Verse. 3618 (AR)

٣٤ - سَبَأ

34 - Saba (AR)

وَلِسُلَيْمٰنَ الرِّيْحَ غُدُوُّہَا شَہْرٌ وَّرَوَاحُہَا شَہْرٌ۝۰ۚ وَاَسَلْنَا لَہٗ عَيْنَ الْقِطْرِ۝۰ۭ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَّعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْہِ بِـاِذْنِ رَبِّہٖ۝۰ۭ وَمَنْ يَّزِغْ مِنْہُمْ عَنْ اَمْرِنَا نُذِقْہُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيْرِ۝۱۲
Walisulaymana alrreeha ghuduwwuha shahrun warawahuha shahrun waasalna lahu AAayna alqitri wamina aljinni man yaAAmalu bayna yadayhi biithni rabbihi waman yazigh minhum AAan amrina nuthiqhu min AAathabi alssaAAeeri

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«و» سخرنا «لسليمان الريح» وقراءة الرفع بتقدير تسخير «غدوها» مسيرها من الغدوة بمعنى الصباح إلى الزوال «شهر ورواحها» سيرها من الزوال إلى الغروب «شهر» أي مسيرته «وأسلنا» أذبنا «له عين القطر» أي النحاس فأجريت ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء وعمل الناس إلى اليوم مما أعطي سليمان «ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن» بأمر «ربه ومن يزغ» يعدل «منهم عن أمرنا» له بطاعته «نذقه من عذاب السعير» النار في الآخرة، وقيل في الدنيا بأن يضربه ملك بسوط منها ضربة تحرقه.

12

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرىء {وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ } بالرفع وبالنصب وجه الرفع ولسليمان الريح مسخرة أو سخرت لسليمان الريح ووجه النصب ولسليمان سخرنا الريح وللرفع وجه آخر وهو أن يقال معناه: {وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ } كما يقال لزيد الدار، وذلك لأن الريح كانت له كالمملوك المختص به يأمرها بما يريد حيث يريد. المسألة الثانية: الواو للعطف فعلى قراءة الرفع يصير عطفاً لجملة إسمية على جملة فعلية وهو لا يجوز أولا يحسن فكيف هذا فنقول لما بين حال داود كأنه تعالى قال ما ذكرنا لداود ولسليمان الريح، وأما على النصب فعلى قولنا: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } كأنه قال: وألنا لداود الحديد وسخرنا لسليمان الريح. المسألة الثالثة: المسخر لسليمان كانت ريحاً مخصوصة لا هذه الرياح، فإنها المنافع عامة في أوقات الحاجات ويدل عليه أنه لم يقرأ إلا على التوحيد فما قرأ أحد الرياح. المسألة الرابعة: قال بعض الناس: المراد من تسخير الجبال وتسبيحها مع داود أنها كانت تسبح كما يسبح كل شيء {أية : وَإِن مّن شَيْء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ } تفسير : [الإسراء: 44]، وكان هو عليه السلام يفقه تسبيحها فيسبح، ومن تسخير الريح أنه راض الخيل وهي كالريح وقوله: {غُدُوُّهَا شَهْرٌ } ثلاثون فرسخاً لأن من يخرج للتفرج في أكثر الأمر لا يسير أكثر من فرسخ ويرجع كذلك، وقوله في حق داود: {وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ } وقوله في حق سليمان: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ } أنهم استخرجوا تذويب الحديد والنحاس بالنار واستعمال الآلات منهما والشياطين أي أناساً أقوياء وهذا كله فاسد حمله على هذا ضعف اعتقاده [و] عدم اعتماده على قدرة الله والله قادر على كل ممكن وهذه أشياء ممكنة. المسألة الخامسة: أقول قوله تعالى: {أية : وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودُ ٱلْجِبَالُ } تفسير : [الأنبياء: 79] وقوله: {أية : وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً } تفسير : [الأنبياء: 81] لو قال قائل ما الحكمة في أن الله تعالى قال في الأنبياء: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودُ ٱلْجِبَالُ } وفي هذه السورة قال: {أية : يٰجِبَالُ أَوّبِي مَعَهُ } تفسير : [سبأ: 10] وقال في الريح هناك وههنا: {وَلِسُلَيْمَـٰنَ } تقول الجبال لما سبحت شرفت بذكر الله فلم يضفها إلى داود بلام الملك بل جعلها معه كالمصاحب، والريح لم يذكر فيها أنها سبحت فجعلها كالمملوكة له وهذا حسن وفيه أمر آخر معقول يظهر لي وهو أن على قولنا: {أَوّبِي مَعَهُ } سيري فالجبل في السير ليس أصلاً بل هو يتحرك معه تبعاً، والريح لا تتحرك مع سليمان بل تحرك سليمان مع نفسها، فلم يقل الريح مع سليمان، بل سليمان كان مع الريح {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ } أي النحاس {وَمِنَ ٱلْجِنّ } أي سخرنا له من الجن، وهذا ينبـىء عن أن جميعهم ما كانوا تحت أمره وهو الظاهر. واعلم أن الله تعالى ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة في حق سليمان عليهما الصلاة والسلام فالجبال المسخرة لداود من جنس تسخير الريح لسليمان، وذلك لأن الثقيل مع ما هو أخف منه إذا تحركا يسبق الخفيف الثقيل ويبقى الثقيل مكانه، لكن الجبال كانت أثقل من الآدمي والآدمي أثقل من الريح فقدر الله أن سار الثقيل مع الخفيف أي الجبال مع داود على ما قلنا: {أَوّبِى } أي سيري وسليمان وجنوده مع الريح الثقيل مع الخفيف أيضاً، والطير من جنس تسخير الجن لأنهما لا يجتمعان مع الإنسان؛ الطير لنفوره من الإنس والإنس لنفوره من الجن، فإن الإنسان يتقي مواضع الجن، والجن يطلب أبداً اصطياد الإنسان والإنسان يطلب اصطياد الطير فقدر الله أن صار الطير لا ينفر من داود بل يستأنس به ويطلبه، وسليمان لا ينفر من الجن بل يسخره ويستخدمه وأما القطر والحديد فتجاذبهما غير خفي وههنا لطيفة: وهي أن الآدمي ينبغي أن يتقي الجن ويجتنبه والاجتماع به يفضي إلى المفسدة ولهذا قال تعالى: {أية : أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ ٱلشَّيـٰطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبّ أَن يَحْضُرُونِ } تفسير : [المؤمنون: 97، 98] فكيف طلب سليمان الاجتماع بهم فنقول قوله تعالى: {مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ } إشارة إلى أن ذلك الحضور لم يكن فيه مفسدة ولطيفة أخرى: وهي أن الله تعالى قال ههنا: {بِإِذْنِ رَبّهِ } بلفظ الرب وقال: {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا } ولم يقل عن أمر ربه، وذلك لأن الرب لفظ ينبـىء عن الرحمة، فعندما كانت الإشارة إلى حفظ سليمان عليه السلام قال: {رَبِهِ } وعندما كانت الإشارة إلى تعذيبهم قال: {عَنْ أَمْرِنَا } بلفظ التعظيم الموجب لزيادة الخوف وقوله تعالى: {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } فيه وجهان أحدهما: أن الملائكة كانوا موكلين بهم وبأيديهم مقارع من نار فالإشارة إليه وثانيهما: أن السعير هو ما يكون في الآخرة فأوعدهم بما في الآخرة من العذاب.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ} قال الزجاج، التقدير وسخرنا لسليمان الريح. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر عنه: «الرِّيحُ» بالرفع على الابتداء، والمعنى له تسخير الريح، أو بالاستقرار، أي ولسليمان الريح ثابتة، وفيه ذلك المعنى الأول. فإن قال قائل: إذا قلت أعطيت زيداً درهماً ولعمرو دينار؛ فرفعته فلم يكن فيه معنى الأول، وجاز أن يكون لم تعطه الدينار. وقيل: الأمر كذا ولكن الآية على خلاف هذا من جهة المعنى، لأنه قد علم أنه لم يسخرها أحد إلا الله عز وجل. {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} أي مسيرة شهر. قال الحسن: كان يغدو من دمشق فَيقِيل بإصْطَخْر، وبينهما مسيرة شهر للمسرع، ثم يروح من إصْطَخر ويبيت بكابُل، وبينهما شهر للمسرع. قال السُّدّيّ: كانت تسير به في اليوم مسيرة شهرين. وروى سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: كان سليمان إذا جلس نصبت حواليه أربعمائة ألف كرسيّ، ثم جلس رؤساء الإنس مما يليه، وجلس سِفْلة الإنس مما يليهم، وجلس رؤساء الجن مما يلي سِفْلة الإنس، وجلس سِفْلة الجن مما يليهم، ومُوكّل بكل كرسيّ طائر لعملٍ قد عرفه، ثم تقلّهم الريح، والطير تظلهم من الشمس، فيغدو من بيت المقدس إلى إصطخر، فيبيت ببيت المقدس، ثم قرأ ابن عباس: «غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ». وقال وهب بن منبّه: ذكر لي أن منزلاً بناحية دِجْلة مكتوباً فيه ـ كتبه بعض صحابة سليمان؛ إمّا من الجن وإما من الإنس ـ: نحن نزلنا وما بنيناه، ومَبْنيّاً وجدناه، غُدُوّنا من إصْطَخْر فَقِلْناه، ونحن رائحون منه إن شاء الله تعالى فبائتون في الشام. وقال الحسن: شغلت سليمانَ الخيلُ حتى فاتته صلاة العصر، فعقر الخيل فأبدله الله خيراً منها وأسرع، أبدله الريح تجري بأمره حيث شاء، غدوّها شهر ورواحها شهر. وقال ابن زيد: كان مستقر سليمان بمدينة تَدْمُر، وكان أمر الشياطين قبل شخوصه من الشام إلى العراق، فبنوها له بالصُّفَاح والعَمَد والرخام الأبيض والأصفر. وفيه يقول النابغة:شعر : إلاّ سليمانَ إذ قال الإلٰه له قُمْ في البرِيّة فاحدُدْها عن الفَنَد وَخَيِّس الجن إني قد أذنت لهم يبنون تَدْمر بالصُّفّاح والعَمَد فمن أطاعك فانفعه بطاعته كما أطاعك وادْلُلْه على الرشد ومن عصاك فعاقِبْه معاقبةً تَنْهَى الظَّلومَ ولا تَقْعُد على ضَمَد تفسير : ووجدت هذه الأبيات منقورة في صخرة بأرض يَشْكُر، أنشأهن بعض أصحاب سليمان عليه الصلاة والسلام:شعر : ونحن ولا حولٌ سوى حولِ ربّنا نروح إلى الأوطان من أرض تَدْمُرِ إذا نحن رُحْنا كان رَيْثُ رواحِنا مسيرةَ شهرٍ والغُدُوُّ لآخَرِ أناسٌ شرَوْا لله طوْعاً نفوسَهم بنصر ابن داودَ النبيِّ المطهَّرِ لهم في معالي الدِّين فضلٌ ورفعة وإن نُسِبُوا يوماً فمن خير مَعْشَرِ متى يركبوا الريح المطيعةَ أسرعتْ مبادِرةً عن شَهْرها لم تُقَصِّرِ تظلّهُم طيرٌ صفوفٌ عليهمُ متى رَفْرَفَتْ من فوقهم لم تُنَفَّرِ تفسير : قوله تعالى: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ} القِطر: النحاس؛ عن ابن عباس وغيره. أسِيلت له مسيرة ثلاثة أيام كما يسيل الماء، وكانت بأرض اليمن، ولم يذب النحاس فيما روي لأحد قبله، وكان لا يذوب، ومن وقته ذاب؛ وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله تعالى لسليمان. قال قتادة: أسال الله عيناً يستعملها فيما يريد. وقيل لعكرمة: إلى أين سالت؟ فقال: لا أدري! وقال ابن عباس ومجاهد والسُّدّي: أجريت له عين الصُّفْر ثلاثة أيام بلياليهن. قال القشيريّ: وتخصيص الإسالة بثلاثة أيام لا يدرى ما حدّه، ولعله وَهْم من الناقل؛ إذ في رواية عن مجاهد: أنها سالت من صنعاء ثلاث ليال مما يليها؛ وهذا يشير إلى بيان الموضع لا إلى بيان المدّة. والظاهر أنه جعل النحاس لسليمان في معدنه عيناً تسيل كعيون المياه، دلالة على نبوّته. وقال الخليل: القِطْر: النحاس المذاب. قلت: دليله قراءة من قرأ: «مِن قِطرٍ آنٍ». {وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ} أي بأمره {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا} الذي أمرناه به من طاعة سليمان. {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} أي في الآخرة، قاله أكثر المفسرين. وقيل ذلك في الدنيا، وذلك أن الله تعالى وكلّ بهم ـ فيما روى السُّدّي ـ مَلكاً بيده سوط من نار، فمن زاغ عن أمر سليمان ضربه بذلك السوط ضربة من حيث لا يراه فأحرقته. و«مَن» في موضع نصب بمعنى وسخرنا له من الجن من يعمل. ويجوز أن يكون في موضع رفع، كما تقدّم في الريح.

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى ما أنعم به على داود، عطف بذكر ما أعطى ابنه سليمان عليهما الصلاة والسلام من تسخير الريح له، تحمل بساطه، غدوها شهر ورواحها شهر. قال الحسن البصري: كان يغدو على بساطه من دمشق، فينزل باصطخر يتغذى بها، ويذهب رائحاً من اصطخر فيبيت بكابل، وبين دمشق واصطخر شهر كامل للمسرع، وبين اصطخر وكابل شهر كامل للمسرع. وقوله تعالى: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ} قال ابن عباس رضي لله عنهما ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني وقتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد: القطر: النحاس. قال قتادة: وكانت باليمن، فكل ما يصنع الناس مما أخرج الله تعالى لسليمان عليه السلام. قال السدي: وإنما أسيلت له ثلاثة أيام. وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ} أي: وسخرنا له الجن يعملون بين يديه بإذن ربه. أي: بقدره وتسخيره لهم بمشيئته ما يشاء من البنايات وغير ذلك {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا} أي: ومن يعدل ويخرج منهم عن الطاعة {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} وهو الحريق. وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا حديثاً غريباً، فقال: حدثنا أبي حدثنا أبو صالح، حدثنا معاوية بن صالح عن أبي الزهراء عن جبير بن نفير، عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء، وصنف حيات وكلاب، وصنف يحلون ويظعنون» تفسير : رفعه غريب جداً. وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا حرملة، حدثنا ابن وهب، أخبرني بكر بن مضر عن محمد بن بحير عن ابن أنعم أنه قال: الجن ثلاثة أصناف: صنف لهم الثواب وعليهم العقاب، وصنف طيارون فيما بين السماء والأرض، وصنف حيات وكلاب. قال بكر بن مضر: ولا أعلم إلا أنه قال: حدثني أن الإنس ثلاثة أصناف: صنف يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة، وصنف كالأنعام بل هم أضل سبيلاً، وصنف في صورة الناس على قلوب الشياطين. وقال أيضاً: حدثنا أبي حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق، حدثنا سلمة، يعني: ابن الفضل، عن إسماعيل عن الحسن قال: الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم، ومن هؤلاء مؤمنون، ومن هؤلاء مؤمنون، وهم شركاؤهم في الثواب والعقاب، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمناً، فهو ولي الله تعالى، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافراً فهو شيطان. وقوله تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَـٰرِيبَ وَتَمَـٰثِيلَ} أما المحاريب، فهي البناء الحسن، وهو أشرف شيء في المسكن وصدره. وقال مجاهد: المحاريب: بنيان دون القصور. وقال الضحاك: هي المساجد، وقال قتادة: هي القصور والمساجد. وقال ابن زيد: هي ا لمساكن. وأما التماثيل، فقال عطية العوفي والضحاك والسدي: التماثيل: الصور. قال مجاهد: وكانت من نحاس. وقال قتادة: من طين وزجاج. وقوله تعالى: {وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَٰسِيَـٰتٍ} الجواب جمع جابية، وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء، كما قال الأعشى ميمون بن قيس:شعر : تروحُ على آلِ المُحَلِّقِ جَفْنَةٌ كجابِيَةِ الشَّيْخِ العِراقِيِّ تَفْهَقُ تفسير : وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: {كَٱلْجَوَابِ} أي: كالجوبة من الأرض. وقال العوفي عنه: كالحياض، وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم. والقدور الراسيات، أي: الثابتات في أماكنها، لا تتحرك ولا تتحول عن أماكنها لعظمها، كذا قال مجاهد والضحاك وغيرهما. وقال عكرمة: أثافيها منها. وقوله تعالى: {ٱعْمَلُوۤاْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْراً} أي: وقلنا لهم: اعملوا شكراً على ما أنعم به عليكم في الدين والدنيا، وشكراً مصدر من غير الفعل، أو أنه مفعول له، وعلى التقديرين فيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول والنية، كما قال الشاعر:شعر : أَفادَتْكُمُ النَّعْماءُ مِنِّي ثلاثَةً: يَدي ولِساني والضَّميرَ المُحَجَّبا تفسير : قال أبو عبد الرحمن السلمي: الصلاة شكر، والصيام شكر، وكل خير تعمله لله عز وجل شكر، وأفضل الشكر الحمد، رواه ابن جرير، وروى هو وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال: الشكر تقوى الله تعالى والعمل الصالح، وهذا يقال لمن هو متلبس بالفعل، وقد كان آل داود عليهم السلام كذلك قائمين بشكر الله تعالى قولاً وعملاً. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن أبي بكر، حدثنا جعفر، يعني: ابن سليمان عن ثابت البناني، قال: كان داود عليه السلام قد جزأ على أهله وولده ونسائه الصلاة، فكان لا تأتي عليهم ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي، فغمرتهم هذه الآية: {1649;عْمَلُوۤاْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ} وفي "الصحيحين" عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «حديث : إن أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه، وأحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود، كان يصوم يوماً، ويفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى».تفسير : وقد روى أبو عبد الله بن ماجه من حديث سنيد بن داود: حدثنا يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : قالت أم سليمان بن داود عليهم السلام لسليمان: يابني لا تكثر النوم بالليل؛ فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيراً يوم القيامة» تفسير : وروى ابن أبي حاتم عن داود عليه الصلاة والسلام ههنا أثراً غريباً مطولاً جداً، وقال أيضاً: حدثنا أبي، حدثنا عمران بن موسى، حدثنا أبو زيد فيض بن إسحاق الرقي قال: قال فضيل في قوله تعالى: {ٱعْمَلُوۤاْ ءَالَ دَاوُودَ شُكْراً} قال داود: يا رب كيف أشكرك، والشكر نعمة منك؟ قال: «حديث : الآن شكرتني حين قلت: أن النعمة مني»تفسير : . وقوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ} إخبار عن الواقع.

