Verse. 3617 (AR)

٣٤ - سَبَأ

34 - Saba (AR)

اَنِ اعْمَلْ سٰبِغٰتٍ وَّقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوْا صَالِحًا۝۰ۭ اِنِّىْ بِمَا تَعْمَلُوْنَ بَصِيْرٌ۝۱۱
Ani iAAmal sabighatin waqaddir fee alssardi waiAAmaloo salihan innee bima taAAmaloona baseerun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

وقلنا «أن اعمل» منه «سابغات» دروعا كوامل يجرها لابسها على الأرض «وقدر في السرد» أي نسج الدروع قيل لصانعها سراد، أي اجعله بحيث تتناسب حلقه «واعملوا» أي آل داود معه «صالحا إني بما تعملون بصير» فأجازيكم به.

11

Tafseer

الرازي

تفسير : قيل إن (أن) ههنا للتفسير فهي مفسرة، بمعنى أي اعمل سابغات وهو تفسير {ألنا} وتحقيقه لأن يعمل، يعني ألنا له الحديد ليعمل سابغات ويمكن أن يقال ألهمناه أن اعمل وأن مع الفعل المستقبل للمصدر فيكون معناه: ألنا له الحديد وألهمناه عمل سابغات وهي الدروع الواسعة ذكر الصفة ويعلم منها الموصوف وقدر في السرد، قال المفسرون: أي لا تغلظ المسامير فيتسع الثقب ولا توسع الثقب فتقلقل المسامير فيها، ويحتمل أن يقال السرد هو عمل الزرد، وقوله: {وَقَدّرْ فِى ٱلسَّرْدِ } أي الزرد إشارة إلى أنه غير مأمور به أمر إيجاب إنما هو اكتساب والكسب يكون بقدر الحاجة وباقي الأيام والليالي للعبادة فقدر في ذلك العمل ولا تشغل جميع أوقاتك بالكسب بل حصل به القوت فحسب، ويدل عليه قوله تعالى: {وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً } أي لستم مخلوقين إلا للعمل الصالح فاعملوا ذلك وأكثروا منه، والكسب قدروا فيه، ثم أكد طلب الفعل الصالح بقوله: {إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } وقد ذكرنا مراراً أن من يعمل لملك شغلاً ويعلم أنه بمرأى من الملك يحسن العمل ويتقنه ويجتهد فيه، ثم لما ذكر المنيب الواحد ذكر منيباً آخر وهو سليمان، كما قال تعالى: {أية : وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ} تفسير : [صۤ: 34].

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ} أي دروعاً سابغات، أي كوامل تامات واسعات؛ يقال: سبغ الدرع والثوب وغيرهما إذا غطّى كل ما هو عليه وفضل منه. {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ} قال قتادة: كانت الدروع قبله صفائح فكانت ثقالاً؛ فلذلك أمر هو بالتقدير فيما يجمع من الخفة والحصانة. أي قدّر ما تأخذ من هذين المعنيين بقسطه. أي لا تقصد الحصانة فتثقل، ولا الخفة فتزيل المنعة. وقال ابن زيد: التقدير الذي مر به هو في قدر الحَلْقة، أي لا تعملها صغيرة فتضعف فلا تقوى الدروع على الدفاع، ولا تعملها كبيرة فينال لابسها. وقال ابن عباس: التقدير الذي أمر به هو في المسمار، أي لا تجعل مسمار الدرع رقيقاً فَيقْلَق، ولا غليظاً فَيَفصِم الحلَق. روي «يقصم» بالقاف، والفاء أيضاً رواية. {فِي ٱلسَّرْدِ} السَّرْد نسج حلَق الدروع، ومنه قيل لصانع حلق الدروع: السرّاد والزرّاد، تبدل من السين الزاي، كما قيل: سرّاط وزرّاط. والسّرْد: الخَرْز، يقال: سرد يسرد إذا خرز. والمِسْرَد: الإشفى، ويقال سراد؛ قال الشّماخ:شعر : فظلت تباعاً خيلنا في بيوتكم كما تابعت سرْد العِنان الخوارِزُ تفسير : والسِّراد: السير الذي يخرز به؛ قال لَبِيد:شعر : يشك صِفاحها بالرّوْق شَزْراً كما خرج السِّراد من النقال تفسير : ويقال: قد سرد الحديث والصوم؛ فالسرد فيهما أن يجيء بهما وِلاء في نسق واحد، ومنه سرد الكلام. وفي حديث عائشة: لم يكن النبيّ صلى الله عليه وسلم يسرد الحديث كسردكم، وكان يحدّث الحديث لو أراد العادّ أن يعدّه لأحصاه. قال سيبويه: ومنه رجل سَرَنْدَى أي جريء، قال: لأنه يمضي قُدُماً. وأصل ذلك في سرد الدرع، وهو أن يُحكمها ويجعل نظام حلَقها وِلاء غير مختلف. قال لبيد:شعر : صنع الحديدَ مضاعفاً أسراده لينال طول العيش غير مَرُومِ تفسير : وقال أبو ذؤيب:شعر : وعليهما مسرُودَتانِ قضاهما داودُ أو صَنَعُ السوابغِ تُبَّعُ تفسير : {وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً} أي عملاً صالحاً. وهذا خطاب لداود وأهله، كما قال: «اعْمَلُوا آلَ دَاوُدُ شُكْراً». {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.

