٣٤ - سَبَأ
34 - Saba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
10
Tafseer
الرازي
تفسير : وفي الآية مسائل: المسألة الأولى:قوله تعالى: {مِنَّا } إشارة إلى بيان فضيلة داود عليه السلام، وتقريره هو أن قوله: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً } مستقل بالمفهوم وتام كما يقول القائل: آتي الملك زيداً خلعة، فإذا قال القائل آتاه منه خلعة يفيد أنه كان من خاص ما يكون له، فكذلك إيتاء الله الفضل عام لكن النبوة من عنده خاص بالبعض، ومثل هذا قوله تعالى: {أية : يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ وَرِضْوٰنٍ } تفسير : [التوبة: 21] فإن رحمة الله واسعة تصل إلى كل أحد في الدنيا لكن رحمته في الآخرة على المؤمنين رحمة من عنده لخواصه فقال: {يُبَشّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مّنْهُ }. المسألة الثانية: في قوله: {يٰجِبَالُ أَوّبِى مَعَهُ } قال الزمخشري: {يا جِبَال } بدل من قوله: {فَضْلاً } معناه آتيناه فضلاً قولنا يا جبال، أو من آتينا ومعناه قلنا يا جبال. المسألة الثالثة: قرىء (أوبـي) بتشديد الواو من التأويب وبسكونها وضم الهمزة أوبـي من الأوب وهو الرجوع والتأويب الترجيع، وقيل بأن معناه سيرى معه، وفي قوله: {يُسَبّحْنَ } قالوا: هو من السباحة وهي الحركة المخصوصة. المسألة الرابعة: قرىء {وَٱلطَّيْر } بالنصب حملاً على محل المنادى والطير بالرفع حملاً على لفظه. المسألة الخامسة: لم يكن الموافق له في التأويب منحصراً في الجبال والطير ولكن ذكر الجبال، لأن الصخور للجمود والطير للنفور تستبعد منهما الموافقة، فإذا وافقه هذه الأشياء فغيرها أولى، ثم إن من الناس من لم يوافقه وهم القاسية قلوبهم التي هي أشد قسوة من الحجارة. المسألة السادسة: قوله: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } عطف، والمعطوف عليه يحتمل أن يكون قلنا المقدر في قوله يا جبال تقديره قلنا: يا جِبَال أوبـي وألنا، ويحتمل أن يكون عطفاً على آتينا تقديره آتيناه فضلاً وألنا له. المسألة السابعة: ألان الله له الحديد حتى كان في يده كالشمع وهو في قدرة الله يسير، فإنه يلين بالنار وينحل حتى يصير كالمداد الذي يكتب به، فأي عاقل يستبعد ذلك من قدرة الله، قيل إنه طلب من الله أن يغنيه عن أكل مال بيت المال فألان له الحديد وعلمه صنعة اللبوس وهي الدروع، وإنما اختار الله له ذلك، لأنه وقاية للروح التي هي من أمره وسعى في حفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل، فالزراد خير من القواس والسياف وغيرهما.
القرطبي
تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً} بيّن لمنكري نبوّة محمد صلى الله عليه وسلم أن إرسال الرسل ليس أمراً بِدْعاً، بل أرسلنا الرسل وأيّدناهم بالمعجزات، وأحللنا بمن خالفهم العقاب. {آتَيْنَا} أعطينا. {فَضْلاً} أي أمراً فضلناه به على غيره. واختلف في هذا الفضل على تسعة أقوال: الأوّل: النبوّة. الثاني: الزبور. الثالث: العلم، قال الله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً} تفسير : [النمل: 15]. الرابع: القوّة، قال الله تعالى: {أية : وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا ٱلأَيْدِ} تفسير : [صۤ: 17]. الخامس: تسخير الجبال والناس، قال الله تعالى: {يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ}. السادس: التوبة، قال الله تعالى: {أية : فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ}تفسير : [صۤ:25]. السابع: الحكم بالعدل، قال الله تعالى: {أية : يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [صۤ: 26] الآية. الثامن: إِلاَنَة الحديد، قال تعالى: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ }. التاسع: حسن الصوت، وكان داود عليه السلام ذا صوت حسن ووجه حسن. وحسن الصوت هبة من الله تعالى وتفضل منه، وهو المراد بقوله تبارك وتعالى: {أية : يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} تفسير : [فاطر: 1] على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وحديث : قال صلى الله عليه وسلم لأبي موسى:«لقد أوتيتَ مزماراً من مزامير آل داود»تفسير : . قال العلماء: المزمار والمزمور الصوت الحسن، وبه سمّيت آلة الزمر مزماراً. وقد استحسن كثير من فقهاء الأمصار القراءة بالتزيين والترجيع، وقد مضى هذا في مقدّمة الكتاب والحمد لله. قوله تعالى: {يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} أي وقلنا يا جبال أوّبي معه، أي سبّحي معه، لأنه قال تبارك وتعالى: {أية : إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ} تفسير : [صۤ: 18]. قال أبو ميسرة: هو التسبيح بلسان الحبشة، ومعنى تسبيح الجبال: هو أن الله تعالى خلق فيها تسبيحاً كما خلق الكلام في الشجرة، فَيُسمع منها ما يُسمع من المسبّح معجزةً لداود عليه الصلاة والسلام. وقيل: المعنى سِيري معه حيث شاء؛ من التأويب الذي هو سير النهار أجمع وينزل الليل. قال ابن مقبل:شعر : لحقنا بحيّ أوّبوا السير بعدما دفعنا شُعاع الشمس والطرف يجنح تفسير : وقرأ الحسن وقتادة وغيرهما: «أَوِّبِي مَعَهُ» أي رجِّعي معه؛ من آب يؤوب إذا رجع، أَوْباً وأوْبة وإياباً. وقيل: المعنى تصرفي معه على ما يتصرف عليه داود بالنهار، فكان إذا قرأ الزبور صوتت الجبال معه، وأصغت إليه الطير، فكأنها فعلت ما فعل. وقال وهب بن منبّه: المعنى نوحِي معه والطير تساعده على ذلك، فكان إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها، وعكفت الطير عليه من فوقه. فصَدَى الجبالِ الذي يسمعه الناس إنما كان من ذلك اليوم إلى هذه الساعة؛ فأيّد بمساعدة الجبال والطير لئلا يجد فَتْرة، فإذا دخلت الفترة اهتاج، أي ثار وتحرّك، وقوي بمساعدة الجبال والطير. وكان قد أعطي من الصوت ما يتزاحم الوحوش من الجبال على حسن صوته، وكان الماء الجاري ينقطع عن الجري وقوفاً لصوته. «والطَّيرُ» بالرفع قراءة ابن أبي إسحاق ونصر عن عاصم وابن هرمز ومسلمة بن عبد الملك، عطفاً على لفظ الجبال، أو على المضمر في «أَوِّبِي» وحسّنه الفصل بمع. الباقون بالنصب عطفاً على موضع «يَا جِبَالُ» أي نادينا الجبال والطير، قاله سيبويه. وعند أبي عمرو بن العلاء بإضمار فعل على معنى وسخرنا له الطير. وقال الكسائي: هو معطوف، أي وآتيناه الطير، حملاً على «وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً». النحاس: يجوز أن يكون مفعولاً معه، كما تقول: استوى الماء والخشبة. وسمعت الزجاج يجيز: قمت وزيداً، فالمعنى أوّبي معه ومع الطير. {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } قال ابن عباس: صار عنده كالشمع. وقال الحسن: كالعجين، فكان يعمله من غير نار. وقال السدّي: كان الحديد في يده كالطين المبلول والعجين والشمع، يصرفه كيف شاء، من غير إدخال نار ولا ضرب بمِطْرَقة. وقاله مقاتل: وكان يفرغ من الدّرع في بعض اليوم أو بعض الليل، ثمنها ألف درهم. وقيل: أعطي قوةً يَثْنِي بها الحديد، وسبب ذلك أن داود عليه السلام، لما ملك بني إسرائيل لقِي مَلَكاً وداود يظنه إنساناً، وداود متنكر خرج يسأل عن نفسه وسيرته في بني إسرائيل في خفاء، فقال داود لذلك الشخص الذي تمثّل له: ما قولك في هذا الملِك داود؟ فقال له الملَك «نِعم العبد لولا خَلّة فيه» قال داود: «وما هي؟» قال: «يرتزق من بيت المال ولو أكل من عمل يده لتمت فضائله». فرجع فدعا الله في أن يعلّمه صنعة ويسهلها عليه، فعلّمه صنعة لَبُوسٍ كما قال جل وعز في سورة الأنبياء، فألان له الحديد فصنع الدروع، فكان يصنع الدرع فيما بين يومه وليلته يساوي ألف درهم، حتى ادّخر منها كثيراً وتوسَّعت معيشة منزله، ويتصدّق على الفقراء والمساكين، وكان ينفق ثلث المال في مصالح المسلمين، وهو أوّل من اتخذ الدروع وصنعها وكانت قبل ذلك صفائح. ويقال: إنه كان يبيع كل درع منها بأربعة آلاف. والدرع مؤنثة إذا كانت للحرب. ودرع المرأة مذكر. مسألة: في هذه الآية دليل على تعلّم أهل الفضل الصنائع، وأن التحرّف بها لا ينقص من مناصبهم، بل ذلك زيادة في فضلهم وفضائلهم؛ إذ يحصل لهم التواضع في أنفسهم والاستغناء عن غيرهم، وكسب الحلال الخلي عن الامتنان. وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن خير ما أكل المرء من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده»تفسير : . وقد مضى هذا في «الأنبياء» مُجَوّداً والحمد لله.
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود عليه الصلاة والسلام مما آتاه من الفضل المبين، وجمع له بين النبوة والملك المتمكن، والجنود ذوي العدد والعدد، وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم، الذي كان إذا سبح به، تسبح معه الجبال الراسيات، الصم الشامخات، وتقف له الطيور السارحات، والغاديات، والرائحات، وتجاوبه بأنواع اللغات. وفي الصحيح: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبي موسى الأشعري رضي الله عنه يقرأ من الليل، فوقف فاستمع لقراءته، ثم قال صلى الله عليه وسلم «حديث : لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود» تفسير : وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا وتر أحسن من صوت أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، ومعنى قوله تعالى: {أَوِّبِي} أي: سبحي، قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد، وزعم أبو ميسرة أنه بمعنى: سبحي، بلسان الحبشة، وفي هذا نظر، فإن التأويب في اللغة هو الترجيع، فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها. وقال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتابه ــــ "الجمل" ــــ في باب النداء منه: {يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ} أي: سيري معه بالنهار كله، والتأويب: سير النهار كله، والإسآد سير الليل كله، وهذا لفظه، وهو غريب جداً، لم أره لغيره، وإن كان له مساعدة من حيث اللفظ في اللغة، لكنه بعيد في معنى الآية ههنا، والصواب أن المعنى في قوله تعالى: {أَوِّبِي مَعَهُ} أي: رجعي مسبحة معه؛ كما تقدم، والله أعلم. وقوله تعالى: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ} قال الحسن البصري وقتادة والأعمش وغيرهم: كان لا يحتاج أن يدخله ناراً، ولا يضربه بمطرقة، بل كان يفتله بيده مثل الخيوط، ولهذا قال تعالى: {أَنِ ٱعْمَلْ سَـٰبِغَـٰتٍ} وهي الدروع. قال قتادة: وهو أول من عملها من الخلق، وإنما كانت قبل ذلك صفائح. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا ابن سماعة، حدثنا ابن ضمرة عن ابن شوذب قال: كان داود عليه السلام يرفع في كل يوم درعاً، فيبيعها بستة آلاف درهم، ألفين له ولأهله، وأربعة آلاف درهم يطعم بها بني إسرائيل خبز الحواري {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ} هذا إرشاد من الله تعالى لنبيه داود عليه السلام في تعليمه صنعة الدروع. وقال مجاهد في قوله تعالى: {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ} لا تدق المسمار فيقلق في الحلقة، ولا تغلظه فيقصمها، واجعله بقدر، وقال الحكم بن عيينة: لا تغلظه فيقصم، ولا تدقه فيقلق، وهكذا روي عن قتادة وغير واحد، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: السرد: حلق الحديد. وقال بعضهم: يقال: درع مسرودة إذا كانت مسمورة الحلق، واستشهد بقول الشاعر:شعر : وعليهما مَسْرودتان قَضاهُما داودُ أَو صنع السوابغ تبع تفسير : وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود عليه الصلاة والسلام من طريق إسحاق بن بشر، وفيه كلام، عن أبي إلياس عن وهب بن منبه ما مضمونه: أن داود عليه السلام كان يخرج متنكراً، فيسأل الركبان عنه وعن سيرته، فلا يسأل أحداً إلا أثنى عليه خيراً في عبادته وسيرته وعدله عليه السلام. قال وهب: حتى بعث الله تعالى ملكاً في صورة رجل، فلقيه داود عليه الصلاة والسلام، فسأله كما كان يسأل غيره، فقال: هو خير الناس لنفسه ولأمته، إلا أن فيه خصلة، لو لم تكن فيه، كان كاملاً. قال: ما هي؟ قال: يأكل ويطعم عياله من مال المسلمين، يعني: بيت المال، فعند ذلك نصب داود عليه السلام إلى ربه عز وجل في الدعاء أن يعلمه عملاً بيده يستغني به ويغني به عياله، فألان الله عز وجل له الحديد، وعلمه صنعة الدروع، فعمل الدروع، وهو أول من عملها، فقال الله تعالى: {أَنِ ٱعْمَلْ سَـٰبِغَـٰتٍ وَقَدِّرْ فِى ٱلسَّرْدِ} يعني: مسامير الحلق، قال: وكان يعمل الدرع، فإذا ارتفع من عمله درع، باعها فتصدق بثلثها، واشترى بثلثها ما يكفيه وعياله، وأمسك الثلث يتصدق به يوماً بيوم إلى أن يعمل غيرها، وقال: إن الله أعطى داود شيئاً لم يعطه غيره من حسن الصوت، إنه كان إذا قرأ الزبور، تجتمع الوحوش إليه حتى يؤخذ بأعناقها وما تنفر، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج، إلا على أصناف صوته عليه السلام، وكان شديد الاجتهاد، وكان إذا افتتح الزبور بالقراءة كأنما ينفخ في المزامير،وكان قد أعطي سبعين مزماراً في حلقه. وقوله تعالى: {وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً} أي: في الذي أعطاكم الله تعالى من النعم {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي: مراقب لكم، بصير بأعمالكم وأقوالكم، لا يخفى علي من ذلك شيء.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُدُ مِنَّا فَضْلاً } نبوّة وكتاباً وقلنا {يٰجِبَالُ أَوِّبِى } رجعي {مَعَهُ } بالتسبيح {وَٱلطَّيْرَ } بالنصب عطفاً على محل الجبال، أي ودعوناها تسبح معه {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } فكان في يده كالعجين.
الشوكاني
تفسير : ثم ذكر سبحانه من عباده المنيبين إليه داود، وسليمان كما قال في داود: {أية : فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ } تفسير : [صۤ: 24] وقال في سليمان: {أية : وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ } تفسير : [صۤ: 34]، فقال: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودُ مِنَّا فَضْلاً } أي: آتيناه بسبب إنابته فضلاً منا على سائر الأنبياء. واختلف في هذا الفضل على أقوال: فقيل: النبوّة. وقيل: الزبور. وقيل: العلم. وقيل: القوّة كما في قوله: {أية : وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودُ ذَا ٱلأَيْدِ } تفسير : [صۤ: 17]. وقيل: تسخير الجبال كما في قوله: {يٰجِبَالُ أَوّبِى مَعَهُ } وقيل: التوبة، وقيل: الحكم بالعدل كما في قوله: {أية : يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَـٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقّ } تفسير : [صۤ: 26]. وقيل: هو: إلاّنة الحديد كما في قوله: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ }، وقيل: حسن الصوت، والأولى أن يقال: إن هذا الفضل المذكور هو ما ذكره الله بعده من قوله: {يا جِبَالٍ } إلى آخر الآية، وجملة {يٰجِبَالُ أَوّبِى مَعَهُ } مقدّرة بالقول، أي: قلنا يا جبال. والتأويب: التسبيح كما في قوله: {أية : إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبّحْنَ } تفسير : [صۤ: 18]. قال أبو ميسرة: هو: التسبيح بلسان الحبشة. وكان إذا سبح داود سبحت معه، ومعنى تسبيح الجبال: أن الله يجعلها قادرة على ذلك، أو يخلق فيها التسبيح معجزة لداود. وقيل: معنى {أوّبي}: سيري معه، من التأويب الذي هو سير النهار أجمع، ومنه قول ابن مقبل:شعر : لحقنا بحيّ أوّبوا السير بعد ما دفعنا شعاع الشمس والطرف مجنح تفسير : قرأ الجمهور: {أوّبى} بفتح الهمزة، وتشديد الواو على صيغة الأمر، من التأويب: وهو: الترجيع، أو التسبيح، أو السير، أو النوح. وقرأ ابن عباس، والحسن، وقتادة، وابن أبي إسحاق «أوبى» بضم الهمزة أمراً من آب يئوب: إذا رجع، أي: ارجعي معه. قرأ الجمهور: {وَٱلطَّيْرُ } بالنصب عطفاً على {فضلاً} على معنى: وسخرنا له الطير، لأن إيتاءه إياها تسخيرها له، أو عطفاً على محل: {يا جبال}؛ لأنه منصوب تقديراً، إذ المعنى: نادينا الجبال، والطير. وقال سيبويه، وأبو عمرو بن العلاء: انتصابه بفعل مضمر على معنى: وسخرنا له الطير. وقال الزجاج، والنحاس: يجوز: أن يكون مفعولاً معه كما تقول: استوى الماء، والخشبة. وقال الكسائي: إنه معطوف على {فضلاً} لكن على تقدير مضاف محذوف، أي: آتيناه فضلاً، وتسبيح الطير. وقرأ السلمي، والأعرج، ويعقوب، وأبو نوفل، وابن أبي إسحاق، ونصر بن عاصم، وابن هرمز، ومسلمة بن عبد الملك بالرفع عطفاً على لفظ الجبال، أو على المضمر في: {أوّبي} لوقوع الفصل بين المعطوف، والمعطوف عليه {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } معطوف على {آتيناه} أي: جعلناه ليناً؛ ليعمل به ما شاء. قال الحسن: صار الحديد كالشمع يعمله من غير نار. وقال السدّي: كان الحديد في يده كالطين المبلول، والعجين، والشمع يصرفه كيف يشاء من غير نار، ولا ضرب بمطرقة، وكذا قال مقاتل، وكان يفرغ من عمل الدرع في بعض يوم. {أَنِ ٱعْمَلْ سَـٰبِغَـٰتٍ } في "أن" هذه وجهان: أحدهما: أنها مصدرية على حذف حرف الجرّ، أي: بأن اعمل، والثاني أنها المفسرة لقوله: {وَأَلَنَّا }، وفيه نظر؛ لأنها لا تكون إلاّ بعد القول، أو ما هو في معناه. وقدّر بعضهم فعلاً فيه معنى القول، فقال التقدير: وأمرناه أن أعمل. وقوله: {سَـٰبِغَـٰتٍ } صفة لموصوف محذوف، أي: دروعاً سابغات، والسابغات الكوامل الواسعات، يقال: سبغ الدرع، والثوب، وغيرهما: إذا غطى كل ما هو عليه، وفضل منه فضلة. {وَقَدّرْ فِى ٱلسَّرْدِ } السرد نسج الدروع، ويقال: السرد والزرد كما يقال: السراد، والزراد لصانع الدروع، والسرد أيضاً الخرز. يقال: سرد يسرد: إذا خرز، ومنه سرد الكلام: إذا جاء به متوالياً، ومنه حديث عائشة: لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يسرد الحديث كسردكم. قال سيبويه: ومنه سريد: أي: جري، ومعنى سرد الدروع: إحكامها، وأن يكون نظم حلقها ولاء غير مختلف، ومنه قول لبيد:شعر : سرد الدروع مضاعفاً أسراده لينال طول العيش غير مروم تفسير : وقول أبي ذؤيب الهذلي:شعر : وعليهما مسرودتان قضاهما داود إذ صنع السوابغ تبع تفسير : قال قتادة: كانت الدروع قبل داود ثقالاً، فلذلك أمر هو بالتقدير فيما يجمع الخفة والحصانة، أي: قدّر ما تأخذ من هذين المعنيين بقسطه، فلا تقصد الحصانة فيثقل، ولا الخفة فيزيل المنعة، وقال ابن زيد: التقدير الذي أمر به هو في قدر الحلقة، أي: لا تعملها صغيرة فتضعف ولا يقوى الدرع على الدفاع، ولا تعملها كبيرة فتثقل على لابسها. وقيل: إن التقدير هو في المسمار، أي: لا تجعل مسمار الدرع دقيقاً فيقلق، ولا غليظاً فيفصم الحلق. ثم خاطب داود، وأهله، فقال: {وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً } أي: عملاً صالحاً كما في قوله: {ٱعْمَلُواْ ءالَ دَاوُودُ شَـٰكِراً }، ثم علل الأمر بالعمل الصالح بقوله: {إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } أي: لا يخفى عليّ شيء من ذلك. {وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرّيحَ } قرأ الجمهور: {الريح} بالنصب على تقدير: وسخرنا لسليمان الريح كما قال الزجاج، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه بالرفع على الابتداء، والخبر، أي: ولسليمان الريح ثابتة أو مسخرة، وقرأ الجمهور: {الريح}، وقرأ الحسن، وأبو حيوة، وخالد بن إلياس: (الرياح) بالجمع. {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } أي: تسير بالغداة مسيرة شهر، وتسير بالعشي كذلك، والجملة إما مستأنفة لبيان تسخير الريح، أو في محل نصب على الحال. والمعنى: أنها كانت تسير في اليوم الواحد مسيرة شهرين. قال الحسن: كان يغدو من دمشق، فيقيل بإصطخر، وبينهما مسيرة شهر للمسرع، ثم يروح من إصطخر، فيبيت بكابل، وبينهما مسيرة شهر {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ } القطر: النحاس الذائب. قال الواحدي: قال المفسرون: أجريت له عين الصفر ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء، وإنما يعمل الناس اليوم بما أعطي سليمان، والمعنى: أسلنا له عين النحاس كما ألنا الحديد لداود، وقال قتادة: أسال الله له عيناً يستعملها فيما يريد {وَمِنَ ٱلْجِنّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبّهِ } من مبتدأ، ويعمل خبره، ومن الجنّ متعلق به، أو بمحذوف على أنه حال، أو من يعمل معطوف على الريح، ومن الجنّ حال، والمعنى: وسخرنا له من يعمل بين يديه حال كونه من الجنّ بإذن ربه، أي: بأمره. والإذن مصدر مضاف إلى فاعله، والجار والمجرور في محل نصب على الحال، أي: مسخراً أو ميسراً بأمر ربه {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا } أي: ومن يعدل من الجنّ عن أمرنا الذي أمرناه به: وهو: طاعة سليمان {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } قال أكثر المفسرين: وذلك في الآخرة. وقيل: في الدنيا. قال السدّي: وكل الله بالجنّ ملكاً بيده سوط من نار، فمن زاغ عن أمر سليمان ضربه بذلك السوط ضربة فتحرقه. ثم ذكر سبحانه ما يعمله الجنّ لسليمان، فقال: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء }، و «من» في قوله: {مِن مَّحَـٰرِيبَ } للبيان، والمحاريب في اللغة كل موضع مرتفع، وهي: الأبنية الرفيعة، والقصور العالية. قال المبرد: لا يكون المحراب إلاّ أن يرتقى إليه بدرج، ومنه قيل: للذي يصلي فيه: محراب؛ لأنه يرفع ويعظم. وقال مجاهد: المحاريب دون القصور. وقال أبو عبيدة: المحراب أشرف بيوت الدار، ومنه قول الشاعر:شعر : وماذا عليه إن ذكرت أوانسا كغزلان رمل في محاريب أقيال تفسير : وقال الضحاك: المراد بالمحاريب هنا: المساجد، والتماثيل جمع تمثال، وهو كل شيء مثلته بشيء، أي: صوّرته بصورته من نحاس، أو زجاج، أو رخام، أو غير ذلك. قيل: كانت هذه التماثيل صور الأنبياء، والملائكة، والعلماء، والصلحاء، وكانوا يصوّرونها في المساجد؛ ليراها الناس، فيزدادوا عبادة واجتهاداً. وقيل: هي تماثيل أشياء ليست من الحيوان. وقد استدل بهذا على أن التصوير كان مباحاً في شرع سليمان، ونسخ ذلك بشرع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. والجفان جمع جفنة، وهي: القصعة الكبيرة. {الجواب} جمع جابية، وهي: حفيرة كالحوض. وقيل: هي الحوض الكبير يجبي الماء، أي: يجمعه. قال الواحدي: قال المفسرون: يعني: قصاعاً في العظم كحياض الإبل يجتمع على القصعة الواحدة ألف رجل يأكلون منها. قال النحاس: الأولى إثبات الياء في الجوابي، ومن حذف الياء قال سبيل الألف واللام أن تدخل على النكرة فلا تغيرها عن حالها، فلما كان يقال جواب، ودخلت الألف واللام أقرّ على حاله، فحذف الياء. قال الكسائي: يقال: جبوت الماء، وجبيته في الحوض، أي: جمعته، والجابية الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل. وقال النحاس: والجابية القدر العظيمة، والحوض العظيم الكبير الذي يجبى فيه الشي، أي: يجمع، ومنه جبيت الخراج، وجبيت الجراد: جمعته في الكساء {وَقُدُورٍ رسِيَـٰتٍ } قال قتادة: هي: قدور النحاس تكون بفارس، وقال الضحاك: هي: قدور تنحت من الجبال الصمّ عملتها له الشياطين. ومعنى {راسيات}. ثابتات لا تحمل، ولا تحرّك لعظمها. ثم أمرهم سبحانه بالعمل الصالح على العموم، أي: سليمان وأهله، فقال: {ٱعْمَلُواْ ءالَ دَاوُودُ شَـٰكِراً } أي: وقلنا لهم اعملوا بطاعة الله يا آل داود شكراً له على ما آتاكم، أو اعملوا عملاً شكراً على أنه صفة مصدر محذوف، أو اعملوا للشكر على أنه مفعول له، أو حال، أي: شاكرين، أو مفعول به، وسميت الطاعة شكراً لأنها من جملة أنواعه، أو منصوب على المصدرية بفعل مقدّر من جنسه، أي: اشكروا شكراً. ثم بين بعد أمرهم بالشكر أن الشاكرين له من عباده ليسوا بالكثير، فقال: {وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ } أي: العامل بطاعتي الشاكر لنعمتي قليل. وارتفاع {قليل} على أنه خبر مقدّم، و{من عبادي} صفة له، والشكور مبتدأ. {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ } أي: حكمنا عليه به، وألزمناه إياه {مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ } يعني: الأرضة. وقرىء. (الأرض) بفتح الراء، أي: الأكل، يقال: أرضت الخشبة أرضاً: إذا أكلتها الأرضة. ومعنى تأكل منسأته: تأكل عصاه التي كان متكئاً عليها، والمنسأة: العصا بلغة الحبشة، أو هي مأخوذة من نسأت الغنم، أي: زجرتها. قال الزجاج: المنسأة التي ينسأ بها: أي: يطرد. قرأ الجمهور: {منسأته} بهمزة مفتوحة. وقرأ ابن ذكوان بهمزة ساكنة. وقرأ نافع، وأبو عمرو بألف محضة. قال المبرد: بعض العرب يبدل من همزتها ألفاً، وأنشد:شعر : إذا دببت على المنسأة من كبر فقد تباعد عنك اللهو والغزل تفسير : ومثل قراءة الجمهور قول الشاعر:شعر : ضربنا بمنسأة وجهه فصار بذاك مهيناً ذليلا تفسير : ومثله:شعر : أمن أجل حبل لا أباك ضربته بمنسأة قد جرّ حبلك أحبلا تفسير : ومما يدلّ على قراءة ابن ذكوان قول طرفة:شعر : أمون كألواح الأران نسأتها على لاحب كأنه ظهر برجد تفسير : {فَلَمَّا خَرَّ } أي: سقط {تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ } أي: ظهر لهم، من تبينت الشيء: إذا علمته، أي: علمت الجن: {أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ } أي: لو صح ما يزعمونه من أنهم يعلمون الغيب لعلموا بموته، ولم يلبثوا بعد موته مدة طويلة في العذاب المهين في العمل الذي أمرهم به، والطاعة له، وهو إذ ذاك ميت. قال مقاتل: العذاب المهين: الشقاء، والنصب في العمل. قال الواحدي: قال المفسرون: كانت الناس في زمان سليمان يقولون: إن الجنّ تعلم الغيب، فلما مكث سليمان قائماً على عصاه حولاً ميتاً، والجنّ تعمل تلك الأعمال الشاقة التي كانت تعمل في حياة سليمان لا يشعرون بموته حتى أكلت الأرضة عصاه، فخرّ ميتاً، فعلموا بموته، وعلم الناس: أن الجنّ لا تعلم الغيب، ويجوز: أن يكون تبينت الجنّ من تبين الشيء، لا من تبينت الشيء، أي: ظهر، وتجلى، وأن وما في حيزها بدل اشتمال من الجنّ مع تقدير محذوف، أي: ظهر أمر الجن للناس أنهم لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين، أو ظهر أن الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب إلخ. قرأ الجمهور: {تبينت} على البناء للفاعل مسنداً إلى الجنّ. وقرأ ابن عباس ويعقوب: {تبينت} على البناء للمفعول، ومعنى القراءتين يعرف مما قدّمنا. وقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {أَوّبِى مَعَهُ } قال: سبحي معه، وروي مثله عن أبي ميسرة، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة، وابن زيد. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } قال: كالعجين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عنه أيضاً في قوله: {وَقَدّرْ فِى ٱلسَّرْدِ } قال: حلق الحديد. وأخرج عبد الرّزّاق، والحاكم عنه أيضاً {وَقَدّرْ فِى ٱلسَّرْدِ } قال: لا تدقّ المسامير، وتوسع الحلق، فتسلس، ولا تغلظ المسامير، وتضيق الحلق، فتقصم، واجعله قدراً. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق عنه أيضاً في قوله: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ } قال النحاس. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً قال: القطر النحاس لم يقدر عليها أحد بعد سليمان، وإنما يعمل الناس بعده فيما كان أعطي سليمان. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: القطر الصفر. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عباس في قوله: {وَتَمَـٰثِيلَ } قال: اتخذ سليمان تماثيل من نحاس فقال: يا ربّ انفخ فيها الروح، فإنها أقوى على الخدمة، فنفخ الله فيها الروح، فكانت تخدمه، وكان اسفنديار من بقاياهم، فقيل لداود وسليمان: {ٱعْمَلُواْ ءالَ دَاوُودُ شُكْراً وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ }. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله: {كَٱلْجَوَابِ } قال: كالجوبة من الأرض {وَقُدُورٍ رسِيَـٰتٍ } قال: أثافيها منها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ } يقول: قليل من عبادي الموحدين توحيدهم. وأخرج هؤلاء عنه أيضاً قال: لبث سليمان على عصاه حولاً بعد ما مات، ثم خرّ على رأس الحول، فأخذت الجنّ عصي مثل عصاه، ودابة مثل دابته، فأرسلوها عليها، فأكلتها في سنة، وكان ابن عباس يقرأ: {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ } الآية، قال سفيان: وفي قراءة ابن مسعود «وهم يدأبون له حولاً». وأخرج البزار، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن السني، وابن مردويه عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كان سليمان إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه، فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول: كذا، وكذا، فيقول: لما أنت؟ فتقول: لكذا، وكذا، فإن كانت لغرس غرست، وإن كانت لدواء كتبت، وصلى ذات يوم، فإذا شجرة نابتة بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروب؟ قال: لأيّ شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان: اللهم عمّ عن الجنّ موتي حتى يعلم الإنس أن الجنّ لا يعلمون الغيب، فهيأ عصا، فتوكأ عليها، وقبضه الله، وهو متكىء عليها، فمكث حولاً ميتاً، والجنّ تعمل، فأكلتها الأرضة، فسقطت، فعلموا عند ذلك بموته، فتبينت الإنس {أن} الجنّ {لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ }» تفسير : وكان ابن عباس يقرؤها كذلك، فشكرت الجنّ للأرضة، فأينما كانت يأتونها بالماء. وأخرجه الحاكم وصححه عن ابن عباس موقوفاً، وأخرج الديلمي عن زيد بن أرقم مرفوعاً يقول الله عزّ وجلّ«إني تفضلت على عبادي بثلاث: ألقيت الدابة على الحبة، ولولا ذلك لكنزها الملوك كما يكنزون الذهب، والفضة، وألقيت النتن على الجسد، ولولا ذلك لم يدفن حبيب حبيبه، واستلبت الحزن، ولولا ذلك لذهب النسل».
