٣٤ - سَبَأ
34 - Saba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
14
Tafseer
الرازي
تفسير : لما بين عظمة سليمان وتسخير الريح والروح له بين أنه لم ينج من الموت، وأنه قضى عليه الموت، تنبيهاً للخلق على أن الموت لا بد منه، ولو نجا منه أحد لكان سليمان أولى بالنجاة منه، وفيه مسائل: المسألة الأولى: كان سليمان عليه السلام يقف في عبادة الله ليلة كاملة ويوماً تاماً وفي بعض الأوقات يزيد عليه، وكان له عصا يتكىء عليها واقفاً بين يدي ربه، ثم في بعض الأوقات كان واقفاً على عادته في عبادته إذ توفي، فظن جنوده أنه في العبادة وبقي كذلك أياماً وتمادى شهوراً، ثم أراد الله إظهار الأمر لهم، فقدر أن أكلت دابة الأرض عصاه فوقع وعلم حاله. وقوله تعالى: {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ } كانت الجن تعلم ما لا يعلمه الإنسان فظن أن ذلك القدر علم الغيب وليس كذلك، بل الإنسان لم يؤت من العلم إلا قليلاً فهو أكثر الأشياء الحاضرة لا يعلمه، والجن لم تعلم إلا الأشياء الظاهرة وإن كانت خفية بالنسبة إلى الإنسان، وتبين لهم الأمر بأنهم لا يعلمون الغيب إذ لو كانوا يعلمونه لما بقوا في الأعمال الشاقة ظانين أن سليمان حي. وقوله: {مَا لَبِثُواْ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ } دليل على أن المؤمنين من الجن لم يكونوا في التسخير، لأن المؤمن لا يكون في زمان النبـي في العذاب المهين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ} أي فلما حكمنا على سليمان بالموت حتى صار كالأمر المفروغ منه ووقع به الموت {مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} وذلك أنه كان متَّكِئاً على المِنْسأة (وهي العصا بلسان الحبشة، في قول السُّدّي. وقيل: هي بلغة اليمن، ذكره القشيريّ) فمات كذلك وبقي خافي الحال إلى أن سقط ميّتاً لانكسار العصا لأكل الأَرَضة إياها، فعُلم موته بذلك، فكانت الأَرَضة دالّة على موته، أي سبباً لظهور موته، وكان سأل الله تعالى ألا يعلموا بموته حتى تمضي عليه سنة. واختلفوا في سبب سؤاله لذلك على قولين: أحدهما ما قاله قتادة وغيره، قال: كانت الجن تدّعي علم الغيب، فلما مات سليمان عليه السلام وخفي موته عليهم {تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ}. ابن مسعود: أقام حولاً والجن تعمل بين يديه حتى أكلت الأَرَضَة مِنسأته فسقط. ويروى أنه لما سقط لم يُعلم منذ مات؛ فوُضِعت الأَرَضة على العصا فأكلت منها يوماً وليلة ثم حسِبوا على فلك فوجدوه قد مات منذ سنة. وقيل: كان رؤساء الجن سبعة، وكانوا منقادين لسليمان عليه السلام، وكان داود عليه السلام أسَّس بيت المقدس فلما مات أوصى إلى سليمان في إتمام مسجد بيت المقدس، فأمر سليمان الجن به؛ فلما دنا وفاته قال لأهله: لا تخبروهم بموتي حتى يتموا بناء المسجد، وكان بقي لإتمامه سنة. وفي الخبر أن ملَك الموت كان صديقه فسأله عن آية موته فقال: أن تخرج من موضع سجودك شجرة يقال لها الخرنوبة، فلم يكن يوم يصبح فيه إلا تنبت في بيت المقدس شجرة فيسألها: ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا؛ فيقول: ولأي شيء أنت؟ فتقول: لكذا ولكذا؛ فيأمر بها فتقطع، ويغرِسها في بستان له، ويأمر بكتب منافعها ومضارّها واسمها وما تصلح له في الطب؛ فبينما هو يصلّي ذات يوم إذ رأى شجرة نبتت بين يديه فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخرنوبة؛ قال؛ ولأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا المسجد، فقال سليمان: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ، أنتِ التي على وجهك هلاكي وهلاك بيت المقدس! فنزعها وغرسها في حائطه ثم قال: اللهم عَمّ عن الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب. وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء، وأنهم يعلمون ما في غدٍ؛ ثم لبس كفنه وتحنط ودخل المحراب وقام يصلي واتكأ على عصاه على كرسيّه، فمات ولم تعلم الجن إلى أن مضت سنة وتم بناء المسجد. قال أبو جعفر النحاس: وهذا أحسن ما قيل في الآية، ويدل على صحته الحديث المرفوع، روى إبراهيم بن طُهمان عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كان نبيّ الله سليمان بن داود عليهما السلام إذا صلّى رأى شجرة نابتة بين يديه فيسألها ما اسمك؟ فإن كانت لغرس غرست وإن كانت لدواء كتبت؛ فبينما هو يصلي ذات يوم إذا شجرة نابتة بين يديه قال ما اسمك؟ قالت: الخرنوبة؛ فقال: لأي شيء أنت؟ فقالت: لخراب هذا البيت؛ فقال: اللَّهُمَّ عَمّ عن الجن موتي حتى تعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب؛ فنحتها عصا فتوكأ عليها حولاً لا يعلمون فسقطت، فعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب فنظروا مقدار ذلك فوجدوه سنةتفسير : . وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس: «تَبَيَّنَت الإنْسُ أن لَوْ كَانَ الْجِنُّ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ». وقرأ يعقوب في رواية رُوَيْس «تُبُيِّنَتِ الْجِنُّ» غير مسمى الفاعل. ونافع وأبو عمرو «تأكل مِنْساتَه» بألف بين السين والتاء من غير همز. والباقون بهمزة مفتوحة موضع الألف، لغتان، إلا أن ابن ذَكْوَان أسكن الهمزة تخفيفاً، قال الشاعر في ترك الهمزة:شعر : إذا دَبَبْتَ على المِنْساة من كِبَرٍ فقد تباعد عنك اللَّهْوُ والغَزَلُ تفسير : وقال آخر فهمز وفتح:شعر : ضربنا بمِنْسَأة وجهه فصار بذاك مهيناً ذليلا تفسير : وقال آخر:شعر : أمن أجل حَبْل لا أباك ضربتَه بمنسأة قد جَرّ حبلُك أحْبُلاَ تفسير : وقال آخر فسكّن همزها:شعر : وقائم قد قام من تُكَأْتِهْ كقومة الشيخ إلى مِنْسَأْتهْ تفسير : وأصلها من: نسأت الغنم أي زجرتها وسقتها، فسمّيت العصا بذلك لأنه يزجر بها الشيء ويساق. وقال طَرفَة:شعر : أمُونٍ كألواح الإران نَسَأْتها على لاحِب كأنه ظَهْرُ بُرْجُدِ تفسير : فسكّن همزها. قال النحاس: واشتقاقها يدل على أنها مهموزة؛ لأنها مشتقة من نسأته أي أخرته ودفعته فقيل لها مِنْسأة لأنها يدفع بها الشيء ويؤخر. وقال مجاهد وعكرمة: هي العصا، ثم قرأ «منساته» أبدل من الهمزة ألفاً، فإن قيل: البدل من الهمزة قبيح جداً وإنما يجوز في الشعر على بُعْد وشذوذ، وأبو عمرو بن العلاء لا يغيب عنه مثل هذا لاسيما وأهل المدينة على هذه القراءة. فالجواب على هذا أن العرب استعملت في هذه الكلمة البدل ونطقوا بها هكذا كما يقع البدل في غير هذا ولا يقاس عليه حتى قال أبو عمرو: ولست أدري ممن هو إلا أنها غير مهموزة لأن ما كان مهموزاً فقد يترك همزه وما لم يكن مهموزاً لم يجز همزه بوجه. المهدوِيّ: ومن قرأ بهمزة ساكنة فهو شاذٌّ بعيد؛ لأن هاء التأنيث لا يكون ما قبلها إلا متحركاً أو ألفاً، لكنه يجوز أن يكون ما سكن من المفتوح استخفافاً، ويجوز أن يكون لما أبدل الهمزة ألفاً على غير قياس قلب الألف همزة كما قلبوها في قولهم العألم والخأتم، وروي عن سعيد بن جبير «مِن» مفصولة «سأته» مهموزة مكسورة التاء؛ فقيل: إنه من سئة القوس في لغة من همزها، وقد روي همز سِية القوس عن رؤبة. قال الجوهري: سية القوس ما عطف من طرفيها، والجمع سِيَات، والهاء عوض من الواو، والنسبة إليها سِيَوِيّ. قال أبو عبيدة: كان رؤبة يهمز «سية القوس» وسائر العرب لا يهمزونها. وفي دابة الأرض قولان: أحدهما: أنها الأَرَضة؛ قاله ابن عباس ومجاهد وغيرهما. وقد قرىء «دابة الأَرَض» بفتح الراء، وهو واحد الأَرَضة؛ ذكره الماوردي. الثاني: أنها دابة تأكل العيدان. قال الجوهري: والأَرَضة (بالتحريك): دُوَيّبة تأكل الخشب؛ يقال: أرِضت الخشبة تُؤرض أرْضاً (بالتسكين) فهي مأروضة إذا أكلتها. قوله تعالى: {فَلَمَّا خَرَّ} أي سقط {تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ} قال الزجاج: أي تبينت الجن موته. وقال غيره: المعنى تبين أمر الجن؛ مثل: {وَٱسْأَلِ ٱلْقَرْيَةَ}. وفي التفسير بالأسانيد الصحاح عن ابن عباس قال: أقام سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام حولاً لا يُعلم بموته وهو متكىء على عصاه، والجن منصرفة فيما كان أمَرَها به، ثم سقط بعد حول؛ فلما خَرّ تبيّنت الإنس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين. وهذه القراءة من ابن عباس على جهة التفسير. وفي الخبر: أن الجن شكرت ذلك للأَرَضَة فأينما كانت يأتونها بالماء. قال السدي: والطين، ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب فإنه مما يأتيها به الشياطين شكراً؛ وقالت: لو كنت تأكلين الطعام والشراب لأتيناك بهما. و«أنْ» في موضع رفع على البدل من الجن، والتقدير: تبين أمر الجن، فحذف المضاف، أي تبين وظهر للإنس وانكشف لهم أمر الجن أنهم لا يعلمون الغيب. وهذا بدل الاشتمال. ويجوز أن تكون في موضع نصب على تقدير حذف اللام. و«لَبِثُوا» أقاموا. و«الْعَذَابِ الْمُهِينِ» السُّخرة والحمل والبنيان وغير ذلك. وعمّر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة، ومدّة ملكه أربعون سنة؛ فملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، وابتدأ في بنيان بيت المقدس وهو ابن سبع عشرة سنة. وقال السُّدِّي وغيره: كان عمر سليمان سبعاً وستين سنة، وملك وهو ابن سبع عشرة سنة. وابتدأ في بنيان بيت المقدس وهو ابن عشرين سنة، وكان ملكه خمسين سنة. وحكي أن سليمان عليه السلام ابتدأ بنيان بيت المقدس في السنة الرابعة من ملكه، وقرّب بعد فراغه منه اثني عشر ألف ثور ومائة وعشرين ألف شاة، واتخذ اليوم الذي فرغ فيه من بنائه عيداً، وقام على الصخرة رافعاً يديه إلى الله تعالى بالدعاء فقال: اللهم أنت وهبت لي هذا السلطان وقوّيتني على بناء هذا المسجد، اللهمّ فأوزعني شكرك على ما أنعمت عليّ وتوفّني على مِلّتك ولا تُزغ قلبي بعد إذ هديتني، اللهمّ إني أسألك لمن دخل هذا المسجد خمس خصال: لا يدخله مذنب دخل للتوبة إلا غفرتَ له وتبت عليه. ولا خائفٌ إلا أمّنته. ولا سقيم إلا شفيته. ولا فقير إلا أغنيته. والخامس: ألا تصرف نظرك عمن دخله حتى يخرج منه؛ إلا من أراد إلحاداً أو ظلماً، يا رب العالمين؛ ذكره الماورديّ. قلت: وهذا أصح مما تقدّم أنه لم يفرغ بناؤه إلا بعد موته بسنة، والدليل على صحة هذا ما خرّجه النسائيّ وغيره بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : أن سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس سأل الله تعالى خلالاً ثلاث: حكماً يصادف حكمه فأوتيه، وسأل الله تعالى ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده فأوتيه، وسأل الله تعالى حين فرغ من بنائه المسجد ألا يأتيه أحد لا يَنْهَزه إلا الصلاة فيه أن يخرج من خطيئته كيوم ولدته أمّه»تفسير : وقد ذكرنا هذا الحديث في «آل عمران» وذكرنا بناءه في «سبحان».