المحلي و السيوطي

تفسير : وقلنا {أَنِ ٱعْمَلْ } منه {سَٰبِغَٰتٍ } دروعاً كوامل يجرّها لابسها على الأرض {وَقَدِّرْ فِى ٱلسَّرْدِ } أي نسج الدروع، قيل لصانعها سَرَّاد أي اجعله بحيث تتناسب حلقه {وَٱعْمَلُواْ } أي آل داود معه {صَٰلِحاً إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فأجازيكم به.

ابن عبد السلام

تفسير : {سَابِغَاتٍ} دروعاً تامة. إسباغ النعمة تمامها {وَقَدِّرْ فِى السَّرْدِ} عدل المسامير في الحِلَق فلا تصغرها فتسلس ولا تعظم المسمار وتصغر الحلقة فتنقصم الحقلة، أو لا تجعل الحلق واسعة فلا تقي صاحبها. والسرد المسامير التي في الحلق من سرد الكلام سرداً إذا تابع بينه ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم ثلاثة سرد وواحد فرد، أو النقب الذي في الحلق "ع" فكان يرفع كل يوم درعاً يبيعها بستة آلاف درهم ألفان لأهله وأربعة آلاف يطعم بها بني إسرائيل خبز حواري {وَاعْمَلُواْ صَالِحاً} قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر "ع"، أو جميع الطاعات.