المحلي و السيوطي

تفسير : {و} سخَّرنا {لِسُلَيْمَٰنَ ٱلرِّيحَ } وقراءة الرفع بتقدير: تسخير {غُدُوُّهَا } مسيرها من الغدوة بمعنى الصباح إلى الزوال {شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا } سيرها من الزوال إلى الغروب {شَهْرٌ } أي مسيرته {وَأَسَلْنَا } أذبنا {لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ } أي النحاس فأجريت ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء وعمل الناس إلى اليوم مما أعطي سليمان {وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ } بأمر {رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ } يعدل {مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا } له بطاعته {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } النار في الآخرة، وقيل في الدنيا، بأن يضربه ملك بسوط منها ضربة تحرقه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ} أي وسخرنا لسليمان الريح. {غُدُوَّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} قال قتادة: تغدو مسيرة شهر إلى نصف النهار فهي تسير في اليوم الواحد مسيرة شهرين. وقال الحسن: كان يغدو من دمشق فيقبل بإصطخر وبينهما مسيرة شهر للمسرع ويروح فيبيت بكابل وبينهما مسيرة شهر للمسرع. {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ} قال قتادة هي عين بأرض اليمن، قال السدي: سيلت له ثلاثة أيام، قال عكرمة: سال له القطر ثلاثة أيام من صنعاء اليمن كما يسيل الماء. وقال الضحاك: هي عين بالشام. وفي القطر قولان: أحدهما: أنه النحاس، قاله ابن عباس وقتادة والسدي. الثاني: الصَّفر، قاله مجاهد وعطاء وابن زيد. {وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ} يعني أن منهم من سخره الله تعالى للعمل بين يديه، فدل على أن منهم غير مسخر. {بِإِذْنِ رَبِّهِ} أي بأمر ربه. {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا} فيه قولان: أحدهما: يعني عن طاعة الله تعالى وعبادته، قاله يحيى بن سلام. الثاني: عما يأمره سليمان، قاله قتادة: لأن أمر سليمان كان كأمر الله تعالى لكونه نبياً من أنبيائه. {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ السَّعِيرِ} أي النار المسعرة وفيه قولان: أحدهما: نذيقه ذلك في الآخرة، قاله الضحاك. الثاني: في الدنيا، قاله يحيى بن سلام. لأنه لم يكن يسخر منهم إلا الكفار فإذا آمنوا أرسلوا، قال وكان مع المسخرين منهم ملك بيده سوط من عذاب السعير فإذا خالف سليمان ضربه الملك بذلك السوط. قوله عز وجل: {يَعْمَلَونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ} فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها قصور، قاله عطية. الثاني: المساجد، قاله قتادة، والحسن. الثالث: المساكن، قاله ابن زيد. قال أبو عبيدة: محراب الدار أشرف موضع فيها، ولا يكون إلا أن يرتقى إليه. {وَتَمَاثِيلَ} هي الصور، قال الحسن ولم تكن يومئذ محرمة، وفيها قولان: أحدهما: أنها من نحاس، قاله مجاهد. الثاني: من رخام وشبَه، قاله قتادة. ثم فيها قولان: أحدهما: أنها كانت طواويس وعقاباً ونسوراً على كرسيه ودرجات سريره لكي يهاب من شاهدها أن يتقدم، قاله الضحاك. الثاني: صور الأنبياء الذين قبله، قاله الفراء. {وِجِفَانٍ} قال مجاهد: صحاف. {كَالْجَوَابِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: كالحياض، قاله الحسن. الثاني: كالجوبة من الأرض، قاله مجاهد. الثالث: كالحائط، قاله السدي. {وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: عظام، قاله مجاهد. الثاني: أن أثافيها منها، قاله ابن عباس. الثالث: ثابتات لا يزلن عن أماكنهن، قاله قتادة، مأخوذ من الجبال الرواسي لثبوتها وثبوت الأرض بها. قال ابن جريج: ذكر لنا أن تلك القدور باليمن أبقاها الله تعالى آية وعبرة. {اعْمَلُواْ ءَال دَاوُدَ شُكْراً} فيه ستة تأويلات: أحدها: أنه توحيد الله تعالى، قاله يحيى بن سلام. الثاني: تقوى الله والعمل بطاعته، قاله محمد بن كعب. الثالث: صوم النهار وقيام الليل، قاله ابن أبي زياد، فليس ساعة من نهار إلا وفيها من آل داود صائم ولا ساعة من الليل إلا وفيها من آل داود قائم. الرابع: اعملوا من الأعمال ما تستوجبون عليه الشكر، قاله ابن عطاء. الخامس: اذكروا أهل البلاء وسلوا ربكم العافية. السادس: ما حكاه الفضيل أنه لما قال الله تعالى: {اعْمَلُواْ ءَالَ دَاوُدَ شُكْراً} فقال داود إِلهي كيف أشكرك والشكر نعمة منك؟ قاله: "الآنَ شَكَرْتِنِي حِينَ عَلمْتَ أَنَّ النِّعَمَ مِنِّي ". {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: المؤمن، قاله يحيى بن سلام. الثاني: الموحّد، وهو معنى قول ابن عباس. الثالث: المطيع، وهو مقتضى قول محمد بن كعب. الرابع: ذاكر نعمه، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ثم قال: "حديث : ثَلاَثَةٌ مَنْ أُوتِيَهُنَّ فَقَدْ أُتُي مِثْلُ مَا أوتِيَ ءَالُ دَاوُد: العَدْلُ فِي الغَضَبِ وَالرِّضَا، والقَصدُ فِي الفَقْرِ وَالغِنَى، وَخَشَيَةُ اللَّهِ فِي السِّرِ وَالعَلاَنِيَةِ ". تفسير : وفي الفرق بين الشاكر والشكور ثلاثة أوجه: أحدها: أن الشاكر من لم يتكرر شكره والشكور من تكرر شكره. الثاني: أن الشاكر على النعم والشكور على البلوى. الثالث: أن الشاكر خوفه أغلب والشكور رجاؤه أغلب.

ابن عطية

تفسير : قال الحسن: عقر سليمان الخيل أسفاً على ما فوتته من فضل وقت صلاة العصر فأبدله الله تعالى خيراً منها وأسرع الريح تجري بأمره، وقرأ جمهور القراء "الريحَ" بالنصب على معنى ولسليمان سخرنا الريح، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر والأعرج "الريحُ" بالرفع على تقديره تسخرت الريح أو على الابتداء والخبر في المجرور، وذلك على حذف مضاف تقديره ولسليمان تسخير الريح، وقرأ الحسن "ولسليمان تسخير الرياح" وكذلك جمع في كل القرآن، وقوله تعالى: {غدوها شهر ورواحها شهر} قال قتادة معناه أنها كانت تقطع به في الغدو إلى قرب الزوال مسيرة شهر وتقطع به في الرواح من بعد الزوال إلى الغروب مسيرة شهر، فروي عن الحسن البصري أنه قال كان يخرج من الشام من مستقره تدمر التي بنتها له الجن بالصفاح والعمد فيقيل في اصطخر ويروح منها فيبيت في كابل من أرض خراسان ونحو هذا، وكانت الأعصار تقل بساطه وتحمله بعد ذلك الرخاء، وكان هذا البساط من خشب يحمل فيما روي أربعة آلاف فارس وما يشبهها من الرجال والعدد ويتسع بهم، وروي أكثر من هذا بكثير ولكن عدم صحته مع بعد شبهه أوجب اختصاره. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : خير الجيوش أربعة آلاف" تفسير : وما كان سليمان ليعدو الخير، وقرأ ابن أبي عبلة "غدوتها شهر وروحتها شهر" وكان إذا أراد قوماً لم يشعروا به حتى يظلمهم في جو السماء، وقوله تعالى: {وأسلنا له عين القطر}، روي عن ابن عباس وقتادة أنه كانت تسيل له باليمن عين جارية من نحاس يصنع له منها جميع ما أحب، و {القطر}: النحاس، وقالت فرقة {القطر} الفلز كله النحاس والحديد وما جرى مجراه، كان يسيل له منه عيون، وقالت فرقة بل معنى {أسلنا له عين القطر} أذبنا له النحاس عن نحو ما كان الحديد يلين لداود، قالوا وكانت الأعمال تتأتى منه لسليمان وهو بارد دون نار، و {عين} على هذا التأويل بمعنى الذات، وقالوا لم يلن النحاس ولاذاب لأحد قبله، وقوله {من يعمل} يحتمل أن {من} تكون في موضع نصب على الاتباع لما تقدم بإضمار فعل تقديره وسخرنا من الجن من يعمل، ويحتمل أن تكون في موضع رفع على الابتداء والخبر في المجرور، و {يزغ} معناه يمل أي ينحرف عاصياً، وقال {عن أمرنا} يقل عن إرادتنا لأنه لا يقع في العالم شيء يخالف الإرادة، ويقع ما يخالف الأمر، قال الضحاك وفي مصحف عبد الله "ومن يزغ عن أمرنا" بغير {منهم}، وقوله تعالى: {من عذاب السعير} قيل عذاب الآخرة، وقيل بل كان قد وكل بهم ملك وبيده سوط من نار السعير، فمن عصى ضربه فأحرقه به.

ابن عبد السلام

تفسير : {غُدُوُّهَا} إلى نصف النهار شهر {وَرَوَاحُهَا} إلى آخره شهر في كل يوم شهران. قال الحسن: كانت تغدوا من دمشق فيقيل بإصطخر وبينهما مسيرة شهر للمسرع وتروح فيبيت بكابل وبينهما شهر للمسرع {عَيْنَ الْقِطْرِ} سال له القِطر من صنعاء اليمن ثلاثة أيام. كما يسيل الماء، أو هي عين الشام والقطر النحاس "ع"، أو الصفر {بِإِذْنِ رَبِّهِ} بأمر ربه. {يَزِغْ} يمل {عَنْ أَمْرِنَا} طاعة الله ـ تعالى ـ، أو ما يأمر به سليمان عليه الصلاة والسلام لأن أمره كأمر الله {نُذِقْهُ} في الآخرة، أو الدنيا ولم يُسخِّر منهم إلا الكفار فإذا آمنوا تركهم وكان مع المسخرين ملك بيده سوط من عذاب السعير فإذا خالف سليمان ضربه بذلك السوط {السَّعِيرِ} النار المسعورة.

الثعالبي

تفسير : وَقَوْلُه تَعَالَى: {وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرِّيحَ} المَعْنَى: ولسليمانَ سخَّرْنَا الريح، و{غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}. قال قتادة: معناه: إنها كانت تُقْطَعُ بِه فِي الغُدُوِّ إلَى قُرْبِ الزَّوَالِ؛ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَتَقْطَعُ فِي الرَّوَاحِ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ إلى الغُرُوبِ، مسيرةَ شَهْرٍ وَكَانَ سليمانُ إذَا أرادَ قَوْماً لَمْ يَشْعُرُوا حَتَّى يُظِلَّهم في جَوِّ السَّمَاءِ. وقوله تعالى: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ}: قَال ابن عباس، وغيره: كانتْ تَسِيلُ لَهُ باليَمَنِ عَيْنٌ جَارِيَةٌ مِنْ نُحَاسٍ؛ يُصْنَعُ لَهْ مِنْها جَمِيعُ مَا أَحَبَّ، و {ٱلْقِطْرِ}: النُّحَاس، و {يَزِغْ}: معناه: يَمِلْ، أي: يَنْحَرِفُ عاصياً، وقال: {عَنْ أَمْرِنَا} ولم يقل: «عن أرادتنا» لأَنَّهُ لاَ يَقَعُ في العالِم شَيءٌ يخالفُ إرَادتَهُ سُبْحَانه تعالى ويقعُ ما يخالفُ الأَمر، وقوله: {مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} قيل: عذابُ الآخرة. وقيل: بَلْ كَانَ قَدْ وُكِّلَ بهِنْ مَلكٌ بيدِه سَوْطٌ مِن نَارٍ السَّعِيرِ؛ فَمَنْ عَصَى ضَرَبَهُ فَأَحْرَقَهُ، و«الْمَحَارِيبُ»: الأَبْنِيَةُ العَالِيَةُ الشَّرِيفَةُ، قَالَ قَتَادَةُ: القصورُ والمسَاجِدُ والتَّمَاثِيلُ، قِيلَ: كَانَتْ مِن زُجَاجٍ وَنُحَاسٍ تَمَاثِيلُ أَشْيَاءَ لَيْسَتْ بِحَيَوانٍ، «والجوابي»: جَمْعُ جَابِيةٍ وَهِي البِرْكَةُ التي يُجْبَى إلَيْهَا الماءُ و{رَّاسِيَـٰتٍ} مَعْنَاه: ثابتاتُ لِكِبَرهَا، ليستْ مِمَّا يُنْقَلُ أو يُحْمَل ولا يَسْتَطِيعُ عَلَى عَمَلِهِ إلاَّ الجنُّ، ثُمَّ أُمرُوا مَعَ هذهِ النعمِ بأَنْ يَعْمَلُوا بالطَّاعَاتِ، و {شُكْراً} يُحْتَمَلُ نَصْبُه عَلى الحَالِ، أوْ عَلَى جِهَةِ المَفْعُولِ، أي: اعملوا عَمَلاً هو الشكرُ كَأَنَّ العِبَادَاتِ كُلَّها هِي نَفْسُ الشُّكْرِ، وفي الحديث: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَعَدَ المنبرَ فَتَلا هذه الآيةَ، ثم قال: «حديث : ثَلاثٌ من أُوتِيهِنَّ فَقَدْ أُوتِي العَمَلَ شُكْراً: العدلُ في الرضَا والغَضَبِ، والقَصْدُ فِي الفَقْرِ والغِنَى، وخَشْيَةُ اللّهِ فِي السِّرِّ والعَلانِيَة»تفسير : ، وَهَكَذَا نَقَلَ ابنُ العَرَبِيِّ هَذَا الحَدِيثَ فِي «أحْكَامِهِ» وَعِبَارَةُ الدَّاوُوديِّ: عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَرَأَ عَلَى المِنْبَرِ: {ٱعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً}، وَقَالَ: «حديث : ثَلاَثٌ مَنْ أُوتِيَهُنَّ فَقَدْ أُوتِيَ مِثْلَ مَا أُوتِيَ آلُ دَاوُدَ: العَدْلُ فِي الغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالقَصْدُ فِي الفَقْرُ وَالغِنىٰ، وذِكْرُ اللّهِ تَعَالَى فِي السِّرِّ وَالعَلاَنِيَةِ»تفسير : قَال القُرْطُبِي الشُّكْرُ تَقْوَى اللّهِ وَالعَمَلُ بِطَاعَتِهِ انتهى. قالَ ثابتٌ: رُوِيَ أَنَّ دَاوُدَ كَانَ قَدْ جَزَّأَ سَاعَاتِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهِ؛ فَلَمْ تَكُنْ تَأْتِي سَاعَةٌ مِنْ سَاعَاتِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ؛ إلاَّ وَإنْسَانٌ مِنْ آل دَاودَ قَائِمٌ يُصَلِّي؛ يَتَنَاوَبُونَ دَائِماً، وَكانَ سُلَيْمَانُ ـــ عَلَيْهِ السَّلاَم ـــ فيما رُوِيَ ـــ يَأْكُلُ الشَّعِيرَ وَيُطْعِمُ أَهْلَه الخُشْكَارَ، ويُطْعِمُ المسَاكِينَ الدَّرْمَكَ، وَرُوِيَ أَنَّه مَا شبِعَ قَطٍّ، فقيلَ له في ذلك؛ فقال: أخَافُ إنْ شَبِعْتُ أَنْ أنْسَى الجِياعَ. وقَولُه تَعَالى: {وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} يُحْتَمَلُ: أنْ تَكونَ مخَاطَبَةً لآلِ دَاوُدَ، ويحتمل: أنْ تكونَ مخاطبةً لنبيِّنَا محمدٍ صلى الله عليه وسلم وَعَلَى كُلٍّ وَجْهٍ؛ فَفِيهَا تَحْرِيضٌ وَتَنْبِيهٌ، قال ابنُ عَطَاءِ اللّهِ فِي «الحِكَم»: مَنْ لَمْ يَشْكُر النعمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوَالِها، وَمَنْ شَكَرَهَا فَقَدْ قَيَّدَهَا بِعِقَالِها. وقَالَ صَاحِبُ «الكَلِمِ الفَارِقية»: لاَ تَغْفَلْ عَنْ شُكْرِ الصَّنَائِعِ؛ وَسُرْعَةِ ٱسْتِرْجَاعِ الوَدَائِعِ، وَقَالَ أيْضاً: يَا مَيِّتاً نُشِرَ مِنْ قَبْرِ العَدَمْ، بحُكْمِ الجُودِ والكَرَمِ، لاَ تَنْسَ سَوَالِفَ العُهُودِ والذِّمَمِ، اذكُرْ عَهْدَ الإيجَادِ، وَذِمَّةَ الإحْسَانِ والإرْفَادِ، وَحَالَ الإصْدَارِ والإيرَادِ، وفاتحة المَبْدَإِ وَخَاتِمَةَ المَعَادِ، وَقَالَ: ـــ رحمه اللّه ـــ: يَا دَائِمَ الغَفْلَةِ عَنْ عَظَمَةِ رَبِّه، أيْن النَّظَرُ فِي عَجَائِبِ صُنْعِه، والتَّفَكُّرُ فِي غَرَائِبِ حِكْمَتِهِ، أيْنَ شُكْرُ مَا أَفَاضَ عَلَيْكَ مِنْ مَلاَبِسِ إحْسَانِه ونِعَمِهِ، يَا ذَا الفِطْنَةِ، اغْتَنِمْ نِعْمَةَ المُهْلَة، وَفُرْصَةَ المُكْنَةِ، وَخِلْسَةَ السَّلاَمَةِ، قَبْلَ حُلُولِ الحَسْرَةِ وَالنَّدَامَةِ. انتهى.

