Verse. 3615 (AR)

٣٤ - سَبَأ

34 - Saba (AR)

اَفَلَمْ يَرَوْا اِلٰى مَا بَيْنَ اَيْدِيْہِمْ وَمَا خَلْفَہُمْ مِّنَ السَّمَاۗءِ وَالْاَرْضِ۝۰ۭ اِنْ نَّشَاْ نَخْسِفْ بِہِمُ الْاَرْضَ اَوْ نُسْقِطْ عَلَيْہِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاۗءِ۝۰ۭ اِنَّ فِيْ ذٰلِكَ لَاٰيَۃً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيْبٍ۝۹ۧ
Afalam yaraw ila ma bayna aydeehim wama khalfahum mina alssamai waalardi in nasha nakhsif bihimu alarda aw nusqit AAalayhim kisafan mina alssamai inna fee thalika laayatan likulli AAabdin muneebin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«أفلم يروا» ينظروا «إلى ما بين أيديهم وما خلفهم» ما فوقهم وما تحتهم «من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسْفا» بسكون السين وفتحها قِطَعَا «من السماء» وفي قراءة في الأفعال الثلاثة بالياء «إن في ذلك» المرئي «لآيه لكل عبد منيب» راجع إلى ربه تدل على قدرة الله على البعث وما يشاء.

9

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كسفاً من السماء} لما ذكر الدليل بكونه عالم الغيب وكونه جازياً على السيئات والحسنات ذكر دليلاً آخر وذكر فيه تهديداً. أما الدليل فقوله: {مّنَ ٱلسَّمَاء وٱلأَرْضِ } فإنهما يدلان على الوحدانية كما بيناه مراراً، وكما قال تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ } تفسير : [لقمان: 25] ويدلان على الحشر لأنهما يدلان على كمال قدرته ومنها الإعادة، وقد ذكرناه مراراً، وقال تعالى: {أية : أَوَ لَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم } تفسير : [يۤس: 81] وأما التهديد فبقوله: {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلاْرْضَ } يعني نجعل عين نافعهم ضارهم بالخسف والكسف. ثم قال تعالى: {إِنَّ فِى ذَلِكَ لأََيَةً لّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ } أي لكل من يرجع إلى الله ويترك التعصب ثم إن الله تعالى لما ذكر من ينيب من عباده، ذكر منهم من أناب وأصاب ومن جملتهم داود كما قال تعالى عنه: {أية : فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ } تفسير : [صۤ: 24].

القرطبي

تفسير : أعلم الله تعالى أن الذي قدر على خلق السموات والأرض وما فيهن قادر على البعث وعلى تعجيل العقوبة لهم، فاستدلّ بقدرته عليهم، وأن السموات والأرض ملكه، وأنهما محيطتان بهم من كل جانب، فكيف يأمنون الخسف والكسف كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة. وقرأ حمزة والكسائيّ «إِنْ يَشَأْ يَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ يُسْقِطْ» بالياء في الثلاث؛ أي إن يشأ الله أمر الأرض فتنخسف بهم، أو السماء فتسقط عليهم كِسَفاً. الباقون بالنون على التعظيم. وقرأ السُّلَمِيّ وحفص «كِسَفاً» بفتح السين. الباقون بالإسكان. وقد تقدّم بيانه في «سبحان» وغيرها. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً} أي في هذا الذي ذكرناه من قدرتنا «لآية» أي دلالة ظاهرة. {لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} أي تائب رجّاع إلى الله بقلبه. وخص المنيب بالذكر لأنه المنتفع بالفكرة في حجج الله وآياته.