اسماعيل حقي

تفسير : {ان اعمل} اى امرناه بان عمل على ان ان مصدرية حذف منها الباء {سابغات} اى دروعا واسعة تامة طويلة. قال فى القاموس سبغ الشئ سبوغا طال الى الارض والنعمة انسغت ودرع سابغة تامة طويلة انتهى ومنه استعير اسباغ الوضوء او اسباغ النعمة كما فى المفردات وهو عليه السلام اول من اتخذها وكانت قبل ذلك صفائح حديد مضروبة قالوا كان عليه السلام حين ملك على بنى اسرائيل يخرج متنكرا فيسأل الناس ما تقولون فى داود فيثنون عليه فقيض الله له ملكا فى صورة آدمى فسأله على عادته فقال نعم الرجل لولا خصلة فيه فسأله عنها فقال لولا انه يأكل ويطعم عياله من بيت المال ولو اكل من عمل يده لتمت فضائله فعند ذلك سأل ربه ان يسبب له ما يستغنى به عن بيت المال فعلمه تعالى صنعة الدروع فكان يعمل كل يوم درعا ويبيعها باربعة آلاف درهم او بستة آلاف ينفق عليه وعلى عياله الفين ويتصدق بالباقى على فقراء بنى اسرائيل [درلباب كويد جون وفات فرمود هزار ذره در خزانة او بود] وفى الحديث "كان داود لا يأكل الا من كسب يده". وفى الآية دليل على تعلم اهل الفضل الصنائع فان العمل بها لا ينقص بمرتبتهم بل ذلك زيادة فى فضلهم اذ يحصل لهم التواضع فى انفسهم والاستغناء عن غيرهم وفى الحديث "حديث : ان خير ما اكل المرء من عمل يده " تفسير : قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : بياموز برورده را دست رنج وكردست دارى جوقارون كنج ببايان رسد كيسه سيم وزر نكردد تهى كيسه بيشه ور تفسير : {وقدر فى السرد} التقدير بالفارسية [اندازه كردن] والسرد فى الاصل خرز ما يخشن ويغلظ كخرز الجلد ثم استعير لنظم الحديد ونسج الدروع كما فى المفردات وقيل لصانع الدروع سراد وزراد بابدال الزاء من السين وسرد كلامه وصل بعضه ببعض واتى به متتابعا وهو انما يكون مقبولا اذا لم يخل بالفهم والمعنى اقتصد فى نسجها بحيث تناسب حلقها: وبالفارسية [واندازه نكه دار بافتن آن "يعنى حلقها مساوى" درهم افكن تا وضع آن متناسب افتد] ولا تصرف جميع اوقاتك اليه بل مقدار ما يحصل به القوة واما الباقى فاصرفه الى العبادة وهو الانسب بما بعده. وفى التأويلات النجمية يشير الى الانة قلبه والسابغات الحكم البالغة التى ظهرت ينابيعها من قلبه على لسانه {وقدر فى السرد} الحديث بان تتكلم بالحكمة على قدر عقول الناس شعر : نكته كفتن بيش كز فهمان زحكمت بيكمان جوهرى جند ازجواهر ريختن بيش خرست تفسير : {واعملوا} خطاب لداود واهله لعموم التكليف {صالحا} عملا صالحا خالصا من الاغراض {انى بما تعملون بصير} لا اضيع عمل عامل منكم فاجازيكم عليه وهو تعليل للامر او لوجوب الامتثال به. وفى التأويلات النجمية اشار بقوله {واعملوا صالحا} الى جميع اعضائه الظاهرة والباطنة ان تعمل فى العبودية كل واحدة منها عملا يصلح لها ولذلك خلقت انى بعمل كل واحدة منكن بصير وبالبصارة خلقتكن انتهى. والبصير هو المدرك لكل موجود برؤيته ومن عرف انه البصير راقبه فى الحركات والسكنات حتى لا يراه حيث نهاه او يفقده حيث امره. وخاصية هذا الاسم وجود التوفيق فمن قرأه قبل صلاة الجمعة مائة مرة فتح الله بصيرته ووفقه لصالح القول والعمل وان كان الانسان لا يخلو عن الخطأ. يقال كان داود عليه السلام يقول اللهم لا تغفر للخطائين غيرة منه وصلابة فى الدين فلما وقع له ما وقع من الزلة كان يقول اللهم اغفر للمذنبين. ويقال لما تاب الله عليه اجتمع الانس والجن والطير بمجلسه فلما رفع صوته وادار لسانه فى حنكه على حسب ما كان من عادته تفرقت الطيور وقالت الصوت صوت داود والحال ليست تلك الحال فبكى داود عليه السلام وقال ما هذا يا رب فاوحى الله اليه يا داود هذا من وحشة الزلة وكانت تلك من انس الطاعة شعر : قدم نتوان نهاد آنجا كه خواهى بفرمان رو بفرمان كن نكاهى كه هر كاو نه بامر حق قدم زد جوشمع ازسر برآمد تيز دم زد

الجنابذي

تفسير : {أَنِ ٱعْمَلْ} ان تفسيريّة او مصدريّة {سَابِغَاتٍ} دروعاً واسعاتٍ واكتفى بالسّابغات لشهرة صنع الدّروع من الحديد من داود (ع) {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ} فى خلقها ونسجها ومساميرها بحيث يمكن لبسها وتمنع السّيف والسّهم والسّنان من النّفوذ فيها، ولا يكون ثقيلاً يعجز الّلابس عن حملها، ولا خفيفاً لا يمنع المذكورات من النّفوذ {وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً} ضمّ اهله او عشيرته او امّته معه فى الخطاب، وتنكير صالحاً امّا للتّحقير والاكتفاء منهم بصالح ما او للتّفخيم والاشعار بالصّالح الحقيقىّ الّذى هو الولاية {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَلِسُلَيْمَانَ} اى ألنّا لسليمان (ع) {ٱلرِّيحَ} بمعنى سخّرناها له {غُدُوُّهَا} اى سيرها فى طرف الصّبح {شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا} اى سيرها فى طرف العصر {شَهْرٌ} قيل كانت الرّيح تحمل كرسيّه او بساطه فتسير به بالغداة مسيرة شهرٍ وبالعشىّ مسيرة شهرٍ {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ} اى الصّفر، قيل: اسال له النّحاس من معدنه ينبع منه نبوع الماء من الينبوع ولذلك سمّاه عيناً وكان ذلك باليمن {وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ} اى بين يدى سليمان (ع) {بِإِذْنِ رَبِّهِ} الضّمير للموصول او لسليمان {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} فى الدّنيا او فى الآخرة.

