٣٤ - سَبَأ
34 - Saba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
13
Tafseer
الرازي
تفسير : المحاريب إشارة إلى الأبنية الرفيعة ولهذا قال تعالى: {أية : إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ } تفسير : [صۤ:21] والتماثيل ما يكون فيها من النقوش، ثم لما ذكر البناء الذي هو المسكن بين ما يكون في المسكن من ماعون الأكل فقال: {وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ } جمع جابية وهي الحوض الكبير الذي يجبـي الماء أي يجمعه وقيل كان يجتمع على جفنة واحدة ألف نفس {وَقُدُورٍ رسِيَـٰتٍ } ثابتات لا تنقل لكبرها، وإنما يغرف منها في تلك الجفان، وفيه مسائل: المسألة الأولى: قدم المحاريب على التماثيل لأن النقوش تكون في الأبنية وقدم الجفان في الذكر على القدور مع أن القدور آلة الطبخ والجفان آلة الأكل والطبخ قبل الأكل، فنقول: لما بين الأبنية الملكية أراد بيان عظمة السماط الذي يمد في تلك الدور، وأشار إلى الجفان لأنها تكون فيه، وأما القدور فلا تكون فيه، ولا تحضر هناك، ولهذا قال: {رسِيَـٰتٍ } أي غير منقولات، ثم لما بين حال الجفان العظيمة، كان يقع في النفس أن الطعام الذي يكون فيها في أي شيء يطبخ، فأشار إلى القدور المناسبة للجفان. المسألة الثانية: ذكر في حق داود اشتغاله بآلة الحرب، وفي حق سليمان بحالة السلم وهي المساكن والمآكل وذلك لأن سليمان كان ولد داود، وداود قتل جالوت والملوك الجبابرة، واستوى داود على الملك، فكان سليمان كولد ملك يكون أبوه قد سوى على ابنه الملك وجمع له المال فهو يفرقه على جنوده، ولأن سليمان لم يقدر أحد عليه في ظنه فتركوا الحرب معه وإن حاربه أحد كان زمان الحرب يسيراً لإدراكه إياه بالريح فكان في زمانه العظمة بالإطعام والإنعام. المسألة الثالثة: لما قال عقيب قوله تعالى: {أَنِ ٱعْمَلْ سَـٰبِغَـٰتٍ } {أية : اعملوا صالحاً} تفسير : [سبأ: 11]، قال عقيب ما يعمله الجن: {ٱعْمَلُواْ ءَالَ دَاوُودَ شُـكْراً } إشارة إلى ما ذكرنا أن هذه الأشياء حالية لا ينبغي أن يجعل الإنسان نفسه مستغرقة فيها وإنما الواجب الذي ينبغي أن يكثر منه هو العمل الصالح الذي يكون شكراً، وفيه إشارة إلى عدم الالتفات إلى هذه الأشياء، وقلة الاشتغال بها كما في قوله: {أية : وَقَدِّرْ فِى ٱلسَّرْدِ } تفسير : [سبأ: 11] أي اجعله بقدر الحاجة. المسألة الرابعة: انتصاب شكراً يحتمل ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون مفعولاً له كقول القائل جئتك طمعاً وعبدت الله رجاء غفرانه وثانيها: أن يكون مصدراً كقول القائل شكرت الله شكراً ويكون المصدر من غير لفظ الفعل كقول القائل جلست قعوداً، وذلك لأن العمل شكر فقوله: {ٱعْمَلُواْ } يقوم مقام قوله: {اشكروا} وثالثها: أن يكون مفعولاً به كقولك اضرب زيداً كما قال تعالى: {أية : وَٱعْمَلُواْ صَـٰلِحاً } تفسير : [سبأ: 11] لأن الشكر صالح. المسألة الخامسة: قوله: {وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ } إشارة إلى أن الله خفف الأمر على عباده، وذلك لأنه لما قال: {ٱعْمَلُواْ ءَالَ دَاوُودَ شُـكْراً } فهم منه أن الشكر واجب لكن شكر نعمه كما ينبغي لا يمكن، لأن الشكر بالتوفيق وهو نعمة تحتاج إلى شكر آخر وهو بتوفيق آخر، فدائماً تكون نعمة الله بعد الشكر خالية عن الشكر، فقال تعالى: إن كنتم لا تقدرون على الشكر التام فليس عليكم في ذلك حرج، فإن عبادي قليل منهم الشكور ويقوي قولنا أنه تعالى أدخل الكل في قوله: {عِبَادِي } مع الإضافة إلى نفسه، وعبادي بلفظ الإضافة إلى نفس المتكلم لم ترد في القرآن إلا في حق الناجين، كقوله تعالى: { أية : يٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ ٱللَّهِ } تفسير : [الزمر: 53] وقوله: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ } تفسير : [الإسراء: 65] فإن قيل على ما ذكرتم شكر الله بتمامه لا يمكن وقوله: {قَلِيلٌ } يدل على أن في عباده من هو شاكر لأنعمه، نقول الشكر بقدر الطاقة البشرية هو الواقع وقليل فاعله، وأما الشكر الذي يناسب نعم الله فلا قدرة عليه، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، أو نقول الشاكر التام ليس إلا من رضي الله عنه، وقال له: يا عبدي ما أتيت به من الشكر القليل قبلته منك وكتبت لك أنك شاكر لأنعمي بأسرها، وهذا القبول نعمة عظيمة لا أكلفك شكرها.
القرطبي
تفسير : فيه ثماني مسائل: الأولى: قوله تعالى: {مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ} المحراب في اللغة: كل موضع مرتفع. وقيل للذي يصلَّى فيه: محراب؛ لأنه يجب أن يرفع ويعظّم. وقال الضحاك: «مِنْ مَحَارِيبَ» أي من مساجد. وكذا قال قتادة. وقال مجاهد: المحاريب دون القصور. وقال أبو عبيدة: المحراب أشرف بيوت الدار. قال:شعر : وماذا عليه أن ذكرتُ أوانساً كغِزلان رَمْل في محاريبِ أقيالِ تفسير : وقال عَدِيّ بن زيد:شعر : كدُمَى العاج في المحاريب أو كالـ ـبَيْض في الروْض زهره مستنيرُ تفسير : وقيل: هو ما يرقى إليه بالدرج كالغرفة الحسنة؛ كما قال: {أية : إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ} تفسير : [صۤ: 21] وقوله: {أية : فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ}تفسير : [مريم: 11] أي أشرف عليهم. وفي الخبر «أنه أمر أن يعمل حول كرسيّه ألف محراب فيها ألف رجل عليهم المسوح يَصْرخون إلى الله دائباً، وهو على الكرسي في موكِبه والمحاريب حوله، ويقول لجنوده إذا ركب: سبّحوا الله إلى ذلك العَلَم، فإذا بلغوه قال: هلّلوه إلى ذلك العَلَم، فإذا بلغوه قال: كبّروه إلى ذلك العَلَم الآخر، فتَلِجّ الجنود بالتسبيح والتهليل لَجَّةً واحدة. الثانية: قوله تعالى: {وَتَمَاثِيلَ} جمع تمثال. وهو كل ما صُوّر على مثل صورة من حيوان أو غير حيوان. وقيل: كانت من زجاج ونحاس ورخام تماثيل أشياء ليست بحيوان. وذكر أنها صور الأنبياء والعلماء، وكانت تصور في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة واجتهاداً، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن أولئك كان إذا مات فيهم الرجل الصالح بنَوْا على قبره مسجداً وصوّروا فيه تلك الصُّورَ»تفسير : . أي ليتذكروا عبادتهم فيجتهدوا في العبادة. وهذا يدلّ على أن التصوير كان مباحاً في ذلك الزمان، ونسخ ذلك بشرع محمد صلى الله عليه وسلم. وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة «نوح» عليه السلام. وقيل: التماثيل طِلَّسْمات كان يعملها، ويحرم على كل مصوّر أن يتجاوزها فلا يتجاوزها، فيعمل تمثالاً للذباب أو للبعوض أو للتماسيح في مكان، ويأمرهم ألا يتجاوزوه فلا يتجاوزه واحد أبداً ما دام ذلك التمثال قائماً. وواحد التماثيل تمثال بكسر التاء. قال:شعر : ويا رُبَّ يومٍ قد لهَوْتُ وليلةٍ بآنسة كأنها خطّ تمثالِ تفسير : وقيل: إن هذه التماثيل رجال اتخذهم من نحاس وسأل ربه أن ينفخ فيها الروح ليقاتلوا في سبيل الله ولا يَحِيك فيهم السلاح. ويقال: إن اسفنديار كان منهم؛ والله أعلم. وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أطلق النَّسران أجنحتهما. الثالثة: حكى مكيّ في الهداية له: أن فرقة تجوّز التصوير، وتحتج بهذه الآية. قال ابن عطية: وذلك خطأ، وما أحفظ عن أحد من أئمة العلم من يجوّزه. قلت: ما حكاه مكيّ ذكره النحاس قبله، قال النحاس: قال قوم عمل الصور جائز لهذه الآية، ولِمَا أخبر الله عز وجل عن المسيح. وقال قوم: قد صح النهي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم عنها، والتوعّد لمن عملها أو اتخذها، فنسخ الله عز وجل بهذا ما كان مباحاً قبله، وكانت الحكمة في ذلك لأنه بُعث عليه السلام والصور تُعبد، فكان الأصلح إزالتها. الرابعة: التمثال على قسمين: حيوان وموات. والموات على قسمين: جماد ونامٍ؛ وقد كانت الجن تصنع لسليمان جميعه؛ لعموم قوله: «وَتَمَاثيلَ». وفي الإسرائيليات: أن التماثيل من الطير كانت على كرسي سليمان. فإن قيل: لا عموم لقوله: {وَتَمَاثِيلَ} فإنه إثبات في نكرة، والإثبات في النكرة لا عموم له، إنما العموم في النفي في النكرة. قلنا: كذلك هو، بَيْدَ أنه قد اقترن بهذا الإثبات في النكرة ما يقتضي حمله على العموم، وهو قوله: «مَا يَشَاءُ» فاقتران المشيئة به يقتضي العموم له. فإن قيل: كيف استجاز الصور المنهي عنها؟ قلنا: كان ذلك جائزاً في شرعه ونسخ ذلك بشرعنا كما بينا، والله أعلم. وعن أبي العالية: لم يكن اتخاذ الصور إذ ذاك محرَّماً. الخامسة: مقتضى الأحاديث يدلّ على أن الصور ممنوعة، ثم جاء: «حديث : إلا ما كان رَقْماً في ثوب»تفسير : فخص من جملة الصور، ثم ثبتت الكراهية فيه بقوله عليه السلام لعائشة في الثوب: «حديث : أخّريه عني فإني كلما رأيته ذكرت الدنيا»تفسير : . ثم بِهتكه الثوب المصوّر على عائشة منع منه، ثم بقطعها له وسادتين تغيرت الصورة وخرجت عن هيئتها، فإن جواز ذلك إذا لم تكن الصورة فيه متصلة الهيئة، ولو كانت متصلة الهيئة لم يجز، لقولها في النُّمرُقة المصوّرة: اشتريتها لك لتقعد عليها وتَوَسَّدها، فمنع منه وتوعّد عليه. وتبين بحديث الصلاة إلى الصور أن ذلك جائز في الرقم في الثوب ثم نسخه المنع منه. فهكذا استقر الأمر فيه والله أعلم؛ قاله ابن العربي. السادسة: روى مسلم حديث : عن عائشة قالت: كان لنا ستر فيه تمثال طائر وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حوّلي هذا فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا». قالت: وكانت لنا قطيفة كنا نقول علَمها حرير، فكنا نلبسها. وعنها قالت: فدخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا مستترة بِقِرام فيه صورة، فتلوّن وجهه، ثم تناول الستر فهتكه، ثم قال: «إن من أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة الذين يُشَبِّهُونَ بخلق الله عز وجل»تفسير : . وعنها: أنه كان لها ثوب فيه تصاوير ممدود إلى سَهْوة، فكان النبيّ صلى الله عليه وسلم يصلّي إليه فقال: «أخِّريه عني» قالت: فأخرته فجعلته وسادتين. قال بعض العلماء: ويمكن أن يكون تهتيكه عليه السلام الثوب وأمره بتأخيره وَرَعاً؛ لأن محل النبوّة والرسالة الكمالُ. فتأمله. السابعة: قال المزنيّ عن الشافعيّ: إن دعي رجل إلى عرس فرأى صورة ذات روح أو صوراً ذات أرواح، لم يدخل إن كانت منصوبة. وإن كانت توطأ فلا بأس، وإن كانت صور الشجر. ولم يختلفوا أن التصاوير في الستور المعلقة مكروهة غير محرمة. وكذلك عندهم ما كان خرطاً أو نقشاً في البناء. واستثنى بعضهم «حديث : ما كان رقماً في ثوب»تفسير : ، لحديث سهل بن حُنيف. قلت: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المصورين ولم يستثن. وقوله: «حديث : إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيُوا ما خلقتم» تفسير : ولم يستثن. وفي الترمذيّ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : يخرج عُنُق من النار يوم القيامة له عينان تبصران وأذنان تسمعان ولسان ينطق يقول: إني وُكِّلت بثلاث: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلٰهاً آخر وبالمصوّرين»تفسير : قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. وفي البخاريّ ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصوّرون»تفسير : . يدل على المنع من تصوير شيء، أي شيء كان. وقد قال جل وعز: {أية : مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا} تفسير : [النمل: 60] على ما تقدّم بيانه فاعلمه. الثامنة: وقد استثنى من هذا الباب لُعَب البنات، لما ثبت عن عائشة رضي الله عنها أن النبيّ صلى الله عليه وسلم تزوّجها وهي بنت سبع سنين، وزُفَّت إليه وهي بنت تسع ولُعَبُها معها، ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة سنة. وعنها أيضاً قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبيّ صلى الله عليه وسلم وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل ينقمِعن منه فيُسَرِّ بُهُنَّ إليّ فيلعبن معي. خرجهما مسلم. قال العلماء: وذلك للضرورة إلى ذلك وحاجة البنات حتى يتدرّبن على تربية أولادهنّ. ثم إنه لا بقاء لذلك، وكذلك ما يصنع من الحلاوة أو من العجين لا بقاء له، فرخّص في ذلك، والله أعلم. قوله تعالى: {وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ} قال ابن عرفة: الجوابي جمع الجابية، وهي حُفيرة كالحوض. وقال: كحياض الإبل. وقال ابن القاسم عن مالك: كالجَوْبَة من الأرض، والمعنى متقارب. وكان يقعد على الجَفْنَة الواحدة ألف رجل. النحاس: «وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ» الأوْلى أن تكون بالياء، ومن حذف الياء قال سبيل الألف واللام أن تدخل على النكرة فلا يغيّرها عن حالها، فلما كان يقال جوابٍ ودخلت الألف واللام أقرّ على حاله فحذف الياء. وواحد الجوابي جابية، وهي القِدر العظيمة، والحوض العظيم الكبير الذي يُجْبَى فيه الشيء أي يجمع؛ ومنه جببت الخراج، وجَببت الجراد؛ أي جعلت الكساء فجمعته فيه. إلا أن لَيْثاً روى عن مجاهد قال: الجوابي جمع جَوبة، والجوبة الحفرة الكبيرة تكون في الجبل فيها ماء المطر. وقال الكسائي: جَبَوْت الماء في الحوض وجبيته أي جمعته، والجابية: الحوض الذي يجبى فيه الماء للإبل، قال:شعر : تروح على آلِ المُحَلَّقِ جَفْنَة كجابية الشيخ العراقي تَفْهَقُ تفسير : ويروى أيضاً:شعر : نفى الذمَّ عن آل المُحَلق جفنةٌ كجابية السيح...... تفسير : ذكره النحاس. قوله تعالى: {وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ} قال سعيد بن جُبير: هي قدور النحاس تكون بفارس. وقال الضحاك: هي قدور تعمل من الجبال. غيره: قد نحتت من الجبال الصُّم مما عملت له الشياطين، أثافِيها منها منحوتة هكذا من الجبال. ومعنى «رَاسِيَاتٍ» ثوابت، لا تُحمل ولا تحرّك لعظمها. قال ابن العربي: وكذلك كانت قدور عبد الله بن جُدعان، يصعد إليها في الجاهلية بسُلَّم. وعنها عبّر طرفة بن العبد بقوله:شعر : كالجوابي لا تَنِي مُتْرَعَةً لِقرَى الأضياف أو للمحتضِر تفسير : قال ابن العربي: ورأيت برِباط أبي سعيد قدور الصوفية على نحو ذلك، فإنهم يطبخون جميعاً ويأكلون جميعاً من غير استئثار واحد منهم على أحد. قوله تعالى: {ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} قد مضى معنى الشكر في «البقرة» وغيرها. وروي: أن النبي صلى الله عليه وسلم صعِد المنبر فتلا هذه الآية ثم قال: حديث : «ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي آل داود» قال فقلنا: ما هن؟ فقال: «العدل في الرضا والغضب. والقصد في الفقر والغنى. وخشية الله في السر والعلانية»تفسير : . خرجه الترمذي الحكيم أبو عبد الله عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة. وروي أن داود عليه السلام قال: «يا رب كيف أطيق شكرك على نعمك. وإلهامي وقدرتي على شكرك نعمةٌ لك» فقال: «يا داود الآن عرفتني». وقد مضى هذا المعنى في سورة «إبراهيم». وأن الشكر حقيقته الاعتراف بالنعمة للمنعم واستعمالها في طاعته، والكفران استعمالها في المعصية. وقليل من يفعل ذلك؛ لأن الخير أقل من الشر، والطاعة أقل من المعصية، بحسب سابق التقدير. وقال مجاهد: لما قال الله تعالى: {ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُدَ شُكْراً} قال داود لسليمان: إن الله عز وجل قد ذكر الشكر فاكفني صلاة النهار أكفك صلاة الليل، قال: لا أقدر، قال: فاكفني ـ قال الفاريابي، أراه قال إلى صلاة الظهر ـ قال نعم، فكفاه، وقال الزهري: «اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً» أي قولوا الحمد لله. و«شُكْراً» نصب على جهة المفعول؛ أي اعملوا عملاً هو الشكر. وكأن الصلاة والصيام والعبادات كلها هي في نفسها الشكر إذ سدّت مسدّه، ويبيّن هذا قوله تعالى: {أية : إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ}تفسير : [صۤ: 24] وهو المراد بقوله: «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُور». وقد قال سفيان بن عُيَيْنَة في تأويل قوله تعالى: {أَنِ ٱشْكُرْ لِي} أنّ المراد بالشكر الصلوات الخمس. وفي صحيح مسلم حديث : عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تَفَّطر قدماه؛ فقالت له عائشة رضي الله عنها: أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: «أفلا أكون عبداً شكوراً»تفسير : . انفرد بإخراجه مسلم. فظاهر القرآن والسنة أن الشكر بعمل الأبدان دون الاقتصار على عمل اللسان؛ فالشكر بالأفعال عمل الأركان، والشكر بالأقوال عمل اللسان. والله أعلم. قوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} يحتمل أن يكون مخاطبة لآل داود، ويحتمل أن يكون مخاطبة لمحمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن عطية: وعلى كل وجه ففيه تنبيه وتحريض. وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلاً يقول: اللهم اجعلني من القليل؛ فقال عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: أردت قوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ}. فقال عمر رضي الله عنه: كل الناس أعلم منك يا عمر! وروي أن سليمان عليه السلام كان يأكل الشعير ويطعم أهله الخشكار ويطعم المساكين الدَّرْمَك. وقد قيل: إنه كان يأكل الرماد ويتوسَّده، والأول أصح، إذ الرماد ليس بقوت. وروي أنه ما شبع قَطُّ، فقيل له في ذلك فقال: أخاف إن شبعت أن أنسى الجياع. وهذا من الشكر ومن القليل، فتأمّله، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ } أبنية مرتفعة يصعد إليها بدرج {وَتَمَٰثِيلَ } جمع تمثال وهو كل شيء مثلته بشيء: أي صور من نحاس وزجاج ورخام ولم يكن اتخاذ الصور حراماً في شريعته {وَجِفَانٍ } جمع جفنة {كَٱلْجَوَابِ } ـي جمع جابية وهو حوض كبير يجتمع على الجفنة ألف رجل يأكلون منها {وَقُدُورٍ راسِيَٰتٍ } ثابتات لها قوائم لا تتحرّك عن أماكنها تتخذ من الجبال باليمن يصعد إليها بالسلالم وقلنا {ٱعْمَلُواْ } يا {ءَالَ دَاوُدُ } بطاعة الله {شُكْراً } له على ما آتاكم {وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ } العامل بطاعتي شكرا لنعمتي.