البقاعي

تفسير : ولما أتم سبحانه ما أراد من آيات داود عليه السلام وختمها بالحديد، اتبعه ابنه سليمان عليه السلام لمشاركته له في الإنابة، وبدأ من آياته بما هو من أسباب تكوينه سبحانه للحديد فقال: {ولسليمان} أي عوضاً من الخيل التي عقرها لله {الريح} أي مسخرة على قراءة شعبة، والتقدير على قراءة الجماعة: سخرناها له حال كونها {غدوها شهر} أي تحمله وتذهب به وبجميع عسكره بالغداة وهي من الصباح إلى نصف النهار مسيرة شهر كان يغدو من إيليا فيقبل بإصطخر {ورواحها} أي من الظهر إلى آخر النهار {شهر} أي مسيرته، فهذه آية سماوية دالة على أنه كما رفع بساط سليمان عليه السلام بما حصل من جنوده وآلاتهم ثم وضعه قادر على أن يضع ما يشاء من السماء فيهلك من تقع عليه، وهذا كما سخر الله الريح للنبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الأحزاب فكانت تهد خيامهم وتكفأ طعامهم وتضرب وجوههم بالحجارة والتراب وهي لا تجاوز عسكرهم إلى أن هزمهم الله بها، وكما حملت شخصين من أصحابة رضي الله تعالى عنهم في غزوة تبوك فألقتهما في جبلي طي، وتحمل من أراد الله من أولياء أمته كما هو في غاية الشهرة ونهاية الكثرة، وأما أمر الإسراء والمعراج فهو من الجلالة والعظم بحيث لا يعلمه إلا الله مع أن الله تعالى صرفه في آيات السماء بحبس المطر تارة وإرساله أخرى. ولما ذكر الريح، أتبعها ما هي من أسباب تكوينه فقال: {وأسلنا له} أي بعظمتنا {عين القطر} أي النحاس أذبناه له حتى صار كأنه عين ماء، وذلك دال على أنه تعالى يفعل في الأرض ما يشاء، فلو أراد لأسالها كلها فهلك من عليها، ولو أراد لجعل بدل الإسالة الخسف والإزالة. ولما ذكر الريح والنحاس الذي لا يذاب عادة إلا بالنار، ذكر ما أغلب عناصرة النار، وهو في الخفة والإقدار على الطيران كالريح فقال: {ومن} أي وسخرنا له من {الجن} أي الذين سترناهم عن العيون من الشياطين وغيرهم {من يعمل} ولما كان قد أمكنه الله منهم غاية الإمكان في غيبته وحضوره قال: {بين يديه} ولما كان ظن ظان أن لهم استبداداً بأعمالهم نفاه بقوله: {بإذن ربه} أي بتمكين المحسن إليه له ولهم بما يريد فعله. ولما قرر سبحانه أن ذلك بإرادته فهو في الحقيقة بأمره، زاد ذلك تقريراً بقوله عاطفاً على ما تقديره: فمن عمل بأمرنا أثبناه جنات النعيم: {ومن يزغ} أي يمل، من زاغ يزيغ ويزوغ {منهم} مجاوزاً وعادلاً {عن أمرنا} أي عن الذي أمرناه به من طاعة سليمان أي أمره الذي هو من أمرنا {نذقه} أي بما لنا من العظمة التي أمكنا سليمان عليه السلام بها مما أمكناه فيه من ذلك {من عذاب السعير *} أي في الدنيا مجازاً وفي الآخؤة حقيقة، وهذا كما أمكن الله نبينا صلى الله عليه وسلم من ذلك العفريت فخنقه وهو بربطه حتى يتلعب به صبيان المدينة، ثم تركه تأدباً مع أخيه سليمان عليهما الصلاة والسلام فيما سأل الله تعالى فيه، وأما الأعمال التي تدور عليها إقامة الدين فأغناه الله فيها عن الجن بالملائكة الكرام، وسلط جمعاً من صحابته رضي الله عنهم على جماعة من مردة الجان منهم أبو هريرة رضي الله عنه لما وكله النبي صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان ومنهم أبي بن كعب رضي الله عنه قبض على شخص منهم كان يسرق من تمره وقال: لقد علمت الجن ما فيهم من هو أشد مني ومنهم معاذ بن جبل رضي الله عنه لما جعله النبي صلى الله عليه وسلم على صدقة المسلمين فأتاه شيطان منهم يسرق وتصور له بصور منها صورة فيل فضبطه به فالتفّت يداه عليه وقال له: يا عدو الله، فشكا إليه الفقر وأخبره أنه من جن نصيبين وأنهم كانت لهم المدينة، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم أخرجهم منها وسأله أن يخلي عنه على أن لا يعود ومنهم بريدة رضي الله عنه، ومنهم أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، ومنهم زيد بن ثابت رضي الله عنه، ومنهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعنهم أجمعين صارع الشيطان فصرعه عمر، ومنهم عمار بن ياسر رضي الله عنه قاتل الشيطان فصرعه عمار، وأدمى أنف الشيطان بحجر، ولذلك وغيره كان يقول أبو هريرة: عمار الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ذكرها كلها البهيقي في الدلائل، وذكرت تخريج أكثرها في كتابي مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور، وأما عين القطر فهي ما تضمنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : أعطيت مفاتيح خزائن الأرض والملك في الدنيا والخلد فيها ثم الجنة فاخترت أن أكون نبياً عبداً أجوع يوماً وأشبع يوماً" تفسير : الحديث، فشمل ذلك من روضة اللؤلؤ الرطب إلى عين الذهب المصفى إلى ما دون ذلك، وروى الترمذي وقال: حسن عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه قال:"حديث : عرض عليّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً، قلت: لا يارب! ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً، أو قال ثلاثاً أو نحو ذلك، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك" تفسير : وللطبراني بإسناد حسن والبيهقي في الزهد وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما حديث : أن إسرافيل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمفاتيح خزائن الأرض وقال: إن الله أمرني أن أعرض عليك أن أسير معك جبال تهامة زمرداً وياقوتاً وذهباً وفضة، فإن شئت نبياً ملكاً وإن شئت نبياً عبداً، فأومأ إليه جبرائيل عليه السلام أن تواضع، فقال نبياً عبداًتفسير : . رواه ابن حبان في صحيحه مختصراً من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وله في الصحيح أيضاً عن جابر بن عبد الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : أوتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق على قطيفة من سندستفسير : . وفي البخاري في غزوة أحد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيحتفسير : . الأرض هذا ما يتعلق بالأرض، وقد زيد صلى الله عليه وسلم على ذلك بأن أيده ربه سبحانه بالتصرف في خزائن السماء تارة بشق القمر، وتارة برجم النجوم، وتارة باختراق السماوات، وتارة بحبس المطر وتارة بإرساله - إلى غير ذلك مما أكرمه الله به. ولما أخبر تعالى أنه سخر له الجن، ذكر حالهم في أعمالهم، دلالة على أنه سبحانه يتصرف في السماء والأرض وما فيهما بما يشاء فقال تعالى: {يعملون له} أي في أي وقت شاء {ما يشاء} أي عمله {من محاريب} أي أبنية شريفة من قصور ومساكن وغيرها هي أهل لأن يحارب عليها أو مساجد، والمحراب مقدم كل مسجد ومجلس وبيت، وكان مما عملوه له بين المقدس جدرانه بالحجارة العجيبة البديعة والرخام الأبيض والأصفر والأخضر، وعمدة بأساطين المها الأبيض الصافي مرصعاً سقوفه وجدرانه بالذهب والفضة والدر والياقوت والمسك والعنبر وسائر الطيب، وبسط أرضه بألواح الفيروزج حتى كان أبهى بيت على وجه الأرض {وتماثيل} أي صوراً حساناً على تلك الأبنية فيها أسرار غريبة كما ذكروا أنهم صنعوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين في أعلاه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان ذراعين، وإذا قعد أظله النسران، ولم تكن التصاوير ممنوعة. ولما ذكر القصور وزينتها، ذكر آلات المأكل لأنها أول ما تطلب بعد الاستقرار في المسكن فقال: {وجفان} أي صحاف وقصاع يؤكل فيها {كالجواب} جمع جابية، وهي الحوض الكبير الذي يجبى إليه الماء، أي يجمع قيل: كان يجلس على الجفنة الواحدة ألف رجل. ولما ذكر الصحاف على وجه يعجب منه ويستعظم، ذكر ما يطبخ فيه طعامها فقال: {وقدور راسيات} أي ثابتات ثباتاً عظيماً بأن لا ينزع عن أثافيها لأنها لكبرها كالجبال. ولما ذكر المساكن وما تبعها، أتبعها الأمر بالعمل إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم ومن تبعه لا يلهيهم ذلك عن العبادة فقال: {اعملوا} أي وقلنا لهم: تمتعوا واعملوا، دل على مزيد قربهم بحذف أداة النداء وعلى شرفهم بالتعبير بالآل فقال: {آل داود} أي كل ما يقرب إلى الله {شكراً} أي لأجل الشكر له سبحانه، وهو تعظيمه في مقابلة نعمه ليزيدكم من فضله أو النصب على الحال أي شاكرين، أو على تقدير: اشكروا شكراً، لأن "اعملوا" فيه معنى "اشكروا" من حيث أن العمل للمنعم شكر له، ويجوز أن تنتصب باعملوا مفعولاً بهم معناه أنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكراً - على طريق المشاكلة {وقليل} أي قلنا ذلك والحال أنه قليل. ولما لم يقتض الحال العظمة لأنها مبالغة في الشكر أليق، اسقط مظهرها فقال: {من عبادي الشكور *} أي المتوفر الدواعي بظاهره وباطنه من قلبه ولسانه وبدنه على الشكر بأن يصرف جميع ما أنعم الله عليه فيما يرضيه، وعبر بصيغة فعول إشارة إلى أن من يقع منه يطلق الشكر كثير، وأقل ذلك حال الاضطرار.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ "‏ولسليمان الريح‏" رفع الحاء‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ولسليمان الريح غدوّها شهر ورواحها شهر‏} ‏قال‏:‏ تغدو مسيرة شهر، وتروح مسيرة شهر في يوم‏. وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه قال‏:‏ الريح مسيرها شهران في يوم‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ إن سليمان عليه السلام لما شغلته الخيل فأتته صلاة العصر غضب لله، فعقر الخيل، فأبدله الله مكانها خيراً منها، وأسرع الريح تجري بأمره كيف شاء، فكان غُدُوُّها شهراً، ورواحها شهراً، وكان يغدو من ايليا فيقيل بقريرا، ويروح من قريرا فيبيت بكابل‏.‏ وأخرج الخطيب في رواية مالك عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه قال‏:‏ كان سليمان عليه السلام يركب الريح من اصطخر، فيتغدى ببيت المقدس، ثم يعود فيتعشى باصطخر‏.‏ وأخرج أحمد في الزهد عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏ {‏غدوها شهر ورواحها شهر‏} ‏ قال‏:‏ كان سليمان عليه السلام يغدو من بيت المقدس فيقيل باصطخر، ثم يروح من اصطخر فيقيل بقلعة خراسان‏. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏وأسلنا له عين القطر‏} ‏ قال‏:‏ النحاس‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله ‏{‏وأسلنا له عين القطر‏}‏ قال‏:‏ أعطاه الله عيناً من صفر، تسيل كما يسيل الماء قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت قول الشاعر‏:‏ شعر : فألقى في مراجل من حديد قدور القطر ليس من البرام تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏وأسلنا له عين القطر‏}‏ قال‏:‏ عين النحاس كانت باليمن، وان ما يصنع الناس اليوم مما أخرج الله لسليمان عليه السلام‏. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وأسلنا له عين القطر‏}‏ قال‏:‏ أسال الله تعالى له القطر ثلاثة أيام يسيل كما يسيل الماء قيل‏:‏ إلى أين‏؟‏ قال‏:‏ لا أدري‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال‏:‏ سيلت له عين من نحاس ثلاثة أيام‏.‏ وأخرج ابن المنذر من طريق ابن جريج عن ابن عباس رضي الله عنهما قال ‏ {‏القطر‏}‏ النحاس‏.‏ لم يقدر عليها أحد بعد سليمان عليه السلام، وإنما يعمل الناس بعد فيما كان أعطى سليمان‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه ‏ {‏عين القطر‏} ‏ قال‏:‏ الصفر‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ ليس كل الجن سخر له كما تسمعون ‏ {‏ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا‏}‏ قال‏:‏ يعدل عما يأمره سليمان عليه السلام‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد ‏ {‏ومن يزغ منهم عن أمرنا‏}‏ قال‏:‏ من الجن‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرّيحَ} أي وسخَّرنا له الرِّيحَ. وقُرىء برفع الرِّيحِ أي ولسليمان الرِّيحُ مسخَّرةٌ، وقُرىء الرِّياحَ {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} أي جريها بالغَداةِ مسيرةُ شهرٍ وجريها بالعَشيِّ كذلك. والجملةُ إما مستأنفةٌ أو حالٌ من الرِّيحِ. وقُرىء غُدوتُها ورَوحتُها. وعن الحسنِ رحمه الله: كان يغدُو أي من دمشقَ فيقيلُ باصطَّخَر ثمَّ يروح فيكون رَوَاحه بكابُلَ وقيل: كان يتغذَّى بالرَّيِّ ويتعشَّى بسمرقندَ. ويُحكى أنَّ بعضَهم رأى مكتوباً في منزلٍ بناحيةِ دِجْلَة كتبه بعضُ أصحابِ سليمانَ عليه السَّلامُ: نحنُ نزلنَاهُ وما بنيناهُ ومبنيًّا وجدناهُ غدونَا من اصطَّخَر فقلناهُ ونحن رائحون منه فبايتونَ بالشَّامِ إنْ شاءَ الله تعالى. {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ} أي النُّحاسَ المُذابَ أسالَه من معدنِه كما آلانَ الحديدَ لدَّاودَ عليهما السَّلامُ فنبع منه نبوعَ الماء من الينبوعِ ولذلك سُمِّي عيناً وكان ذلك باليمنِ وقيل: كان يسيلُ في الشَّهرِ ثلاثةَ أيَّامٍ. وقوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْجِنّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ} إمَّا جملةٌ من مبتدأ وخبرٍ أو مَن يعملُ عطفٌ على الرِّيحَ ومن الجنِّ حالٌ متقدِّمةٌ {بِإِذْنِ رَبّهِ} بأمرِه تعالى كما يُنبىءُ عنه قولُه تعالى: {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا} أي ومَن يعدلْ منهم عمَّا أمرناهُ به من طاعةِ سليمانَ. وقُرىء يُزغ على البناءِ للمفعولِ من أزاغَه {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} أي عذابِ النَّارِ في الآخرةِ. رُوي عن السُّدِّيِّ رحمه الله كان معه مَلكٌ بـيده سَوطٌ من نارٍ كلُّ منِ استعصى عليه ضربَه من حيثُ لا يراه الجنيُّ {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء} تفصيلٌ لما ذُكر من عملِهم وقوله تعالى: {مِن مَّحَـٰرِيبَ} الخ، بـيانٌ لمَا يشاءُ أي من قصورٍ حصينةٍ ومساكنَ شريفةٍ سُمِّيتْ بذلك لأنَّها يُذبُّ عنها ويُحاربُ عليها وقيل: هي المساجدُ {وَتَمَـٰثِيلَ} وصور الملائكةِ والأنبـياءِ عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ على ما اعتادُوه فإنَّها كانتْ تعمل حينئذٍ في المساجدِ ليراها النَّاسُ ويعبدوا مثلَ عباداتِهم. وحرمةُ التَّصاويرِ شرعٌ جديدٌ. ورُوي أنَّهم عملوا أسدينِ في أسفل كرسِّيهِ ونِسرين فوقه فإذا أراد أن يصعدَ بسط الأسدانِ ذراعيهما وإذا قعدَ أضلَّه النَّسرانِ بأجنحتِهما {وَجِفَانٍ} جمع جَفْنةٍ وهي الصَّحفةُ {كَٱلْجَوَابِ} كالحياضِ الكبارِ جمع جابـيةٍ من الجباية لاجتماعِ الماء فيها وهي من الصِّفاتِ الغالبةِ كالدَّابة. وقُرىء بإثبات الياءِ قيل كان يقعدُ على الجفنةِ ألفُ رجلٍ {وَقُدُورٍ رسِيَـٰتٍ} ثابتاتٍ على الأَثَافي لا تنزل عنها لعظمِها {ٱعْمَلُواْ ءالَ دَاوُودُ شَـٰكِراً} حكاية لما قيل لهم وشُكراً نصبٌ على أنَّه مفعولٌ له أو مصدرٌ لاعملُوا لأنَّ العمل للمنعمِ شكرٌ له أو لفعله المحذوفِ أي اشكرُوا شكراً أو حالٌ أي شاكرين أو مفعولٌ به أي اعملُوا شُكراً {وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ} أي المتوفِّرُ على أداءِ الشُّكرِ بقلبه ولسانِه وجوارحِه أكثر أوقاتِه ومع ذلك لا يوفِّي حقَّه لأنَّ التَّوفيقَ للشكرِ نعمةٍ تستدعِي شكراً آخرَ لا إلى نهايةٍ ولذلك قيل: الشَّكورُ من يرى عجزَه عن الشُّكرِ. ورُوي أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ جزَّأَ ساعاتِ اللَّيلِ والنَّهارِ على أهله فلم تكنُ تأتِي ساعةٌ من السَّاعاتِ إلا وإنسانٌ من آلِ داودَ قائمٌ يُصلِّي.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} [الآية: 12]. قال الواسطى رحمة الله عليه: أظهر سلطانه فى سليمان وملَّكه الريح غدوها شهر ورواحها شهر.