اطفيش

تفسير : {أن اعمل} ان مفسرة لوحي او امر محذوف اي اوحينا اليه او امرناه ان اعمل لا لقول محذوف كما قيل لانها لا تفسر لفظ القول ويجوز كونها مصدرية مقدرة بحرف الجر او المصدر مفعول للايحاء عند مجيز دخول ان المصدرية على الأمر. {سابغات} اي دروعا سابغات ذكره ابن هشام وغيره وهو واضح والسابغات الواسعات الكاملات الطوال تسحب الأرض وكان يعمل الواحدة في يوم وزعم بعض انه اقتنى من ذلك مالا وهو جائز بأن اقتناء المال مباح مع اداء حقه ولا سيما من هو نبي فانما يقتنيه لأمور أخروية. {وقدر} اي ضيق. {في السرد} نسج الدرع على قدر الحادة وفي عرائس القرآن: لا تجعل المسامير رقاقا فينفتق ولا غلاظا فتكسر الحلق وقال ابن زيد لا تعمل الحلقة صغيرة فتضعف فلا يقوى الدرع ولا كبيرة فينال لابسها من خلالها. {واعملوا صالحا} الخطاب لداود عليه السلام وآله او لهم اي اعملوا معه صالحا. {إني بما تعملون بصير} فأجازيكم.

اطفيش

تفسير : {أن اعْمَل سابغات} دروعا سابغات، أى واسعات، وادعى بعض المحققين أن السابغات اسم لتلك الدروع بلا تقدير موصوف، وأن مفسرة لقوله: "أية : ألنَّا"تفسير : [سبأ: 10] لتضمنه معنى القول دون حروفه، كقولك: وضعت لزيد الطعام أن كل، لما كانت الإلانة ظاهرة له عليه السلام فى عمل السلاح، وهو فى معرض القتال، والله حكيم صار بمنزلة قلنا له: اعمل لا مصدرية، إذ لا خارج للأمر يؤخذ منه المصدر، ولو قالوا ما قالوا، والاعتذار عن الذنب أشد من الذنب. {وقَدِّر} وسط واقتصد {في السَّرد} نسج الحديد بعض ببعض، استعارة من نسج الثوب، وقيل اتباع شىء بمثله من جنسه، وأنه حقيقة أى اجعل حلق الدروع متناسبة على مقدار معين دقة أو غلظة، أو متناسبة بين الضيق وغيره، لئلا ينال السلاح من الواسعة، ولا تثقل شدة الضيق وكانت الدرع قبل داود صفائح، وقيل: معنى تقدير السرد عدم صرف أوقاته فى عمل الدروع، بل مقدار القوت، وما فضل عن القوت، فاعمل فيه العبادة، وقيل لا تجعل مسامير حلق الدرع رقاقا فتفلت، ولا غلاظا فتكسر الحلق. وكان يسأل الناسر متنكرا عن حال داود ليجتنب ما يعاب، فيثنون خيرا، فأرسل الله اليه ملكا فسأله فقال: نعم العبد لولا أنه يأكل من بيت المال لا من كسبه، فسأل الله مكسباً، فألان الله تعالى له الحديد يعمل الدرع فى بعض يوم، أو بعض ليل، وثمنها ألف درهم، وقيل أربعة آلاف يصرف ثلث ثمنها فى مصالح الاسلام، ويطعم المساكين، ويروى أنه يبيع الدرع بستة آلاف درهم، ألفان له ولأهله، وأربعة آلاف يطعم بها بنى اسرائيل الخبز الحوارى، ويروى يتصدق على الفقراء. {واعْملُوا صالحاً} خطاب لداود وآله، ولو لم يجر لهم ذكر لدلالة ذكره عليهم، أو خطاب لهم كقوله تعالى: "أية : اعملوا آل داود شكراً"تفسير : [سبأ: 13] أو خطاب له بصيغة الجماعة تعظيما، والعطف على اعمل سابغات، فالجملة داخلة فى التفسير، وما للنبى من المنة منة لأمته، ولو اختص بها عنهم، والانه الحديد له تشير الى أن يعملوا صالحا، إذ يجاهدون بالدروع، والمراد بعمل الصالح عمل العبادات مطلقا لا خصوص عمل الدرع خالية عن عيب، كما يقال فيخص بداود عليه السلام {إنِّي بما تَعْملون بَصيرٌ} فأجازيكم عليه، وذلك تعليل للأمر فى قوله: {واعملوا صالحا} لا لوجوب الأمر، كما قال بعض المحققين لأنه لم يخبرنا أن الأمر واجب.