ابن عطية
تفسير : "المحاريب" الأبنية العالية الشريفة، قال قتادة القصور والمساجد، وقال ابن زيد المساكن، والمحراب أشرف موضع في البيت، والمحراب موضع العبادة أشرف ما يكون منه، وغلب عرف الاستعمال في موضع وقوف الإمام لشرفه ومن هذه اللفظة قول عدي بن زيد: [الخفيف] شعر : كدمى العاج في المحاريب أو كالــــ بيض في الروض زهره مستنير تفسير : "والتماثيل" قيل كانت من زجاج ونحاس، تماثيل أشياء ليست بحيوان، وقال الضحاك كانت تماثيل حيوان، وكان هذا من الجائز في ذلك الشرع. قال القاضي أبو محمد: ونسخ بشرع محمد صلى الله عليه وسلم، وقال قوم: حرم التصوير لأن الصور كانت تعبد، وحكى مكي في الهداية أن فرقة كانت تجوز التصوير وتحتج بهذه الآية وذلك خطأ، وما أحفظ من أئمة العلم من يجوزه، و"الجوابي" جمع جابية وهي البركة التي يجبى إليها الماء الذي يجمع قال الراجز: [الرجز] شعر : فصحبت جابية صهارجا كأنه جلد السماء خارجا تفسير : وقال مجاهد: "الجوابي" جمع جوبة وهي الحفرة العظيمة في الأرض. قال الفقيه الإمام القاضي: ومنه قول الأعشى: [الطويل] شعر : نفى الذم عن آل المحلق جفنة كجابية الشيخ العراقيّ تفهق تفسير : وأنشده الطبري: تروح على آل المحلق، ويروى السيح بالسين غير نقط، وبالحاء غير نقط أيضاً، وهو الماء الجاري على وجه الأرض، ويروى بالشين والخاء منقوطين، فيقال أراد كسرى ويقال أراد شيخاً من فلاحي سواد العراق غير معين وذلك أنه لضعفه يدخر الماء في جابيته، فهي تفهق أبداً فشبهت الجفنة بها لعظمها، قال مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد "الجوابي" الحياض، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي "كالجواب" بغير ياء في الوصل والوقف، وقرأ أبو عمرو وعيسى بغير ياء في الوقف وياء في الوصل، وقرأ ابن كثير بياء فيهما، ووجه حذف الياء التخفيف والإيجاز، وهذا كحذفهم ذلك من القاض والغاز والهاد، وأيضاً فلما كانت الألف واللام تعاقب التنوين وكانت الياء تحذف مع التنوين وجب أن تحذف مع ما عاقبه كما يعملون للشيء أبداً عمل نقيضه، و {راسيات} معناه ثابتات لكبرها ليست مما ينقل ولا يحمل. ولا يستطيع على عمله إلا الجن وبالثبوت فسرها الناس، ثم أمروا مع هذه النعم بأن يعملوا بالطاعات، وقوله تعالى: {شكراً} يحتمل أن يكون نصبه على الحال، أي اعملوا بالطاعات في حال شكر منكم لله على هذه النعم، ويحتمل أن يكون نصبه على جهة المفعول، أي اعملوا عملاً هو الشكر كأن الصلاة والصيام والعبادات كلها هي نفسها الشكر إذ سدت مسده، وفي الحديث إن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فتلا هذه الآية ثم قال: "حديث : ثلاث من أوتيهن فقد أوتي العمل شكراً العدل في الغضب والرضى والقصد في الفقر والغنى وخشية الله في السر والعلانية"تفسير : ، وروي أن داود عليه السلام قال يا رب كيف أطيق شكرك على نعمك وإلهامي وقدرتي على شكرك نعمة لك، فقال: يا داود الآن عرفتني حق معرفتي، وقال ثابت: روي أن مصلى داود لم يخل قط من قائم يصلي ليلاً ونهاراً كانوا يتناوبونه دائماً، وكان سليمان عليه السلام فيما روي يأكل خبز الشعير وطعم أهله الخشكار ويطعم المساكين الدرمك، وروي أنه ما شبع قط فقيل له في ذلك فقال: أخاف أن أنسى الجياع، وقوله تعالى: {وقليل من عبادي الشكور} يحتمل أن تكون مخاطبة لآل داود، ويحتمل أن تكون مخاطبة لآل محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى كل وجه ففيها تنبيه وتحريض، وسمع عمر بن الخطاب رجلاً يقول: اللهم اجعلني من القليل، فقال له عمر: ما هذا الدعاء؟ فقال الرجل: أردت قوله عز وجل: {وقليل من عبادي الشكور}، فقال عمر رحمه الله: كل الناس أعلم من عمر. قال الفقيه الإمام القاضي: وقد قال تعالى {أية : وقليل ما هم} تفسير : [ص: 24]، والقلة أيضاً بمعنى الخمول منحة من الله تعالى، فلهذا الدعاء محاسن.
ابن عبد السلام
تفسير : {مَّحَارِيبَ} القصور، أو المساجد، أو المساكن ومحراب الدار أشرف موضع فيها. {وَتَمَاثِيلَ} الصور ولم تكن محرمة وكانت من نحاس، أو من رخام وشِبْه، صور الأنبياء الذين كانوا قبله، أو طواويس وعقباناً ونسوراً على كرسيه ودرجات سريره ليهاب من شاهدها أن يتقدم. {كَالْجَوَابِ} كالحياض، أو الجوبة من الأرض، أو كالحائط. {رَّاسِيَاتٍ} عظام، أو أثافيها منها "ع"، أو ثابتات لا يزلن عن مكانهن وذكر أنها باقية باليمن آية وعبرة {شُكْراً} توحيداً، أو تقوى وطاعة، أو صوم النهار وقيام الليل. فليس ساعة من نهار إلا وفيها من آل داود صائم ولا ساعة من الليل إلا وفيها منهم قائم، أو اعملوا عملاً تستوجبون عليه الشكر أو اذكروا أهل البلاء وسلوا ربكم العافية، أو قال لما أمر بالشكر: إلهي كيف أشكرك والشكر نعمة منك عليّ فقال: الآن شكرتني حين علمت أن النعم مني {الشَّكُورُ} المؤمن الموحد "ع"، أو المطيع، أو ذاكر النعمة. والشاكر من لم يتكرر شكره والشكور من تكرر شكره، أو الشاكر على النعم والشكور على البلوى، أو الشاكر من غلب خوفه والشكور من غلب رجاؤه.
الخازن
تفسير : {يعملون له ما يشاء من محاريب} أي مساجد وقيل: هي الأبنية المرتفعة والقصور والمجالس الشريفة المصونة عن الابتذال، وكان مما عملوا له بيت المقدس وذلك أن داود عليه الصلاة والسلام ابتدأه ورفعه قامة رجل، فأوحى الله إليه لم أقض ذلك على يدك ولكن ابن لك أملكه بعدك اسمه سليمان أقضي إتمامه على يديه فلما توفي داود عليه السلام واستخلف سليمان عليه الصلاة والسلام أحب إتمام بيت المقدس فجمع الجن والشياطين وقسم عليهم الأعمال، وخص كل طائفة بعمل فأرسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام والبلور من معادنهما وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفائح وجعلها اثني عشر ربضا وأنزل على كل ربض منها سبطاً من الأسباط، فلما فرغ من بناء المدينة ابتدأ في بناء المسجد فوجه الشياطين فرقاً منهم من يستخرج الذهب والفضة من معادنهما، ومنهم من يستخرج الجواهر واليواقيت والدر الصافي من أماكنها، ومنهم من يأتيه بالمسك والعنبر والطيب من أماكنها فأتى من ذلك بشيء كثير لا يحصيه إلا الله تعالى ثم أحضر الصناع وأمرهم بنحت تلك الأحجار وتصييرها ألواحاً وإصلاح تلك الجواهر وثقب اليواقيت واللآلىء فبنى المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر وعمده بأساطين البلور الصافي وسقفه بأنواع الجواهر الثمينة، وفصص سقوفه وحيطانه باللآلىء واليواقيت وسائر الجواهر وبسط أرضه بألواح الفيروزج فلم يكن على وجه تلك الأرض يومئذ بيت أبهى ولا أنور من ذلك المسجد فكان يضيء في الظلمة، كالقمر ليلة البدر فلما فرغ منه جمع إليه أحبار بني إسرائيل، وأعلمهم أنه بناه لله تعالى وأن كل شيء فيه خالص له واتخذ ذلك اليوم عيداً. روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : أن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس سأل الله عز وجل، حكماً يوافق حكمه فأوتيه وسأل الله تعالى ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله عز وجل حين فرغ من بناء المسجد أن لا يأتيه أحد لا ينهزه إلا الصلاة فيه إلا أخرجه من خطيئته كيوم ولدته أمه"تفسير : أخرجه النسائي ولغير النسائي، "سأل ربه ثلاثاً فأعطاه اثنتين، وأنا أرجو أن يكون أعطاه الثالثة" وذكر نحوه قوله لا ينهزه أي لا ينهضه إلا الصلاة قالوا: فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان عليه الصلاة والسلام حتى غزاه بختنصر فخرب المدينة، وهدم المسجد وأخذ ما فيه من الذهب والفضة وسائر أنواع الجواهر، وحمله إلى دار ملكه بالعراق وبنى الشياطين لسليمان باليمن قصوراً وحصوناً عجيبة من الصخر. وقوله عز وجل {وتماثيل} أي ويعملون له تماثيل أي صوراً من نحاس ورخام وزجاج قيل كانوا يصورون السباع والطيور وغيرها، وقيل كانوا يصورون صور الملائكة والأنبياء والصالحين في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة قيل: يحتمل أن اتخاذ الصور كان مباحاً في شريعتهم وهذا مما يجوز أن يختلف فيه الشرائع، لأنه ليس من الأمور القبيحة في العقل كالقتل والظلم والكذب, ونحوها مما يقبح في كل الشرائع قيل: عملوا له أسدين تحت كرسيه ونسرين فوقه فإذا أراد أن يصعد بسط له الأسدان ذراعيهما، وإذا جلس أظله النسران بأجنحتهما وقيل: عملوا له الطواويس والعقبان والنسور على درجات سريره وفوق كرسيه لكي يهابه من أراد الدنو منه {وجفان} أي قصاع {كالجواب} أي كالحياض التي يجبى فيها الماء أي يجتمع قيل كان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل يأكلون منها {وقدور راسيات} أي ثابتات على أثافيها لا تحرك، ولا تنزل عن أماكنها لعظمهن وكان يصعد إليها بالسلالم وكان باليمن {اعملوا آل داود شكراً} أي وقلنا يا آل داود واعملوا بطاعة الله تعالى شكراً على نعمه قيل: المراد من آل داود نفسه وقيل داود وسليمان وأهل بيته قال ثابت البناني كان داود نبي الله عليه الصلاة والسلام قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تأتي ساعة من ليل أو نهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي {وقليل من عبادي الشكور} أي قليل العامل بطاعتي شكراً لنعمتي. قوله تعالى {فلما قضينا عليه الموت} أي على سليمان قال: العلماء: كان سليمان يتجرد للعبادة في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر فيدخل فيه ومعه طعامه وشرابهم فدخله المرة التي مات فيها وكان سبب ذلك أنه كان لا يصبح يوماً إلا وقد نبتت في محرابه ببيت المقدس شجرة فيسألها: ما اسمك؟ فتقول: كذا وكذا فيقول لأي شيء خلقت؟ فتقول: لكذا وكذا فيأمر بها فتقطع. فإن كانت لغرس أمره بها فغرست وإن كانت لدواء كتب ذلك حتى نبتت الخروبة فقال: لها ما أنت قالت أنا الخروبة قال ولأي شيء نبت قالت لخراب مسجدك، قال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حي أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس، ثم نزعها وغرسها في حائط له ثم قال: اللهم عم على الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب شيئاً، ويعلمون ما في غد ثم دخل المحراب وقام يصلي على عادته متكئاً على عصاه فمات قائماً، وكان للمحراب كوى من بين يديه، ومن خلقه فكان الجن يعملون تلك الأعمال الشاقة التي كانوا يعملون في حياة سليمان، وينظرون إليه ويحسبون أنه حي ولا ينكرون احتباسه عن الخروج إلى الناس لطول صلاته، وانقطاعه قبل ذلك فمكثوا يدأبون بعد موته حولاً كاملاً حتى أكلت الأرضة عصا سليمان، فخر ميتاً فعلموا بموته قال ابن عباس: فشكرت الجن الأرضة فهم يأتونها بالماء والطين في جوف الخشب فذلك قوله تعالى {ما دلهم على موته إلا دابة الأرض} يعني الأرضة {تأكل منسأته} قال البخاري يعني عصاه {فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين} معناه علمت الجن وأيقنت أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في التعب والشقاء مسخرين لسليمان، وهو ميت ويظنونه حياً أراد الله تعالى بذلك أن يعلم الجن أنه لا يعلمون الغيب لأنهم كانوا يظنون ذلك لجهلهم وقيل في معنى الآية أنه ظهر أمر الجن وانكشف للانس أنهم لا يعلمون الغيب لأنهم كانوا قد شبهوا على الإنس ذلك ذكر أهل التاريخ أن سليمان ملك، وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وبقي في الملك مدة أربعين سنة وشرع في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من ملكه، وتوفي وهو ابن ثلاث وخمسين.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل} قال: من شبه ورخام. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {من محاريب} قال: بنيان دون القصور {وتماثيل} قال: من نحاس {وجِفَان} قال: صحاف {كالجوابِ} قال: الجفنة مثل الجوبة من الأرض {وقدور راسيات} قال: عظام. وأخرج ابن أبي حاتم عن عطية رضي الله عنه في الآية قال {المحاريب} القصور. {والتماثيل} الصور {وجفان كالجوابِ} قال: كالجوبة من الأرض. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله {من محاريب} قال: قصور، ومساجد {وتماثيل} قال: من رخام وشبه {وجفان كالجواب} كالحياض {وقدور راسيات} قال: ثابتات لا يزلن عن مكانهن كن يُرَيْنَ بأرض اليمن. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وتماثيل} قال: اتخذ سليمان عليه السلام تماثيل من نحاس فقال: يا رب انفخ فيها الروح فإنها أقوى على الخدمة، فنفخ الله فيها الروح، فكانت تخدمه، وكان اسفيديار من بقاياهم، فقيل لداود عليه السلام {اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور} . وأخرج ابن جرير وابن أبي شيبة وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {من محاريب} قال: المساجد {تماثيل} قال: الصور {وجفان كالجوابِ} قال: كحياض الإِبل العظام {وقدور راسيات} قال: قدرو عظام كانوا ينحتونها من الجبال. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وجفان كالجوابِ} قال: كالجوبة من الأرض {وقدور راسيات} قال: أثافيها منها. وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله {وجفان كالجواب} قال: كالحياض الواسعة تسع الجفنة الجزور قال: وهل تعرف العرب ذلك قال: نعم. أما سمعت طرفة بن العبد وهو يقول: شعر : كالجوابي لا هي مترعة لقرى الأضياف أو للمحتضر تفسير : وقال أيضاً: شعر : يجبر المجروب فينا ماله بقباب وجفان وخدم تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن الحسن رضي الله عنه {وجفان كالجوابِ} قال: كالحياض {وقدور راسيات} قال: القدور العظام التي لا تحوّل من مكانها. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه {وقدور راسيات} قال: عظام تفرغ افراغاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله {اعملوا آل داود شكراً} قال: إعملوا شكراً لله على ما أنعم به عليكم. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن شهاب في قوله {اعملوا آل داود شكراً} قال: قولوا الحمد لله. وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ثابت البناني رضي الله عنه قال: بلغنا أن داود عليه السلام جزأ الصلاة على بيوته على نسائه وولده، فلم تكن تأتي ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان قائم من آل داود يصلي، فعمتهم هذه الآية {اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور} . وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: قال داود لسليمان عليهما السلام: قد ذكر الله الشكر فاكفني قيام النهار أكفك قيام الليل. قال: لا أستطيع قال: فاكفني صلاة النهار. فكفاه. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه قال: الشكر تقوى الله، والعمل بطاعته. وأخرج ابن أبي حاتم عن الفضيل رضي الله عنه قال: قال داود عليه السلام: يا رب كيف أشكرك والشكر نعمة منك؟ قال: الآن شكرتني، حين علمت أن النعم مني. وأخرج أحمد بن حنبل في الزهد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن المغيرة بن عتبة قال: قال داود عليه السلام: يا رب هل بات أحد من خلقك الليلة أطول ذكراً لك مني؟ فأوحى الله إليه: نعم. الضفدع، وأنزل الله تعالى على داود عليه السلام {اعملوا آل داود شكراً} فقال داود عليه السلام: يا رب كيف أطيق شكرك وأنت الذي تنعم علي ثم ترزقني على النعمة الشكر. فالنعمة منك، والشكر منك، فكيف أطيق شكرك؟ قال: يا داود الآن عرفتني حق معرفتي. وأخرج أحمد في الزهد وابن أبي حاتم في كتاب الشكر والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي الجلد رضي الله عنه قال: قرأت في مَسَاءلَةِ داود عليه السلام أنه قال: أي رب كيف لي أن أشكرك، وأنا لا أصل إلى شكرك الا بنعمتك؟ قال: فأتاه الوحي: إن يا داود أليس تعلم أن الذي بك من النعم مني؟ قال: قال داود عليه السلام: إلهي لو أن لكل شعرة مني لسانين يسبحانك الليل والنهار والدهر كله، ما قضيت حق نعمة واحدة من نعمك علي. وأخرج ابن المنذر عن السدي رضي الله عنه في قوله {اعملوا آل داود شكراً} قال: لم ينفك منهم مصلٍ. وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما قيل لهم {اعملوا آل داود شكراً} لم يأت على القوم ساعة إلا ومنهم يصلي. وأخرج ابن المنذر عن عطاء بن يسار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يخطب الناس على المنبر، وقرأ هذه الآية {اعملوا آل داود شكراً} قال: "حديث : ثلاث من أوتيهن فقد أوتي ما أوتي آل داود قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وذكر الله في السر والعلانية ". تفسير : وأخرجه ابن مردويه من طريق عطاء بن يسار عن حفصة رضي الله عنها مرفوعاً به وأخرجه الحكيم الترمذي من طريق عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعاً به. وأخرجه ابن النجار في تاريخه من طريق عطاء بن يسار عن أبي ذر رضي الله عنه، مرفوعاً به. وقال "خشية الله في السر والعلانية" والله أعلم. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وقليل من عبادي الشكور} يقول: قليل من عبادي الموحدين توحيدهم. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر عن إبراهيم التيمي رضي الله عنه قال: قال رجل عند عمر رضي الله عنه: اللهم اجعلني من القليل. فقال عمر رضي الله عنه: ما هذا الدعاء الذي تدعو به؟ قال: إني سمعت الله يقول {وقليل من عبادي الشكور} فأنا أدعوا الله أن يجعلني من ذلك القليل فقال عمر رضي الله عنه: كل الناس أعلم من عمر.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً} [الآية: 13]. قال ابن عطاء: اعملوا من الأعمال ما تستوجبون عليه الشكر. وقال أيضًا: أظهروا شكر النعمة كظهور النعمة عليكم. وقال الأنطاكى: الشكر على وجوه منها شكر أهل المعاملة إذا رأوا النعمة رأوها من المنعم وشكر العاصين طاعة بالأبدان وشكر المطيعين حمدٌ باللسان وذكر النعم وشكر العارفين معرفة المنعم وهى درجة الأنبياء. قال عبد العزيز المكى: اذكروا نعمتى عليكم فإن ذكرها شكرها. قال الأنطاكى: أصل الشكر الطاعة والتوبة والندم بالقلب قال الله تعالى: {ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً}. قال بعضهم: الشكر رؤية المنة من المنعم على دوام الأحوال. سئل الجنيد رحمة الله عليه عن الشكر فقال: بذل المجهود بين يدى الله. وقال رويم: الشكر استفراغ الطاقة. قال السرى رحمة الله عليه: الشكر القيام بين يدى الله حتى يعجز فإن عجز فقد شكره. قال الفضيل: {ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً} قال: ارحموا أهل البلاء وسلوا ربكم العافية. قوله عز وعلا: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} [الآية: 13]. سمعت محمد بن عبد الله يقول: سمعت ابن عطاء رحمة الله عليه يقول: فى قوله: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} قال: قليل من عبادى من يرى الطاعة منةً منى عليه. قال أبو حفص: أخس العباد من يرى طاعته ويمن بها على مولاه ويغفل عن محل التوفيق فيها وأنه أهَّله لعبادته والقيام بخدمته ألا ترى الله يقول: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ}. وقيل: فى قوله: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} هم على ثلاث طبقات: منهم من يكون شكره لغذاء النفس، ومنهم من يكون شكره لغذاء الروح، ومنهم من يكون شكره لغذاء القلب. فأما غذاء النفس فالمطعم والملبس والعافية، أما غذاء الروح فالعلم والمعرفة والطاعة، فعليه الشكر وأما غذاء القلب فالمعرفة والرضا، فأبناء الدنيا شكرهم لغذاء أنفسهم، وأبناء الآخرة شكرهم لغذاء الروح وأصحاب القلوب شكرهم لغذاء قلوبهم لذلك روى عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "حديث : من لم يعرف نعمة الله عليه إلا فى مطعمه وملبسه فقد صغَّر نعم الله عنده ". تفسير : وقال بعضهم: هم ثلاثة شاكر وشكور وشكَّار فالشاكر من يشكر الله بنعمته والشكور من يشكر الله بشكره والشكَّار من يشكر الله به فالأول شكر النعمة والثانى شكر المنة والثالث شكر المعرفة. قال بعضهم: الشاكر يكون صادقًا والشكور يكون مصدّقًا والشكار يكون صدِّيقًا. قال بعضهم: الشاكر من العباد قليل والشكور من الشاكرين قليل والشكار من الشكور قليل.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً} لما بلغ الله داود وسليمان الى محل التمكين من المعرفة والتصرف فى المملكة الذى هو أخر درجة من درجات الصديقين طالبهم يشكر ذلك النعمة اعملوا أل داود الشكر الحقيقى اى بذلوا انفسكم فى خدمتى واعرفوا معطيّكم بسقوط نظركم عن العطا فان الشكر الحقيقى معرفة المشكور على ما هو به قال ابن عطا اعلموا من الاعمال ما تستوجبون به الشكر وقال الانطاكى اصل الشكر الطاعة والتوبة والشدة بالقلب قال الله اعملوا أل داود شكرا ثم شكى من الاكثر من قلة شكر هو بقوله {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} اى قليل من واقف بوقف الفناء فى مقام الحياء حين عاين قدم الالوهية وروية مواهب السنية بغير علة قيل قليل من عبادى من يرى الطاعة منه منى عليه قال بعضهم الشاكرين من العباد قليل والشكور من الشاكرين قليل والشكار من الشكور قليل.