البيضاوي

تفسير : {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مّنَ ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ} تذكير بما يعاينونه مما يدل على كمال قدرة الله وما يحتمل فيه إزاحة لاسَتحالتهم الإِحياء حتى جعلوه افتراء وهزؤاً، وتهديداً عليها والمعنى أعموا فلم ينظروا إلى ما أحاط بجوانبهم من السماء والأرض ولم يتفكروا أهم أشد خلقاً، أم السماء، وإنا {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً}، لتكذيبهم بالآيات بعد ظهور البينات. وقرأ حمزة والكسائي «يَشَإِ» و «يَخْسِفَ» و «يسقط» بالياء لقوله: {فَمَنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ }. والكسائي وحده بإدغام الفاء في الباء وحفص «كِسَفًا» بالتحريك. {إِنَّ فِى ذَلِكَ } النظر والتفكر فيهما وما يدلان عليه. {لآيَةً} لدلالة. {لّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} راجع إلى ربه فإنه يكون كثير التأمل في أمره. {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً} أي على سائر الأنبياء وهو ما ذكر بعد، أو على سائر الناس فيندرج فيه النبوة والكتاب والملك والصوت الحسن. {يٰجِبَالُ أَوِّبِى مَعَهُ} رجعي معه التسبيح أو النوحة على الذنب، وذلك إما بخلق صوت مثل صوته فيها أو بحملها إياه على التسبيح إذا تأمل ما فيها، أو سيري معه حيث سار. وقرىء «أوبي» من الأوب أي ارجعي في التسبيح كلما رجع فيه، وهو بدل من {فَضْلاً } أو من {ءَاتَيْنَا} بإضمار قولنا أو قلنا. {وَٱلطَّيْرَ} عطف على محل الجبال ويؤيده القراءة بالرفع عطفاً على لفظها تشبيهاً للحركة البنائية العارضة بالحركة الإِعرابية أو على {فَضْلاً}، أو مفعول معه لـ {أَوّبِى} وعلى هذا يجوز أن يكون الرفع بالعطف على ضميره وكان الأصل: ولقد آتينا داود منا فضلاً تأويب الجبال والطير، فبدل بهذا النظم لما فيه من الفخامة والدلالة على عظم شأنه وكبرياء سلطانه، حيث جعل الجبال والطيور كالعقلاء المنقادين لأمره في نفاذ مشيئته فيها. {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ} جعلناه في يده كالشمع يصرفه كيف يشاء من غير إحماء وطرق بإِلانته أو بقوته. {أَنِ ٱعْمَلْ} أمرناه أن اعمل فـ {أنِ} مفسرة أو مصدرية. {سَـٰبِغَـٰتٍ} دروعاً واسعات، وقرىء «صابغات» وهو أول من اتخذها. {وَقَدّرْ فِى ٱلسَّرْدِ } وقدر في نسجها بحيث يتناسب حلقها، أو قدر مساميرها فلا تجعلها دقاقاً فتقلق ولا غلاظاً فتنخرق. ورد بأن دروعه لم تكن مسمرة ويؤيده قوله: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ }. {وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً } الضمير فيه لداود وأهله. {إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فأجازيكم عليه. {وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرّيحَ } أي وسخرنا له الريح، وقرىء {ٱلرّيحُ} بالرفع أي ولسليمان الريح مسخرة وقرىء «الرياح». {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } جريها بالغداة مسيرة شهر وبالعشي كذلك، وقرىء «غدوتها» «وروحتها». {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ } النحاس المذاب أساله له من معدنه فنبع منه نبوع الماء من الينبوع، ولذلك سماه عيناً وكان ذلك باليمن. {وَمِنَ ٱلْجِنّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ} عطف على {ٱلرّيحَ} {وَمِنَ ٱلْجِنّ} حال مقدمة، أو جملة {مِنْ } مبتدأ وخبر. {بِإِذْنِ رَبّهِ} بأمره. {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ} ومن يعدل منهم. {عَنْ أَمْرِنَا} عما أمرناه من طاعة سليمان، وقرىء {يَزِغْ} من أزاغه. {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} عذاب الآخرة. {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَـٰرِيبَ} قصور حصينة ومساكن شريفة سميت بها لأنها يذب عنها ويحارب عليها. {وَتَمَـٰثِيَ} وصوراً هي تماثيل للملائكة والأنبياء على ما اعتادوا من العبادات ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم وحرمة التصاوير شرع مجدد. روي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما. {وَجِفَانٍ } وصحاف. {كَٱلْجَوَابِ} كالحياض الكبار جمع جابية من الجباية وهي من الصفات الغالبة كالدابة. {وَقُدُورٍ رسِيَـٰتٍ} ثابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها. {ٱعْمَلُواْ ءالَ دَاوُودَ شَـٰكِراً} حكاية عما قيل لهم {وشكراً} نصب على العلة أي: اعملوا له واعبدوه شكراً، أو المصدر لأن العمل له شكراً أو الوصف له أو الحال أو المفعول به. {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ} المتوفر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته ومع ذلك لا يوفى حقه، لأن توفيقه الشكر نعمة تستدعي شكراً آخر لا إلى نهايته، ولذلك قيل الشكور من يرعى عجزه عن الشكر. {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ} أي على سليمان. {مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ} ما دل الجن وقيل آله. {إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ} أي الأرضة أضيفت إلى فعلها، وقرىء بفتح الراء وهو تأثر الخشبة من فعلها يقال: أرضت الأرضة الخشبة أرضاً فأرضت أرضاً مثل أكلت القوادح الأسنان أكلاً فأكلت أكلاً. {تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} عصاه من نسأت البعير إذا طردته لأنها يطرد بها، وقرىء بفتح الميم وتخفيف الهمزة قلباً وحذفاً على غير قياس إذ القياس إخراجها بين بين، و {منساءته} على مفعالة كميضاءة في ميضاة و {مِنسَأَتَهُ} أي طرف عصاه مستعار من سأة القوس، وفيه لغتان كما في قحة وقحة، وقرأ نافع وأبو عمرو«مِنسَأَتَهُ» بألف بدلاً من الهمزة وابن ذكوان بهمزة ساكنة وحمزة إذا وقف جعلها بين بين. {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ} علمت الجن بعد التباس الأمر عليهم. {أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} أنهم لو كانوا يعلمون الغيب كما يزعمون لعلموا موته حينما وقع فلم يلبثوا حولاً في تسخيره إلى أن خرَّ، أو ظهرت الجن وأن بما في حيزه بدل منه أي ظهر أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب. وذلك أن داود أسس بيت المقدس في موضع فسطاط موسى عليهما الصلاة والسلام فمات قبل تمامه، فوصى به إلى سليمان عليه السلام فاستعمل الجن فيه فلم يتم بعد إذ دنا أجله وأعلم به، فأراد أن يعمي عليهم موته ليتموه فدعاهم فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب، فقام يصلي متكئاً على عصاه فقبض روحه وهو متكىء عليها، فبقي كذلك حتى أكلتها الأرضة فخرَّ ثم فتحوا عنه وأرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت يوماً وليلة مقداراً فحسبوا على ذلك فوجدوه قد مات منذ سنة، وكان عمره ثلاثاً وخمسين سنة وملك وهو ابن ثلاثة عشرة سنة، وابتدأ عمارة بيت المقدس لأربع مضين من ملكه. {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ} لأولاد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، ومنع الصرف عنه ابن كثير وأبو عمرو لأنه صار اسم القبيلة، وعن ابن كثير قلب همزته ألفاً ولعله أخرجه بين بين فلم يؤده الراوي كما وجب. {فِى مَسَـٰكِنِهِمْ } في مواضع سكناهم، وهي باليمن يقال لها مأرب. بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، وقرأ حمزة وحفص بالإِفراد والفتح، والكسائي بالكسر حملاً على ما شذ من القياس كالمسجد والمطلع. {ءَايَةً} علامة دالة على وجود الصانع المختار، وأنه قادر على ما يشاء من الأمور العجيبة مجاز للمحسن والمسيء معاضدة للبرهان السابق كما في قصتي داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام. {جَنَّتَانِ } بدل من {ءايَةً } أو خبر محذوف تقديره الآية جنتان، وقرىء بالنصب على المدح والمراد جماعتان من البساتين. {عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ } جماعة عن يمين بلدهم وجماعة عن شماله كل واحدة منهما في تقاربها وتضامنها كأنها جنة واحدة، أو بستاناً كُلِ رجل منهم عن يمين مسكنه وعن شماله. {كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ} حكاية لما قال لهم نبيهم، أو لسان الحال أو دلالة بأنهم كانوا أحقاء بأن يقال لهم ذلك. {بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} استئناف للدلالة على موجب الشكر، أي هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور فرطات من يشكره. وقرىء الكل بالنصب على المدح. قيل كانت أخصب البلاد وأطيبها لم يكن فيها عاهة ولا هامة.

المحلي و السيوطي

تفسير : {أَفَلَمْ يَرَوْاْ } ينظروا {إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ } ما فوقهم وما تحتهم {مِّنَ ٱلسَّمآءِ وَٱلأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً } بسكون السين وفتحها: قطعة {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ } وفي قراءة في الأفعال الثلاثة بالياء {إِنَّ فِى ذَٰلِكَ } المرئيِّ {لأَيَةً لِّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ } راجع إلى ربه، تدل على قدرة الله على البعث وما يشاء.