الماوردي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً} فيه سبعة أقاويل: أحدها: النبوة. الثاني: الزبور. الثالث: فصل القضاء بالعدل. الرابع: الفطنة والذكاء. الخامس: رحمة الضعفاء. السادس: حسن الصوت. السابع: تسخير الجبال له والطير. {يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: سبحي معه، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة. الثاني: سيرى معه قاله الحسن وهو من السير ما كان في النهار كله أو في الليل كله، وقيل: بل هو سير النهار كله دون الليل. الثالث: ارجعي إذا رجع، قال الشاعر: شعر : يومان يوم مقاماتٍ وأنديةٍ ويوم سير إلى الأعداء تأويب. تفسير : أي رجوع بعد رجوع. {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} قال قتادة كان يعمل به كما يعمل بالطين لا يدخله النار ولا يضربه بمطرقة. ويحتمل وجهاً آخر أنه سهل له الحديد أن يعمل منه ما شاء وإن كان على جوهره وطبعه من قولهم قد لان لك فلان إذا تسهل عليك. قوله عز وجل: {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ} أي درعاً تامة، ومنه إسباغ النعمة إتمامها، قال الشاعر: شعر : وأكثرهم دروعاً سابغات وأمضاهم إذا طعنوا سنانا تفسير : {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} فيه قولان: أحدهما: عدِّل المسامير في الحلقة لا تصغر المسمار وتعظم الحلقة فيسلس، ولا تعظم المسمار وتصغر الحلقة فتنفصم الحلقة، قاله مجاهد. الثاني: لا تجعل حلقه واسعة فلا تقي صاحبها، قال قتادة: وكان داود أول من عملها، وكان قبل ذلك صفائح. وفي {السَّرْدِ} قولان: أحدهما: أنه النقب الذي في حلق الدرع، قاله ابن عباس، قال لبيد: شعر : وما نسجت أسراد داود وابنه مضاعفة من نسجه إذ يقاتل تفسير : الثاني: أنه المسامير التي في حلق الدرع، قاله قتادة، مأخوذ من قولهم: سرد الكلام يسرده إذا تابع بينه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: في الأشهر الحرم ثلاثة سردٌ وواحد فرد. وقال الهذلي: شعر : وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبّع تفسير : وحكى ضمرة بن شوذب أن داود عليه السلام كان يرفع كل يوم درعاً فيبيعها بستة آلآف درهم، ألفان لأهله، وأربعة آلاف يطعم بها بني إسرائيل خبز الحواري. وحكى يحيى بن سلام والفراء أن لقمان حضر داود عند أول درع عملها فجعل يتفكر فيما يريد به ولا يدري ما يريد، فلم يسله حتى إذا فرغ منها داود قام فلبسها وقال: نعمت جنة الحرب هذه، فقال لقمان: الصمت حكمة وقليل فاعله. {وَاعْمَلُواْ صَالِحاً} فيه وجهان: أحدهما: هو قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، قاله ابن عباس. الثاني: فعل جميع الطاعات. {إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} أي يعلم ما تعملون من خير أو شر.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَضْلاً} نبوة، أو زبوراً، أو قضاء بالعذاب، أو فطنة وذكاء، أو رحمة الضعفاء، أو حسن الصوت، أو تسخير الجبال والطير {أَوِّبِى} سبحي معه "ع" أو سيري "ح"، والتأويب سير النهار كله، أو سير الليل كله، أو سير النهار كله دون الليل. أو رجِّعي معه إذا رجع {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ} فكان يعمل به كالعمل بالطين لا يدخله النار ولا يعمل بمطرقة.
ابن عادل
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً} فقوله: "مِنَّا" إشارة إلى بيان فضل داود لأن قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً} مستقبل بالمفهوم وتام كما يقول القائل: آتَى الملك زيداً خلعةً، فإذا قال القائل: آتاه منه خلعَةً يفيد أنه كان من خاصِّ ما يكون له فكذلك إيتاء الله الفضل عام لكن النبوة من عنده خاص بالبعض، ونطيره قوله تعالى: {أية : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ} تفسير : [التوبة: 21] فإنَّ رحمةَ الله واسعةٌ تصلُ إلى كل أحد لكن رحمته في الآخرة على المؤمنين رحمة من عنده لخواصِّه، والمراد بالفضل النبوة والكتاب، وقيل: الملك، وقيل: جميع ما أوتِيَ من حُسْن الصوت وتَلْيِين الحديد وغير ذلك مما خُصَّ به. قوله: "يَا جِبَالُ" محكيّ بقول مضمر، ثم إن شئت قدرته مصدراً ويكون بدلاً من "فضلاً" على جهة تفسيره به كأنه قيل: آتيناهُ فضلاً قولَنَا يَا جبالُ، وإن شئت جعلته مستأنفاً. قوله: "أَوِّبي" العامة على فتح الهمزة، وتشديد الواو، أمراً من التَّأويب وهو التَّرجيع، وقيل: التسبيح بلغة الحَبَشَة، وقال القُتَيْبيُّ: أصله من التأويب في السير وهو أن يسير النهار كلّه، وينزل ليلاً كأنه قال: ادْأَبِي النَّهَار كُلَّهُ بالتسبيح معه، وقال وهب: نوحي معه، وقيل: سيري معه، وقيل: سيري معه، والتضعيف يُحتمل أن يكون للتكثير، واختار أبو حيان أن يكون للتعدي قال: لأنهم فَسَّروه برجع مع التسبيح، ولا دليل فيه لأنه دليل معنى. وقرأ ابنُ عباس والحَسَنُ وقتادةُ وابنُ أبي إسحاق: أُوبِي بضم الهمزة أمراً من آبَ يَؤُوبُ أي ارجع معه بالتسبيح. قوله: "والطير" العامة على نصبه وفيه أوجه: أحدهما: أنه عطف على محل جبال لأنه منصوب تقديراً. الثاني: أنه مفعول معه قاله الزجاج. ورد عليه بأنه قبله لفظ "معه" ولا يقتضي العامل أكثرَ من مفعول معه واحد إلا بالبدل أو العطف لا يقال: جَاءَ زَيْدٌ مَعَ بَكْرٍ مَعَ عَمْروٍ. قال شهاب الدين: وخلافهم في تَقَصِّيه حالين يقتضي مجيئه هنا. الثالث: أنه عطف على "فضلاً"، قاله الكسائي، ولا بدّ من حذف مضاف تقديره آتيناه فضلاً وتَسْبِيح الطير. الرابع: أنه منصوب بإضمار فعل أي سَخَّرْنَا لَهُ الطَّيْرَ. قاله أبو عمرو، وقرأ السُّلَميُّ والأعرجُ ويعقوبُ وأبو نوفل وأبو يَحْيَى وعاصمٌ - في رواية - والطَّيْرُ بالرفع، وفيه أوجه: النسق على لفظ "الجبال" وأنشد: شعر : 4114- أَلاَ يَا زَيْدُ وَالضَّحَّاكُ سِيرَا فَقَدْ جَاوزتُمَا خَمَرَ الطَّرِيق تفسير : بالوجهين، وفي عطفِ المعرف بأل على المنادى المضموم ثلاثة مذاهب، الثاني: عطفه على الضمير المستكن في "أَوِّبِي" وجاز ذلك، للفصل بالظرف، والثالث: الرفع على الابتداء والخبر مضمر أي والطيرُ كذلك أي مؤوبةٌ. فصل لم يكن الموافقون له في التأويب منحصراً في الطير والجبال ولكن ذكر الجبال لأن الصخور للجُمُود والطير للنفور وكلاهما مستبعد منه الموافقة، فإذا وافقه هذه الأشياء فغيرها أولى ثم إن من الناس من لم يوافقه وهم القاسية قلوبهم التي هي أشَدّ قسوة. قال المفسرون كان داود إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصَدَاها وعكفت الطير على من فوقه فصدى الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك وقيل: كان داود إذا تخلل الجبال فسبح الله جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح. وقيل: كان داود إذا لحقه فتور أسمعه الله تسبيح الجبال تنشيطاً له. قوله: "وَأَلَنَّا" عطف على "آتَيْتَا" وهو من جملة الفَضْل، قال ابن الخطيب: ويحتمل أن يعطف على "قلنا" في قوله {يَٰجِبَالُ أَوِّبِي... وَأَلَنَّا}. فصل ألان الله تعالى له الحديد حتى كان في يده كالشمع والعجين يعمل منه ما يشاء من غير نار ولا ضرب مِطْرَقَةٍ وذلك في قدرة الله يسير، روي أنه طلب من الله أن يغنيه عن أكل مال بيت المال فألان الله له الحديدَ وعلمه صنعة اللَّبُوس وهي الدرع وأنه أول من اتخذها. وإنما اختار الله له ذلك لأنه وقاية للروح التي هي من أمره وتحفظ الآدمي المكرم عند الله من القتل، فالزَّرَّاد خيرمن القوَّاس والسَّيَّاف وغيرهما؛ لأن القوس والسيف وغيرهما من السلاح رُبَّمَا يستعمل في قتل النفس المحرمة، بخلاف الدِّرع قال عليه (الصلاة و) السلام: "حديث : كَانَ دَاوُدُ لاَ يَأكُلُ إلاَّ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ". تفسير : قوله: "أَن اعْمَلْ" فيه وجهان: أظهرهما: أنها مصدرية على حذف الجر أي لأَنْ. والثاني: قاله الحَوْفيُّ وغيره إنها مفسرة لقوله: "وَأَلَنَّا لَهُ الحديدَ لِيَعْمَلَ سابغاتٍ" ورد هذا بأن شرطها تقدم بما هو بمعنى القول ولم يتقدم إلا "أَلَنَّا"، واعتذر بعضهُم عن هذا بأن قَدَّر ما هو بمعنى القول أي وأَمَرْنَاهُ أَنْ اعْمَلْ. ولا ضرورة تدعو إلى ذلك، وقرىء: "صَابِغَاتٍ" لأجل الغين وتقدم تقديره في لقمان عند "وأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ". فصل معنى "سابغات" أي كوامل واسعات طوالاً تسحب في الأرض. وذكر الصفة ويعلم منها الموصوف. قوله: {وَقدِّرْ فِي السَّرْد} والسرد: نسيج الدُّرُوع يقال لصانعه: السَّرَّاد" الزَّرَّاد. والمعنى قدر المسامير في حلق الدروع أي لا تجعل المسامير غلاظاً فتكسر الحَلَق ولا دقاقاً فتُغَلْغِل فيها. ويقال السرد المسمار في الحَلَقة، يقال: درع مسْرُودَة أي مَسْمُورَة الحَلَق. وقدر في السَّرد أي اجعله على القصدِ وقدْرِ الحاجة، ويحتمل أن يقال السَّرد هو عمل الزرد. وقوله: {وقدِّرْ فِي ٱلسَّرْد} أي إنك غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب والكسب (إنما) يكون بقدر الحاجة وباقي الأيام والليالي للعبادة فقدر في ذلك العمل ولا تشغل جميع أوقاتك بالكسب بل حصل به القوت فحسب. ويدل عليه قوله تعالى: {وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً} أي لستم مخلوقين إلا للعمل الصالح فاعملوا ذلك وأكثروا منه والكسب فقدروا فيه ثم أكد طلب الفعل الصالح بقوله: {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} يريد بهذا داود وآله، ثم لما ذكر المنيب الواحد منيباً آخر وهو سليمانُ كقوله تعالى: {أية : وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} تفسير : [ص:34] ذكر ما استفاد من الإنابة وهو قوله تعالى: {وَلِسُليمَانَ ٱلرِّيحَ} العامة على النصب بإضمار فعل، أي سَخَّرنَا لِسُلَيْمانَ، وأبو بكر بالرفع على الابتداء، والخبر في الجار قبله أو محذوف، وجوز أبو البقاء أن يكون فاعلاً يعني بالجار، وليس بقويّ لعدم اعتماده وكان قد وافقه في الأنبياء غيره، وقرأ العامة الرِّيحَ بالإفراد. والحَسَنُ وأبو حَيْوَةَ، وخالدُ بْنُ إلْيَاسَ الرِّيَاح جمعاً. وتقدم في الأنبياء أن الحسن يقرأ مع ذلك بالنصب وهنا لم ينقل له ذلك. فإن قيلَ: الواو في قوله: "وَلِسُلَيْمَانَ" للعطف فعلى قراءة الرفع يصير عطفاً للجملة الاسمية على فعلية وهو لا يجوز أوْ لاَ يَحْسُنُ؟ فالجواب: أنه لما بين حال داود فكأنه قال: لما ذكر لداود ولسليمان الريح وإما على النصب على قوله: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلحَدِيدَ} (كأنه قال وألنا لداودَ الحديدَ) وسخرنا لسليمان الريح. قوله: {غُدُوُّهَا شَهْرٌ} مبتدأ وخبر ولا بد من حذف مضاف أي غُدُوُّهَا مَسِيرةُ شَهرٍ أو مقدارُ غُدُوِّهَا شَهْرٌ، ولو نصب لجاز، إلا أنه لم يُقْرأ بها فيما علمنا، وقرأ ابن أبي عبلة غَدْوَتُهَا وَروحتُها على المرّة، والجملة إما مستأنفة، وإما في محلِّ حالٍ. فصل المعنى غُدُوُّ تلك الريح المستمرة له مسيرةُ شهر، وسير رواحها شهر فكانت تسير به في يوم واحد مسيرةَ شهرين. قال الحسن: كان يَغْدُو من دمشقَ فيقيل بإصطخر (وبينهما مسيرة شهر، ثم يَرُوحُ من إصطخر فيبِيت بكَابُل) وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع وقيل: كان يتغذى بالرِّيِّ ويتعشى بسمرقَنْدَ. فإن قيل: ما الحكمة في قوله في الجبال معَ دَاوُدَ الجِبَالَ وفي الأنبياء وفي هذه السورة فقال: يا جبال أوبي معه وقال في الريح هناك وههنا: لسليمان باللام؟ فالجواب: أن الجبال لما سبَّحت شَرفت بذكر الله فلم يُضِيفْها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب والريح لم يذكر تسبيحها فجعلها كالمملوكة لَهُ. قوله: {وَأسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلقِطْرِ} أي أذبْنَا له عين النُّحاس. والقِطْرُ: النحاسُ، قال المفسرون: أجريت له عين النحاس ثلاثة أيام بلياليها كجَرْي المياه، وكان بأرضِ اليمن. وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله لسليْمَانَ. قوله: "مَنْ يَعْمَلُ" يجوز أن يكون مرفوعاً بالابتداء وخبره في الجار قبله أي مِنَ الجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ وأن يكون في موضع نصب بفعل مقدر أي وسَخَّرْنَا لَهُ مَنْ يَعْمَلُ و"مِنَ الجِنِّ" يتعلق بهذا المقدر، أو بمحذوف على أنه حال أو بيان، و "بإذْنِ" حال أي مُيَسّراً بإذن ربه، والإذن مصدر مضاف لفاعله، وقرىء: "وَمَنْ يَزُغْ" بضم الياء من أَزَاغَ ومفعوله محذوف أي يَزُغْ نَفْسَهُ، أي يُمِيلُها و "مِنْ عَذَابٍ" لابتداء الغاية أو للتبعيض. فصل قال ابن عباس: سخر الله الجنَّ لسليمانَ وأمرهم بطاعته فيما يأمرهم به، ومن يزُغ يعدِل منهم من الجن عن أمرنا الذي أمرنا به من طاعة سليان نُذِقْه مِنْ عَذَابِ السَّعير في الآخرة، وقيل: في الدنيا وذلك أن الله وكل بهم ملكاً بيده سَوْطٌ من نارٍ فمن زاغ منهم عن أمر سليمان ضربه ضربةً أحْرَقَتْهُ. قوله: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ} مفسر لقوله: "مَنْ يَعْمَلُ" و "مِنْ مَحَارِيبَ" بيان لـ "مَا يَشَاءُ" والمراد بالمحاريب: المساجد والأبنية المرتفعة، وكان مما عملوا له بيت المقدس، ابتدأه داود ورَفَعَهُ قامةَ رجُل فأوحى إليه أني لم أقضِ ذلك على يدك ولكن ابن لك أملكه بعدك اسمُه سليمانُ أقضي تمامه على يده، فلما توفاه الله استخلف سليمان فأحب إتمام بناء بيت المقدس فجمع الجن والشياطين وقسَّم عليهم الأعمال فخص كل طائفة منهم بعمل يستصلحه له فأرسل الجن والشياطين في تحصيل الرُّخَام والمِيهَا الأبيْضَ من معادِنه وأمر ببناء المدينة بالرُّخام والصّفاح وجعلها اثْنَيْ عَشَرَ رَبَضاً وأنزل على كل ربض منها سبطاً من الأسباط وكانوا اثنى عشر سبطاً، فلما فرغ من بناء المدينة، ابتدأ في بناء المسجد فوجه الشياطين فِرَقاً فِرَقاً يستخرجون الذهبَ والفضةَ والياقوتَ من معادنها والدرِّ الصِّافِيَ من البحر وفرقاً يقلعون الجواهرَ من الحجارة من أماكنها وفرقاً يأتونه بالمِسْكِ والعَنْبَر وسائر الطّيب من أماكنها فأتى من ذلك بشيء لا يُحصيه إلا الله عزّ وجلّ. ثم أحضر الصُّنَّاع وأمرهم بنحتِ تلك الحجارة المرتفعة وتصييرها ألواحاً وإصلاح تلك الجواهر وثَقَّبَ الياقوتَ واللآلىءَ فبنى المسجد بالرُّخَام الأبيض والأصفر والأخضر وعمَّده بأساطين المِيهَا الصَّافي وسقَّفه بألواح الجَوَاهر الثمينة وفَصَّصَ سُقُوفَه وحِيطَانَهُ باللآلىء واليواقيت وسائر الجواهر وبسط أرضه بألواح الفَيْرُوزَج فلم يكن يومئذ في الأرض بين أبهرُ ولا أنورُ من ذلك المسجد كان يضيء في الظلمة كالقَمر ليلةَ البدر، فلما فرغ منه جمع أحْبَار بين إسرائيل وأعلمهم أنه بناه لله وأن كل شيء فيه خالص لله، واتخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه عيداً، روى عبدُ الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "حديث : لمَّا فَرَغَ سُلَيْمَانُ مِنْ بِنَاء بَيْتِ المَقْدِس سَأَلَ رَبَّهُ ثَلاثَا فَأَعْطَاه اثْنتَين وَأَنَا أَرْجُو أنْ يَكُونَ أَعْطَاهُ الثَّالثَةَ سَأَلَ حُكْماً يُصَادِفُ حُكْمَهُ فأعطاه إياه، وَسَأَلَهُ مُلْكاً لاَ يَنْبغَي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ فَأَعْطَاهُ، وَسَأَلَهُ أنْ لاَ يَأتِيَ هذَا البَيْتَ أحَدٌ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إلاَّ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبه كَيَوْم وَلَدَتْهُ أُمُّهُ وَأَنَا أَرْجُو أنْ يَكُونَ قَد أَعْطَاهُ ذَلِكَ" تفسير : قَالُوا: فَلَمْ يَزَلْ بَيْتُ المقدس على ما بناه سليمان حتى غزاه بخنتصَّر فخرَّب المدينة وهَدَمَها ونقَضَ المَسْجِد وأخذ ما كان في سقوفه وحِيطَانه من الذهب والفضة والدر والياقوت وسائر الجواهر إلى دار مملكته من أرض العراق وبنى الشيطان لسليمان باليمن حصوناً كثيرة وعجيبة من الصخر. قوله: {وَتَماثِيلَ} وهي النقوش التي تكون في الأبنية. وقيل: صور من نُحَاس وصفر وشَبَهٍ وزُجَاج ورُخَام. قيل: كانوا يُصَوِّرون السِّباع والطيور. وقيل: كانوا يتخذون صور الملائكة والأنبياء والصالحين في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة ولعلها كانت مباحة في شريعتهم كما أن عيسى كان يتخذ صُوراً من طينٍ فينفخ فيها فيكون طيراً. قوله: "وَجِفَانٍ كَالْجَوَاب" الجِفَانُ القِصَاعُ، وقرأ ابن كثير بإثبات ياء "الجَوَابِ" وصلاً ووقفاً وأبو عمرو وورشٌ بإثباتها وصلاً وحذفها وقفاً. والباقون بحذفها في الحالين. و"كَالْجَوَابِ" صفة "لِجفَانٍ" والجِفَانُ جمع جَفْنَة، والجَوَابِي جمعُ جَابِيةٍ كَضارِبةٍ وضَوَارِب والجابية الحَوْض العظيمُ سميت بذلك لأنه يُجْبي إليها الماءُ، أي يجمع وإسناد الفعل إليها مجاز لأنه يُجْبَى فيها كما قيل: خَابِيَة، لما يُخبَّأُ فيها قال الشاعر: شعر : 4115- بِجِفَانٍ تَعْتَرِي نَادِيَنَا مِنْ سَدِيفٍ حِينَ هَاجَ الصِّنَّبِرْ كَالْجَوابِي لاَ تَنِي مُتْرَعَةً لِقِرَى الأَضْيَافِ أوْ لِلمُحْتَضرْ تفسير : وقال الأعشى: شعر : 4116- نَفَى الذَّمَّ عَنْ آلِ المُحَلَّقِ جَفْنَةٌ كَجَابِيَةِ الشَّيْخِ العِرَاقيِّ تَفْهَقُ تفسير : وقال الأفوه: شعر : 4117- وَقُدُورٍ كَالرُّبَا رَاسِيَة وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِي مُتْرَعَه تفسير : قيل: كان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل يأكلون منها. فصل وقُدُورٍ رَاسِيَات ثابتات لها قوائم لا يحرِّكْنَ عن أماكنها ولا يبدلن ولا يعطلن وكان يصعد إليها بالسلاليم وكانت باليمن. قوله: {ٱعْمَلُواْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً} في "شكراً" أوجه: أحدهما: أنه مفعول به أي اعملُوا الطَّاعَةَ سميت الصلاة ونحوها شكراً لسدِّها مَسَدَّهُ. الثاني: أنه مصدر من معنى "اعْمَلُوا" كأنه قيل: اشْكُرُوا شكراً بعَمَلِكُمْ أو اعملوا عَمَلَ شُكْر. الثالث: أنه مفعول من أجله أي لأجل الشكر كقولك: جِئْتكَ طَمَعاً، وعبدت الله رجاء غُفْرَانه. الرابع: أنه مصدر موقع الحال أي شَاكِرينَ. الخامس: أنه منصوب بفعل مقدر من لفظه تقديره واشْكُرُوا شُكْراً. السَّادس: أنه صفة لمصدر اعملوا تقديره اعملُوا عملاً شكراً أي ذَا شُكْرٍ قال المفسرون: معناه اعملوا يا آل داود بطاعة الله شكراً له على نعمة، واعلم أن كما قال عقيب قوله (تعالى): {أَن اعْمَلْ سَابِغَاتٍ} {اعْمَلُوا صَالِحاً} قال عقيبَ ما تعمله الجن له اعملوا آل داود شكراً إشارة إلى ما تقدم من أنه لا ينبغي أن يجعل الإنسان نفسه مستغرقةً في هذه الأشياء، وإنما يجب الإكثار من العمل الصالح الذي يكون شُكْراً. قوله: "وَقَلِيلٌ" خبر مقدم "ومِنْ عِبَادي" صفة له، "والشَّكُورُ" مبتدأ. والمعنى أن العامل بطاعتي شكراً لنعمتي قليلٌ. قيل: المراد من آل داود هو داود نفسه، وقيل: داود وسليمان وأهل بيته. فصل قال جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمان: سمعت ثابتاً يقول: كان داود نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من ساعات الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائمٌ يُصَلِّي. قوله: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ} أي على سليمان، قال أهل العلم: كان سليمان - عليه السلام - يتحرز ببيت المقدس السَّنَةَ والسَّنَتَيْنِ والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر يدخل فيه طعامه وشاربه فأدخله في المرة التي مات فيها وكان بدء ذلك أنه كان لا يصبح يوماً إلا نَبَتَتْ في محرابه ببيت المقدس شجرة فيسألها ما اسمك؟ فتقول اسمي كذا فيقول: لأن شيء أنت؟ فتقول: لكذا وكذا فيأمرها فتقطع فَإنْ كَانَتْ تنبت لغرس غرسها وإن كانت لدواء كتبه حتى نبتت الخروبة فقال لها ما أنت؟ قالت الخرّوبة قال: لأي شيء نَبَتْت؟ قالت: لخراب مَسْجِدِك فقال سليمان: ما كان الله ليجزيه وأنا حي أنت الذي على وَجْهِك هلاكي وخراب بيت المقدس فنزعها وغرسها في حائط له ثم قال: اللَّهُمَّ عَمِّ على الجنِّ موتى حتى يعمل الناس أن الجن لا يعلمون الغيب وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من العيب أشياء ويعلمون ما في غد، ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئاً على عصاه فمات قائماً وكان للمحراب كوى بني يديه وخلفه فكانت الجن تعمل تلك الأعمال الشاقة التي كانوا يعملونها في حياته وينظرون إلى سليمان فيرونه قائماً متكئاً على عصاه فيحسبونه حياً فلا ينكرون خروجه إلى الناس لطول صلاته فمكثوا يدأبون له بعد موته حولاً كاملاً حتى أكلت الأَرَضَةُ عَصَا سُلَيْمَان فخرَّ ميتاً فعلموا بموته، قال ابن عباس: فشكرت الجن الأرضة فهم يأتونها بالماء والطين في جوف الخشب فذلك قوله: {مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ ٱلأَرْضِ} وهي الأَرَضَةُ "تَأكلُ منسأته" أي عصاه. قوله: "تَأكُلُ" إما حال، أو مستأنفة، وقرأ ابن ذَكْوَان منسأْتَهُ - بهمزة ساكنة - ونافع وأبو عمرو بألف محضة، والباقون بهمزة مفتوحة، والمِنْسَأةُ اسم آلة من نَسأَهُ أي أخَّرَهُ كالمكسحة والمِكْنَسة من نسأتُ الغنم أي زجرتها وسقتها، ومنه: نَسَأَ اللَّهُ في أجَلِهِ أي أَخَّره وفيها الهمزة وهو لغة تميم وأنشد: شعر : 4118- أَمِنَ أَجْل حَبْلٍ لاَ أَبَاكَ ضَرَبْتَهُ بمِنْسَأَةٍ قَدْ جَرَّ حَبْلُكَ أَحْبُلاَ تفسير : (والألف) وهو لغة الحجاز وأنشد: شعر : 4119- إذَا دَبَبْتَ عَلَى المِنْسَأةِ مِنْ كِبَرٍ فَقَد تَبَاعَدَ عَنْكَ اللَّهْوُ وَالْغَزَلُ تفسير : فأما بالهمزة المفتوحة فهي الأصل لأن الاشتقاق يشهد له والفتح لأجل بناء مِفْعَلَةٍ كمِكَنَسَةٍ وأما سكونها ففيه وجهان: أحدهما: أنه أبدل الهمزة ألفاً كما أبدلها نافع وأبو عمرو وسيأتي، ثم أبدل هذه الألف همزة على لغة من يقول العَألَمُ والخَأتَمُ وقوله: شعر : 4120-................... وخِنْدِفٌ هَامَةُ هَذَا العَألَمِ تفسير : ذكره ابن مالك قال شهاب الدين وهذا لا أدري ما حمله عليه كيف نعتقد أنه هرب من شيء ثم يعود إليه وأيضاً فإنهم نصُّوا على أنه إذا أبدل من الألف همزة فإن كان لتلك الألف أصل حركت هذه الهمزة بحركة أصل الألف. وأنشد ابن عصفور على ذلك: شعر : 4121- وَلَّى نَعَامُ بَنِي صَفْوَانَ زَوْزَأَةً ................................. تفسير : قال: الأصل زَوْزاةٌ وأصل هذا: زَوْزَوَةٌ، فلما أبدل من الألف همزة حركها بحركة الواو، إذا عرف هذا فكان ينبغي أن تبدل هذه الألف همزة مفتوحة لأنها عن أصل متحرك وهو الهمزة المفتوحة فتعود إلى الأول وهذا لا يقال. الثاني: أنه سكن الفتحة تخفيفاً والفتحة قد سكنت في مواضع تقدم التنبيه عليها وشواهدها، ويحسنه هنا أن الهَمْزَة تشبه حروف العلة، وحرف العلة يستثقل عليه الحركة من حيث الجملة وإن كان لا تستثقل الفتحة لخفتها، وأنشدوا على تسكين همزتها: شعر : 4122- صَرِيعُ خَمْرٍ قَامَ مِنْ وَكْأتِهِ كَقوْمَةِ الشَّيْخِ إلَى مِنْسأتِهِ تفسير : وقد طعن قوم على القراءة ونسبوا راويها إلى الغلط قالوا: لأن قياس تخفيفها إنما هو تَسْهيلُها بَيْنَ بَيْنَ وبه قرأ ابنُ عامر وصاحباهُ فظن الراوي أنهم سكنوا وضعفها أيضاً بعضهم بأنه يلزم سكون ما قبل تاء التأنيث وما قبلها واجب الفتح إلا الألف. وأما قراءة الإبدال فقيل: هي غير قياسية يعنون أنها ليست على قياس تخفيفها إلا أن هذا مردود بأنها لغة الحجاز ثابتة فلا يلتفت لمن طعن، وقد قال أبو عمرو وكفى به: أنا لا أهمزها لأني لا أعرف لها اشتقاقاً، فإن كانت مما لا يهمز فقد احتطت وإن كانت تهمز فقد يجوز لي ترك الهمز فيما يهمز، وهذا الذي ذكره أبو عمرو أحسن ما يقال في هذا ونظائره. وقرىء مَنْسَأَتَه بفتح الميم مع تحقيق الهمز، وإبدالها ألفاً وحذفها تخفيفاً وقرىء مِنْسَاءَتِهِ بزنة منعالته كقولهم: مِيضَأةٌ ومِيضَاءَةٌ. وكلها لُغات، وقرأ ابن جبير من ساته فَصَل "مِنْ" وجعلها حرف جر وجعل "ساته" مجرورة بها، والسَّاةُ والسِّيَةُ هنا العَصَا وأصلها يَدُ القَوْس العليا والسفلى يقال: سَاةُ القَوْسِ مثلُ شَاةٍ وسِئَتُها، فسمِّيَت العصا بذلك على وجه الاستعارة والمعنى تأكل من طرف عصاه. ووجه بذلك - كما جاء في التفسير - أنه اتَّكأ على عصا خضراء من خروب والعصا الخضراء متى اتُّكِيءَ عليها تصير كالقَوْس في الاعْوِجَاج غالباً. و"سَأَة" فَعَلَة وسِئَة فِعَلَة نحو قحَة وقحة والمحذوف لامهما. وقال ابن جني: سمي العصا منسأة لأنها تسوء وهي فَلَة والعين محذوفة. قال شهاب الدين: وهذا يقتضي أن تكون القراءة بهمزة ساكنة والمنقول أن هذه القراءة بألف صريحة ولأبي الفتح أن يقول أصلها الهمزة ولكن أُبْدِلَتْ. قوله: "دابَّةُ الأرض" فيه وجهان: أظهرهما: أن الأرض هذه المعروفة والمراد بدابة الأرض الأَرَضة دُوَيبَّة تأكل الخَشَب. والثاني: أن الأرض مصدر لقولك أَرَضَتِ الدابَّة الخَشَبَة تَأرِضُهَا أَرْضاً أي أكلتها فكأنه قيل: دابة الأكل يقال: أرَضَت الدَّابَّةُ الخَشَبَة تَأرُضُها أَرْضاً فأَرِضَتْ بالكسر تَأْرَضُ هي بالفتح أيضاً وأكَلت الفَوَازجُ الأسْنَانَ تَأكُلُها أكْلاً فَأَكِلَتْ هي بالكسر تَأكَلُ أكَلاً بالفتح. ونحوه أيضاً: جَدِعَتْ أَنْفُهُ جَدَعاً فجُدِعَ هو جَدَعاً بفتح عين المصدر، وقرأ ابن عباس والعباس بن الفضل بفتح الراء وهي مقوية المصدرية في القراءة المشهورة وقيل: الأَرَضُ بالفتح ليس مصدراً بل هو جمع أرَضَةٍ وهذا يكون من باب إضافة العام إلى الخاص لأن الدابة أعم من الأرضة وغيرها من الدوّابِّ. قوله: "فَلَمَّا خَرَّ" أي سقط الظاهر أن فاعله ضمير سليمانَ عليه (الصلاة و) السلام، وقيل: عائد على الباب لأن الدابة أكلته فوقع وقيل: بل أكلت عتبة الباب وهي الخارّة وينبغي أن لا يصحَّ؛ إذ كان يكون التركيب خرَّتْ بتاء التأنيث و: أبْقَلَ إبْقَالَها ضرورة، أو نادر تأويلها بمعنى العَوْد أندر منه. قوله: "تَبَيَّنَت" العامة على نيابته للفاعل مسنداً للجنِّ وفيه تأويلاتٌ. أحدهما: أنه على حذف مضاف تقديره تَبَيَّنَ أمْرُ الجِنِّ أي ظَهَرَ وبَانَ، و"تَبَيَّنَ" يأتي بمعنى "بَانَ" لازماً كقوله: شعر : 4123- تَبَيَّنَ لِي أَنَّ القَمَاءَةَ ذِلَّةٌ وأَنَّ أَعِزَّاء الرِّجَالِ طِيَالُهَا تفسير : فلما حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وكان مما يجوز تأنيث فعله ألحقت علامة التأنيث (به). وقوله: {أَن لَوْ كَانُواْ} بتأويل المصدر مرفوعاً بدلاً من الجنِّ والمعنى ظهر كونُهم لو علموا الغيب ما لبثوا في العذاب أي ظَهَرَ جَهْلُهُمْ. الثاني: أن تبين بمعنى بان وظهر أيضاً والجنّ فاعل. ولا حاجة إلى حذف مضاف و"أَنْ لَوْ كَانُوا" بدل كما تقدم والمعنى ظهر الجن جهلهم للناس لأنهم كانوا يوهمون الناس بذلك كقولك: بَانَ زَيْدٌ جَهْلُهُ. الثالث: أن تَبَيَّنَ هنا متعدِّ بمعنى أدْرَكَ وعَلم وحينئذ يكون المراد "بِالجِنِّ" ضَعَفَتُهُمْ وبالضمير في "كانوا" كبارُهم ومَرَدَتُهُمْ و "أنْ لَّوْ كَانُوا" مفعول به، وذلك أن المردة (و) الرؤساء من الجن كانوا يوهمون ضعفاءهم أنهم يعلمون الغيب فلما خَرَّ سليمانُ مَيْتاً ومكثوا بعده عاماً في العمل تبينت السفلة من الجن أن المراد منهم لو كانوا يعلمون الغيب كما ادعوا ما مَكَثُوا في العذاب، ومن مجيء "تَبَيَّنَ" متعدياً بمعنى أدْرَكَ قوله: شعر : 4124- أفَاطِم إنِّي مَيِّتٌ فَتَبَيَّنِي وَلاَ تَجْزَعِي كُلُّ الأَنَامِ يَمُوتُ تفسير : وفي كتاب أبي جَعْفَر ما يقتضي أن بعضم قرأ: "الجنَّ" بالنصب. وهي واضحة أي تبينت الإنسُ الجِنَّ، و"أن لو كانوا" بدل أيضاً من "الجن"، قال البغوي: قرأ ابنُ مسعود وابنُ عباس تبينت الإنس أن لو كان الجنُّ يَعْلَمُونَ الغيب ما لبثوا في العذاب المهين أي علمت الإنسُ وأيقنت ذلك. وقرأ ابنُ عباس ويعقوب تُبُيِّنَتِ الجِنُّ على البناء للمفعول وهي مؤيدة لما نقله النَّحَّاس وفي الآية قراءاتٌ كثيرةٌ أضْرَبْتُ علها لمخالفتها الشواذ و"أن" في "أن لو" الظاهر أنها مصدرية مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن و "لو" فاصلة بينها وبين خبرها الفعليّ. وتقدم تحقيق ذَلك كقوله: {أية : وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ} تفسير : [الجن:16] و {أية : أَن لَّوْ نَشَآءُ أَصَبْنَاهُم} تفسير : [الأعراف: 100] وقال ابن عطية: وذهب سيبويه إلى أَنَّ "أَنْ" لا موضع لها من الإعراب إنما هي مؤذنة بجواب ما يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ القسم من الفعل الذي معناه التحقيق واليقين؛ لأن هذه الأفعال التي هي تحققت وتيقنت وعلمت ونحوها تحلّ مَحَلَّ القسم فما لبثوا جواب القسم لا جواب "لو" وعلى الأقولا الأُول يكون جوابها. قال شهاب الدين: وظاهر هذا أنها زائدة لأنهم نصوا على اطِّرَادِ زيادتها قبل لو في حَيِّز القَسَم. وللناس خلاف هل الجواب لِلَوْ أو للقسم. والذي يقتضيه القياس أن يجاب أسبقهما كما في اجتماعه مع الشرط الصريح ما لم يتقدمهما ذُو خَبَر كما تقدم بيانه. وتقدم الكلام والقراءات في سبأ في سورة النمل. فصل المعنى أن سليمان لما سقط ميتاً تَبَيَّنَت الجِنُّ أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين أي التَّعَب والشقاء مسخرين لسليمان وهو ميت يظنونه حياً أراد الله بذلك أن يعلم الجن أنهم لا يعلمون الغيب لأنهم كانوا يظنون أنهم يعلمون الغيب لغلبة الجهل عليهم وذكر الزُّهْريُّ أن معنى تَبَيَّنَت الجِنُّ أي ظهرت وانكشفت الجن للإنس أي ظهر لهم أمرهم أنهم لا يعلمون الغيب لأنهم كانوا قد شبهوا على الإنس ذلك، ويؤيد هذا قراءة ابن مسعود وابن عباس المتقدمة، وقوله: {مَا لَبِثُوا في ٱلعَذَابِ ٱلمُهِينِ} يدل على أن المؤمنين من الجنِّ لم يكونوا في التسخير، لأن المؤمن لا يكون في زمان النَّبِيِّ في العذاب المهين. فصل رُوِيَ أن سليمان كان عمره ثلاثاً وخمسينَ سنة ومدة ملكه أربعونَ سنة ومَلَكَ يَوْمَ مَلَكَ وهو ابن ثلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وابتدأ في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من ملكه.