اسماعيل حقي
تفسير : {يعملون له ما يشاء} تفصيل لما ذكر من عملهم {من محاريب} بيان لما يشاء جمع محراب. قال فى القاموس المحراب الغرفة وصدر البيت واكرم مواضعه ومقام الامام من المسجد والموضع ينفرد به الملك فيتباعد عن الناس انتهى. وفى المفردات محراب المسجد قيل سمى بذلك لانه موضع محاربة الشيطان والهوى او لكون حق الانسان فيه ان يكون حريبا اى مسلوبا من اشغال الدنيا ومن توزع الخاطر. وقيل الاصل فيه ان محراب البيت صدر المجلس ثم لما اتخذت المساجد سمى صدرها به وقيل بل المحراب اصل فى المسجد وهو اسم خص به صدر المسجد وسمى صدر البيت محرابا تشبيها بمحراب المسجد وهذا اصح انتهى. والمعنى من قصور حصينة ومساكن شريفة سميت بذلك لانها يذب عنها ويحارب عليها وادرج فى تفسير الجلالين ايضا. قال المفسرون فبنت الشياطين لسليمان تدمر كتنصر وهى بلدة بالشام والابنية العجيبة باليمن وهى صرواج ومرواج وبينون وسلحين وهيذة وهنيذة وفلتوم وغمدان ونحوها وكلها خراب الآن وعملوا له بيت المقدس فى غاية الحسن والبهاء. [اصحاب سير كفته اندكه رب العالمين در نزاد ابراهيم عليه السلام بركت كرد جنانكه كس طاقت شمردن نسل آن نداشت خصوصا در روزكار داود عليه السلام داود خواست كه عدد بنى اسرائيل بداند ايشان كه در زمين فلسطين مسكن داشتند روز كارى دراز مى شمردند وبسر نرسيدند ونوميد كشتند بس وحى آمد بداود كه جون ابراهيم آن خواب كه اورا نموديم بذبح فرزند تصديق ووفا كرد من اورا وعده دادم كه درنسل وى بركت كنم اين كثرت ايشان ازانست اما ايشان فراوانى ازخويشتن ديدند وخودبين كشتند لا جرم عدد ايشان كم كنم اكنون مخيراند ميان سه بليه آن يكى كه اختيار كنند برايشان كما رم يا قحط ونياز وكرسنكى يا دشمن سه ماه ياوبا وطاعون سه روز داود اسرائيل را جمع كرد وايشانرا درين سه بليت مخر كرد داز هرسه طاعون اختيار كردند كفتند اين يكى آسانتراست وار فضيحت دور تربس همه جهاز مرك بساختند غسل كردند وخنود برخود ريختند وكفن در برشيدن وبصحرا بيرون رفتند با اهل وعيال وخرد وبزرك دران صعيد بيت المقدس بيش ازبنا نهادن آن وداود بصخره سجود درافتاد وايشان دعا وتضرع كردند رب العالمين طاعون برايشان فرود كشاد يك شبان روز جندان هلاك شدندكه بعد ازان بدوماه ايشانرا دفن توانستند كرد جون يك شبان روز از طاعون بكذشت رب العالمين دعاى داود اجابت وتضرع ايشان روا كرد وآن طاعون ازايشان برداشت بشكر آنكه رب العالمين دران مقام برايشان رحمت كرد بفرمود تا آنجا مسجدى سازندكه بيوسته آنجا ذكر الله ودعا وتضرع رود بس ايشان دركار ايستادند ونخست مدينة بيت المقدس بنا نهادند وداود بردوش خودسنك ميكشيد وخيار بنى اسرائيل همجنان سنك مى كشيدند تايك قامت بنابر آوردند بس وحى آمد بداودكه اين شهر ستانرا بيت المقدس نام نهاديم قدمكاه بيغمبران وهجرتكاه ونزولكاه باكان ونيكان]. قال بعض الكبار اراد داود عليه السلام بنيان بيت المقدس فبناه مرارا فلما فرغ منه تهدّم فشكا ذلك الى الله فاوحى الله اليه ان بيتى هذا لا يقوم على يدى من سفك الدماء فقال داود يا رب ألم يك ذلك فى سبيلك قال بلى ولكنهم أليسوا عبادى فقال يا رب اجعل بنيانه على يدى من هو منى فاوحى الله اليه ان ابنك سليمان يبنيه فانى املكه بعدك واسلمه من سفك الدماء واقضى اتمامه على يده. وسبب هذا ان الشفقة على خلق الله احق بالرعاية من الغيرة فى الله باجراء الحدود المفضية الى هلاكهم ولكون اقامة هذه النشأة اولى من هدمها فرض الله فى حق الكفار الجزية والصلح ابقاء عليهم ألا ترى من وجب عليه القصاص كيف شرع لولى الدم اخذ الفدية او العفو فان ابى فحينئذ يقتل ألا تراه سبحانه اذا كان اولياء الدم جماعة فرضى واحد بالدية اوعفا وباقى الاولياء لا يرون الا القتل كيف يراعى من عفا ويرجح على من لم يعف فلا يقتل قصاصا. ثم نرجح الى القصة فصلوا فيه زمانا [كفته اند داود درآن روز صد وبيست وهفت سال بود جون سال وى بصد وجهل رسيد ازدنيا بيرون شد وسليمان بجاى وى نشست] وكان مولد سليمان بغزة وملك بعد ابيه وله اثنتا عشرة سنة ولما كان فى السنة الرابعة من ملكه فى شهر ايار سنة تسع وثلاثين وخمسمائة لوفاة موسى عليه السلام ابتدأ سليمان فى عمارة بيت المقدس واتمامه حسبما تقدم وصية ابيه اليه وجمع حكماء الانس والجن وعفاريت الارض وعظماء الشياطين وجعل منهم فريقا يبنون وفريقا يقطعون الصخور والعمد من معادن الرخام وفريقا يغوصون فى البحر فيخرجون منه الدر والمرجان وكان فى الدر ما هو مثل بيضة النعامة والدجاجة وبنى مدينة المقدس وجعلها اثنى عشر ربضا وانزل كل ربض منها سبطا من اسباط بنى اسرائيل وكانوا اثنى عشر سبطا ثم بنى المسجد الاقصى بالرخام الملون وسقفه بالواح الجواهر الثمينة ورصع سقوفه وحيطانه باللآلى واليواقيت وانبت الله شجرتين عند باب الرحمة احداهما تنبت الذهب والاخرى تنبت الفضة فكان كل يوم ينزع من كل واحدة مائتى رطل ذهبا وفضة وفرش المسجد بلاطة من ذهب وبلاطة من فضة وبالواح الفيروزج فلم يكن يومئذ فى الارض بيت ابهى ولا انور من ذلك المسجد كان يضيئ فى الظلمة كالقمر ليلة البدر وفرغ منه فى السنة الحادية عشرة من ملكه وكان ذلك بعد هبوط آدم عليه السلام باربعة آلاف واربعمائة واربع عشرة سنة وبين عمارة سليمان بيت المقدس والهجرة النبوية المحمدية على صاحبها ازكى السلام الف وثمانمائة وقريب من سنتين ولما فرغ من بناء المسجد سأل الله ثلاثا حكما يوافق حكمه وسأله ملكا لا ينبغى لاحد من بعده وسأله ان لا يأتى الى هذا المسجد احد لا يريد الا الصلاة فيه الاخرج من خطيئته كيوم ولدته امه قال عليه السلام نرجو ان يكون قد اعطاه اياه ولما رفع سليمان يده من البناء جمع الناس فاخبرهم انه مسجد لله تعالى وهو امره ببنائه وان كان شئ فيه لله من انتقص شيئا منه فقد خان الله تعالى ثم اتخذ طعاما وجمع الناس جمعا لم ير مثله ولا طعام اكثر منه وقرب القرابين لله تعالى واتخذ ذلك اليوم الذى فرغ منه فيه عيدا. قال سعيد بن المسيب لما فرغ سليمان من بناء بيت المقدس تغلقت ابوابه فعالجا سليمان فلم تنفتح حتى قال فى دعائه بصلوات ابى داود وافتتح الابواب فتفتحت فوزع له سليمان عشرة آلاف من قراء بنى اسرائيل خمسة آلاف بالليل وخسمة آلاف بالنهار فلا يأتى ساعة من ليل ولانهار الا والله يعبد فيها واستمر بيت المقدس على ما بناه سليمان اربعمائة سنة وثلاثا وخمسين سنة حتى قصده بخت نصر فخرب المدينة وهدمها ونقض المسجد واخذ جميع ما كان فيه من الذهب والفضة والجواهر وحمله الى دار مملكته من ارض العراق واستمر بيت المقدس خرابا سبعين سنة ثم اهلك بخت نصر ببعوضة دخلت دماغه وذلك انه من كبر الدماغ وانتفاخه فعل ما فعل من التخريب والقتل فجازاه الله تعالى بتسليط اضعف حيوان على دماغه شعر : نه هركز شنيديم در عمر خويش كه بدمر درانيكى آمد به بيش تفسير : {وتماثيل} جمع تمثال بالكسر وهو الصورة على مثال الغير اى وصور الملائكة والانبياء على صورة القائمين والراكعين والساجدين على ما اعتادوه فانها كانت تعمل حينئذ فى المساجد من زجاج ونحاس ورخام ونحوها ليراها الناس ويعبدوا مثل عباداتهم. ويقال ان هذه التماثيل رجال من نحاس وسأل ربه ان ينفخ فيها الروح ليقاتلوا فى سبيل الله ولا يعمل فيهم السلاح وكان اسفنديار رويين تن منهم كما فى تفسير القرطبى ـ وروى ـ انهم عملوا اسدين فى اسفل كرسيه ونسرين فوقه فاذا اراد ان يصعد بسط الاسدان ذراعيهما فارتقى عليهما: يعنى [جون سليمان خواستى كه بتخت برآيد آن دوشير بازوهاى خود برافر اختندى تاباى بران نهاده بالارفتى] واذا قعد اظله النسران باجنحتهما فلما مات سليمان جاء افريدون ليصعد الكرسى ولم يدر كيف يصعد فلما دنا منه ضربه الاسد على ساقه فكسر ساقه ولم يجسر احد بعده ان يدنو من ذلك الكرسى. واعلم ان حرمة التصاوير شرع جديد وكان اتخاذ الصور قبل هذه الامة مباحا وانما حرم على هذه الامة لان قوم رسولنا صلى الله عليه وسلم كانوا يعبدون التماثيل اى الاصنام فنهى عن الاشتغال بالتصوير وابغض الاشياء الى الخواص ما عصى الله به وفى الحديث "حديث : من صور صورة فان الله معذبه حتى ينفخ فيها الروح وليس بنافخ فيها ابدا" تفسير : وهذا يدل على ان تصوير ذى الروح حرام. قال الشيخ الاكمل هل هو كبيرة او لا فيه كلام فعند من جعل الكبيرة عبارة عما ورد الوعيد عليه من الشرع فهو كبيرة واما من جعل الكبيرة منحصرة فى عدد محصور فهذا ليس من جملته فيكون الحديث محمولا على المستحل او على استحقاق العذاب المؤبد واما تصوير ما لاروح له فرخص فيه وان كان مكروها من حيث انه اشتغال بما لا يعنى. قال فى نصاب الاحتساب ويحتسب على من يزخرف البيت بنقش فيه تصاوير لان الصورة فى البيت سبب لامتناع الملائكة عن دخوله قال جبريل عليه السلام "حديث : انا لا ندخل بيتا فيه كلب او صورة" تفسير : ولو زخرفة بنقش لا صورة فيه لا بأس به. وفى ملتقط الناصرى لو هدم بيتا مصورا فيه بهذه الاصباغ تماثيل الرجال والطيور ضمن قيمة البيت واصباغه غير مصورة انتهى فاذا منع من التصاوير فى البيت فاولى ان يمنع منها فى المسجد ولذا محيت رؤس الطيور فى المساجد التى كانت كنائس وفيها تماثيل وجاء فى الفروع انه يكره ان يكون فوق رأس المصلى او بين يديه او بحذائه صورة واشدها كراهة ان يكون امام المصلى ثم فوق رأسه ثم على يمينه ثم على يساره ثم خلفه قيل ولو كانت خلفه لا يكره لانه لا يشبه عبادة الصنم وفيه اهانة لها ولو كانت تحت قدميه لا يكره. قال فى العناية قيل اذا كانت خلفه لا تكره الصلاة ويكره كونها فى البيت لان تنزيه مكان