القشيري

تفسير : قوله جلّ ذكره: {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}. أي آتينا سليمانَ الريح أي سَخّرناها له، فكانت تحمل بساطة بالغدو مسيرة شهر؛ وبالرواح مسيرةَ شهر. وفي القصة أنه لاحظ يوماً مُلْكَه، فمال الريحُ ببساطه، فقال سليمان للريح: استوِ، فقالت الريح: استوِ أنت، فما دمتَ مستوياً بقلبك كنتُ مستوياً بك، فلما مِلْتَ مِلتُ. قوله جلّ ذكره: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ}. أي وآتيناه ذلك، فكانت الشياطينُ مُسَخَّرةً له، يعملون ما يشاء من الأشياء التي ذكرها سبحانه. قوله جلّ ذكره: {ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ}. أي اعملوا يا آل داود للشكر، فقوله: "شكراً" منصوب لأنه مفعول له. ويقال شكراً؛ منصوب لأَنه مفعول به مثل قوله تعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَـاةِ فَاعِلُونَ}تفسير : [المؤمنين: 4]. وقد مضى طَرَفٌ من القول في الشكر. والشكور كثير الشكر، والأصل في الشكر الزيادة، والشكيرة اسم لما ينبت تحت الأشجار منها، ودابة شكور إذا أظهرت من السِّمَن فوق ما تُعْطَى من العَلَفِ؛ فالشكور الذي يشكر على النعمة فوق ما يشكر أمثالُه وأضرابُه. وإذا كان الناسُ يشكرونه على الرخاء فالشكور يشكره في البلاء. والشاكر يشكر على الَبذْلِ، والشكور على المنع.. فكيف بالبذل؟ والشكور يشكر بقلبه ولسانه وجوارحه ومالِه، والشاكر ببعض هذه. ويقال في {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} قليلٌ مَنْ يأخذ النعمة مني ولا يحملها على الأسباب؛ فلا يشكر الوسائطَ ويشكرني. والأكثرون يأخذون النعمة من الله، ويَجِدُون الخيرَ مِنْ قِبَلهِ ثم يتقلدون المِنَّةَ من غير الله، ويشكرون غيرَ الله.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولسليمان الريح} اى وسخرنا له الريح وهى الصبا {غدوها} اى جريها وسيرها بالغداة اى من لدن طلوع الشمس الى زوالها وهو وقت انتصاف النهار: وبالفارسية [بامداد بردن باد اورا] {شهر} مسيرة شهر اى مسير دواب الناس فى شهر. قال الراغب الشهر مدة معروفة مشهورة باهلال الهلال او باعتبار جزء من اثنى عشر جزأ من دوران الشمس من نقطة الى تلك النقطة. والمشاهرة المعاملة بالشهر كما ان المسانهه والمياومة المعاملة بالسنة واليوم {ورواحها} اى جريها وسيرها بالعشى اى من انتصاف النهار الى الليل: وبالفارسية [ورفتن او شبانكاه] {شهر} مسيرة شهر ومسافته يعنى كانت تسير فى يوم واحد مسيرة شهرين للراكب. والجملة اما مستأنفة او حال من الريح. وعن الحسن كان يغدو بدمشق مع جنوده على البساط فيقيل باصطخر وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع واصطخر بوزن فردوس بلدة من بلاد فارس بناها لسليمان صخر الجنى المراد بقوله {أية : وقال عفريت من الجن} تفسير : ثم يروح اى من اصطخر فيكون رواحه بكابل وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع وكابل بضم الباء الموحدة ناحية معروفة من بلاد الهند وكان عليه السلام يتغدى بالرى ويتعشى بالسمرقند والرى من مشاهير ديار الديلم بين قومس والجبال وسمرقند اعظم مدينة بما وراء النهر اى نهر جيحون و ـ يحكى ان بعضهم رأى مكتوبا فى منزل بناحية دجلة كتبه بعض اصحاب سليمان نحن نزلناه وما بنيناه ومبنيا وجدناه غدونا من اصطخر فقلناه ونحن رائحون عنه فبائتون بالشام ان شاء الله. قال فى كشف الاسرار [كفته اند سفروى از زمين عراق بود تابمرو واز آنجا تاببلخ واز آنجا تادر بلاد ترك شدى وبلاد ترك باز بريدى تازمين جين آنكه سوى راست زجانب مطلع آفتاب بركشتى برساحل دريا تابزمين قندهار واز آنجا تابمكران وكرمان واز آنجا تاباصطخر فارس نزولكاه وى بود يكجند آنجا مقام كردى واز آنجا بامداد برفتى وشبانكاه بشام بودى بمدينه تدمر ومسكن ومستقروى تدمر بود] وكان سليمان امر الشياطين قبل شخوصه من الشام الى العراق فبنوها له بالصفاح والعمد والرخام الابيض والاصفر وقد وجدت هذه الابيات منقورة فى صخرة بارض الشام انشأها بعض اصحاب سليمان شعر : ونحن ولا حول سوى حول ربنا نروح الى الاوطان من ارض تدمر اذا نحن رحنا كان ريث رواحنا مسيرة شهر والغدوّ لآخر اناس شر والله طوعا نفوسهم بنصر ابن داود النبى المطهر متى يركب الريح المطيعة ارسلت مبادرة عن شهرها لم تقصر تظلهمو طير صفوف عليهمو متى رفرفت من فوقهم لم تبتر تفسير : قال مقاتل كان ملك سليمان ما بين مصر وكابل. وقال بعضهم جميع الارض وهو الموافق لما اشتهر من انه ملك الدنيا باسرها اربعة اثنان من اهل الاسلام وهما الاسكندر وسليمان واثنان من اهل الكفر وهما نمرود وبخت نصر [بعض كبار كفته كه سليمان عليه السلام اسبان نيكويى عيب داشت همجون مرغان بايرجون آن قصه فوت نماز بيفتاد تيغ بركشيد وكردن اسبان مى بريد كفتند كه اكنون كه بترك اسبان بكفتى ما باد مركب توكرديم "من كان لله كان الله له" هركه بترك نظر خود بكريد نظر الله بدلش بيوند هيج كس نبود كه بترك جيزى نكفت ازبهر خدا كه نه عوضى به ازانش ندادند مصطفى عليه السلام جعفررا رضى الله عنه بغزو فرستاد وامارت جيش بوى داد لواى اسلام دردست وى بود كفار حمله آوردند ويك دستش بيند اختند لوا بديكردست كرفت يك زخم ديكر برآوزدند وديكردستش بيندا ختند بعد ازان هفتاد ونه زخم برداشت شهيد ازدنيا بيرون شد اورا بخواب ديدندكه "ما فعل الله بك" كفت "عوّضنى الله من اليدين جناحين اطير بهما فى الجنة حيث اشاء مع جبريل وميكائيل" اسما بنت عميس كفت رسول خدا ايستاده كفتم "على من ترد السلام يا رسول الله" جواب سلام كه ميدهى هح كس را نمى بينم كه برتوسلام ميكند كفت "ان جعفر بن ابى طالب مرمع جبريل وميكائيل" اى جعفر دست بدادى اينك برجزاى تو آى سليمان اسبان بدادى اينك اسبان در بر وبحر حمال تو اى محب صادق اكر بحكم رياضت ديده فدا كردى وجشم نثار اينك لطف ماديده تو وفضل ما سمع تو وكرام ما جراغ ومشع تو "فاذا احببته كنت له سمعا يسمع بى وبصرا يبصر بى ويدا يبطش بى" اول مرد كويند شود بس داننده شود بس رونده شود بس برنده شود اى مسكين ترا هركز آرزوى آن نبودكه روزى مرغ دلت ازقفس ادبار نفس خلاص يابد وبرهواى رضاى حق برواز كند بجلال قدر بارخدا كه جزنواخت "اتيته هرولة" استقبال تو نكند] شعر : جه مانى بهر دارى جو زاغان اندرين بستى قفس بشكن جو طاوسان يكى بربر برين بالا تفسير : قفس قالب است وامانت مرغ جان برا وعشق برواز او ارادات افق او غيب منزل او در دركاه كه مرغ امانت ازين قفس بشريت برافق غيب بروازكند كروبيان عالم قدس دستها بديده خويش بازنهندتا از برق اين جمال ديدهاى ايشان نسوزد]. وفى التأويلات النجمية يشير قوله {ولسليمان الريح} الى آخره الى القلب وسيره الى عالم الارواح وسرعته فى السير للطافته بالنسبة الى كثافة النفس وابطائها فى السير وذلك لان مركب النفس فى السير البدن وهو كثيف بطيئ السير ومركب القلب فى السير هو الجذبة الالهية وهى من صفات لطفه كما قال عليه السلام "حديث : قلوب العباد بيد الله يقلبها كيف يشاء" تفسير : وتقليبها الى الحضرة برياح العناية واللطف كما قال عليه السلام "حديث : قلب المؤمن كريشة فى فلاة يقلبها الريح ظهرا لبطن وبطنا لظهر" تفسير : وهو حقيقة قوله ولسليمان الريح اى لسليمان القلب سخرنا ريح العناية ليسير بها وهو ابن داود الروح وبساطه الذى كان مجلسه ويجرى به الريح هو السر ولهذا المعنى قيل ان سليمان فى سيره لاحظ ملكه يوما فمال الريح ببساطه فقال سليمان للريح استوى فقالت الريح استو انت مادمت مستويا بقلبك كنت مستوية ملت فملت كذلك حال السر والقلب وريح العناية اذا زاغ القلب ازاغ الله بريح الخذلان بساط السر فان الله تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بانفسهم انتهى: وفى المثنوى شعر : همجنين تاج سليمان ميل كرد روز روشن را بروجون ليل كرد كفت تاجا كزمشو برفرق من آفتمابا كم مشو از شرق من راست مى كرد او بدست آن تاج را باز كز مى شد بروتاج اى فتى هشت بارش راست كرد وكشت كز كفت تاجاجيست آخر كز مغز كفت اكر صدره كنى تو راست من كز روم جون كزروى اى مؤتمن بس سليمان اندرون وراست كرد دل بر آن شهرت كه بودش كرد سرد بعد ازان تاجش همان دم راست شد آنجنانكه تاج را ميخواست شد بس ترا هرغم بيش آيد زدرد بركسى تهمت منه برخويش كرد تفسير : ـ حكى ـ ان رجلا سقاء بمدينة بخارى كان يحمل الماء الى دار صائغ مدة ثلاثين سنة وكان لذلك الصائغ زوجة صالحة فى نهاية الحسن والبهاء فجاء السقاء على عادته يوما واخذ بيدها وعصرها فلما جاء زوجها من السوق قالت ما فعلت اليوم خلاف رضى الله تعالى فقال ما صنعت شيئا فالحت عليه فقال جاءت امرأة الى دكانى وكان عندى سوار فوضعته فى ساعدها فأعجبنى بياضها فعصرتها فقالت الله اكبر هذه حكمة خيانة السقاء فقال الصائغ ايتها المرأة انى تبت فاجعلينى فى حل فلما كان الغد جاء السقاء وتاب وقال يا صاحبة المنزل اجعلينى فى حل فان الشيطان قد اضلنى فقالت امض فان الخطأ لم يكن الا من الشيخ الذى فى الدكان فانه لما غير حاله مع الله بمس الاجنبية غير الله حاله معه بمس الاجنبى زوجته ومثل ذلك من عدل الله تعالى والله تعالى غيور اذا رأى عبده فيما نهاه يواخذه بما يناسب حاله وفعله فاذا عرف العبد ان الحال هذا وجب عليه ان يترك الجفاء والاذى ويسلك طريق العدل والانصاف ولا يأخذ سمت الجور والاعتساف والشقاق والخلاف {واسلنا له عين القطر} اى اذبنا واجرينا لسليمان عين النحاس المذاب اساله من معدنه كما الان الحديد لداود فنبع منه نبوع الماء من الينبوع ولذلك سمى عينا: وبالفارسية [وجارى كرديم براى سليمان جشمه مس كداخت راتا از معدن بيرون آمدى جون آب روان وازان مس هرجه ميخواست ميساخت وآن در موضعى بود ازيمن بقرب صنعاء]. قال فى كشف الاسرار لم يعمل بالنحاس قبل ذلك فكل ما فى ايدى الناس ومن النحاس فى الدنيا من تلك العين. يقول الفقير يرد عليه ان فى بعض البلاد معدن النحاس يلتقط جوهره منه اليوم يذاب ويعمل فكيف يكون ما فى ايدى الناس مما اعطى سليمان الا ان يقال ان اصله كان من تلك العين كما ان المياه كلها تخرج من تحت الصخرة فى بيت المقدس على ما ورد فى بعض الآثار {ومن الجن من يعمل بين يديه} جملة من مبتدأ وخبر. يعنى [از طائفه جن است كسى كه كار كردى بيش سليمان] {باذن ربه} بامره كما ينبئ عنه قوله تعالى {ومن يزغ منهم عن امرنا} الزيغ الميل عن الاستقامة اى من يعدل من الجن ويمل عما امرناه به من طاعة سليمان ويعصه {نذقه} [بجشانيم اورا] {من عذاب السعير} اى عذاب النار فى الآخرة ـ وروى ـ عن السدى انه كان معه ملك بيده سوط من نار كلما استعصى عليه الجنى ضربه من حيث لا يراه ضربة احرقته بالنار. وفيه اشارة الى تسخير الله لسليمان صفات الشيطنة كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم "حديث : ان الله سلطنى على شيطانى فاسلم على يدى فلا يأمرنى الا بخير" تفسير : فاذا كانت القوى الباطنة مسخرة كانت الظاهرة الصورية ايضا مسخرة فتذهب الظلمة ويجيئ النور ويزول الكدر ويحصل السرور وهذا هو حال الكمل فى النهايات

ابن عجيبة

تفسير : قلت: "الريح": مفعول بمحذوف، أي: وسخرنا له الريح، ومَن رفعه؛ فمبتدأ تقدّم خبره. يقول الحق جلّ جلاله: {و} سخرنا {لسليمانَ الريحَ} وهي الصبا، {غُدُوُّها شهرٌ ورَوَاحُهَا شهرٌ} أي: جريها بالغد مسيرة شهر، إلى نصف النهار، وجريها بالعشي كذلك. فتسير في يوم واحد مسيرة شهرين. وكان يغدو من دمشق، مكان داره، فيقيل بإصطخر فارس، وبينهما مسيرة شهر، ويروح من إصطخر فيبيت بكابُل، وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع. وقيل: كان يتغذّى بالريّ، ويتعشّى بسمرقند. وعن الحسن: لَمَّا عقر سليمان الخيل، غضباً لله تعالى، أبدله الله خيراً منها الريح، تجري بأمره حيث شاء، غدوها شهر ورواحها شهر. هـ. قال ابن زيد: كان لسليمان مركب من خشب، وكان فيه ألف ركن، في كل ركن ألف بيت معه، فيه الجن والإنس، تحت كل ركن ألف شيطان، يرفعون ذلك المركب، فإذا ارتفع أتت الريح الرخاء فتسير به وبهم. قلت: وقد تقدّم أن العاصفة هي التي ترفعه، والرخاء تسير به، وهو أصح. ثم قال: فتقيل عند قوم، وتُمسي عند قوم، وبينهما شهر، فلا يدري القوم إلا وقد أظلّهم، معه الجيوش. ويُروى أن سليمان سار من أرض العراق، فقال بمدينة مرو، وصلّى العصر بمدينة بلخ، تحمله الريح، وتظله الطير، ثم سار من بلخ متخللاً بلاد الترك، ثم سار به إلى أرض الصين، ثم عطف يُمنة على مطلع الشمس، على ساحل البحر، حتى أتى أرض فارس، فنزلها أياماً، وغدا منها فقال بكسكر، ثم راح إلى اليمن، وكان مستقره بها بمدينة تدْمُر، وقد كان أمر الشياطين قبل شخوصه من الشام إلى العراق، فبنوها له بالصفاح، والعُمد، والرخام الأبيض والأصفر. هـ. قلت: وذكر أبو السعود في سورة "ص" أنه غزا بلاد المغرب الأندلسي وطنجة وغيرهما، والله تعالى أعلم. ووُجدت هذه الأبيات منقورة في صخرة بأرض كسكر، أنشأها بعض أصحاب سليمان عليه السلام: شعر : وَنَحْنُُ ولا حَوْلَ سِوََى حَوْلِ رَبّّنا نَرُوحُ إلى الأَوْطَانِ من أرضِ كسْكَر إذ نَحْنُ رُحْنا كان رَيْثُ رَوَاحنا مسِيرة شهرٍ والغدو لآخرِ أُناسٌ أعزَّ اللهُ طوعاً نفوسَهُم بنصر ابن داودَ النبيِّ المُطَهَّر لَهُمْ في مَعَالِي الدِّين فَضْلٌ ورفعةٌ وإن نُسِبُوا يوماً فَمِنْ خَيْر مَعْشَر متى يركب الريحَ المُطِيعةَ أسرَعَتْ مُبَادِرةً عن شهرهَا لم تُقَصِّر تُظِلُّهُم طيْرٌ صُفُوفٌ عَلَيْهِمُ مَتى رَفْرَفَتْ مِن فوقِهِمْ لمْ تُنْفرِ تفسير : قال القشيري: وفي القصة أنه لاحظ يوماً مُلْكَه، فمال الريحُ، فقال له: استوِ، فقال له ما دمت أنت مستوياً بقلبك كنتُ مستوياً لك، فحيث مِلْتَ مِلتُ. هـ. ثم قال: {وأسَلْنَا له عينَ القِطْرِ} أي: معدن النحاس. والقطر: النحاس، وهو الصُفر، ولكنه أذابه له، وكان يسيل في الشهر ثلاثة أيام، كما يسيل الماء. وكان قبل سليمان لا يذوب. قال ابن عباس: كانت تسيل له باليمن عين من نحاس، يصنع منها ما أحب. وقيل: القطر: النحاس والحديد، وما جرى مجرى ذلك، كان يسيل له منه عيون. وقيل: ألانه كما ألان الحديد لأبيه، وإنما ينتفع الناسُ اليوم بما أجرى الله تعالى لسليمان، كما قيل. {و} سخرنا له {من الجنِّ من يعملُ بين يديه} ما يشاء {بإِذنِ ربه} أي: بأمر ربه، {ومن يزغْ منهم عن أمرنا} أي: ومَن يعدل منهم عن أمرنا الذي أمرنا به من طاعة سليمان {نُذقه من عذاب السعير} عذاب الآخرة. وقيل: كان معه ملك بيده سوط من نار، فمَن زاغ عن طاعة سليمان ضربه بذلك ضربة أحرقته. {يعملون له ما يشاءُ من محَاريبَ} أي: مساجد، أو مساكن وقصور، والمحراب: مقدم كل مسجد ومجلس وبيت. {وتماثيلَ} صور الملائكة والأنبياء، على ما اعتادوا من العبادات، ليراها الناس، فيعبدوا نحو عبادتهم. صنعوا له ذلك في المساجد، ليجتهد الناس في العبادة. أو: صور السباع والطيور، رُوي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كُرسيه، ونسْريْن فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسطَ الأسدان له ذرَاعيهما، وإذا قعد أظلّه النسران بأجنحتهما. وكان التصوير مباحاً. {وجِفانٍ} وصحاف، جمع: جفنة، وهي القصعة، {كالجَوَاب} جمع جابية، وهي الحياض الكبار. قيل: كان يقعد على الجفنة ألف رجل، يأكون بين يديه، {وقدور راسياتٍ} ثابتات على الأثافي، لا تنزل؛ لِعظمها، ولا تعطل؛ لدوام طبخها. وقيل: كان قوائمها من الجبال، يصعد إليها بالسلالم، وقيل: باقية باليمن. وقلنا: {اعملوا آلَ داودَ شُكراً} أي: اعملوا بطاعة الله، واجهدوا أنفسكم في عبادته، شكراً لِما أولاكم من نعمه. قال ثابت: كان داود جزأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم تكن تأتي ساعة من ساعات الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يُصلّي. هـ. وقال سعيد بن المسيب: لما فرغ سليمان من بيت المقدس انغلقت أبوابه، فعالجها، فلم تنفتح، حتى قال: بصلوات آل داود إلا فُتحت الأبواب، ففتحت، ففرغ له سليمان عشرة آلاف من قراء بني إسرائيل؛ خمسة آلاف بالليل، وخمسة آلاف بالنهار، فلا تأتي ساعة من ليل ولا نهار إلا والله عزّ وجل يُعبد فيها. هـ. وعن الفضيل: {اعملوا آل داود} أي: ارحموا أهل البلاء، وسلوا ربكم العافية. و {شكراً}: مفعول له، أو حال، أي: شاكرين، أو مصدر، أي: اشكروا شكراً؛ لأن "اعملوا" فيه معنى اشكروا، من حيث إن العمل للنعم شكرٌ، أو: مفعول به، أي: إنَّا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم، فاعملوا أنتم شكراً. {وقليل من عباديَ الشكورُ} يحتمل أن يكون من تمام الخطاب لداود عليه السلام، أو خطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم. والشكور: القائم بحق الشكر، الباذل وسعه فيه، قد شُغل به بقلبه ولسانه وجوارحه في أكثر أوقاته، اعتقاداً واعترافاً وكدحاً. وعن ابن عباس: هو مَن يشكر على أحواله كلها. وقيل: مَن شكر على الشكر، ومَن يرى عجزه عن الشكر. قال البيضاوي: لأن توفيقه للشكر نعمة، فتقتضي شكراً آخر، لا إلى نهاية، ولذلك قيل: الشكور مَن يرى عجزه عن الشكر. هـ. الإشارة: وسخرنا لسليمان ريح الهداية، تهب بين يديه، يُهتدى به مسيرة شهر وأكثر، وأسلنا لوعظه وتذكيره العيون الجامدة، فقطرت بالدموع خُشوعاً وخضوعاً. وكل مَن أقبل على الله بكليته سخرت له الكائنات، جنها وإنسها، يتصرف بهمته فيها. فحينئذ يقال له ما قيل لآل داود: اعملوا آل داود شكراً. قال الجنيد: الشكر: بذل المجهود بين يدي المعبود. وقال أيضاً: الشكر ألا يُعصى الله بنعمه. والشكر على ثلاثة أوجه: شكر بالقلب، وشكر باللسان، وشكر بسائر الأركان. فشكر القلب: أن يعتقد أن النعم كلها من الله، وشكر اللسان: الثناء على الله وكثرة المدح له، وشكر الجوارح: أن يعمل العمل الصالح. وسئل أبو حازم: ما شكر العينين؟ قال: إذا رأيت بهما خيراً أعلنته، وإذا رأيت بهما شرًّا سترته، قيل: فما شكر الأذنين؟ قال: إذا سمعت بهما خيراً وعيته، وإذا سمعت بهما شرًّا دفنته، قيل: فما شكر اليدين؟ قال: ألا تأخذ بهما ما ليس لك، ولا تمنع حقًّا هو لله فيهما، قيل: فما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفلُه صبراً، وأعلاه علماً، قيل: فما شكر الفرج؟ قال: كما قال الله تعالى: {أية : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ}تفسير : [المؤمنون: 5] الآية، قيل: فما شكر الرجلين؟ قال: إن رأيت شيئاً غبطته استعملتهما، وإن رأيت شيئاً مقته كفقتهما. هـ. والناس في الشكر درجات: عوام، وخواص، وخواص الخواص. فدرجة العوام: الشكر على النِّعم، ودرجة الخواص: الشكر على النِّعم والنقم، وعلى كل حال، ودرجة خواص الخواص: أن يغيب عن النِعم بمشاهدة المُنعم. قال رجل لإبراهيم بن أدهم: إن الفقراء إذا أُعطوا شكروا، وإذا مُنعوا صبروا، فقال: هذه أخلاق الكلاب عندنا، ولكن الفقراء إذا مُنعوا شكروا، وإذا أُعطوا آثروا. هـ. وهذان الآخران يصدق عليهما قوله تعالى: {وقليل من عبادي الشكور}، وخصه القشيري بالقسم الثالث، فقال: فكان الشاكر يشكر على البَذْلِ، والشكور على المنع، فكيف بالبذل؟ ثم قال: ويقال في {قليل من عبادي الشكور}: قليل مَن يأخذ النعمة مني، فلا يحملها على الأسباب، فيشكر الوسائط ولا يشكرني. وفي الحِكَم: "مَن لم يشكر النعم فقد تعرّض لزوالها، ومَن شكرها فقد قيّدها بعقالها". فالشكر قيد الموجود، وصيد المفقود. والله تعالى أعلم. ثم ذكر موت سليمان عليه السلام فقال: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ...}