الالوسي

تفسير : {أَنِ ٱعْمَلْ سَـٰبِغَـٰتٍ } {أَن} مصدرية وهي على إسقاط حرف الجر أي ألنا له الحديد لعمل سابغات أو وأمرناه بعمل سابغات، والأول أولى، وأجاز الحوفي وغيره أن تكون مفسرة ولما كان شرط المفسرة أن يتقدمها معنى القول دون حروفه و(ألنا) ليس فيه ذلك قدر بعضهم قبلها فعلاً محذوفاً فيه معنى القول ليصح كونها مفسرة أي وأمرناه أن اعمل أي أي اعمل، وأورد عليه أن حذف المفسر لم يعهد. والسابغات الدروع وأصله صفة من السبوغ وهو التمام والكمال فغلب على الدروع / كالابطح قال الشاعر:شعر : لا سابغات ولا جأواء باسلة تقي المنون لدى استيفاء آجال تفسير : ويقال سوابغ أيضاً كما في قوله:شعر : عليها أسود ضاريات لبوسهم سوابغ بيض لا تخرقها النبل تفسير : فلا حاجة إلى تقدير موصوف أي دروعاً سابغات، ولا يرد هذا نقصاً على ما قيل إن الصفة ما لم تكن مختصة بالموصوف كحائض لا يحذف موصوفها. وقرىء {صابغات} بإبدال السين صاداً لأجل الغين. {وَقَدّرْ فِى ٱلسَّرْدِ } السرد نسج في الأصل كما قال الراغب خرز ما يخشن ويغلظ قال الشماخ:شعر : فظلت سراعاً خيلنا في بيوتكم كما تابعت سرد العنان الخوارز تفسير : واستعير لنظم الحديد. وفي «البحر» هو إتباع الشيء بالشيء من جنسه ويقال للدرع مسرودة لأنه توبع فيها الحلق بالحلق قال الشاعر:شعر : وعليهما مسرودتان قضاهما داود أو صنع السوابغ تبع تفسير : ولصانعها سراد وزراد بإبدال السين زاياً، وفسره هنا غير واحد بالنسج وقال: المعنى اقتصد في نسج الدروع بحيث تتناسب حلقها، وابن عباس فيما أخرجه عنه ابن جرير وابن المنذر وابن أبـي حاتم من طرق: بالحلق أي اجعل حلقها على مقادير متناسبة، وقال ابن زيد: لا تعملها صغيرة فتضعف فلا يقوى الدرع على الدفاع ولا كبيرة فينال صاحبها من خلالها، وجاء في رواية أخرى عن ابن عباس تفسيرها بالمسامير وروي ذلك عن قتادة ومجاهد أي قدر مساميرها فلا تعملها دقاقاً ولا غلاظاً أي اجعلها على مقدار معين دقة وغيرها مناسبة للثقب الذي هىء لها في الحلقة فإنها إن كانت دقيقة اضطربت فيها فلم تمسك طرفيها وإن كانت غلظة خرقت طرف الحلقة الموضوعة فيه فلا تمسك أيضاً، ويبعد هذا أن إلانة الحديد له عليه السلام بحيث كان كالشمع والعجيب يغني عن التسمير فإنه بعد جمع الحلق وإدخال بعضه في بعض يزال انفصال طرفي كل حلقة بمزج الطرفين كما يمزج طرفا حلقة من شمع أو عجين والإحكام بذلك أتم من الإحكام بالتسمير بل لا يبقى معه حاجة إلى التسمير أصلاً فلعله إن صح مبني على أنه عليه السلام كان يعمل الحلق من غير مزج لطرفي كل فيسمر للإحكام بعد إدخال بعضه في بعض، ويظهر ذلك على التفسير الثاني لقوله تعالى: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } إذ غاية القوة كسر الحديد كما يريد من غير آلة دون وصل بعضه ببعض، ولا يعارض ذلك ما نقل عن البقاعي أنه قال: أخبرنا بعض من رأى ما نسب إلى داود عليه السلام من الدروع أنه بغير مسامير فإنه نقل عن مجهول فلا يلتفت لمثله، وقيل معنى {قُدِرَ فِى ٱلسَّرْدِ } لا تصرف جميع أوقاتك فيه بل مقدار ما يحصل به القوت وأما الباقي فاصرفه إلى العبادة قيل وهو الأنسب بالأمر الآتي. وحكي أنه عليه السلام أول من صنع الدرع حلقاً وكانت قبل صفائح وروي ذلك عن قتادة. وعن مقاتل أنه عليه السلام حين ملك على بني إسرائيل يخرج متنكراً فيسأل الناس عن حاله فعرض له ملك في صورة إنسان فسأله فقال: نعم العبد لولا خلة فيه فقال: وما هي؟ قال: يرزق من بيت المال ولو أكل من عمل يده تمت فضائله فدعا الله تعالى أن يعلمه صنعة ويسهلها عليه فعلمه صنعة الدروع وألان له الحديد فأثرى / وكان ينفق ثلث المال في مصالح المسلمين وكان يفرغ من الدرع في بعض يوم أو في بعض ليل وثمنها ألف درهم. وأخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول». وابن أبـي حاتم عن ابن شوذب قال: كان داود عليه السلام يرفع في كل يوم درعاً فيبيعها بستة آلاف درهم ألفان له ولأهله وأربعة آلاف يطعم بها بني إسرائيل الخبز الحواري، وقيل: كان يبيع الدرع بأربعة آلاف فينفق منها على نفسه وعياله ويتصدق على الفقراء، وفي «مجمع البيان» عن الصادق رضي الله تعالى عنه أنه عمل ثلثمائة وستين درعاً فباعها بثلثمائة وستين ألف درهم فاستغنى عن بيت المال. {وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً } خطاب لداود وآله عليهم السلام وهم وإن لم يجر لهم ذكر يفهمون على ما قاله الخفاجي التزاماً من ذكره، وجوز أن يكون خطاباً له عليه السلام خاصة على سبيل التعظيم، وأياً ما كان فالظاهر أنه أمر بالعمل الصالح مطلقاً، وليس هو على الوجه الثاني أمراً بعمل الدروع خالية من عيب. {إِنّى بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فأجازيكم به وهو تعليل للأمر أو لوجوب الامتثال به على وجه الترغيب والترهيب.