ابن كثير
تفسير : يذكر تعالى كيفية موت سليمان عليه السلام، وكيف عمى الله موته على الجان المسخرين له في الأعمال الشاقة، فإنه مكث متوكئاً على عصاه، وهي منسأته، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد: مدة طويلة نحواً من سنة، فلما أكلتها دابة الأرض، وهي الأرضة، ضعفت وسقطت إلى الأرض، وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة. وتبينت الجن والإنس أيضاً أن الجن لا يعلمون الغيب كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع غريب، وفي صحته نظر. قال ابن جرير: حدثنا أحمد بن منصور، حدثنا موسى بن مسعود، أبو حذيفة، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن عطاء عن السائب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كان نبي الله سليمان عليه السلام إذا صلى، رأى شجرة نابتة بين يديه، فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول كذا، فيقول: لأي شيء أنت؟ فإن كانت تغرس غرست، وإن كانت لدواء كتبت، فبينما هو يصلي ذات يوم، إذ رأى شجرة بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروب، قال: لأي شيء أنت؟ قالت: لخراب هذا البيت، فقال سليمان عليه السلام: اللهم عم على الجن موتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، فنحتها عصاً، فتوكأ عليها حولاً ميتاً والجن تعمل، فأكلتها الأرضة، فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولاً في العذاب المهين» تفسير : قال: وكان ابن عباس يقرؤها كذلك، قال: فشكرت الجن للأرضة، فكانت تأتيها بالماء، وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث إبراهيم بن طهمان به. وفي رفعه غرابة ونكارة، والأقرب أن يكون موقوفاً، وعطاء بن أبي مسلم الخراساني له غرابات، وفي بعض حديثه نكارة. وقال السدي في حديث ذكره عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود رضي الله عنه، وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم. قال: كان سليمان عليه الصلاة والسلام يتحنث في بيت المقدس السنة والسنتين، والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر، فيدخل فيه، ومعه طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي توفي فيها، فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا ينبت الله في بيت المقدس شجرة، فيأتيها فيسألها: فيقول: ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا وكذا، فإن كانت لغرس، غرسها، وإن كانت تنبت دواء، قالت: نبت دواء كذا وكذا، فيجعلها كذلك، حتى نبتت شجرة يقال لها: الخروبة، فسألها: ما اسمك؟ قالت: أنا الخروبة، قال: ولأي شي، نبت؟ قالت: نبت لخراب هذا المسجد، قال سليمان عليه الصلاة والسلام: ما كان الله ليخربه وأنا حي، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائط له، ثم دخل المحراب، فقام يصلي متكئاً على عصاه، فمات ولم تعلم به الشياطين، وهم في ذلك يعملون له، يخافون أن يخرج عليهم فيعاقبهم، وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب، وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه، فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول: ألست جلداً إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك، فمر ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان عليه السلام في المحراب إلا احترق، فمر ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع، ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق، ونظر إلى سليمان عليه السلام قد سقط ميتاً، فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات، ففتحوا عليه فأخرجوه. ووجدوا منسأته، وهي العصا بلسان الحبشة، قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت منها يوماً وليلة، ثم حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة، وهي في قراءة ابن مسعود رضي الله عنه، فمكثوا يدينون له من بعد موته حولاً كاملاً، فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبونهم، ولو أنهم يطلعون على الغيب، لعلموا بموت سليمان، ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له، وذلك قول الله عز وجل: {مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} يقول: تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام، أتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين الشراب، سقيناك أطيب الشراب، ولكنا سننقل إليك الماء والطين، قال: فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت، قال: ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب؟ فهو ما تأتيها به الشياطين شكراً لها، وهذا الأثر ــــ والله أعلم ــــ إنما هو مما تلقي من علماء أهل الكتاب، وهي وقف لا يصدق منه إلا ما وافق الحق، ولا يكذب منها إلا ما خالف الحق، والباقي لا يصدق ولا يكذب. وقال ابن وهب وأصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تبارك وتعالى: {مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} قال: قال سليمان عليه السلام لملك الموت: إذا أمرت بي، فأعلمني، فأتاه فقال: يا سليمان قد أمرت بك، قد بقيت لك سويعة، فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحاً من قوارير، وليس له باب، فقام يصلي، فاتكأ على عصاه، قال: فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو متكىء على عصاه، ولم يصنع ذلك فراراً من ملك الموت، قال: والجن تعمل بين يديه، وينظرون إليه يحسبون أنه حي، قال: فبعث الله عز وجل دابة الأرض، قال: والدابة تأكل العيدان يقال لها القادح، فدخلت فيها، فأكلتها، حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت وثقل عليها فخر ميتاً، فلما رأت ذلك الجن، انفضوا وذهبوا، قال: فذلك قوله تعالى: {مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} قال أصبغ: بلغني عن غيره أنها قامت سنة تأكل منها قبل أن يخر، وذكر غير واحد من السلف نحواً من هذا، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ } على سليمان {ٱلْمَوْتَ } أي مات ومكث قائماً على عصاه حولاً ميتاً. والجنّ تعمل تلك الأعمال الشاقة على عادتها لا تشعر بموته حتى أكلت الأَرَضَةُ عصاه فخرّ ميتاً {مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَآبَّةُ الأًرْضِ } مصدر أُرِضَت الخشبة بالبناء للمفعول أكلتها الأَرَضَةُ {تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ } بالهمز وتركه بألف: عصاه، لأنها تنسأ تطرد ويُزْجَرُ بها {فَلَمَّا خَرَّ } ميتاً {تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ } انكشف لهم {أن} مخففة: أي أنهم {لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ } ومنه ما غاب عنهم من موت سليمان {مَا لَبِثُواْ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ } العمل الشاقّ لهم لظنهم حياته خلاف ظنهم علم الغيب، وَعُلِمَ كونه سنة بحساب ما أكلته الأرضة من العصا بعد موته يوماً وليلة مثلاً.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {فََلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ..} الآية. روى عطاء بن السائب. عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إنَّ سُلَيْمَانَ نَبِيُّ اللَّهِ عَلَيهِ السَّلاَمُ كَانَ لاَ يُصَلِّي صَلاَةً إلاَّ وَجَدَ شََجَرَةً ثَّابِتَةً بَيْنَ يَدَيهِ فَيقُولُ لَهَا: مَا اسْمُكِ؟ فَتَقُولُ: كَذَا كَذَا، فَيقُولُ لَمَا أَنتِ؟ فَتَقُولُ لِكَذَا وَكَذَا، فَصَلَّى يَوماً فَإِذَا شَجَرةٌ ثَابِتَةٌ بَيْنَ يَدَيهِ فَقَالَ لَهَا مَا اسْمُكِ؟ فَقَالَتْ: الخَرُّوبُ فَقَالَ: لِمَ أَنتَ؟ فَقَالَتْ لِخَرَابِ هذَا البَيْتِ. فَقَالَ سُلَيمَانُ اللَّهُمَّ أَغُمَّ عَلَى الجِنِّ مَوتي حَتَّى يَعْلَمُ الإنسُ أَنَّ الجِنَّ كَانُوا لاَ يَعْلَمُونَ الغَيبَ قَالَ فَهَيَّأََ عَصاً ثُمَّ تَوَكَّأَ عَلَيهَا حَولاً وَهُم لا َ يَعلَمُونَ، قَالَ ثُمَّ أَكَلَتْهَا الأَرَضَةُ فَسَقَطَ فَعَلِمُواْ عِندَ ذَلِكَ مَوتَهُ فَشَكَرَتِ الجِنُّة ذلِكَ لِلأَرضَةِ فَإنَّمَا كَانُوا يَأْتُونَهَا بِالمَاءِ" تفسير : قال السدي: والطين، ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب فإنما هو مما تأتيها به الشياطين شكراً: قال وقدروا مقدار أكلها العصا فكان مقدار سنة. وفي {دَابَّةُ الأَرْضِ} قولان: أحدهما: الأرضة، قاله ابن عباس ومجاهد، وقد قرىء دابة الأرض بفتح الراء وهو واحد الأرضة. الثاني: أنها دابة تأكل العيدان يقال لها القادح، قاله ابن زيد. والمنسأة العصا، قال الشاعر: شعر : إذا دببت على المنسأة من هرم فقد تباعد عنك اللهو والغزل تفسير : وأصلها مأخوذ من نسأت الغنم إذا سقتها، وقال السدي هي العصا بلسان الحبشة. وفي دلالتها للجنة على موته قولان: أحدها: وهو المشهور المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سليمان وقف في محرابه يصلي متوكئاً على عصاه فمات وبقي على حاله قائماً على عصاه سنة والجن لا تعلم بموته، وقد كان سأل الله أن لا يعلموا بموته حتى مضى عليه سنة. واختلف في سبب سؤاله لذلك على قولين: أحدهما: لأن الجن كانوا يذكرون للإنس أنهم يعلمون الغيب، فسأل الله تعالى ذلك ليعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، وهذا مأثور. الثاني: لأن داود عليه السلام كان أسس بيت المقدس ثم مات فبناه سليمان بعده وسخر الجن في عمله، وقد كان بقي من إتمامه بعد موته بناء سنة فسأل الله تعالى ألا يعلم الجن بموته حتى يتموا البناء فأتموه. ثم دلتهم دابة الأرض في أكل منسأته على موته بعد سنة من موته لأنه سقط عنها حين أكلتها الأرضة فعلمت الجن أنه قد مات. والقول الثاني: ما حكاه ابن عباس أن الله تعالى ما قبض نبيه سليمان إلا على فراشه وكان الباب في وجهه مغلقاً على عادته في عبادته فلما كان بعد سنة أكلت الأرضة العتبة فخر الباب ساقطاً فتبينت الجن ذلك.قال: وكان سليمان يعتمد على العتبة إذا جلس. {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الجِنُّ} والشياطين ومن كانوا مسخرين في العمل. {أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثواْ فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ}. الثاني: تبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين سنة. وروى سفيان عن عمر وعن ابن عباس أنه كان يقرأ التلاوة: {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الإنسُ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ الْغَيبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ سَنَةً}. الثالث: أن الجن دخلت عليهم شبهة توهموا بها أنهم يعلمون الغيب لما خر تبينوا أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين. وحكي أن سليمان عليه السلام ابتدأ بناء بيت المقدس في السنة الرابعة من ملكه واستكمل بناءه في السنة الحادية عشرة من ملكه وقرب بعد فراغه منه اثني عشر ألف ثور ومائة وعشرين ألف شاة، واتخذ اليوم الذي فرغ من بنائه عيداً، وقام على الصخرة رافعاً يديه إلى الله تعالى بالدعاء فقال اللهم أنت وهبت لي هذا السلطان وقويتني على بناء هذا المسجد فأوزعني [أن] أشكرك على ما أنعمت علي، وتوفني على ملتك، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، اللهم إني اسألك لمن دخل هذا المسجد خمس خصال: لا يدخله مذنب دخل للتوبة إلا غفرت له وتبت عليه، ولا خائف إلا أمنته، ولا سقيم إلا شفيته، ولا فقير إلا أغنيته، والخامس ألا تصرف نظرك عمن دخله حتى يخرج منه، إلا من أراد إلحاداً أو ظلماً يا رب العالمين.
ابن عطية
تفسير : الضمير في {عليه} عائد على سليمان، و {قضينا} بمعنى أنفذنا وأخرجناه إلى حيز الوجود وإلا فالقضاء الآخر به متقدم في الأزل، وروي عن ابن عباس وابن مسعود في قصص هذه الآية أن سليمان عليه السلام كان يتعبد في بيت المقدس وكان ينبت في محرابه كل سنة شجرة فكان يسألها عن منافعها ومضارها وسائر شأنها فتخبره فيأمر بها فتقلع فتصرف في منافعها وتغرس لتتناسل، فلما كان عند موته خرجت شجرة فقال لها ما أنت؟ فقالت: أنا الخروب خرجت لخراب ملكك هذا، فقال سليمان عليه السلام: ما كان الله ليخربه وأنا حي ولكنه لا شك حضور أجلي فاستعد عليه السلام وغرسها وصنع منها عصا لنفسه وجد في عبادته، وجاءه بعد ذلك ملك الموت فأخبره أنه قد أمر بقبض روحه وأنه لم يبق له إلا مدة يسيرة، فروي أنه أمر الجن حينئذ فصنعت له قبة من رخام تشف وجعل فيها يتعبد ولم يجعل لها باباً، وتوكأ على عصاه على موضع يتماسك معه وإن مات، ثم توفي صلى الله عليه وسلم على تلك الحالة، وروي أنه استعد في تلك القبة بزاد سنة وكان الجن يتوهمون أنه يتغذى بالليل وكانوا لا يقربون من القبة ولا يدخلون من كوة كانت في أعاليها، ومن رام ذلك منهم احترق قبل الوصول إليها، هذا في المدة التي كان سليمان عليه السلام حياً في القبة، فلما مات بقيت تلك الهيبة على الجن، وروي أن القبة كان لها باب وأن سليمان أوصى بعض أهله بكتمان موته على الجن والإنس وأن يترك على حاله تلك سنة، وكان غرضه في هذه السنة أن تعمل الجن عملاً كان قد بدىء في زمن داود قدر أنه بقي منه عمل سنة، فأحب الفراغ منه، فلما مضى لموته سنة، خر عن عصاه والعصا قد أكلته الأرض، وهي الدودة التي تأكل العود، فرأت الجن انحداره، فتوهمت موته فجاء جسور منهم فقرب فلم يحترق، ثم خطر فعاد ثم قرب أكثر ثم قرب حتى دخل من بعض تلك الكوى فوجد سليمان ميتاً، فأخبر بموته، فنظر ذلك الأكل فقدر أنه منذ سنة، وقال بعض الناس: جعلت الأرضة فأكلت يوماً وليلة ثم قيس ذلك بأكلها في العصا فعلم أنها أكلتها منذ سنة فهكذا كانت دلالة {دابة الأرض} على موته، وللمفسرين في هذه القصص إكثار عمدته ما ذكرته، وقال كثير من المفسرين {دابة الأرض} هي سوسة العود وهي الأرضة، وقرأ ابن عباس والعباس بن المفضل "الأرض" بفتح الراء جمع أرضة فهذا يقوي ذلك التأويل، وقالت فرقة {دابة الأرض} حيوان من الأرض شأنه أن يأكل العود، وذلك موجود وليس السوسة من دواب الأرض، وقالت فرقة منها أبو حاتم اللغوي {الأرض} هنا مصدر أرضت الأثواب والخشبة إذا أكلتها الأرضة، فكأنه قال دابة الأكل الذي هو بتلك الصورة على جهة التسوس، وفي مصحف عبد الله "الأرض أكلت منسأته"، والمنسأة العصا ومنه قول الشاعر: [البسيط] شعر : إذا دببت على المنساة من هرم فقد تباعد عنك اللهو والغزل تفسير : وقرأ جماعة من القراء "منساته" بغير همز منها أبو عمرو ونافع، قال أبو عمرو لا أعرف لها اشتقاقاً فأنا لا أهمزها لأنها إن كانت مما يهمز فقد يجوز لي ترك الهمز فيما يهمز، وإن كانت مما لا يهمز فقد احتطت لأنه لا يجوز لي همز ما لا يهمز، وقال غيره أصلها الهمز وهي "المنسأة" مفتوحة من نسأت الإبل والغنم والناقة إذا سقتها ومنه قول طرفة: [الطويل] شعر : أمون كعيدان الاران نسأتها على لاحب كأنه ظهر برجد تفسير : ويروى "وعنس" كألواح وخففت همزتها جملة، وكان القياس أن تخفف بين بين، وقرأ باقي السبعة "منسأته" على الأصل بالهمز، وقرأ حمزة "مَنساته" بفتح الميم وبغير همز، وقرأت فرقة "مسنأْته" بهمزة ساكنة وهذا لا وجه له إلا التخفيف في تسكين المتحرك لغير علة كما قال امرؤ القيس: [السريع] شعر : فاليوم أشرب غير مستحقب إثماً من الله ولا واغلِ تفسير : وقرأت فرقة "من ساتِه" بفصل "من" وكسر التاء وهذه تنحو إلى سية القوس لأنه يقال سية وساة، فكأنه قال "من ساته" ثم سكن الهمزة ومعناها من طرف عصاه أنزل العصا منزلة القوس، وقال بعض الناس: إن سليمان عليه السلام لم يمت إلا في سفر مضطجعاً ولكنه كان في بيت مبني عليه وأكلت الأرضية عتبة الباب حتى خر البيت فعلم موته. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف وقرأ الجمهور "تبينت الجنُّ" بإسناد الفعل إليها أي بان أمرها كأنه قال افتضحت الجن أي للإنس، هذا تأويل، ويحتمل أن يكون قوله {تبينت الجن} بمعنى علمت الجن وتحققت، ويريد {الجن} جمهورهم والفعلة منهم والخدمة ويريد بالضمير في {كانوا} رؤساءهم وكبارهم لأنهم هم الذين يدعون علم الغيب لأتباعهم من الجن والإنس ويوهمونهم ذلك، قاله قتادة، فيتيقن الأتباع أن الرؤساء {لو كانوا} عالمين الغيب {ما لبثوا} و {أن} على التأويل الأول بدل من {الجن} وعلى التأويل الثاني مفعولة محضة، وقرأ يعقوب "تُبينت الجن" على بناء الفعل للمفعول أي تبينتها الناس، و {أن} على هذه القراءة بدل، ويجوز أن تكون في موضع نصب بإسقاط حرف الجر أي "بأن" على هذه القراءة وعلى التأويل الأول من القراءة الأولى. قال الفقيه الإمام القاضي: مذهب سيبويه أن {أن} في هذه الآية لا موضع لها من الإعراب وإنما هي مؤذنة بجواب ما تنزل منزلة القسم من الفعل الذي معناه التحقق واليقين، لأن هذه الأفعال التي تبينت وتحققت وعلمت وتيقنت ونحوها تحل محل القسم في قولك: علمت أن لو قام زيد ما قام عمرو، فكأنك قلت والله لو قام زيد ما قام عمرو، فقوله {ما لبثوا} على هذا القول جواب ما تنزل منزلة القسم لا جواب {لو} وعلى الأقوال الأول جواب {لو} وفي كتاب النحاس إشارة إلى أنه يقرأ "تبينت الجن" أي تبينت الإنس الجن، و {العذاب المهين} هو العمل في تلك السخرة، والمعنى أن الجن لو كانت تعلم الغيب لما خفي عليها موت سليمان، وقد ظهر أنه خفي عليها بدوامها في الخدمة الصعبة وهو ميت، فــ {المهين} المذل من الهوان، قال الطبري وفي بعض القراءات "فلما خر تبينت الإنس أن الجن لو كانوا" وحكاها أبو الفتح عن ابن عباس والضحاك وعلي بن الحسين وذكر أبو حاتم أنها كذلك في مصحف ابن مسعود. قال القاضي أبو محمد: وكثر المفسرون في قصص هذه الآية بما لا صحة له ولا تقتضيه ألفاظ القرآن (وفي معانيه بعد فاختصرته لذلك).
