ما ليس صدقا ولا كذبا وهو اربعة الاول المطابقة مع اعتقاد عدمها والثاني المطابقة مع عدم اعتقاد الثالث عدمها مع اعتقاد ثبوتها الرابعة عدمها مع عدم اعتقاد عدمها ولا ثبوتها واستدل بهذه الآية لأن القضية مانعة الخلو اما مفترى واما مخبر حال الجنون حاشاه عن ذلك كله فالأخبار حال الجنون غير الافتراء لانهم جعلوه قسيما للافتراء وقسيم الشيء غيره كما سلمناه والأخبار حال الجنون غير صدق لاعتقادهم عدم الصدق ولو كان مقوله صلى الله عليه وسلم صدقا في نفس الأمر ويرده ان معنى قولهم ام به جنة ام لم يفتر فعبروا عن عدم الافتراء بالجنون لأن المجنون لا يصدق عليه انه مفتر لان الافتراء الكذب عن عمد ولا عمد له وربما تعمد لكن يعتقد انه ما قال الا شيئا صحيحا وقولهم ام به جنة ليس قسيما للكذب بل لما هو اخص وهو الافتراء لان المعنى ام لم يفتر والافتراء الكذب عن عمد فذلك حصر للخبر الكاذب في زعمهم الكاسد في نوعي الكذب الكذب عن عمد والكذب لا عن عمد كذا قيل وقال النظام الصدق مطابقة الخبر لاعتقاد المخبر ولو كان اعتقاده خطأ والكذب عدم مطابقة الخبر لاعتقاد المخبر ولو كان خطأ فقوله الأرض فوقنا صدق ان اعتقد انها فوقنا مع اعتقاده أن هذا خطأ وقوله الأرض تحتنا كذب ان اعتقد انها فوقنا واستدل بقوله سبحانه وتعالى {أية : إن المنافقين لكاذبون} تفسير : وقد اخبرنا الله سبحانه وتعالى بأن المنافقين كاذبون في خبرهم وهو قولهم انك لرسول الله لان كونه رسولا ولو كان صادقا لكن لم تعتقده قلوبهم انه رسول ويرده ان التكذيب راجع الى ما يوهمه قولهم انك رسول الله من انهم معتقدون رسالته حتى كأنهم قالوا انا نقر لك عن قلوبنا انك رسول الله فرد الله عليهم بأنهم كاذبون ليس ذلك الاقرار عن قلوبهم انما هو في السنتهم فقط او راجع الى ما يعتقدون من ان قولهم انك رسول الله غير مطابق للواقع فكذبهم الله بأنه مطابق او راجع خلف المنافقين وزعمهم انهم لم يقولوا لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا وهذه الأوجه التي ذكرتها صحاح والحمد لله لا يجد القزويني ولا السعد ولا السيد انكارها لاني قد تجنبت ما به ردوا على الغير يظهر لك هذا ان لم يختلط عليك قول بآخر. وقال الجمهور: الصدق مطابقة الخبر للواقع الماضي او الآتي والكذب عدمها فقولك زيد قائم صدق ان كان قائما وقولك لم يقم صدق ان كان غير قائم وكذب ان كان قائما ولا يخفى انه لا واقع للانشاء لا ماض ولا آت فان قولك اي قم يفيد ان القيام قد وقع ولا انه قد يقع بل يفيد طلب القيام فان حصل القيام بعد فليس مدلولا عليه بقم ولكنه امتثال لقولك قم واذا قلت لعبدك انت حر فليس قولك له انت حر مقيدا انه كان حرا فيما مضى ولا انه سيكون حرا بل يفيد ايجاد التحرير في الحال مع النطق لا قبل ولا بعد. {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد} بل للاضراب الابطالي كأنه قال هو لا مفتر ولا مجنون وانما البشاعة والفضاعة والخسة لهم وهي عذاب النار وهي الضلال البعيد عن