د. أسعد حومد

تفسير : {سَابِغَاتٍ} {صَالِحاً} (11) - وَأَلْهَمَهُ اللهُ تَعَالى أَنْ يَصْنَعَ مِنَ الحَدِيدِ الذِي أَلاَنَهُ لَهُ الدُّرُوعَ عَلَى أَكْمَلِ وَجْهٍ، وَأَحْكُمِ نِظَامٍ (سَابِغَاتٍ) فَكَانَ يَسْتَعْمِلُ مِسْمَاراً وَسَطاً لا رَفِيعاً وَلاَ غَلِيظاً، فَتَجِيءُ الحَلَقَاتُ عَلى قَدَرِ الحَاجَةِ (وَقَدِّر فِي السَّرْدِ). ثُمَّ أَمرَ اللهُ تَعَالى دَاوُدَ بِشُكْرِهِ تَعالى عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَليهِ، وَذلِكَ بِأَنْ يَعْمَلَ هُوَ وَأْهْلُهُ أَعْمَالاً صَالِحَةً تُرضِي اللهَ، وَقَالَ لَهُ تَعَالى إِنَّهُ بَصيرٌ بِأَعْمَالِهِمْ وَأَقْوَالِهِمْ، لاَ يَخْفى عَلَيهِ مِنْها شَيءٌ. سَابِغَاتٍ - دُرُوعاً كَامِلَةً وَاسِعةً. السَّرْدِ - حَلَقِ الحَدِيدِ - وَقِيلَ إِنَّهُ النَّسْجُ أَيِ الصُّنْعُ وَرَبْطُ الحَلَقَاتِ بَعْضِها بِبَعْضٍ. قَدَّرْ فِي السَّرْدِ - أَيِ اقْتَصِدْ وَاجْعَلِ الحَلَقَاتِ مُتَجَانِسَةً مُتَقَارِبَةً.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ} [أي] دِروعاً واسعةً طويلةً. وقوله تعالى: {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ} معناه مساميرُ الدِّروعِ معناه لا تَغْلُظ فَتَدِق المَساميرُ ولا تَدِق فَتسلس. ولكن اجعلهُ قدراً.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : {أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ} [سبأ: 11] وهي الحِكم البالغة التي تظهر ينابيعها من قلبه على لسانه {وَقَدِّرْ فِي ٱلسَّرْدِ وَٱعْمَلُواْ} [سبأ: 11] أي: في سرد الحديث بأن يتكلم بالحكمة على قدر عقول الناس. وأشار بقوله: {وَٱعْمَلُواْ صَالِحاً} [سبأ: 11] أي: جميع أعماله الظاهرة أن يعمل في العبودية كل واحدة منها عملا يصلح لها ولذلك خلقت {إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ} [سبأ: 11] كل واحدة منهن {بَصِيرٌ} [سبأ: 11] واحدة فيها عملاً يصلح لها ولذلك وبالبصارة خلقتكم وقيل: أوحى الله إلى داود وكانت تلك الزلة مباركا عليك، فقال: رب كيف تكون الزلة مباركة؟ فقال: كنت تجئ قبلها المطيعون فالآن يجيء كما تجيء أهل الذنوب وفيما أوحى الله للمخاطبين غيرة منه إليه: "حديث : يا داود أنين المذنبين أحب إلي من صراخ العابدين"تفسير : وصلاته في الدين، فلما وقع له ما وقع كان يقول: اللهم اغفر للمذنبين وقيل: لما تاب الله عليه واجتماع الجن والإنس والطير لمجلسه فلما رفع صوته وأدار لسانه في حنكه على حسب ما كان من عادته تفرقت الطيور وقالوا: الصوت صوت داود والحال ليست تلك، فبكى داود عليه السلام وقال: ما هذا يا رب فأوحى الله إليه: يا داود هذا من وحشة الزلة وكانت أنس الطاعة. وبقوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} [سبأ: 12] يشير إلى القلب وسيره إلى عالم الروح وسرعته في السير للطافته بالنسبة إلى كثافة النفس وإبطائها في السير، وذلك لأن مركب النفس في سير البدن وهو كبير بطئ السير ومركب القلب في السير هو الجذبة الإلهية وهي من صفات لطفه، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : قلوب العباد بيد الله يقلبها كيف يشاء" تفسير : ويقلبها إلى الحضرة برياح العناية اللطف كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : قلب المؤمن كريشة في فلاة يقلبها ظهرا عن بطن"تفسير : وهذا حقيقة قوله {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ} أي: لسليمان القالب سخرنا ريح العناية ليسير