ابن عبد السلام
تفسير : {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ} وقف في المحراب يصلي متوكئاً على عصاهُ فمات وبقي قائماً على العصا سنة وكان سأل ربه أن لا يعلم الجن موته إلا بعد سنة لأنه كان قد بقي من إتمام عمارة بيت المقدس سنة، أو لأن الجن ذكرت للإنس أنها تعلم الغيب فطلب ذلك ليلعلم للإنس أن الجن لا يعلمون الغيب مأثور، أو لم يمت إلا على فراشه وكان الباب مغلقاً عليه كعادته في عبادته فأكلت الأرَضَة العتبة بعد سنة فخر الباب ساقطاً وكان سليمان يعتمد على العبتة إذا جلس "ع" {دَآبَّةُ الأَرْضِ} الأرضة "ع" أو دابة تأكل العيدان يقال لها القادح {مِنسَأَتَهُ} العصا بلغة الحبشة، أو مأخوذ من نسأت الغنم إذا سقتها {تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ} المسخرين أنهم لو علموا الغيب {مَا لَبِثُواْ فِى الْعَذَابِ} أو تبينت الإنس أن الجن لو علموا الغيب {مَا لَبِثُواْ فِى الْعَذَابِ} سنة، أو أوهمهم الجن أنهم يعلمون الغيب فدخل عليهم شُبْهة فلما خَرَّ عرفوا كذبهم وزالت الشُّبهة.
النسفي
تفسير : {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ } أي على سليمان {مَا دَلَّهُمْ } أي الجن وآل داود {عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ} أي الأرضة وهي دويبة يقال لها صرفة والأرض فعلها فأضيفت إليه. يقال: أرضت الخشبة أرضاً إذا أكلتها الأرضة {تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ } والعصا تسمى منسأة لأنه ينسأ بها أي يطرد، و {مِنسَأَتَهُ } بغير همز: مدني وأبو عمرو {فَلَمَّا خَرَّ } سقط سليمان {تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ } علمت الجن كلهم علماً بيناً بعد التباس الأمر على عامتهم وضعفتهم {أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ } بعد موت سليمان {فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ } وروي أن داود عليه السلام أسس بناء بيت المقدس في موضع فسطاط موسى عليه السلام فمات قبل أن يتمه فوصى به إلى سليمان فأمر الشياطين بإتمامه، فلما بقي من عمره سنة سأل ربه أن يعمي عليهم موته حتى يفرغوا منه ولتبطل دعواهم علم الغيب وكان عمر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة، ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة فبقي في ملكه أربعين سنة وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه. وروي أن أفريدون جاء ليصعد كرسيه فلما دنا ضرب الأسدان ساقه فكسراها فلم يجسر أحد بعده أن يدنو منه. {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ } بالصرف بتأويل الحي، وبعدمه: أبو عمرو بتأويل القبيلة {فِى مَسْكَنِهِمْ } حمزة وحفص {مَسْكَنِهِمْ } علي وخلف وهو موضع سكناهم وهو بلدهم وأرضهم التي كانوا مقيمين فيها باليمن أو مسكن كل واحد منهم، غيرهم {مَسَـٰكِنِهِمْ } {ءايَةً } اسم كان {جَنَّتَانِ } بدل من {ءايَةً } أو خبر مبتدأ محذوف تقديره الآية جنتان، ومعنى كونهما آية أن أهلها لما أعرضوا عن شكر الله سلبهم الله النعمة ليعتبروا ويتعظوا فلا يعودوا إلى ما كانوا عليه من الكفر وغمط النعم، أو جعلهما آية أي علامة دالة على قدرة الله وإحسانه ووجوب شكره {عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ } أراد جماعتين من البساتين جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها، وكل واحدة من الجماعتين في تقاربها وتضامها كأنها جنة واحدة كما تكون بساتين البلاد العامرة، أو أراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله {كُلُواْ مِن رّزْقِ رَبّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ } حكاية لما قال لهم أنبياء الله المبعوثون إليهم، أو لما قال لهم لسان الحال، أو هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك. ولما أمرهم بذلك أتبعه قوله {بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ } أي هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة، وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور لمن شكره. قال ابن عباس: كانت سبأ على ثلاث فراسخ من صنعاء وكانت أخصب البلاد، تخرج المرأة وعلى رأسها المكتل فتعمل بيدها وتسير بين تلك الشجر فيمتليء المكتل مما يتساقط فيه من الثمر وطيبها ليس فيها بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، ومن يمر بها من الغرباء يموت قمله لطيب هوائها. {فَأَعْرِضُواْ } عن دعوة أنبيائهم فكذبوهم وقالوا ما نعرف لله علينا نعمة {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ } أي المطر الشديد أو العرم اسم الوادي أو هو الجرذ الذي نقب عليهم السّكر لما طغوا سلط الله عليهم الجرذ فنقبه من أسفل فغرقهم {وَبَدَّلْنَـٰهُمْ بِجَنَّـتَيْهِمْ} المذكورتين { جَنَّتَيْنِ } وتسمية البدل جنتين للمشاكلة وازدواج الكلام كقوله {أية : وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا }تفسير : [الشورى: 40] {ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ } الأكل الثمر يثقل ويخفف وهو قراءة نافع ومكي، والخمط شجر الأراك، وقيل: كل شجر ذي شوك {وَأَثْلٍ وَشَىْء مّن سِدْرٍ قَلِيلٍ } الأثل شجر يشبه الطرفاء أعظم منه وأجود عوداً، ووجه من نون الأكل ـ وهو غير أبي عمرو ـ أن أصله ذواتي أكل خمط فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل: ذواتي أكل بشع، ووجه أبي عمر أن أكل الخمط في معنى البرير وهو ثمر الأراك إذا كان غضاً فكأنه قيل ذواتي برير، والأثل والسدر معطوفان على {أَكَلَ } لا على {خَمْطٍ } لأن الأثل لا أكل له. وعن الحسن: قلل السدر لأنه أكرم ما بدلوا لأنه يكون في الجنان {ذَلِكَ جَزَيْنَـٰهُمْ بِمَا كَفَرُواْ } أي جزيناهم ذلك بكفرهم فهو مفعول ثان مقدم {وَهَلْ نُجَازِىِ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ } كوفي غير أبي بكر. {وَهَلْ نُجازَى إِلاَّ ٱلْكَفُورَ } غيرهم يعني وهل نجازي مثل هذا الجزاء إلا من كفر النعمة ولم يشكرها أو كفر بالله، أو هل يعاقب لأن الجزاء وإن كان عاماً يستعمل في معنى المعاقبة وفي معنى الإثابة لكن المراد الخاص وهو العقاب. وعن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام. {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم } بين سبإٍ {وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا } بالتوسعة على أهلها في النعم والمياه وهي قرى الشام {قُرًى ظَـٰهِرَةً } متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها فهي ظاهرة لأعين الناظرين، أو ظاهرة للسابلة لم تبعد عن مسالكهم حتى تخفى عليهم وهي أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبإٍ إلى الشام {وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ } أي جعلنا هذه القرى على مقدار معلوم يقيل المسافر في قرية ويروح في أخرى إلى أن يبلغ الشام {سِيرُواْ فِيهَا } وقلنا لهم سيروا ولا قول ثمة، ولكنهم لما مكنوا من السير وسويت لهم أسبابه فكأنهم أمروا بذلك {ليالي وأياماً آمنين} أي سيروا فيها إن شئتم بالليل وإن شئتم بالنهار فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات أي سيروا فيها آمنين لا تخافون عدواً ولا جوعاً ولا عطشاً وإن تطاولت مدة سفركم وامتدت أياماً وليالي {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَـٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا } قالوا يا ليتها كانت بعيدة فنسير على نجائبنا، ونربح في التجارات ونفاخر في الدواب والأسباب، بطروا النعمة وملوا العافية فطلبوا الكد والتعب، {بَعْدَ } مكي وأبو عمرو {وَظَلَمُواْ } بما قالوا {أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ } يتحدث الناس بهم ويتعجبون من أحوالهم {وَمَزَّقْنَـٰهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } وفرقناهم تفريقاً اتخذه الناس مثلاً مضروباً يقولون «ذهبوا أيدي سبأ» و «تفرقوا أيادي سبأ» فلحق غسان بالشام وأنمار بيثرب وجذام بتهامة والأزد بعمان {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لّكُلّ صَبَّارٍ } عن المعاصي {شَكُورٍ } للنعم أو لكل مؤمن لأن الإيمان نصفان نصفه شكر ونصفه صبر.
الثعالبي
تفسير : وقَوْلُه تعالى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ...} الآيةَ. رُوِيَ عَن ابن عبَّاسٍ وَابنِ مَسْعُودٍ فِي قَصَصِ هذهِ الآيةِ كَلاَمٌ طَوِيلٌ، حَاصِلُه: أنَّ سُلَيمَانَ عليه السلامُ لَمَّا أحَسَّ بِقُرْبِ أجَلهِ؛ اجْتَهَدَ ـــ عليه السلامُ ـــ وجَدَّ فِي العِبَادَةِ؛ وَجَاءَهُ مَلَكُ المَوْتِ، وَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ أُمِرَ بِقَبْضِ رُوحِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ له إلاَّ مُدَّةٌ يَسِيرَة. قَالَ الثَّعْلَبِيّ: وَقَالَ سُلَيْمَانُ عند ذلك: اللَّهُمَّ، عَمِّ عَلَى الْجِنِّ مَوْتِي؛ حَتَّىٰ يعلم الإِنْسُ أَنَّ الجِنَّ لا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ, وكَانَتِ الجِنُّ تُخْبِرُ الإِنْسَ أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ مِن الغَيْبِ أَشياءَ، وأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ مَا فِي غَدٍ، وَلَمَّا أَعْلَمَهُ مَلَكُ المَوْتِ بِقُرْبِ الأَجَلِ؛ أَمَرَ حِينَئِذٍ الْجِنَّ، فَصَنَعَتْ لَهُ قُبَّةً مِنْ زُجَاجٍ تَشِفُّ؛ وَدَخَلَ فِيهَا يَتَعَبَّدُ؛ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا بَاباً، وَتَوَكَّأَ عَلَىٰ عَصَاهُ عَلَى وَضْعٍ يَتَمَاسَكُ مَعَهُ. وَإنْ مَاتَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ ـــ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـــ عَلَىٰ تِلْكَ الحَالَةِ، فَلَمَّا مَضَىٰ لِمَوْتِهِ سَنَةً، خَرَّ عَنْ عَصَاهُ، وَالْعَصَا قَدْ أَكَلَتْهَا الأَرْضَةُ؛ وَهِيَ الدُّودَةُ الَّتِي تَأْكُلُ العُودَ؛ فَرَأَتِ الجِنُّ ٱنْخِرَارَهُ فَتَوَهَّمَتْ مَوْتَهُ؛ «والمِنْسَأَة»: العَصَا، وَقَرأ الجمهور: {تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ} بِإسْنَادِ الفعلِ إلَيْها، أي: بَانَ أَمْرُهَا، كَأَنَّهُ قال: افْتُضِحَتِ الجِنّ، أي: للإِنْسِ، هذا تَأَوِيلٌ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَولُه: {تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ} بِمَعْنَى: عَلِمَتِ الجِنُّ وَتَحَقَّقَتْ، وَيُرِيدُ بِالجِنِّ: جُمْهُورَهُمْ؛ والخَدَمَةَ مِنْهُمْ، ويُرِيدُ بالضَّمِيرِ فِي {كَانُوا}: رُؤَسَاءَهُمْ وَكِبَارَهُمْ لأَنَّهُمْ هُمُ الذينَ يَدَّعُونَ عِلْمَ الغَيْبِ لأَتْبَاعِهِم من الجِنِّ والإنسِ. وَقَرَأَ يَعْقُوبُ: «تبينت الجن» عَلَى بِنَاءِ الفعلِ للمَفْعُولِ، أي: تبيَّنَهَا الناسُ، و{ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ}: ما هم فيه من الخِدْمَةِ والتَسْخِيرِ وغير ذلك، والمعنى: أنَّ الجِنَّ لَوْ كَانَتْ تَعْلَم الغَيْبَ لَمَا خَفِي عَلَيْهَا مَوْتُ سُلَيْمَانَ؛ وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهُ خَفِيَ عَلَيْهَا بِدَوَامِها فِي الخِدْمَةِ الصَّعْبَةِ، وَهُوَ مَيِّتٌ فـ{ٱلْمُهِينِ} المُذِلُّ، مِن الهَوَانِ، وَحَكَى الثَّعْلَبِيُّ: أنَّ الشياطينَ قَالَتْ لِلأَرْضَةِ: لَوْ كُنْتِ تَأْكُلِينَ الطَّعَامَ لأَتَيْنَاكِ بِأَطْيَبِ الطَّعَامِ والشَّرَابِ، ولَكِنَّا سَنَنْقُلُ إلَيكِ الماءَ والطِّين؛ فَهُمْ يَنْقُلُونَ إلَيها ذَلِكَ حَيْثُ كَانَتْ شُكْراً لَهَا انتهى.
البقاعي
تفسير : ولما كان ربما استبعد موت من هو على هذه الصفة من ضخامة الملك بنفوذ الأمر وسعة الحال وكثرة الجنود، أشار إلى سهولته بقرب زمنه وسرعة إيقاعه على وجه دال على بطلان تعظيمهم للجن بالإخبار بالمغيبات بعد تنبيههم على مثل ذلك باستخدامه لهم بقوله: {فلما} بالفاء، ولذلك عاد إلى مظهر الجلال فقال: {قضينا} وحقق صفة القدرة بأداة الاستعلاء فقال: {عليه} أي سليمان عيله السلام {الموت ما دلهم} أي جنوده وكل من في ملكه من الجن والإنس وغيرهم من كل قريب وبعيد {على موته} لأنا جعلنا له من سعة العلم ووفور الهيبة ونفوذ الأمر ما تمكن به من إخفاء موته عنهم {إلا دآبة الأرض} فخمها بهذه الإضافة التي من معناها أنه لا دابة للأرض غيرها لما أفادته من العلم ولأنها لكونها تأكل من كل شيء من أجزاء الأرض من الخشب والحجر والتراب والثياب وغير ذلك أحق الدواب بهذا الاسم، ويزيد ذلك حسناً ان مصدر فعلها أرض بالفتح والإسكان فيصير من قبيل التورية ليشتد التشوف إلى تفسيرها, ثم بين أنها الأرضة بقوله مستأنفاً في جواب من كأنه قال: أي دابة هي وبما دلت: {تأكل منسأته} أي عصاه التي مات وهو متكىء عليها قائماً في بيت من زجاج، وليس له باب، صنعته له الجن لما أعلمه الله بأن أجله قد حضر، وكان قد بقي في المسجد بقية ليخفي موته على الجن الذين كانوا يعملون في البيت المقدس حتى يتم؛ قال في القاموس في باب الهمز: نسأه: زجره وساقه وأخره ودفعه عن الحوض، والمنسأة كمكنسة مرتبة، ويترك الهمز فيهما: العصا - لأن الدابة تنسأ بها أي تساق، والبدل فيها لازم، حكاه سيبويه - انتهى. فالمعنى أن الجن كانوا يزجرون ويساقون بها، وقرأها المدنيان وأبو عمرو بالإبدال، وابن عامر من رواية ابن ذكوان والداجوني عن هشام بإسكان الهمزة، والباقون بهمزة مفتوحة {فلما خر} أي سقط على الأرض بعد أن قصمت الأرضة عصاه {تبينت الجن} أي علمت علماً بيناً لا يقدرون معه على تدبيج وتدليس، وانفضح أمرهم وظهر ظهوراً تاماً {أن} أي أنهم {لو كانوا} أي الجن {يعلمون الغيب} أي علمه {ما لبثوا} أي أقاموا حولاً مجرماً {في العذاب المهين *} من ذلك العمل الذي كانوا مسخرين فيه، والمراد إبطال ما كانوا يدعونه من علم الغيب على وجه الصفة، لأن المعنى أن دعواهم ذلك إما كذب أو جهل، فأحسن الأحوال لهم أن يكون جهلاً منهم، وقد تبين لهم الآن جهلهم بياناً لا يقدرون على إنكاره، ويجوز أن تكون "أن" تعليلية، ويكون التقدير: تبين حال الجن فيما يظن بهم من أنهم يعلمون الغيب، لأنهم إلى آخره، وسبب علمهم مدة كونه ميتاً قبل ذلك أنهم وضعوا الأرضة على موضع من العصا فأكلت منها يوماً وليلة، وحسبوا على ذلك النحو فوجدوا المدة سنة، وفي هذا توبيخ للعرب أنهم يصدقون من ثبت بهذا الأمر أنهم لا يعلمون الغيب في الخرافات اللاتي تأتيهم بها الكهان وغيرهم مما يفتنهم والحال أنهم يشاهدون منه كذباً كبيراً، فكانوا بذلك مساوين لمن يخبر من الآدميين عن بعض المغيبات بظن يظنه او منام يراه أو غير ذلك، فيكون كما قال - هذا مع إعراضهم عمن يخبرهم بالآخرة شفقة عليهم ونصيحة لهم، وما أخبرهم بشيء قط إلا ظهر صدقه قبل ادعائه للنبوة وبعده، وأظهر لهم من المعجزات ما بهر العقول، وقد تقرر أن كل شيء ثبت لمن قبل نبينا صلى الله عليه وسلم من الأنبياء من الخوارق ثبت له مثله أو أعظم منه إما له نفسه أو لأحد من أمته، وهذا الذي ذكر لسليمان عليه السلام من حفظه بعد موته سنة لا يميل قد ثبت مثله لشخص من هذه الأمة من غير شيء يعتمد عليه، قال الأستاذ أبو القاسم القشيري في رسالته في باب البادية قائماً ميتاً لا يمسكه شيء - انتهى. وقد ثبت مثل ذلك الشخص في بلاد شروان من بلاد فارس بالقرب من شماخى، اسم ذلك الولي محمد، ولقبه دمدمكي، مات من نحو أربعمائة سنة في المائة الخامسة من الهجرة، وهو قاعد في مكان من مقامه الذي كان البسطامية، أخبرني من شاهده ممن كذلك لا أتهمه من طلبة العلم العجم، وهو أمر مشهور متواتر في بلادهم غني عن مشاهدة شخص معين، قال: زرته غير مرة وله هيبة تمنع المعتقد من الدنو منه دنواً يرى به وجهه كما أشار تعالى إلى مثل ذلك بقوله تعالى {أية : لوليت منهم فراراً ولملئت منهم رعباً}تفسير : [الكهف: 18] قال: وكان معنا في بعض المرات شخص من طلبة العلم من أهل كيلان غير معتقد يقول: إنما هذا نوع شعبدة يخيل به على عقول الرعاع، قال: فتقدم إليه بجرأة ولمس صدره ونظر في وجهه، فأصيب في الحال فلم يرجع إلا محمولاً، فأقام في المدرسة التي كان يشتغل بها في مدينة شماخي مدة، وأخبرنا أن الشيخ دمدمكي قال له لما لمسه: لولا أنك من أهل العلم هلكت، وأنه شيخ خفيف اللحية، قال: وقد تبت إلى الله تعالى وصرت من المعتقدين لما هوعليه أنه حق، ولا أكذب بشيء من كرامات الأولياء، قال الحاكي: وقد دفن ثلاث مرات إحداها بأمر تمرلنك فيصبح جالساً على ما هو عليه الآن - والله الموفق للصواب. ولما دل سبحانه بقوله {أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم} الآية، على قدرته على ما يريد من السماء والأرض لمعاملة من يريد ممن فيهما بما يشاء من فضل على من شكر، وعدل فيمن كفر، ودل على ذلك بما قصه من أخبار بعض أولي الشكر، وختم بموت نبيه سليمان بن داود الشاكر ابن الشاكر عليهما السلام، وما كان فيه من الآية الدالة على أنه لا يعلم الغيب غيره لينتج ذلك أنه لا يقدر على كل ما يريد غيره، وكان موت الأنبياء المتقدمين موجباً لاختلال من بعدهم لفوات آياتهم بفواتهم بخلاف آية القرآن، فإنها باقية على مر الدهور والأزمان، لكل إنس وملك وجان، ينادي مناديها على رؤوس الأشهاد: هل من مبارٍ أو مضاد؟ فلذلك حفظت هذه الأمة، وضاع غيرها في أودية مدلهمة، أتبعه دليلاً آخر شهودياً على آية {إن نشأ نخسف بهم الأرض} في قوم كان تمام صلاحهم بسليمان عليه الصلاة والسلام، فاختل بعده أمرهم، وصار من عجائب الكون ذكرهم، حين ضاع شكرهم، فكان من ترجمة اتباع قصتهم لما قبلها أن آل داود عليه السلام شكروا، فسخر لهم من الجبال والطير والمعادن وغيرها ما لم يكن غيرهم يطمع فيه، وهو أضاعوا الشكر فأعصى عليهم وأضاع منهم ما لم يكونوا يخافون فواته من مياههم وأشجارهم وغيرها، فقال تعالى مشيراً بتأكيده إلى تعظيم ما كانوا فيه، وأنه في غاية الدلالة على القدرة، وسائر صفات الكمال، وأن عمل قريش عمل من ينكر ما تدل عليه قصتهم من ذلك: {لقد كان لسبأ} أي القيلة المشهورة التي كانت تسجد للشمس، فهداهم الله تعالى على يد سليمان عليه السلام، وحكمة تسكين قنبل همزتها الإشارة إلى ما كانوا فيه من الخفض والدعة ورفاهة العيش المثمرة للراحة والطمأنينة والهدوء والسكينة، ولعل قراءة الجمهور لها بالصرف تشير إلى مثل ذلك، وقراءة أبي عمرو والبزي عن ابن كثير بالمنع تشير إلى رجوعهم بما صاروا إليه من سوء الحال إلى غالب أحوال تلك البلاد في الإقفار وقلة النبت والعطش {في مسكنهم} أي التي هي في غاية الكثرة، ووحد حمزة والكسائي وحفص عن عاصم إشارة إلى أنها لشدة اتصال المنافع والمرافق كالمسكن الواحد، وكسر الكسائي الكاف إشارة إلى أنها في غاية الملاءمة لهم واللين، وفتحه الآخران إشارة إلى ما فيها من الروح والراحة، وكانت بأرض مأرب من بلاد اليمن، قال حمزة الكرماني: قال ابن عباس رضي الله عنهما: على ثلاث فراسخ من صنعاء، وكانت أخصب البلاد وأطيبها وأكثرها ثماراً حتى كانت المرأة تضع على رأسها المكتل وتطوف في ما بين الأشجار فيمتلىء المكتل من غير أن تمس شيئاً بيدها، وكانت مياههم تخرج من جبل فبنوا فيه سداً وجعلوا له ثلاثة أبواب فكانوا يسرحون الماء إلى كرومهم من الباب الأعلى والأوسط والأسفل، قال الرازي: كانت المرأة تخرج ومعها مغزلها وعلى رأسها مكتلها فتمتهن مغزلتها، فلا تأتي بيتها حتى يمتلىء مكتلها من الثمار، وقال أبو حيان في النهر: ولما ملكت بلقيس اقتتل قومها على ماء واديهم فتركت ملكها، وسكنت قصرها وراودوها على أن ترجع فأبت فقالوا: لترجعن أو لنقتلنك، فقالت لهم: لا عقول لكم، ولا تطيعوني، فقالوا نطيعك، فرجعت إلى واديهم، وكانوا إذا مطروا أتاهم السيل من مسيرة ثلاثة أيام، فأمرت به فسد ما بين الجبلين بمسناة بالصخر والقار، وحبست الماء من وراء السد، وجعلت له أبواباً بعضها فوق بعض، وبنت من دونه بركة فيها اثنا عشر مخرجاً على عدة أنهارهم، وكان الماء يخرج لهم بالسوية، وقال المسعودي في مقدمات مروج الذهب قبل السيرة النبوية بيسير في الكلام على الكهان، كانت من أخصب أرض اليمن وأثراها، وأعذابها وأغداها، وأكثرها جناناً، وكانت مسيرة أكثر من شهر للراكب المجد على هذه الحال في العرض مثل ذلك، يسير الراكب من أولها إلى أن ينتهي إلى آخرها، لا تواجهه الشمس ولا يفارقها الظل، لاستتار الأرض بالأشحار واستيلائها عليها وإحاطتها بها، فكان أهلها في أطيب عيش وأرفعه وأهنأ حال وأرغده، في نهاية الخصب وطيب الهواء وصفاء الفضاء وتدفق الماء، وقوة الشوكة واجتماع الكلمة، ثم ذكر خبراً طويلاً في أخبارهم, وخراب ما كان من آثارهم, وتفرقهم في البلاد, وشتاتهم بين العباد {آية} أي علامة ظاهرة على قدرتنا على ما نريد، ثم فسر الآية بقوله: {جنتان} مجاورتان للطريق {عن يمين وشمال} أي بساتين متصلة وحدائق مشتبكة، ورياض محتبكة، حتى كان الكل من كل جانب جنة واحدة لشدة اتصال بعضه ببعض عن يمين كل سالك وشماله في أي مكان سلك من بلادهم ليس فيها موضع معطل، وقال البغوي: عن يمين واديهم وشماله، قد أحاط الجنتان بذلك الوادي. وأشار الى كرم تلك الجنان وسعة ما بها من الخير بقوله: {كلوا} أي لا تحتاج بلادهم إلى غير أن يقال لهم: كلوا {من رزق ربكم} أي المحسن إليكم الذي أخرج لكم منها كل ما تشتهون {واشكروا له} أي خصوه بالشكر بالعمل بما أنعم به في ما يرضيه ليديم لكم النعمة، ثم استأنف تعظيم ذلك بقوله: {بلدة طيبة} أي كريمة التربة حسنة الهواء سليمة من الهوام والمضمار, لا يحتاج ساكنها إلى ما يتبعه فيعوقه عن الشكر، قال ابن زيد: لا يوجد فيها برغوث ولا بعوض ولا عقرب ولا حية، ولا تقمل ثيابهم، ولا تعيا دوابهم. وأشار إلى أنه لا يقدر أحد على أن يقدره حق قدره بقوله: {ورب غفور *} أي لذنب من شكره وتقصيره بمحو عين ما قصر فيه وأثره فلا يعاقب عليه ولا يعاتب، ولولا ذلك ما أنعم عليكم بما أنتم فيه ولأهلككم بذنوبكم، وأخبرني بعض أهل اليمن أنها اليوم مفازة قرب صنعاء اليمن - قال: في بعضها عنب يعمل منه زبيب كبار جداً في مقدار در - تلي بلاد الشام، وهو في غاية الصفاء كأنه قطع المصطكا وليس له نوى أصلاً. ولما تسبب عن هذا الإنعام بطرهم الموجب لإعراضهم عن الشكر، دل على ذلك بقوله: {فأعرضوا} ولما تسبب عن إعراضهم مقتهم، بينه بقوله: {فأرسلنا} ودل على أنه إرسال عذاب بعد مظهر العظمة بأداة الاستعلاء فقال: {عليهم سيل العرم} أي سيح المطر الغالب المؤذي الشديد الكثير الحاد الفعل المتناهي في الأذى الذي لا يرده شيء ولا تمنعه حيلة بسد ولا غيره من العرامة، وهي الشدة والقوة، فأفسد عليهم جميع ما ينتفعون به، قال أبو حيان: سلط الله عليهم الجرذ فاراً أعمى توالد فيه، ويسمى الخلد، فخرفه شيئاً بعد شيء، فأرسل الله سيلاً في ذلك الوادي، فحمل ذلك السد فروي أنه كان من العظم وكثرة الماء بحيث ملأ ما بين الجبلين، وحمل الجنان وكثيراً من الناس ممن لم يمكنه الفرار. ولما غرق من غرق منهم ونجا من نجا، تفرقوا وتمزقوا حتى ضربت العرب المثل بهم فقالوا: تفرقوا أيدي سبا وأيادي سبا، والأوس والخزرج منهم، وكان ذلك في الفترة التي بين عيسى ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم {وبدلناهم بجنتيهم} أي جعلنا لهم بدلهما {جنتين} هما في غاية ما يكون من مضادة جنتيهم، ولذلك فسرهما بقوله إعلاماً بإن إطلاق الجنتين عليهما مشاكلة لفظية للتهكم بهم: {ذواتي أكل} أي ثمر {خمط} وقراءة الجماعة بتنوين {أكل} أقعد في التهكم من قراءة أبي عمرو ويعقوب بالإضافة. ولما كان الخمط مشتركاً بين البهائم والإنسان في الأكل والتجنب، والله أعلم بما أراد منه، لأنه ضرب من الإراك، له ثمر يؤكل، وكل شجرة مرة ذات شوك، والحامض أو المر من كل شيء، وكل نبت أخذ طعماً من مرارة حتى لا يؤكل، ولا يمكن أكله، وثمر يقال له فسوة الضبع على صورة الخشخاش ينفرك ولا ينتفع به، والحمل القليل من كل شجر، ذكر ما يخص البهائم التي بها قوام الإنسان فقال: {وأثل} أي وذواتي أثل، وهو شجر لا