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة في المنصف وابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {أوّبي معه} قال: سبحي معه. وأخرج ابن جرير عن أبي ميسرة رضي الله عنه {أوّبي معه} قال: سبحي معه بلسان الحبشة. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {أوّبي معه} قال: سبحي. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة وأبي عبد الرحمن، مثله. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {يا جبال أوّبي معه والطير} أيضاً يعني يسبح معه الطير. وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن وهب رضي الله عنه قال: أمر الله الجبال والطير أن تسبح مع داود عليه السلام إذا سبح. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه أنه قرأ "الطير" بالنصب بجملة قال: سخرنا له الطير. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وألنَّا له الحديد} قال: كالعجين. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنهما في قوله {وألنَّا له الحديد} قال: ليَّن الله له الحديد فكان يسرده حلقاً بيده يعمل به كما يعمل بالطين من غير أن يدخله النار، ولا يضربه بمطرقة، وكان داود عليه السلام أول من صنعها، وإنما كانت قبل ذلك صفائح من حديد، يتحصنون بها من عدوهم. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله {وألنَّا له الحديد} فيصير في يده مثل العجين. فيصنع منه الدروع. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وقدر في السرد} قال: حلق الحديد. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وقدر في السرد} قال: السرد المسامير التي في الحلق. وأخرج عبد الرزاق والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وقدر في السرد} قال: لا تدق المسامير. وتوسع الحلق فتسلسل، ولا تغلظ المسامير وتضيق الحلق، فتنقصم واجعله قدراً. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه {وقدر في السرد} قال: قدر المسامير والحلق، لا تدق المسمار فيسلسل، ولا تحلها فينقصم. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن أبي حاتم عن ابن شوذب رضي الله عنه قال: كان داود عليه السلام يرفع في كل يوم درعاً فيبيعها بستة آلاف درهم؛ ألفين له ولأهله، وأربعة آلاف يطعم بها بني إسرائيل الخبز الحواري.
ابو السعود
تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً} أي آتيناه لحسن إنابتِه وصحَّةِ توبته فضلاً على سائر الأنبـياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ أي نوعاً من الفضل وهو ما ذُكر بعد فإنَّه معجزةٌ خاصة به عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أو على سائر النَّاسِ فيندرج فيه النُّبوةُ والكتاب والمُلك والصَّوتُ الحسن فتنكيره للتَّفخيمِ ومنَّا لتأكيدِ فخامتِه الذَّاتيةِ بفخامته الإضافيَّةِ كما في قوله تعالى: { أية : وَآتَيْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا}. تفسير : وتقديمُه على المفعولِ الصَّريحِ للاهتمام بالمقدَّمِ والتَّشويقِ إلى المُؤخَّرِ فإنَّ ما حقُّه التَّقديمُ إذا أُخِّرَ تبقى النَّفسُ مترقبةً له فإذا وردها يتمكَّن عندها فضلَ تمكُّنٍ {يٰجِبَالُ أَوّبِى مَعَهُ} من التَّأويبِ أي رجِّعي معه التَّسبـيحَ أو النَّوحةَ على الذَّنبِ وذلك إمَّا بأنْ يخلقَ الله تعالى فيها صوتاً مثلَ صوتِه كما خلق الكلام في الشَّجرةِ أو بأنْ يتمثَّلَ له ذلك. وقُرىء أُوبـي من الأَوْبِ أي ارْجِعي معه في التَّسبـيحِ كلما رجعَ فيه وكان كلَّما سبَّح عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ يُسمع من الجبال ما يُسمع من المسبِّحِ معجزةً له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وقيل: كان ينوحُ على ذنبه بترجيعٍ وتحزينٍ وكانتِ الجبالُ تُسْعِدُه على نَوحِه بأصدائها والطَّيرُ بأصواتِها. وهو بدل من آتينا بإضمار قلنا أو من فضلاً بإضمار قولنا {وَٱلطَّيْرَ} بالنَّصبِ عطفاً على فضلاً بمعنى وسخَّرنا له الطَّيرَ لأنَّ إيتاءَها إيَّاهُ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ تسخيرها له فلا حاجة إلى إضمارِه كما نُقل عن الكِسائيِّ ولا إلى تقدير مضافٍ أي تسبـيح الطَّيرِ كما نُقل عنه في رواية. وقيل: عطفاً على محلِّ الجبالِ وفيه من التَّكلُّفِ لفظاً ومعنى ما لا يخفى. وقُرىء بالرَّفعِ عطفاً على لفظها تشبـيهاً للحركة البنائيَّةِ العارضة بالحركةِ الإعرابـيَّةِ. وقد جُوِّزَ انتصابُه على أنَّه مفعول معه، والأول هو الوجهُ. وفي تنزيل الجبال والطَّيرِ منزلةَ العُقلاءِ المُطيعين لأمره تعالى المُذعنينَ لحكمه المشعر بأنَّه ما من حيوانٍ وجمادٍ وصامتٍ وناطقٍ إلا وهو منقادٌ لمشيئته غير ممتنعٍ على إرادته من الفخامة المُعربةِ عن غاية عظمةِ شأنِه تعالى وكمال كبرياءِ سلطانِه ما لا يخفى على أولي الألباب. {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ} أي جعلناه ليِّناً في نفسه كالشَّمعِ يُصرِّفه في يده كيف يشاءُ من غير إحماءٍ بنارٍ ولا ضربٍ بمطرقةٍ أو جعلناه بالنِّسبةِ إلى قوَّتِه التي آتيناها إيَّاهُ ليِّناً كالشَّمعِ بالنسبة إلى سائرِ القُوى البشريَّةِ {أَنِ ٱعْمَلْ} أمرناه أنِ اعمل على أنَّ «أنْ» مصدريةٌ حُذف عنها الباءُ وفي حملها على المفسِّرةِ تكلُّفٌ لا يخفى {سَـٰبِغَـٰتٍ} واسعاتٍ. وقُرىء صابغاتٍ وهي الدُّروعُ الواسعة الضَّافيةُ وهو عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أوَّلُ من اتَّخذها وكانت قبلُ صفائحَ قالوا: كان عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ حين ملكَ على بني إسرائيلَ يخرجُ مُتنكِّراً فيسألُ النَّاسَ: ما تقولون في داودَ؟ فيُثنون عليه فقيَّضَ الله تعالى له مَلَكاً في صورةِ آدميَ فسأله على عادتِه فقال: نِعْمَ الرَّجلُ لولا خَصلةٌ فيه، فريع داودُ فسألَه عنها فقالَ: لولا أنَّه يُطعم عيالَه من بـيتِ المالِ فعند ذلك سألَ ربَّه أنْ يُسبِّب له ما يستغني به عن بـيتِ المال فعلَّمه تعالى صنعةَ الدُّروعِ وقيل: كان يبـيعُ الدِّرعَ بأربعةِ آلافٍ فينفقُ منها على نفسِه وعيالِه ويتصدَّقُ على الفقراء {وَقَدّرْ فِى ٱلسَّرْدِ} السَّردُ نسجُ الدُّروعِ أي اقتصد في نسجِها بحيث تتناسب حِلَقُها. وقيل: قدِّرْ في مساميرِها فلا تعملها دِقاقاً ولا غِلاظاً، ورُدَّ بأنَّ دروعَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ لم تكُن مسمَّرة كما يُنبىء عنه إلانةُ الحديدِ. وقيل: معنى قَدِّرْ في السَّردِ لا تصرفْ جميعَ أوقاتِك إليه بل مقدارَ ما يحصلُ به القوتُ وأمَّا الباقي فاصرِفْه إلى العبادة وهو الأنسبُ بقوله تعالى: {وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً} عمَّم الخطابَ حسب عموم التَّكليفِ له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ ولأهلِه {إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} تعليلٌ للأمرِ أو لوجوبِ الامتثالِ به.
السلمي
تفسير : قوله عز وعلا: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً} [الآية: 10]. قال فطنة ويقظة فى الرجوع إلى ربه عند العثرة وهى الاستقالة والمعذرة. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: {فَضْلاً} أى علمًا أن ليس للعبد خيرًا من ربه مقبلاً ومدبرًا وعاصيًا ومطيعًا. قال جعفر فى قوله: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً} قال: ثقة بالله وتوكلاً عليه. قال النهرجورى: حلاوة صوته فى المناجاة. قال بعضهم: الحكم بالفضل والقضاء بالعدل. قال ابن خلال: أفضل الفضل من الله إلى عباده أن يعرفهم أقدارهم وأن يمكن لهم سبيل الرجوع اليه. قال عبد العزيز: حبًا للمساكين ورحمة على الضعفاء.
القشيري
تفسير : "داود" اسم أعجمي، وقيل سمي داود لأنه داوى جَرْحه، وَرَدَ في القصة أنه قال في إحدى مناجاته: يا رب، إني أرى في التوارة ما أعطيتَ لأوليائك وأَنبيائك من الرتب فأعطنيها فقال: إني ابتليتهم فصبروا، فقال: إني أصبر على بلائك، فأَعْطني ما أعطيتهم، فأبلاه، فوقف، فأعطاه ما أعطاهم. {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً}: تكلموا في هذا الفضل؛ فمنهم مَنْ أراد ما ذكره بعده وهو قوله للطير: {أَوِّبِي مَعَهُ}: وكذلك الجبال، وكان في ذلك تنفيس في وقت حُزْنِه وبكائه. وقيل ذلك الفضلُ رجوعُه إلى الله - في حال ما وقع له - بالتنصل والاعتذار. ويقال هو شهودُه موضِعَ ضرورته وأنه لا يُصْلِحُ أمرَه غيرُه. ويقال طيب صوته عند قراءة الزبور حَتى كان ليرْغبُ في متَابعته مَنْ يسمع إليه. ويقال حلاوةُ صوته في المناجاة. ويقال حُسنُ خُلقه مع أمته الذين اتبعوه، ويقال توفيقه للحكم بين أمته بالعدل... قوله: {يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ} أمرَ الجبالَ والطيرَ بمجاوبته حتى خرَجَ إلى الجبال والصحارى ينوح على نفسهِ. ويقال أوحى الله له: يا داود، كانت تلك الزَّلَّةُ مباركةً عليك! فقال. يا رب، وكيف؟ فقال: كنتَ تجيء قبلها كما يجيء المطيعون والآن تجيء كما يجيء أهل الذنوب! يا داود، إن أنينَ المذْنبين أحبُّ إليّ من صُراخ العابدين! ويقال، كان داود يقول. اللهمّ لا تَغفرْ للخاطئين، غيرةً منه وصلابةً في الدين... فلما وقع له ما وقع كان يقول. اللهم اغفر للمذنبين، فعسى أن تغفرَ لداود فيما بينهم. ويقال لمَّا تاب الله عليه، واجتمع الإنسُ والجنُّ والطير بمجلسه، وَرَفع صوتَه، وأداره في حَنَكِه على حسب ما كان من عادته تفرّقت الطيور وقَالوا. الصوتُ صوتُ داود والحال ليست تلْك! فأوحَى اللَّهُ إليه هذه وَحْشةُ الزّلة، وتلك كانت أُنسَ الطاعة.. فكان داودُ يبكي وينوح ويصيح والطير والجبالُ معه. وَيقال ليس كلُّ مَنْ صاح وراءه معنى، فالمعنى كان مع داود لا مع الجبال والطير... {أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً}. ألان له الحديدَ، وجعل ذلك معجزةً له، وجعل فيه توسعةَ رزقه، ليجدَ في ذلك مكسباً، لِيَقْطَعَ طَمَعَه عن أُمته في ارتفاقه بهم ليباركَ لهم في اتِّباعِه.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً} علما بجلاله وجماله ومحبته للقائه وشوقا الى مباله وحكمه بامور العبودية وعلما بانوار الربوبية وكشفا من اسراره والبساه اياه وصف جلاله حتى يطيب قلبه بالعشق وروحه بالمحبة وعقله بالبصيرة وسره بالانس وصدره باليقين وخلقه بالصوت الحسن فهذه بركة اوصاف الازل التى البسها الله اياه بنعت التجلى والتدلى الا ترى الى قوله منا فضلا وذلك الفضل اتصافه بانوار الذات والصفات لذلك اجابة الجبال بالتسبيح والتهليل بقوله يا جبال او بى معه وكذلك الطير بقوله والطير اذا زمزم من طيب عشقه قام العالم معه قال جعفر فى قوله فضلا ثقة بالله وتوكلا عليه وقال النهر جورى حلاوة صوته فى المناجة وقال ---- افضل الفضل من الله على عباده ان يعرّفهم اقدارهم وان يمكن لهم سبيل الرجوع اليه قال عبد العزيز المكى حبا للمساكين ورحمة على الضعفاء وقال الاستاذ حسن خلقه مع امته وفيما اوحى الله اليه يا داود ---- المذنبين احب اليّى من صراخ العابدين.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولقد آتينا داود منا فضلا} اعطى الله تعالى داود اسما ليس فيه حروف الاتصال فدل على انه قطعه عن العالم بالكلية وشرفه بالطافه الخفية والجلية فان بين الاسم والمسمى مناسبة لا يفهمها الا اهل الحقيقة وقد صح ان الالقاب والاسماء تنزل من صوب السماء والفضل الزيادة والتنوين للنوع اى نوعا من الفضل على سائر الانبياء مطلقا سواء كانوا انبياء بنى اسرائيل او غيرهم كما دل عليه قوله تعالى {أية : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض} تفسير : والفاضل من وجه لا ينافى كونه مفضولا من وجه آخر وهذا الفضل هو ما ذكر بعد من تأويب الجبال وتسخير الطير والانة الحديد فانه معجزة خاصة به وهذا لا يقتضى انحصار فضله فيها فانه تعالى اعطاه الزبور كما قال فى مقام الامتنان والتفضل {وآتينا داود زبورا}. قال فى التأويلات النجمية والفرق بين داود وبين نبينا صلى الله عليه وسلم انه ذكر فضله فى حق داود على صفة النكرة وهى تدل على نوع من الفضل وشىء منه وهو الفيض الالهى بلا واسطة كما دل عليه كلمة منا وقال فى حق نبينا صلى الله عليه وسلم {أية : وكان فضل الله عليك عظيما} تفسير : والفضل الموصوف بالعظمة يدل على كمال الفضل وكذا قوله فضل الله لما اضاف الفضل الى الله اشتمل على جميع الفضل كما لو قال احد دار فلان اشتملت على جميع الدور انتهى بنوع من التغيير. ويجوز ان يكون التنكير للتفخيم ومنا لتأكيد فخامته الذاتية لفخامتنه الاضافية على ان يكون المفضل عليه غير الانبياء فالمعنى اذا ولقد آتينا داود بلا واسطة فضلا عظيما على سائر الناس كالنبوة والعلم والقوة والملك والصوت الحسن وغير ذلك {يا جبال اوبى معه} بدل من آتينا باضمار قلنا او من فضلا باضمار قولنا. والتأويب على معنيين. احدهما الترجيع وهو بالفارسية [نغمه كردانيدن] لانه من الاوب وهو الرجوع. والثانى السير بالنهار كله فالمعنى على الاول رجعى معه التسبيح وسبحى مرة بعد مرة. قال فى كشف الاسرار اوبى سبحى معه اذا سبح وهو بلسان الحبشة انتهى: وبالفارسية [باز كردانيدن آواز خودرا باداود دروقت تسبيح او يعنى موافقت كنيد باوى] وذلك بان يخلق الله تعالى فيها صوتا مثل صوته كما خلق الكلام فى شجرة موسى عليه السلام فكان كلما سبح سمع من الجبال ما يسمع من المسبح ويعقل معنى معجزة له قالوا فمن ذلك الوقت يسمع الصدى من الجبال وهو ما يرده الجبل على المصوت فيه. فان قلت قد صح عند اهل الحقيقة ان للاشياء جميعا تسبيحا بلسان فصيح ولفظ صريح يسمعه الكمل من اهل الشهود فما معنى الفضل فيه لداود. قلت الفضل موافقة الجبال له بطريق خرق العادة كما دل عليه كلمة مع. فان قلت قد ثبت ايضا عندهم ان اذكار العوالم متنوعة فمتى سمع السالك من الاشياء الذكر الذى هو مشغول به فكشفه خيالى غير صحيح يعنى انه خيال اقيم له فى الموجودات وليس له حقيقة وانما الكشف الصحيح الحقيقى هو ان يسمع من كل شئ ذكرا غير ذكر الآخر. قلت لا يلزم من موافقة الجبال لداود ان لا يكون لها تسبيح آخر فى نفسها مسموع لداود كما هى فيه والمعنى على الثانى سيرى معه حيث سار: يعنى [سر كنيد با او هرجا كه رود وهركاه كه خواهد واين معجزه داود بودكه با او روان شدى] ولعل تخصيص الجبال بالتسبيح او السير لانها على صور الرجال كما دل عليه ثباتها {والطير} بالنصب عطفا على فضلا يعنى وسخرنا له الطير لان ايتاءها اياه عليه السلام لتسخيرها له فلا حاجة الى اضماره ولا الى تقدير المضاف اى تسبيح الطير كما فى الارشاد: وبالفارسية [ومسخر كرديم ويرا مرغان تادر وقت ذكر با او موافق بودندى] نزل الجبال والطير منزلة العقلاء حيث نوديت نداءهم اذ ما من حيوان وجماد الا وهو منقاد لمشيئته ومطيع لامره فانظر اذ من طبع الصخور الجمود ومن طبع الطيور النفور ومع هذا قد وافقته عليه السلام فاشد منها القاسية قلوبهم الذين لا يوافقون ذكرا ولا يطاوعون تسبيحا وينفرون من مجالس اهل الحق نفور الوحوش بل يهجمون عليها باقدام الانكار كأنهم الاعداء من الجيوش. قال المولى الجامى فى شرح الفصوص وانما كان تسبيح الجبال والطير لتسبيحه لانه لما قوى توجهه عليه السلام بروحه الى معنى التسبيح والتحميد سرى ذلك الى اعضائه وقواه فانها مظاهر روحه ومنها الى الجبال والطير فانها صور اعضائه وقواه فى الخارج فلا جرم يسبحن لتسبيحه وتعود فائدة تسبيحها اليه يعنى لما كان تسبيحها ينشأ من تسبيحه لا جرم يكون ثوابه عائدا اليه لا اليها لعدم استحقاقها لذلك انتهى. والحاصل ان الذكر من اللسان يعبر الى ان يصل الى الروح ثم ينعكس النور من الروح الى جبال النفس وطير القلب ثم بالمداومة ينعكس من النفس الى البدن فيستوعب جميع اجزاء البدن ظاهرها وباطنها ثم ينعكس ن اجزائه العنصرية الى العناصر الاربعة مفردها ومركبها وينعكس من النفس الى النفوس اعنى النفس النامية والنفس الحيوانية والنفس السماوية والنفس النجومية وينعكس من الروح الانسانى الى عالم الاوراح الى ان يستوعب جميع العالم ملكه وملكوته واليهما الاشارة بالجبال والطير فيذكر العالم بما فيه موافقة للذاكر ثم يعبر الذكر عن المخلوقات ويصعد الى رب العالمين كما قال {اليه يصعد الكلم الطيب} فيذكره الله تعالى فيكون ذاكرا ومذكورا متصفا بصفة الرب وبخلقه ويكون الفضل فى حقه كونه مذكورا للحق. ثم ان الله تعالى ما بعث نبيا الاحسن الوجه حسن الصوت وكان لداود عليه السلام حسن صوت جدا زائد على غيره كما انه كان ليوسف عليه السلام حسن زائد على حسن غيره [هركاه كه داود بزبور خواندن مشغول شدى سباع ووحوش ازمنازل خود بيرون آمده استماع آواز دلنوازش كردندى وطيور ازنغمات جانفزايش مضطرب كشته خود از منزل برزمين افكندندى شعر : زصوت دلكشش جان تازه كشتى روانرا ذوق بى اندازه كشـتى سبهر جنك بشت ارغنون ساز ازان بر حالت نشنوده آواز تفسير : وكفتند جون داود تسبيح كفتى كوهها بصدا ويرا مدد دادندى ومرغان برز برسروى كشيده بالحان دلاويز امداد نمودندى وهركس كه آواز وى شنيدى از لذت آن نغمه بيخود كشتى وازان وجد وسماع بودى كه دريك مجلس جهار صد جنازه بركر فتندى] شعر : جو كردد مطرب من نغمه برداز زشوقش مرغ روح آيد بيرواز تفسير : قال القرطبى حسن الصوت هبة الله تعالى وقد استحسن كثير من فقهاء الامصار القراءة بتزيين الصوت وبالترجيع ما لم يكن لحنا مفسدا مغيرا للمبنى مخرجا للنظم عن صحة المعنى لان ذلك سبب للرقة واثارة الخشية كما فى فتح القريب [شبى داود عليه السلام باخود كفت "لاعبدّن الله تعالى عبادة لم يعبده احد بمثلها" اين بكفت وبركوه شد تاعبادت كند وتسبيح كويد درميانه شب وحشتى بوى در آمد ورب العالمين آن ساعت كوه را فرمود تا انس دل داودرا باوى تسبيح وتهليل مساعدت كند جندان آواز تسبيح وتهليل از كوه بديد آمد كه آواز داود در جنب آن ناجيز كشت باخود كفت] كيف يسمع صوتى مع هذه الاصوات فنزل ملك واخذ بعضد داود واوصله الى البحر فوضع قدمه عليه فانقلق حتى وصل الى الارض تحته فوضع قدمه عليها حتى انشقت فوصل الى الحوت تحت الارض ثم الى الصخرة تحت الحوت فوضع قدمه على الصخرة فظهرت دودة وكانت تنشر فقال له الملك يا داود ان ربك يسمع نشير هذه الدودة فى هذا الموضع من وراء السبع الطباق فكيف لا يسمع صوتك من بين اصوات الصخور والجبال فتنبه داود لذلك ورجع الى مقامه شعر : همه آوازها در بيش حق باز اكر بيدا اكر بوشيده آواز كسى كوبشنود آواز ازحق شود در نفس خود خاموش مطلق تفسير : اللهم اسمعنا كلامك {وألنا له الحديد} اللين ضد الخشونة يستعمل فى الاجسام ثم يستعار للمعانى والانة الحديد بالفارسية [نرم كردانيدن آهن] اى جعلناه لينا فى نفسه كالشمع والعجين والمبلول يصرفه فى يده كيف يشاء من غير احماء بنار ولا ضرب بمطرقة او جعلناه بالنسبة الى قوته التى آتيناها اياه لينا كالشمع بالنسبة الى سائر قوى البشرية وكان داود اوتى شدة قوة فى الجسد وان لم يكن جسيما وهو احد الوجهين لقوله ذا الايد فى سورة ص
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {يا جبال}: بدل من {فضلاً}، أو يقدر: وقلنا. و {الطير}: عطف على محل الجبال، ومَن رفعه فعلى لفظه. يقول الحقّ جلّ جلاله: {ولقد آتينا داودَ منا فضلاً} أي: مزية خُصّ بها على سائر الأنبياء، وهو ما جمع له من النبوة، والمُلك، والصوت الحسن، وإلانة الحديد، وتعلم صنعة الزرد، وغير ذلك مما خُص به، أو: فضلاً على سائر الناس بما ذكر، وقلنا: {يا جبالُ أوّبي معه} رَجّعي معه التسبيح. ومعنى تسبيح الجبال معه: أن الله تعالى يخلق فيها تسبيحاً، فيسمع منها كما يسمع من المسبّح، معجزة لداود عليه السلام، فكان إذا تخلّل الجبال وسبّح؛ جاوبته الجبال بالتسبيح، نحو ما سبّح به. وهو من التأويب، أي: الترجيع، وقيل: من الإياب بمعنى الرجوع، أي: ارجعي معه بالتسبيح. {والطيرَ} أي: أوبي معه، أو: وسخرنا له الطير تؤوب معه. قال وهب: فكان داود إذا نادى بالنياحة على نفسه، من أجل زلته، أجابته الجبال بصداها، وعكفت الطير عليه من فوقه، فصدى الجبال الذي يسمعه الناس منها هو من ذلك اليوم. قال القشيري: يُقال أوحى الله إلى داود عليه السلام: كانت تلك الزلة مباركة عليك، فقال: يا رب؛ وكيف تكون الزلة مباركة؟ فقال: كُنتَ تجيء بأقدار المطيعين، والآن تجيء بانكسار المذنبين، يا داود أنين المذنبين أحب إليّ من صراخ العابدين. هـ. مختصراً. وفي هذا اللفظ من قوله: {يا جبال أوبي معه} من الفخامة ما لا يخفى، حيث جُعلت الجبال بمنزلة العقلاء؛ الذين إذا أمرهم بالطاعة أطاعوا، وإذا دعاهم أجابوا، إشعاراً بأنه ما من حيوان وجماد إلا وهو منقادٌ لقدرة الله تعالى ومشيئته. ولو قال: آتينا داود منا فضلاً تأويب الجبال معه والطير؛ لم يكن فيه هذه الفخامة. {وألنّا له الحديدَ} أي: جعلناه له ليناً، كالطين المعجون، يصرفه بيده كيف يشاء، من غير نار ولا ضرب بمطرقة، قيل: سبب لينه له: أنه لما مَلك بني إسرائيل، وكان من عادته أن يخرج متنكراً، ويسأل كل مَن لقيه: ما يقول الناس في داود؟ فيثنون خيراً، فلقي ملكاً في صورة آدمي، فسأله، فقال: نِعْمَ الرجل، لولا خصلة فيه: يأكل ويطعم عياله من بيت المال، فتنبّه، وسأل الله تعالى أن يسبب له سبباً يُغنيه عن بيت المال، فألان له الحديد مثل الشمع، وعلّمه صنعة الدروع، وهو أول مَن اتخذها. وكانت قبل ذلك صفائح. ويقال: كان يبيع كل درع منها بأربعة آلاف، فيأكل ويُطعم عياله، ويتصدّق على الفقراء والمساكين. وقيل: كان يلين له ولمَن اشتغل معه له، قُلت: ذكر ابن حجر في شرح الهمزية أن نبينا صلى الله عليه وسلم كان إذا وطىء على صخرة أثر فيها قدمه، وهذا أبلغ من إلانة الحديد؛ لأن لين الحجارة لا يعرف بنار، ولا بغيرها، بخلاف الحديد. هـ. وقيل: لأن لين الحديد في يد داود عليه السلام لِما أُولي من شدة القوة. وأمرناه {أنِ اعمل سَابِغاتٍ} أي: دروعاً واسعةً تامة، من: السبوغ، بمعنى الإطالة، {وقدِّر في السَّردِ} لا تجعل المسامير دقاقاً فيقلق، ولا غلاظاً فتنكسر الحلَق، أو تؤذي لابسها. والتقدير: التوسُّط في الشيء، والسرد: صنعة الدروع، ومنه قيل لصانعه: السراد والزراد. {واعملوا صالحاً} شكراً لما أسدي إليكم. والضمير لداود وأهله. والعمل الصالح: ما يصلح للقبول؛ لإخلاصه وإتقانه، {إِنِّي بما تعملون بصير} فأجازيكم عليه. الإشارة: الفضل الذي أُوتيه داود عليه السلام هو كشف الحجاب بينه وبين الكون، فلما شهد المكون، كانت الأكوان معه. "أنت مع الأكوان ما لم تشهد المكون، فإذا شهدت المكون كانت الأكوان معك". ولا يلزم من كونها معه في المعنى، بحيث تتعشّق له وتهواه، أي: تنقاد كلها له في الحس، بل ينقاد إليه منها ما يحتاج إليه، حسبما تقتضيه الحكمة، وتسبق به المشيئة، فسوابق الهمم لا تخرق أسوار الأقدار. وقوله تعالى: {وأَلَنَّا له الحديدَ} في الظاهر: الحديد الحسي، وفي الباطن: القلوب الصلبة كالحديد، فتلين لوعظه بالإيمان والمعرفة. وكذا في حق كل عارف تلين لوعظه القلوب، وتقشعر من كلامه الجلود. وهو أعظم نفعاً من لين الحديد الحسي. ويقال له: أن اعمل سابغاتٍ، أي: دروعاً تامة، يتحصّن بها من الشيطان والهوى، وهو ذكر الله، يستعمله ويأمر به، ذكراً متوسطاً، من غير إفراط ممل، ولا تفريط مخل. فإذا انتعش الناس على يده كَبُرَ قدره عند ربه، فيؤمر بالشكر، وهو قوله: {واعملوا صالحاً إِني بما تعملون بصير} والله تعالى أعلم. ثم ذكر سليمان عليه السلام فقال: {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ...}
الجنابذي
تفسير : {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً} جملة حاليّة او معطوفة على مقدّرٍ والمعنى، لم لا ينظرون الى ما بين ايديهم؟ او الى ما خلفهم من الحوادث الماضية؟ حتّى ايقنوا بالمبدء العليم الحكيم، والحال انّا آتينا داود منّا فضلاً يدلّ على ذلك او التّقدير لقد احدثنا فى ما مضى آياتٍ عجيبةً دالّةً عل كمال قدرتنا وخبرتنا ولقد آتينا داود منّا فضلاً {يٰجِبَالُ} حال او مستأنفٌ بدل تفصيلىّ من آتينا والكلّ بتقدير القول اى قلنا يا جبال {أَوِّبِي} رجّعى نداءه بالتّسبيح بصدائك {مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ} قرئ بالرّفع عطفاً على الجبال او على المستتر فى اوّبى واكتفى عن التّأكيد بالمنفصل بفاصلٍ ما، وقرئ بالنّصب عطفاً على محلّ جبال او على الضّمير المجرور على ضعفٍ فى العطف على الضّمير المجرور بدون اعادة الجارّ، او مفعولاً معه، وقد مضى الآية مع بيانها فى سورة الانبياء {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ} مثل الشّمعة يطيعه فى اىّ شكل اراد.