الطوسي

تفسير : خمس آيات شامي، لانهم عدوا {عن يمين وشمال} وأربع في ما عداه، لانهم لم يعدوا ذلك. قرأ نافع {من ساته} بغير همز. الباقون {من سأته} بالهمزة. وقرأ الكسائي وحده {مسكنهم} بكسر الكاف. وقرأ حمزة بفتحها. الباقون {مساكنهم} على الجمع. ونصب الريح في قوله {ولسليمان الريح} على تقدير: وسخرنا لسليمان الريح. وقرأ ابو بكر عن عاصم بضم الحاء، والمعنى في ذلك أنه اضاف الريح اليه إضافة الملك يصرفه كيف شاء. وقوله {غدوها شهر ورواحها شهر} قال قتادة: كان مسيرها به إلى انتصاف النهار مقدار مسير شهر {ورواحها شهر} من انتصاف النهار إلى الليل - في مقدار مسير شهر - وقال الحسن كان يغدو من الشام إلى بيت المقدس، فيقيل باصطخر من ارض اصبهان ويروح منها، فيكون بكابل. وقوله {وأسلنا له عين القطر} قال ابن عباس وقتادة: أذبنا له النحاس والقطر النحاس. ثم قال {ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه} أي بأمر الله {ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير} معناه من يعدل من هؤلاء الجن الذين سخرناهم لسليمان حتى يعملوا بين يديه عما أمرهم الله به من طاعته {نذقه من عذاب السعير} يعني عذاب النار تقول: زاغ يزيغ زيغاً وأزاغه إزاغة. ثم اخبر تعالى ان الجن الذين سخرهم الله لسليمان {يعملون له ما يشاء من محاريب} قيل: معناه شريف البيوت. وقال قتادة: قصور ومساجد، قال المبر: لا يسمى محراباً إلا ما يرتقى اليه بدرج، لقوله {أية : إذ تسوروا المحراب} تفسير : قال عدى بن زيد: شعر : كدمي العاج في المحاريب أو كالـ ـبيض في الروض زهره مستنير تفسير : وقال وضاح اليمن: شعر : ربة محراب إذا جئتها لم القها أو ارتقي سلما تفسير : و {تماثيل} جمع تمثال وهو صورة. فبين أنهم كانوا يعملون أي صورة أرادها سليمان. وقال قوم: كانوا يعملون له صورة الملائكة. وقال آخرون: كانوا يعملون له صورة السباع والبهائم على كرسيه ليكون أهيب له، فذكر أنهم صوروا أسدين وفوق عمودي الكرسي نسرين، فكان إذا أراد صعود الكرسي بسط له الأسد ذراعه، فاذا علا فوق الكرسي نشر النسران جناحيهما، فظللا عليه لئلا يسقط عليه شيء من الشمس، ويقال: إن ذلك ممالا يعرفه أحد من الناس، فلما حاول بخت نصر صعود الكرسي بعد سليمان حين غلب على بني إسرائيل لم يعرف كيف كان يصعد سليمان، فرفع الأسد ذراعه فضرب ساقه فقدها فوقع مغشياً عليه، فما جسر أحد بعده أن يصعد على ذلك الكرسي. {وجفان كالجواب} واحدها جفنة وهي القصعة الكبيرة، والجوابي جمع جابية، وهي الحوض الذي يجئ الماء فيه، قال ابو علي النحوي: إثبات الياء مع الألف واللام أجود، وحذفها يجوز، وقال الاعشى في جفنة: شعر : تروح على آل المحلق جفنة كجابية الشيخ العراقي تفهق تفسير : وقال آخر: شعر : فصبحت جابية صها وجا كانه جلد السماء خارجا تفسير : وقال ابن عباس: الجوابي الحياض {وقدور راسيات} يعني عاليات ثابتات لا تنزل، ثم نادى آل داود وأمرهم بالشكر على ما أنعم عليهم من هذه النعمة العجيبة التي أنعم بها عليهم، لأن نعمته على داود نعمة عليهم، فقال {اعملوا آل داود شكراً} ثم قال تعالى {وقليل من عبادي الشكور} أي من يشكر نعمي قليل، والاكثر يجحدون نعم الله لجهلهم به، وتركهم معرفته. ثم اخبر تعالى أنه لما قضى على سليمان الموت وقدره عليه وقبضه اليه لم يعلموا بذلك من حاله حتى دلهم على موته دابة الارض وهي الأرضة، فأكلت عصاه فانكسرت، فوقع لأنه روي أنه قبض وهو في الصلاة، وكان قال للجن اعملوا ما دمتم تروني قائماً، واتكأ على عصاه من قيام، وقبضه الله اليه وبقي مدة فيجيء الجن فيطالعونه فيرونه قائماً فيعودون فيعملون إلى أن دبت الأرضة فاكلت عصاه فوقع وخر، فعلموا حينئذ موته وتبينت الجن أن لو كانوا يعلمون ما غاب عنهم من موت سليمان لم يلبثوا في العذاب الذي أهانهم وأذلهم والمنسأة العصا الكبيرة التي يسوق بها الراعي غنمه قال أبو عبيدة: معنى {تبينت الجن} أي أبانت الجن للناس {أن لو كانوا} الجن {يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين} والمنسأة أصلها الهمزة من نسأت إلى سقت، وقد يترك الهمز، قال الشاعر: شعر : إذا دببت على المنساة من هرم فقد تباعد عنك اللهو والغزل تفسير : إلا أنه يترك همزها، كما يترك في (البرية) وهي من برأت، وقيل: إنه كان متوكئا على عصاه سنة لا يدرك أنه مات. وقيل: المعنى {فلما خر تبينت} جماعة من عوام {الجن} أغواهم مردتهم أن المتمردين {لو كانوا يعلمون الغيب} لأنهم كانوا يقولون لهم نحن نعلم الغيب، وفي قراءة أهل البيت {فلما خر تبينت الإنس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين} قالوا: لان الجن كانت تعلم أنها لا تعلم الغيب قبل ذلك. وإنما تبينت الانس ذلك من حال الجن. ثم اخبر تعالى فقال {لقد كان لسبأ في مسكنهم آية} أي دلالة وعلامة فـ (سبأ) قيل: إنه ابو عرب اليمن كلها، فقد تسمى به القبيلة نحو هذه تميم. فمن قرأ على التوحيد، فلأنه يدل على القليل والكثير. ومن جمع أراد المساكن المختلفة، والفرق بين فتح الكاف وبين كسرها في (مسكنهم) أن الفتح تفيد المصدر، والكسر تفيد الموضع، وقيل: إنهما لغتان في الموضع. والآيتان قيل: إنهم لم يكن بينهم شئ من هوام الأرض، نحو البق والبرغوث والعقرب وغير ذلك. وكان الغريب إذا دخل بلدهم وفي ثيابه قمل متن فهذه آية. والثانية أن المرأة كانت تأخذ على رأسها مكتلا فيمتلئ بالفواكه من غير أن تمس بيدها شيئاً، ثم فسر الآيتين فقال {جنتان} أي هي جنتان. {عن يمين وشمال} قيل: عن يمين الوادي وشماله. {كلوا من رزق ربكم} أي كلوا من رزق الله الذي رزقكم في هاتين الجنتين، فلفظه لفظ الأمر والمراد به الاباحة {واشكروا له} هذه النعمة التي انعم بها عليكم. ثم بين أن تلك الجنتين {بلدة طيبة} التربة. وقيل البلدة الطيبة صنعاء أرضها طيبة ليس فيها سبخة و {رب غفور}.

الأعقم

تفسير : {ولسليمان الريح} أي وسخرنا لسليمان {غدّوها شهر} أي سيرتها في غدوها إلى انتصاف النهار مسيرة شهر، وكذلك رواحها مسيرة شهر كل يوم مسيرة شهرين {وأسلنا له عين القطر} عين النحاس، وقيل: سيل في الشهر ثلاثة أيام، وروي أنه سال في اليمن {ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه} أي من الجن من سخرنا له بأمر الله {ومن يزغ منهم} ومن يعدل {عن أمرنا} الذي أمرنا به {نذقه من عذاب السعير} عذاب الآخرة، وروي أنه كان معه ملك بيده سوط من نار كلما استعصى عليه ضربه من حيث لا يراه الجني {يعملون له ما يشاء من محاريب} المساكن والمجالس الشريفة، وقيل: هي المساجد {وتماثيل} صور الملائكة والنبيين والصالحين، وكانت تعمل المحاريب من نحاس وصفر وزجاج ورخام ويجوز أن يكون غير صور الحيوان كصور الأشجار وكانت جائز في شريعته {وجفان} هي القصاع الكبار الذي يوكل فيه {كالجواب} قيل: الحياض، وقيل: كحياض الابل، وقيل: كان يجمع على كل جفنة ألف رجل {وقدور راسيات} ثابتات لا تحمل عن مكانها، وقيل: كانت عظيمة كالجبال {اعملوا آل داوود شكراً} يعني اشكروا الله على هذه النعمة {وقليل من عبادي الشكور} يعني المؤمنين الذي يشكر الله قليل {فلما قضينا عليه الموت} أوجبنا عليه الموت على سليمان {ما دلهم على موته} أي ما دل الجن على موت سليمان {إلا دابة الأرض تأكل منسأته} أي عصاه {فلما خرّ} سقط {تبيّنت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين} وقرأ ابن مسعود: تبينت الانس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب، وروي أنه كان من عبادة سليمان أن يعتكف في بيت المقدس المدد الطوال، فلما دنا أجله لم يصبح إلاَّ رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله سبحانه فسألها لأي شيء أنت؟ فتقول: لكذا، حتى أصبح ذات يوم فرأى الخروبة، فسألها فقالت: نبتّ لخراب هذا المسجد، فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حيٌ أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائط له وقال: اللهم عمّ على الجن موتي حتى يعلم الناس أنهم لا يعلمون الغيب، وقال لملك الموت: إذا أمرت بي فأعلمني، فقال: أمرت بك وقد بقي من عمرك ساعة، فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب، وقام يصلي متكئاً على عصاه فقبض روحه وهو متكئ عليها، فمر به شيطان فلم يسمع صوته، فنظر فإذا سليمان قد خرّ ميتاً، ففتحوا عليه فإذا العصا قد أكلتها الأرضة، وأرادوا أن يعرفوا ذلك فوضعوا الأرض على العصا فأكلت منها يوم وليلة مقداراً فحسبوه فوجدوه قد مات منذ سنة وكانوا يعملون بين يديه ويحسبونه حيّاً، فأيقن الناس أنهم لو علموا الغيب ما لبثوا في العذاب المهين سنة، وروي أن سليمان ملك الأمر وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فبقي في ملكه أربعين سنة، ثم ذكر ما أنعم به على سبأ وكانوا بنعمة، وروي أن الله بعث اليهم ثلاثة عشر نبياً يدعونهم إلى الله تعالى ويذكرونهم نعمته عليهم فكذبوهم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ} أي: وسخرنا لسليمان الريح {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}. ذكر الحسن أنه كان يغدو من بيت المقدس فيقيل بإصطخر، فيروح منها فتكون روحته إلى كابل. وفي تفسير عمرو عن الحسن قال: كان سليمان إذا أراد أن يركب جاءته الريح وجلس على سريره، وجلس وجوه الناس من أصحابه على منازلهم في الدين عنده من الجن والإِنس. والجن يومئذ ظاهرة للإِنس، رجال أمثال الإِنس إلا أنهم أدم، يحجون جميعاً ويعتمرون جميعاً ويصلون جميعاً، والطير ترفرف على رأسه ورؤوسهم، والشياطين حرسة، لا يتركون أحداً يتقدم بين يديه. وهو قوله: (أية : وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وَالإِنسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ) تفسير : [النمل: 17] أي: فهم يدفعون، أي: لا يتقدمه منهم أحد. وقال بعضهم: وزعهم، أي: يرد أولهم على آخرهم، وهو واحد. قوله: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ} يعني الصفر، سالت له مثل الماء. قال: {وَمِنَ الجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ} أي: بأمر ربه، أي: بالسخرة التي سخرها الله تعالى له. قال: {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا} أي: عن طاعة الله وعبادته {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} أي: في الآخرة. ولم يكن يسخّر منهم ويستعمل في هذه الأعمال كلّها ولا يُصفّد في الأصفاد، أي: ولا يسلسل في السلاسل منهم، إلا الكفّار. فإذا تابوا وآمنوا حلّهم من تلك الأصفاد. وقال بعضهم: {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} أي: جعل معه ملك بيده سوط من عذاب السعير، فإذا خالف سليمانَ منهم أحدٌ ضربه الملك بذلك السوط.

اطفيش

تفسير : {ولسليمان الريح} أي وسخرنا له الريح او وآتينا له الريح كما تقول اتى زيد لعمر وأتيت زيدا لعمرو فالعطف على اتينا داود جائز باعتبار المحذوف او يعطف قوله {لسليمان الريح} على {داود فضلا} فتكون اللام للتقوية لما ضعف اتينا بالبعد قوي باللام وقرأ ابو بكر {الريح} بالرفع و{الرياح} بالرفع والجمع على الابتداء وحذف الخبر اي والريح او الرياح مسخرة لسليمان او لسليمان تسخير الريح بتقدير المضاف ويجوز ان لا يقدر. {غدوها} اي جريها بالغداة. {شهر} اي مسيرة شهر. {رواحها شهر} اي جريها في الرواح وهو العشي شهر مسيرة اي شهر وقرىء {غدوتها وروحتها} وهو يسير في اليوم مسيرة شهرين. قال الحسن يغدو ويقل باصطخر ثم يروح فيكون رواحه بكابل وروي ان بعضهم رأى مكتوبا في منزل بناحية جدلة كتبه بعض اصحاب سليمان (نحن نزلناه وما بنيناه ومبنيا وجدناه غدونا من اصطخر فقلناه ونحن رائحون منه فبايتون بالشام ان شاء الله). قال قتادة: تقطع به في الغدو الى قرب الزوال مسيرة شهر وتقطع في الرواح من بعد الزوال الى الغروب مسيرة شهر. قال هذا معنى الآية واذا اراد قوما لم يشعروا حتى يظلهم في جو السماء. وقيل: كان من دمشق فيقيل باصطخر وبينهما مسيرة شهر ثم يروح من اصطخر فيبيت بكابل وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع وروي انه يتغدى بالري ويتعشى بسمرقند ومعه الانس والشياطين والجن والدواب والطير، كما مر وكانت الجن يومئذ ظاهرة للانس يحجون ويعتمرون معا ويتلاقون. {وأسلنا} اي اذبنا وهو رباعي سال اي ذاب تعدى بالهمزة. {له عين القطر} عن النحاس فكان يجري له كعين الماء ثلاثة ايام بلياليهن وكان ذلك بأرض اليمن وقيل معنى اسالته له اذابته له كما ألان الحديد لداود وقيل: معناها اظهار معدنه وغبّر بالاسالة لانها ماءلة. وعن ابن عباس: كانت تسيل له باليمن عين جارية من نحاس يصنع له منها ما أحب. وروي انه كان يسيل في الشهر ثلاثة ايام وفي عرائس القرآن: وانما ينتفع الناس اليوم بما اخرجه الله لسليمان عليه السلام وهو مشكل ولو قرأ السيوطي. {ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه} بأمر ربه. {ومن يزغ} يمل. {منهم عن أمرنا} له بطاعته وقرىء {يزغ} بالبناء للمفعول من ازاغة ولم يقل عن ارادتنا لأنه لا يقع في العالم شيء يخالف ارادته سبحانه ويقع ما يخالف اوامره. {نذقه من عذاب السعير} النار في الآخرة وقال السدي: ذلك في الدنيا كان معه ملك بيده سوط من نار كلما استعصى عليه جني او شيطان ضربه من حيث لا يرى فيحترق ذكره في عرائس القرآن وذكره الشيخ هود رحمه الله وغيره.