الصلاة عما يمنع دخول الملائكة مستحب. لا يقال فعلى هذا لا يكره كونها تحت القدم فيه ايضا. لانا نقول فيه من التحقير والاهانة مالا يوجد فى الخلف فلا قياس لوجود الفارق ثم الكراهة اذا كانت الصورة كبيرة بحيث تبدو وتظهر للناظر بلا تأمل فلو كانت صغيرة بحيث لا تتبين تفاصيل اعضائها الا بتأمل لا يكره لان الصغير جدا لا يعبد ولو قطع رأسها لا يكرد لانها لا تعبد بلا رأس عادة ومعنى قطع الرأس ان يمحى رأسها بخيط يخاط عليها وينسج حتى لم يبق للرأس اثر اصلا بل طمست هيئته قطعا ولو خيط ما بين الرأس والجسد لا يعتبر لان من الطيور ما هو مطرق فيكون احسن فى العين ولو محى وجه الصورة فهو كقطع رأسها بخلاف قطع يديها ورجليها ولا تكره الصلاة على بساط مصور لانه اهانة ولس بتعظيم ان لم يسجد عليها لان السجود عليها يشبه عبادة الاصنام واطلق الكراهة فى المبسوط لان البساط الذى يصلى عليه معظم بالنسبة الى سائر البسط فكان فيه تعظيم الصورة وقد امرنا باهانتها. وفى حواشى اخى جلبى اذا كان التمثال تمثال ما يعظم الكفار كشكل الصليب مثلا لا ريب فى كراهة السجدة عليه ألا يرى الى ظهير الدين حيث قال الاصل فيه ان كل ما يقع تشبها بهم فيما يعظمون يكره الاستقبال بالصلاة اليه ولو كانت الصورة على وسادة ملقاة او بساط مفروش لم يكره لانها توطأ فكأنه استهانة بالصورة بخلاف ما لو كانت الوسادة منصوبة كالوسائد الكبار او كانت على الستر لانها تعظيم لها. وفى الخلاصة الصورة اذا كانت على وسادة او بساط لا بأس باستعمالهما وان كان يكره اتخاذهما وان كانت على الازار والستر فمكروه ولا يفسد صلاته فى كل الفصول لوجود شرائط الجواز والنهى لمعنى فى غير المنهى عنه وتعاد على وجه غير مكروه وهو الحكم فى كل صلاة اديت مع الكراهة كما لو ترك تعديل الاركان كما فى الكافى {وجفان} [وميكردندى يعنى شياطين براى سليمان ازكاسهاى جوبين وغير آن] وهى جمع جفنة وهى القصعه العظيمة فان اعظم القصاع الجفنة ثم القصعة تليها تشبع العشرة ثم الصفحة تشبع الخمسة ثم الميكلة تشبع الرجلين والثلاثة ثم الصفحة تشبع الرجل فتفسير الجفان بالصحاف كما فعله البعض منظور فيه. قال سعدى المفتى والجفنة خصت بوعاء الاطعمة كما فى المفردات {كالجواب} كالحياض الكبار اصله الجوابى بالياء كالجوارى جمع جابيه من الجباية لاجتماع الماء فيها وهى من الصفات الغالبة كالدابة. قال الراغب يقال جبيت الماء فى الحوض جمعته والحوض الجامع له جابيه ومنه استعير جبيت الخراج جباية. قيل كان يقعد على الجفنة الفا رجل فيأكلون منها وكان لمطبخه كل يوم اثنا عشر الف شاة والف بقرة وكان له اثنا عشر الف خباز واثنا عشر الف طباخ يصلحون الطعام فى تلك الجفان لكثرة القوم. وكان لعبد الله بن جدعان من رؤساء قريش وهو ابن عم عائشة الصديقة رضى الله عنها جفنة يستظل بظلها ويصل اليها المتناول من ظهر البعير ووقع فيها صبى فغرق وكان يطعم الفقراء كل يوم من تلك الجفنة حديث : وكان لنبينا صلى الله عليه وسلم قصعة يحملها اربعة رجال يقال لها الغراء اى البيضاء فلما دخلوا فى الضحى وصلوا صلاة الضحى اتى بتلك القصعة وقد ثرد فيها فالتفوا حولها اى اجتمعوا فلما كثروا جثا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اعرابى ما هذه الجلسة فقال عليه السلام "ان الله جعلنى عبدا كريما ولم يجعلنى جبارا عنيدا" ثم قال "كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يبارك فيها" تفسير : قال فى الشرعة ولا بركة فى القصاع الصغار ولتكن قصعة الطعام من خزف او خشب فانهما اقرب الى التواضع. ويحرم الاكل فى الذهب والفضة وكذا الشرب منهما. ويكره آنية النحاس اذا كان غير مطلىّ بالرصاص. وكذا فى آنية الصفر وهو بضم الصاد المهملة وسكون الفاء شئ مركب من المعدنيات كالنحاس والاسرب وغير ذلك يقال له بالفارسية [روى] بترقيق الراء فانه بتفخيمها بمعنى الوجه {وقدور راسيات} القدر بالكسر اسم لما يطبخ فيه اللحم كما فى المفردات. والجمع قدور. والراسيات جمع راسية من رسا الشئ يرسو اذا ثبت ولذلك سميت الجبال الرواسى والمعنى وقدور ثابتات على الاثافى لا تنزل عنها لعظمها ولا تحرك من اماكنها وكان يصعد عليها بالسلال وكانت باليمين [وهنوز در بعض از ولايات شام ديكهاى جنين ازسنك تراشيده موجودست] وكانت تتخذ القدور من الجبال او هى قدور النحاس وكانت موضوعة على الاثافى او كانت اثافيها منها كما فى الكواشى. وفى التأويلات النجمية يشير بقوله {وجفان} الى آخره الى مأدبة الله التى لا نهاية لها التى يأكل منها الاولياء اذ يبيتون عنده كما قال عليه السلام "حديث : ابيت عند ربى يطعمنى ويسقينى" تفسير : {اعملوا} يا {آل داود} فنصبه على النداء والمراد به سليمان لان هذا الكلام قدورد فى خلال قصته وخطاب الجمع للتعظيم او اولاده او كل من ينفق عليه او كل من يتأتى منه الشكر من امته كما فى بحر العلوم والمعنى وقلنا له او لهم اعملوا {شكرا} نصب على العلة اى اعملوا له واعبدوه شكرا لما اعطيتكم من الفضل وسائر النعماء فانه لا بد من اظهار الشكر كظهور النعمة او على المصدر لا عملوا لان العمل للمنعم شكر له فيكون مصدرا من غير لفظه او لفعل محذوف اى اشكروا شكرا او حال اى شاكرين او مفعول به اى اعملوا شكرا ومعناه انا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا انتم شكرا على طريق المشاكلة. قال بعض الكبار قال تعالى فى حق داود {ولقد آتينا داود منا فضلا} فلم يقرن بالفضل الذى آتاه شكرا يطلبه منه ولا اخبر انه اعطاه هذا الفضل جزاء لعمل من اعماله ولما طلب الشكر على ذلك الفضل بالعمل طلبه من آل داود لامنه ليشكره الآل على ما انعم به على داود فهو فى حق داود عطاء نعمة وافضال وفى حق آله عطاء لطلب المعاوضة منهم فداود عليه السلام ليس يطلب منه الشكر على ذلك العطاء وان كانت الانبياء عليهم السلام قد شكروا الله على انعامه وهبته فلم يكن ذلك الشكر الواقع منهم مبنيا على طلب من الله سبحانه بل تبرعوا بذلك من عند نفوسهم كما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه من غير ان يكون مأمورا بالقيام على هذا الوجه شكرا لما غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فلما قيل له فى ذلك قال "حديث : أفلا اكون عبدا شكورا " تفسير : وفى التأويلات النجمية يشير الى شكر داود الروح وسليمان القلب من آله السر والخفى والنفس والبدن فان هؤلاء كلهم من مولدات الروح فشكر البدن استعمال الشريعة بجميع اعضائه وجوارحه ومحال الحواس الخمس ولهذا قال اعملوا. وشكر النفس باقامة شرائط التقوى والورع. وشكر القلب بمحبة الله وخلوه عن محبة ما سواه. وشكر السر مراقبته من التفاتة لغير الله. وشكر الروح ببذل وجوده على نار المحبة كالفراش على شعلة الشمع. وشكر الخفى قبول الفيض بلا واسطة فى مقام الوحدة ولهذا سمى خفيا لانه بعد فناء الروح فى الله يبقى فى قبول الفيض فى مقام الوحدة مخفيا بنور الوحدة على نفسه {وقليل من عبادى الشكور} قليل خبر مقدم للشكور. وقال الكاشفى وصاحب كشف الاسرار [واندكى ازبند كان من سباس دارند] والشكور المبالغ فى اداء الشكر على النعماء والآلاء بان يشكر بقلبه ولسانه وجوارحه اكثر اوقاته واغلب احواله ومع ذلك لا يوفى حقه لان التوفيق للشكر نعمة تستدعى شكرا آخر لا الى نهاية ولذلك قيل الشكور من يرى عجزه عن الشكر شعر : حق شكر حق نداند هيج كس حيرت آمد حاصل دانا وبس آن بزركى كفت باحق درنهان كاى بديد آرنده هر دوجهان اى منزه اززن وفرزند وجفت كى توانم شكر نعمتهات كفت بيك حضرت دادش از ايزد بيام كفتش از تواين بود شكر مدام جون درين راه اين قدر بشناختى شكر نعمتهاى ما برداختى تفسير : قال الامام الغزالى رحمه الله احسن وجوه الشكر لنعم الله تعالى ان لا يستعملها فى معاصيه بل فى طاعاته وذلك ايضا بالتوفيق. وعن جعفر بن سليمان سمعت ثابتا يقول ان داود جزأ ساعات الليل والنهار على اهله فلم تكن تأتى ساعة من ساعات الليل والنهار الا وانسان من آل داود قائم يصلى. وعن النبى عليه السلام "حديث : اذا كان يوم القيامة نادى مناد ألا ان داود اشكر العابدين وايوب صابر الدنيا والآخرة " تفسير : وفى التأويلات النجمية وبقوله {قليل من عبادى الشكور} يشير الى قلة من يصل الى مقام الشكورية وهو الذى يكون شكره بالاحوال. فللعوام شكرهم بالاقوال كقوله تعالى {أية : وقل الحمد لله سيريكم آياته}تفسير : . وللخواص شكرهم بالاعمال كقوله {اعملوا آل داود شكرا}. ولخواص الخواص شكرهم بالاحوال وهو الاتصاف بصفة الشكورية والشكور هو الله تعالى لقوله تعالى {أية : ان ربنا لغفور شكور} تفسير : بان يعطى على عمل فان عشرا من ثواب باق كل ما كان عندهم ينفد وما عنده الى السرمد ان الله كثير الاحسان فاعمل شكرا ايها الانسان
الجنابذي
تفسير : {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ} اى قصورٍ رفيعة سمّيت بها لمنعها من الاستيلاء عليها والقدرة على المحاربة فيها {وَتَمَاثِيلَ} اى صورٍ، عن الصّادق (ع): والله ما هى تماثيل الرّجال والنّساء ولكنّها الشّجر وشبهه {وَجِفَانٍ} جمع الجفنة بمعنى القصعة {كَٱلْجَوَابِ} جمع الجابية الحوض الضّخم {وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ} ثابتات على الاثافىّ لا تنزل عن مكانها لعظمها {ٱعْمَلُوۤاْ} اى قائلين اعملوا {آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} الكثير الشّكر الّذى لا يغفل عن النّعمة والانعام وتعظيم المنعم وصرفها فى وجهها ومع ذلك لا يمكن لاحدٍ اداء الشّكر حقّه، لانّ الشكر نعمة اعظم من كلّ نعمة يشكر عليها.