اطفيش
تفسير : {ولقد آتينا داود منا} متعلق بآتينا اي في ملكنا او حال من المنصوب بعده. {فضلا} على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وهو ما ذكر بعد من امر الجبال بالتأويب معه، والطير وإيلانة له الحديد، أو على سائر الناس فتدخل في ذلك النبوة والكتاب والملك والصوت الحسن وغير ذلك وفسر الشيخ هود رحمه الله الفضل بالنبوة وبعض بها وبالكتاب وبعض بالملك. وان قلت: كيف يكون الفضل على الأنبياء فيكون افضل من خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم. قلت: لا ضير في فضله عليه بنحو إلانة الحديد والصوت الحسن وتأويب الجبال والطير مع كونه افضل النبيين مرتبة ومنزلة عند الله وذكر في المواهب ان الله سبحانه وتعالى اعطى نبينا صلى الله عليه وسلم اخضرار العود اليابس في يده وايراقه كما ألان الحديد لداود عليه السلام ومسح على شاة ام معبد فدرت وروت واقول اولى من ذلك ذكر ما وقع له في غير موضع من انخفاض الحجر وانضمامه لداخل لجسده صلى الله عليه وسلم كما ينضم الطين بمس من يمسه فيبقى فيه مكان منخفض وقد اشتهر ان كلامه صلى الله عليه وسلم لشدة حلاوته يؤثر في الاعرابي الجلف وانه يسمع تسبيح الحجارة والحصى وانه كلمته الجمادات والحيوان وعرض له شيطان في صلاته وقيل ابليس أبا الشياطين وقيل ما منعه من ربطه إلا قوله عز وجل {أية : لا ينبغي لأحد من بعدي}. تفسير : {يا جبال} نكرة مقصودة والقول مقدر اي قلنا يا جبال وهذه الجملة بدل من اتينا او استئناف وان قدرنا المفرد اي قولنا يا جبال كان بدلا من فضلا والجبال هذه هي جبال بلدة القريبة اليه والجبال التي كانت حيث كان. {أوبي} من التأويب اي الترجيع والمعنى رجعي. {معه} تسبيح وقرىء {أوبي} بوزن قولي بضم القاف من آب يؤب اي ارجعي معه فيه كلما رجع فيه لأنه اذا رجعه فقد رجع فيه وتسبيح الجبال حقيق يخلق الله لها عقلا ونطقا وقيل تأويب الجبال معه سيرها معه. {والطير} مفعول معه ناصبه اوبي او مفعول به لمحذوف اي وأمرنا الطير بالتسبيح ايضا معه او سخرنا الطير ومعطوف على فضلا أو معطوف على محل جبال وقرأ عاصم بالضم عطفا على لفظ جبال لشبه ضمته بحركة الاعراب لحدوثها بسبب حرف النداء او عطفا على باء أوبي ذكر ابن هشام بعض ذلك ولا يخفى ما في ذلك من الدلالة على كمال قدرة الله تعالى حيث كانت الجبال والطير منقادة اليه لا تمتنع عما اراد منها ونزلها منزلة العقلاء وذلك معجزة لداود عليه السلام كان ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين وكانت الجبال تساعده بأصدائها والطير بأصواتها وذلك الصدى منها يومئذ هو صوت تسبيح وكان اذا لحقه ملل او فتور اسمعه الله تسبيح الجبال فينشط له. في عرائس القرآن عن وهب بن منبه عن ابي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خفف على داود القرآن"تفسير : اي قراءة الزبور او المقروء وهو الزبور وكان يأمر بدوابه ان تسرح وكان لا يأكل الا من عمل يده وعن ابي بردة ابن ابي موسى عن ابيه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : "قد أعطيت مزمارا من مزامير آل داود" قلت: والله يا رسول الله لو علمت انك تسمع لحبرته لك تحبيرا . تفسير : وعن البراء بن عازب سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت ابي موسى فقال "حديث : كان صوت هذا من صوت آل داود ". تفسير : وكان اذا صعد داود الجبل يسبح جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح ثم وسوس له في نفسه كيف يسمع صوتي من هذه الأصوات فهبط عليه ملك فأخذ بعضده حتى انتهى به الى البحر فركله برجله فانفرج له البحر حتى ظهرت الأرض فركل صخرة برجله فانفرجت عن دودة فقال له: ان ربك يسمع نشيد هذه الدودة في هذا الموضع. وقيل: قال في نفسه ليلة لاعبدن الله عبادة لم يعبد مثلها فصعد الجبل ولما كان في جوف الجبل دخلته وحشة فأوحى الله الى الجبل ان آنس داود فضج بالتسبيح والتهليل فقال داود عليه السلام كيف يسمع صوتي مع هذه الأصوات فهبط عليه ملك فأخذ بعضده الى آخر ما مر. {وألنا} ليّنا والماضي وحده ألان كأقام حذفت الفه لسكون ما بعدها. {له الحديد} كان في يده كالشمع والطين يصرفه كيف شاء من غير نار ومطرقة قال في عرائس: القرآن سبب ذلك ما روي ان داود عليه السلام لما ملك بني اسرائيل كان من عادته ان يخرج للناس متنكرا فاذا رأى رجلا لا يعرفه تقدم اليه يسأله عن داود ما تقولون فيه فيثني الرجل خيرا وقيض الله له ملكا على صورة رجل فسأله فقال نعم الرجل هو لولا خصلة فيه فراع داود ذلك فقال وما هي يا عبدالله؟ قال: انه يأكل ويطعم عياله من بيت المال فتنبه لذلك وسأل ان يسهل له شيء يستغني به عن بيت المال فألان له الحديد يصينع منه الدرع ويبيعها بأربعة آلاف درهم وهو اول من اتخذها وكانت قبل ذلك صفائح يأكل ويتصدق على الفقراء والمساكين اهـ. قيل انما زاد الله في قوته حتى كان الحديد له كالطين المبلول أي وألنا له الحديد بتقويته والأوضح الأول.
اطفيش
تفسير : {ولقَد آتيْنا دَاود منَّا فضْلا} من للابتداء متعلق بآتينا أو بمحذوف حال من فضلا، والفضل زيادة الخير الدينى والدنيوى على ما عنده قبله، وليس المراد تفضيله على غيره، ونكر فضلا للتعظيم، وذكر منَّا مع أنه يغنى عنه آينا لتفخيم ما أوتى بأنه بلا واسطة، كقوله تعالى: "أية : وعلمناه من لدنا علماً" تفسير : [الكهف: 65] وقدم منَّا على فضلا على طريق الاعتناء به، والاهتمام وللتشويق الى المؤخر ليزداد تمكنه فى النفس عند وروده. وأقوال: لا يسند الاعتناء والاهتمام الى الله سبحانه، ولذلك كنت أقول على طريق الاهتمام والاعتناء، لأن فى أصلهما علاجا وكسبا وتعبا، وما ذكرته أولى من أن يقال فضلا على من قبله من النبيين كالملك، والصوت الحسن، أو على أنبياء بنى اسرائيل، أو على الأنبياء غير نبينا صلى الله عليه وسلم، أو عليه أيضا من حيث انه قد يكون للمفضول شىء ليس للفاضل، وذكر هنا شئون داود وسليمان لمناسبة "أية : عبد منيب" تفسير : [سبأ: 9] ولأن ما أعطاهما مستحيل عادة، فكذلك يقدر على البعث الذى تعدونه مستحيلا، وللزجر عن أن يستبعدوا ما أعطى صلى الله عليه وسلم فانه قد أعطى داود وسليمان ما أعطى، وما أوتى نبى فضيلة إلا أوتى نبينا مثلها بالفعل، أو تمكن منها، واختار عدم إظهارها صلى الله عليه وسلم. {يا جبال أوبي مَعَه} إلخ بيان للفضل، والتأويب التسبيح كما قال ابن عباس: وهو لفظ عربى، لا كما قال الطبرى عن أبى ميسرة: إنه بلغة الحبشة، وقيل: بمعنى رجِّعى معه التسبيح، أى ردديه فيكون بينكما يسبح، وتسبحين، والتشديد للمبالغة، والأصل أوبى باسكان الواو بعد ضمة كما قرأ به ابن عباس والحسن وقتادة، أى ارجعى معه الى التسبيح، ليس تفسيره بالمتعدى موجبا لأن يكون متعديا كما قالوا: هنا معناه رجعى معه التسبيح، فانه إنما هذا بيان لكون التسبيح فى ضمنه، كما تقول: معنى ذهب زيد، نقل زيد نفسه، وإلا قيل: أوبى التسبيح، وهم لم يقولوه. والجبال تسبِّح بصوت يسمع بقدرة الله، وخلق فيها الفهم، وأمرها كما يؤمر العاقل، وناداها كما ينادى العاقل، وقد سبَّح الحصى فى يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووضعها فى يد الصديق فسبحَّت، وليس المعنى حملها إياه بالتفكر فى شأنها على التسبيح، لأنه قال: {أوبي} بصيغة الأمر، لا أوبْته، ولأنه قال معه، ولأن كل من تأمل فى الجبال أداه تأمله الى التسبيح لا داود فقط، فلا يكون معجزة له، ولا مفضلا به. وقيل: تاويبها رد صداه إذا سبح نائحا على نفسه، ويبحث بأن الصدى أثر صوت الصائت لا صوت، وفعل لنحو الجبل، والله أمرها أن تغفل الصوت، لأن الصدى يرجع أيضا لكل أحد، اللهم إلا أن يقال ترد له الصدى بأمر الله سبحانه، ولو لم يشدد الصوت، وقيل: سيرى حيث سار، وهو خلاف الظاهر أيضا لأنها تقارع الناس وغيرهم، ولأنها أوتاد الأرض، وأيضا أتبقى أو ترجع لأماكنها، أو تسر فى رجوعه معه الى جهة مسكنه، وترجع الى أماكنها، ولو كان الله قادرا أن يمسك الأرض بدونها، وقيل: المعنى أطيعه فيما أراد فيك من حفر واستنباط عين ومعدن، ووضع طريق، وفيه أنه خلاف الظاهر مشارك فيه، وضمير المفرد المؤنث لجماعة جبال مخصوصة، وهى جبال أرض هو فيها من الشام، لأن اللفظ نكرة مقصودة، وذلك مفعول لحال محذوف من فاعل فضل، أى قائلين: يا جبال. {والطَّير} عطف على محل المنادى عند سيبويه، ولو كان حرف النداء لا يدخل على المعرف بأل، ورب شىء يصح تبعا لا استقلالا، قال الشاعر: شعر : ألا يا زيد والضحاك سيرا تفسير : بنصب الضحاك، أو يعطف على فضلا، أو يقدر وسخرنا له الطير، وهو فى التسخير أظهر، وهو أوضح من الاقتصار فى اللفظ على إيتائها فى العطف على فضلا، وعطفه الكسائى على فضلا، وقدر مضافا، أى وتسبيح الطير، وهو تقدير أظهر فى الإيتاء من مطلق الإيتاء، وقال الزجاج: مفعول معه،ورد بأنه يتكرر مع قوله: {معه} بلا عطف ولا إبدال، وهود متجه، سواء علق معه بأوبى أو بمحذوف حال من الياء، والمعتبر المعنى لا خصوص لفظ مع، فان واو المعية مثله نعم قد يجوز فى الحالية لمغايرة لفظ الاستقرار المقدر للعامل، والمراد بالطير الجنس. {وألنَّا لهُ الحديدَ} كالطين والشمع، يصرفه الى أى صورة شاء بلا نار ومطرقة، وقيل: إن المعنى جعلنا الحديد بالنسبة الى قوته التى آتيناه إياها لينا كالشمع، بالنسبة الى قوى سائر البشر، وهذا ضعيف لأنه يفيد أنه يعالج قوة الحديد، وتسهل عليه، ونحن نقول: لا علاج قوة له، بل وضع له اللين فى الحديد، وإن لم يرد هذه المعالجة كما دل له التشبيه الذى يقدرون فى الآية كما قدرته، فهو القول الأول.
الالوسي
تفسير : {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودُ مِنَّا فَضْلاً } أي آتيناه لحسن إنابته وصحة توبته فضلاً أي نعمة وإحساناً، وقيل فضلاً وزيادة على سائر الأنبياء المتقدمين عليه أو أنبياء بني إسرائيل أو على ما عدا نبينا صلى الله عليه وسلم لأنه ما من فضيلة في أحد من الأنبياء عليهم السلام إلا وقد أوتي عليه الصلاة والسلام مثلها بالفعل أو تمكن منها فلم يختر إظهارها أو على الأنبياء مطلقاً وقد يكون في المفضول ما ليس في غيره، وقد انفرد عليه السلام بما ذكر هٰهنا، وقيل: أو على سائر الناس فيندرج فيه النبوة والكتاب والملك والصوت الحسن. وتعقب بأنه إن أريد أن كلا منها فضل لا يوجد في سائر الناس فعدم مثل ملكه وصوته محل شبهة وإن أريد المجموع من حيث هو ففيه أنه غير موجود في الأنبياء أيضاً فلا وجه لتخصيصه بهذا الوجه. وأنا أرى الفضل لتفسير الفضل بالإحسان وتنكيره للتفخيم و {مِنَّا } أي بلا واسطة لتأكيد فخامته الذاتية بفخامته الإضافية كما في قوله تعالى: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا} تفسير : [الكهف: 65] وتقديمه على المفعول الصريح للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ليتمكن في النفس عند وروده فضل تمكن. وذكر شؤون داود وسليمان عليهما السلام هنا لمناسبة ذكر المنيب في / قوله تعالى: {أية : إِنَّ فِى ذَلِكَ لآية لكل عبد منيب}تفسير : [سبأ: 9] كما أشرنا إليه، وقال أبو حيان: مناسبة قصتيهما عليهما السلام لما قبلها هي أن أولئك الكفار أنكروا البعث لاستحالته في زعمهم فأخبروا بوقوع ما هو مستحيل في العادة مما لا يمكنهم إنكاره إذ طفحت ببعضه أخبارهم وأشعارهم، وقيل: ذكر سبحانه نعمته عليهما احتجاجاً على ما منح نبينا صلى الله عليه وسلم كأنه قيل: لا تستبعدوا هذا فقد تفضلنا على عبيدنا قديماً بكذا وكذا فلما فرغ التمثيل له عليه الصلاة والسلام رجع التمثيل لهم بسبأ وما كان من هلاكهم بالكفر والعتو. {يٰجِبَالُ أَوّبِى مَعَهُ } أي سبحي معه قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد، وأخرجه ابن جرير عن أبـي ميسرة إلا أنه قال: معناه ذلك بلغة الحبشة، والظاهر أنه عربـي من التأويب والمراد رجعي معه التسبيح وردديه، وقال ابن عطية: إن أصل ماضيه آب وضعف للمبالغة. وتعقبه في «البحر» بقوله ويظهر أن التضعيف للتعدية لأن آب بمعنى رجع لازم صلته اللام فعدي بالتضعيف إذ شرحوه بقولهم رجعي معه التسبيح. يروى أنه عليه السلام كان إذا سبح سبحت الجبال مثل تسبيحه بصوت يسمع منها ولا يعجز الله عز وجل أن يجعلها بحيث تسبح بصوت يسمع وقد سبح الحصى في كف نبينا عليه الصلاة والسلام وسمع تسبيحه وكذا في كف أبـي بكر رضي الله تعالى عنه، ولا يبعد على هذا أن يقال: إنه تعالى خلق فيها الفهم أولا فناداها كما ينادى أولوا الفهم وأمرها، وقال بعضهم: إنه سبحانه نزل الجبال منزلة العقلاء الذين إذا أمرهم أطاعوا وأذعنوا وإذا دعاهم سمعوا وأجابوا إشعاراً بأنه ما من حيوان وجماد إلا وهو منقاد لمشيئته تعالى غير ممتنع على إرادته سبحانه ودلالة على عزة الربوبية وكبرياء الألوهية حيث نادى الجبال وأمرها. وقيل: المراد بتأويبها حملها إياه على التسبيح إذا تأمل ما فيها، وفيه مع كونه خلاف المأثور أن {مَعَهُ } يأباه، وأيضاً لا اختصاص له عليه السلام بتأويب الجبال بهذا المعنى حتى يفضل به أو يكون معجزة له، وقيل: كان عليه السلام ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين وكانت الجبال تسعده بأصدائها. وفيه أن الصدى ليس بصوت الجبال حقيقة وإنما هو من آثار صوت المتكلم على ما قام عليه البرهان، والله تعالى نادى الجبال وأمرها أن تؤوب معه، وأيضاً أي اختصاص له عليه الصلاة والسلام بذلك ولصوت كل أحد صدى عند الجبال. وعن الحسن أن معنى {أَوّبِى مَعَهُ } سيري معه أين سار، والتأويب سير النهار كأن الإنسان يسير الليل ثم يرجع السير بالنهار أي يردده. ومن ذلك قول تميم بن مقبل:شعر : لحقنا بحي أوبوا السير بعدما دفعنا شعاع الشمس والطرف يجنح تفسير : وقول آخر:شعر : يومان يوم مقامات وأندية ويوم سير إلى الأعداء تأويب تفسير : وأورد عليه أن الجبال أوتاد الأرض ولم ينقل سيرها مع داود عليه السلام أو غيره، وقيل: المعنى تصرفي معه على ما يتصرف فيه فكانت إذا سبح سبحت وإذا ناح ناحت وإذا قرأ الزبور قرأت. وتعقب بأنه لم يعرف التأويب بمعنى التصرف في لغة العرب، وقيل: المعنى ارجعي إلى مراده فيما يريد من حفر واستنباط أعين واستخراج معدن ووضع طريق، والجملة معمولة لقول مضمر أي قولنا يا جبال على أنه بدل من {فَضْلاً } بدل كل من كل أو بدل اشتمال أو قلنا يا جبال على أنه بدل من {ءاتَيْنَا } وجوز كونه بدلاً من {فَضْلاً } بناء على أنه / يجوز إبدال الجملة من المفرد، وجوز أبو حيان الاستئناف وليس بذاك. وقرأ ابن عباس والحسن وقتادة وابن أبـي إسحاق {أوبى} بضم الهمزة وسكون الواو أمر من الأوب وهو الرجوع وفرق بينهما الراغب بأن الأوب لا يقال إلا في الحيوان الذي له إرادة والرجوع يقال فيه وفي غيره. والمعنى على هذه القراءة عند الجمهور ارجعي معه في التسبيح وأمر الجبال كامر الواحدة المؤنثة لأن جمع ما لا يعقل يجوز فيه ذلك، ومنه يا خيل الله اركبـي وكذا {أية : مآَرِبُ أُخْرَىٰ }تفسير : [طه: 18] وقد جاء ذلك في جمع من يعقل من المؤنث قال الشاعر:شعر : تركنا الخيل والنعم المفدى وقلنا للنساء بها أقيمي تفسير : لكن هذا قليل. {وَٱلطَّيْرَ} بالنصب وهو عند أبـي عمرو بن العلاء بإضمار فعل تقديره وسخرنا له الطير وحكى أبو عبيدة عنه أن ذاك بالعطف على {فَضْلاً } ولا حاجة إلى الإضمار لأن إيتاءها إياه عليه السلام تسخيرها له، وذكر الطيبـي أن ذلك كقوله:شعر : علفتها تبنا وماء بارداً تفسير : وقال الكسائي: بالعطف أيضاً إلا أنه قدر مضافاً أي وتسبيح الطير ولا يحتاج إليه، وقال سيبويه: الطير معطوف على محل {جِبَالٍ } نحو قوله:شعر : ألا يا زيد والضحاك سيرا تفسير : بنصب الضحاك، ومنعه بعض النحويين للزوم دخول يا على المنادى المعرف بأل. والمجيز يقول: رب شيء يجوز تبعاً ولا يجوز استقلالاً، وقال الزجاج: هو منصوب على أنه مفعول معه. وتعقبه أبو حيان بأنه لا يجوز لأن قبله {مَعَهُ } ولا يقتضي اثنين من المفعول معه إلا على البدل أو العطف فكما لا يجوز جاء زيد مع عمرو مع زينب إلا بالعطف كذلك هذا، وقال الخفاجي: لا يأباه {مَعَهُ } سواء تعلق بأوبـي على أنه ظرف لغو أو جعل حالاً لأنهما معمولان متغايران إذ الظرف والحال غير المفعول معه وكل منها باب على حده وإنما الموهم لذلك لفظ المعية فما اعترض به أبو حيان غير متوجه وإن ظن كذلك، وأقبح من الذنب الاعتذار حيث أجيب بأنه يجوز أن يقال حذفت واو العطف من قوله تعالى: {وَٱلطَّيْرُ } استثقالاً لاجتماع الواوين أو اعتبر تعلق الثاني بعد تعلق الأول. وقرأ السلمي وابن هرمز وأبو يحيـى وأبو نوفل ويعقوب وابن أبـي عبلة وجماعة من أهل المدينة وعاصم في رواية {وَٱلطَّيْرُ } بالرفع وخرج على أنه معطوف على {جِبَالٍ } باعتبار لفظه وحركته لعروضها تشبه حركة الإعراب ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع، وقيل معطوف على الضمير المستتر في {أوبِى } وسوغ ذلك الفصل بالظرف، وقيل: هو بتقدير ولتؤوب الطير نظير ما قيل في قوله تعالى: {أية : ٱسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ }تفسير : [البقرة: 35]. وقيل: هو مرفوع بالابتداء والخبر محذوف أي والطير تؤوب. {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } وجعلناه في يده كالشمع والعجين يصرفه كما يشاء من غير نار ولا ضرب مطرقة قاله السدي وغيره، وقيل: جعلناه بالنسبة إلى قوته التي آتيناها إياه لينا كالشمع بالنسبة إلى قوى سائر البشر.