اطفيش

تفسير : {ولسُلَيمان الرِّيح} عطف على داود وفضلا إلا أنه ذكر اللام لطول الفصل، وكأنه قيل: آتينا منَّا داود فضلا وسلميان الريح عطفا على معمولى عامل، وكما يقال: آتيته يقال: آتيت له، أو عطف على ألنا له الحديد كلذك، أى وألنا لسليمان الريح، بمعى سخرناها له لا تعصيه، ولا يتضرر بها، وقدر بعض سخرنا لسليمان الريح، وقيل: منصوب بسخر محذوفاً، والعطف عطف على "أية : لقد آتينا" تفسير : [سبأ: 10] عطف قصة على أخرى، كانه أراد العطف على القسم المقدر وجوابه، وأولى من هذا عطفه على مدخول قد، فيتسلط عليه تأكيد القسم، وتأكيد قد. {غدوُّها شَهْر} حال من الريح أو مستأنفة {ورواحُها شَهْر} قيل: غدوها مسير شهر، ورواحها مسير شهر، والمسير المقدر اسم زمان ميمى، والغدو والرواح اسمان للزمان، وأصلهما المصدر أى زمان سير شهر أى السير فى ذلك كالسير فى شهر، أو قدر مسير غدوها مسير شهر، ومسير رواحها مسير شهر، والمسير فى هذا الوجه مصدر، وأسهل من ذلك أن الغدو والرواح سيران صباحاً ومساء، فيقدر سير قدر شهر فى الموضعين، قيل: أعاد ذكر شهر لأن المقام بيان للمقادير، والمقادير يغلب فيها الاظهار تقول: وزن هذا قنطار، ووزن ذلك قنطار، ولو أضمر كان استخداما كقوله تعالى: "أية : وما يعمَّر من معمَّر ولا ينَقصُ من عُمره"تفسير : [فاطر: 11] أى من معمر المعمر، وليس المعمر الثانى هو الأول، مع رد الضمير للأول، روى أحمد عن الحسن: أنه يعدو من بيت المقدس فيقيل فى اصطخر، ويروح من اصطخر ويقيل بقلعة خراسان، وذلك شهران فى يوم واحد للراكب المجد، ويقال: يسير من دمشق، ويقيل بإصطخر، ويسير من اصطخر ويبيت بكابل مسيرة شهرين كذلك، ويقال: يتغدى بالرى ويتعشى بسمرقند، واصطخر من بلا فارس. {وأسلنا لهُ عَيْن القِطْرِ} صيرنا له عين القطر سائلا كما يسيل الماء من العين، وسمى ما فى الأرض أو الجبل من الحديد والنحاس، وهو جامد عينا على الاستعارة ورشحها بأسلنا، والقرينة القطر وهو النحاس والحديد وغيرهما، وسماه قطرا على طريق مجاز الأول من معنى قولك قطر الماء قطرا، ولا مجاز فى الاسالة، لأنها حقيقة فى كل مائع، وقيل: عين بمعنى نفس الشىء، والقطر اسم للنحاس، كما تقول: ذات الشىء، والمعنى على كل حال أسلنا له ذلك كلما شاء كل موضع أراد، فيكون ما سال بالشمع يعمل فيه ما شاء، فيرجع معموله الى أصله من الصلاة، كما ألان الحديد لأبيه داود، وان أراد تصرفا فى معموله بالنقص أو الزيادة أو التوسيع أو التضييق، أو التغليظ أو الترقيق، أو نحو ذلك كان لينا أيضا فاذا عمل ما أراد رجع صلبا، وذكر السدى، أنه أسالها الله ثلاثة أيام، وعنه ومن مجاهد: ثلاثة أيام فى أرض اليمن، وقيل: فى أرض صنعاء. {ومن الجنِّ مَن يعْمَل بيْن يَديْه بإذْن ربِّه} أى يعمل له بأمر ربه ما يشاء، ومتى شاء أولا مفعول له، وإنما المراد جعلنا له عمالاً أو عملة من الجن، كما تكون من الإنس والعطف على عين القطر، على حد: علفها تبنا وماء بارداً فأما أن يقدر وسخرنا له من الجن من يعمل أو يضمن، أسلنا معنى سخرنا أو يسرنا، وهذا لقربه أولى من العطف على {سليمان الريح} أو على "أية : آتينا" تفسير : [سبأ: 10] ويجوز أن يكون من الجن خبرا، ومن مبتدأ أو حالا من من، ومن معطوفة على الريح أو غيره فما مر، واقتصر بعض المحققين على عطفيه على {سليمان الريح} وذكر بين يديه إشارة الى انقيادهم وعدم غيبتهم عما يريد منهم. {ومَنْ يَزغْ} يمل {منْهُم عن أمْرنا} عن أمرنا إياه بالعمل لسليمان أو عن شأننا فى طاعته له {نُذقْهُ من عَذاب السَّعير} شيئا من عذاب السعير النار الدنيوية فى الدنيا، كما يحرق على زيغه بنار الآخرة فى الآخرة، قال السدى، بيد سليمان سوط من نار يضرب به من عصاه من الجن، وإنما يهلك بالنار مع أنه لشدة هذه النار على ناره، ولأنه ليس نارا محضة، بل هى أغلب عناصره، وقال الأكثر: المراد نار الآخرة.

الالوسي

تفسير : {وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرّيحَ } أي وسخرنا له الريح، وقيل: {لِسْلَيْمَـٰنَ } عطف على {لَهُ } في {أية : وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ }تفسير : [سبأ: 10] والريح عطف على {أية : ٱلْحَدِيدَ} تفسير : [سبأ: 10] وإلانة الريح عبارة عن تسخيرها. وقرأ أبو بكر {ٱلرّيح } بالرفع على أنه مبتدأ و {لِسْلَيْمَـٰنَ } خبره والكلام على تقدير مضاف أي ولسليمان تسخير الريح، وذهب غير واحد إلى أنه مبتدأ ومتعلق الجار كون خاص هو الخبر وليس هناك مضاف مقدر أي ولسليمان الريح مسخرة، وعندي أن الجملة على القراءتين معطوفة على قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً }تفسير : [سبأ: 10] الخ عطف القصة على القصة، وقال ابن الشيخ: العطف على القراءة الأولى على {أية : أَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ} تفسير : [سبأ: 10] وكلتا الجملتين فعلية وعلى القراءة الثانية العطف على اسمية مقدرة دلت عليها تلك الجملة الفعلية لا عليها للتخالف فكأنه قيل: ما ذكرنا لداود ولسليمان الريح فإنها كانت له كالمملوك المختص بالمالك يأمرها بما يريد ويسير عليها حيثما يشاء، ثم قال: وإنما لم يقل ومع سليمان الريح لأن حركتها ليست بحركة سليمان بل هي تتحرك بنفسها وتحرك سليمان وجنوده بحركتها وتسير بهم حيث شاء وهذا على خلاف تأويب الجبال فإنه كان تبعاً لتأويب داود عليه السلام فلذا جىء بهناك بـ {أية : مَعَهُ} تفسير : [سبأ: 10] وقرأ الحسن وأبو حيوة وخالد بن الياس {ٱلرّيَاحِ } بالرفع جمعاً. {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } أي جريها بالغداة مسيرة شهر وجريها بالعشي كذلك، والجملة إما مستأنفة أو حال من {ٱلرّيحَ } ولا بد من تقدير مضاف في الخبر لأن الغدو والرواح ليس نفس الشهر وإنما يكونان فيه، ولا حاجة إلى تقدير في المبتدأ كما فعل مكي حيث قال: أي مسير غدوها مسيرة شهر ومسير رواحها كذلك لما لا يخفى، وقال ابن الحاجب في «أماليه» الفائدة في إعادة لفظ الشهر الإعلام بمقدار زمن الغدو وزمن الرواح والألفاظ التي تأتي مبنية للمقادير لا يحسن فيها الإضمار ألا ترى أنك تقول زنه هذا مثقال وزنة هذا مثقال فلا يحسن الإضمار كما لا يحسن في التمييز، وأيضاً فإنه لو أضمر فالضمير إنما يكون لما تقدم باعتبار خصوصيته فإذا لم يكن له بذلك الاعتبار وجب العدول إلى الظاهر، ألا ترى أنك إذا أكرمت رجلاً وكسوت ذلك الرجل بخصوصه لكانت العبارة أكرمت رجلاً وكسوته ولو أكرمت رجلاً وكسوت رجلاً آخر لكانت العبارة أكرمت رجلاً وكسوت رجلاً فتبين أنه ليس من وضع الظاهر موضع الضمير كذا في «حواشي الطيبـي» عليه الرحمة، ولا يخفى أن ما ذكره مبني على ما هو الغالب وإلا فقد قال تعالى: {أية : وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ }تفسير : [فاطر: 11] ولم يقتصر على الإعلام بزمن الغدو ليقاس عليه زمن الرواح لأن الريح كثيراً ما تسكن أو تضعف حركتها بالعشي فدفع بالتنصيص على بيان زمن الرواح توهم اختلاف الزمانين، قال قتادة: كانت الريح تقطع به عليه السلام في الغدو إلى الزوال مسيرة شهر وفي الرواح من بعد الزوال إلى الغروب مسيرة شهر. وأخرج أحمد في «الزهد» عن الحسن أنه قال في الآية: كان سليمان عليه السلام يغدو من بيت المقدس فيقيل باصطخر ثم يروح من اصطخر فيقيل بقلعة خراسان. وقد ذكر حديث هذه الريح في بعض الأشعار القديمة قال وهب - ونقله عنه في «البحر» - وجدت أبياتاً منقورة في صخرة بأرض كسكر [شاهدة] لبعض أصحاب سليمان عليه السلام وهي:شعر : ونحن ولا حول سوى حول ربنا نروح من الأوطان من أرض تدمر إذا نحن رحنا كان ريث رواحنا مسيرة شهر والغدو لآخر أناس شروا لله طوعاً نفوسهم بنصر ابن داود النبـي المطهر لهم في معالي الدين فضل ورفعة وإن نسبوا يوماً فمن خير معشر متى تركب الريح المطيعة أسرعت مبادرة عن شهرها لم تقصر تظلهم طير صفوف عليهم متى رفرفت من فوقهم لم تنفر تفسير : وذكر أيضاً رضي الله تعالى عنه أنه عليه السلام كان مستقره تدمر وأن الجن قد بنتها له بالصفاح والعمد والرخام الأبيض والأشقر وقال: وفيه يقول النابغة:شعر : الا سليمان إذ قال الإله له قم في البرية فاصددها عن الفند وخَيِّسِ الجن إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصُّفَّاح والعمد تفسير : انتهى، وما ذكره في تدمر هو المشهور عند العامة، وقد ذكر ذلك الثعالبـي في «تفسيره» مع الأبيات المذكورة لكن في «القاموس» تدمر كتنصر بنت حسان بن أذينة بها سميت مدينتها وهو ظاهر في المخالفة، ولعل التعويل على ما فيه إن لم يمكن الجمع والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. وقرأ ابن أبـي عبلة {غدوتها} و {روحتها} على وزن فعلة وهي المرة الواحدة من غدا وراح. {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ } أي النحاس الذائب من قطر يقطر قطراً وقطراناً بسكون الطاء وفتحها، وقيل الفلزات النحاس والحديد وغيرهما، وعلى الأول جمهور اللغويين، وأريد بعين القطر معدن النحاس ولكنه سبحانه أساله كما ألان الحديد لداود فنبع كما ينبع الماء من العين فلذلك سمي عين القطر باسم ما آل إليه، وذكر الجلبـي أن نسبة الإسالة إلى العين مجازية كما في جري النهر. وقال الخفاجي: إن كانت العين هنا بمعنى الماء المعين أي الجاري وإضافتها كما في لجين الماء فلا تجوز في النسبة وإنما هو من مجاز الأول على أن العين منبع الماء ولا حاجة إليه اهـ فتأمل. وقال بعضهم: القطر النحاس وعين بمعنى ذات ومعنى أسلنا أذبنا فالمعنى أذبنا له النحاس على نحو ما كان الحديد يلين لداود عليه السلام فكانت الأعمال تتأتى منه وهو بارد دون نار ولم يلن ولا ذاب لأحد قبله / والظاهر المؤيد بالآثار أنه تعالى جعله في معدنه عيناً تسيل كعيون الماء. أخرج ابن المنذر عن عكرمة أنه قال في الآية: أسال الله تعالى له القطر ثلاثة أيام يسيل كما يسيل الماء قيل: إلى أين؟ قال: لا أدري. وأخرج ابن أبـي حاتم عن السدي قال: سيلت له عين من نحاس ثلاثة أيام، وفي «البحر» عن ابن عباس والسدي ومجاهد قالوا: أجريت له عليه السلام ثلاثة أيام بلياليهن وكانت بأرض اليمن، وفي رواية عن مجاهد أن النحاس سال من صنعاء وقيل: كان يسيل في الشهر ثلاثة أيام. {وَمِنَ ٱلْجِنّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ } يحتمل أن يكون الجار والمجرور متعلقاً بمحذوف هو خبر مقدم و {مِنْ } في محل رفع مبتدأ ويحتمل أن يكون متعلقاً بمحذوف وقع حالاً مقدماً من {مِنْ } وهي في محل نصب عطف على {ٱلرّيحَ } وجوز أن يكون {مّن ٱلْجِنّ } عطفاً على الريح على أن (من) للتبعيض و {مَن يَعْمَلُ } بدل منه وهو تكلف و {يَعْمَلُ } إما منزل منزلة اللازم أو مفعوله مقدر يفسره ما سيأتي إن شاء الله تعالى ليكون تفصيلاً بعد الإجمال وهو أوقع في النفس {بِإِذْنِ رَبّهِ } بأمره عز وجل. {وَمِنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا } أي ومن يعدل منهم عما أمرناه به من طاعة سليمان عليه السلام. وقرىء {يزغ } بضم الياء من أزاغ مبنياً للفاعل ومفعوله محذوف أي من يمل ويصرف نفسه أو غيره، وقيل مبنياً للمفعول فلا يحتاج إلى تقدير مفعول {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ } أي عذاب النار في الآخرة كما قال أكثر المفسرين وروي ذلك عن ابن عباس، وقال بعضهم: المراد تعذيبه في الدنيا. روي عن السدي أنه عليه السلام كان معه مَلَكٌ بيده سوط من نار كل ما استعصى عليه جنى ضربه من حيث لا يراه الجني. وفي بعض الروايات أنه كان يحرق من يخالفه، واحتراق الجني مع أنه مخلوق من النار غير منكر فإنه عندنا ليس ناراً محضة وإنما النار أغلب العناصر فيه.

ابن عاشور

تفسير : عطف فضيلة سليمان على فضيلة داود للاعتبار بما أوتيه سليمان من فضل كرامةً لأبيه على إنابته ولسليمان على نشأته الصالحة عند أبيه، فالعطف على { أية : ولقد آتينا داود منا فضلاً } تفسير : [سبأ: 10] والمناسبة مثل مناسبة ذكر داود فإن سليمان كان موصوفاً بالإِنابة قال تعالى: { أية : ثم أناب } تفسير : في سورة ص (34). و{الريح} عطف على {الحديد} في قوله: { أية : وألنا له الحديد } تفسير : [سبأ: 10] بتقدير فعل يدل عليه {وألنا}. والتقدير: وسخرنا لسليمان الريح على نحو قول الشاعر: شعر : مُتَقَلِّداً سيفاً ورُمْحاً تفسير : أي وحاملاً رمحاً. واللام في قوله: {لسليمان} لام التقوية أنه لما حذف الفعل لدلالة ما تقدم عليه قرن مفعوله الأول بلام التقوية لأن الاحتياج إلى لام التقوية عند حذف الفعل أشد من الاحتياج إليها عند تأخير الفعل عن المفعول. و{الريح} مفعول ثان. ومعنى تسخيره الريح: خلق ريح تلائم سيرَ سفائنه للغزو أو التجارة، فجعل الله لمراسيه في شطوط فلسطين رياحاً موسمية تهبّ شهراً مشرّقة لتذهب في ذلك الموسم سفنه، وتهبّ شهراً مغرّبة لترجع سفنه إلى شواطىء فلسطين كما قال تعالى: { أية : ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها } تفسير : في سورة الأنبياء (81). فأطلق الغدوّ على الانصراف والانطلاق من المكان تشبيهاً بخروج الماشية للرعي في الصباح وهو وقت خروجها، أو تشبيهاً بغدّو الناس في الصباح. وأطلق الرواح على الرجوع من النهمة التي يخرج لها كقول ابن أبي ربيعة: شعر : أمِن آلِ نعم أنتَ غاد فمُبكِرُ غداةَ غَدٍ أمْ رائح فمؤخِّرُ تفسير : لأن عرفهم أن رواح الماشية يكون في المساء فهو مشتق من راح إذا رجع إلى مقره. وقرأ الجمهور {ولسليمان الريح} بلفظ إفراد {الريح} وبنصب {الريح} على أنه معطوف على {الحديد} في قوله: { أية : وألنا له الحديد } تفسير : [سبأ: 10]. وقرأ أبو بكر عن عاصم برفع {الريحُ} على أنه من عطف الجمل و{الريحُ} مبتدأ و{لسليمان} خبر مقدم. وقرأه أبو جعفر {الرياح} بصيغة الجمع منصوباً. و{القِطْر} ــــ بكسر القاف وسكون الطاء ــــ النحاس المُذاب. وتقدم في قوله تعالى: { أية : قال آتوني أفرغ عليه قطراً } تفسير : في سورة الكهف (96). والإِسالة: جعل الشيء سائلاً، أي مائعاً منبطحاً في الأرض كمسيل الوادي. و{عين القطر} ليست عيناً حقيقة ولكنها مستعارة لمصب ما يصهر في مصانعه من النحاس حتى يكون النحاس المذاب سائلاً خارجاً من فساقي ونحوها من الأنابيب كما يخرج الماء من العين لشدة إصهار النحاس وتَوالي إصهاره فلا يزال يسيل ليصنع له آنية وأسلحة ودَرقاً، وما ذلك إلا بإذابة وإصهار خارقيْن للمعتاد بقوة إلٰهية، شبه الإِصهار بالكهرباء أو بالألسنة النارية الزرقاء، وذلك ما لم يؤته مَلك من ملوك زمانه. ويجوز أن يكون السيلان مستعاراً لكثرة القِطر كثرة تشبه كثرة ماء العيون والأنهار كقول كُثيّر: شعر : وسالتْ بأعناق المَطي الأباطح تفسير : ويكون {أسلنا} أيضاً ترشيحاً لاستعارة اسم العين لمعنى مُذاب القطر، ووجه الشبه الكثرة. وقوله: {ومن الجن من يعمل بين يديه} يجوز أن يكون عطفاً على جملة {وأسلنا له عين القطر} فقوله: {من يعمل بين يديه} مبتدأ وقوله: {بإذن ربّه} خبر. و {من} في قوله: {من الجن} بيان لإِبهام {مَن} قدم على المبيَّن للاهتمام به لغرابته، وهو في موضع الحال. ولك أن تجعل {من يعمل} عطفاً على {الريح} في قوله: {ولسليمان الريح} أي سَخرنا له من يعمل بين يديه من الجن، وتجعلَ جملة {وأسلنا له عين القطر} معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه. ومعنى {يعمل بين يديه} يخدمه ويطيعه. يقال: أنا بين يديك، أي مطيع، ولا يقتضي هذا أن يكون عملتُه الجنّ وحدهم بل يقتضي أن منهم عملة، وفي آية النمل (17) { أية : من الجن والإِنس والطير }. تفسير : والزيغ: تجاوز الحد والطريق، والمعنى: من يَعْص أمرنا الجاري على لسان سليمان. وذِكر الجن في جند سليمان عليه السلام تقدم في سورة النمل. و{عذاب السعير}: عذاب النار تشبيه، أي عذاباً كعذاب السعير، أي كعذاب جهنم، وأما عذاب جهنم فإنما يكون حقيقة يوم الحساب.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}. قد بينا الآيات التي فيها إيضاح له في سورة الأنبياء في الكلام على قوله: {أية : وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى ٱلأَرْضِ} تفسير : [الأنبياء: 81] الآية. مع الأجوبة عن بعض الأسئلة الواردة، على الآيات المذكورة. قوله تعالى: {وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ} إلى قوله تعالى: {وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ} تفسير : [الأنبياء: 82].