ابن عطية

تفسير : الضمير في {يروا} لهؤلاء {أية : الذين لا يؤمنون بالآخرة} تفسير : [سبأ: 8] وقفهم الله تعالى على قدرته وخوفهم من إحاطتها بهم، المعنى أليس يرون أمامهم ووراءهم سمائي وأرضي لا سبيل لهم إلى فقد ذلك عن أبصارهم، ولا عدم إحاطته بهم، وقرأ الجمهور "إن نشأ نخسف" و"نسقط" بالنون في الثلاثة وقرأ حمزة والكسائي "إن يشأ يخسف بهم أو يسقط" بالياء في الثلاثة وهي قراءة ابن وثاب وابن مصرف والأعمش وعيسى واختارها أبو عبيد، و"خسف الأرض" هو إهواؤها بهم وتهورها وغرقهم فيها، و"الكسف" قيل هو مفرد اسم القطعة، وقيل هو جمع كسفة جمعها على حد تمرة وتمر ومشهور جمعها كسف كسدرة وسدر وأدغم الكسائي الفاء في الباء في قوله {نخسف بهم} قال أبو علي وذلك لا يجوز لأن الباء أضعف في الصوت من الفاء فلا تدغم فيها وإن كان الباء تدغم في الفاء كقوله اضرب فلاناً، وهذا كما تدغم الباء في الميم كقوله "اضرب محمداً" ولا تدغم الميم في الباء كقولك اضمم بكراً، لأن الباء انحطت عن الميم بفقد الغنة التي في الميم، والإشارة بقوله تعالى في ذلك إلى إحاطة السماء بالمرء ومماسة الأرض له على كل حال، و"المنيب" الراجع التائب، ثم ذكر تعالى نعمته على داود وسليمان احتجاجاً على ما منح محمداً، أي لا تستبعدوا هذا فقد تفضلنا على عبدنا قديماً بكذا وكذا، فلما فرغ التمثيل لمحمد صلى الله عليه وسلم رجع التمثيل لهم بسبأ وما كان من هلاكهم بالفكر والعتو، والمعنى قلنا {يا جبال}، و {أوبي} معناه ارجعي معه لأنه مضاعف آب يؤوب، فقال ابن عباس وقتادة وابن زيد وغيرهم معناه سبحي معه أي يسبح هو وترجع هي معه التسبيح، أي ترده بالذكر ثم ضوعف الفعل للمبالغة، وقيل معناه سيري معه لأن التأويب سير النهار كان الإنسان يسير بالليل ثم يرجع السير بالنهار أي يردده فكأنه يؤوبه، فقيل له التأويب ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : يومان يوم مقامات وأندية ويوم سير إلى الأعداء تأويب تفسير : ومنه قول ابن أبي مقبل: [الطويل] شعر : لحقنا بحي أوبوا السير بعدما دفعنا شعاع الشمس والطرف مجنح تفسير : وقال مروح {أوبي} سبحي بلغة الحبشة. قال القاضي أبو محمد: وهذا ضعيف غير معروف، وقال وهب بن منبه: المعنى نوحي معه والطير تسعدك على ذلك، قال فكان داود إذا نادى بالنياحة والحنين أجابته الجبال وعكفت الطير عليه من فوقه، قال فمن حينئذ سمع صدى الجبال، وقرأ الحسن وقتادة وابن أبي إسحاق "أوبي" بضم الهمزة وسكون الواو أي ارجعي معه أي في السير أو في التسبيح، وأمر الجبال كما تؤمر الواحدة المؤنثة لأن جمع ما لا يعقل كذلك يؤمر وكذلك يكنى عنه ويوصف ومنه المثل "يا خيل الله اركبي" ومنه {أية : مآرب أخرى} تفسير : [طه: 18] وهذا كثير، وقرأ الأعرج وعاصم بخلاف وجماعة من أهل المدينة "والطيرُ" بالرفع عطفاً على لفظ قوله {يا جبال}، وقرأ نافع وابن كثير والحسن وابن أبي إسحاق وأبو جعفر "والطيرَ" بالنصب فقيل ذلك عطف على {فضلاً} وهو مذهب الكسائي، وقال سيبويه هو على موضع قوله {يا جبال} لأن موضع المنادى المفرد نصب، وقال أبو عمرو: نصبها بإضمار فعل تقديره وسخرنا الطير، {وألنا له الحديد} معناه جعلناه ليناً، وروى قتادة وغيره أن الحديد كان له كالشمع لا يحتاج في عمله إلى نار، وقيل أعطاه قوة يثني بها الحديد، وروي أنه لقي ملكاً وداود يظنه إنساناً وداود متنكر خرج ليسأل الناس عن نفسه في خفاء، فقال داود لذلك الشخص الذي تمثل فيه الملك ما قولك في هذا الملك داود؟ فقال له الملك: نعم العبد لولا خلة فيه، قال داود وما هي؟ قال: يرتزق من بيت المال ولو أكل من عمل يديه لتمت فضائله، فرجع فدعا الله تعالى في أن يعلمه صنعة ويسهلها عليه فعلمه تعالى صنعة لبوس وألان له الحديد، فكان فيما روي يصنع ما بين يومه وليلته درعاً تساوي ألف درهم حتى ادخر منها كثيراً وتوسعت معيشة منزله، وكان ينفق ثلث المال في مصالح المسلمين، وقوله تعالى: {أن اعمل} قيل إن {أن} مفسرة لا موضع لها من الإعراب، قيل هي في موضع نصب بإسقاط حرف الجر، و"السابغات" الدروع الكاسيات ذوات الفضول، قال قتادة داود عليه السلام أول من صنعها، ودرع الحديد مؤنث ودرع المرأة مذكر، وقوله تعالى: {وقدر في السرد} اختلف المتأولون في أي شيء هو التقدير من أشياء السرد، إذ السرد هو اتباع الشيء بالشيء من جنسه، قال الشماخ: "كما تابعت سرد العنان الخوارز"، ومنه سرد الحديث، وقيل للدرع مسرودة لأنها توبعت فيها الحلق بالحلق ومنه قول الشاعر [القرطبي]: [الكامل] شعر : وعليهما مسرودتان قضاهما دواد أو صَنَعُ السوابغ تبع تفسير : ومنه قول دريد بالفارسي المسرد، فقال ابن زيد: التقدير الذي أمر به هو في قدر الحلقة أي لا تعملها صغيرة فتضعف ولا تقوى الدرع على الدفاع ولا تعملها كبيرة فينال لابسها من خلالها، وقال ابن عباس التقدير الذي أمر به هو المسمار يريد ثقبه حين يشد نتيرها، وذكر البخاري في مصنفه ذلك فقال: المعنى لا تدق المسمار فيسلسل، ويروى فيتسلسل، ولا تغلظه فيقصم بالقاف، وبالفاء أيضاً رواية، وروى قتادة أن الدروع كانت قبله صفائح فكانت ثقالاً، فلذلك أمر هو بالتقدير فيما يجمع بين الخفة والحصانة، أي قدر ما يأخذ من هذين المعنيين بقسطه، أي لا تقصد الحصانة فتثقل ولا الخفة وحدها فتزيل المنعة، وقوله تعالى: {واعملوا صالحاً} لما كان الأمر لداود وآله حكى وإن كانوا لم يجر لهم ذكر لدلالة المعنى عليهم، ثم توعدهم تعالى بقوله: {إني بما تعملون بصير} أي لا يخفى علي حسنه من قبيحة وبحسب ذلك يكون جزائي لكم.

ابن عبد السلام

تفسير : {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ} من السماء والأرض كيف أحاطت بهم لأنهم كيف ما نظروا عن يمين وشمال ووراء وأمام رأوهما محيطتين بهم، أو ما بين أيديهم: من هلك من الأمم الماضية في أرضه {وَمَا خَلْفَهُم} من أمر الآخرة في سمائه {كِسَفاً} عذاباً، أو قِطعاً إن شاء عذب بسمائه، أو بأرضه. فكل خلقه له جند {مُّنِيبٍ} مجيب، أو مقبل بتوبته، أو مستقيم إلى ربه، أو مخلص بالتوحيد.