به وهو ابن داود الروح وبساطة الذي كان يجلسه وتجري به الريح هو السر، ولهذا المعنى قيل: أن سليمان في مسيره لاحظ ملكه يوماً فمال الريح ببساطه، فقال سليمان للريح استو، فقالت الريح: استو أنت ما دمت مستوياً بقلبك كنت مستويا فملت وملت كذلك حال السر مع القلب وريح العناية إذا زاغ القلب أزاغ الله بريح الخذلان بساط السر {أية : إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}تفسير : [الرعد: 11]. وبقوله: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ} [سبأ: 12] يشير إلى عين الحقائق والمعاني {وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ} [سبأ: 12] أي: وسخرنا له صفات الشيطان ليعمل بين يديه بإذن الله أي على وفق أمره ونهيه بطبيعته الشيطانية ومن هنا قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله سلطني على شيطاني فأسلم على يدي فلا يأمرني إلا بخير ". تفسير : {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} [سبأ: 12] أي: سعير المحبة وعذابها ان نار المحبة تحرق شوكها ونور المحبة يعني ظلمة خبثها وتمردها. {يَعْمَلُونَ لَهُ} [سبأ: 13] أي: لسليمان القلب {مَا يَشَآءُ} أي: يتصفون بصفات القلب ويكون أعمالهم على وفق مشيئته لا على وفق طبيعتهم ومشيئتهم {مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ} أي: مما يتوجه به إلى الله فإن الله تعالى اختص للشيطان بهذه الصفة من بين سائر المخلوقات أعني التوجه إلى الله والسجود له والإباء والاستكبار عن سجدة غيره، وهذا أخلص عبودية لله وأخص وصف وأشرفه في الموجودات إذا كان بإذن الله وأردى خصلة وأخس وصف وأخثبه إذا كان بالطبيعة وخلاف أمر الله وموجباً للطرد واللعن. كما كان حال إبليس إذ قال تعالى له: {أية : يٰإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ}تفسير : [ص: 75] إذ أمرتك {أية : قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ} تفسير : [ص: 76] والنار من شأنها طلب العلو والتوجه إلى الحضرة {أية : وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}تفسير : [ص: 76] ومن شأنه طلب السفلي والإعراض عن الحضرة فالله تبارك وتعالى لما خمر طينة آدم بيده عجن فيها كل خاصية وصفة ما اختص بها شيئا من المخلوقات ليكون آدم عالما بجميع الأشياء بتلك الخصائص ليقدر على التصرف فيها بخلافة الحق تعالى وليتوسل بها في الرجوع الذي هو مخصوص به إلى الحضرة والوصول إليه فبخاصية الإباء والاستكبار الشيطاني امتنع وأبى عن السجود لغير الله وبها يتوجه القلب إلى الله بإعراضه عن غيره ويقول {أية : وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ} تفسير : [الأنعام: 79] يعني الذين أشركوا بتوجههم إلى الدنيا أو إلى الآخرة {أية : إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنعام: 162]. ثم قال {أية : وَبِذٰلِكَ أُمِرْتُ}تفسير : [الأنعام: 163] بأن إعراضي عن المخلوقات وإبائي واستكباري بالأمر لا بالطبع، ولو وكل القلب في الروح الخاصية الروحانية التي جبل الروح عليها ما كانت رغبتها في العبور عن مقام الروحانيات كالملائكة عن المقام المعلوم الروحاني وقول بعضهم: لو دنوت أنملة لاحترقت، ولما كان الإنسان محمول العناية وبجذبة {أية : ٱرْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ}تفسير : [الفجر: 28] رجع من أسفل سافلين الموجودات إلى الحضرة فلم يسجد لشيء منها بتمرد صفة الشيطانية وإبائها واستكبارها وعبر عن المقامات كلها إلى أن بلغ سدرة منتهاها فأراد أن يقف عندها كجبريل ويقول: "حديث : لو دنوت أنملة لاحترقت"تفسير : عملت له صفة الشيطنة النارية التي لا تبالي بالنار محراقاً من المحبة، فبتلك الصفة أفدى نفسه لنا نور الإلهي وعبر ببذل وجوده عن {أية : نَارُ ٱللَّهِ ٱلْمُوقَدَةُ * ٱلَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى ٱلأَفْئِدَةِ}تفسير : [الهمزة: 6-7]. وبقوله: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ} [سبأ: 13] يشير إلى المادية التي لا نهاية لها التي يأكل منها الأنبياء والأولياء؛ إذ يلبثون عنده، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني"تفسير : {ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً} [سبأ: 13] يشير به إلى شكر داود الروح وسليمان القلب، ومن آله السر والخفي والنفس والبدن، فإن هؤلاء كلهم من متولدات الروح، فشكر البدن: استعمال الشريعة لجميع أعضائه وجوارحه ومحال الحواس الخمس، ولهذا قال: وَ {ٱعْمَلُوۤاْ}. وشكر النفس: بإقامة شرائط التقوى والورع وشكر القلب لمحبة الله وخلوه عن محبة ما سواه. وشكر السر: مراقبة عن التفاته بغير الله، وشكر ببذل وجوده على نار المحبة كالفراش على شعلة الشمعة، وشكر الخفي قبول الفيض بلا واسطة في مقام الوحدة مختفياً بنور الوحدة عن نفسه. وبقوله: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} [سبأ: 13] يشير إلى قلة من يصل إلى مقام الشكورية، وهو الذي يكون شكره، فللعوام شكرهم بالأقوال كقوله: {أية : وَقُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} تفسير : [الإسراء: 111] يريكم آياته وللخواص شكرهم بالأعمال كقوله: {ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً} [سبأ: 13] ولخواص الخواص شكرهم بالأحوال وهو الاتصاف بصفة الشكور، والشكور هو الله لقوله: {أية : إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ}تفسير : [فاطر: 34] بأن يعطي على عمل فان عشر ثواب باق. ثم أخبر عن إخبار إمضاء قضائه على أنبيائه وأوليائه، وبقوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} [سبأ: 14] يشير إلى كمال قدرته وحكمته أنه هو الذي سخر الجن والإنس لمخلوق واحد مثلهم، وهم الألوف الكثيرة والوحوش والطيور، ثم قضى عليه الموت وجعلهم مسخرين لجثة بلا روح، وبحكمته جعل دابة الأرض حيواناً ضعيفاً مثلها دليلاً لهذه الألوف الكثيرة ومن الجن والإنس يدلهم على علم ما لم يعلموا بفعلها، وفيه أيضاً إشارة أنه تعالى جعل فعلها سبباً لإيمان أمة عظيمة وبيان حال الجن أنهم لا يعلمون الغيب لقوله: {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ} [سبأ: 14] أي: حال الجن {أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} [سبأ: 14] وفيه إشارة أخرى أن نبيين من الأنبياء اتكئا على عصوين وهما موسى وسليمان عليهما السلام، فلما قال موسى {أية : هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا}تفسير : [طه: 18] قال ربه {أية : أَلْقِهَا}تفسير : [طه: 19] فلما ألقاها جعلها ثعباناً مبيناً يعني من اتكأ على غير فضل الله ورحمته يكون متكأه ثعباه، ولما اتكأ سليمان على عصاه في قيام ملكه بها فاستمسك بعث الله أضعف دابة وأخسها لإبطال متكئه ومستمسكه ليعلم أن من قام بغيره زال بزواله، وإن كل متمسك غير الله طاغوت من الطواغيت {أية : فَمَنْ يَكْفُرْ بِٱلطَّاغُوتِ وَيْؤْمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لاَ ٱنفِصَامَ لَهَا}تفسير : [البقرة: 256].