د. أسعد حومد

تفسير : {لِسُلَيْمَانَ} (12) - وَيَقُولُ تَعَالى إِنَّهُ أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ سُلَيمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ، بِأَنْ سَخَّر لَهُ الرِّيحَ، يَنْتَفِعُ بِها فِي أُمُورٍ يَعْرِفُها هُوَ، وَكَانَتِ الرِّيحُ حِينَ تَسيرُ تَقْطَعُ خِلاَلَ فَترَةِ الغَدَاةِ (أَيْ مِنَ الصُّبْحِ حَتَّى الزَّوَالِ) مَسَافَةً يَقْطَعُها الرّاكِبُ المُجِدُّ خِلاَلَ شَهرٍ كَامِلٍ. وَكَانَتْ تَقْطَعُ فِي فَترةِ الرَّوَاحِ (أَيْ مِنَ الزَّوَالِ حَتَّى مَغِيبِ الشَّمْسِ) مَسَافَةً يَقْطَعُها الرَّاكِبُ المُجِدُّ خِلاَلَ شَهْرٍ. ثُمَّ قَالَ تَعَالى إِنَّهُ آذَابَ النُّحَاسَ (القِطْرَ) لِسُلَيْمَانَ مِنْ دُونِ حَاجَةٍ إِلى نَارٍ، فَكَانَ النُّحَاسُ يَخْرُجُ مِنْ عينٍ فِي الأَرضِ سَائِلاً ذَائِباً، وَكَأَنَّهُ يَنْبُوعُ مَاءٍ (وَلِذَلِكَ قَالَ عَيْنَ القِطْرِ)، وَسَخَّرَ تَعَالى لِسُلَيمَانَ الجِنَّ يَعْمَلُونَ بإِذْنِهِ تَعَالى مَا يَأْمُرُهُمْ سُلَيمَانُ بهِ مِنَ الأَعْمَالِ - وَقَدْ جَاءَ تَفْصِيلُها فِي الآيةِ التَّالِيةِ - وَمَنْ شَذَّ عَنْ طَاعَةِ سُلَيْمَانَ مِنْهُمْ، فَإِنَّ الله يُذِيقُهُ عَذَاباً أَلِيماً. (وَقَدْ يَكُونُ المَعْنَى: وَمَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ عَنْ طَاعَةِ اللهِ فِيما أَمَرَهُ مِنْ العَمَلِ بِأَمْرِ سُلَيْمَانَ فَإِنَّ اللهَ يُعَذِّبُهُ وَيُذِيقُهُ عَذاباً أَلِيماً). زَاغَ عَنِ الأَمْرِ - خَرَجَ عَنِ الطَّاعَةِ وَعَدَلَ عَنْهَا. غُدُوُّهَا شَهْرٌ - جَرْيُها بِالغَدَاةِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ. رَوَاحُها شَهْرٌ - جَرْيُها بِالعَشِيِّ كذلِكَ. عَيْنَ القِطْرِ - عَيْنَ النُّحَاسِ يَنْبُعُ ذَائِباً كَالمَاءِ.