النسفي

تفسير : {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ } وبالإدغام: عليّ للتقارب بين الفاء والباء، وضعفه البعض لزيادة صوت الفاء على الباء {ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ } الثلاثة بالياء: كوفي غير عاصم لقوله {ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا } {عَلَيْهِمْ كِسَفاً } {كِسَفًا } حفص {مّنَ ٱلسَّمَاء } أي أعموا فلم ينظروا إلى السماء والأرض وأنهما حيثما كانوا وأينما ساروا أمامهم وخلفهم محيطتان بهم لا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما وأن يخرجوا عما هم فيه من ملكوت الله ولم يخافوا أن يخسف الله بهم، أو يسقط عليهم كسفا لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول وبما جاء به كما فعل بقارون وأصحاب الأيكة {إِنَّ فِى ذَلِكَ } النظر إلى السماء والأرض والفكر فيهما وما تدلان عليه من قدرة الله تعالى {لآيَةً } لدلالة {لّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ } راجع إلى ربه مطيع له إذ المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله على أنه قادر على كل شيء من البعث ومن عقاب من يكفر به. {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ } بدل من {فَضْلاً } أو من {ءاتَيْنَا } بتقدير قولنا يا جبال أو قلنا يا جبال {أَوّبِى مَعَهُ } من التأويب رجعي معه التسبيح ومعنى تسبيح الجبال أن الله يخلق فيها تسبيحاً فيسمع منها كما يسمع من المسبح معجزة لداود عليه السلام {وَٱلطَّيْرُ } عطف على محل الجبال و {ٱلطَّيْرُ } عطف على لفظ الجبال وفي هذا النظم من الفخامة ما لا يخفى حيث جعلت الجبال بمنزلة العقلاء الذين إذا أمرهم بالطاعة أطاعوا وإذا دعاهم أجابوا إشعاراً بأنه ما من حيوان وجماد إلا وهو منقاد لمشيئة الله تعالى، ولو قال آتينا داود منا فضلاً تأويب الجبال معه والطير لم يكن فيه هذه الفخامة. {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } وجعلناه له ليّناً كالطين المعجون يصرفه بيده كيف يشاء من غير نار ولا ضرب بمطرقة. وقيل: لأن الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة {أَنِ ٱعْمَلْ } «أن» بمعنى أي أو أمرناه أن أعمل {سَـٰبِغَـٰتٍ } دروعاً واسعة تامة من السبوغ وهو أول من اتخذها، وكان يبيع الدرع بأربعة آلاف فينفق منها على نفسه وعياله ويتصدق على الفقراء. وقيل: كان يخرج متنكراً فيسأل الناس عن نفسه ويقول لهم ما تقولون في داود فيثنون عليه فقيض الله له ملكاً في صورة آدمي فسأله على عادته فقال: نعم الرجل لولا خصلة فيه وهو أنه يطعم عياله من بيت المال فسأله عند ذلك ربه أن يسبب له ما يستغني به عن بيت المال فعلمه صنعة الدروع {وَقَدّرْ فِى ٱلسَّرْدِ } لا تجعل المسامير دقاقاً فتقلق ولا غلاظاً فتفصم الحلق، والسرد: نسج الدروع {وَٱعْمَلُواْ } الضمير لداود وأهله {صَـٰلِحاً } خالصاً يصلح للقبول {إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فأجازيكم عليه. {وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرّيحَ } أي وسخرنا لسليمان الريح وهي الصبا. ورفع {ٱلرّيحُ} أبو بكر وحماد والفضل أي وسليمان الريح مسخرة {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي كذلك، وكان يغدو من دمشق فيقيل باصطخر فارس وبينهما مسيرة شهر ويروح من اصطخر فيبيت بكابل وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع. وقيل: كان يتغدى بالري ويتعشى بسمرقند {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ } أي معدن النحاس فالقطر النحاس وهو الصفر ولكنه أساله وكان يسيل في الشهر ثلاثة أيام كما يسيل الماء وكان قبل سليمان لا يذوب، وسماه عين القطر باسم ما آل إليه {وَمِنَ ٱلْجِنّ مَن يَعْمَلُ } «من» في موضع نصب أي وسخرنا من الجن من يعمل {بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبّهِ } بأمر ربه {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ } ومن يعدل منهم {عَنْ أَمْرِنَا } الذي أمرنا به من طاعة سليمان {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } عذاب الآخرة. وقيل: كان معه ملك بيده سوط من نار فمن زاع عن أمر سليمان عليه السلام ضرب ضربة أحرقته {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَـٰرِيبَ } أي مساجد أو مساكن {وَتَمَـٰثِيلَ } أي صور السباع والطيور. وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما وكان التصوير مباحاً حينئذ {وَجِفَانٍ } جمع جفنة {كَٱلْجَوَابِ } جمع جابية وهي الحياض الكبار. قيل: كان يقعد على الجفنة ألف رجل. {كالجوابي} في الوصل والوقف: مكي ويعقوب وسهل، وافق أبو عمرو في الوصل، الباقون بغير ياء اكتفاء بالكسرة {وَقُدُورٍ راسِيَـٰتٍ} ثابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها. وقيل: إنها باقية باليمن وقلنا لهم {ٱعْمَلُواْ ءالَ دَاوُودَ شَـٰكِراً } أي ارحموا أهل البلاد واسألوا ربكم العافية عن الفضل و {شَـٰكِراً } مفعول له أو حال أي شاكرين أو اشكروا شكراً لأن {ٱعْمَلُواْ } فيه معنى اشكروا من حيث إن العمل للمنعم شكر له أو مفعول به يعني إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً، وسئل الجنيد عن الشكر فقال: بذل المجهود بين يدي المعبود {وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ } بسكون الياء: حمزة وغيره بفتحها {ٱلشَّكُورُ } المتوفر على أداء الشكر الباذل وسعه فيه قد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه اعتقاداً واعترافاً وكدحاً. وعن ابن عباس رضي الله عنه: من يشكر على أحواله كلها. وقيل: من يشكر على الشكر. وقيل: من يرى عجزه عن الشكر. وحكي عن داود عليه السلام أنه جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من الساعات إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي .

اسماعيل حقي

تفسير : {أفلم يروا الى ما بين ايديهم وما خلفهم من السماء والارض} الفاء للعطف على مقدر اى افعلوا ما فعلوا من المنكر المستتبع للعقوبة فلم ينظروا الى ما احاط بهم من جميع جوانبهم بحيث لا مفرّ له وهو السماء والارض فانهما امامهم وخلفهم وعن يمينهم وشمالهم حيثما كانوا وساروا: وبالفارسية [آيا نمى نكرند كافران بسوى آنجه در بيش ايشانست از آسمان وزمين]. ثم بين المحذور المتوقع من جهتهما فقال {ان نشأ} جريا على موجب جناياتهم {نخسف بهم الارض} كما خسفناها بقارون وخسف به الارض غاب به فيها فالباء للتعدية: وبالفارسية [فرو بريم ايشانرا بزمين] {او نسقط عليهم كسفا من السماء} كما اسقطناها على اصحاب الايكة لاستيجابهم ذلك بما ارتكبوه من الجرائم والكسف كقطع لفظا ومعنى جمع كسفة. قال فى المفردات ومعنى الكسفة قطعة من السحاب والقطن ونحو ذلك من الاجسام المتخلخلة ومعنى اسقاط الكسف من السماء اسقاط قطع من النار كما وقع لاصحاب الايكة وهم قوم شعيب كانوا اصحاب غياض ورياض واشجار ملتفة حيث ارسل الله عليهم حرا شديدا فرأوا سحابة فجاؤا ليستظلوا تحتها فامطرت عليهم النار فاحترقوا {ان فى ذلك} اى فيما ذكر من السماء والارض من حيث احاطتهما بالناظر من جميع الجوانب او فيما تلى من الوحى الناطق بما ذكر {لآية} لدلالة واضحة {لكل عبد منيب} شأنه الانابة والرجوع الى ربه فانه اذا تأمل فيهما او فى الوحى المذكور ينزجر عن تعاطى القبيح وينيب اليه تعالى. قال فى المفردات النوب رجوع الشئ مرة بعد اخرى والانابة الى الله الرجوع اليه بالتوبة واخلاص العمل. وفى الآية حث بليغ على التوبة والانابة وزجر عن الجرم والجناية وان العبد الخائف لا يأمن من قهر الله طرفة عين فان الله قادر على كل شئ يوصل اللطف والقهر من كل ذرة من ذرات العالم. قال ابراهيم بن ادهم قدس سره اذا صدق العبد فى توبته صار منيبا لان الانابة ثانى درجة التوبة. وقال ابو سعيد القرشى المنيب الراجع عن كل شئ يشغله عن الله الى الله. وقال بعضهم الانابة الرجوع منه اليه لا من شئ غيره فمن رجع من غيره اليه ضيع احد طرفى الانابة والمنيب على الحقيقة من لم يكن له مرجع سواه ويرجع اليه من رجوعه ثم يرجع من رجوعه فيبقى شبحا لا وصف له قائما بين يدى الحق مستغرقا فى عين الجمع. سرى سقطى قدس سره [كويد معروف كرخى را روح الله روحه بخواب ديدم در زير عرش خداى واله ومدهوش وازحق ندايى رسيد بملائكه اين مرد كيست كفتند خداوندا تودانا ترى كفت معروف ازدوشتى ما واله كشته است جزبديدار ما بهوش نيايد وجز بلقاى ما ازخود خبر نيابد] فهذه هى حقيقة الرجوع. ومن هذا القبيل ما حكى عن ابراهيم بن ادهم قدس سره انه حج الى بيت الله الحرام فبينما هو فى الطواف اذ بشاب حسن الوجه قد اعجب الناس حسنه وجماله فصار ابراهيم ينظر اليه ويبكى فقال بعض اصحابه انا لله وانا اليه راجعون غفلة دخلت على الشيخ بلا شك ثم قال يا سيدى ما هذا النظر الذى يخالطه البكاء فقال ابراهيم يا اخى انى عقدت مع الله عقدا لا اقدر على فسخه والا كنت ادنى هذا الفتى منى واسلم عليه لانه ولدى وقرة عينى تركته صغيرا وخرجت فارّا الى الله تعالى وها هو قد كبر كما ترى وانى لاستحيى من الله ان اعود الى شئ خرجت منه شعر : هجرت الخلق كلا فى هواكا وايتمت العيال لكى اراكا فلو قطعتنى فى الحب اربا لما سكن الفؤاد الى سواكا تفسير : قال بعضهم هجر النفس مواصلة الحق ومواصلة النفس هجر الحق ومن الله الايصال الى مقام الوصال