سيد قطب
تفسير : يحوي هذا الشوط صوراً من الشكر والبطر؛ وصوراً من تسخير الله لمن يشاء من عباده قوى وخلقاً لا تسخر عادة للبشر. ولكن قدرة الله ومشيئته لا يقيدهما مألوف البشر. وتتكشف من خلال هذه الصور وتلك حقائق عن الشياطين الذين كان يعبدهم بعض المشركين، أو يطلبون عندهم علم الغيب وهم عن الغيب محجوبون. وعن أسباب الغواية التي يتسلط بها الشيطان على الإنسان، وما له عليه من سلطان إلا ما يعطيه من نفسه باختياره. وعن تدبير الله في كشف ما هو مكنون من عمل الناس وبروزه في صورة واقعة لينالوا عليه الجزاء في الآخرة. وبذكر الآخرة ينتهي هذا الشوط كما انتهى الشوط الأول في السورة.. {ولقد آتينا داود منا فضلاً. يا جبال أوبي معه والطير. وألنا له الحديد أن اعمل سابغات، وقدّر في السرد، واعملوا صالحاً. إني بما تعملون بصير}.. وداود عبد منيب، كالذي ختم بذكره الشوط الأول: {أية : إن في ذلك لآية لكل عبد منيب}.. تفسير : والسياق يعقب بقصته بعد تلك الإشارة؛ ويقدم لها بذكر ما آتاه الله له من الفضل. ثم يبين هذا الفضل: {يا جبال أوبي معه والطير}.. وتذكر الروايات أن داود عليه السلام أوتي صوتاً جميلاً خارقاً في الجمال؛ كان يرتل به مزاميره، وهي تسابيح دينية، ورد منها في كتاب "العهد القديم" ما الله أعلم بصحته. وفي الصحيح "حديث : أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ سمع صوت أبي موسى الأشعري ـ رضي الله عنه ـ يقرأ من الليل فوقف فاستمع لقراءته. ثم قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ لقد أوتي هذا مزماراً من زمامير آل داود ". تفسير : والآية تصور من فضل الله على داود ـ عليه السلام ـ أنه قد بلغ من الشفافية والتجرد في تسابيحه أن انزاحت الحجب بينه وبين الكائنات؛ فاتصلت حقيقتها بحقيقته، في تسبيح بارئها وبارئه؛ ورجّعت معه الجبال والطير، إذ لم يعد بين وجوده ووجودها فاصل ولا حاجز، حين اتصلت كلها بالله صلة واحدة مباشرة؛ تنزاح معها الفوارق بين نوع من خلق الله ونوع، وبين كائن من خلق الله وكائن؛ وترتد كلها إلى حقيقتها اللدنية الواحدة، التي كانت تغشى عليها الفواصل والفوارق؛ فإذا هي تتجاوب في تسبيحها للخالق، وتتلاقى في نغمة واحدة، وهي درجة من الإشراق والصفاء والتجرد لا يبلغها أحد إلا بفضل من الله، يزيح عنه حجاب كيانه المادي، ويرده إلى كينونته اللدنية التي يلتقي فيها بهذا الوجود، وكل ما فيه وكل من فيه بلا حواجز ولا سدود. وحين انطلق صوت داود ـ عليه السلام ـ يرتل مزاميره ويمجد خالقه، رجّعت معه الجبال والطير، وتجاوب الكون بتلك الترانيم السارية في كيانه الواحد، المتجهة إلى بارئه الواحد.. وإنها للحظات عجيبة لا يتذوقها إلا من عنده بها خبر، ومن جرب نوعها ولو في لحظة من حياته! {وألنا له الحديد}. وهو طرف آخر من فضل الله عليه. وفي ظل هذا السياق يبدو أن الأمر كان خارقة ليست من مألوف البشر. فلم يكن الأمر أمر تسخين الحديد حتى يلين ويصبح قابلاً للطرق، إنما كان ـ والله أعلم ـ معجزة يلين بها الحديد من غير وسيلة اللين المعهودة. وإن كان مجرد الهداية لإلانة الحديد بالتسخين يعد فضلاً من الله يذكر. ولكننا إنما نتأثر جو السياق وظلاله وهو جو معجزات، وهي ظلال خوارق خارجة على المألوف. {أن اعمل سابغات وقدّر في السرد}. والسابغات الدروع. روي أنها كانت تعمل قبل داود ـ عليه السلام ـ صفائح. الدرع صفيحة واحدة، فكانت تصلب الجسم وتثقله. فألهم الله داود أن يصنعها رقائق متداخلة متموجة لينة يسهل تشكيلها وتحريكها بحركة الجسم؛ وأمر بتضييق تداخل هذه الرقائق لتكون محكمة لا تنفذ منها الرماح. وهو التقدير في السرد. وكان الأمر كله إلهاماً وتعليماً من الله. وخوطب داود وأهله: {واعملوا صالحاً إني بما تعملون بصير}.. لا في الدروع وحدها بل في كل ما تعملون؛ مراقبين الله الذي يبصر ما تعملون ويجازي عليه، فلا يفلت منه شيء، والله به بصير.. ذلك ما آتاه الله داود ـ عليه السلام ـ فأما سليمان فقد آتاه الله أفضالاً أخرى: {ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر، وأسلنا له عين القطر، ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه. ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير. يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب. وقدور راسيات. اعملوا آل داود شكراً. وقليل من عبادي الشكور}. وتسخير الريح لسليمان تتكاثر حوله الروايات، وتبدو ظلال الإسرائيليات واضحة في تلك الروايات ـ وإن تكن كتب اليهود الأصلية لم تذكر شيئاً عنها ـ والتحرج من الخوض في تلك الروايات أولى. والاكتفاء بالنص القرآني أسلم. مع الوقوف به عند ظاهر اللفظ لا نتعداه. ومنه يستفاد أن الله سخر الريح لسليمان، وجعل غدوها أي توجهها غادية إلى بقعة معينة (ذكر في سورة الأنبياء أنها الأرض المقدسة) يستغرق شهراً. ورواحها أي انعكاس اتجاهها في الرواح يستغرق شهراً كذلك. وفق مصلحة تحصل من غدوها ورواحها، يدركها سليمان ـ عليه السلام ـ ويحققها بأمر الله.. ولا نملك أن نزيد هذا إيضاحاً حتى لا ندخل في أساطير لا ضابط لها ولا تحقيق. {وأسلنا له عين القطر}.. والقطر النحاس. وسياق الآيات يشير إلى أن هذا كان معجزة خارقة كإلانة الحديد لداود. وقد يكون ذلك بأن فجر الله له عيناً بركانية من النحاس المذاب من الأرض. أو بأن ألهمه الله إذابة النحاس حتى يسيل ويصبح قابلاً للصب والطرق. وهو فضل من الله كبير. {ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه}.. وكذلك سخر له طائفة من الجن يعملون بأمره بإذن ربه. والجن كل مستور لا يراه البشر. وهناك خلق سماهم الله الجن ولا نعرف نحن من أمرهم شيئاً إلا ما ذكره الله عنهم. وهو يذكر هنا أن الله سخر طائفة منهم لنبيه سليمان ـ عليه السلام ـ فمن عصى منهم ناله عذاب الله: {ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير}.. ولعل هذا التعقيب ـ قبل الانتهاء من قصة التسخير ـ يذكر على هذا النحو لبيان خضوع الجن لله. وكان بعض المشركين يعبدهم من دون الله. وهم مثلهم معرضون للعقاب عندما يزيغون عن أمر الله. وهم مسخرون لسليمان ـ عليه السلام ـ: {يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات}.. والمحاريب من أماكن العبادة، والتماثيل الصور من نحاس وخشب وغيره. والجوابي جمع جابية وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء. وقد كانت الجن تصنع لسليمان جفاناً كبيرة للطعام تشبه الجوابي، وتصنع له قدوراً ضخمة للطبخ راسية لضخامتها.. وهذه كلها نماذج مما سخر الله الجن لسليمان لتقوم له به حيث شاء بإذن الله. وكلها أمور خارقة لا سبيل إلى تصورها أو تعليلها إلا بأنها خارقة من صنع الله. وهذا هو تفسيرها الواضح الوحيد. ويختم هذا بتوجيه الخطاب إلى آل داود: {اعملوا آل داود شكراً}.. سخرنا لكم هذا وذلك في شخص داود وشخص سليمان ـ عليهما السلام ـ فاعملوا يا آل داود شكراً لله. لا للتباهي والتعالي بما سخره الله. والعمل الصالح شكر لله كبير. {وقليل من عبادي الشكور}.. تعقيب تقريري وتوجيهي من تعقيبات القرآن على القصص. يكشف من جانب عن عظمة فضل الله ونعمته حتى ليقل القادرون على شكرها. ويكشف من جانب آخر عن تقصير البشر في شكر نعمة الله وفضله. وهم مهما بالغوا في الشكر قاصرون عن الوفاء. فكيف إذا قصروا وغفلوا عن الشكر من الأساس؟! وماذا يملك المخلوق الإنساني المحدود الطاقة من الشكر على آلاء الله وهي غير محدودة؟.. وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها.. وهذه النعم تغمر الإنسان من فوقه ومن تحت قدميه، وعن أيمانه وعن شمائله، وتكمن فيه هو ذاته وتفيض منه. وهو ذاته إحدى هذه الآلاء الضخام! كنا نجلس جماعة نتحدث وتتجاوب أفكارنا وتتجاذب، وتنطلق ألسنتنا بكل ما يخطر لنا على بال. ذلك حينما جاء قطنا الصغير "سوسو" يدور هنا وهناك من حولنا، يبحث عن شيء؛ وكأنما يريد أن يطلب إلينا شيئاً، ولكنه لا يملك أن يقول؛ ولا نملك نحن أن ندرك. حتى ألهمنا الله أنه يطلب الماء. وكان هذا. وكان في شدة العطش. وهو لا يملك أن يقول ولا أن يشير.. وأدركنا في هذه اللحظة شيئاً من نعمة الله علينا بالنطق واللسان، والإدراك والتدبير. وفاضت نفوسنا بالشكر لحظة.. وأين الشكر من ذلك الفيض الجزيل. وكنا فترة طويلة محرومين من رؤية الشمس. وكان شعاع منها لا يتجاوز حجمه حجم القرش ينفذ إلينا أحياناً. وإن أحدنا ليقف أمام هذا الشعاع يمرره على وجهه ويديه وصدره وظهره وبطنه وقدميه ما استطاع. ثم يخلي مكانه لأخيه ينال من هذه النعمة ما نال! ولست أنسى أول يوم بعد ذلك وجدنا فيه الشمس. لست أنسى الفرحة الغامرة والنشوة الظاهرة على وجه أحدنا، وفي جوارحه كلها، وهو يقول في نغمة عميقة مديدة.. الله! هذه هي الشمس. شمس ربنا وما تزال تطلع.. الحمد لله! فكم نبعثر في كل يوم من هذه الأشعة المحيية، ونحن نستحم في الضوء والدفء. ونسبح ونغرق في نعمة الله؟ وكم نشكر هذا الفيض الغامر المتاح المباح من غير ثمن ولا كد ولا معاناة؟! وحين نمضي نستعرض آلاء الله على هذا النحو فإننا ننفق العمر كله، ونبذل الجهد كله، ولا نبلغ من هذا شيئاً. فنكتفي إذن بهذه الإشارة الموحية، على طريقة القرآن في الإشارة والإيماء، ليتدبرها كل قلب، ويمضي على إثرها، قدر ما يوفقه الله لنعمة الشكر، وهي إحدى آلاء الله، يوفق إليها من يستحقها بالتوجه والتجرد والإخلاص.. ثم نمضي مع نصوص القصة القرآنية في المشهد الأخير منها. مشهد وفاة سليمان والجن ماضية تعمل بأمره فيما كلفها عمله؛ وهي لا تعلم نبأ موته، حتى يدلهم على ذلك أكل الأرضة لعصاه، التي كان مرتكزاً عليها، وسقوطه: {فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته، فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين}.. وقد روي أنه كان متكئاً على عصاه حين وافاه أجله؛ والجن تروح وتجيء مسخرة فيما كلفها إياه من عمل شاق شديد؛ فلم تدرك أنه مات، حتى جاءت دابة الأرض. قيل إنها الأرضة. التي تتغذى بالأخشاب، وهي تلتهم أسقف المنازل وأبوابها وقوائمها بشراهة فظيعة، في الأماكن التي تعيش فيها. وفي صعيد مصر قرى تقيم منازلها دون أن تضع فيها قطعة خشب واحدة خوفاً من هذه الحشرة التي لا تبقي على المادة الخشبية ولا تذر. فلما نخرت عصا سليمان لم تحمله فخرّ على الأرض. وحينئذ فقط علمت الجن موته. وعندئذ {تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين}.. فهؤلاء هم الجن الذين يعبدهم بعض الناس. هؤلاء هم سخرة لعبد من عباد الله. وهؤلاء هم محجوبون عن الغيب القريب؛ وبعض الناس يطلب عندهم أسرار الغيب البعيد! وفي قصة آل داود تعرض صفحة الإيمان بالله والشكر على أفضاله وحسن التصرف في نعمائه. والصفحة المقابلة هي صفحة سبأ. وقد مضى في سورة النمل ما كان بين سليمان وبين ملكتهم من قصص. وهنا يجيء نبؤهم بعد قصة سليمان. مما يوحي بأن الأحداث التي تتضمنها وقعت بعد ما كان بينها وبين سليمان من خبر. يرجح هذا الفرض أن القصة هنا تتحدث عن بطر سبأ بالنعمة وزوالها عنهم وتفرقهم بعد ذلك وتمزقهم كل ممزق. وهم كانوا على عهد الملكة التي جاء نبؤها في سورة النمل مع سليمان في ملك عظيم، وفي خير عميم. ذلك إذ يقص الهدهد على سليمان: {أية : إني وجدت امرأة تملكهم، وأوتيت من كل شيء، ولها عرش عظيم. وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله}.. تفسير : وقد أعقب ذلك إسلام الملكة مع سليمان لله رب العالمين. فالقصة هنا تقع أحداثها بعد إسلام الملكة لله؛ وتحكي ما حل بهم بعد إعراضهم عن شكره على ما كانوا فيه من نعيم. وتبدأ القصة بوصف ما كانوا فيه من رزق ورغد ونعيم، وما طاب إليهم من شكر المنعم بقدر ما يطيقون: {لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال. كلوا من رزق ربكم واشكروا له. بلدة طيبة ورب غفور}.. وسبأ اسم لقوم كانوا يسكنون جنوبي اليمن؛ وكانوا في أرض مخصبة ما تزال منها بقية إلى اليوم. وقد ارتقوا في سلم الحضارة حتى تحكموا في مياه الأمطار الغزيرة التي تأتيهم من البحر في الجنوب والشرق، فأقاموا خزاناً طبيعياً يتألف جانباه من جبلين، وجعلوا على فم الوادي بينهما سداً به عيون تفتح وتغلق، وخزنوا الماء بكميات عظيمة وراء السد، وتحكموا فيها وفق حاجتهم. فكان لهم من هذا مورد مائي عظيم. وقد عرف باسم "سد مأرب". وهذه الجنان عن اليمين والشمال رمز لذلك الخصب والوفرة والرخاء والمتاع الجميل، ومن ثم كانت آية تذكر بالمنعم الوهاب. وقد أمروا أن يستمتعوا برزق الله شاكرين: {كلوا من رزق ربكم واشكروا له}... وذكروا بالنعمة. نعمة البلد الطيب وفوقها نعمة الغفران على القصور من الشكر والتجاوز عن السيئات. {بلدة طيبة ورب غفور}.. سماحة في الأرض بالنعمة والرخاء. وسماحة في السماء بالعفو والغفران. فماذا يقعدهم عن الحمد والشكران؟. ولكنهم لم يشكروا ولم يذكروا: {فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم، وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل: خمط وأثل وشيء من سدر قليل}.. أعرضوا عن شكر الله، وعن العمل الصالح، والتصرف الحميد فيما أنعم الله عليهم، فسلبهم سبب هذا الرخاء الجميل الذي يعيشون فيه؛ وأرسل السيل الجارف الذي يحمل العرم في طريقه وهي الحجارة لشدة تدفقه، فحطم السد وانساحت المياه فطغت وأغرقت؛ ثم لم يعد الماء يخزن بعد ذلك فجفت واحترقت. وتبدلت تلك الجنان الفيح صحراء تتناثر فيها الأشجار البرية الخشنة: {وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل: خمط وأثل وشيء من سدر قليل}.. والخمط شجر الأراك أو كل شجر ذي شوك. والأثل شجر يشبه الطرفاء. والسدر النبق. وهو أجود ما صار لهم ولم يعد لهم منه إلا قليل! {ذلك جزيناهم بما كفروا}.. والأرجح أنه كفران النعمة.. {وهل نجازي إلا الكفور}.. وكانوا إلى هذا الوقت ما يزالون في قراهم وبيوتهم. ضيق الله عليهم في الرزق، وبدلهم من الرفاهية والنعماء خشونة وشدة؛ ولكنه لم يمزقهم ولم يفرقهم. وكان العمران ما يزال متصلاً بينهم وبين القرى المباركة: مكة في الجزيرة، وبيت المقدس في الشام. فقد كانت اليمن ما تزال عامرة في شمال بلاد سبأ ومتصلة بالقرى المباركة. والطريق بينهما عامر مطروق مسلوك مأمون: {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة، وقدّرنا فيها السير. سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين}.. وقيل كان المسافر يخرج من قرية فيدخل الأخرى قبل دخول الظلام. فكان السفر فيها محدود المسافات، مأموناً على المسافرين. كما كانت الراحة موفورة لتقارب المنازل وتقارب المحطات في الطريق. وغلبت الشقوة على سبأ، فلم ينفعهم النذير الأول؛ ولم يوجههم إلى التضرع إلى الله، لعله يرد عليهم ما ذهب من الرخاء. بل دعوا دعوة الحمق والجهل: {فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا}.. تطلبوا الأسفار البعيدة المدى؛ التي لا تقع إلا مرات متباعدة على مدار العام. لا تلك السفرات القصيرة المتداخلة المنازل، التي لا تشبع لذة الرحلات! وكان هذا من بطر القلب وظلم النفس: {وظلموا أنفسهم}.. واستجيبت دعوتهم، ولكن كما ينبغي أن تستجاب دعوة البطر: {فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق}.. شردوا ومزقوا؛ وتفرقوا في أنحاء الجزيرة مبددي الشمل؛ وعادوا أحاديث يرويها الرواة، وقصة على الألسنة والأفواه. بعد أن كانوا أمة ذات وجود في الحياة. {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور}.. يذكر الصبر إلى جوار الشكر.. الصبر في البأساء. والشكر في النعماء. وفي قصة سبأ آيات لهؤلاء وهؤلاء. هذا فهم في الآية. وهناك فهم آخر. فقد يكون المقصود بقوله: {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة}.. أي قرى غالبة ذات سلطان. بينما تحول سبأ إلى قوم فقراء، حياتهم صحراوية جافة. وكثرت أسفارهم وانتقالاتهم وراء المراعي ومواضع الماء. فلم يصبروا على الابتلاء. وقالوا: {ربنا باعد بين أسفارنا}.. أي قلل من أسفارنا فقد تعبنا. ولم يصحبوا هذا الدعاء باستجابة وإنابة لله تستحق استجابته لدعائهم. وكانوا قد بطروا النعمة، ولم يصبروا للمحنة. ففعل الله بهم ما فعل، ومزقهم كل ممزق؛ فأصبحوا أثراً بعد عين، وحديثاً يروى وقصة تحكى.. ويكون التعقيب: {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور}.. مناسباً لقلة شكرهم على النعمة، وقلة صبرهم على المحنة.. وهو وجه رأيته في الآية والله أعلم بمراده. وفي ختام القصة يخرج النص من إطار القصة المحدود، إلى إطار التدبير الإلهي العام، والتقدير المحكم الشامل، والسنة الإلهية العامة؛ ويكشف عن الحكمة المستخلصة من القصة كلها، وما يكمن فيها وخلفها من تقدير وتدبير: {ولقد صدّق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه. إلا فريقاً من المؤمنين. وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك. وربك على كل شيء حفيظ}.. لقد سلك القوم هذا المسلك، الذي انتهى إلى تلك النهاية، لأن إبليس صدق عليهم ظنه في قدرته على غوايتهم، فأغواهم، {فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين}.. كما يقع عادة في الجماعات فلا تخلو من قلة مؤمنة تستعصي على الغواية؛ وتثبت أن هنالك حقاً ثابتاً يعرفه من يطلبه؛ ويمكن لكل من أراد أن يجده وأن يستمسك به، حتى في أحلك الظروف. وما كان لإبليس من سلطان قاهر عليهم لا يملكون رفعه. فليس هنالك قهر لهم منه ولا سيطرة عليهم له. إنما هو تسليطه عليهم ليثبت على الحق من يثبت، وليزيغ منهم من لا يبتغي الحق ويتحراه. وليظهر في عالم الواقع {من يؤمن بالآخرة} فيعصمه إيمانه من الانحراف، {ممن هو منها في شك}.. فهو يتأرجح أو يستجيب للغواية. بلا عاصم من رقابة لله ولا تطلع لليوم الآخر. والله يعلم ما يقع قبل ظهوره للناس. ولكنه سبحانه يرتب الجزاء على ظهوره ووقوعه فعلاً في دنيا الناس. وفي هذا المجال الواسع المفتوح. مجال تقدير الله وتدبيره للأمور والأحداث. ومجال غواية إبليس للناس، بلا سلطان قاهر عليهم، إلا تسليطه ليظهر المكنون في علم الله من المصائر والنتائج.. في هذا المجال الواسع تتصل قصة سبأ بقصة كل قوم، في كل مكان وفي كل زمان. ويتسع مجال النص القرآني ومجال هذا التعقيب، فلا يعود قاصراً على قصة سبأ، إنما يصلح تقريراً لحال البشر أجمعين. فهي قصة الغواية والهداية وملابساتهما وأسبابهما وغاياتهما ونتائجهما في كل حال. {وربك على كل شيء حفيظ}.. فلا يند شيء ولا يغيب، ولا يهمل شيء ولا يضيع.. وهكذا تنتهي الجولة الثانية في السورة بالحديث عن الآخرة كما انتهت الجولة الأولى. وبالتركيز على علم الله وحفظه. وهما الموضوعان اللذان يشتد عليهما التركيز في السورة والتوكيد.
ابن عاشور
تفسير : مناسبة الانتقال من الكلام السابق إلى ذكر داود خفيَّة. فقال ابن عطية: ذكر الله نعمته على داود وسليمان احتجاجاً على ما منح محمداً، أي لا تستبعدوا هذا فقد تفضلنا على عبيدنا قديماً. وقال الزمخشري عند قوله: { أية : إن في ذلك لآية لكل عبد منيب } تفسير : [سبأ: 9] لأن المنيب لا يخلو من النظر في آيات الله على أنه قادر على كلّ شيء من البعث ومن عقاب من يكفر به ا هــــ. فقال الطيبي: فيه إشارة إلى بيان نظم هذه الآية بقوله: {ولقد آتينا داود منا فضلاً} لأنه كالتخلص منه إليه، لأنه من المنيبين المتفكرين في آيات الله، قال تعالى: { أية : واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب } تفسير : [ص: 17] ا هــــ. يريد الطيبي أن داود من أشهر المُثُل في المنيبين بما اشتهر به من انقلاب حاله بعد أن كان راعياً غليظاً إلى أن اصطفاه الله نبيئاً وملكاً صالحاً مُصْلِحاً لأمة عظيمة، فهو مَثَل المنيبين كما قال تعالى: {واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب} وقال: { أية : فاستغفر ربه وخرّ راكعاً وأناب } تفسير : [ص: 24]، فلإِنابته وتأويبه أنعم الله عليه بنعم الدنيا والآخرة وباركه وبارك نسله. وفي ذكر فضله عبرة للناس بحسن عناية الله بالمنيبين تعريضاً بضد ذلك للذين لم يعتبروا بآيات الله، وفي هذا إيماء إلى بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بأنه بعد تكذيب قومه وضيق حاله منهم سيؤول شأنه إلى عزة عظيمة وتأسيس ملك أمة عظيمة كما آلت حال داود، وذلك الإِيماء أوضح في قوله تعالى: { أية : اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أوّاب } تفسير : الآية في سورة ص (17). وسمَّى الطيبي هذا الانتقال إلى ذكر داود وسليمان تخلصاً، والوجه أن يسميه استطراداً أو اعتراضاً وإن كان طويلاً، فإن الرجوع إلى ذكر أحوال المشركين بعدما ذكر من قصة داود وسليمان وسبأ يرشد إلى أن إبطال أحوال أهل الشرك هي المقصود من هذه السورة كما سننبه عليه عند قوله تعالى: { أية : ولقد صدق عليهم إبليس ظنه } تفسير : [سبأ: 20]. وتقديم التعريف بداود عليه السلام عند قوله تعالى: { أية : وآتينا داود زبوراً } تفسير : في سورة النساء (163) وعند قوله: { أية : ومن ذريته داود } تفسير : في سورة الأنعام (84). و (مِنْ) في قوله: {منا} ابتدائية متعلقة بــــ{آتينا}، أي من لدنّا ومن عندنا، وذلك تشريف للفضل الذي أوتيه داود، كقوله تعالى: { أية : رزقاً من لدنا } تفسير : [القصص: 57]. وتنكير {فضلاً} لتعظيمه وهو فضل النبوءة وفضل المُلك، وفضل العناية بإصلاح الأمة، وفضل القضاء بالعدل، وفضل الشجاعة في الحرب، وفضل سَعَة النعمة عليه، وفضل إغنائه عن الناس بما ألهمه من صنع دروع الحديد، وفضل إيتائه الزبور، وإيتائه حسن الصوت، وطولَ العمر في الصلاح وغير ذلك. وجملة {يا جبال أوبي معه} مقول قول محذوف، وحذف القول استعمال شائع، وفعل القول المحذوف جملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لجملة {آتينا داود منا فضلاً}. وفي هذا الأسلوب الذي نظمت عليه الآية من الفخامة وجلالة الخالق وعظم شأن داود مع وفرة المعاني وإيجاز الألفاظ وإفادة معنى المعية بالواو دون ما لو كانت حرف عطف. والأمر في {أوبي معه} أمر تكوين وتسخير. والتأويب: الترجيع، أي ترجيع الصوت، وقيل: التأويب بمعنى التسبيح لغة حبشية فهو من المعرب في اللغة العربية، وتقدم ذكر تسبيح الجبال مع داود في سورة الأنبياء. و{الطير} منصوب بالعطف على المنادَى لأن المعطوف المعرَّف على المنادى يجوز نصبُه ورفعه، والنصب أرجح عند يونس وأبي عمرو وعيسى بن عمر والجَرْميّ وهو أوجه، ويجوز أن يكون {والطير} مفعولاً معه لــــ{أوبي}. والتقدير: أوبي معه ومع الطير، فيفيد أن الطير تأوّب معه أيضاً. وإلانة الحديد: تسخيره لأصابعه حينما يلوي حَلَق الدروع ويغمز المسامير. و{أنْ} تفسيرية لما في {ألنا له} من معنى: أشعرناه بتسخير الحديد ليُقدم على صنعه فكان في {ألنا} معنى: وأوحينا إليه: {أن اعمل سابغات}. و{الحديد} تراب معدني إذا صُهر بالنار امتزج بعضه ببعض ولاَنَ وأمكن تطريقه وتشكيله فإذا برد تصلب. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : قل كونوا حجارة أو حديداً } تفسير : في سورة الإِسراء (50). و{سابغات} صفة لموصوف محذوف لظهوره من المقام إذ شاع وصف الدروع بالسابغات والسوابغ حتى استغنوا عند ذكر هذا الوصف عن ذكر الموصوف. ومعنى {قَدِّر} اجعله على تقدير، والتقدير: جعل الشيء على مقدار مخصوص. و{السَّرْد} صنع درع الحديد، أي تركيب حلقها ومساميرها التي تَشُدّ شقق الدرع بعضها ببعض فهي للحديد كالخياطة للثوب، والدِرع توصف بالمسرودة كما توصف بالسابغة. قال أبو ذؤيب الهذلي: شعر : وعليهما مَسرودتان قضاهما داوُد أو صَنَعُ السوابغ تُبَّعُ تفسير : ويقال لناسج الدروع: سَرَّاد وزرّاد بالسين والزاي، وقال المعري يصف درعاً: شعر : وداوُد قين السابغات أذالها وتلك أضاة صانها المرء تبع تفسير : فلما سخر الله له ما استصعب على غيره أتبعه بأمره بالشكر بأن يعمل صالحاً لأن الشكر يكون بالعمل الذي يرضي المشك والمنعم. وضمير {اعملوا} لداود وآله كقوله تعالى: { أية : وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها } تفسير : [طه: 132] أو له وحده على وجه التعظيم. وقوله: {إني بما تعملون بصير} موقع «إن» فيه موقع فاء التسبب كقول بشار: شعر : إن ذاك النجاحَ في التبكير تفسير : وقد تقدم غير مرة. والبصير: المطلع العليم، وهو هنا كناية عن الجزاء عن العمل الصالح.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً}. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه آتى داود منه فضلاً تفضل به عليه، وبيّن هذا الفضل، الذي تفضل به على داود في آيات أخر كقوله تعالى: {أية : وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ} تفسير : [البقرة: 251] وقوله تعالى: {أية : وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ} تفسير : [ص: 20] وقوله تعالى: {أية : وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ} تفسير : [ص: 30]. وقوله تعالى: {أية : فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ} تفسير : [ص: 25]. وقوله تعالى: {أية : يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [ص: 26]. وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْماً وَقَالاَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي فَضَّلَنَا عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ ٱلْمُؤْمِنِينَ}تفسير : [النمل: 15] وقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً} تفسير : [الإسراء: 55] إلى غير ذلك من الآيات. قوله تعالى: {يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ}. قد بيّنا الآيات الموضحة له مع إيضاح معنى {أَوِّبِي مَعَهُ} في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} تفسير : [الأنبياء: 79]. قوله تعالى: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ}. وقد قدمنا الآيات التي فيها إيضاحه، مع بعض الشواهد وتفسير قوله: {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ} في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ}تفسير : [الأنبياء: 80]. وفي النحل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ} تفسير : [النحل: 81].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 10- والله: لقد أعطينا داود منا فضلا بإعطائه الحكمة والكتاب، وقلنا: يا جبال رددى معه التسبيح إذا سبَّح، وسخرنا له الطير ترجع تقديس الله، وصيرنا له الحديد ليِّنا يشكله كما يشاء. 11- أوحينا إليه أن اعمل دروعاً واسعة تحمى من بأس الأعداء، وأحكم نسْجها بتداخل حلقاتها، وقلنا له ولآله: اعملوا ما يعود عليكم وعلى غيركم بالخير والصلاح، إنى بكل ما تعملون بصير لا يغيب عنى شئ منه. 12- وسخرنا لسليمان الريح، جريها فى أول النهار يعدل السير العادى شهرا، وجريها فى آخر النهار يعدل السير شهراً وأسلْنا له معدن النحاس يجرى غزيرا مستمرا، وسخرنا له من الجن من يعمل أمامه بتسخير ربه، ومن ينحرف من الجن عن أمرنا لهم بطاعة سليمان نُذقه من عذاب النار المستعرة. 13- يعملون له ما يريد من مساجد للعبادة، وصور مجسمة، وقصاع كبيرة كالأحواض، وأوان للطبخ ثابتات على قواعدها لعظمها، وقلنا لآل داود: اعملوا عملا تشكرون به الله شكراً، وقليل من عبادى من يذكر نعمى فيكثر شكرى. 14- فلما حكمنا على سليمان بالموت ما دل الجن على موته إلا دابة الأرض تأكل عصاه وهو متكئ عليها، فلما سقط علمت الجن أنهم لو كانوا يعلمون الغيب ما مكثوا فى العذاب الشاق المهين لهم.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ولقد آتينا داود منا فضلاً: أي نبوة وملكاً. يا جبال أوِّبى معه: أي وقلنا يا جبال أوِّبي معه أي رجعي معه بالتسبيح. والطير: أي والطير تسبح أيضاً معه. وألنَّا له الحديد: أي جعلناه له في اللين كالعجينة يعجنها كما يشاء. أن اعمل سابغات: أي دروعاً طويلة تستر المقاتل وتقيه ضرب السيف. وقدر في السرد: أي اجعل المسمار مناسبا للحلقة، فلا يكن غليظاً ولا دقيقاً، أي اجعل المسامير مقدرة على قدر الحلق لما يترتب على عدم المناسبة من فساد الدرع وعدم الانتفاع بها. ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر: أي وسخرنا لسليمان الريح غدوها أي سيرها من الغداة إلى منتصف النهار مسيرة شهر ورواحها من منتصف النهار إلى الليل شهر كذلك أي مسافة شهر. وأسلنا له عين القطر: أي وأسلنا له عين النحاس. ومن يزغ منهم: أي ومن يعدل عن طاعة سليمان فلم يطعه نذقه من عذاب السعير. من محاريب: جمع محراب المقصورة تكون إلى جوار المسجد للتعبد فيها. وجفان كالجواب: أي وقصاع في الكبر كالحياض التي حول الآبار يجبى إليها الماء. وقدور راسيات: أي وقدور كبار ثابتات على الأثافي لكبرها لا تحول. إلا دابة الأرض: أي الأرضة. تأكل منسأته: أي عصاه بلغة الحبشة. فلما خر: أي سقط على الأرض ميتاً. تبينت الجن: أي انكشف لها فعرفت. في العذاب المهين: وهو خدمة سليمان في الأعمال الشاقة. معنى الآيات: يذكر تعالى في هذا السياق الكريم مظاهر قدرته وإنعامه على عباده المؤمنين ترغيباً في طاعته وترهيباً من معصيته فيقول: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً} وهو النبوة والزبور "كتاب" والملك. وقلنا للجبال {أَوِّبِي مَعَهُ} أي ارجعي صوت تسبيحه والطير أمرناها كذلك فكان إذا سبح ردد تسبيحه الجبال والطير. وهذا تسخيرٌ لا يقدر عليه إلا الله. وقوله: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ} وهذا امتنان آخر وهو تسخير الحديد له وتليينه حتى لكأنه عجينة يتصرف فيها كما شاء، وقلنا له اعمل دروعا طويلة سابغاتٍ تستتر بها في الحرب، (وقدر في السرد) وقوله {وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً} أي اعملوا بطاعتي وترك معصيتي فأدوا الفرائض والواجبات واتركوا الاثم والمحرمات. وقوله: {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فيه وعدٌ ووعيد إذ العلم بالأعمال يستلزم الثواب عليها إن كانت صالحة والعقاب عليها إن كانت فاسدة. وقوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ} أي سخرنا لسليمان بن داود الريح {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} أي تقطع مسافة شهر في الصباح، وأخرى في المساء أي من منتصف النهار إلى الليل فتقطع مسيرة شهرين في يوم واحد، وذلك أنه كان لسليمان مركب من خشب يحمل فيه الرجال والعتاد وترفعه الجان من الأرض فإذا ارتفع جاءت عاصفة فتحملها ثم تتحول إلى رخاء فيوجه سليمان السفينة حيث شاء بكل ما تحمله وينزل بها كسفينة فضاء تماماً. وقوله تعالى {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ} وهو النحاس فكما ألان لداود الحديد للصناعة أجرى لسليمان عين النحاس لصناعته فيصنع ما شاء من آلات وأدوات النحاس. وقوله تعالى {وَمِنَ ٱلْجِنِّ} أي وسخرنا من الجن من يعمل بين يديه أي أمامه وتحت رقابته يعمل له ما يريد عمله من أمور الدنيا. وذلك بإذن ربِّه تعالى القادر على تسخير ما يشاء لمن يشاء. وقوله {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ} أي ومن يعدل من الجن {عَنْ أَمْرِنَا} أي عما أمرناهم بعمله وكلفناهم به {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} وذلك يوم القيامة. وقوله {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ} بيان لما في قوله {مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ} من محاريب قصور أو بيوت تكون ملاصقة للمسجد للتعبد فيها، وتماثيل أي صور من نحاس أو خشب إذ لم تكن محرمة في شريعتهم وجفان جمع جفنة وهي القصعة الكبيرة تتسع لعشرة من الأكلة، كالجواب أي في الكبر والجابية حوض يفرغ فيه ماء البئر ثم يسقى به الزرع أو قدور راسيات أي ويعملون له قدوراً ضخمة لا تتحول بل تبقى دائماً موضوعة على الأثافي ويطبخ فيها وهي في مكانها وذلك لكبرها ومعنى راسيات ثابتات على الأثافي. وقوله تعالى {ٱعْمَلُوۤاْ} أي قلنا لهم اعملوا آل داود شكراً أي اعملوا الصالحات شكراً لله تعالى على هذا الإِفضال والإِنعام أي أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا ربكم في أمره ونهيه يكن ذلك منكم شكراً لله على نعمه. روى أنه لما أمروا بهذا الأمر قال داود عليه السلام لآلِهِ أيكم يكفيني النهار فإني أكفيكم الليل فصلوا لله شكراً فما شئت أن ترى في مسجدكم راكعاً أو ساجداً في أية ساعة من ليل أو نهار إلا رايت. ويكفي شاهداً أن سليمان مات وهو قائم يصلي في المحراب. وقوله تعالى {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} هذا إخبار بواقع وصدق الله العظيم الشاكرون لله على نعمه قليل وفي كل زمان ومكان وذلك لإِستيلاء الغفلة على القلوب من جهة ولجهل الناس بربهم وإنعامه من جهة أخرى. وقوله تعالى في الآية [14] {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ} أي توفيناه: ما دلهم على موته إلا دابة في الأرض أي الأرضة المعروفة تأكل منسأته فلما أكلتها خر على الأرض، وذلك أنه سأل ربّه أن يعمى خبر موته عن الجن، حتى يعلم الناس أن الجن لا يعلمون الغيب كما هم يدعون، فمات وهو متكئ على عصاه يصلي في محرابه، والجن يعملون لا يدرون بموته فلما مضت مدة من الزمن وأكلت الأرضة المنسأة وخر سليمان على الأرض علمت الجن أنهم لو كانوا يعلمون الغيب لعلموا بموت سليمان ولما أقاموا مدة طويلة في الخدمة والعمل الشاق وهم لا يدرون. هذا معنى قوله تعالى {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ} - كما كان يدعى بعضهم - {مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} أي الذي كان سليمان يصبه عليهم لعصيانهم وتمردهم على الطاعة. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان إكرام الله تعالى لآل داود وما وهب داود وسليمان من الآيات. 2- فضيلة صنع السلاح وآلات الحرب لغرض الجهاد في سبيل الله. 3- مركبة سليمان سبقت صنع الطائرات الحالية بآلاف السنين. 4- شرع من قبلنا شرعٌ لنا إلا ما خصّه الدليل كتحريم الصور والتماثيل علينا ولم تحرم عندهم. 5- وجوب الشكر على النعم، وأهم ما يكون به الشكر الصلاة والإِكثار منها. 6- تقرير أن علم الغيب لله وحده.