الحق حتى لا ترجى رجوعهم اليه ومع هذا هم غافلون وهذا أجن جنون واعتقاد صوابيته اشد خطأ وافتراء والعذاب انما هو يوم القيامة والضلال في الدنيا ولكن قرنهما وجعلهما كأنهما في وقت واحد لان الضلال ليس سبب العذاب وملزومه وقدم العذاب في اللفظ اعتناء بمواجهتهم به قبل كل شيء لشدة استحقاقهم ولو كان حق المسبب التأخير عن السبب في مجرد الذكر لهما سردا وقد يستدل بالآية مجيز الجمع بين الحقيقة والمجاز او مجيز الجمع بين معنى كلمة وذلك انك اما ان تقدر ثابتون للاستقبال او يثبتون بالنظر للعذاب وتنوي بهما المضي او الحال او الاستمرار في جانب الضلال واما ان تقدر ثابتون او ثبتوا كليهما للمضي نظرا لجانب الضلال او ثابتون للحال او الاستمرار وتنوي بهما الاستقبال في جانب العذاب والوجه الأول اولى لتقدم العذاب وقد يقدر للفظ الاستقبال للعذاب ويقدر لفظ المضي او الحال والاستمرار للضلال اي واثبتوا في الضلال حذفت الجملة وحذفت في وبقي عملها لذكر مثلها كذا ظهر لي والبعد صفة لمن ضل وانما وصف به الضلال مبالغة وذلك تجوز في الاسناد كقولك جد جده وصام صيامه اذا رفعت الجد والصيام مبالغة في جده وصيامه حتى كان اجتهاده اجتهد وصيامه صام. والصيام مبالغة في جده وصيامه حتى كان اجتهاده اجتهد وصيامه صام.

اطفيش

تفسير : {أفْترى على الله كذبا أم به جِنَّةٌ} هذا من كلام بعض لبعض، فهو من جلمة ما حكى بقوله: "أية : وقال الذين كفروا" تفسير : [سبأ: 7] ويجوز أن يكون كلام سامع مجيب لمن قال: "أية : هل ندلكم"تفسير : [سبأ: 7] والهمزة مفتوحة ثابتة للاستفهام وهمزة الوصل المكسورة محذوفة لفظا خطا، والمعنى أكذب على الله، فأخبر بثبوت البعث عمدا، أم لم يكذب أى لم يخبر به عمدا، بل أخبر به لجنون فيه ولا عمد له، وأخطأ وما وافق الواقع، أو خالفه بلا عمد صدقا، ولا كذبا، وما وافقه بعمد صدق أو خالفه بعمد كذب، والبسط فى المعانى، وقد يطلق الصدق على الموافقة، والكذب على المخالفة بلا عمد، وليس قوله: "أم به جنَّة" أى جنون قسيما لقولهم: {افترى} إلا باعتبار اللزوم، لزوم العمد للافتراء، ولزوم عدمه للجنون، وأم متصلة، والمعنى أتعمد الخطأ أم لم يتعمده، وقيل: منقطعة للاضراب الإبطالى بلا همزة أى بل به جنون عدولا عن الافتراء الى ما هو أغلظ وهو الجنة، فان الجنون خروج عن العقل، والمفترى عاقل، والعاقل أفضل من المجنون فى العرف. {بل الَّذين لا يُؤمنون بالآخِرة} للقضاء عليهم بالشقوة {في العَذاب والضلال البَعِيد} إبطال لدعوى الافتراء، ولدعوى الجنون، واثبات للانتقام منهم على ذلك بالعذاب الأخروى الدائم واخبار بأنهم فى ضلال بعيد عن الحق، وقدم العذاب على سببه الذى هو الضلال البعيد مسارعة الى ما يسوءهم، وإشارة الى أنه مسارع إليهم، والثبوت المقدر الذى تعلق به فى العذاب مستعمل فى الزمان المستمر، وهو زمان الضلال، وفى الزمان المستقبل، وهو زمان العذاب، فيكون ثابت أو ثبت، مستعملا فى الاستمرار والاستقبال استعمالا للكلمة فى معنيين.