الجنابذي

تفسير : {أَفَلَمْ يَرَوْاْ} اى الم ينظروا او عموا فلم يروا؟ {إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} سماء الارواح وارض الاشباح فانّ الانسان من اوّل الخلقة متوجّه الى عالم الآخرة وعالم الارواح ومدبر عن عالم الاشباح، وايضاً ارض الطّبع تحت قدميه فهى كشيءٍ خلفه وسماء الطّبع فوق رأسه فهى بما بين يديه اشبه او لفظة من تبعيضيّة والمعنى الم ينظروا الى ما بين ايديهم؟ حال كونه بعضاً من السّماء وبعضاً من الارض، او ابتدائيّة والمعنى الم يروا الى ما بين ايديهم من الحوادث الماضية؟ حالكونه ناشئاً من حركات السّماء وتأثّرات الارض او من الحوادث الآتية؟ على اختلاف تفسير ما بين ايديهم وما خلفهم والانسان ان نظر الى سماء الطّبع وما فيها من الكواكب وما منها من الآثار الحادثة فى الارض ونظر الى ارض الطّبع وما يحدث فيها بواسطة اشعّة الكواكب ودوران الافلاك ايقن انّ له مبدءً حكيماً ومرجعاً باقياً، وكذلك ان نظر الى نفسه وبدنه واتّصالهما وتعانقهما وتعاشقهما، ونظر الى انحلال البدن واستكمال النّفس بكمالاتها الّلائقة بها ايقن بفناء البدن وبقاء النّفس وانّ لهما محدثاً مدبّراً حكيماً عليماً قادراً مختاراً {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ} الجملة بدل عن قوله الى ما بين ايديهم نحو بدل الاشتمال فيكون العامل معلّقاً عنه والمعنى الم يروا الى السّماء والارض والى انّا ان نشأن نخسف بهم الارض {أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} او الجملة مستأنفة معترضة {إِنَّ فِي ذَلِكَ} النّظر والفكر او فى ما بين ايديهم وما خلفهم من السّماء والارض او فى قدرتنا على خسف الارض واسقاط الكسف من السّماء {لآيَةً} دالّةً على المبدء والمعاد {لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} الى باطنه مشتغل بنفسه عن غير نفسه او منيب الى ربّه بالرّجوع الى ولىّ امره او الى ولىّ امره بالتّوبة على يده والبيعة معه.

اطفيش

تفسير : {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم} الهمزة داخلة على محذوف وقع العطف عليه اي اعموا فلم ينظروا الى ما فوقهم وهو السماء. {وما خلفهم} تحتهم وهي الأرض كما بين ذلك بقوله: {من السماء والأرض} الدالتين على كمال قدرتنا لغلظهما وسعتهما حتى لا يقدر قادر ان يخرج من تحت السماء او من فوق الأرض وهبة خرج من فوقها فليس بخارج عن ملك الله فان كل مكان ملك له ولا يقدر ان يخرج من تحت السماء ومن قدر على خلق هاذين العظيمين كيف لا يقدر على الخلق الجديد اعني احياء الموتى وذلك تهديد على استحالتهم احياء الموتى حتى جعلوه افتراء وابطال لها وتذكير بما عاينوه من الهيكلين ثم ظهر لي ان الأولى تفسير بين وخلف بما هو ظاهرهما فانك حيث ما كنت فبين يديك اي امامك سماء وارض وخلفك سماء وارض. {إن نشأ} وقرأ الكسائي وحمزة بالتحتية وكذا نخسف ونسقط ولا التفات بين قوله نشأ وما بعده بالنون وقوله على الله كما قد يتوهم لانقطاع هذا الكلام عن ذلك. {نخسف بهم الأرض} نجعلها خاسفة بهم اي بالعة لهم كما فعلنا مع قارون وروي عن الكسائي انه ابدل الفاء باء وادغمها في الباء بعدها وهو ضعيف. {أو نسقط عليهم كسفا} قطعة وقرأ حفص بفتح السين وانظر ما في الشعراء. {من السماء} لتكذيبهم الآيات والرسول كما فعلنا بأصحاب الائكة واذا كان هذا الجسمان العظيمان في قبضتنا نفعل بهما ما نريد من خسف واسقاط فكيف لا نقدر على احياء الموتى وكيف لا تخافون فتؤمنوا. {إن في ذلك} الذي من شأنه ان ينظر اليه نظر تفكر واستدلال او ان في ذلك المذكور من قدرتنا على الخسف والاسقاط. {لآية} دلالة. {لكل عبد منيب} راجع الى ربه بالتوبة اولطاعة فيزداد بهما تأملا وايمانا وطاعة او منيب في علم الله في الأزل فاذا جاء وقت خروج انابته الى الوجود كانت الآية سببا لانابته فيدخل في الانابة بها وخص الآية بالمنيب لانه المنتفع بها ولو كانت منصوبة ايضا لغيره لانه لا ينتفع بها فكأنها لم تنصب له او التقدير لكل عبد منيب وغيره.