القطان
تفسير : فضلا: نعمة واحسانا. أوّبي معه: سبّحي معه. أَلنّا له الحديد: سهّلنا له العمل به. سابغات: جمع سابغ، الدروع الكاملات. قدِّر في السرد: احكم نسجها وصنعها. غدوّها شهر: سيرها في الغداة اول النهار مدة شهر. ورواحها: رجوعها عشيا مدة شهر. القطر: بكسر القاف، النحاس الذائب. عين القطر: معدن القطر. يزغ: ينحرف. محاريب: مفردها محراب: المعبد، وكل بناء مرتفع. وتماثيل: مفردها تمثال، الصور المجسمة. وجفان: جمع جفنة، وهي القصعة التي يوضع فيها الطعام. كالجوابي: كالاحواض الكبيرة، مفردها جابية. وقدور راسيات: قدور كبيرة ثابتة في مكانها لعِظمها. اعملوا آل داود شكرا: اعملوا يا آل داود عملا تشكرون به الله. قضينا عليه الموت: حكمنا عليه بالموت. دابة الارض: الأَرَضَة وهي حشرة تأكل الخشب. منسأته: عصاه. خرّ: سقط. ما لبثوا في العذاب المهين: ما مكثوا في العذاب الشاق المذل. ولقد آتينا داود منّا فضلاً على سائر الناس في وقته، وهو النبوّة والزبورُ والملك والصوت الحسن، وقلنا للجبال رجِّعي معه التسبيح، كما أمرنا الطيرَ بالتسبيح معه، وجعلنا الحديد ليِّناً بين يديه. وفي عصر داودَ اكتشف الحديد. وأوحينا اليه ان يعمل دروعا سابغات طويلة تامة، ثم امرناه ان يعمل هو وآله وكل من يلوذ به أعمالا صالحة، {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}. وسخّرنا لسليمان الريح، ذهابُها صباحاً مدة شهر ورجوعُها شهر، يرسلها الى حيث يشاء، وسهّلنا له إذابة معدن النحاس، وسخّرنا له الجنّ يعملون له ما يريد من شتى المصنوعات والقصورَ الشامخة، والمحاريب، والتماثيل، والجِفان الكبيرة التي تشبه الأحواض، والقدورَ الضخمة الثابتة لا تتحرك لعظمها. {ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ}. روى الترمذي قال: حديث : صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر فتلا هذه الآية ثم قال ثلاثٌ من أوتيهنّ فقد أوتيَ مثلَ ما أوتي آل داود: العدْل في الرضا والغضب، والقصد والغنى، وخشية الله في السر والعلانية . تفسير : فلما حكمنا على سليمان بالموت لم يدلَّ الجن على موته الا دابةُ الأرض، إذ اكلت عصاه التي كان متكئاً عليها فسقط، فلما سقط علمت الجنُّ انه مات، وانهم لا يعلمون الغيب. قراءات: قرأ نافع: منساته بغير همزة. والباقون: منسأته بالهمزة.
د. أسعد حومد
تفسير : {آتَيْنَا} {دَاوُودَ} {يٰجِبَالُ} (10) - يُخْبِرُ اللهُ تَعَالى عَمَّا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى عَبْدِهِ دَاوُدَ، عَليهِ السَّلاَمُ، مِنَ الفَضْلِ المُبينِ، إِذْ جَمَع لَهُ المُلْكَ المُتَمَكِّنَ، والنُّبُوَّةَ، والصَّوْتَ الرَّخِيمَ، فَكَانَ إِذا سَبَّحَ رَافِعاً صَوْتَهُ كَانَتِ الجِبَالُ تُرَجِّعُ تَسْبِيحَهُ، وَتَقِفُ لهُ الطُّيُورُ، وَتُجَاوِبُهُ مُسَبِّحَةً بِأَصْوَاتِها. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِنَّهُ أَنْعَمَ عَلَى دَاوُدَ أَيْضاً بِأَنْ أَلآنَ لَهُ الحَدِيدَ، وَعَلَّمَهُ صُنْعَ الدُّرُوع، وَجَعَلَهَا حَلَقاً مُتَدَاخِلاً لِوِقَايَةِ المُجَاهِدِينَ فِي سَبيلِ اللهِ، مِنْ بَأْسِ الأَعْدَاءِ، أَثْنَاءَ القِتَالِ، وَكَانَتِ الدُّرُوعَ تُصْنَعُ قَبْلاً صَفَائِحَ تَعُوقُ حَرَكَةَ لاَبِسِيها، فَلَمَّا أَصْبَحَتْ حَلَقاً مُتَدَاخِلاً أَصْبَحَتْ حَرَكَةُ لاَبِسِيهَا أَكْثَرَ سُهُولَةً. أَوِّبِي - رَجِّعِي وَرَدِّدِي مَعَهُ التَّسْبِيحَ. أَلاَن - جَعَلَهُ لَيِّناً طَرِيّاً. َ
الثعلبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ} مجازه وقلنا: يا جبال {أَوِّبِي مَعَهُ}: سبحي معه إذا سبح. قال أبو ميسرة: هو بلسان الحبشة، وقال بعضهم: هو التفعيل من الإياب، أي ارجعي معه بالتسبيح. فهذا معنى قول قتادة وأبي عبيد، وقال وهب بن منبّه: نوحي معه. {وَٱلطَّيْرَ} تساعدك على ذلك، قال: وكان إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها وعكفت الطير عليه من فوقه، فصدى الجبال الذي يسمعه الناس من ذلك اليوم. ويقال: إن داود كان إذا سبح الله جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح. ثم إنه قال ليلة من الليالي في نفسه: "لأعبدن الله تعالى عبادة لم يعبده أحد بمثلها"، فصعد الجبل، فلما كان في جوف الليل وهو على الجبل دخلته وحشة، فأوحى الله سبحانه إلى الجبال أن آنسي داوُد قال: فاصطكت الجبال بالتسبيح والتهليل، فقال داوُد في نفسه: "كيف يسمع صوتي مع هذه الأصوات؟" فهبط عليه ملك فأخذ بعضده حتى انتهى به إلى البحر، فركله برجله فانفرج له البحر، فانتهى به إلى الأرض فركلها برجله فانفرجت له الأرض، حتى انتهى به إلى الحوت فركلها برجله فتنحت عن صخرة فركل الصخرة برجله فانفلقت فمزجت منها دودة تنشز، فقال له الملك: إن ربك يسمع نشيز هذه الدودة في هذا الموضع. وقال القتيبي: أصله من التأويب في السير، وهو أن يسير النهار كله وينزل ليلاً. قال ابن مقبل: شعر : لحقنا بحي أوّبوا السيرَ بعدما دفعنا شعاعَ الشمسِ والطرفُ مجنحُ تفسير : كأنه أراد ادأبي النهار كله بالتسبيح معه، وقيل: سيري معه كيف يشاء: {وَٱلطَّيْرَ} قراءة العامة بالنصب، وله وجهان: أحدهما بالفعل، مجازه: وسخرنا له الطيرَ، مثل قولك: (أطعمته طعاماً وماء) تريد: وسقيته ماء، والوجه الآخر النداء كقولك: يا عمرو والصلت أقبلا، نصبت الصلت؛ لأنه إنما يُدعى بيائها فإذا فقدتها كان كالمعدول عن جهته، فنصب، وقيل: مع الطير، فتكون الطير مأمورة معه بالتأويب. وروي عن يعقوب بالرفع؛ رداً على {الجِبَالُ} أي أوبي معه أنتِ والطير، كقول الشاعر: شعر : ألا يا عمرو والضحاك سيرا فقد جاوزتما خمر الطريق تفسير : يجوز نصب الضحاك ورفعه. قوله: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ} فذكر أن الحديد كان في يده كالطين المبلول والعجين والشمع، يصرفه بيده كيف يشاء من غير إدخال نار ولا ضرب بحديد، وكان سبب ذلك على ما رُوي في الأخبار أن داوُد (عليه السلام) لما ملك بني إسرائيل كان من عادته أن يخرج للناس متنكراً، فإذا رأى رجلاً لا يعرفه، تقدم إليه يسأله عن داوُد، فيقول له: "ما تقول في داوُد واليكم هذا؛ أي رجل هو؟" فيثنون عليه ويقولون: خيراً فينا هو. فبينا هو في ذلك يوماً من الأيام إذ قيّض الله ملكاً في صورة آدمي، فلما رآه داوُد تقدم إليه على عادته فسأله، فقال له الملك: نِعمَ الرجل هو لولا خصلة فيه. فراع داوُد ذلك وقال: "ما هي يا عبد الله؟" قال: إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال. قال: فتنبه لذلك، وسأل الله تعالى أن يسبب له سبباً يستغني به عن بيت المال فيتقوت منه ويطعم عياله، فألان الله له الحديد فصار في يده مثل الشمع، وعلمه صنعة الدروع، وكان يتخذ الدروع وإنه أول من اتخذها. فيُقال: إنه كان يبيع كل درع منها بأربعة آلاف، فيأكل ويطعم عياله منها ويتصدق منها على الفقراء والمساكين، ويقال أيضاً: إنما ألان الحديد في يده لما أُعطي من القوّة. {أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ} دروعاً كوامل واسعات {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ}، أي لا تجعل المسامير دقاقاً فتغلق ولا غلاظاً فتكسر الحلق. فكان يفعل ذلك: وهو أول من اتخذ الدروع، وكانت قبل ذلك صفائح، والسرد: صنعة الدرع، ومنه قيل لصانعها: السراد والزراد والدرع المسرودة، قال أبو ذويب: شعر : وعليهما مسرودتان قضاهما داوُد أو صنع السوابغ تُبّع تفسير : وأصله الوصل والنظم، ومنه قيل للخرز: سرد وللأشفى مسرد وسراد. قال الشماخ: شعر : كما تابعت سرد العنان الخوارز تفسير : وسرد الكلام. {وَٱعْمَلُواْ} يعني داوُد وآله {صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن فتح الحق سبحانه باب التوبة لعباده، وأعطاهم الأمل حتى الكافرين منهم، وبعد أنْ فعلوا برسول الله ما فعلوا، وسعَوْا في آيات الله معاجزين ما يزال الحق سبحانه رحيماً بهم، حريصاً عليهم، فيلفت أنظارهم إلى واسع رحمته. وكأنه سبحانه يقول لهم: لا تستكثروا أفعالكم وذنوبكم أمام رحمة الله، ولا تصدَّنكم هذه الذنوب عن التوبة والعودة إلى الله، وإنْ كنتم أذنبتمْ، فمن الرسل مَنْ حدثت هفوة من بعضهم مع أنهم أنبياء، فكأن الحق سبحانه مع هذا كله يلتمس لهم عذراً. لذلك ذكر بعدها حكاية سيدنا داود: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً ..} [سبأ: 10] وفي موضع آخر بيَّن ما كان من أمر سيدنا داود: {أية : وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} تفسير : [ص: 24]. إذن: لا تخجلوا أنْ تُنيبوا إلى الله؛ لأن سيدكم الذي أعطيته كذا وكذا لمَّا حدثتْ منه هفوة استغفر وخَرَّ راكعاً وأناب، يريد سبحانه أنْ يُحنِّن قلوبهم ليعودوا إلى أحضان ربهم. كذلك سيدنا سليمان حدثتْ منه هفوة، فابتلاه الله وعاقبه، فتاب واستغفر، واقرأ: {أية : وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ..} تفسير : [ص: 34] والجسد يعني: أنه أصبح لا يستطيع الحركة في ذاته {أية : ثُمَّ أَنَابَ * قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ} تفسير : [ص: 34-35] فماذا كان من أمره بعد أن استغفر {أية : فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ * وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلأَصْفَادِ} تفسير : [ص: 36-38]. لذلك يُقال: إن سيدنا سليمان ركب البساط مرة، فداخله شيء من الزَّهْو أو الإعجاب، فمال به البساط، فقال له: اعتدل يا بساط، فقال: أُمرنا أنْ نطيعك ما أطعتَ الله. والمعنى: أنك ما سخَّرتنا، إنما سخَّرنا اللهُ لك. ومعنى (الفضل) الشيء الزائد، وقد أعطى الله داود عليه السلام نِعَماً كثيرة لم يُعْطِها لكثير من الأنبياء، أعطاه الاصطفاءَ وأعطاه المنهج، وزاده نعمة أخرى خاصة به، وهي أنه ألان له الحديد، كما قال سبحانه: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ * أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ ..} [سبأ: 10-11]. وكلمة {مِنَّا ..} [سبأ: 10] دلتْ على أن النعمة ليست من ذاتك، إنما من الله، فتقديم الجار والمجرور هنا أفاد قصْر النعمة على المنعِم سبحانه، ومثلها الجار والمجرور في قوله تعالى في قصة سيدنا موسى عليه السلام: {أية : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي ..} تفسير : [طه: 39]. كأن الحق سبحانه يقول لنبيه موسى عليه السلام: لقد أخذك آل فرعون، والتقطوك من اليم في وقت كانوا يقتلون فيه الأطفال، وقد جئتَهم في صورة تدعو إلى الشك، لكنهم أحبوك، ورأوا فيك قرَّة عَيْن لهم، وأنت وقتها أسمر اللون، كبير الأنف، جعد الشعر يعني: ليس فيك ما يلفت النظر، لكن تذكَّر أنِّي ألقيتُ عليك محبة مني أنا، فأحبوك. والفضل من الله يأتي الناس جميعاً، لكن الرسل لهم نِعَم متميزة، وفضل أعظم في صورة معجزات، ويُبيِّن الحق سبحانه فضله على نبيه داود بقوله: {يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ} [سبأ: 10]. (يا جبال) نداء، فالله ينادي الجبال؛ لأنها تسمع وتعي هذا النداء {أَوِّبِي ..} [سبأ: 10] يعني: رجِّعي معه ما يقول وما يقرأ من الزبور أو من الذكر، وهنا دليل على أنه يفهم قول الجبال، وأنها تفهم قوله، وتُردِّد خلفه، إذن: للجبال منطق ولغة أفهمها اللهُ نبيَّه داود. وقد تناولنا مسألة تسبيح الجمادات لمَّا تعرضنا لقوله تعالى: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..} تفسير : [الإسراء: 44] ورددنا قول مَنْ قال إنه تسبيح الحال لا تسبيح المقال؛ لأن الله قال {أية : وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ..} تفسير : [الإسراء: 44] وما دام قد حكم سبحانه أننا لا نفقه تسبيحهم، فهو تسبيح بالقول. والذين قالوا بتسبيح الدلالة استعظموا أنْ يكون للجبل كلام ولغة وتفاهم، لكل هل للجبل كلام معك أنت؟ للجبل كلام مع ربه وخالقه الذي قال: {أية : أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلْخَبِيرُ} تفسير : [الملك: 14]. إذن: ما دَخْلك أنت في هذه المسألة؟ ولماذا تنكرها؟ وتأمل قوله سبحانه: {أية : وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَٱلْمَلاَئِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ ..} تفسير : [الرعد: 13] فجمع بين تسبيح الرعد وهو جماد وتسبيح الملائكة، وهم على أجناس المخلوقات، وأين وجه الدلالة في تسبيح الملائكة؟ فلماذا العجب، وقد ثبت أن لكل شيء لغة تناسبه، وقد رأينا لغة للهدهد، ولغة للنمل .. إلخ. فعظمة سيدنا داود أنه فهم لغة الجبال، وسمع تسبيحها، ووافق تسبيحُها تسبيحَه، كذلك {وَٱلطَّيْرَ ..} [سبأ: 10] يعني: يا طير أوِّب مع داود، وردِّد معه التسبيح. {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ} [سبأ: 10] وهذه معجزة أخرى لسيدنا داود، وإذا قال الله عدة أشياء، ثم حدث في الواقع أنه صدق في واحدة، ألاَ أُصدِّقه في الأخرى؟ فإذا قال سبحانه {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ} [سبأ: 10] فلا بُدَّ أن نصدِّق بذلك، وأن نعتقد أن الحديد صار في يد سيدنا داود مثل طين الصلصال الذي يشكِّله الأطفال كيفما أرادوا، لأن البعض يرى أن {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ} [سبأ: 10] يعني: علَّمه الله أن النار تذيب الحديد، ولو أن الأمر كذلك فليس فيه معجزة، ولا ميزة على غيره من الناس. وللحديد ميزات عدة، وأنواع مختلفة، وتتوقف مدى أهميته على مدى صلابته، ولأهميته أنزله الله من عَلٍ كما أنزل الكتب؛ لذلك تكلم سبحانه في سورة الحديد عن الرسل مثل موسى وعيسى - عليهما السلام - وتكلم عن إنزال الكتب، وقال عن الحديد: {أية : وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ..} تفسير : [الحديد: 25]. ومعلوم أن الإنزال يأتي من جهة العلو، فالحق سبحانه أنزل الكتب ينطق بها الرسل لهداية المهتدى الذي يسمع، وأنزل الحديد لردع العاصي وزَجْره، ففي الحديد بأس شديد في وقت الحرب، ومنافع للناس في وقت السلم. لذلك قال تعالى بعدها: {أية : وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلْغَيْبِ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} تفسير : [الحديد: 25] ينصره في أيِّ شيء؟ ينصره في الحديد، وفي استخدامه وقت الحروب، وسيدنا داود - عليه السلام - آتاه الله، وأنزل عليه هذا وهذا: الكتاب للهداية، والحديدَ للحرب. لذلك قال له: {أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ ..} [سبأ: 11] يعني: دروعاً واسعة، وهي عُدة الحرب يلبسها الجندي على مظانِّ الفتك، وخاصة على الصدر؛ لأن بداخله القلب والرئتين، ولم يقُلْ له اعمل فأساً ولا محراثاً مثلاً؛ لأن هذه لمنافع الأرض، والله يريد ما يحمي المنهج ويزجر العاصي. وكانت الدروع قبله تُصنع ملساء يتحرك عليها السيف ويتزحلق، وربما أصاب منطقة أخرى من الجسم، وكانت تُصْنع على قدر ما يحمي الصدر، فعلَّمه الله أنْ تكون واسعة لتحمي أكبر قدر ممكن من الجسم، فقال {أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ ..} [سبأ: 11]. وعلَّمه كذلك أن تكون على شكل حلَقٍ متداخلة {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ ..} [سبأ: 11] يعني: أحكم تداخل هذه الحِلَق بعضها في بعض، حتى إذا ما نزل عليها السيف ثبت على إحداها ولم يتحرك. وكان درع الإمام علي - كرَّم الله وجهه ورضي عنه - ليس لها ظهر، فقالوا له: أَلاَ تتخذ لدرعك ظهراً؟ فقال: ثكلتني أمي، إنْ مكَّنْتُ عدوي من ظهري. فتأمل أن الله تعالى لم يُعلِّم نبيه داود أولاً وسائل السلم، إنما علَّمه أولاً وسائل الحرب وإعداد العُدة لمن نقض كلمة الله، وحاد عن منهجه، علَّمه أنْ يُعِد له ما استطاع من قوة. ومعنى: {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ ..} [سبأ: 11] اجعلها بتقدير دقيق وإحكام في النسج، قال العلماء: السرد: الحِلَق التي يتكون منها الدرع، وبها خروق تُوضع فيها المسامير التي تثبت الحِلَق بعضها إلى بعض. فمعنى {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ ..} [سبأ: 11] يعني: لا تجعل الخُرْق واسعاً، لا يثبت فيه المسمار، ولا تجعله ضيِّقاً فيغلق المسمار الحلقة، وقال آخرون: {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ ..} [سبأ: 11] يعني: اعمل منها على قدر ما تحتاج، ولهذا المعنى قصة: يُرْوى أن سيدنا داود - عليه السلام - كان يأكل من بيت مال المؤمنين؛ لأنه المتولَّى لأمرهم، فأنزل الله مَلَكاً في صورة رجل، وجعل الناس يسألونه: كيف يعيش داود؟ فقال: فيه كثيرون من خصال الخير، إلا أنه يأكل من بيت المال، فلما بلغتْ هذه الكلمةُ داود غضب وتألم لها وبكى، ثم قال: يا ربِّ لم جعلتَ فيَّ هذه المسألة؟ فعلَّمه الله صناعة الدروع ليعيش منها. فكان يصنع الدرع بأربعة آلاف يعيش منها حتى تنفد، فيصنع درعاً آخر وهكذا، فلما أمره الله بصناعة الدروع قال {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ ..} [سبأ: 11] يعني: اجعلها على قَدْر حاجتك، ولا تبالغ فيها. ثم يقول سبحانه: {وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [سبأ: 11] كأن الحق سبحانه يقول لنبيه داود: تذكَّر حين تعمل ما طُلِب منك أنِّي بصير بعملك مُطلع عليه، وهذه التذكرة لنبي مأمون على التصرف، فما بالك بنا نحن؟ إننا نلاحظ العامل يتقن عمله طالما يراه صاحب العمل، فإنْ غاب عنه أهمل العمل وغَشَّه، فالله يحذرنا من هذه المسألة. هكذا ورد أمر سيدنا داود في هذا الموضع مختصراً، وإنْ كانت له قصص في مواضع أخرى. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ...}.