الهواري
تفسير : قال: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وتَمَاثِيلَ} والمحاريب في تفسير الحسن المساجد، وفي تفسير مجاهد: [بنيان دون] القصور. وفي تفسير الكلبي: المساجد والقصور. {وَتَمَاثِيلَ}، وهي الصور. وفي تفسير الحسن: إنها لم تكن يومئذ محرّمة. وتفسير مجاهد: إنها تماثيل من نحاس. قال: {وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ} أي: كالحياض في تفسير الحسن. {وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ} أي: ثابتات في الأرض عظام تنقر من الجبال بأثافيها فلا تحول عن أماكنها. ذكروا أن سليمان أمر ببناء بيت المقدس فقالوا له: زوبعة الشيطان له عين في جزيرة في البحر يردها في كل سبعة أيام يوماً. فأتوها فنزحوها، ثم صَبّوا فيها خمراً. فجاء لوِرده، فلما أبصر الخمر قال في كلام له: ما علمت أنك إذا شربك صاحبك يظهر عليه عدوُّه، في أساجيع له؛ لا أذوقك اليوم، فذهب. ثم رجلع لِظِمْءٍ آخر، فلما رآها كما كانت قال كما قال أول مرة. ثم ذهب فلم يشرب، حتى جاء لظمء آخر لإِحدى وعشرين ليلة، فقال: ما علمت إنك لتُذهِبين الهَمَّ، في سجع له، فشرب منها فسكر. فجاءوا إليه فأروه خاتم السُّخرة. فانطلق معهم إلى سليمان، فأمرهم بالبناء فقال زوبعة: دُلوني على بيض الهدهد. فدُلَّ على عُشِّه. فانطلق فجاء بالماس الذي يثقب به الياقوت، فوضعه عليه فَقطَّ الزجاجة نصفين، ثم انطلق ليأخذه فأزعجوه، فجاءوا بالماس إلى سليمان، فجعلوا يستعرضون الجبال العظيمة كأنما يخطون في نواحيها، أي: في نواحي الجبال، في طين. قال تعالى: {اعْمَلُوا ءَالَ دَاوُودَ شُكْراً} أي: إيماناً. قال بعضهم: لما نزلت لم يزل إنسان منهم قائماً يصلّي. قال: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} أي: أقل الناس المؤمن.
اطفيش
تفسير : {يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل} قصور حصينة ومساكن شريفة يصعد اليها بدرج والمجالس الشريفة المصونة عن الابتذال وسمي ذلك محاريب لانها يحامى عليها ويذب عنها ويحارب عليها. وعن مجاهد: المحاريب القصور وقال الحسن: المساجد وقال الكلبي: المساجد والقصور بناء بيت المقدس. من عرائس القرآن قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : صخرة بيت المقدس على نخلة من نخيل الجنة وتلك النخلة على نهر من انهار الجنة على ذلك النهر آسية بنت مزاحم ومريم بنت عمران ينظمان حلي اهل الجنة الى يوم القيامة"تفسير : ، قال: بارك الله في نسل ابراهيم حتى جعلهم في الكثرة غاية لا يحصون ولبث داود عليه السلام مدة مديدة بأرض فلسطين وهم يزدادون في كل يوم كثرة فأعجب داود عليه السلام بكثرتهم وأراد ان يعلم عدد بني اسرائيل فأمر بعدهم وبعث لذلك عرفاء نقباء وأمرهم ان يخبروه بمبلغ عددهم وعدوا زمانا فعجزوا وأوحى الله سبحانه (يا داود قد علمت اني قد وعدت اباك ابراهيم حين امرته بذبح ولده فصدقني وائتمر بأمري ان ابارك له في ذريته حتى يصيروا اكثر من عدد نجوم السماء واجعلهم بحيث لا يحصى عددهم واني قد اقسمت اني ابتليتهم ببلية يقل منها عددهم ويقل عنك اعجابك بكثرتهم فاختاروا ان ابتليكم بالجوع والقحط ثلاث سنين او اسلط عليكم العدو ثلاثة اشهر او الموت ثلاث ايام) فجمع داود بني اسرائيل واخبرهم بما اوحى الله اليه وخيره فيه وقالوا له انت اعلم بما هو ايسر لنا وانت نبينا فانظر لنا غير ان الجوع لا صبر لنا عليه وتسليط العدو امر فاضح فان كان ولا بد فالموت بيده لا بيد غيره فأمرهم داود عليه السلام ان يتجهزوا للموت فاغتسلوا وتحنطوا ولبسوا الاكفان وبرزوا الى صعيد بيت المقدس من قبل بناء بيت المقدس بالدارين والاهلين وامرهم ان يضجوا الى الله ويتضرعوا اليه لعله يرحمهم فأرسل الله عليهم الطاعون في يوم وليلة فأهلك الله منهم ألوفا كثيرة لا يدري عدد الموتى الا الله ولم يفزغوا من دفنهم الا بعد شهرين فلما اصبحوا من اليوم الثاني خر داود عليه السلام ساجدا وقال: يا رب انا اكل الحماض ويضرس بنوا اسرائيل فاستجاب الله دعاءه فكشف عنهم الطاعون ورفع عنهم الموت فرأى داود عليه السلام الملائكة سالين سيوفهم يغمدونها ويرقون في سلم من ذهب من الصخرة الى السماء فقال داود عليه السلام: ان الله هون عليكم ورحمكم فجددوا له ذكرا قالوا وكيف تأمرنا قال آمركم ان تبنوا من هذا الصعيد الذي رحمكم الله فيه مسجدا لا يزال فيه الذكر والعبادة الى يوم القيامة فأخذ داود عليه السلام في امر بنائه فلما أرادوا ان يبتدأوا البناء جاء رجل صالح فقير يختبرهم ليعلم كيف اخلاصهم في توبتهم فقال لبني اسرائيل: ان لي فيه موضعا وانا محتاج اليه ولا يحل لكم ان تخرجوني عن حقي فقالوا: يا هذا ما احد من بني اسرائيل الا وله في هذا الصعيد مثل حقك فلا تكن من ابخل الناس ولا تضايقنا فيه فقال: انا اعرف حقي وانت لا تعرفون حقوقكم قالوا: اما ان ترضى وتطيب نفسا والا اخذناه كرها؟ قال: او تجدون ذلك في كتاب الله فقال داود عليه السلام: خذوه بحقه فقالوا: بكم تأخذوه منه يا نبي الله؟ فقال: بستمائة شاة فقال الرجل: زدني فقال: داود مائة بقرة قال: زدني قال: مائة بعير قال: زدني فانما تشتريه لله عز وجل ما زال يستزيده حتى قال نبني حوله جدارا مشرفا ثم يملأه ذهبا وان شئت وزقا قال داود: هو هيّن قال: لئن يغفر الله لي ذنبا واحدا احب الي من كل شيء وهبته لله ولكني اختبرتكم فأخذ في بناء بيت المقدس لاحدى عشرة خلت من ملكه وكان ينقل الحجارة على عنقه عليه السلام وكذا الأحبار حتى رفعوه قامة رجل فأوحى الله سبحانه وتعالى الى داود عليه السلام (هذا بيت مقدس وان رجلا في قومك سقاك فلست ببانيه ولكن ابن لك املكه بعدك اسمه سليمان اسلمه من سفك الدماء واقضي تمامه على يده ويكون اجره وذكره لك دائما) ولما مات واستخلف سليمان امره الله سبحانه وتعالى باتمامه فجمع الجن والانس والشياطين وقسم عليهم الأعمال وارسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام الأبيض الصافي وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفائح وجعلها اثنى عشر ربطا لكل سبط من الاسباط الاثنا عشر ربط ولما فرغوا منها ابتدؤا في بناء المسجد فوجه الشياطين فريقا لاستخراج الذهب والفضة واليواقيت وفريقا يغوصون في البحر للدرر وفريقا يتبعون الجواهر والحجارة فأتوا بما لا يحصيه الا الله من ذلك ثم احضر الصناع وامرهم بنحت الحجارة وتصييرها الواحا واصلاح تلك الجواهر وثقب اليواقيت واللآلئ فكانوا يعالجونها وتصوت صوتا شديدا لصلابتها فكره سليمان تلك الأصوات فدعى الجن وقال لهم: هل لكم حيلة في نحت هذه الجواهر من غير تصويت؟ فقالوا: يا نبي الله ليس في الجن اكثر تجاربا ولا اكثر علما من صخر العفريت فأرسل اليه عشرة رجال واعطاهم تمثال خاتمة وكان يطبع للشياطين بالنحاس ولسائر الجن بالحديد واذا طبع بخاتمه لمنع التمثال كالبرق الخاطف فلا يراه جني ولا شيطان الا إنقاد له بإذن الله سبحانه وتعالى فأتوا به من بعض جزائر البحر اروه الطابع فكاد يصعق خوفا فأقبل مسرعا معهم حتى دخل على سليمان عليه السلام فسأل سليمان من ارسله عما احدث العفريت في طريقه فقال: يا نبي الله كان يضحك في طريقه من الناس فقال له سليمان عليه السلام: ما رضيت بتمردك علي في ترك المجيىء الي هنا حتى تسخر من الناس؟ قال: يا نبي الله اني لم اسخر غير ان ضحكي كان تعجبا مما اسمع وارى فقال له سليمان عليه السلام: وما ذاك؟ قال: اني مررت برجل على شاطىء نهر ومعه بغلة يريد ان يسقيها فسقاها وملأ الجرة ثم اراد قضاء حاجته فشد البغلة بأذن الجرة فجرت البغلة الجرة فكسرتها فضحكت من حمق الرجل حيث توهم ان الجرة تمسك البغلة ومررت برجل جالس عند اسكاف يستعمله في صلاح خف له فسمعته يشترط معه ان يصلحه بحيث يبقى معه اربع سنين ونسي نزول الموت فضحكت من غفلته وجهله ومررت بعجوز تتكهن وتخبر الناس بما لا يعلمون من خبر السماء وقد كنت عهدت رجلا دفن في موضع فراشها ذهبا كثيرا في الدهور الماضية فرأيتها تموت جوعا وتحت فراشها ذهب كثير لا تعلم مكانه فضحكت منها ومررت برجل في بعض المدن وكان به داء فيما قيل فأكل البصل فبرىء من دائه فصار يتطبب للناس بالبصل فلا يأتيه احد يسأله عن علة إلا أمره بأكل البصل وانه لا اضر منه حتى ان ضرره ليصل الى الدماغ فضحكت منه ومررت ببعض الأسواق فرأيت الثوم وهو أفضل الأدوية كلها يكال كيلا ورأيت الفلفل وهو احد السموم القاتلة يوزن وزنا فضحكت من ذلك ومررت بناس يبتهلون الى الله سبحانه وتعالى يسألونه المغفرة والرحمة فمل منهم قوم فقاموا فمروا وجاء آخرون وجلسوا فرأيت الرحمة قد نزلت عليهم فنالتهم رحمة الله وحرم منها الذين قاموا فضحكت تعجبا للقضاء والقدر قالوا فقال له سليمان عليه السلام: هل علمت من كثرة تجاريبك وجولاتك في البحر شيئا تنحت به هذه الجواهر فتلين ويسهل نحتها وثقبها؟ قال: نعم يا نبي الله اعرف حجرا ابيض كاللبن يقال له السامور غير اني لا اعرف معدنه الذي هو فيه وليس في الطير شيء هو أحيل من العقاب فمر بفراخه ان تجعل في الصندوق من معه يوما وليلة ثم يسرح العقاب صباحا ويترك فراخه وقيل من زجاج ففعلوا فذهب العقاب فجاء بالحجر بعد يوم وليلة وقد اتبعه جماعة من الجن فنقب به الصندوق حتى وصل الى فراخه وأتت الجماعة بما يكفي واستعمل ذلك في أدوات الصناع فسهل عليهم نحتهن من غير تصويت وهو حجر يستعمل في نقش الخواتم وثقب الجواهر الى اليوم وهو ثمين عزيز وقيل قيل سليمان ان لزوبعة في جزيرة عينا يردها في كل سبعة ايام فأتوها فنزحوها ثم صبوا فيها خمرا وجاء فلما ابصر الخمر قال لها اما علمت انك اذا شربك صاحبك يظهر عليه عدوه لا اذوقك اليوم فذهب ثم رجع لسبع آخر فجاء فقال كما قال فرجع وجاء لتمام احدى وعشرين مذ شرب فقال لها اما علمتك تذهبين الهم فشرب منها فسكر فجاءوا فأوره الخاتم فانطلق الى سليمان فقال لهم دلوني على بيض الهدهد فدلوه فاكب عليه زجاجة فجاء الهدهد فكان يرى بيضه ولا يصله فانطلق فجاء بالماس ويسمى السامور وهو الذي يثقب به اللؤلؤ والياقوت فوضعه على الزجاجة فقصمها نصفين ثم اراد اخذه فأزعجوه فجاءوا بالماس الى سليمان فبنى عليه السلام المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر وقصصته الشياطين بأنواع الجواهر النفيسة وقصصوا سقوفه وحيطانه باللؤلؤ والياقوت وسائر الجواهر وبسط ارضه بألواح الفيروز فلم يكن يومئذ في الأرض بيت ابهى ولا انور من ذلك المسجد يضيء في الظلمة كالقمر اذا كمل فلما فرغ منه جمع احبار بني اسرائيل واعلمهم انه بناء لله عز وجل واتخذ ذلك اليوم الذي فرغ فيه عيدا لم يتخذ في الأرض عيدا اعظم منه قط ولا من الأطعمة اكثر منه ذبح فيه الفا من الجزور وخمسة وعشرين الفا معلوفة سمينة ومن الغنم اربع مائة الف شاة ومن العجائب ما اتخذ سليمان ببيت المقدس ان بنى بيتا وطين حيطانه بالخضرة فكان اذا جخله مؤمن استبان خياله في ذلك الحائط ابيض واذا دخله الفاجر استبان خياله فيه اسود فارتدع كثير من الناس عن الفجور والخيانة ونصب في زاوية من زوايا المسجد عصى من ابنوس وكان من مسها من ابناء الأنبياء لم يضره مسها ومن مسها من غيرهم احرقت يده ولما فرغ سليمان عليه السلام من بناء بيت المقدس قرب قربانا على الصخرة ثم قال اللهم انك وهبت لي هذا الملك منا منك علي وجعلتني خليفة في ارضك واكرمتني به من قبل ان اكون شيئا فلك الحمد اللهم اني اسألك لمن دخل هذا المسجد خصالا فمن دخله وصلى فيه ركعتين مخلصا فيهما خرج من ذنوبه كيوم ولدته امه ولا يدخله مستنيب الا تبت عليه ولا خائف الا امنته ولا سقيم الا شفيته واذا اجبت دعوتي فاجعل لي علامته ان تقبل قرباني فنزلت نار من السماء فسد ما بين الخافقين ثم امتد منها عنق فاحتمل القربان وصعد به الى السماء فكان بيت المقدس على بناء سليمان عليه السلام الى ان غزا بخت نصر بني اسرائيل فخرب بيت المقدس والقى فيه الجيف وفلاءه بالتراب ونقل ما فيه من الذهب والفضة والجواهر الى بابل في العراق وهو مملكته وكان خربا إلى أن بناه المسلمون. وتماثيل الصور صور الأنبياء والأولياء والصالحين والملائكة قال مجاهد من نحاس وصفر وزجاج ورخام كانت تصور في المسجد ليراها الناس فيزداد في العبادة ويعبدوا نحو عبادتهم قال الحسن وابو العالية لم يكن التصوير يومئذ محرما وقيل كانوا يصورون له صور السباع والطير وغيرها ولم يكن التصوير قيل محرما الا في هذه الشريعة المحمودة جعلنا الله من اهلها ويجوز ان تكون تلك التصاوير تصاوير حيوان عاقل او غير عاقل لكن بلا روس وذلك غير محرم او التصاوير غير الحيوان كالجبال والشجر وروي انه عملو له اسدين في اسفل كرسيه ونسرين فوقه فإذا أراد ان يصعد بسط الاسدان له ذراعيهما واذا قعد اضله النسران باجنحتهما وذلك بأعمال وحيل وعملوا له الطواريس والعقبان والنسور على درجات سريره وفوق كرسيه لكي يهابه من اراد الدنو منه وفي عرائس القرآن امر سليمان عليه السلام الشياطين باتخاذ كرسي يجلس عليه للقضاء واراد ان يكون بديعا مهولا بحيث لو رآه مبطل او شاهد زور ارتاع قالوا فعملوا له كرسيا من انياب الفيلة ووفصوصه بالياقوت واللؤلؤ والزبرجد وأنواع الجواهر وسفوه بأربع نخلات من ذهب شماريخها الياقوت الاحمر والزبرجد الاخضرعلى رأس نخلتين منهما طاووسين من ذهب وعلى رأس الاخرين نسران من ذهب بعضها مقابل بعض وجعلوا من جانب الكرسي اسودا من الذهب على رأس كل واحد منها عمود من الزمرد الاخضر وقد عقدوا على النخلات اشجار عنب من الذهب الاحمر واتخذوا عناقيدها من الياقوت الاحمر وكان سليمان عليه السلام اذا راد صعوده وضع قدميه على الدرجة السفلى فيستدير الكرسي كدوران الرحى المسرعة وتنشر تلك الاطيار اجنحتها وبسط الاسدان ايديهما ويضربان الارض بأذنابهما وكذا يفعل في كل درجة واذا استوى باعلاه اخذ النسران اللذان على النخلتين تاج سليمان عليه السلام فوضعاه على رأسه ثم يستدير الكرسي بما فيه ويدور معه النسران والطاووسان والاسدان مائلا بروسهما الى سليمان عليه السلام ينضحان عليه اجوافهما المسك والعنبر ثم تتناول حمامة من ذهب قائمة على عمود من جوهر من اعمدة الكرسي التوراة فتفتحها لسليمان عليه السلام يقرأها على الناس فيدعوهم الى فصل القضاء ويجلس عظماء بني اسرائيل على كراسي الذهب مفصصة بالجواهر وهي الف كرسي عن يمينه وعظماء الجن عن يساره على الف كرسي ثم تحف به الطير تظلله ويقدم الناس اليه للقضاء فاذا ادعى البينة وتقدمت الشهود لاقامة الشهادة دار الكرسي بما فيه من جميع ما حوله دوران الرحى المسرعة قال معاوية ووهب ابن منبه: ما الذي كان يدير ذلك الكرسي؟. قالوا: بلبلان عظيمان من ذهب وذلك الكرسي مما عمله صخر الجني قالوا واذا دار الكرسي بط الاسدان ايديهما يضربان الارض باذنابهما وينشر النسران والطواويس اجنحتهما فتفزع الشهود ويدخلهم من ذلك رعب شديد فلا يشهدون الا بحق ولما توفي سليمان حمله بخت نصر الى انطاكية فأراد الصعود عليه ولم يكن له علم بالصعود عليه ولا باحوا له ولما وضع قدمه على الدرجة رفع الاسد يده اليمنى فضرب ساقه ضربة شديدة دقها وادمتها فلم يزل يعرج منها ويتوجع حتى مات وبقي الكرسي بانطاكية حتى غزاهم ملك من ملوك الشام يسمى كراسي بن سعد ان فهزم خليفة بخت نصر ورد الكرسي الى بيت المقدس فلم يستطع احد من الملوك الجلوس عليه والاستمتاع به فوضع تحت الصخرة فغاب ولم يعرف له خبر ولا عرف اين هو الى الآن انتهى وفي قصة تميم بن حبيب الداري او غيرها ان سليمان ممدود على ذلك الكرسي بيده خاتمه في قرب البحر المحيط او في جزيرة منه وفي اخبار القصاصين ان بيننا وبينه سبعة ابحر. {وجفان} جمع جنة وهي النعمة. {كالجواب} جمع جابية وهي الحوض الكبير اعني البركة سميت جابية لانها تجبي الماء اعني تجمعه واصل ذلك وصف ثم تغلبت عليه الاسمية ويجوز ابقاءه على الوصفية فيكون اسناد الجبى اليها مجازا وقرىء بحذف الياء اكتفاء بالكسرة قيل انه كان يقعد على الجفنة الواحدة منهن الف رجل يأكلون وياء الجوابي اثبتها ابن كثير في الوصل والوقف وورش وابو عمرو في الوصل. {وقدور} برم. {راسيات} ثابتات لا يحملن لثقلهن ولهن ارجل ليتجافين عن الارض لايقاد النار تحتهن وقيل ركبن على اثاف وانما يصعد اليهن بالسلاليم لعظمهن فلا يمكن انزالهن عن الاثافي وكانت باليمن. {اعملوا} اي قلنا اعملوا. {آل} يا آل. {داود} الاعمال الصالحة. {شكرا} مفعول لاجله اي لشكر نعمائي او مفعول مطلق على حد جلست قعودا او على حذف مضاف اي عمل شكر على ان العمل باق على المصدرية او حال اي ذوي شكرا وشاكرين والمفعول به في ذلك كله مقدر كما رأيت او شكرا مفعول به كأنه قيل أوجدوا شكرا فان عمل الشيء ايجاد له او مفعول به على حذف مضاف اي اعملوا عمل شكر على ان العمل هو ما يعمل وفي الآية دليل على ان الطاعة يجب ان تؤدىء على طريق الشكر اي اعراب اعربت شكرا ولا تختص الدلالة بالاعراب الاول كما قد يتوهم من عبارة بعض العلماء وآل داود اهل بيته كسليمان قال ثابت البناني كان داود عليه السلام بعد ؟؟؟؟؟ بالعمل شكرا قدر جزاء ساعات الليل والنهار على أهله فلم تكن تاتي ساعة الا وانسان من الله قائم يصلي، وقيل المراد بآل داود نفسه وكان يأكل الشعير ويطعم اهله والمساكين الطعام الجيد وما شبع قط فقيل له فقال اخاف ان انسى الجائع. حديث : وعن النبي صلى الله عليه وسلم انه صع المنبر وقرأ {اعملوا آل داود شكرا} وقال "ثلاث من اوتيهن فقد اوتى مقل ما اوتى داود" تفسير : وفي رواية "حديث : فقد اوتى العمل شكرا العدل في الرضى والغضب والقصد في الفقر والغنى وخشية الله في السر والعلانية"تفسير : وفي رواية "حديث : وذكر الله في السر والعلانية ". تفسير : {وقليل من عبادي} وقرأ حمزة بإسكان الياء. {الشكور} هذا من كلام الله سبحانه وتعالى لسيدنا محمد صلى الله عليه وسيلم ويحتمل ان يكون من كلام الله عز وجل لسيدنا داود عليه السلام والشكور من شغل قلبه ولسانه وجوارحه بالطاعة في أكثر اوقاته على قدر طاقته وليس من فعل هذا مؤديا بالحق النعمة لان توفيقه الى ذلك نعمة وهكذا بتسلسل ولذا قيل الشكور من يرى عجزه عن الشكر. وعن السدي: هو من يشكر على الشكر كما قال الشاعر: شعر : اذا كان شكري نعمة الله نعمة عليّ له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر الا بمنه وان طالت الايام واتصل العمر فان مس بالسراء عم سرورها وان مس بالضراء رادفها الاجر وما منهما الا له فيه نعمة تضيق به الاوهام والبر والبحر تفسير : وقال الآخر: شعر : لك الحمد مولانا على كل نعمة ومن جملة النعماء قولي لك الحمد فلا حمد الا ان تمن بنعمة تعاليت لا يقوى على حمدك العبد تفسير : وقال الآخر: شعر : لك الحمد مولانا على ما هديتنا وديننا دينا حنيفا مطهرا واروثتنا بعد الجهالة حكمة وعلما مبينا للقلوب منورا وكم نعمة البستنيها جليلة سترت بها ذاعيلة فتسترا وكم كربة فرجتها وعظيمة دفعت وكم يسرت ما قد تعمرا تفسير : وقال الآخر: شعر : الهي لك الحمد الذي انت اصله على نعم ما كنت قط لها أهلا تفسير : وقال الآخر: شعر : لك الحمد حمدا لا انتهاء لطوله على من اوليتها فاولت تفسير : وعن ابن عباس: الشكور من يشكر على احواله كلها. قال ابن عطا الله: من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد قيدها بعقالها وفي الحكم الفاروقية (لا تغفل عن شكر الصنائع وسرعة استرجاع الودائع) وفيها (يا ميتا نشر من قبل العدم بحكم الجود والكرم لا تنس سوالف العهود والذمم اذكر أعهد الايجاد وذمة الاحسان والأرفاد وحال الاصداه والايراد وفاتحة المدار وخاتمة المعاد) وفيها (يا دائم الغفلة عن عظمة ربه امعن النظر في عجائب صنعه والتفكر في غرائب حكمته اين شكر ما افاض عليك من ملابس احسانه ونعمه يا ذا الفطنة اغتنم نعمة المهلة وفرصة المكنة وخلسة السلام قبل حلول الحسرة والندامة). وسمع عمر - رضي الله عنه - رجلا يقول: اللهم اجعلني من القليل فقال عمر: ما هذا الدعاء فقال الرجل: اني سمعت الله يقول وقليل من عبادي الشكور فأنا اريد ان يجعلني من ذلك القليل فقال عمر: كل الناس اعلم من عمر.