اطفيش

تفسير : {أفَلم يروْا} أعموا فلم يروا {إلى ما بين أيْديِهم وما خَلفهُم من السَّماءِ والأرضِ} المراد بما بين أيديهم ما يشاهدونه من السماء والأرض، فشمل ما تحتهم من الأرض، وما فوقهم من السماء إذا نظروا الى ما فوقهم، والمراد بما خلفهم منهما ما لا يرونه لجعلهم إياه خلفهم، وإذا استقبلوه كان بين أيديهم، وغيره خلفهم، أو ما بين أيديهم ما يرون، وما خلفهم ما لا يرونه من أطراف الأرض والسماء، أعنى ما لا يرونه عارض مكة، وهم فى المدينة، وأرض المدينة وهم فى مكة، وسماء ذلك، ومن للتبعيض أى، كيف ينكرون القدرة على البعث ممن خلق السماء والأرض، وهما أقوى منهم وأكثرهم اجراء. واختار ما خلفهم وما بين أيديهم ليدل على أنهم فى كل موقع تكون السماء والأرض بين أيديهم وخلفهم لاتساعهما، فلم يقل أفلم يروا الى السماء والأرض، وقدم ما بين أيديهم لأن المشاهد أولى من غيره. {إن نَشَأ} خسف الأرض بهم أو إسقاط كسف عليهم {نَخْسف بهم الأرض أو نُسْقِط عليْهِم كِسَفاً} قطعا {مِن السَّماءِ} هذا داخل فى الاستدلال مثل ما قبله، ووجه ارتباطه به أنهم مقرون بخسف الأرض بمن قبلهم، وإسقاط الكسف عليهم، أو هو ممكن عندهم، أى كيف نسبوا العجز عن البعث الى من سماؤُه وأرضه الأقويان محيطتان بهم، ومن قدر على الخسف بهم، وإسقاط الكسف عليهم، وذلك أولى من أن يقال تحذيرا: أفلا يرون الى ما يحيط بهم من سماء وأرض، مقهورا تحت قدرتنا، نتصرف فيه {إن نشأ نخسف} إلخ ومن أن يقال على وجه التحذير، كذلك أفلا يرون الى ما بين أيديهم وما خلفهم محيطا بهم، وهم مقهرون بينهما، إن نشأ، ومن أن يقال تحذيرا أيضا: أفلم يروا الى قدرة الله، فلم يخافوا أن ينتقم منهم على تكذيبه صلى الله عليه وسلم، وشتمه بالافتراء والجنون. {إنَّ في ذلك} أى ما ذكر مما بين الأيدى، وما خلفهم، والقدرة على الخسف واسقاط الكسف، أو أن فيما ذكر من الرؤية، وذكرها للتأويل بما ذكر، أو بالفكر، أو فى ذلك الرأى، فانه كما يقال: رأى رؤية، يقال: رأى رأيا {الآيةً} دلالة واضحة على قدرة الله على البعث، أو على قدرته على الانتقام للتكذيب، كما انتقم ممن قبلكم بالخسف والكسف {لُكلِّ عبدٍ مُنيب} راجع الى ربه بالتوبة والطاعة، ومن شأن من كان كذلك التفكر فى الدلائل.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} قيل: هو استئناف مسوق لتذكيرهم بما يعاينون مما يدل على كمال قدرته عز وجل وتنبيههم على ما يحتمل أن يقع من الأمور الهائلة في ذلك إزاحة لاستحالتهم الإحياء حتى قالوا ما قالوا فيمن أخبرهم به وتهديداً على ما اجترؤوا عليه، والمعنى أعموا فلم ينظروا إلى ما أحاط بجوانبهم من السماء والأرض ولم يتفكروا أنهم أشد خلقاً أم هي وانا إن نشأ نخسف بهم الأرض كما خسفناها بقارون أو نسقط عليهم كسفاً أي قطعاً من السماء كما أسقطنا على أصحاب الأيكة لتكذيبهم بالآيات بعد ظهور البينات وهو تفسير ملائم للمقام إلا أن ربط قوله تعالى {إن نشأ} إلخ بما قبله بالطريق الذي ذكره بعيد. وفي «البحر» أنه تعالى وقفهم في ذلك على قدرته الباهرة وحذرهم إحاطة السماء والأرض بهم وكأن ثم حالا محذوفة أي أفلا يرون إلى ما يحيط بهم من سماء وأرض مقهوراً تحت قدرتنا تنصرف فيه كما نريد إن نشأ نخسف بهم الأرض الخ أو فلم ينظروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم محيطاً بهم وهم مقهورون فيما بينه إن نشأ الخ ولا يخلو عن شيء. وقال العلامة أبو السعود: إن قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَرَوْاْ } الخ استئناف مسوق لتهويل ما اجترؤوا عليه من تكذيب آيات الله تعالى واستعظام ما قالوا في حقه عليه الصلاة والسلام وأنه من العظائم الموجبة لنزول أشد العقاب وحلول أفظع العذاب من غير ريث وتأخير، وقوله تعالى: {إِن نَّشَأْ } الخ بيان لما ينبىء عنه ذكر إحاطتهما بهم من المحذور المتوقع من جهتهما وفيه تنبيه على أنه لم يبق من أسباب وقوعه الا تعلق المشيئة به أي أفعلوا ما فعلوا من المنكر الهائل المستتبع للعقوبة فلم ينظروا إلى ما أحاط بهم من جميع جوانبهم بحيث لا مفر لهم عنه ولا محيص إن نشأ جرياً على موجب جناياتهم نخسف الخ، ولا يخفى أن فيه بعداً وضعف ربط بالنسبة إلى ما سمعت أولاً مع أن ما بعد ليس فيه كثير ملائمة لما قبله عليه. ويخطر لي أن قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَرَوْاْ } مسوق لتذكيرهم / بإظهار شيء لهم بحيث إنهم يعاينونه أينما التفتوا ولا يغيب عن أبصارهم حيثما ذهبوا يدل على كمال قدرته عز وجل إزاحة لما دعاهم إلى ذلك الاستهزاء والوقيعة بسيد الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام من زعمهم قصور قدرته تعالى عن البعث والإحياء ضرورة أن من قدر على خلق تلك الأجرام العظام لا يعجزه إعادة أجسام هي كلا شيء بالنسبة إلى تلك الأجرام كما قال سبحانه {أية : أَوَ لَيْسَ ٱلَّذِى خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ بِقَـٰدِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم }تفسير : [يس: 81] وفيه من التنبيه على مزيد جهلهم المشار إليه بالضلال البعيد ما فيه. وقوله تعالى: {إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي فيما ذكر مما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض {لآيَةً } أي لدلالة واضحة على كمال قدرة الله عز وجل وأنه لا يعجزه البعث بعد الموت وتفرق الأجزاء المحاطة بهما {لّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ } أي راجع إلى ربه تعالى مطيع له جل شأنه لأن المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله عز وجل والتفكر فيها كالتعليل لما يشعر به قوله سبحانه: {أَفَلَمْ يَرَوْاْ } الخ من الحث على الاستدلال بذلك على ما يزيح إنكارهم البعث وفيه تعريض بأنهم معرضون عن ربهم سبحانه غير مطيعين له جل وعلا وتخلص إلى ذكر المنيبين إليه تعالى على قول، وقوله تعالى: {إِن نَّشَأْ } كالاعتراض جيء به لتأكيد تقصيرهم والتنبيه على أنهم بلغوا فيه مبلغاً يستحقون به في الدنيا فضلاً عن الأخرى نزول أشد العقاب وحلول أفظع العذاب وأنه لم يبق من أسباب ذلك إلا تعلق المشيئة به إلا أنها لم تتعلق لحكمة، وظني أنه حسن وتحتمل الآية غير ذلك والله تعالى أعلم بأسرار كتابه، وقيل: إن ذلك إشارة إلى مصدر {يروا} وهو الرؤية وذكر لتأويله بالنظر والمراد به الفكر، وقيل إشارة إلى ما تلي من الوحي الناطق بما ذكر. قرأ حمزة والكسائي وابن وثاب وعيسى والأعمش وابن مصرف {يَشَأ} و {يخسف} و {يسقط} بالياء فيهن وأدغم الكسائي الفاء في الباء في {يَخْسِفَ بِهِمُ } قال أبو علي: ولا يجوز ذلك لأن الباء أضعف في الصوت من الفاء فلا تدغم فيها وإن كانت الباء تدغم في الفاء نحو اضرب فلاناً وهذا كما تدغم الباء في الميم نحو اضرب مالكاً ولا تدغم الميم في الباء نحو اضمم بك لأن الباء انحطت عن الميم بفقد الغنة التي فيها، وقال الزمخشري: قرأ الكسائي {يَخْسِفَ بِهِمُ } بالإدغام وليست بقوية، وأنت تعلم أن القراءة سنة متبعة ويوجد فيها الفصيح والأفصح وذلك من تيسير الله تعالى القرآن للذكر وما أدغم الكسائي إلا عن سماع فلا التفات إلى قول أبـي علي ولا الزمخشري.