الثعلبي

تفسير : قوله: {وَلِسُلَيْمَانَ ٱلرِّيحَ} قراءة العامة بنصب الحاء، أي وسخرنا لسليمان الريح، وروى أبو بكر والمفضل عن عاصم بالرفع على جر حرف الصفة. {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا} من انتصاف النهار إلى الليل مسير {شَهْرٌ}، فجعل [ما] تسير به في يوم واحد مسيرة شهرين، وقال وهب: ذُكر لي أن منزلاً بناحية دجلة مكتوب فيه كتابة [كتبها] بعض صحابة سليمان (عليه السلام)، إما منَ الجن وإما من الإنس بحرّ نزلناه وما بنيناه، مبنياً وجدناه غدوناه من إصطخر فقلناه ونحن رائحون منه إن شاء الله فبائتون بالشام. قال الحسن: لما شغلت نبي الله سليمان بن داوُد الخيل حتّى فاتته صلاة العصر غضب لله فعقر الخيل، فأبدله الله تعالى مكانها خيراً وأسرع له، تجري بأمره كيف يشاء {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ} وكان يغدو من إيليا فيقيل بإصطخر ثم يروح منها فيكون رواحها بكابل. وقال ابن زيد: كان له (عليه السلام) مركب من خشب، وكان فيه ألف ركن في كل ركن ألف بيت يركب معه فيه من الجن والإنس تحت كل ركن ألف شيطان يرفعون ذلك المركب، فإذا ارتفع أتت الريح الرخاء فسارت به وبهم، يقيل عند قوم بينه وبينهم شهر ويمسي عند قوم بينه وبينهم شهر، فلا يدري القوم إلاّ وقد أظلهم معه الجيوش. ويروى أن سليمان (عليه السلام) سار من أرض العراق غادياً فقال بمدينة مرو، وصلّى العصر بمدينة بلخ تحمله وجنوده الريح ويظلهم الطير، ثم سار من مدينة بلخ متخللاً بلاد الترك، ثم جازهم إلى أرض الصين يغدو على مسيرة شهر ويروح على مثله. ثم عطف يمنة عن مطلع الشمس على ساحل البحر حتى أتى أرض القندهار، وخرج منها إلى مكران وكرمان ثم جازها حتى أتى أرض فارس فنزلها أياماً وغدا منها فقال بكسكر، ثم راح إلى الشام، وكان مستقره بمدينة تدمر، وقد كان أمر الشياطين قبل شخوصه من الشام إلى العراق، فبنوها له بالصفاح والعمد والرخام الأبيض والأصفر، وفي ذلك يقول النابغة: شعر : ألا سليمان إذ قال الإله له قم في البرية فاحددها عن الفندِ وخيس الجن إني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصفاح والعمدِ تفسير : ووجدت هذه الأبيات منقورة في صخرة بأرض كسكر،أنشأها بعض أصحاب سليمان بن داوُد (عليهما السلام): شعر : ونحن ولا حول سوى حول ربنا نروح إلى الأوطان من أرض تدمرِ إذا نحن رحنا كان ريث رواحنا مسيرة شهر والغدوّ لآخر أُناس شروا لله طوعاً نفوسهم بنصر ابن داوُد النبي المطهّرِ لهم في معالي الدين فضل ورفعة وإن نسبوا يوماً فمن خير معشرِ متى يركبوا الريح المطيعة أسرعت مبادرة عن شهرها لم تقصّرِ تظلهمُ طير صفوف عليهم متى رفرفت من فوقهم لم تنفرِ تفسير : قوله: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ}: وأذبنا له عين النحاس أُسيلت له ثلاثة أيام كما يسيل الماء، وكانت بأرض اليمن، وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله لسليمان. {وَمَن يَزِغْ}: يملْ ويعدل {عَنْ أَمْرِنَا} الذي أمرناه به من طاعة سليمان {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} في الآخرة. عن أكثر المفسرين، وقال بعضهم: في الدنيا، وذلك أن الله تعالى وكّل بهم ملكاً بيده سوط من نار فمن زاغ عن أمر سليمان ضربه ضربة أحرقته. { يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ}: مساجد ومساكن وقصور، والمحراب: مقدم كل مسجد، ومجلس وبيت. قال عدي: شعر : كدُمى العاج في المحاريب أو كال بيض في الروض زهره [مستنير] تفسير : وكان مما عملوا له من ذلك بيت المقدس، وقصته وصفته على ما ذكره أهل البصر بالسير أن الله تعالى بارك في نسل إبراهيم (عليه السلام) حتى جعلهم في الكثرة غاية لا يُحصون، فلما كان زمن داوُد(عليه السلام)لبث فيهم ثلاثين سنة بأرض فلسطين، وهم كل يوم يزدادُون كثرة، فأُعجب داوُد بكثرتهم فأمر بعدّهم، فكانوا يعدون زماناً من الدهر حتى أيسوا وعجزوا أن يحيط علمُهُم بعدد بني إسرائيل، فأوحى الله إلى داوُد: "إني قد وعدت أباك إبراهيم يوم أمرته بذبح ولده فصدقني وائتمر أمري أن أُبارك له في ذريته، حتى يصيروا أكثر من عدد نجوم السماء وحتى لا يحصيهم العادّون، وإني قد أقسمت أن أبتليهم ببلية يقل منها عددهم ويذهب عنك إعجابك بكثرتهم" وخيرّه بين أن يعذبهم بالجوع والقحط ثلاث سنين، وبين أن يُسلط عليهم عدوهم ثلاثة أشهر، وبين أن يُرسل عليهم الطاعون ثلاثة أيام. فجمع داوُد بني إسرائيل وأخبرهم بما أوحى الله إليه وخيره فيه، فقالوا: أنت أعلم بما هو أيسر لنا وأنت نبينا فانظر لنا، غير أن الجوع لا صبر لنا [عليه] وتسليط العدو أمر فاضح، فإن كان لابد فالموت. فأمرهم داوُد عليه السلام أن يتجهزوا للموت، فاغتسلوا وتحنطوا ولبسوا الأكفان وبرزوا إلى الصعيد بالذراري والأهلين، وأمرهم أن يضجّوا إلى الله تعالى ويتضرعوا إليه لعله يرحمهم، وذلك في صعيد بيت المقدس قبل بناء المسجد. قال: وارتفع داوُد(عليه السلام) فوق الصخرة فخرّ ساجداً يبتهل إلى الله تعالى فأرسل الله فيهم الطاعون. فأهلك منهم في يوم وليلة ما لم يتفرغوا من دفنهم إلاّ بعد مدة شهرين. فلما أصبحوا من اليوم الثاني سجد داوُد وسجدوا معه إلى طلوع الشمس فلم يرفعوا رؤوسهم حتى كشف الله عنهم الطاعون. قالوا: فلما أن شفّع الله تعالى داوُد في بني إسرائيل في ذلك المكان جمع داوُد بني إسرائيل بعد ثلاثة فقال لهم: "إن الله سبحانه قد منّ عليكم ورحمكم فجددوا له شكراً". فقالوا: كيف تأمرنا. قال: "آمركم أن تتخذوا من هذا الصعيد الذي رحمكم فيه مسجداً لا يزال فيه منكم وممن بعدكم ذاكر". فلما أرادوا البناء جاء رجل صالح فقير يختبرهم ليعلم كيف إخلاصهم في ثبوتهم فقال لبني إسرائيل: إنّ لي فيه موضعاً أنا محتاج إليه ولا يحل لكم أن تحجبوني عنه. فقالوا له: يا هذا ما أحد في بني إسرائيل إلاّ وله في هذا الصعيد حق مثل حقك، فلا تكن أبخل الناس ولا تضايقنا فيه. فقال: أنا لا أعرف حقي وأنتم لا تعرفون. فقالوا له: إما إن ترضى وتطيب نفساً، وإلاّ أخذناه كرهاً. فقال لهم: أوتجدون ذلك في حكم الله وفي حكم داوُد؟ قال: فرفعوا خبره إلى داوُد فقال: "أرضوه". فقالوا: بكم نأخذه يا نبي الله؟ قال: "خذوه بمائة شاة". فقال الرجل: زد. فقال داوُد: "بمائة بقر". قال: زد. قال: "مائة إبل". قال: زدني فإنّ ما تشتريه لله تعالى. فقال داوُد: "أما إذا قلت هذا، فاحتكم أُعطكه" فقال: تشتري مني بحائط مثله زيتوناً ونخلاً وعنباً. قال: "نعم". فقال: تشتريه لله فلا تبخل. قال: "سل ما شئت أُعطكه، وإن شئت أُؤاجرك نفسي" قال: وتفعل ذلك يا نبي الله؟ قال: "نعم إذا شئت". قال: أنت أكرم على الله من ذلك، ولكنك تبني حوله جداراً مشرفاً ثم تملؤه ذهباً، وإن شئت ورقاً. قال داوُد: "هو هين". فالتفت الرجل إلى بني إسرائيل وقال: هذا هو التائب المخلص. ثم قال لداوُد: يا نبي الله لئن يغفر الله لي ذنباً واحداً أحبُّ إلي من كل شيء وهبته لي، ولكني كنت أُجرّبكم. فأخذوا في بناء بيت المقدس، وكان داوُد (عليه السلام) ينقل لهم الحجارة على عاتقه وكذلك خيار بني إسرائيل حتى رفعوه قامة. فأوحى الله تعالى إلى داوُد (عليه السلام): "إنّ هذا بيت مقدّس وإنك رجل سفاك للدماء فلست ببانيه إذا لم أقضي ذلك على يدك، ولكن ابن لك أُملكه بعدك اسمه سليمان، أُسلّمه من سفك الدماء وأقضي إتمامه على يده، وذلك صيته وذكره لك باقياً". فصلوا فيه زماناً، وداوُد يومئذ ابن سبع وعشرين ومئة سنة، فلما صار من أبناء أربعين ومئة سنة توفّاه الله واستخلف سليمان. فأحبّ بناء بيت المقدس، فجمع الجن والشياطين وقسم عليهم الأعمال فخص كل طائفة منهم بعمل يستصلحها له. فأرسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام والمها الأبيض الصافي من معادنه، وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفاح، وجعلها اثني عشر ربضاً، وأنزل كل ربض منها سبطاً من الأسباط وكانوا اثني عشر سبطاً. فلما فرع من بناء المدينة ابتدأ في بناء المسجد، فوجّه الشياطين فرقاً، فرقاً يستخرجون الذهب والفضة والياقوت من معادنها والدر الصافي من البحر، وفرقاً يقلعون الجواهر والحجارة من أماكنها، وفرقاً يأتونه بالمسك والعنبر، فأُتي من ذلك بشيء لا يُحصيه إلاّ الله تعالى، ثم أحضر الصنّاعين وأمرهم بنحت تلك الحجارة المرتفعة وتصييرها ألواحاً، وإصلاح تلك الجواهر وثقب اليواقيت واللآلىء فكانوا يعالجونها، فتصوّت صوتاً شديداً لصلابتها، فكره سليمان تلك الأصوات. فدعا الجن وقال لهم: "هل عندكم حيلة في نحت هذه الجواهر من غير تصويت؟". فقالوا: يا رسول الله، ليس في الجن أكثر تجارب، ولا أكثر علماً من صخر العفريت، فأرسل إليه من يأتيك به. فطبع سليمان خاتمه طابعاً وكان يطبع للشياطين بالنحاس، ولسائر الجن بالحديد وكان إذا طبع أحدهما بخاتمه لمع ذلك كالبرق الخاطف، فكان لا يراه أحد: جني ولا شيطان إلاّ انقاد له بإذن الله عزّت قدرته. فأرسل الطابع مع عشرة من الجن فأتوه وهو في بعض جزائر البحور، فأروه الطابع، فلما نظر إليه كاد يصعق خوفاً، فأقبل مسرعاً مع الرسل حتى دخل على سليمان(عليه السلام). فسأل سليمان رسله عما أحدث العفريت في طريقه. فقالوا: يا رسول الله إنه كان يضحك بعض الأحايين من الناس. فقال له سليمان (عليه السلام): «ما رضيت بتمردك عليّ في ترك المجيء إليّ طائعاً حتى صرت تسخر بالناس؟». فقال: يا نبي الله إني لم أسخر منهم غير أن ضحكي كان تعجّباً مما كنت أسمع وأرى في طريقي. فقال سليمان:"وما ذاك؟". قال: اعلم أني مررت برجل على شط نهر ومعه بغلة يريد سقيها ومعه جرة يريد أن يستقي فيها، فسقى البغلة وملأ الجرة، ثم أراد أن يقضي حاجته فشد البغلة بإذن الجرة فنفرت البغلة وجرت الجرة فكسرتها، فضحكت من حمق الرجل حيث توهم أن الجرة تحبس البغلة. ومررت برجل وهو جالس عند إسكاف يستعمله في إصلاح خف له، فسمعته يشترط معه أن يصلحه بحيث يبقى معه أربع سنين ونسي نزول الموت به قبله، فضحكت من غفلته وجهله. ومررت بعجوز تتكهن وتخبر الناس بما لا يعلمون من أمر السماء، وقد كنت عهدت رجلاً دفن في موضع فراشها ذهباً كثيراً في الدهور الخالية، فرأيتها تموت جوعاً وتحت فراشها ذهب كثير لا تعلم بمكانه، ثم تخبر الناس عن أمر السماء فضحكت منها. ومررت برجل في بعض المدن، وقد كان به داء فيما قيل فأكل البصل فبرأ من دائه، فصار يتطبّب للناس، فكان لا يأتيه أحد يسأله عن علّة إلاّ أمره بأكل البصل وإنه لأضرّ شيء، حتى إنّ ضره ليصل إلى الدماغ، فضحكت منه. ومررت ببعض الأسواق فرأيت الثوم وهو أفضل الأدوية كلّها يكال كيلاً، ورأيت الفلفل وهو أحد السموم القاتلة يوزن وزناً فضحكت من ذلك. ومررت بناس قد جلسوا يبتهلون إلى الله تعالى ويسألونه المغفرة والرحمة، فملَّ منهم قوم وقاموا، وجاء آخرون وجلسوا فرأيت الرحمة قد نزلت عليهم، فأخطأت الذين كانوا من أهل المجلس، وغشيت الذين جاؤوا فجلسوا، فضحكت؛ تعجباً للقضاء والقدر. قالوا: فقال سليمان له: هل عرفت في كثرة تجاربك وجولاتك في البر والبحر شيئاً تنحت به هذه الجواهر فتلين فيسهل نحتها وثقبها فلا تصوت؟ فقال: نعم يا نبي الله، أعرف حجراً أبيض كاللبن يقال له السامور غير أني لا أعرف معدنه الذي هو فيه، وليس في الطير شيء هو أحيل ولا أهدى من العقاب. فمر بعقاب أن تجعل فراخه في صندوق حجر معه ليلة، ثم تسرّح ذلك العقاب وتترك فراخه في الصندوق فإنه سيأتي بذلك الحجر فيضرب به ظهر الصندوق حتى يُنقبه به ليصل إلى فراخه. قال: فأمر سليمان بعقاب مع فراخه فجعله في صندوق من حجر يوماً وليلة، ثم سرح العقاب دون الفراخ، فمرّ العقاب وجاء بذلك الحجر بعد يوم وليلة، وثقب به الصندوق حتى وصل إلى فراخه. فوجه سليمان مع العقاب نفراً من الجن حتى أتوه به منه قدر ما علم أن فيه كفاية، واستعمل ذلك في أدوات الصناعين، فسهل عليهم نحتها من غير تصويت وهو الحجر الذي يستعمل في نقش الخواتيم وثقب الجواهر إلى اليوم، وهو حجر عزيز ثمين. قال: فبنى سليمان (عليه السلام) المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر، وعمّده بأساطين المها الصافي، وسقفه بألواح الجواهر الثمنية وفصّص سقوفه وحيطانه باللآلىء واليواقيت وسائر الجواهر، وبسط أرضه بألواح الفيروز، فلم يكن يومئذ بيت في الأرض أبهى ولا أنور من ذلك المسجد، كان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر. فلما فرغ منه جمع إليه أخيار بني إسرائيل فأعلمهم أنه بناه لله وأنّ كل شيء فيه خالص لله، واتخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه عيداً. وقالوا: من أعاجيب ما اتخذ سليمان عليه السلام ببيت المقدس أنْ بنى بيتاً وطيّن حائطه بالخضرة وصقله، فكان إذا دخله الورِع البرّ استبان خياله في ذلك الحائط أبيض، وإذا دخله الفاجر استبان فيه خياله أسود. فارتدع عند ذلك كثير من الناس عن الفجور والخيانة. ونصب في زاوية من زوايا المسجد عصا أبنوس، فكان من مسها من أولاد الأنبياء لم يضره مسها، ومن مسها من غيرهم احترقت يده. وروى الأوزاعي عن ربيعة بن يزيد عن عبد الله بن الديلمي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس سأل ربه ثلاثاً فأعطاه اثنين وأنا أرجو أن يكون قد أعطاه الله الثالثة: سأله حكماً يصادف حكمه فأعطاه إياه، وسأله مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه، وسأله أنْ لا يأتي هذا البيت أحد يصلي فيه ركعتين إلاّ خرج من ذنوبه كهيئة يوم ولدته أُمه وأنا أرجو أن يكون قد أعطاه ذلك ". تفسير : قالوا: فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان (عليه السلام) حتى غزا نبوخذ نصر فخرب المدينة وهدمها، ونقض المسجد، وأخذ ما كان في سقوفه وحيطانه من الذهب والفضة والدر والياقوت وسائر الجواهر، فحمله معه إلى دار مملكته من أرض العراق. قال سعيد بن المسيب: لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس تغلّقت أبوابه، فعالجها سليمان فلم تنفتح، حتى قال في دعائه: "بصلوات أبي داوُد إلاّ فتحت الأبواب". ففتحت ففرغ له سليمان عشرة آلاف من قرّاء بني إسرائيل: خمسة آلاف بالليل، وخمسة آلاف بالنهار، فلا تأتي ساعة من ليل ولا نهار إلاّ والله يعبد فيها. {وَتَمَاثِيلَ} أي صور، كانوا يعملون التماثيل من نحاس وصفر وشبه وزجاج ورخام في المساجد تماثيل الملائكة والنبيين الصالحين؛ لكي إذا رآهم الناس مصورين عبدوا عبادتهم. {وَجِفَانٍ} أي قصاع، واحدها جفنة {كَٱلْجَوَابِ} كالحياض التي يجبى فيها الماء، أي يجمع، واحدها جابية. قال الأعشى ميمون بن قيس: شعر : تروح على آل مخلق جفنة كجابية الشيخ العراقي تفهق تفسير : أخبرنا أبو بكر الحمشاوي قال: أخبرني أبو بكر القطيعي إبراهيم بن عبد الله بن مسلم قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا سهل السرّاج قال: سمعت الحسن يقول: (وجفان كالجواب) مثل حياض الإبل، ويقال: إنه كان يجتمع على جفنة واحدة ألف رجل يأكلون بين يديه. {وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ}: ثابتات لا يحوّلن ولا يحركن من أماكنهن لعظمتهن، ولا ينزلن ولا يعطلن وكانت باليمن، ومنه قيل للجبال: رواسي {ٱعْمَلُوۤاْ} أي وقلنا: اعملوا {آلَ دَاوُودَ شُكْراً} مجازه: اعملوا بطاعة الله يا آل داوُد شكراً له على نعَمه، و {شُكْراً} في محل المصدر. {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} أرسل حمزة (الياء) وفتحها الباقون. قال القرظي: الشكر: تقوى الله والعمل بطاعته. وحدثونا عن محمد بن يعقوب قال: حدثنا الحصر بن أبان قال: حدّثنا سيار قال: حدّثنا جعفر بن سليمان قال: سمعت ثابتاً يقول: كان داوُد نبي الله (عليه السلام) قد جزّأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم يكن بأي ساعة من ساعات الليل والنهار إلاّ وإنسان من آل داوُد قائم يصلي، فعمهم الله تعالى في هذه الآية {ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً}. { فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ} قال المفسرون: كان سليمان (عليه السلام) يتحرز في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر، يُدخل فيه طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي مات فيها وكان بدوّ ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلاّ نبتت في بيت المقدس شجرة فيسألها: "ما اسمك؟" فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا، فيقول لها: "لأيّ شيء أنت؟" فتقول: لكذا وكذا، فيأمر بها فتقطع. فإن كانت نبتت لغرس غرسها وإن كانت لدواء كتب. فبينما هو يُصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه، فقال لها: "ما اسمك؟". قالت: الخروبة. قال: "ولأيّ شيء نبتّ؟" قالت: لخراب هذا المسجد. فقال سليمان: "ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهكِ هلاكي، وخراب بيت المقدس". فنزعها وغرسها في حائط له ثم قال: "اللهم عمِّ على الجن موتي حتى يعلم الإنس أنّ الجن لا يعلمون الغيب" وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء وإنهم يعلمون ما في غد ثم دخل المحراب فقام يُصلي متكئاً على عصاه فمات. قال ابن زيد: قال سليمان لملك الموت: "إذا أُمرت بي فاعلمني". قال: فأتاه فقال: "يا سُليمان قد أُمرتُ بك، وقد بقيت لك سويعة". فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب، فقام يُصلي واتكأ على عصاه، فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو متّكىء على عصاه. وفي رواية أُخرى: أنّ سليمان (عليه السلام) قال ذات يوم لأصحابه: "قد آتاني الله من الملك ما ترون، وما مرّ عليّ يوم في ملكي بحيث صفا لي من الكدر، وقد أحببت أن يكون لي يوم واحد يصفو لي إلى الليل، ولا أغتم فيه ولكن ذلك اليوم غداً". فلما كان من الغد دخل قصراً له وأمر بإغلاق أبوابه، ومنع الناس من الدخول عليه، ورفع الأخبار إليه لئلا يسمع ذلك اليوم شيئاً يسوؤه، ثم أخذ عصاه بيده، وصعد فوق قصره واتكأ على عصاه ينظر في ممالكه، إذ نظر إلى شاب حسن الوجه عليه ثياب بيض قد خرج عليه من جانب من جوانب قصره، فقال: "السلام عليك يا سليمان". فقال: "وعليك السلام، كيف دخلت هذا القصر، وقد منعت من دخوله؟ أما منعك البوّاب والحُجّاب؟ أما هِبتني حيث دخلت قصري بغير إذني؟" فقال: "أنا الذي لا يحجبني حاجب، ولا يدفعني بوّاب ولا أهاب الملوك، ولا أقبل الرشا وما كنت لأدخل هذا القصر بغير إذن" قال سُليمان: "فمن أذن لك في دخوله؟" قال: "ربه". فارتعد سُليمان وعلم أنه ملك الموت، فقال له: "أنت ملك الموت؟" قال: "نعم"، قال: "فبمّ جئت؟". قال: "جئت لأقبض روحك". قال: "يا ملك الموت هذا يوم أردت أن يصفو لي ولا أسمع فيه ما يغمني". قال: "يا سُليمان، إنك أردت يوماً يصفو لك فيه عيشك حتى لا تغتم فيه، ذلك اليوم لم يخلق في أيام الدنيا فارضَ بقضاء ربك فإنه لا مرد له". قال: "فامضِ لما أُمرتَ به". فقبض ملك الموت روحه وهو متكىء على عصاه. قالوا: وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه ومصلاه أينما كان، فكان للمحراب كُوَى بين يديه وخلفه، وكان الشيطان الذي يُريد أن يخرج يقول: ألست جليداً إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر. فدخل شيطان من أُولئك فمر ولم يسمع صوت سُليمان، ثم رجع فلم يسمع، ثم رجع فوقع في البيت فلم يحترق فنظر إلى سليمان وقد سقط ميتاً، فخرج فأخبر الناس أن سُليمان قد مات، ففتحوا عنه فأخرجوه ووجدوا منسأته وهي العصا بلسان الحبشة قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا مذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت منها يوماً وليلة، ثم حسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات من سنة، وكانت الجن تعمل بين يديه ينظرون إليه ويحسبون أنه حيّ ولا ينظرون احتباسه عن الخروج إلى الناس لطول صلاته قبل ذلك. وهي في قراءة ابن مسعود: فمكثوا يدأبون له من بعد موته حولاً كاملاً، فأيقن الناس أنّ الجن كانوا يكذبونهم، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت سُليمان ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له. ثم إنّ الشياطين قالوا للأرضة: لو كنتِ تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنتِ تشربين الشراب سقيناكِ أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليكِ الطين والماء. فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت. قال: ألم ترَ إلى الطين الذي يكون فوق الخشب فهو ممّا يأتيها به الشياطين تشكراً لها، فذلك قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ} وهي الأرضة، ويُقال لها: القادح أيضاً وهي دويبة تأكل العيدان. {تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} أي عصاه، فأصلها من نسأت الغنم إذا زجرتها وسقتها، وقال طرفة: شعر : أمون كألواح الأران نسأتها على لاحب كأنه ظهر بُرجُدِ تفسير : أي سقتها، وهمزها أكثر القراء، وترك همزها أبو عمرو وأهل المدينة، وهما لغتان، وقال الشاعر في الهمز: شعر : ضربنا بمنسأة وجهه فصار بذاك مهيناً ذليلاً تفسير : وقال الآخرون في ترك الهمز: شعر : إذا دببت على المنساة من هرم فقد تباعد عنك اللهو والغزل تفسير : قوله: {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ}، و{أَن} في محل الرفع؛ لأن معنى الكلام: فلما خر تبين وانكشف أنْ لو كان الجن أي ظهر أمرهم، وفي قراءة ابن مسعود أنْ لو كان الجن يعلمون الغيب مالبثوا في العذاب المهين، وقيل: {أَن} في موضع نصب أي علمت وأيقنت الجن أنْ لو كانوا يعلمون. وقال أهل التاريخ: كان عمر سليمان (عليه السلام) ثلاثاً وخمسين سنة وكان مدة ملكه أربعين سنة، وملك يوم ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وابتدأ في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من ملكه والله أعلم.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يعني: كما آتينا داود منّا فضلاً، وكان من هذا الفضل أنْ أوَّبَتْ معه الجبال، وألنَّا له الحديد، كذلك كان من فضل الله على ولده سليمان أنْ طوَّعنا له الريح، وجعلناها تأتمر بأمره. وسبق أنْ بينَّا أن كلمة الريح إنْ وردت مفردة، فهي في الشر والعذاب، وإنْ جاءت جمعاً دلَّت على الخير والرحمة، واقرأ قوله تعالى: {أية : وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ ٱلرِّيحَ ٱلْعَقِيمَ * مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلاَّ جَعَلَتْهُ كَٱلرَّمِيمِ} تفسير : [الذاريات: 41-42] وقال: {أية : بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} تفسير : [الأحقاف: 24]. وفي الرياح قال: {أية : وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ ..} تفسير : [الحجر: 22]. وبيان ذلك، أن الريح إنْ كانت مفردة تُعَدّ ريحاً مدمرة؛ لأنها تأتي من ناحية واحدة، والذي يقيم الأشياء ويحفظ توازنها أن الرياح تحيط بها من كل جانب فتستقيم، فالذي يدعم ناطحات السحاب مثلاً الهواء الذي يحيط بها، فإنْ أفرغتَ الهواء من ناحية منها انهارتْ نحو هذه الناحية؛ لذلك كانت الريح الواحدة من جنس العذاب، والرياح من جنس الرحمة، ألاَ ترى الأعاصير تدمر؛ لأنها تأتي من جهة واحدة؟ لكن، هل سخَّر الله تعالى لسليمان الرياح؟ أمْ سخَّر له الريح؟ قالوا: لم تُسخَّر لسليمان الرياح كلها، إنما ريحاً مخصوصة وظَّفها له وطوَّعها لأمره، وهذه الريح أعظتْ سليمان عليه السلام عزَّة ومنعة. بحيث لا يَقْوَى أحد على مواجهته أو التصدي له. لذلك كان هو - عليه السلام - النبي والملك الذي لم يحاربه أحد، ولم يجرؤ أحد على منازعته مُلْكَه ولا نبوته. كيف وفي يده من القوة ما لم يتوفر لغيره، فسلطانه سلطان قَهْر إنْ أراد شيئاً أذعن الجميع لإرادته. أما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فجاءت دعوته لاستمالة القلوب، لا لإرغام القوالب؛ لذلك خاطبه ربه بقوله: {أية : إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} تفسير : [الشعراء: 4]. ومعنى: {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ..} [سبأ: 12] الغدو: السير أول النهار، والرواح: العودة آخر النهار {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ ..} [سبأ: 12] أى: أذبْنا له النحاس، كما ألنَّا لأبيه الحديد، فهذه واحدة من الأفضال التي خصَّ الله بها سيدنا سليمان، تذكرون قصة السد الذي بناه ذو القرنين، فلما انتهى من بنائه قال: {أية : آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً} تفسير : [الكهف: 96] يعني: نحاساً مُذَاباً، بحيث لا يستطيع أحد أنْ ينقبه. ثم يذكر الحق سبحانه أمراً آخر مما خصَّ به سليمان عليه السلام: {وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ..} [سبأ: 12] ومعنى {بِإِذْنِ رَبِّهِ ..} [سبأ: 12] أن المسألة كلها تسخير من الله لنبيه سليمان، وليس أمراً ذاتياً من عنده. لذلك قال: {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا ..} [سبأ: 12] أي: يميل، أو ينحرف عنه، أو يعصاه {نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} [سبأ: 12] فأَمْر سليمان للجن من باطن أَمْر الله، ومَنْ يَعْصِ أمره كأنه عَصَى أمرنا. ثم يقول الحق سبحانه: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ} معناه أَجرَينا والقِطْرُ: النُّحاس.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر فضله على داود عليه السلام، ذكر فضله على ابنه سليمان، عليه الصلاة والسلام، وأن اللّه سخر له الريح تجري بأمره، وتحمله، وتحمل جميع ما معه، وتقطع المسافة البعيدة جدا، في مدة يسيرة، فتسير في اليوم، مسيرة شهرين. { غُدُوُّهَا شَهْرٌ } أي: أول النهار إلى الزوال { وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } من الزوال، إلى آخر النهار { وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ } أي: سخرنا له عين النحاس، وسهلنا له الأسباب، في استخراج ما يستخرج منها من الأواني وغيرها. وسخر اللّه له أيضا، الشياطين والجن، لا يقدرون أن يستعصوا عن أمره، { وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ } وأعمالهم كل ما شاء سليمان، عملوه. { مِنْ مَحَارِيبَ } وهو كل بناء يعقد، وتحكم به الأبنية، فهذا فيه ذكر الأبنية الفخمة، { وَتَمَاثِيلَ } أي: صور الحيوانات والجمادات، من إتقان صنعتهم، وقدرتهم على ذلك وعملهم لسليمان { وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ } أي: كالبرك الكبار، يعملونها لسليمان للطعام، لأنه يحتاج إلى ما لا يحتاج إليه غيره ، ويعملون له قدورا راسيات لا تزول عن أماكنها، من عظمها. فلما ذكر منته عليهم، أمرهم بشكرها فقال: { اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ } وهم داود، وأولاده، وأهله، لأن المنة على الجميع، وكثير من هذه المصالح عائد لكلهم. { شُكْرًا } للّه على ما أعطاهم، ومقابلة لما أولاهم. { وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } فأكثرهم، لم يشكروا اللّه تعالى على ما أولاهم من نعمه، ودفع عنهم من النقم. والشكر: اعتراف القلب بمنة اللّه تعالى، وتلقيها افتقارا إليها، وصرفها في طاعة اللّه تعالى، وصونها عن صرفها في المعصية. فلم يزل الشياطين يعملون لسليمان، عليه الصلاة والسلام، كل بناء، وكانوا قد موهوا على الإنس، وأخبروهم أنهم يعلمون الغيب، ويطلعون على المكنونات، فأراد اللّه تعالى أن يُرِيَ العباد كذبهم في هذه الدعوى، فمكثوا يعملون على عملهم، وقضى اللّه الموت على سليمان عليه السلام، واتَّكأ على عصاه، وهي المنسأة، فصاروا إذا مروا به وهو متكئ عليها، ظنوه حيا، وهابوه. فغدوا على عملهم كذلك سنة كاملة على ما قيل، حتى سلطت دابة الأرض على عصاه، فلم تزل ترعاها، حتى باد وسقط فسقط سليمان عليه السلام وتفرقت الشياطين وتبينت الإنس أن الجن { لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ } وهو العمل الشاق عليهم، فلو علموا الغيب، لعلموا موت سليمان، الذي هم أحرص شيء عليه، ليسلموا مما هم فيه.

همام الصنعاني

تفسير : 2400- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الحسن في قوله تعالى: {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}: [الآية: 12]، قال يغدو من دمشق فَيَقل يا صطخر، ويَرُوحُ من اصطخر، فيبيت بكابُل، وما بين اصطخر ودمشق مسيرة شهر لِلْمُسْرِع، ومن اصطخر إلى كابل مسيرة شهر للمسرع. 2401- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ}: [الآية: 12]، قال: أَسَالَ الله له عيناً من نحاس.