اطفيش
تفسير : {يعْملُون لَه ما يشاء} الخ تفصيل بعد اجمال {مِن محاريب} جمع محراب، والمحراب صفة مبالغة من الحرب، بمعنى كثير الحرب، أو عظيمه، سمى به لأن صاحبه صيره فى حمايته كقوله: شعر : جمع الشجاعة والخشوع لربه ما أحسن المحراب فى محرابه تفسير : ويطلق على ما يبنى فى قبلة المسجد يقف فيه الامام، واستحسن أن يقف خارجه، وقيل المحارب المساكن، وقيل: ما يصعد اليه بالدرج كالغرف، وقال مجاهد: المساكن، وقيل: المساجد، سميت باسم بعضها وهو محراب الصلاة أو حجرة فيها يعبد الله تعالى فيها، وكانت مساجد هذه الأمة المحمدية خالية عن المحاريب، وأحدثت بما لأهل الكتاب، وفسرها قتادة بالقصور والمساجد معا. ويروى أن داود بنى بيت المقدس قدر قامة، فأوحى الله تعالى اليه أنى قضيت اتمامه على يد ابنك سليمان، فكف داود، ولما كان سليمان خليفة بعد موت أبيه، استعمل طائفة من الجن، بعد بنا بيت المقدس فى تحصيل الذهب والفضة من معدنهما، وطائفة فى تحصيل اليواقيت والجواهر والدر الصافى، وطائفة بالمسك والعنبر، وأمر بإصلاح ذلك ألواحا وثقب ما يحتاج للثقب، وركب ذلك كله على بيت المقدس بعد أن بناه بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر، وقيل جعل عمده من البلور الصافى، وسقفه من الجواهر الثمينة، وأرضه من الفيروزج، فهو يضىء كالقمر ليلة البدر، وإنما بنى المسجد بعد بناء المدينة كلها بالرخام الجيد، وجعلها اثنى عشر ربضا، أنزل فى كل ربض سبطا، ولما غزا بخت نصر الشام، أخذ ذلك كله الى العراق، وبنى الجن لسليمان أيضا فى اليمن قصوراً وحصونا من الصخر عجيبة {وتماثِيل} جمع تمثال، وهى صور الملائكة والأنبياء والصلحاء، تصور فى المساجد ليتذكروا عبادتهم، فيجتهدوا، وتصوير الحيوان فى شرعهم جائز، وكانت بالنحاس والزجاج والرخام، وعن الضحاك صور حيوانات لمنع البعوض أو الذباب أو غير ذلك، حتى لا يتجاوز الموضع جنس ذلك الممثل به، وتوهم بعض أن تصوير الحيوان محرم فى شرعهم فأوله بأنه لا رأس له، وليس كذلك، فانه حلال فيه ولو مع الرأس. ويروى أنه صوروا له أسدين تحت كرسيه يبسطان ذراعيهما إذا أرادا الصعود، ونسرين فوقه يظلانه إذا جلس بأجنحتهما، والطواويس والعقبان والنسور على درجاته وفوقه ليهابه من أرد الدنو، منه، وذلك حكمة من الله العزيز الحكيم، وأراد أفريدون صعوده فكسر الأسدان ساقه، فلم يجسر عليه أحد بعده، ومنع فى شرعنا تصوير الحيوان بالرأس، وتصوير الرأس، وجاز بلا رأس، كما جاز غير الحيوان، وأخطأ من أجاز التصوير لهذه الآية، ويرده أحاديث النهى، واختلف فى تصوير ما لا يجوز تصويره بنسج أو لطخ بلا ظل، والأحوط المنع، لأن المنع ورد أولا فى ستر بيت لعائشة فيه صور زجرها وخرقه، وحديث "حديث : إلا ما كان رقما في ثوب ضعيف ". تفسير : {وجفانٍ} ما يوضح فيه الطعام ليؤكل، وقيل الصحيفة ما يشبع الواحد والمأكلة الاثنين والثلاثة، والصفحة الخمسة، والقطعة العشرة، والجفنة فوق ذلك {كالجَوابِ} الحياض العظام، والمفرد جابية من الجباية، وهى الجمع لأنه يجبى لأنه يجبى إليها، وذلك من الإسناد الى الظرف، أو ذلك نسب كلابن وتامر، ثم غلب على الاناء المخصوص، وكانت جفنة سليمان تشبع ألف رجل. {وقُدُورٍ} جمع قدر، وهو ما يطبخ فيه لحم أو طعام آخر من فخار أو حديد أو صفر، على شكل مخصوص {راسيات} ثابتات على الأثافى لا تنزل لعظمها، وقدمت المحاريب على التماثيل، لأن التماثيل تصور على جدرايها، والجفان على القدور، مع أن الطبخ قبل الأكل، لأنها التى تحضر على المساط الذى يمد لا القدر وإنما ذكر القدور، وأنها راسيات أخبار بكثرة المأكول {اعْمَلوا آل داوُد شُكراً} اعملوا الطاعات يا آل داود لأجل الشكر، أو شكرا مفعول به لاعملوا، أو مفعول مطلق، لأن الشكر نوع من العمل، فهو كقعدت القرفصاء، وفى وصول هذه الآية أكلت ليلا خبز شعير بزيت وحده، وهو معتادى، فألهمنى الله تعالى بيتا على ارتجال من المتقارب: شعر : وخبز الشعير مع الزيت كل ومن بعده الحمد لله قل تفسير : وذكر البيهقى عن ابن مسعود: أن سليمان يأكل خبز الشعير، ويطعم أهله أحسنه، المساكين الحوارى، ولم يشبع قط خوف أن ينسى الجائع، ولم يخل مصلاه من قائم ليلا ونهارا يتناوبونه، وقد يعم آل الرجل أباه فيشمل داود، روى أحمد والبيهقى، قال داود: يا رب هل بات أحد أطول ذكرا منى؟ فأوحى الله أن الضفدع أطول فما نسمع من الضفدع فى الماء إنما هو بعض ذكرها، وما لا نسمع أكثر، والله به أعلم، وسمع دويبة على طول الليل تصوت فى الأجنة، ولعلها بعوضة، ولما نزل عليه: {اعملوا آل داود شكرا} قال: يا رب كيف كيف أطيق شكرك وأنت الذى تنعم علىَّ وترزقنى الشكر، فمنك النعمة ومنك الشكر؟ فقال الآن شكرتنى وعرفتنى حق معرفتى، وقال لسليمان: أكفنى قيام النهار أكفك قيام الليل، قال: لا استطيع، قال فاكفنى صلاة النهار، أى وهى نفل فى النهار أقل من قيام النهار، والجملة مفعول القول مستأنف، أى قلنا: اعملوا أو لحال من الفاعل فى تقدير سخرنا لسليمان، أى سخرنا لسليمان الريح قائلين اعملوا، أو من الفاعل فى ألنا. {وقليلٌ منْ عِباديَ الشكُور} هذا مستأنف فى القرآن، أو هو مما خوطب به آل داود، والشكور من يدوم على العبادة جهده، أو فى أكثر أوقاته معترفا بنعم الله عز وجل بقلبه ولسانه، أو من يشكر على الشكر، فان كل شكر تقتضى أخرى، فهو يرى عجزه عن اداء حق الشكر، كما مر عن داود عليه السلام، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما فرغ سليمان من بيت المقدس سأل ربه حكما يوافق حكمه، وملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فأوتيهما وأن لا يأتيه أحد للصلاة فيه إلا خرج كيوم ولد"تفسير : وأرجو أنه أوتيه، ويقال ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وبقى فى الملك أربعين سنة، وشرع فى بناء بيت المقدس لأربع سنين مضت فى ملكه، ومات ابن ثلاث وخمسين.
الالوسي
تفسير : {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء مِن مَّحَـٰرِيبَ } جمع محراب وهو كما قال عطية القصر، وسمي باسم صاحبه لأنه يحارب غيره في حمايته، فإن المحراب في الأصل من صيغ المبالغة اسم لمن يكثر الحرب وليس منقولاً من اسم الآلة وإن جوزه بعضهم، ولابن حيوس:شعر : جمع الشجاعة والخشوع لربه ما أحسن المحراب في محرابه تفسير : ويطلق على المكان المعروف الذي يقف بحذائه الإمام، وهو مما أحدث في المساجد ولم يكن في الصدر الأول كما قال السيوطي وألف في ذلك «رسالة» ولذاكره الفقهاء الوقوف في داخله. وقال ابن زيد: المحاريب المساكن، وقيل ما يصعد إليه بالدرج كالغرف، وقال مجاهد: هي المساجد سميت باسم بعضها تجوزاً على ما قيل، وهو مبني على أن المحراب اسم لحجرة في المسجد يعبد الله تعالى فيها أو لموقف الإمام. وأخرج ابن المنذر وغيره عن قتادة تفسيرها بالقصور والمساجد معاً، وجملة {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاء } استئناف لتفصيل ما ذكر من عملهم، وجوز كونها حالاً وهو كما ترى. {وَتَمَـٰثِيلَ } قال الضحاك: كانت صور حيوانات، وقال الزمخشري: صور الملائكة والأنبياء والصلحاء كانت تعمل في المساجد من نحاس وصفر وزجاج ورخام ليراها الناس فيعبدوا نحو عبادتهم وكان اتخاذ الصور في ذلك الشرع جائزاً كما قال الضحاك وأبو العالية. وأخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» عن ابن عباس أنه قال في الآية اتخذ سليمان عليه السلام تماثيل من نحاس فقال: يا رب انفخ فيها الروح فإنها أقوى على الخدمة فينفخ الله تعالى فيها الروح فكانت تخدمه / واسنفديار من بقاياهم؛ وهذا من العجب العجاب ولا ينبغي اعتقاد صحته وما هو إلا حديث خرافة، وأما ما روي من أنهم عملوا له عليه السلام أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما فأمر غير مستبعد فإن ذلك يكون بآلات تتحرك عند الصعود وعند القعود فتحرك الذراعين والأجنحة، وقد انتهت صنائع البشر إلى مثل ذلك في الغرابة. وقيل: التماثيل طلسمات فتعمل تمثالاً للتمساح أو للذباب أو للبعوض فلا يتجاوزه الممثل به ما دام في ذلك المكان، وقد اشتهر عمل نحو ذلك عن الفلاسفة وهو مما لا يتم عندهم إلا بواسطة بعض الأوضاع الفلكية، وعلى الباب الشهيرة بباب الطلسم من أبواب بغداد تمثال حية يزعمون أنه لمنع الحيات عن الإيذاء داخل بغداد ونحن قد شاهدنا مراراً أناساً لسعتهم الحيات فمنهم من لم يتأذ ومنهم من تأذى يسيراً ولم نشاهد موت أحد من ذلك وقلما يسلم من لسعته خارج بغداد لكن لا نعتقد أن لذلك التمثال مدخلاً فيما ذكر ونظن أن ذاك لضعف الصنف الموجود في بغداد من الحيات وقلة شره بالطبيعة. وقيل كانت التماثيل صور شجر أو حيوانات محذوفة الرؤوس مما جوز في شرعنا، ولا يحتاج إلى التزام ذلك إلا إذا صح فيه نقل فإن الحق أن حرمة تصوير الحيوان كاملاً لم تكن في ذلك الشرع وإنما هي في شرعنا ولا فرق عندنا بين أن تكون الصورة ذات ظل وأن لا تكون كذلك كصورة الفرس المنقوشة على كاغد أو جدار مثلاً. وحكى مكي في «الهداية» أن قوماً أجازوا التصوير وحكاه النحاس أيضاً وكذا ابن الفرس واحتجوا بهذه الآية. وأنت تعلم أنه ورد في شرعنا من تشديد الوعيد على المصورين ما ورد فلا يلتفت إلى هذا القول ولا يصح الاحتجاج بالآية، وكأنه إنما حرمت التماثيل لأنه بمرور الزمان اتخذها الجهلة مما يعبد وظنوا وضعها في المعابد لذلك فشاعت عبادة الأصنام أو سداً لباب التشبه بمتخذي الأصنام بالكلية. {وَجِفَانٍ } جمع جفنة وهي ما يوضع فيها الطعام مطلقاً كما ذكره غير واحد، وقال بعض اللغويين: الجفنة أعظم القصاع ويليها القصعة وهي ما تشبع العشرة ويليها الصحفة وهي ما تشبع الخمسة ويليه المئكلة وهي ما تشبع الاثنين والثلاثة ويليها الصُحَيفة وهي ما تشبع الواحد، وعليه فالمراد هنا المطلق لظاهر قوله تعالى: {كَٱلْجَوَابِ } أي كالحياض العظام جمع جابية من الجباية أي الجمع فهي في الأصل مجاز في الطرف أو النسبة لأنها يجبـى إليها لا جابية ثم غلبت على الإناء المخصوص غلبة الدابة في ذوات الأربع، وجاء تشبيه الجفنة بالجالية في كلامهم من ذلك قول الأعشى:شعر : نفى الذمَّ عن آل المحلق جفنة كجابية السيح العراقي تفهق تفسير : وقول الأفوه الأودي:شعر : وقدور كالربـى راسية وجفان كالجوابـي مترعة تفسير : وذكر في سعة جفان سليمان عليه السلام أنها كانت على الواحدة منها ألف رجل. وقرىء {كالجوابـي} بياء وهو الأصل وحذفها للاجتزاء بالكسرة وإجراء أل مجرى ما عاقبها وهو التنوين فكما يحذف مع التنوين يحذف مع ما عاقبه {وَقُدُورٍ } جمع قدر وهو ما يطبخ فيه من فخار أو غيره وهو على شكل مخصوص {رسِيَـٰتٍ } ثابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها قاله قتادة، وقيل: كانت عظيمة كالجبال وقدمت المحاريب على التماثيل / لأن الصور توضع في المحاريب أو تنقش على جدرانها. وقدمت الجفان على القدور مع أن القدور آلة الطبخ والجفان آلة الأكل والطبخ قبل الأكل لأنه لما ذكرت الأبنية الملكية ناسب أن يشار إلى عظمة السماط الذي يمد فيها فذكرت الجفان أولاً لأنها تكون فيها بخلاف القدور فإنها لا تحضر هناك كما ينبـىء عنه قوله تعالى: {راسيات} على ما سمعت أولاً، وكأنه لما بين حال الجفان اشتاق الذهن إلى حال القدور فذكرت للمناسبة. {ٱعْمَلُواْ ءالَ دَاوُود شُـكراً } بتقدير القول على الاستئناف أو الحالية من فاعل سخرنا المقدر وآل منادى حذف منه حرف النداء و {شـكراً } نصب على أنه مفعول له، وفيه إشارة إلى أن العمل حقه أن يكون للشكر لا للرجاء والخوف أو على أنه مفعول مطلق لاعملوا لأن الشكر نوع من العمل فهو كقعدت القرفصاء، وقيل: لتضمين {ٱعْمَلُواْ } معنى اشكروا، وقيل: لاشكروا محذوفاً أو على أنه حال بتأويل اسم الفاعل أي اعملوا شاكرين لأن الشكر يعم القلب والجوارح أو على أنه صفة لمصدر محذوف أي اعملوا عملاً شكراً أو على أنه مفعول به لاعملوا فالكلام كقولك عملت الطاعة، وقيل: إن اعملوا أقيم مقام اشكروا مشاكلة لقوله سبحانه {يعملون}. وقال ابن الحاجب: أنه جعل مفعولاً به تجوزاً. وأياً ما كان فقد روي ابن أبـي الدنيا والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن مسعود قال: لما قيل لهم {ٱعْمَلُواْ ءالَ دَاوُود شُـكراً} لم يأت ساعة على القوم إلا ومنهم قائم يصلي، وفي رواية كان مصلى آل داود لم يخل من قائم يصلي ليلاً ونهاراً وكانوا يتناوبونه وكان سليمان عليه السلام يأكل خبز الشعير ويطعم أهله خشارته، والمساكين الدرمك وهو الدقيق الحواري وما شبع قط؛ وقيل: له في ذلك فقال: أخاف إذا شبعت أن أنسى الجياع، وجوز بعض الأفاضل دخول داود عليه السلام في الآل هنا لأن آل الرجل قد يعمه. ويؤيده ما أخرجه أحمد في «الزهد» وابن المنذر والبيهقي في «شعب الإيمان» عن المغيرة بن عتيبة قال: قال داود عليه السلام يا رب هل بات أحد من خلقك أطول ذكراً مني فأوحى الله تعالى إليه الضفدع وأنزل سبحانه عليه عليه السلام {ٱعْمَلُواْ ءالَ دَاوُودَ شُكراً } فقال داود عليه السلام كيف أطيق شكرك وأنت الذي تنعم علي ثم ترزقني على النعمة الشكر فالنعمة منك والشكر منك فكيف أطيق شكرك؟ فقال جل وعلا: يا داود الآن عرفتني حق معرفتي. وجاء في رواية ابن أبـي حاتم عن الفضيل أنه عليه السلام قال يا رب: كيف أشكرك والشكر نعمة منك؟ قال سبحانه: الآن شكرتني حين علمت النعم مني، وكذا ما أخرجه الفريابـي وابن أبـي حاتم عن مجاهد قال: قال داود لسليمان عليهما السلام: قد ذكر الله تعالى الشكر فاكفني قيام النار أكفك قيام الليل قال: لا أستطيع قال: فاكفني صلاة النهار فكفاه. {وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ } قال ابن عباس: هو الذي يشكر على أحواله كلها، وفي «الكشاف» «هو المتوفر على أداء الشكر الباذل وسعه فيه قد شغل به قلبه ولسانه وجوارحه اعترافاً واعتقاداً وكدحاً وأكثر أوقاته، وقال السدي: هو من يشكر على الشكر، وقيل: من يرى عجزه عن الشكر» لأن توفيقه للشكر نعمة يستدعي شكراً آخر لا إلى نهاية، وقد نظم هذا بعضهم فقال:شعر : إذا كان شكري نعمة الله نعمة علي له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتسع العمر إذا مس بالنعماء عم سرورها وإن مس بالضراء أعقبها الأجر تفسير : / وقد سمعت آنفاً ما روي عن داود عليه السلام، وهذه الجملة يحتمل أن تكون داخلة في خطاب آل داود وهو الظاهر وأن تكون جملة مستقلة جىء بها إخباراً لنبينا صلى الله عليه وسلم وفيها تنبيه وتحريض على الشكر. وقرأ حمزة {عبادى} بسكون الياء وفتحها الباقون.