ابن عاشور

تفسير : الفاء لتفريع ما بعدها على قوله: { أية : بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب } تفسير : [سبأ: 8] الخ، لأن رؤية مخلوقات الله في السماء والأرض من شأنها أن تهديهم لو تأملوا حق التأمل. والاستفهام للتعجيب الذي يخالطه إنكار على انتفاء تأملهم فيما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض، أي من المخلوقات العظيمة الدالة على أن الذي قدَر على خلق تلك المخلوقات من عدم هو قادر على تجديد خلق الإِنسان بعد العدم. والرؤية بصرية بقرينة تعليق {إلى}. فمعنى الاستفهام عن انتفائها منهم انتفاء آثارها من الاستدلال بأحوال الكائنات السماوية والأرضية على إمكان البعث، فشبه وجود الرؤية بعدمها واستعير له حرف النفي. والمقصود: حثهم على التأمل والتدبر ليتداركوا علمهم بما أهملوه. وهذا كقوله: { أية : أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيراً من الناس بلقاء ربهم لكافرون } تفسير : [الروم: 8]. والمراد بـــ{ما بين أيديهم} ما يستقبله كل أحد منهم من الكائنات السماوية والأرضية، وبـــ{ما خلفهم} ما هو وراء كل أحد منهم، فإنهم لو شاءوا لنظروا إليه بأن يلتفتوا إلى ما وراءهم، وذلك مثل أن ينظروا النصف الشمالي من الكرة السماوية في الليل ثم ينظروا النصف الجنوبي منها فيروا كواكب ساطعة بعضها طالع من مشرقه وبعضها هاو إلى مغربه وقمراً مختلف الأشكال باختلاف الأيام، وفي النهار بأن ينظروا إلى الشمس بازغة وآفلة، وما يقارن ذلك من إسفار وأصيل وشفق. وكذلك النظر إلى جبال الأرض وبحارها وأوديتها وما عليها من أنواع الحيوان واختلاف أصنافه. و{من} في قوله: {من السماء والأرض} تبعيضية. والسماء والأرض أطلقتا على محوياتهما كما أطلقت القرية على أهلها في قوله: { أية : واسأل القرية } تفسير : [يوسف: 82]. وجملة {إن نشأ نخسف بهم الأرض} اعتراض بالتهديد فمناسبة التعجيب الإِنكاري بما يذكرهم بقدرة صانع تلك المصنوعات العظيمة على عقاب الذين أشركوا معه غيره والذين ضيقوا واسع قدرته وكذبوا رسوله صلى الله عليه وسلم وما يخطر في عقولهم ذكر الأمم التي أصابها عقاب بشيء من الكائنات الأرضية كالخسف أو السماوية كإسقاط كسف من الأجرام السماوية مثل ما أصاب قارون من الخسف وما أصاب أهل الأيْكة من سقوط الكسف. وقرأ الكسائي وحده «نخسبّهم» بإدغام الفاء في الباء، قال أبو علي: وذلك لا يجوز لأن الباء أضعف في الصوت من الفاء فلا تدغم الفاء في الباء، وإن كانت الباء تدغم في الفاء كقولك: اضرب فلاناً، وهذا كما تدغم الباء في الميم كقولك: اضرب مالكاً، ولا تدغم الميم في الباء كقولك: اضمم بكراً، لأن الباء انحطت عن الميم بفقد الغثة التي في الميم، وهذا رد للرواية بالقياس وهو غصْب. والكِسف بكسر الكاف وسكون السين في قراءة الجمهور، وهو القطعة من الشيء. وقد تقدم في قوله تعالى: { أية : أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً } تفسير : في سورة الإِسراء (92). وقرأ الجمهور {نخسف} و{نسقط} بنون العظمة. وقرأها حمزة والكسائي وخلف بياء الغائب على الالتفات من مقام التكلم إلى مقام الغيبة، ومعاد الضميرين معروف من سياق الكلام. وجملة {إن في ذلك لآية لكل عبد منيب} تعليل للتعجيب الإِنكاري باعتبار ما يتضمنه من الحث على التأمل والتدبر كما تقدم آنفاً، فموقع حرف التوكيد هنا لمجرد التعليل، كقول بشار: شعر : إنّ ذاك النجاحَ في التبكير تفسير : ولك أن تجعل تذييلاً. والمشار إليه هو ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض، أي من الكائنات فيهما. والآية: الدليل والتعريف للجنس، فالمفرد المعرّف مساو للجمع، أي لآيات كثيرة. والمنيب: الراجع بفكره إلى البحث عما فيه كماله النفساني وحسن مصيره في الآخرة فهو يقدّر المواعظ حقّ قدرها ويتلقّاها بالشك في الحالة التي وعظ من أجلها فيعاود النظر حتى يهتدي ولا يرفض نصح الناصحين وإرشاد المرشدين مرتدياً برداء المتكبرين فهو لا يخلو من النظر في دلائل قدرة الله، ومن أكبر المنيبين المؤمنون مع رسولهم.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}. ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من توبيخ الكفار، وتقريعهم على عدم تفكرهم ونظرهم إلى ما بين أيديهم، وما خلفهم من السماء والأرض، ليستدلوا بذلك على كمال قدرة الله على البعث، وعلى كل شيء، وأنه هو المعبود وحده جاء موضحاً في مواضع أخر، كقوله تعالى: {أية : أَفَلَمْ يَنظُرُوۤاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ وَٱلأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَىٰ لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} تفسير : [ق: 6ـ8] {أية : أَوَلَمْ يَنْظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىۤ أَن يَكُونَ قَدِ ٱقْتَرَبَ أَجَلُهُمَ} تفسير : [الأعراف: 185]. وقوله تعالى: {أية : وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} تفسير : [يوسف: 105]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معروفة. وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: قال عبد بن حيمد، أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر عن قتادة: {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} قال: إنك إن نظرت عن يمينك، أو عن شمالك أو من بين يديك أو من خلفك، رأيت السماء والأرض. قوله تعالى: {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أمرين: أحدهما: أنه إن شاء خسف الأرض بالكفار، خسفها بهم لقدرته على ذلك. والثاني: أنه إن شاء أن يسقط عليهم كسفاً من السماء فعل ذلك أيضاً لقدرته عليه. أما الأول الذي هو أنّه لو شاء أن يخسف بهم الأرض لفعل، فقد ذكره تعالى في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : أَأَمِنتُمْ مَّن فِي ٱلسَّمَآءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ ٱلأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} تفسير : [الملك: 16]، وقوله تعالى: {أية : أَفَأَمِنْتُمْ أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ ٱلْبَرِّ} تفسير : [الإسراء: 68] الآية. وقوله تعالى: {أية : لَوْلاۤ أَن مَّنَّ ٱللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا} تفسير : [القصص: 82]، وقوله تعالى في الأنعام: {أية : أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ} تفسير : [الأنعام: 65] الآية. وقوله هنا: {أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} قد بيّنا في سورة بني إسرائيل أنه هو المراد بقوله تعالى عن الكفار: {أية : أَوْ تُسْقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً} تفسير : [الإسراء: 92] الآية. وقرأه حمزة والكسائي: إن يشأ يخسف بهم الأرض، أو يسقط عليهم كسفاً من السماء بالياء المثناة التحتية في الأفعال الثلاثة. أعني يشأ. ويخسف. ويسقط، وعلى هذه القراءة فالفاعل ضمير يعود إلى الله تعالى أي إن يشأ هو أي الله يخسف بهم الأرض، وقرأ الباقون بالنون الدالة على العظمة في الأفعال الثلاثة أي إن نشأ نحن إلخ. وقرأ حفص عن عاصم: كسفاً بفتح السين، والباقون بسكونها والكسف بفتح السين القطع، والكسف بسكون السين واحدها.