الالوسي

تفسير : {أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } فيما ينسب إليه من أمر البعث {أَم بِهِ جِنَّةٌ } أي جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه، واستدل به أبو عمرو الجاحظ على ما ذهب إليه من أن صدق الخبر مطابقته للواقع مع الاعتقاد وكذبه عدمها معه وغيرهما ليس بصدق ولا كذب، وذلك أن الكفار وهم عقلاء من أهل اللسان عارفون باللغة حصروا أخبار النبـي صلى الله عليه وسلم بالبعث في الافتراء والاخبار حال الجنة على سبيل منع الخلو بالمعنى الأعم ولا شك أن المراد بالثاني غير الكذب لأنه قسيمه وغير الصدق لأنهم اعتقدوا عدمه، وأيضاً لا دلالة لقولهم {أَم بِهِ جِنَّةٌ } على معنى أم صدق بوجه من الوجوه فيجب أن يكون بعض الخبر ما ليس بصادق ولا كاذب ليكون ذلك منه بزعمهم وإن كان صادقاً في نفس الأمر، وتوضيحه أن ظاهر كلامهم هذا يدل على طلب تعيين أحد حالي النبـي صلى الله عليه وسلم المستويين في اعتقاد المتكلم حين الإخبار بالبعث وهو يستلزم تعيين أحد حالي الخبر والاستفهام هٰهنا للتقرير فيفيد ثبوت أحد الحالين للخبر ولا شك أن ثبوت أحدهما لا يثبت الواسطة ما لم يعتبر تنافيهما وكذا تنافيهما في الجمع لا يثبتها بل لا بد من تنافيهما في الارتفاع يعني أن خبره عليه الصلاة والسلام بالبعث لا يخلو عن أحد الأمرين المتنافيين فيكون المراد بالثاني ما هو مناف وقسيم للأول ومعلوم أنه غير الصدق فليس الصدق عبارة عن مطابقة الواقع فقط والكذب عن عدم المطابقة له كما يقول الجمهور أو عن مطابقة الاعتقاد له وعدم مطابقته له كما يقول النظام فيكونان عبارتين عن مطابقتهما وعدم مطابقتهما وتثبت الواسطة. وأجيب بأن معنى {أَم بِهِ جِنَّةٌ } أم لم يفتر فعبر عن عدم الافتراء بالجنة لأن المجنون يلزمه أن لا افتراء له كما دل عليه نقل الأئمة واستعمال العرب الكذب عن عمد ولا عمد للمجنون فالثاني ليس قسيماً للكذب بل لما هو أخص منه أعني الافتراء فيكون ذلك حصراً للخبر الكاذب بزعمهم في نوعيه الكذب عن عمد والكذب لا عن عمد ولو سلم أن الافتراء بمعنى الكذب مطلقاً فالمعنى الافتراء أقصد الافتراء أي الكذب أم لم يقصد بل كذب بلا قصد لما به من الجنة. وقيل: المعنى افترى أم لم يفتر بل به جنون وكلام المجنون ليس بخبر لأنه لا قصد له يعتد به ولا شعور فيكون مرادهم حصره في جنونه خبراً كاذباً أو ليس بخبر فلا يثبت خبر لا يكون صادقاً ولا كاذباً، ونوقش فيه كما لا يخفى على من راجع كتب المعاني. بقي هٰهنا بحث وهو أن الطيبي أشار إلى أن مبنى الاستدلال كون {أَمْ } متصلة واعترضه بأن الظاهر كونها منقطعة أما لفظاً فلاختلاف مدخول الهمزة وأم وأما معنى فلأن الكفرة المعاندين لما أخرجوا قولهم {أية : هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ}تفسير : [سبأ: 7] مخرج الظن والسخرية متجاهلين برسول الله صلى الله عليه وسلم وبكلامه من إثبات الحشر والنشر وعقبوه بقولهم {أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } أضربوا عنه إلى ما هو أبلغ منه ترقياً من الأهون إلى الأغلظ من نسبة الجنون إليه وحاشاه صلى الله عليه وسلم فكأنهم قالوا: دعوا حديث الافتراء فإن هٰهنا ما هو أطم منه لأن العاقل كيف يحدث بإنشاء خلق جديد بعد الرفات والتراب، ولما كان التعويل على ما بعد الإضراب من إثبات الجنون أوقع الإضراب الثاني في كلامه تعالى رداً لقولهم ونفياً للجنون عنه صلوات