الصابوني
تفسير : [1] حكم التماثيل والصور التحليل اللفظي {فَضْلاً}: أي أمراً عظيماً فضّلناه به على غيره، والمراد به النبوة والزبور، وقيل: ما خصّه الله تعالى به على سائر الأنبياء من النعم كتسخير الجبال، والطير، وإلانة الحديد، وحسن الصوت، وغير ذلك من النعم. {أَوِّبِي مَعَهُ}: أي سبّحي معه، ورجّعي معه التسبيح قال تعالى: {أية : إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِيِّ وَٱلإِشْرَاقِ} تفسير : [صۤ: 18]. قال القرطبي: فكان إذا قرأ الزبور صوّتت الجبال معه، وأصغت إليه الطير، فكأنها فعلت ما فعل. قال ابن قتيبة: وأصل التأويب في السير، وهو أن يسير النهار كله وينزل ليلاً، فكأنه أراد: ادأبي النهار كله بالتسبيح معه إلى الليل. وقيل المعنى: سيري معه حيث شاء، من التأويب وهو السير، قال ابن مقبل: شعر : لحقنا بحّيٍ أوّبوا السّيْر بعدما دفعنا شعاع الشمس والطرف يجنح تفسير : {سَٰبِغَاتٍ}: أي دروعاً واسعات، فذكر الصفةَ لأنها تدل على الموصوف، والسابغات: الدروع الكوامل التي تغطي لابسها حتى تفضل عنه فيجرّها على الأرض. قال أبو حيّان: السابغات: الدروع، وأصله الوصف بالسبوغ وهو التمام والكمال، وغلب على الدروع فصار كالأبطح قال الشاعر: شعر : عليها أسودٌ ضارياتٌ لبَوسُهم سوابغُ بيضٌ لا يخرّقُها النبلُ تفسير : وقال القرطبي: أي كوامل تامات واسعة، يقال: سبغ الدرع والثوب وغيرهما إذا غطّى كل ما هو عليه وفضل منه. {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ}: أي في النسج، والمراد: اجعله على قدر الحاجة، لا تجعل حِلَق الدرع صغيرة فتنفصم الحَلْقة، ولا واسعة فلا تقي صاحبها السهم والرمح. قال قتادة: كانت الدروع قبل داود صفائح فكانت ثقالاً، فأُمر بأن يجمع بين الخفّة والحصانة، ويقال لصانع الدروع سرّاد، وزرّاد بإبدال السين بالزاي، والسّرْد: إتباع الشيء بالشيء من جنسه قال الشمّاخ: شعر : فظلّت تِباعاً خيلُنا في بيوتكم كما تابعت سرْدَ العِنَان الخوارز تفسير : والسُّراد: السّير الذي يخرز به النعل. قال القرطبي: وأصل ذلك في سرد الدرع، وهو أن يحكمها ويجعل نظام حلَقها وِلاءً غير مختلف قال لبيد: شعر : صنع الحديدَ مضاعفاً أسرادُه لينال طولَ العيش غير مروم تفسير : {عَيْنَ ٱلْقِطْرِ}: قال الزجّاج: القِطر الصُّفْر وهو النحاس: أذيب لسليمان وكان قبل سليمان لا يذوب لأحد. قال المفسّرون: أجرى الله لسليمان عين الصُّفْر، حتى صنع منها ما أراد من غير نار، كما أُلين لداود الحديدُ بغير نار، فبقيت تجري ثلاثة أيام ولياليهنّ كجري الماء، وإنما يعمل الناس اليوم مما أعطي سليمان. قال القرطبي: "وتخصيص الإسالة بثلاثة أيام لا يدري ما حدّه، ولعله وَهَم من الناقل، والظاهر أنه جُعل النحاس لسليمان في معدنه عيناً تسيل كعيون المياه، دلالة على نبوته". {يَزِغْ}: أي يعدل عن الذي أمرناه به من طاعة سليمان، يقال: زاغ أي مالَ وانصرف. {مَّحَٰرِيبَ}: أي قصور عظيمة، ومساكن حصينة، قال القرطبي: المحراب في اللغة: كل موضع مرتفع، وقيل للذي يُصلّى فيه: محراب، لأنه يجب أن يرفع ويعظّم، قال الشاعر: شعر : جمع الشجاعة والخضوع لربه ما أحسن المحراب في المحراب تفسير : وروي عن أبي عبيدة أنه قال: المحراب أشرف بيوت الدار، وأنشد عدّي بن زيد: شعر : كدُمَى العاج في المحاريب أوكالْـ ـبيْض في الرّوض زهره مستنير تفسير : وقيل: هو ما يرقى إليه بالدرج كالغرفة الحسنة، قال تعالى: {أية : إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ} تفسير : [صۤ: 21]. وقيل المراد بالمحاريب: المساجد، ونقل عن قتادة: أنها المساجد والقصور الشامخة. وسمي القصر بالمحراب لأنه يحارب من أجله، ومما يرجح هذا الرأي أن الله تعالى ذكر أنها من عمل الجن، ولعلّ عمل القصور الضخمة الشامخة كان مما يستعصي على الناس في ذلك الزمن لجهلهم بفن العمارة، فكانت الجن مسخّرة لسليمان لتعمل له تلك الأعمال التي يعجز عنها البشر. {وَتَمَٰثِيلَ}: جمع تمثال وهو في اللغة: الصورة، ومثّل الشيء: صوَّره حتى كأنه ينظر إليه، قال في اللسان: ومثّل الشيء بالشيء، سوّاه وشبّهه به، وجعله مثله وعلى مثاله، والتمثال: اسم للشيء المصنوع مشبهاً بخلق من خلق الله، وأصله من مثَّلْت الشيء بالشيء: إذا قدرته على قدره، ومثال الشيء ما يماثله ويحكيه، ولم يرد في القرآن هذا الوزن (تِفْعال) إلا في لفظين: (تِلْقاء، وتِبْيان). وقال القرطبي: "التمثال: كل ما صوّر على مثل صورة من حيوان، أو غير حيوان". {وَجِفَانٍ}: جمع جفنة، وهي القصعة الكبيرة قال الشاعر: شعر : وإذا هاجت شمالاً أطعموا في قدورٍ مشبعات لم تُجَع وجفانٍ كالجوابي مُلئت من سمينات الذّرى فيها تَرَع تفسير : وقال الآخر: شعر : ثقال الجفون والحلوم رحاهم رحا الماء يكتالون كيلاً عذمذماً تفسير : قال أبو عبيدة: كان لعبد الله بن جدعان جفنة يأكل منها القائم والراكب، وذكر المدائني أنه وقع فيها صبي فغرق. {كَٱلْجَوَٰبِ}: جمع جابية، وهي الحوض الكبير يُجبى فيه الماء، أي يجمع قال الأعشى: شعر : نفى الذمّ عن آل المحلّق جفنةٌ كجابية الشيخ العراقيّ تَفْهَقُ تفسير : قال المفسرون: كان الجن يصنعون لسليمان القصاع كحياض الإبل يجتمع على القصعة الواحدة ألف رجل يأكلون منها. {رَّاسِيَٰتٍ}: أي ثوابت، يقال: رسا الشيء يرسو: إذا ثبت، والمراد أنها لعظمها لا تنقل فهي ثابتة في أماكنها، ومنه قيل للجبال: رواسي، قال تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ} تفسير : [المرسلات: 27]. قال ابن العربي: "راسيات: أي ثوابت لا تُحمل ولا تُحرّك لعظمها، وكذلك كانت قدور عبد الله بن جدعان، يُصعد إليها في الجاهلية بسُلم، وعنها عبّر (طرفة بن العبد) بقوله: شعر : كالجوابي لا تَني مُتْرعةً لِقرى الأضياف أو للمحتَضر تفسير : وقال ابن الجوزي: وفي علة ثبوتها في مكانها قولان: أحدهما أن أثافيّها منها قاله ابن عباس، والثاني: أنها لا تنزل لعظمها، قاله ابن قتيبة. الأثافي (جمع الأثفية): ما توضع عليها القدر من حجارة وغيرها. {دَابَّةُ الأَرْضِ}: هي حشرة تسمّى (الأرَضَة) تأكل الخشب وتنخره. {مِنسَأَتَهُ}: المنسأة: العصا، وهي (مِفْعَلة) من نسأتُ الدابة: إذا سقتَها. قال الشاعر: شعر : ضربنا بمنسأة وجهَه فصار بذاكَ مهيناً ذليلا تفسير : قال الزجّاج: وإنّما سميت منسأة لأنه يُنْسأ بها: أي يُطْرد ويُزْجر، وقال الفراء: أهل الحجاز لا يهمزون (المنسأة) وتميم وفصحاء قيس يهمزونها، قال الشاعر في ترك الهمزة: شعر : إذا دببتَ على المِنْساة من كِبَر فقد تباعد عنك اللهو والغزل تفسير : وقال آخر مع الهمز والفتح: شعر : أمن أجل حَبْل لا أبَاكَ ضربتَه بمنسَأةٍ قد جرّ حبلُك أحْبُلا تفسير : وقال أبو عمرو: وأنا لا أهمزها لأني لا أعرف لها اشتقاقاً، فإن كانت لا تهمز فقد احتطت، وإن كانت تهمز فيجوز لي ترك الهمزة فيما يهمز. {خَرَّ}: سقط على الأرض أي سقط ميتاً. {ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ}: المراد به التكاليف والأعمال الشاقة التي كلّف سليمان عليه السلام بها الجن. قال المفسرون: كانت الإنس تقول: إن الجن يعلمون الغيب، الذي يكون في المستقبل، فوقف سليمان عليه السلام في محرابه يصلي متوكئاً على عصاه، فمات ومكث على ذلك حولاً والجن تعمل تلك الأعمال الشاقة ولا تعلم بموته، حتى أكلت الأرَضة عصا سليمان، فسقط على الأرض فعلموا موته، وعلم الإنس أن الجنّ لا تعلم الغيب، ولو علموا الغيب لما أقاموا هذه المدة الطويلة في الأعمال الشاقة. المعنى الإجمالي يخبر المولى تعالى بما أنعم على عبده ورسوله (داود) عليه السلام، من الفضل المبين، والجاه العظيم، حيث جمع له بين (النبوة والملك) والجنود ذوي العَدَد والعُدَد، وما منحه إياه من الصوت الرخيم، الذي كان إذا سبّح به تسبّح معه الجبال الراسيات، وإذا قرأ الزبور تقف له الطيور السارحات والغاديات والرائحات، تكفّ عن طيرانها ثم تردّد معه الزبور مع التسبيح والتمجيد معجزة له عليه السلام، وقد ألان الله تعالى له الحديد، حتى كان بين يديه كالعجين، يصنع منه الدروع السابغة، التي تقي الإنسان شر الحروب، كما قال تعالى: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ}تفسير : [الأنبياء: 80]. وكما أنعم الله على (داود) أنعم على ولده (سليمان) عليهما الصلاة والسلام، فسخّر له الريح، وسخَّر الجن، وعلّمه لغة الطير، وأسال له عين النحاس فكانت عيناً جارية تسيل بقدرة الله، وكانت الريح تقطع به المسافات الشاسعة الواسعة، في ساعات معدودات، تحمله مع جنده فتنتقل به من بلد إلى بلد،، وتسير به مسيرة شهرين في أقل من نهار واحد {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} أي تغدو به مسيرة شهر إلى نصف النهار، وترجع به مسيرة شهر آخر النهار، وكأنها (طائرة نفاثة) تحمل ذلك الجيش العرمرم وتنتقل به في ساعات محدودات، تقطع به مسيرة شهرين. كما سخّر له الجن تعمل بأمره وإرادته، ما يعجز عنه البشر، من القصور الشامخة، والتماثيل العجيبة والقصاع الضخمة التي تشبه الأحواض، والقدور الراسيات التي لا تتحرك لكبرها وضخامتها، وأمره أن يشكر الله على هذه النعم. ثمّ أخبر تعالى عن كيفية موت سليمان عليه السلام، وكيف عمّى الله موته على الجانّ المسخّرين له في الأعمال الشاقة، فإنه مكث متوكئاً على عصاه نحو سنة وهو ميت، والجن لا تعلم ذلك حتى أكلت الأرَضَة العصا فكُسرت وسقط على الأرض فعلموا حينئذٍ موته، ولو كانوا يعلمون الغيب ما مكثوا هذه المدة الطويلة مسخرين في الأعمال الشاقة التي كلفهم بها سليمان عليه السلام. وجه المناسبة لما سبق من الآيات مناسبة قصة (داود) وولده (سليمان) عليهما السلام لما سبق من الآيات الكريمة هي: أن الكفار لما أنكروا البعث والنشور لاستحالته في نظرهم، أخبرهم الله عزّ وجل بوقوع ما هو مستحيل في العادة، مما لا يمكنهم إنكاره من تأويب الجبال والطير، وإلانة الحديد لداود حتى كان بين يديه كالشمع أو كالعجين مع أنه جرم صلب، وكذلك تسخير الريح لسليمان تحمله مع جنده، وإسالة النحاس له حتى كان يجري بقدرة الله كجري الماء، وتسخير الجن تعمل له ما شاء من الأعمال الشاقة ممّا ليس في طاقة البشر، وكل هذا أثر من آثار قدرة الله عزّ وجلّ، فلا استحالة إذاً لأنّ الله على كل شيء قدير، وهذه هي وجه المناسبة بين هذه الآيات الكريمة والآيات السابقة، والله أعلم. وجوه القراءات أولاً: قرأ الجمهور (أوّبي) بالتشديد من التأويب أي رجّعي معه التسبيح، وقرأ بعضهم (أُوبي) بضم الهمزة وتخفيف الواو، من الأوب، أي عودي معه في التسبيح كلّما عاد. قال أبو السعود: "كان كلّما سبّح عليه الصلاة والسلام يسمع من الجبال ما يسمع من المسبّح معجزة له". ثانياً: قرأ الجمهور (والطّيرَ) بالنصب، وقرأ أبو العالية، وابن أبي عبلة (والطيرُ) بالرفع، فأمّا قراءة النصب فهي عطف على قوله (فضلاً) أي وسخرنا له الطيرَ، وأما قراءة الرفع فله وجهان: الأول: أن يكون عطفاً على الجبال، والمعنى: يا جبال رجّعي التسبيح معه أنتِ والطيرُ، والثاني: أن يكون على النداء، والمعنى: يا جبالُ ويا أيّها الطيرُ سبّحي معه. ثالثاً: قوله تعالى: {أَنِ ٱعْمَلْ سَٰبِغَاتٍ} قراءة الجمهور بالسين، وقرئ بالصاد {صابغات} مثل: (سوط) و(صوط)، و(مسيطر) و(مصيطر) تبدل من الصاد السين. رابعاً: قوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَٰنَ ٱلرِّيحَ} قرأ الجمهور بنصب الريح على معنى: وسخرنا لسليمان الريحَ، وقرأ المفضّل عن عاصم (الريحُ) بالرفع على معنى: لسليمان الريحُ مسخرةٌ، وقرأ أبو جعفر (الرياحُ) على الجمع. خامساً: قوله تعالى: {وَمَن يَزِغْ} قرأ الجمهور بالبناء للفاعل (يَزغْ) وقرئ بالبناء للمفعول (يُزَغ) من أزاغ الرباعي. سادساً: قوله تعالى: {وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَٰبِ} قرأ الجمهور (كالجواب) بدون ياء، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو (كالجوابي) بياء، إلاّ أنَّ ابن كثير يثبت الياء في الوصل والوقف، وأبو عمرو يثبتها في الوصل دون الوقف. قال الزجّاج: "وأكثر القراء على الوقف بدون ياء، وكان الأصل الوقف بالياء، إلاّ أن الكسرة تنوب عنها". سابعاً: قوله تعالى: {تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} قرأ لجمهور بالهمز (منسأته) وقرأ نافع وأبو عمرو (منساته) من غير همز وهي لغة أهل الحجاز. ثامناً: قوله تعالى: {تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ} قرأ الجمهور بالبناء للفاعل، وقرأ يعقوب (تُبُيّنت) بالبناء للمفعول. وجوه الإعراب أولاً: قوله تعالى: {آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً} آتى: تنصب مفعولين لأنها بمعنى أعطى، و{دَاوُودَ} مفعول أول، و{فَضْلاً} مفعول ثان، و{مِنَّا} الجار والمجرور متعلق بمحذوف صفة لـ {فَضْلاً} أي فضلاً كائناً منا. ثانياً: قوله تعالى: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ * أَنِ ٱعْمَلْ سَٰبِغَاتٍ} قال أبو البركات ابن الأنباري: (أنْ) فيها وجهان: أحدهما: أن تكون مفسِّرة بمعنى أي، ولا موضع لها من الإعراب. والثاني: أن تكون في موضع نصب بتقدير حذف حرف جر، وتقديره: لأن تعمل، أي ألنّا له الحديد لهذا الأمر، و{سَٰبِغَاتٍ} أي دروعاً سابغات فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه. ثالثاً: قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ} أي بعضهم لأنّ {مِنَ} للتبعيض. والجار والمجرور {مِنَ ٱلْجِنِّ} في محل رفع خبر مقدم، و{مَن يَعْمَلُ} الجملة في محل رفع مبتدأ مؤخر، والتقدير: ومن الجن عمّال مسخرون له، وجوّز النحاة أن يكون قوله: {مَن يَعْمَلُ} في موضع نصب بفعل محذوف مقدر، والتقدير: سخّرنا من الجنّ من يعمل بين يديه. أقول: وفيه تكلف والوجه الأول أوضح. رابعاً: قوله تعالى: {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} {مَنْ}: شرطية في موضع رفع على الابتداء، و{نُذِقْهُ} جواب الشرط والجملة في محل رفع خبر المبتدأ. خامساً: قوله تعالى: {ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً}.. {شُكْراً} منصوب لأنه مفعول له أي اعملوا من أجل شكر الله، ويجوز أن تكون حالاً أي اعملوا شاكرين لله. أقول: وهذا أرجح، قال ابن مالك: شعر : ومصدرٌ منكرٌ حالاً يقع بكثرة كبغتةً زيد طلع تفسير : وجوّز بعض النحاة: أن تكون مفعولاً به أي اعملوا الشكر، وردّ ابن الأنباري هذا الوجه فقال: "ولا يكون منصوباً بـ(اعملوا) لأن (اشكروا) أفصح من (اعملوا الشكر) ا هـ، وهذا القول وجيه فتدبره. لطائف التفسير اللطيفة الأولى: خصّ الله تعالى نبيه (داود) عليه السلام ببعض الخصوصيات فسخّر له الجبال والطير تسبح معه، وألان له الحديد، وجمع له بين (النبوة والملك) كما جمع ذلك لولده (سليمان) عليه السلام، وذلك من الفضل الذي أعطيه آل داود. قال ابن عباس: كانت الطير تسبّح مع داود إذا سبّح، وكان إذا قرأ لم تبق دابة إلاّ استمعت لقراءته، وبكت لبكائه. وقال وهب بن منبّه: كان يقول للجبال: سبّحي، وللطير: أجيبي ثمّ يأخذ في تلاوة الزبور بصوته الحسن، فلا يرى الناسُ منظراً أحسن من ذلك، ولا يسمعون شيئاً أطيب منه. اللطيفة الثانية: التنكير في قوله تعالى: {فَضْلاً} للتفخيم أي فضلاً عظيماً خصصناه به من بين سائر الأنبياء، وقوله: {مِنَّا} فيه إشارة إلى أن هذا الفضل هائل، لأنه صادر من الله تعالى مباشرةً تكريماً لنبيه داود، كما قال تعالى عن العبد الصالح: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} تفسير : [الكهف: 65]. قال أبو السعود: وتقديم داود على المفعول الصريح للاهتمام بالمقدم، والتشويق إلى المؤخر، فإنّ ما حقه التقديم إذا أُخّر، تبقى النفس مترقبة له، فإذا ورد يتمكن عندها فَضْل تمكن. اللطيفة الثالثة: ذكر سليمان عليه السلام في القرآن الكريم ست عشرة مرة، ولم يجئ ذكره لتوفية قصة بتمامها، وإنما هو لتعداد آلاء الله على سليمان، فمنها ذكاؤه وبصره النافذ في الحكم والقضاء {أية : وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ} تفسير : [الأنبياء: 78] إلى قوله تعالى: {أية : فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} تفسير : [الأنبياء: 79] ومنها تعليمه منطق الطير {أية : وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ ٱلطَّيْرِ} تفسير : [النمل: 16] ومنها تسخير الريح له تجري بأمره رُخاءً حيث أصاب {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} ومنها إسالة عين القطر وهو النحاس المذاب، وفي القرآن إشارة إلى عملية صهر المعادن الصلبة {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ} ومنها تسخير الجن يعملون له ما يعجز عنه البشر {أية : وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ} تفسير : [صۤ: 37] وقوله: {وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ} وقد أعطاه الله الجاه الكبير، والسلطان الواسع، والملك العظيم الذي لم يُعطَه أحد بعده {أية : قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۤ} تفسير : [صۤ: 35]. وكلّ هذا من الفضل الذي خصّ الله تبارك وتعالى به آل داود عليه السلام. اللطيفة الرابعة: قال العلامة أبو السعود رحمه الله: قوله تعالى: {يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ}. "في تنزيل الجبال والطير منزلة العقلاء المخاطبين، المطيعين لأمره تعالى، المذعنين لحكمه، المشعر بأنه ما من حيوان وجماد وصامت وناطق، إلاّ وهو منقاد لمشيئته تعالى غير ممتنع على إرادته، من الفخامة المعربة عن غاية عظمة شأنه تعالى، وكمال كبرياء سلطانه ما لا يخفى على أولى الألباب". اللطيفة الخامسة: قوله تعالى: {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} فيه إيجاز بالحذف أي مسيرة شهر فهو على حذف مضاف والتقدير: غدوّها مسيرة شهر، ورواحها مسيرة شهر، وإنما وجب هذا التقدير لأنّ الغدوّ والرواح ليسا بالشهر، وإنما يكونان فيه، فتنبه له فإنه دقيق. قال قتادة: "كانت الريح تغدو مسيرة شهر إلى نصف النهار، وتروح مسيرة شهر إلى آخر النهار، فهي تسير في اليوم الواحد مسيرة شهرين". اللطيفة السادسة: قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ} الآية فإن قيل: إن الاجماع بالجن فيه مفسدة للإنسان ولهذا قال تعالى: {أية : وَقُلْ رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّياطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ} تفسير : [المؤمنون: 97-98] فكيف سخّرت الشياطين لسليمان عليه السلام؟ فالجواب: أن ذلك الاجتماع والتسخير كان بأمر الله عز وجل وتسخيره بدليل قوله: {بِإِذْنِ رَبِّهِ} فلم يكن فيه مفسدة وإنما كان فيه مصلحة لسليمان عليه السلام، ولفظ الرب ينبئ عن التربية والحفظ والرعاية، فسليمان عليه السلام كان في حفظ الله ورعايته، فلذلك لم يصله ضرر من جهتهم. اللطيفة السابعة: قوله تعالى: {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} في الآية الكريمة إشارة دقيقة إلى أنّ الجن الذين كانوا مسخّرين لسليمان، لم يكونوا من المؤمنين وإنما كانوا من المردة الكافرين، لأنّ سليمان لا يعذِّب المؤمنين ولا يذيقهم أنواع العذاب، لأن كلّ رسول يكون رحيماً بأتباعه. ودلّ على هذا المعنى أيضاً قوله تعالى: {مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} لأن المؤمن لا يكون في زمان النبي في العذاب المهين. اللطيفة الثامنة: قوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} فيه إشارة إلى أن الشكر الوافر الكامل، بالقلب واللسان والجوارح لا يمكن أن يتحقق، لأن التوفيق لشكر الله تعالى نعمة من الله تستدعي شكراً آخر، لا إلى نهاية، ولذلك قيل: الشكور من يرى عجزه عن الشكر، وأما الشكر الذي يناسب نعم الله فلا قدرة عليه و{أية : لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} تفسير : [البقرة: 286]. ومع ذلك فإن الشكر بقدر الطاقة قليل في الناس، والكفرانَ لنعم الله أكثر ولا حول ولا قوة إلا بالله. الأحكام الشرعية الحكم الأول: هل كانت التماثيل مباحة في شريعة سليمان عليه السلام؟ يدل ظاهر الآية الكريمة وهي قوله تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ} على حل اتخاذ التماثيل، وعلى أنها كانت مباحة في شريعة سليمان عليه السلام، فالقرآن الكريم صريح في امتنان الله تعالى على (سليمان) بأن سخّر له الجن لتعمل له ما يشاء من (محاريب، وتماثيل، وجفان كالجواب، وقدور راسيات) وتخصيصُ هذه الأشياء بالذكر في معرض الإمتنان دليل على جوازها، وإذنٌ من الله تعالى باتخاذها، وللعلماء في هذه الآية الكريمة أقوال نجملها فيما يلي: أ- إن التماثيل التي أشار إليها القرآن كانت مباحة في شريعة سليمان، وقد نسخت في الشريعة الإسلامية، ومن المعلوم أن شريعة من قبلنا إنما تكون شريعة لنا إذا لم يرد ناسخ، وقد وجد هذا الناسخ فيكون اتخاذ التماثيل محرماً في شريعتنا قطعاً. ب- إن التماثيل التي كانت في عهد نبي الله سليمان عليه السلام، لم تكن تماثيل لذي روح من إنسان أو طير أو حيوان، وإنما كانت تماثيل لما لا روح له كالأشجار والبحار والمناظر الطبيعية، فتكون شريعته عليه السلام موافقة لشريعتنا كما نبينه فيما بعد إن شاء الله تعالى. الحكم الثاني: ما هو حكم التماثيل والصور في الشريعة الإسلامية؟ نعى القرآن الكريم على التماثيل وشنّع على من كان يعكف عليها {أية : مَا هَـٰذِهِ ٱلتَّمَاثِيلُ ٱلَّتِيۤ أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ} تفسير : [الأنبياء: 52] وندّد بمن يتخذ الأصنام والأوثان آلٰهة {أية : أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ * وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}تفسير : [الصافات: 95-96]؟. وفي القرآن الكريم من قصص إبراهيم عليه السلام في تحطيم الأصنام ما هو معروف، وقد ورد أنّ رسولنا الأعظم صلى الله عليه وسلم حطّم الأصنام التي كانت في جوف الكعبة، والتي كانت على الصفا والمروة. والدين الإسلامي دين التوحيد، وعدوّ الشرك، وليس في الإسلام ذنب أعظم من الشرك، ولذلك فقد كانت حملته شديدة على الوثنية وعبادة الأصنام، وحرّمت الشريعة الإسلامية (التماثيل) لأنها تؤدي إلى ذلك المنكر الفاحش. والسنَّةُ المطهّرة جاءت بالنعي على التصوير والمصورين، والنهي عن اتخاذ الصور والتنفير منها، ولذلك فإنّ من المقطوع به أن الإسلام حرّم التماثيل والتصاوير تحريماً قاطعاً جازماً. وقد وردت أحاديث نبوية كثيرة تدل على التحريم، حتى كادت تبلغ حد التواتر، وسنعرض إلى ذكر بعض هذه النصوص فنقول ومن الله نستمد العون. الأدلة القاطعة على تحريم التصوير النص الأول: روى البخاري ومسلم عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله ". تفسير : النص الثاني: روى البخاري ومسلم وأصحاب السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم ". تفسير : النص الثالث: روى البخاري ومسلم وأحمد عن أبي زُرعة قال: دخلتُ مع أبي هريرة دار مروان بن الحكم، فرأى فيها تصاوير وهي تُبنى، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عزّ وجلّ: "حديث : ومن أظلم ممّن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرّة، أو فليخلقوا حبة، أو فليخلقوا شعيرة ". تفسير : النص الرابع: روى البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً قال له: إني أصوّر هذه الصور فأفْتني فيها، فقال له: ادن مني فدنا، ثم قال: ادن مني فدنا، حتى وضع يده على رأسه وقال: أنبئك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول: "حديث : كلّ مصوّر في النار، يُجعل له بكل صورة صوّرها نفس فيعذبه في جهنم ". تفسير : قال ابن عباس: فإن كنت لا بدّ فاعلاً فصوّر الشجر، وما لا روح فيه. وفي رواية أخرى عنه: سمعته يقول: "حديث : من صوّر صورة فإنّ الله يعذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها أبداً"تفسير : . ثم قال له ابن عباس: (إن أبيت إلاّ أن تصنع، فعليك بهذه الشجر، كل شيء ليس فيه روح). النص الخامس: روى الشيخان وأصحاب السنن عن عائشة رضي الله عنها أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها النبي صلى الله عليه وسلم قام على الباب فلم يدخل، قالت: فعرفت في وجهه الكراهية، فقلت يا رسول الله: أتوب إلى الله ورسوله ماذا أذنبت؟ فقال: ما بال هذه النمرقة؟ قلت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتَوَسّدها، فقال: إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، فيقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وقال: إنّ البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة. النص السادس: روى مسلم في صحيحه عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي عليّ رضي الله عنه: "ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ألاّ تدع صورة إلا طمستها، ولا قبراً مشرفاً إلاّ سويته". النص السابع: (روى الستة عن عائشة رضي الله عنها قالت: حديث : خرج النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فأخذت نمطاً فسترته على الباب، فلما قدم ورأى النمط عرفت الكراهة في وجهه، فجذبه حتى هتكه وقال: "إنّ الله لم يأمرنا أن نكسوا الحجارة والطين!!"تفسير : قالت عائشة: فقطعت منه وسادتين وحشوتهما ليفاً، فلم يعب ذلك عليّ). النص الثامن: روى الشيخان والنسائي عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم ذكر بعضُ نسائه كنيسةً يقال لها (مارية) وكانت أم سلمة، وأم حبيبة أتتا أرض الحبشة، فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع صلى الله عليه وسلم رأسه فقال: "حديث : أولئك إذا مات فيهم الرجلُ الصالحُ، بنوا على قبره مسجداً، ثمّ صوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرارُ خلق الله . تفسير : أقول: هذه النصوص وأمثَالها كثير، تدل دلالة قاطعة على حرمة التصوير، وكلُ من درس الإسلام علِمَ عِلْمَ اليقين أن النبي صلى الله عليه وسلم حرّم التصوير، واقتناء الصور وبيعها، وكان يحطّم ما يجده منها، وقد ورد تشديد الوعيد على المصوّرين، واتفق أئمة المذاهب على تحريم التصوير لم يخالف في ذلك أحد، ولبعض العلماء استثناء شيء منها، سنذكره فيما بعد، كما نذكر علة التحريم، ونعرّج بعد ذلك على حكم التصوير الشمسي (الفوتوغرافي) وننقل آراء العلماء فيه على ضوء النصوص الكريمة. العلة في تحريم التصوير يظهر لنا من النصوص النبوية السابقة، أنّ العلة في تحريم التماثيل والصور، هي (المضاهاة) والمشابهة لخلق الله تعالى، يدل على ذلك: أ - حديث: "حديث : أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله ". تفسير : ب - وحديث: "حديث : إن أصحاب هذه الصور يُعذّبون... يقال لهم: أحيوا ما خلقتم ". تفسير : جـ - وحديث: "حديث : ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي... فليخلقوا حبة، أو فليخلقوا شعيرة ". تفسير : فالعلة هي إذاً: التشبه بخلق الله، والمضاهاة لصنعه جل وعلا. كما أن الحكمة أيضاً في تحريم التصوير هي: البعد عن مظاهر الوثنية، وحماية العقيدة من الشرك، وعبادة الأصنام، فما دخلت الوثنيّة إلى الأمم الغابرة إلاّ عن طريق (الصور والتماثيل) كما دل عليه حديث أم سلمة وأم حبيبة السابق وفيه قوله عليه الصلاة والسلام: "حديث : أولئك كان إذا مات فيهم الرجل الصالح، بنوا على قبره مسجداً، ثمّ صوّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار خلقِ الله يوم القيامة ". تفسير : وقد روي أن الأصنام التي عبدها قوم نوح (وَدّ، وسُوَاعٌ، ويغُوثُ، ويعُوقُ، ونسْرُ) التي ذكرت في القرآن الكريم، كانت أسماءً لأناسٍ صالحين من قوم نوح، فلما ماتوا اتخذ قومُهم لهم صوراً، تذكيراً بهم وبأعمالهم، ثمّ انتهى الحال آخر الأمر إلى عبادتهم. ذكر الثعلبي عن ابن عباس: في قوله تعالى: {أية : وَقَالُواْ لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً} تفسير : [نوح: 23] أنه قال: هذه الأصنام أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلمَّا هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم، أن انصبوا في مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموها بأسمائهم تذكروهم بها، ففعلوا، فلم تُعبد حتى إذا هلك أولئك، ونُسخ العلم عبدت من دون الله". قال أبو بكر ابن العربي: "والذي أوجب النهي في شريعتنا - والله أعلم - ما كانت عليه العرب من عبادة الأوثان والأصنام، فكانوا يصوّرون ويعبدون، فقطعَ اللَّهُ الذريعة، وحَمَى الباب". قال ابن العربي: "وقد شاهدت بثغر الإسكندرية، إذا مات ميّت صوّروه من خشب في أحسن صورة، وأجلسوه في موضعه من بيته وكسوه بزيّه إن كان رجلاً، وحليتها إن كانت امرأة، وأغلقوا عليه الباب، فإذا أصاب واحداً منهم كرب أو تجدّد له مكروه، فتح الباب عليه وجلس عنده يبكي ويناجيه، حتى يكسر سورة حزنه بإهراق دموعه، ثمّ يغلق الباب عليه وينصرف، وإن تمادى بهم الزمان تَعّبدوها من جملة الأصنام". أنواع الصور قسم العلماء الصّور إلى قسمين: أ - الصور التي لها ظل وهي المصنوعة من جبس، أو نحاسٍ، أو حجر أو غير ذلك وهذه تسمى (التماثيل). ب - الصور التي ليس لها ظل، وهي المرسومة على الورق، أو المنقوشة على الجدار، أو المصوَّرة على البساط والوسادة ونحوها وتسمى (الصور). فالتمثال: ما كان له ظل، والصورة: ما لم يكن لها ظل، فكل تمثال صورة، وليس كل صورة تمثالاً. قال في "لسان العرب": "والتمثال: الصورة، والجمع التماثيل، وظلّ كل شيء تمثاله، والتمثال: اسم للشيء المصنوع مشبّهاً بخلقٍ من خلق الله، وأصله: من مثّلت الشيء بالشيء إذا قدّرته على قدره، ويكون تمثيل الشيء بالشيء تشبيهاً به، واسم ذلك الممثّل تمثال". وقال القرطبي: قوله تعالى: {وَتَمَٰثِيلَ} جمع تمثال، وهو كلّ ما صُوّر على مثل صورة من حيوان أو غير حيوان، وقيل: كانت من زجاج، ونحاس، ورخام، وذكر أنها صور الأنبياء والعلماء، وكانت تصوّر في المساجد ليراها الناس، فيزدادوا عبادة واجتهاداً. فإن قيل: كيف استجاز الصور المنهيّ عنها؟ قلنا: كان ذلك جائزاً في شرعه، ونسخ ذلك بشرعنا. ما يحرم من الصور والتماثيل يحرم من الصور والتماثيل ما يأتي: أولاً: التماثيل المجسّمة إذا كانت لذي روح من إنسان أو حيوان يحرم بالإجماع للحديث الشريف: "حديث : إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب، ولا صورة، ولا تماثيل، ولا جنب ". تفسير : ثانياً: الصورة المصوّرة باليد لذي روح: حرام بالاتفاق لقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم"تفسير : . ولحديث: "حديث : من صوّر صورة أُمر أن ينفخ فيها الروح يوم القيامة وليس بنافخ ". تفسير : ثالثاً: الصورة إذا كانت كاملة الخلق بحيث لا ينقصها إلا نفخ الروح حرام كذلك بالاتفاق لقوله عليه الصلاة والسلام في الحديث السابق: "حديث : أُمِرَ أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ ". تفسير : ولحديث عائشة: (دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مستترة بقرامٍ فيه صورة، فتلوّن وجهه ثم تناول الستر فهتكه، ثم قال: "حديث : إنّ من أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يُشبّهون خلق الله"تفسير : . قالت عائشة: فقطعته فجعلت منه وسادتين، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يرتفق بهما). فهتْكُه عليه السلام للستر يدلُّ على التحريم، وتقطيع عائشة له وجعله وسادتين بحيث انفصلت أجزاء الصورة ولم تعد صورة كاملة يدل على الجواز، فمن هنا استنبط العلماء أن الصورة إذا لم تكن كاملة الأجزاء فلا حرمة فيها. رابعاً: الصورة إذا كانت بارزة تشعر بالتعظيم، ومعلّقة بحيث يراها الداخل حرام أيضاً بلا خلاف لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: (كان له ستر فيه تمثال طائر، وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حوّلي عني هذا، فإني كلّما رأيته ذكرتُ الدنيا). ولحديث أبي طلحة عن عائشة قالت: (خرج النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة فأخذت نَمَطاً فسترته على الباب، فلما قدم ورأى النّمَط عرفت الكراهية في وجهه، فجذبه حتى هتكه وقال: إنّ الله لم يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين، قالت: فقطعت منه وسادتين وحشوتهما ليفاً، فلم يعب ذلك عليَّ). ما يباح من الصور والتماثيل ويباح من الصور والتماثيل ما يأتي: أ - كل صورة أو تمثال لما ليس بذي روح كتصوير الجمادات، والأنهار، والأشجار، والمناظر الطبيعية التي ليست بذات روح فلا حرمة في تصويرها لحديث ابن عباس السابق حين سأله الرجل إني أصوّر هذه الصور فأفتني فيها؟... فأخبره بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال له ابن عباس: (إن كنت لا بدَ فاعلاً فصوّر الشجر، وما لا روح له). ب - كل صورة ليست متصلة الهيئة كصورة اليد وحدها مثلاً، أو العين، أو القدم، فإنها لا تحرم لأنها ليست كاملة الخلق، لحديث عائشة: (فقطعتها فجعلت منها وسادتين فلم يعب صلى الله عليه وسلم ذلك علي) وقد تقدم. جـ - ويستثنى من التحريم (لعب البنات) لما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهي بنت سبع سنين، وزُفّت إليه وهي بنت تسع ولُعَبُها معها، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة. وروي عنها أنها قالت: "كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ينقمعن منه فيسرّبُهنّ إليّ فيلعبن معي. قال العلماء: وإنما أبيحت لعب البنات للضرورة إلى ذلك، وحاجة البنات حتى يتدربن على تربية أولادهنّ، ثم إنه لا بقاء لذلك، ومثله ما يصنع من الحلاوة أو العجين لا بقاء له، فرُخّص في ذلك والله أعلم. أقوال العلماء في التصوير قال القاضي ابن العربي: مقتضى الأحاديث يدل على أن الصور ممنوعة، ثم جاء: "إلاّ ما كان رقماً في ثوب" فخُص من جملة الصور، ثمّ ثبتت الكراهية فيه بقوله عليه السلام لعائشة في الثوب المصوّر، "حديث : أخّريه عني فإني كلما رأيته ذكرت الدنيا"تفسير : ، ثمّ بهتكه الثوب المصوّر على عائشة منع منه، ثمّ بقطعها له وسادتين تغيّرت الصورة وخرجت عن هيئتها، فإنّ جواز ذلك إذا لم تكن الصورة فيه متصلة الهيئة، ولو كانت متصلة الهيئة لم يجز، لقولها في النّمرقة المصورة: اشتريتها لك لتقعد عليها وتوَسّدها، فمنع منه وتوعّد عليه، وتبيّن بحديّث الصلاة إلى الصور أن ذلك جائز في الرقم في الثوب، ثم نسخه المنع منه، فهكذا استقرّ الأمر فيه. وقال أبو حيان: "والتصوير حرام في شريعتنا، وقد ورد تشديد الوعيد على المصورين، ولبعض العلماء استثناء في شيء منها، وفي حديث (سهل بن حنيف): لعن الله المصورين، ولم يستثن عليه السلام، وحكي أن قوماً أجازوه، قال ابن عطية: وما أحفظ من أئمة العلم من يجوّزه". وقال الألوسي: "الحقُّ أنَّ حرمة تصوير الحيوان كاملاً لم تكن في شريعة سليمان عليه السلام، وإنما هي في شرعنا، ولا فرق عندنا بين أن تكون الصورة ذات ظل، أو لا تكون كذلك كصورة الفرس المنقوشة على كاغد، أو جدارٍ مثلاً، وقد ورد في شرعنا من تشديد الوعيد على المصوّرين ما ورد، فلا يُلْتفت إلى غيره، ولا يصح الاحتجاج بالآية". وقال القرطبي: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المصورين ولم يستثن، وقال: "حديث : إن أصحاب هذه الصور يعذَّبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم"تفسير : . وفي الترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خرج عُنق من النار يوم القيامة، له عينان تبصران، وأذنان تسمعان، ولسان ينطق يقول: إني وكّلت بثلاث: بكلّ جبَّارٍ عنيد، وبكلّ من دعا مع الله إلٰهاً آخر، وبالمصورين ". تفسير : وفي البخاري "حديث : أشدُّ الناس عذاباً يوم القيامة المصوّرون"تفسير : يدل على المنع من تصوير أيّ شيء كان. وقال الإمام النووي: إنَّ جواز اتخاذ الصور إنما هو إذا كانت لا ظل لها، وهي مع ذلك مما يوطأ ويداس، أو يمتهن بالاستعمال كالوسائد. وقال العلامة ابن حجر في شرحه للبخاري: "حاصل ما في اتخاذ الصور أنها إن كانت ذات أجسام حَرُمَ بالإجماع، وإن كانت رقماً في ثوب فأربعة أقول: الأول: يجوز مطلقاً عملاً بحديث إلا رقماً في ثوب. الثاني: المنع مطلقاً عملاً بالعموم. الثالث: إن كانت الصورة باقية بالهيئة، قائمة الشكل حرم، وإن كانت مقطوعة الرأس، أو تفرقت الأجزاء جاز، قال: وهذا هو الأصح. الرابع: إن كانت مما يمتهن جاز وإلاّ لم يجز، واستثني من ذلك لعب البنات. ا هـ. حكم التصوير الفوتوغرافي يرى بعض المتأخرين من الفقهاء أن التصوير الشمسي (الفوتوغرافي) لا يدخل في (دائرة التحريم) الذي يشمله التصوير باليد المحرّم، وأنه لا تتناوله النصوص النبوية الكريمة التي وردت في تحريم التصوير، إذ ليس فيه (مضاهاة) أو مشابهة لخلق الله، وأن حكمه حكم الرقم في الثوب المستثنى بالنص. يقول فضيلة الشيخ السايس ما نصه: "ولعلك تريد أن تعرف حكم ما يسمى بالتصوير الشمسي فنقول: يمكنك أن تقول إنّ حكمها حكم الرقم في الثوب، وقد علمت استثناءه نصاً، ولك أن تقول: إنّ هذا ليس تصويراً، بل حبساً للصورة، وما مَثَلُه إلا كمثل الصورة في المرآة، لا يمكنك أن تقول إن ما في المرآة صورة، وإن أحداً صوّرها. والذي تصنعه آلة التصوير هو صورة لما في المرآة، غايةُ الأمر أن المرآة (الفوتوغرافية) تثبت الظل الذي يقع عليها، والمرآة ليست كذلك، ثم توضع الصورة أو الخيال الثابت (العفريته) في حمض خاص فيخرج منها عدة صور، وليس هذا بالحقيقة تصويراً، فإنه إظهار واستدامة لصور موجودة، وحبس لها عن الزوال، فإنهم يقولون: إن صور جميع الأشياء موجودة غير أنها قابلة للانتقال بفعل الشمس والضوء، ما لم يمنع من انتقالها مانع، والحمض هو ذلك المانع، وما دام في الشريعة فسحة بإباحة هذه الصور، كاستثناء الرقم في الثوب فلا معنى لتحريمها خصوصاً وقد ظهر أن الناس قد يكونون في أشد الحاجة إليها" ا هـ. أقول: إن التصوير الشمسي (الفوتوغرافي) لا يخرج عن كونه نوعاً من أنواع التصوير، فما يخرج بالآلة يسمّى (صورة)، والشخص الذي يحترف هذه الحرفة يسمى في اللغة والعرف (مصوّراً) فهو وإن كان لا يشمله النص الصريح، لأنه ليس تصويراً باليد، وليس فيه مضاهاة لخلق الله، إلاّ أنه لا يخرج عن كونه ضرباً من ضروب التصوير، فينبغي أن يقتصر في الإباحة على (حدّ الضرورة)، وما يتحقق به من المصلحة، قد يكون إلى جانبها مفسدة عظيمة، كما هو حال معظم المجلات اليوم، التي تنفث سمومها في شبابنا وقد تخصّصت للفتنة والإغراء، حيث تُصَوَّر فيها المرأةُ بشكل يندى له الجبين، بأوضاع وأشكال تفسد الدين والأخلاق. فالصور العارية، والمناظر المخزية، والأشكال المثيرة للفتنة، التي تظهر بها المجلات الخليعة، وتملأ معظم صفحاتها بهذه الأنواع من المجون، مما لا يشك عاقل في حرمته، مع أنه ليس تصويراً باليد، ولكنه في الضرر والحرمة أشد من التصوير باليد. ثمّ إن العلة في التحريم ليست هي (المضاهاة) والمشابهة لخلق الله فحسب، بل هناك نقطة جوهرية ينبغي التنبه لها وهي أن (الوثنية) ما دخلت إلى الأمم السابقة إلاّ عن طريق (الصور)، حيث كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح، صوّروه تخليداً لذكراه، واقتداءً به، ثمّ جاء مَنْ بعدَهم فعبدوا تلك الصورة من دون الله، فما يفعله بعض الناس من تعليق الصور الكبيرة المزخرفة في صدر البيت، ولو كانت للذكرى، وليست تصويراً باليد، مما لا تجيزه الشريعة الغراء، لأنه قد يجر في المستقبل إلى تعظيمها وعبادتها، كما فعل أهل الكتاب بأنبيائهم وصلحائهم. فإطلاق الإباحة في التصوير الفوتوغرافي، وأنه ليس بتصوير وإنما هو حبس للظلّ، مما لا ينبغي أن يقال، بل يقتصر فيه على حد الضرورة، كإثبات الشخصية، وكلِّ ما فيه مصلحة دنيوية مما يحتاج الناس إليه والله تعالى أعلم. الشبه الواردة على تحريم التصوير يذهب بعض أدعياء العلم، ممن تأثروا بالثقافة الغربية، إلى إثارة بعض الشبه على تحريم التصوير، بقصد التزلف إلى الحضارة الغربية، والاندماج فيما خيّل لهم أنه فنّ راق، وذوق سليم، أو بقصد التقرب إلى المترفين ومسايرتهم على أهوائهم، لينالوا بعض المناصب. الشبهة الأولى: يزعمون أنّ ما ورد من نصوص في تحريم التصوير، إنما هو إجراء مؤقت اقتضته ظروف الدعوة الإسلامية، لمجابهة الشرك والوثنية، وأنّ الغاية هي قطع الطريق على الوثنية، فلمّا زال الخوف من عبادة الأوثان والأصنام زالت الحاجة إلى تحريم التصوير. وللرد على هذه الشبهة سنكتفي بنقل كلام فضيلة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في دحض هذه الشبهة، حيث جاء في تعليقه على الحديث (7166) من "المسند" ما نصه: "وكان من حجة أولئك.. أن تأولوا النصوص بعلة لم يذكرها الشارع، ولم يجعلها مناط التحريم - في ما بلغنا - أن التحريم إنما كان أول الأمر لقرب عهد بالوثنية. أمّا الآن وقد مضى على ذلك دهر طويل، فقد ذهبت علة التحريم، ولا يخشى على الناس أن يعودوا لعبادة الأوثان. وقد نسي هؤلاء ما هو بين أيديهم من مظاهر الوثنية الحقة، بالتقريب إلى القبور وأصحابها، واللجوء إليها عند الكروب والشدائد، وأن الوثنية عادت إلى التغلغل في القلوب دون أن يشعر بها أصحابها. وكان من أثر هذه الفتاوى الجاهلة: أن ملئت بلادنا بمضاهر الوثنية الكاملة، فنصبت التماثيل وملئت بها البلاد، تكريماً لذكرى من نسبت إليه وتعظيماً، ثمّ يقولون لنا: إنها لم يقصد بها التعظيم، ثم صنعت الدولة - وهي تزعم أنها إسلامية في أمة إسلامية - معهداً للفنون الجميلة... معهداً للفجور الكامل الواضح، يدخله الشبان الماجنون، من الذكور والإناث، يقفن عرايا، ويجلسن عرايا ويضطجعن عرايا، وعلى كل وضع من الأوضاع الفاجرة، لا يسترون شيئاً، ثمّ يقولون لنا: هذا فن..!؟". الشبهة الثانية: يقولون: إن الأحاديث الدالة على التحريم، هي أحاديث آحاد ولا تفيد القطع، وإنه لا يمكن أن ننسب إلى الإسلام تحريم (فنّ) من الفنون ما لم يكن هناك نصٌ قطعيٌ بالحرمة. وللرد على هذه الشبهة نقول: "هذا جهل فاضح بأحكام الشريعة الغراء، فإن كل ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول، أو فعل، أو عمل، يجب الأخذ به سواء كان النقل بطريق التواتر، أو بطريق الآحاد، هذا متفق عليه بين العلماء، ومن المعلوم بالضرورة أن أكثر الأحكام الفقهية الشرعية إنما ثبتت بخبر الآحاد، فلو كانت أخبار الآحاد لا تفيد القطع - كما زعموا - لضاعت أكثر أحكام الشريعة، وهذا كلام لا يصدر عن فقيه عالم، إنما يصدر عن جاهل بأصول الشريعة الغراء، وطرق استنباط الأحكام. ومن المفارقات العجيبة أنّ الذين يحتجون بأمثال هذه الحجج الواهية، يأخذون بأحاديث - لإثبات رأيهم - لا تصلح للاحتجاج لنكارتها، وضعف سندها، وجهل رواتها، ولكنها لما كانت موافقة لأهوائهم يتمسكون بها، ويجادلون بشـأنها، شأن أهل الأهواء. وقد ردّ الأصوليون: وفي مقدمتهم الإمام الشافعي رحمه الله على هذه الشبهة رداً شافياً، وبيَّنوا أن خبر الآحاد يلزم العمل به إذا ثبت، ولم يزل العلماء المسلمون يعملون بأخبار الآحاد ويحتجون بها، لأن في إبطالها إبطالاً لأكثر أحكام الشريعة. ومن جهة ثانية: فإنّ النصوص الواردة في تحريم التصوير بلغت حدّ التواتر، وتناقلها المسلمون جيلاً عن جيل، فلا مجال للمتشككين أن يدخلوا من هذا الباب، ونزيدك علماً بأن الشعوب الإسلامية لم يوجد فيها تصوير أو نحت بقدر كبير، وأنّ الفنّانين المسلمين انصرفوا عن التصوير، وصنع التماثيل، إلى استخدام النقش الهندسي، والتزيين العربي، والتشكيل النباتي وغيرها.. وكلّ ذلك بسبب ما يعلمون من تحريم الإسلام للتصوير، فلو لم يكن في اعتقادهم محرماً لما تركوه وانصرفوا إلى غيره، ويكفي هذا للرد على أولئك الزاعمين. الشبهة الثالثة: يستشهدون على إباحة التصوير بآيات من القرآن الكريم، لا يصح الاحتجاج بها لأنها ليست من شريعتنا، وإنما هي من الشرائع السابقة المنسوخة بشريعة الإسلام، منها الآية الكريمة التي هي موضوع بحثنا وهي قوله تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} [سبأ: 13]. فإن هذه الآية الكريمة ليس فيها ما يدل على حل التصوير، لأنها إخبار عمّا كان يعمله الجن لسليمان عليه السلام، وليس فيها ما يدل على أن التماثيل كانت لذي روح، ومع ذلك فإنها شريعة سابقة، وقد نصّ العلماء على أنّ (شريعة من قبلنا شريعة لنا ما لم يرد ناسخ)، وقد ورد الناسخ في الشريعة الإسلامية فلا حجة فيها. وهذه القاعدة: متفق عليها علماء المسلمين، فالسجود بقصد التحية لغير الله تعالى كان جائزاً في شريعة يوسف عليه السلام، وقد حرّمه شرعنا فلا يصح الاحتجاج بما ذكره الله من سجود أخوة يوسف له على إباحة السجود لغير الله، وشريعتنا ناسخة لما قبلها من الشرائع وقد حرمت التماثيل فلا يصح الاحتجاج بهذه الآية الكريمة والله أعلم. ما ترشد إليه الآيات الكريمة أولاً: الفضل العظيم الذي خصّ الله تعالى به نبيه داود عليه السلام. ثانياً: تسبيح الجبال والطير مع النبي (داود) كان معجزة له عليه السلام. ثالثاً: الصناعات والحِرَف لا تحط من قدر الأنبياء، فداودُ عليه السلام علّمه الله صنعة الدروع. رابعاً: سخّر الله لسليمان الريح تجري بأمره، كما سخر لأبيه الجبال والطير تكريماً له عليه السلام. خامساً: الجن كانت تعمل لسليمان عليه السلام ما يعجز عنه البشر من الأعمال بأمر الله تعالى. سادساً: صنعُ التماثيل كان مباحاً في شريعة النبي سليمان عليه السلام ثم نسخ في الشريعة الإسلامية. سابعاً: منصب "النبوّة" أعلى من منصب "المُلْك" وقد جمع الله لسليمان بين النبوة والملك. ثامناً: فضل الله عظيم على عباده وخاصة منهم الأنبياء فعليهم أن يشكروا الله على نعمه. تاسعاً: الجن لا تعلم الغيب ولو كانت تعلمه لعرفت موت سليمان عليه السلام وما بقيت في الأعمال الشاقة. خاتمة البحث: حكمة التشريع جاءت الشريعة الإسلامية الغراء، والناس في وثنيّة غارقة، قد تدهورت أحوالهم، وانحطت أوضاعهم، حتى وصلوا إلى درجة عبادة (الأوثان والأصنام)، وقد كان حول الكعبة المعظمة ثلاثمائة وستون صنماً - بعدد أيام السنة - كلُّها آلهة تُعْبد من دون الله، فلما فتح عليه الصلاة والسلام مكة حطَّمها بنفسه فلم يبق لها أثراً وهو يردّد قوله تعالى: {أية : جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} تفسير : [الإسراء: 81]. وقد دخلت هذه الوثنية إلى العرب، عن طريق أهل الكتاب، وبسبب التماثيل والتصاوير، وانتشرت بينهم انتشار النار في الهشيم، حتى غدت الجزيرة العربية مهداً للوثنيّة، ومركزاً لعبّاد الأوثان والأصنام، فلمّا جاء الإسلام حرّم الصور والتماثيل، وكل ما يدعو إلى (الوثنية) من قريب أو بعيد، وحمل حملة شعواء على المصورين، فمنع من تصوير كل ذي روح، حماية للعقيدة، وصيانة للأمة، وتطهيراً للمجتمع من لوثة الشرك وعبادة الأوثان، وبذلك اقتلع الإسلام الوثنية من جذورها، وقضى على الشرك في مهده، وطهّر الجزيرة من كل مظاهر الوثنية والإشراك. وقد يقول قائل: إن الوثنية قد انقضى زمانها بالتقدم الفكري عند الإنسان، فلم يعد هناك من يعبد الأصنام والأوثان، فَلِمَ إذن تبقى حرمة التصوير؟! والجواب: أنَّ العقل البشري معرّض للانتكاس في كل حين وزمان، ولا يستبعد أبداً أن يؤدي نصب التماثيل في الشوارع العامة، وانتشار الصور في المحلات والبيوت، إلى تعظيمها وعبادتها في المستقبل، كما فعل من سبقنا من الأمم حيث كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح صوّروه ونصبوا هذه الصور في أماكن بارزة ليتذكروا سيرته وأعماله، ثمّ جاء من بعدهم فعظَّموها ثمّ جاء من بعدهم فعبدوها من دون الله. وإذا كنا نجد في هذا العصر بالذات من المتناقضات ما يطير له عقل الإنسان فرقاً، حيث طغت الرذائل على الفضائل، وتبدّلت المفاهيم والقيم الأخلاقية، وأصبحت مظاهر (الهمجية) من التكشف والعري، والخلاعة والمجون، تعتبر في هذا العصر من مظاهر (الرقي والتقدمية)، فأي إنسان لا يخاف على مستقبل البشرية وهو يرى هذه العجائب والغرائب، تتمثل لعينيه والصور المضحكة المبكية!! ثمّ إننا لا نزال نرى في هذا العصر الذي يسمونه - عصر النور - من لا يزال يعبد البقر ويتبرّك بأرواثها، فكيف نطمئن على العقلية البشرية من التردي نحو الهاوية؟! إن الذي يعبد البقر لا يستبعد عليه أن يعبد الصور؟! لذلك فإن التحريم شريعة الله وسيظل هذا التشريع فوق عقول البشر لأنه شرع الله ودينه الخالد.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى {أَوِّبِي مَعَهُ} نِيبي وأهلَهُ. وقال: أوِّبي معناه سبِّحي.
الجيلاني
تفسير : {وَ} من كما قدرتنا ووفور حكمتنا {لَقَدْ آتَيْنَا} عبدنا {دَاوُودَ} المتحقق بمقام الخلافة والحكومة التامة {مِنَّا فَضْلاً} له، وامتناناً عليه مما لم نقض بأمثاله إلى سائر الأنبياء وهو أنَّا أمرنا الجمادات والحيوانات بإطاعته وانقياده إلى أن قلنا منادياً لها: {يٰجِبَالُ أَوِّبِي} أي: أرجعي {مَعَهُ} التسبيح، وسيري معه حيث سار، ولا تخرجي عن حكمه، فانقادت له الجبال إلى حيث متى سبح، سُمع منها التسبيح والتذكير؛ وإلى حيث سار، سارت معه {وَ} كذا سخرنا له {ٱلطَّيْرَ} وصارت تنقاد لحكمه وأمره كسائر العقلاء، فيحكم عليها ويأمرها، فامتثلت بأمره وأطاعت بحكمه بلا منع وإباء {وَ} من جملة فضلنا إياه: إنَّا {أَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ} [سبأ: 10] بلا نار ومطرقة، حيث جعلناه ليناً في يده كالشمعة، يبدله كيف يشاء بلا تعب ومشقة. وبعدما ألنا له الحديد أمرنا {أَنِ ٱعْمَلْ} يا دوود بإرشادنا وتعليمنا {سَابِغَاتٍ} دروعاً واسعات {وَقَدِّرْ} أي ضيق وكثف {فِي ٱلسَّرْدِ} والنسخ بقدر الحاجة، لا يمكن مرور السهام عنها أصلاً {وَ} بعدما آتيناه وأتباعه الملك والولاية التامة والنبوة العامة فضلاً وامتناناً له أصالةً ولأصحابه تبعاً، قلنا لهم تعليماً: {ٱعْمَلُواْ} يا آل داوود {صَالِحاً} من الأعمال والأخلاق مقبولاً عندي، مرضياً لدي {إِنِّي} بمقتضى علمي وإطلاعي {بِمَا تَعْمَلُونَ} من عموم الأعمال {بَصِيرٌ} [سبأ: 11] أنقد كلاً منها، أقبل صالحها وأرد فاسدهما. {وَ} أيضاً من مقام فضلنا وجودنا سخرنا {لِسُلَيْمَانَ} بن داوود، عليهما السلام {ٱلرِّيحَ} العاصفة، وجعلناها مسخرة تحت حكمه وتصرفه، بحيث تحمل كرسي سليمان وجنوده عليها وتسير إلى حيث أشار وشاء {غُدُوُّهَا شَهْرٌ} أي جريها في الغداة مسيرة شهر {وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} أيضاً كذلك {وَ} أيضاً من كمال جودنا إياه {أَسَلْنَا} وأذبنا {لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ} أي: النحاس، فذاب في معدنه، ونبع منه نبوع العيون الجارية في كل شهر ثلاثة أيام، قيل: أكثر ما في الناس من النحس من ذلك. {وَ} سخرنا له أيضاً؛ عناية منها معه {مِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ} مقهوراً تحت حكمه وتصرفه {بِإِذْنِ رَبِّهِ} أمرهم سبحانه بإطاعته وانقياده بحيث لا ينصرفون ولا يستنكفون عن حكمه أصلاً {وَ} شرط معهم سبحانه تأكيداً لإطاعتهم إياه، أنه {مَن يَزِغْ} أي: يعدل ويمل {مِنْهُمْ} أي: من الجن {عَنْ أَمْرِنَا} المبرم المحكم إياهم، وهو إطاعتهم نبينا سليمان عليه السلام {نُذِقْهُ} في هذه النشأة {مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} [سبأ: 12] لأنه قد وكَّل سبحانه على الجن ملكاً بيده سوط من نار، فمن مال منهم عن حكم سليمان ضربه به، فأحرقه ولا يراه الجني. لذلك صارا مقهورين تحت حكمه، أمرهم ما يشاء حيث {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ} أي: مساجد لطيفة وحصون حصينة وأماكن منيعة، إنما سمي بها، يحرب عليها ويتلجأ إليها في الشدة ولدى الحاجة، ومن جملة ما علموا له من المساجد الحصينة العجيبة: بيت المقدس، في غاية الحسن والبهاء وكمال المنعة، ولم يزل على عمارته عليه السلام إلى أن خربه بختنصر {وَتَمَاثِيلَ} هي الصور من الزجج ورخام ونحاص وصفر وشبهه، فكانوا يعملون صور الملائكة والأنبياء والصالحين في البقاع الشريفة والمساجد والمعابد؛ ترغيباً للناس في دخولها والعبادة فيها وتنشيطاً، وقد عملوا له في أسفل كرسيه أسدين، وفي فوقه نسرين، فإذا أراد الصعود عليه بسط له الأسدان ذراعيهما فارتقى، وإذا تمكن عليه أظله النسران بجناحيهما، وحرمة التصاوير شرع مجدد {وَجِفَانٍ} أي: صحاف عظيمة وقصاع كبيرة وسيعة {كَٱلْجَوَابِ} أي: كالحياض الكبار، ومن غاية كبرها يقعد على كل جفنة عند الأكل ألف رجل {وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ} ثابتات على أثافيهن بحث لا تنزل عنها؛ لثقلها وكبرها، وقيل: أثافيها متصلة بها، وكانت يُرتقى إليها بالسلالم. وبعدما أعطى آل داوود من الجاه والثروة والعظمة ما لم يعط أحداً من العالمين، قيل لهم من قبل الحق؛ تنبيهاً عليهم وحثاً لهم إلى مواظبة الشرك ومدوامة الرجوع نحو المفضل الكريم: {ٱعْمَلُوۤاْ} يا {آلَ دَاوُودَ} عملاً صالحاً مرضياً عند الله، ولا سيما اشكروا {شُكْراً} مستوعباً لجميع جوارحكم وجوانحكم وأوقاتكم وحالاتكم بحيث لا يشذ عنكم وقت لم يصدر عنكم فيها شكر {وَ} اعلموا وإن بالغتم في أداء شكر نعم الله وبالغتم بمقتضى المرتبة القصوى منه، ما أديتم حق شكره؛ إذ {قَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} [سبأ: 13] لأنه وإن استوفى واستوفر في أدائه إلى حيث يستوعب جميع أركانه وجوارحه وجوانحه وجميع خواطره وهواجس نفوسه وسره ونجواه، ومع ذل كلا يوفي حقه؛ لأن توفيقه وإقداره سبحاه عليه أيضاً نعمة مستحقة للشكر، مستدعية له لا إلى نهاية، ولذا قيل: الشكور من يرى نفسه عاجزاً عن الشكر؛ إذ لا يمكن الإتيان به على وجه لا يترتب عليه نعمة أخرى مستلزمة لشكر آخر. ثم لما كان داوود عليه السلام أسس بيت المقدس ي موضع فسطاط موسى عليه السلام، فمات قبل تمامه، فوصى بإتمامه إلى سليمان عليه السلام، فاستعمل الجن فيه، فلم يتم أيضاً، إذا أُخبر من قِبل الحق بأجله، فتغمم غماً شديداً بعدم إتمام البيت، فأراد أن يعمِّي ويستر على الجن موته ليتموه، فأمرهم أن يعلموا له صرحاً من قوارير له باب، فعملوا له صرحاً كذلك. فدخل عليه على مقتضى عادته المستمرة من التحنث والتخلي للعبادة شهراً وشهرين وسنة وسنتين، فاشتغل بالصلاة متكئاً على عصاه، فقبض وهو متكئ عليها، فبقي كذلك إلى أن أكلت الأرضة عصاه، فخرَّ، ثم فتحوا عنه وأرادوا أن يعرفوا وقت موته، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت يوماً وليلةً مقداراً منها، فقاسوا على ذلك، فعلموا أنه قد مات منذ سنة، وكان عمره حنيئذٍ ثلاثاً وخمسين سنة، وملك وهو ابن ثلاثة عشرة سنة، وابتدأ لعمارة البيت لأربع مضين عن ملكه. أخبر سبحانه في كتابه هذا، وحكاه على الوجه الذي مضى، وأوجزه فقال: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ} أي: على سليمان {ٱلْمَوْتَ} فأخبرنا له بموته، فدعا نحونا بأن نعمِّي على الجن أمر موته؛ حتى يتموا عمارة البيت، فأعميناهم وسرتنا عليهم موته إلى أن تم عمارة البيت، وبعدما تم {مَا دَلَّهُمْ} وما هداهم {عَلَىٰ مَوْتِهِ} وما أخبرهم عنه {إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ} أي: الارضة {تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} أي: عصاه، وهو متكئ عليها {فَلَمَّا} أكلتها انكسرت عصاه {خَرَّ} وسقط عليه السلام على الأرض، فحينئذ {تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ} أي: ظهر لهم وانكشفت عندهم أمر موته، وعلموا بعدما التبس الأمر عليه موته بخروره وسقوطه، فظهر حنيئذٍ للإنس أن الجن لم يكونوا مطلعين على الغيوب على ما زغموا في حقهم؛ لأنهم لو كانوا من المطلعين لعلموا موته أول مرة، ولم يعلموا مع {أَن} أي: أنهم؛ أي: الحق {لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ} مطلقاً، لعلموا أمر موته حين وقع، ولو علموا {مَا لَبِثُواْ} واستقروا {فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} [سبأ: 14] الذي هو عذاب العمل المتضمن لأنواع المتاعب والمشاق، مع أنهم لم يرضوا به، ولكنهم لبثوا وعملوا سنة بعد موته، فظهر أنهم ما كانوا عالمين بالغيوب.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي: ولقد مننا على عبدنا ورسولنا، داود عليه الصلاة والسلام، وآتيناه فضلا من العلم النافع، والعمل الصالح، والنعم الدينية والدنيوية، ومن نعمه عليه، ما خصه به من أمره تعالى الجمادات، كالجبال والحيوانات، من الطيور، أن تُؤَوِّب معه، وتُرَجِّع التسبيح بحمد ربها، مجاوبة له، وفي هذا من النعمة عليه، أن كان ذلك من خصائصه التي لم تكن لأحد قبله ولا بعده، وأن ذلك يكون منهضا له ولغيره على التسبيح إذا رأوا هذه الجمادات والحيوانات، تتجاوب بتسبيح ربها، وتمجيده، وتكبيره، وتحميده، كان ذلك مما يهيج على ذكر اللّه تعالى. ومنها: أن ذلك - كما قال كثير من العلماء، أنه طرب لصوت داود، فإن اللّه تعالى، قد أعطاه من حسن الصوت، ما فاق به غيره، وكان إذا رجَّع التسبيح والتهليل والتحميد بذلك الصوت الرخيم الشجيِّ المطرب، طرب كل من سمعه، من الإنس، والجن، حتى الطيور والجبال، وسبحت بحمد ربها. ومنها: أنه لعله ليحصل له أجر تسبيحها، لأنه سبب ذلك، وتسبح تبعا له. ومن فضله عليه، أن ألان له الحديد، ليعمل الدروع السابغات، وعلمه تعالى كيفية صنعته، بأن يقدره في السرد، أي: يقدره حلقا، ويصنعه كذلك، ثم يدخل بعضها ببعض. قال تعالى: {أية : وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ }. تفسير : ولما ذكر ما امتن به عليه وعلى آله، أمره بشكره، وأن يعملوا صالحا، ويراقبوا اللّه تعالى فيه، بإصلاحه وحفظه من المفسدات، فإنه بصير بأعمالهم، مطلع عليهم، لا يخفى عليه منها شيء.
همام الصنعاني
تفسير : 2396- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ}: [الآية: 10]، قال: سَبِّحي معه. 2397- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ}: [الآية: 10]، قال: ليَّنه الله له يعمله بغير نَارٍ، وقوله: {أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ}: [الآيات: 11]، يقُولُ: دروع سابغات. 2398- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله: {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ}: [الآية: 11]، قال: {ٱلسَّرْدِ} المسامير التي في حلق الدرع. 2399- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا ابن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله تعالى: {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ}: [الآية: 11]، قال: لا تُدِقّ في المسامير وتوسع الحلقة فتَسْلَس، ولا تغلظ المسامير وتضيق الحلقة، فتنْفَصِمْ، واجعله قَدراً.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):