د. أسعد حومد

تفسير : {لآيَةً} (9) - ثُمَّ ذَكَّرَهُمْ تَعَالى بِمَا يَرَوْنَهُ بِأَعْيُنِهِمْ فِي هذا الوُجُودِ حَوْلَهم، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قُدْرَتِهِ تَعَالى عَلَى فِعْلِ مَا يَشَاءُ، فَقَالَ: أَفَلَمْ يَنْظُرْ هؤلاءِ المُكَذِّبُونَ بِالمَعَادِ إِلى الأَرْضِ التِي يَقِفُونَ عَلَيها، وَالسَّمَاءِ التِي تُظِلُّهُمْ وَتُحِيطُ بِهِمْ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فَيَعْلَمُوا أَنَّ قُدْرَةَ اللهِ مُحِيطَةٌ بِهِمْ، وَأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَن،ْ يَأْمُرَ الأَرْضَ فَتَنْخَسِفَ بِهِمْ، وَأَنْ يَأْمُرَ السَّمَاءَ فَتَسْقُطَ عَلَيهِمْ قِطَعاً (كِسَفاً) وَتُدَمِّرَهُمْ، فَاللهُ تَعَالى قَادِرٌ عَلى ذَلِكَ، وَلِكِنَّهُ يُؤَخِّرُ وَقُوعَهُ إِلى أَجَلٍ حَدَّدَهُ هُوَ، وَعَيَّنَ مِيَقَاتَهُ. وفي النَّظَرِ إِلى مَا خَلَقَ اللهُ مِنْ سَمَاءٍ وَأَرْضٍ دَلاَلةٌ كَافِيةٌ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ تَعالى عَلى بَعْثِ الأَجْسَادِ مِنَ الأَجْدَاثِ لِكُلِّ عَبْدٍ فَطِن، مُنِيبٍ إِلى رَبِّهِ. نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ - نُغَيِّبْ بِهِمُ الأَرْضَ. كِسَفاً مِنَ السَّمَاءِ - قِطَعاً مِنْها. مُنيب - رَاجِعٍ إِلى رَبِّهِ بِالتَّوبَةِ وَالطَّاعَةِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : الهمزة هنا للاستفهام. والمعنى: كيف يقولون هذا ويغفلون عن آيات الله في كونه، وهي ظاهرة لهم غير مطموسة عليهم؛ لأنهم يعيشون في بادية سماؤها مكشوفة لهم، ليستْ ذات عمائر تحجب عنهم آيات الله كأهل المدن مثلاً، قلَّما يَروْن الشمس أو القمر، وإذا حدث كسوف أو خسوف لا يدرون به إلا من أخبار الصحف. أمَّا أهل البادية فيعيشون في صحراء شاسعة، وتبدو لهم صفحة السماء، أنيسهم الشمس بالنهار، والقمر والنجوم بالليل، وهم ينظرون إلى هذه الآيات ويتأملونها؛ لذلك قال الرجل العربي وهو يتأمل الكون من حوله وهو على الفطرة: سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، القدم تدل على المسير، والبعرة تدل على البعير، أفلا يدل ذلك على وجود اللطيف الخبير؟ إذن: كيف وآيات الحق واضحة أمامكم - تتهمون رسول الله وتغفلون عن آيات الله {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ..} [سبأ: 9] معنى {مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ ..} [سبأ: 9] أمامهم {وَمَا خَلْفَهُمْ ..} [سبأ: 9] وراءهم، ويمكنك أن تزيد يمينهم وشمالهم؛ لأنك أينما سِرْتَ في هذه الاتجاهات فلن تجد إلا السماء، حتى لو قلت تحتهم وحاولتَ أنْ تخترق الأرض فلا بُدَّ أن تصل في النهاية إلى سماء في الجهة الأخرى، لكنه لم يقل تحتهم؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يخترق الأرض إلى نهايتها. ثم أيُّ عظمة في خَلْق السماء بهذا الاتساع وهي بلا عمد؟ إنك لا تستطيع إقامة خيمة مساحتها عدة أمتار إلا بأن تثبتها بالحبال والأوتاد وترفعها بالأعمدة، ولو هبَّتْ عليها الريح اقتلعتْ أوتادها وأعمدتها وهدمتها على مَنْ فيها، فكيف تمرُّ على آيات الله في السماء وفي الأرض دون أن تتأملها؟ ثم يقول سبحانه: {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ ..} [سبأ: 9] كما خسفها بقارون {أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ..} [سبأ: 9] كما نزلت الصاعقة من قَبْل على المكذِّبين للرسل و (كسفاً) جمع كسفة أي: قطعة {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ} [سبأ: 9] آية يعني: عبرة وعِظَة لكل عبد يحاول أنْ يرجع لربه. فكأن الحق سبحانه جعل في كونه هذه الآيات لتُذكِّر كل غافل، وتردّ كل كافر، وتعطفه إلى أنْ يرجع إلى ربه، ولو رجع الكافر إلى ربه لَقَبِلَه. إذن: الحق سبحانه خلق الخَلْق، ويريد أن يسعدهم، لكن لا بُدَّ أنْ نختبر مَنْ يستحق السعادة، وأن نُميز مَنْ أطاع منهج الله ومَنْ عصاه. لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : مَثَلي ومَثَلكم كرجل أوقد ناراً فأخذ الذباب والفراش يتهافت عليها، فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلَّتون مني ". تفسير : فالحق سبحانه يفتح لعباده - حتى الكافرين منهم - باب الأمل ليعودوا إلى ساحته، وقد ورد عن رسول الله أنه قال: "حديث : لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم وقع على بعيره وقد أضلَّه في فلاة" تفسير : ففتح بالتوبة وبالإنابة باب الرجوع إليه، وخاصة إذا اكتملتْ للإنسان الوسائل الداعية للتوبة من تقدُّم السن أو المرض .. إلخ. مما يبعد الإنسان عن مَظَانِّ الشهوات، ويدعوه لأنْ يُقبل على الله ويصلح ما فسد من علاقته بربه وخالقه، حتى إذا ما عاد إليه يوم القيامة عاد طاهراً من ذنوبه؛ ذلك لأن الخَلْق خَلْقه، وصَنْعته، والصانع يريد لصنعته الخير والسعادة. وسبق أنْ ذكرنا الحديث الذي يُوضِّح أن السماء والأرض والجبال والبحار تمرَّدتْ على ابن آدم، واستأذنت ربها - تبارك وتعالى - أن تفتك به. فقالت السماء: يا رب ائذن لي أن أسقط كِسَفاً على ابن آدم، فقد طَعِم خيرك، ومنع شكْرك .. إلخ، فماذا قال الحق سبحانه لها؟ قال: دعوني وما خلقتُ، لو خلقتموهم لرحمتموهم، إنْ تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، وإنْ لم يتوبوا فأنا طبيبهم. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ...}.

همام الصنعاني

تفسير : 2394- معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَرَوْاْ إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ ٱلأَرْضَ}: [الآية: 9]، قال: إنك إِنْ (نَظَرْت) عن يمينك وعن شمالك أو بين يديك أو خلفك، رأيت السماء والأرض. 2395- عب الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ}: [الآية: 9]، قال: تائِب.