الله / تعالى وسلامه عليه وإثباتاً له فيهم إلى آخر ما قال. ولم يرتض ذلك صاحب «الكشف» فقال في كلام «الكشاف» إشارة إلى أن (أم) متصلة وفائدة العدول عن الفعل في جن إيماء إلى أن الثابت هو ذلك الشق كأنه قيل: أعن افتراء هذا الكذب العجاب أم جنون، والتقابل لأن المجنون لا افتراء له فالاستدلال على الانقطاع بتخالف العديلين ساقط؛ وأما الترقي في الاتصال أيضاً على ما لوح إليه بوجه ألطف اهـ. وأنت تعلم أن ظاهر الاستدلال يقتضي الاتصال لكن قال الخفاجي: إن كون الاستدلال مبنياً على الاتصال غير مسلم فتأمل، والظاهر أفترى على الله كذباً أم به جنة من قول بعضهم لبعض. وفي «البحر» يحتمل أن يكون من كلام السامع المجيب لمن قال {أية : هَلْ نَدُلُّكُمْ} تفسير : [سبأ: 7] ردد بين شيئين ولم يجزم بأحدهما لما في كل من الفظاعة. {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلأَخِرَةِ فِى ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلَـٰلِ ٱلْبَعِيدِ} إبطال من جهته تعالى لما قالوا بقسيميه وإثبت ما هو أشد وأفظع لهم ولذا وضع {ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} موضع الضمير توبيخاً لهم وإيماء إلى سبب الحكم بما بعده كأنه قيل: ليس الأمر كما زعموا بل هم في كمال اختلال العقل وغاية الضلال عن الفهم والإدراك الذي هو الجنون حقيقة وفيما يؤدي إليه ذلك من العذاب حيث أنكروا حكمة الله تعالى في خلق العالم وكذبوه عز وجل في وعده ووعيده وتعرضوا لسخطه سبحانه. وتقديم العذاب على ما يوجبه ويستتبعه للمسارعة إلى بيان ما يسوءهم ويفت في أعضادهم والإشعار بغاية سرعة ترتبه عليه كأنه يسابقه فيسبقه، ووصف الضلال بالبعيد الذي هو وصف الضال للمبالغة لأن ضلالهم إذا كان بعيداً في نفسه فكيف بهم أنفسهم.

د. أسعد حومد

تفسير : {بِٱلآخِرَةِ} {وَٱلضَّلاَلِ} (8) - وَهذا قَوْلٌ لاَ يَقُولُهُ إِلا رَجُلٌ تَعمَّدَ الافْتِراءَ عَلَى اللهِ، وَالزَّعْمَ بِأَنَّ اللهَ أَوْحَى إِليهِ ذَلِكَ، أَوْ رَجُلٌ مَجْنُونٌ مَعْتُوهٌ، قَدِ اخْتَلَّ عَقْلُهُ، فَصَارَ يَتَكَلَّمُ بِمَا يَتَخَيَّلُهُ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالَى عَلَى هؤُلاَءِ المُكَذِّبِينَ قَائِلاً: إِنَّ الأَمْرَ لَيْسَ كَمَا زَعَمُوا وَتَوهَّمُوا، وَقَدَّرُوا، فَمُحَمَّدٌ ليسَ مُفْتَرِياً، وَلا مَجْنُوناً، وَإِنَّما هُو البَرُّ الرَّشِيدُ، الذِي جَاءَ بِالحَقِّ مِنْ عِنْدِ رَبِّهَ، وَإِنَّهُمْ هُمُ الكَاذِبُونَ الجُهَلاَءُ، المُوغِلُونَ فِي الكُفِرِ والضَّلاَلَةِ، وَهذا مَا سَيُؤَدِّي بِهِمْ إِلى عَذَابِ اللهِ فِي الآخِرَةِ. بَهِ جِنَّةٌ - بِهِ جُنُونٌ يُوهِمُهُ مَا يَقُولُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا القول كسابقه يحتاج إلى قائل ومقول له، ويصح أنْ يكون قائله هو القائل الأول الذي قال {أية : هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ ..} تفسير : [سبأ: 7] ويصح أن يكون الآخر الذى سمع القائل الأول فردَّ عليه: {أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ ..} [سبأ: 8]. معنى {أَفْتَرَىٰ ..} [سبأ: 8] من الافتراء، وهو تعمُّد الكذب {أَم بِهِ جِنَّةٌ ..} [سبأ: 8] أي: جنون يعني: كلامه هراء، لا وزن له، ولا يُقال له صدق ولا كذب. لكن لماذا اتهموا رسول الله بأن به جِنَّة بعد أن اتهموه بالكذب والافتراء؟ قالوا: لأن هذا اتهام كذب، والكاذب دائماً يخاف أنْ يُفتضح أمره، وينكشف كذبه؛ لذلك يحاول أنْ يجعل لنفسه مخرجاً حين يثبت كذبه، فقالوا: {أَفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ ..} [سبأ: 8] فإذا ما ثبت صدق رسول الله، وأنه ليس كاذباً ولا مفترياً وجد المتهم له مخرجاً فقال: والله أنا لا أدري أهو مُفْتر أم به جِنَّة، وما دام ثبتَ صِدْقه، فهو به جِنَّة. وعجيب أن يصف كفار مكة رسول الله بالكذب والافتراء على الله، وهو واحد منهم، ما عرفوا عنه إلا أنه الصادق الأمين، وما جرَّبوا عليه كذباً قط، وما رأوْه يوماً خطيباً ولا شاعراً، وهم أهل الفصاحة وفرسان الكلمة، لا يَخْفى عليهم تذوُّق اللغة وفَهْم الأساليب العربية، فكان عليهم أنْ يعقلوا أولاً قبل أن يُوجِّهوا لرسول الله هذا الاتهام. ثم، هل تأتي البلاغة؟ وهل يأتي النبوغ بعد سنِّ الأربعين؟ معلوم أن النبوغ يأتي فى أواخر العقد الثانى أو أوائل العقد الثالث من العمر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم لَبِثَ فيهم أربعين سنة قبل أن يُبلِّغهم عن الله كلمة واحدة. لذلك يخاطبهم القرآن، ويجادلهم بالحجة، فيقول على لسان سيدنا رسول الله: {أية : فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [يونس: 16] يعنى: تدبَّروا الأمر واعقلوه، فأنتم أهل البلاغة واللسان الفصيح، ومنكم الخطباء والشعراء ملأوا الدنيا كلاماً، فهل رأيتم مني شيئاً من هذا؟ إذن: الذي قال: {أَم بِهِ جِنَّةٌ ..} [سبأ: 8] احتاط لنفسه، فحين يظهر صِدْق رسول الله يقول هو: أنا قُلْت: إنه إما كاذب، وإما مجنون. ثم يردُّ الحق على هؤلاء: {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ فِي ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ} [سبأ: 8] كلمة (بَلْ) تفيد الإضراب عما قبلها ونفيه ورفضه، ثم إثبات ما بعدها، فهي تنفي أن يكون رسول الله مفترياً، وتنفي أن يكون مجنوناً؛ لأن رسول الله ما جرَّبتُمْ عليه كذباً من قبل، وما رأيتم عليه علامة من علامات الجنون؛ لأن المجنون لا يُحمد على فعل، ولا يُذم على فعل، ولا يُوصَف بصدق ولا كذب، وقد سبق أن مدحتم رسول الله فقلتم عنه "الصادق الأمين". لذلك يقول الحق سبحانه: {أية : نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} تفسير : [القلم: 1-4] وهل يُوصَف المجنون بأنه على خلق عظيم؟ هل يُوصَف المجنون بالأدب أو الوفاء أو غيرها من خصال الخلق الحميد؟ فكيف إذن تصفون رسول الله بالجنون، وقد شهدتم له بسيدة الخصال الحميدة في النفس البشرية وهي الأمانة، وكنتم تأتمنونه على أشيائكم، وتضعونها عنده؟ لذلك خلَّف رسول الله الإمام علياً وراءه بعد أنْ هاجر ليرد الودائع والأمانات إلى أهلها. وبعد أن أبطل الحق سبحانه كذبهم على رسول الله يقرر ما يستحقونه على ذلك من العذاب {بَلِ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱلآخِرَةِ فِي ٱلْعَذَابِ وَٱلضَّلاَلِ ٱلْبَعِيدِ} [سبأ: 8] في العذاب لأنهم اتهموا رسول الله بالكذب والافتراء على الله، ورسول الله لم يكذب، ولم يفْترِ على الله، وهم في الضلال البعيد؛ لأنهم وصفوا رسول الله بالجنون، وهو شيء مُخِلٌّ بتكوينه إنما لم يكذب، إذن: العذاب مقابل الاتهام بالافتراء على الله، والضلال البعيد مقابل اتهامه صلى الله عليه وسلم بالجنون. ثم يقول الحق سبحانه: {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ...}.