ابن عاشور
تفسير : و{يعملون له ما يشاء} جملة مبينة لجملة { أية : يعمل بين يديه } تفسير : [سبأ: 12]. و{من محاريب} بيان لــــ{ما يشاء}. والمحاريب: جمع محراب، وهو الحصن الذي يحارب منه العدوُّ والمهاجِم للمدينة، أو لأنه يرمى من شرفاته بالحِراب، ثم أطلق على القصر الحصين. وقد سمَّوْا قصور غُمدان في اليمن محاريبَ غُمدانَ. وهذا المعنى هو المراد في هذه الآية. ثم أطلق المحراب على الذي يُخْتَلَى فيه للعبادة فهو بمنزلة المسجد الخاص، قال تعالى: { أية : فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب } تفسير : وتقدم في سورة آل عمران (39). وكان لداود محراب يجلس فيه للعبادة قال تعالى: { أية : وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب } تفسير : في سورة ص (21). وأما إطلاق المحراب على الموضع من المسجد الذي يقف فيه الإِمامُ الذي يؤمّ الناس، يُجعل مثل كوة غير نافذة واصلة إلى أرض المسجد في حائط القبلة يقف الإِمام تحته، فتسمية ذلك محراباً تسمية حديثة ولم أقف على تعيين الزمن الذي ابتدىء فيه إطلاق اسم المحراب على هذا الموقف. واتخاذ المحاريب في المساجد حدث في المائة الثانية، والمظنون أنه حدث في أولها في حياة أنس بن مالك لأنه روي عنه أنه تنزه عن الجلوس في المحاريب وكانوا يسمونه الطاقَ أو الطاقَة، وربما سموه المذبح، ولم أر أنهم سموه أيامئذ محراباً، وإنما كانوا يسمون بالمحراب موضع ذبح القربان في الكنيسة، قال عُمر بن أبي ربيعة: شعر : دُمية عند راهب قسيس صوَروها في مذابح المحراب تفسير : والمذبح والمحراب مقتبسة من اليهود لما لا يخفى من تفرع النصرانية عن دين اليهودية. وما حكي عن أنس بن مالك إن صحّ فإنما يُعنى به بيت للصلاة خاص. ورأيت إطلاق المحراب على الطاقة التي في المسجد في كلام الفَراء، أي في منتصف القرن الثاني، نقل الجوهري عنه أنه قال: المحاريب صدور المجالس ومنه سمي محرابُ المسجد، لأن المحراب لم يبق حينئذٍ مطلقاً على مكان العبادة. ومن الغلط أن جعلوا في المسجد النبوي في الموضع الذي يقرَّب أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يصلي فيه صورَة محراب منفصل يسمونه محراب النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو علامة على تحري موقفه. والذي يظهر أن المسلمين ابتدأوا فجعلوا طاقات صغيرة علامة على القبلة لئلا يضل الداخل إلى المسجد يريد الصلاة فإن ذلك يقع كثيراً، ثم وسعوها شيئاً فشيئاً حتى صيروها في صورة نصف دهليز صغير في جدار القبلة يسع موقف الإِمام، وأحسب أن أول وضعه كان عند بناء المسجد الأموي في دمشق، ثم إن الخليفة الوليد بن عبد الملك أمر بجعله في المسجد النبوي حين وسّعه وأعاد بناءه، وذلك في مدة إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة حسبما ذكر السمهودي في كتاب "خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى". والتماثيل: جمع تِمثال بكسر التاء، ووزنه تِفعال لأن التاء مزيدة وهو أحد أسماء معدودة جاءت على وزن تِفعال بكسر التاء، وأما قياس هذا الباب وأكثرُه فهو بفتح التاء. والأسماء التي جاءت على هذا الوزن منها مصادر ومنها أسماء، فأما المصادر فأكثرها بفتح التاء إلا مصدرين: تبيان، وتلقاء بمعنى اللقاء. وأما الأسماء فورد منها على الكسر نحو من أربعة عشر اسماً منها: تِمثال، أحصاها ابن دريد، وزاد ابن العربي في «أحكام القرآن» عن شيخه الخطيب التبريزي تسعة فصارت خمسة وعشرين. والتمثال هو الصورة الممثلة، أي المجسمة مثل شيء من الأجسام فكان النحاتون يعملون لسليمان صوراً مختلفة كصور موهومة للملائكة وللحيوان مثل الأسود، فقد كان كرسي سليمان محفوفاً بتماثيل أُسود أربعة عشر كما وصف في الإِصحاح العاشر من سفر الملوك الأول. وكان قد جَعل في الهيكل جابية عظيمة من نحاس مصقول مرفوعة على اثنتي عشرة صورة ثور من نحاس. ولم تكن التماثيل المجسمة محرَّمَة الاستعمال في الشرائع السابقة، وقد حرمها الإِسلام لأن الإِسلام أمعن في قطع دَابر الإِشراك لشدة تمكن الإِشراك من نفوس العرب وغيرهم. وكان معظم الأصنام تماثيل فحرّم الإِسلام اتخاذها لذلك، ولم يكن تحريمها لأجل اشتمالها على مفسدة في ذاتها ولكن لكونها كانت ذريعة للإِشراك. واتفق الفقهاء على تحريم اتخاذ ما له ظلّ من تماثيل ذوات الروح إذا كانت مستكملة الأعضاء التي لا يعيش ذو الروح بدونها وعلى كراهة ما عدا ذلك مثل التماثيل المنصفة ومثل الصور التي على الجدران وعلى الأوراق والرقم في الثوب ولا ما يجلس عليه ويداس. وحكم صنعها يتبع اتخاذها. ووقعت الرخصة في اتخاذ صور تلعب بها البنات لفائدة اعتيادهن العمل بأمور البيت. والجفان: جمع جفنة، وهي القصعة العظيمة التي يجفن فيها الماء. وقدرت الجفنة في التوراة بأنها تسع أربعين بَثَّا (بالمثلثة) ولم نعرف مقدار البث عندهم ولا شك أنه مكيال. وشبهت الجفان في عظمتها وسعتها بالجوابي. وهي جمع: جابية وهي الحوض العظيم الواسع العميق الذي يجمع فيه الماء لسقي الأشجار والزروع، قال الأعشى: شعر : نفي الذم عن رهط المحلَّق جفنة كجابية الشيخ العراقي تَفْهَق تفسير : أي الجفنة في سعتها كجابية الرجل العراقي، وأهل العراق أهل كروم وغروس فكانوا يجمعون الماء للسقي. وكانت الجفان المذكورة في الهيكل المعروف عندنا ببيت المقدس لأجل وضع الماء ليغلسوا فيها ما يقربونه من المحرَقات كما في الإِصحاح الرابع من سفر الأيام الثاني. وكتب في المصحف {كالجواب} بدون ياء بعد الموحدة. وقرأه الجمهور بدون ياء في حالي الوصل والوقف. وقرأه ابن كثير بإثبات الياء في الحالين. وقرأ ورش عن نافع وأبو عمرو بإثبات الياء في حال الوصل وبحذفها في حال الوقف. والقدور: جمع قِدر وهي إناء يوضع فيه الطعام ليطبخ من لحم وزيت وأدهان وتوابل. قال النابغة في النعمان بن الحارث الجُلاحي: شعر : له بِفناء البيت سوداء فخمة تلقَّم أوصال الجَزور العُراعر بقية قِدر من قُدور تُورثت لآل الجلاح كابراً بعد كابر تفسير : أي تَسَع قوائم البعير إذا وضعت فيه لتطبخ مَرقاً ونحوه. وهذه القدور هي التي يطبخ فيها لجند سليمان ولسدنة الهيكل ولخدمه وأتباعه وقد ورد ذكر القدور إجمالاً في الفقرة السادسة عشرة من الإصحاح الرابع من سفر الأيام الثاني. والراسيات: الثابتات في الأرض التي لا تُنزل من فوق أثافيها لتداول الطبخ فيها صباحَ مساءَ. وجملة {اعملوا آل داود شكراً} مقول قول محذوف، أي قلنا: اعملوا يا آل داود، ومفعول {اعملوا} محذوف دل عليه قوله: {شكراً}. وتقديره: اعملوا صالحاً، كما تقدم آنفاً، عملاً لشكر الله تعالى، فانتصب {شكراً} على المفعول لأجله. والخطاب لسليمان وآله. وذُيل بقوله: {وقليل من عبادي الشكور} فهو من تمام المقول، وفيه حثّ على الاهتمام بالعمل الصالح. ويجوز أن يكون هذا التذييل كلاماً جديداً جاء في القرآن، أي قلنا ذلك لآل داود فعَمل منهم قليل ولم يعمل كثير وكان سليمان من أول الفئة القليلة. و{الشكور}: الكثيرُ الشكر. وإذْ كان العمل شكراً أفاد أن العاملين قليل.
د. أسعد حومد
تفسير : {مَّحَارِيبَ} {تَمَاثِيلَ} {رَّاسِيَاتٍ} {آلَ دَاوُودَ} (13) - وَكَانَتِ الجِنُّ تَعْمَلُ لِسُلَيْمَانَ مَا يَشَاءُ: مِنْ قُصُورٍ شَامِخَاتٍ (مَحَارِيبَ)، وَصُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ (تَمَاثِيلَ)، وَقِصَاعٍ لِلطَّعَامِ ضَخْمَةٍ (جِفَانٍ) كَأَنَّها أَحْوَاضُ المَاءِ (كَالجَوَابِ) وَقُدُورٍ ثَوَابِتَ لا تُنْقَلُ مِنْ مَكَانِها لِضَخَامَتِهَا (رَاسِيَاتٍ). وَقَالَ اللهُ تَعَالى لآلِ دَاوُد: اعْمَلُوا بِطَاعَةِ رَبِّكُم شُكْراً لَهُ عَلَى أَنْعُمِهِ التِي لا تُحْصَى عَلَيكم، وَقَليلٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ مَنْ يُطِيعُهُ شُكْراً لَهُ عَلَى أَنْعُمِهِ. (وَجَاءَ فِي الحَدِيثِ: حديث : ثَلاَثٌ مَنْ أُوتِيهنَّ فَقَدْ أُوتِيَ مِثْلَمَا أُوتِي آلُ دَاوُدَ: العَدْلُ فِي الرِّضَا وَالغَضَبِ، وَالقَصْدُ فِي الفَقْرِ والغِنَى، وَخَشْيَةُ اللهِ فِي السِّرِّ وَالعَلَنِتفسير : ). (رَوَاهُ التَّرمذِي). تَمَاثِيلَ - صُوَرٍ مُجَسَّمَةٍ مِنْ نُحَاسٍ وَغَيرِهِ. جِفَانٍ كَالجَوَابِ - قِصَاعٍ كِبَارٍ كَحِيَاضِ المِياهِ العِظَامِ. قُدُورٍ رَاسِيَاتٍ - ثَابِتَاتٍ عَلَى المَوَاقِدِ لِعِظَمِهَا. المَحَارِيبُ - القُصُورُ الشَّامِخَاتُ (أَوِ المَسَاجِدُ لِلْعِبَادَةِ).
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : المحاريب: جمع محراب، ويُطلق على القصر الفخم الواسع، وعلى المكان الذي يتخذه الناس للعبادة، ومنه قوله تعالى: {أية : كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً ..} تفسير : [آل عمران: 37]. والتماثيل: جمع تمثال، وهو ما يُنحَت من الحجر مثلاً، أو يُصوَّر على هيئة إنسان، أو حيوان، أو طائر .. إلخ. وفي مسألة التماثيل بالذات يطرأ سؤال: أيمتنُّ الله على نبيه سليمان بأن الجن تصنع له التماثيل مع ما عُرِفَ عنها من أنها رمز للإشراك بالله، وقد حطمها الأنبياء ونهَوْا عن عبادتها من دون الله؟ قالوا: حُطِّمت التماثيل لَمَّا اتخذها الناس للعبادة والألوهية، وكانت من قبل لا تتخذ للعبادة، بل للخدمة، وللدلالة على الإهانة والإذلال، ألم نَرَ في الآثار القديمة كرسياً أو مائدة تقوم على هيئة مجموعة من الأسود مثلاً؟ وحتى الآن توجد قصور تقوم شُرفاتها على هيئة رجل مُنْحَنٍ يحمل الشرفة بدلاً من الخرسانة التي نصنعها نحن الآن، إذن: كانت التماثيل تدل على الإذلال والإهانة، فلما عُبِدت أُمِرنا بتحطيمها وتحريمها. وقوله: {وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ ..} [سبأ: 13] الجفان: جمع جَفْنة، وهي القصعة المعروفة {كَٱلْجَوَابِ..} [سبأ: 13] كالحوض الواسع الكبير، وهذا كناية عن كرمه وكثرة إطعامه الطعامَ {وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ..} [سبأ: 13] أي: قدور ثابتة لِكِبرها، فهى لا تُرفع ولا تُحرَّك من مكان لآخر لعِظَمها. لذلك حُدِّثنا في سيرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن مطعم قال: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جفنة (قصعة طعام) كنت أستظل بها في اليوم القائظ في مكة، وهذا دليل على سِعَتها وكِبَرها وكثرة من يُطْعمون منها. ولما بنى الملك عبد العزيز آل سعود الرياض جعل بها قُدوراً للطعام، وكان القِدْر يسع الجمل يقف بداخله، وأذكر أنني أول ما ذهبت إلى مكة دخلت المبرَّة، فوجدت بها قدوراً واسعة، فوقفتُ في إحداها فوسعتني. ومعنى {ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً ..} [سبأ: 13] أى: شُكْراً لله على نعمه، لا لتقوتوا أنفسكم فحسب، إذن: فربُّك يُعلِّمك: لا تعمل على قدر حاجتك فحسب؛ لأن في مجتمعك مَنْ لا يقدر على العمل، فاعمل أنت أيها القادر على قَدْر طاقتك، وخُذْ لنفسك ما يكفيك، وتصدَّق بما فاض عنك لغير القادرين. ومعلوم أن شكر النعمة يقيدها أي يديمها بل ويزيدها، كما قال سبحانه: {أية : لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ ..} تفسير : [إبراهيم: 7]. أو: المعنى {ٱعْمَلُوۤاْ آلَ دَاوُودَ شُكْراً ..} [سبأ: 13] أن أقدركم على العمل حتى تعولوا مَنْ لا يقدر على العمل {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} [سبأ: 13] يعني: قليل من الناس مَنْ يقابل نعمة الله بالشكر. لذلك رُوِي أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - سمع في الطريق رجلاً يقول: اللهم اجعلني من القليل، فتعجَّب عمر من دعوة الرجل، ولم يفهم معناها، فسأله عنها، فقال الرجل، سمعت الله يقول: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} [سبأ: 13] وأنا أرجو أن أكون منهم، فقال عمر متعجباً: كل الناس أعلم منك يا عمر؟! فمن الناس مَنْ عنده مَلَكة التقاط المعاني وتوظيفها، من ذلك ما يُحكَى من أن رجلاً كان يسير في سوق البطيخ في بغداد وهو صائم في يوم حار، فمرَّ برجل يبيع شراباً مثل العرقسوس مثلاً، وينادي: غفر الله لمن شرب مني، فمال إليه وقال له: اسْقِني، فقال له صاحبه: تذكر أنك صائم، فقال: والله لقد رجوتُ دعوتَه. رجل آخر كان يسعى بين الصفا والمروة، والمسعى زمان - أنتم لم ترونَهُ - كان عبارة عن شارع به دكاكين وبيع وشراء وحركة قبل أنْ يُطوِّر بهذا الشكل الحالي، وكان به رجل يبيع الخيار وينادي: العشرة بريال يا خيار، فسمعه رجل يسعى، فقال متعجباً: إذا كان الخيار العشرة بريال، فَبِكم يكون الأشرار؟! ثم يقول الحق سبحانه: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ}. قال: المحاريب بنيان دون القصور. "والتماثيل" من النحاس {وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ}. يعني: كحياض الإِبل. {وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ} [الآية: 13]. يعني: العظام. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {دَابَّةُ الأَرْضِ}. قال: هي الأَرضة، {تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} [الآية: 14]. يعني عصاه. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ} [الآية: 16]. وهو السيل ماء أَحمر، أَرسله الله في السد. فشقه وهدمه وحفر الوادي، فارتفعتا عن الجنتين، وغار عنهما الماءُ، فيبستا. ولم يكن الماءُ الأَحمر في السد ولكنه كان عذاباً أَرسله الله عليهم من حيث يشاءُ.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ}. المَحاريبُ: مَقاديمُ المَساجدِ والمَجالسِ: واحدُها مِحرابٌ. والتَماثيلُ: الصُّورُ. والجِفانُ: [القِصاعُ الكِبارُ. والجَوابُ]. الحِياضُ واحدُها جَابيةٌ. وقُدُورٌ راسياتٌ. معناه عظامٌ.
همام الصنعاني
تفسير : 2402- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {مِن مَّحَارِيبَ}: [الآية: 13]، قال قصورٌ ومساجد: {وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ}: [الآية: 13] قال: كالحياض {وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ}: [الآية: 13]، قال: ثابتات.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):