ثمر له، نوع من الطرفاء، ثم ذكر ما يخص الإنسان فقال: {وشيء من سدر} أي نبق {قليل *} وهذا يدل على أن غير السدر وهو ما لا منفعة فيه أو منفعته مشوبة بكدر أكثر من السدر؛ وقال أبو حيان: إن الفراء فسر هذا السدر بالسمر، قال: وقال الأزهري: السدر سدران: سدر لا ينتفع به ولا يصلح ورقه للغسول، وله ثمرة عفصة لا تؤكل، وهذا الذي يسمى الضال وسدر ينبت على الماء وثمره النبق وورقة الغسول يشبه العناب. وقد سبق الوعد في البقرة ببيان مطلب ما يفيده دخول الجار مع مادة "بدل" فإن الحال يفترق فيها بين الإبدال والتبديل والاستبدال والتبدل وغير ذلك، وهي كثرة الدور مشتبهة الأمر، وقد حققها شيخنا محقق زمانه قاضي الشافعية بالديار المصرية شمس الدين محمد بن علي القاياتي رحمه الله فقال فيما علقته عند وذكر أكثره في شرحه لخطبة المنهاج للنووي رحمه الله: اعلم أن هذه المادة - أعني الباء والدال واللام - مع هذا الترتيب قد يذكر معها المتقابلان فقط وقد يذكر معهما غيرهما, وقد لا يكون كذلك, فإن اقتصر عليهما فقد يذكران مع التبدل والاستبدال مصحوباً أحدهما بالباء كما في قوله تعالى: {أية : أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير}تفسير : [البقرة: 61] وفي قوله تعالى: {أية : ومن يتبدل الكفر بالإيمان}تفسير : [البقرة: 108] الآية، فتكون الباء داخلة على المتروك ويتعدى الفعل بنفسه للمقابل المتخذ، وقد يذكران مع التبديل والإبدال وأحدهما مقرون بالباء، فالباء داخلة على الحاصل، ويتعدى الفعل بنفسه إلى المتروك، نقل الأزهري عن ثعلب: بدلت الخاتم بالحلقة - إذا أذبته وسويته حلقة، وبدلت الحلقة بالخاتم - إذا أذبتها وجعلتها خاتماً، وأبدلت الخاتم بالحلقة - إذا نحيت هذا وجعلت هذه مكانه، وحكى الهروي في الغريبين عن ابن عرفة يعني نفطويه أنه قال: التبديل: تغيير الشيء عن حاله, والإبدال: جعل الشيء مكان آخر, وتحقيقه أن معنى التبديل التغيير وإن لم يؤت ببدل كما ذكر في الصحاح وكما هو مقتضى كلام ابن عرفة، فحيث ذكر المتقابلان وقيل: "بدلت هذا بذاك" رجع حاصل ذلك أنك أخذت ذاك وأعطيت هذا، فإذا قيل: بدل الشيء بغيره، فمعناه غير الشيء بغيره، أي ترك الأول وأخذ الثاني، فكانت الباء داخلة على المأخوذ لا المنحى، ومعنى إبدال الشيء بغيره يرجع إلى تنحية الشيء وجعل غيره مكانه، فكانت الباء داخلة على المتخذ مكان المنحى، وللتبديل ولو مع الاقتصار على المتقابلين استعمال آخر، يتعدى إلى المفعولين بنفسه كقوله تعالى {أية : فأولئك يبدل الله سيآتهم حسنات}تفسير : [الفرقان: 70] {أية : فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه زكاة} تفسير : [الكهف: 81] الآية بمعنى يجعل الحسنات بدل السيئات ويعطيهما بدل ما كان لهما خيراً وقد لا يذكر المذهوب كما في قوله تعالى: {أية : بدلناهم جلوداً غيرها}تفسير : [النساء: 56] ومعنى التبدل والاستبدال أخذ الشيء مكان غيره، فإذا قلت: استبدلت هذا بذاك، أو تبدلت هذا بذاك، رجع حاصل ذلك أنك أخذت هذا وتركت ذاك، وإن لم يقتصر عليهما بل ذكر معهما غيرهما وأحدهما مصحوب بالجارّ وذكر التبديل كما في قوله تعالى {وبدلناهم بجنتيهم جنتين} تعدى الفعل بنفسه إلى المفعولين يعين إلى المفعول ذلك لأجله وإلى المأخوذ بنفسه، وإلى المذهوب المبدل منه بالباء كما في "بدله بخوفه أمناً" ومعناه: أزال خوفه إلى الأمن, وقد يتعدى إلى المذهوب والحالة هذه - بمن كما في "بدله من خوفه أمناً" وللتبديل أيضاً استعمال آخر يتعدى إلى مفعول واحد مثل: بدلت الشيء أي غيرته، قال تعالى {أية : فمن بدله بعد ما سمعه} تفسير : [البقرة: 181] على أن ههنا ما يجب التنبه له وهو أن الشيء يكون مأخوذاً بالقياس والإضافة إلى شيء، متروكاً بالقياس والإضافة إلى آخر، كما إذا أعطى شخص شخصاً شيئاً وأخذ بدله منه، فالشيء الأول مأخوذ للشخص الثاني ومتروك للأول، والمقابل بالعكس فيصح أن يعبر بالتبدل والتبديل، ويعتبر في كل منهما ما يناسبه، والإشكال المقام قصدنا بعض الإطناب - انتهى والله أعلم.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال: كان سليمان عليه السلام يخلو في بيت المقدس السنة والسنتين، والشهر والشهرين، وأقل من ذلك وأكثر، ويدخل طعامه وشرابه، فأدخله في المرة التي مات فيها، وكان بدء ذلك أنه لم يكن يوماً يصبح فيه الا نبتت في بيت المقدس شجرة، فيأتيها فيسألها ما اسمك؟ فتقول: الشجرة اسمي كذا وكذا... فيقول لها: لأي شيء نبت؟ فتقول: نبت لكذا وكذا... فيأمر بها فتقطع. فإن كانت نبتت لغرس غرسها، وإن كانت نبتت دواء قالت: نَبَتُّ دواءً لكذا وكذا.. فيجعلها لذلك حتى نبتت شجرة يقال لها الخرنوبة قال لها: لأي شيء نبت؟ قالت: نبت لخراب هذا المسجد فقال سليمان عليه السلام: ما كان الله ليخربه وأنا حي! أنت الذي على وجهك هلاكي، وخراب بيت المقدس، فنزعها فغرسها في حائط له، ثم دخل المحراب، فقام يصلي متكئاً على عصا، فمات ولا تعلم به الشياطين في ذلك، وهم يعملون له مخافة أن يخرج فيعاقبهم. وكانت الشياطين حول المحراب يجتمعون، وكان المحراب له كواً من بين يديه ومن خلفه، وكان الشيطان المريد الذي يريد أن يخلع يقول: ألست جليداً؟ إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب، فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر، فدخل شيطان من أولئك، فمر ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان الا احترق، فمر ولم يسمع صوت سليمان، ثم رجع فلم يسمع صوته، ثم عاد فلم يسمع، ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق، ونظر إلى سليمان قد سقط ميتاً، فأخبر الناس: أن سليمان قد مات، ففتحوا عنه فأخرجوه، فوجدوا منسأته - وهي العصا بلسان الحبشة - قد أكلتها الأرضة، ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت منها يوم وليلة، ثم حبسوا على نحو ذلك فوجدوه قد مات منذ سنة. وهي في قراءة ابن مسعود "فمكثوا يدينون له من بعد موته حولاً كاملاً" فأبقين الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبون، ولو أنهم علموا الغيب لعلموا بموت سليمان عليه السلام، ولما لبثوا في العذاب سنة يعملون له، ثم إن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام, ولو كنت تشربين أتيناك بأطيب الشراب، ولكننا ننقل إليك الطين والماء فهم ينقلون إليها حيث كانت، ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب فهو مما يأتيها الشياطين شكراً لها. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس {دابة الأرض تأكل منسأته} عصاه. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لبث سليمان عليه السلام على عصاه حولاً بعدما مات، ثم خر على رأس الحول، فأخذت الإِنس عصا مثل عصاه، ودابة مثل دابته، فأرسلوها عليها فأكلتها في سنة. وكان ابن عباس يقرأ {فلما خَرَّ تَبَيَّنَتِ الإِنس إن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين سنة} قال سفيان: وفي قراءة ابن مسعود "وهم يدأبون له حولاً". وأخرج البزار وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن السني في الطب النبوي وابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كان سليمان عليه السلام إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول لها: ما اسمك؟ فتقول: كذا وكذا. فإن كانت لغرس غرست، وإن كانت لدواء نبتت. فصلى ذات يوم، فإذا شجرة نابتة بين يديه فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخرنوب. قال: لأي شيء أنتِ؟ قالت: لخراب هذا البيت فقال سليمان عليه السلام: اللهم عم عن الجن موتي حين يعلم الإِنس أن الجن لا يعلمون الغيب، فأخذ عصا، فتوكأ عليها وقبضه الله وهو متكىء، فمكث حيناً ميتاً والجن تعمل، فأكلتها الأرضة فسقطت، فعلموا عند ذلك بموته، فتبينت الإِنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولاً في العذاب المهين. وكان ابن عباس يقرأها كذلك، فشكرت الجن الأرضة، فأينما كانت يأتونها بالماء ". تفسير : وأخرج البزار والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس. موقوفاً. وأخرج الديلمي عن زيد بن أرقم. مرفوعاً. يقول الله "أني تفضلت على عبادي بثلاث: ألقيت الدابة على الحبة، ولولا ذلك لكنزتها الملوك كما يكنزون الذهب والفضة. وألقيت النتن على الجسد، ولولا ذلك لم يدفن حبيب حبيبه، وأسليت الحزين، ولولا ذلك لذهب التسلي". وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: كانت الجن تخبر الإِنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء، وأنهم يعلمون ما في غد، فابتلوا بموت سليمان عليه الصلاة والسلام، فمات فلبث سنة على عصاه وهم لا يشعرون بموته، وهم مسخرون تلك السنة، ويعملون دائبين {فلما خر تبينت الجن} وفي بعض القراءة "فلما خر تبينت الإِنس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين" وقد لبثوا يدأبون ويعملون له حولاً بعد موته. وأخرج عبد بن حميد من طريق قيس بن سعد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت الإِنس تقول في زمن سليمان عليه السلام: أن الجن تعلم الغيب، فلما مات سليمان عليه السلام، مكث قائماً على عصاه ميتاً حولاً والجن تعمل بقيامه "فلما خر تبينت الإِنس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين" كان ابن عباس رضي الله عنهما كذلك يقرأها قال قيس بن سعد رضي الله عنه: وهي قراءة أُبيّ بن كعب رضي الله عنه كذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه قال: قال سليمان عليه السلام لملك الموت: إذا أمرت بي فاعلمني، فأتاه فقال: يا سليمان قد أمرت بك، قد بقيت لك سويعة، فدعا الشيطاين، فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس عليه باب، فقام يصلي، فاتكأ على عصاه، فدخل عليه ملك الموت عليه السلام، فقبض روحه وهو متكىء على عصاه، ولم يصنع ذلك فراراً من الموت قال: والجن تعمل بين يديه، وينظرون يحسبون أنه حي، فبعث الله {دابة الأرض} دابة تأكل العيدان يقال لها: القادح فدخلت فيها، فأكلتها حتى إذا أكلت جوف العصا ضعف وثقل عليها، فخر ميتاً فلما رأت ذلك الجن انفضوا وذهبوا. فذلك قوله {ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته} . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: لما رد الله الخاتم إليه لم يصلِّ صلاة الصبح يوماً إلا نظر وراءه، فإذا هو بشجرة خضراء تهتز فيقول: يا شجرة أما يأكلنك جن، ولا إنس، ولا طير، ولا هوام، ولا بهائم، فتقول: إني لم أجعل رزقاً لشيء، ولكن دواء من كذا.. ودواء من كذا.. فقام الإِنس والجن يقطعونها ويجعلونها في الدواء، فصلى الصبح ذات يوم والتفت، فإذا بشجرة وراءه قال: ما أنت يا شجرة؟ قالت: أنا الخرنوبة قال: والله ما الخرنوبة إلا خراب بيت المقدس، والله لا يخرب ما كنت حياً ولكني أموت، فدعا بحنوط فتحنط وتكفن، ثم جلس على كرسيه، ثم جمع كفيه على طرف عصاه، ثم جعلها تحت ذقنه ومات، فمكث الجن سنة يحسبونه أنه حي، وكانت لا ترفع أبصارها إليه، وبعث الله الارضة، فأكلت طرف العصا، فخر منكباً على وجهه، فعلمت الجن أنه قد مات. فذلك قوله {تبينت الجن} ولقد كانت الجن تعلم أنها لا تعلم الغيب، ولكن في القراءة الأولى {تبينت الإِنس أن لو كانت الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين}. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بلغت نصف العصا، فتركوها في النصف الباقي، فأكلتها في حول فقالوا: مات عام أول. وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: مكث سليمان بن داود عليه السلام حولاً على عصاه متكئاً حتى أكلتها الأرضة فَخرَّ. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {إلا دابة الأرض تأكل منسأته} قال: عصاه. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه قال: الأرضة أكلت عصاه حتى خرَّ. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير رضي الله عنه {تأكل منسأته} قال: العصا. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه أنه سئل عن (المنسأة) قال: هي العصا، وأنشد فيها شعراً قاله عبد المطلب: شعر : أمن أجل حبل لا أبالك صدته بمنسأة قد جر حبلك أحبلا تفسير : وأخرج ابن جرير عن السدي رضي الله عنه قال: (المنسأة) العصا بلسان الحبشة.
ابو السعود
تفسير : {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ} أي على سليمانَ عليه السَّلامُ {مَا دَلَّهُمْ} أي الجنَّ أو آلَه {عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الاْرْضِ} أي الأَرَضةُ أضيفتْ إلى فعلها. وقُرىء بفتحِ الرَّاءِ، وهو تأثُّرُ الخشبةِ من فعلِها، يقالُ أَرَضتَ الأَرَضةُ الخشبةَ أرضاً فأرضتْ أرضْاً مثل أكلتِ القوادحُ أسنانَه أَكْلاً فأكلتْ أَكلاَ {تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} أي عصاهُ من نسأتُ البعيرَ إذا طردَته لأنَّها يُطرد بها ما يُطرد وقُرىء مِنُساتَه بألفٍ ساكنةٍ بدلاً من الهمزة وبهمزةِ ساكنةٍ وبإخراجها بـينَ بـينَ عند الوقفِ ومنساءتَه على مفعالةٍ كميضاءَةٍ في ميضأَةٍ ومن سأتِه من أي طرفِ عصاهُ من سأةِ القوسِ وفيه لغتانِ كما في قِحَةٍ بالكسرِ والفتحِ وقُرىء أكلتْ مِنْساتَهُ. {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ} من تبـيَّنت الشيءَ إذا علمته بعد التباسه عليك أي علمت الجنّ علماً بـيِّنا بعد التباسِ الأمر عليهم {أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} أي أنَّهم لو كانوا يعلمون الغيبَ كما يزعمون لعلمُوا موتَه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ حينما وقع فلم يلبثُوا بعده حولاً في تسخيرِه إلى أن خرَّ أو من تبـيَّن الشيءُ إذا ظهرَ وتجلَّي أي ظهرتِ الجنُّ وأنْ مع ما في حيِّزِها بدلُ اشتمالٍ من الجنُّ أي ظهر أنَّ الجنَّ لو كانوا يعلمون الغيبَ الخ وقُرىء تبـيَّنت الجنُّ على البناءِ للمفعولِ على أنْ المتبـيَّن في الحقيقة هو أن مع ما في حيِّزِها لأنه بدلٌ وقُرىء تبـيَّنت الإنسُ والضَّميرُ في كانُوا للجنِّ في قوله تعالى: { أية : وَمِنَ ٱلْجِنّ مَن يَعْمَلُ} تفسير : [سورة سبأ: الآية 12] وفي قراءةِ ابن مسعودٍ رضي الله عنه تبـينتِ الإنسُ أنَّ الجنَّ لو كانوا يعلمون الغيب. رُوي أنَّ داودَ عليه السَّلامُ أسَّس بنيان بـيت المقدس في موضعِ فُسطاطِ مُوسى فتوفِّي قبل تمامه فوصَّى به إلى سليمانَ عليهما السَّلامُ فاستعمل فيه الجنَّ والشَّياطينَ فباشروه حتىَّ إذا حانَ أجلُه وعلم به سألَ ربَّه أنْ يُعمِّي عليهم موتَه حتَّى يفرغُوا منه ولتبطلَ دعواهم علمَ الغيبِ فدعاهم فبنَوا عليه صَرحاً من قواريرَ ليس له بابٌ فقام يُصلِّي متكئاً على عصاهُ فقُبض روحُه وهو متكىءٌ عليها فبقي كذلك وهم فيما أُمروا به من الأعمالِ حتَّى أكلتِ الأَرَضةُ عصاهُ فخرَّ ميِّتاً وكانت السَّياطينُ تجتمعُ حول محرابِه أينما صلَّى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فلم يكن ينظر إليه شيطانٌ في صلاتِه إلاَّ احترقَ فمرَّ به يوماً شيطانٌ فنظر فإذا سليمانُ عليه السَّلامُ قد خرَّ ميتاً ففتحُوا عنه فإذا عصاهُ قد أكلتها الأرَضةُ فأرادوا أن يعرفُوا وقتَ موتِه فوضعُوا الأَرضةَ على العصا فأكلتْ منها في يومٍ وليلةٍ مقداراً فحسبُوا على ذلك فوجدُوه قد مات منذُ سنةٍ وكان عمرُه ثلاثاً وخمسين سنة، ملك وهو ابن ثلاثَ عشرةَ سنة وبقي في ملكه أربعينَ سنةً وابتدأ بناءَ بـيتِ المقدسِ لأربعٍ مضين من مُلكِه.
القشيري
تفسير : كان سليمانُ - عليه السلام - يتكىء على عصاه وقتما قُبِضُ، وبقي على ذلك الوصف مدةً، والشياطين كانوا مُسَخَّرين يعملون ما أمرهم به، ويتصرفون على الوجه الذي رَسَمَ لهم، وينتهون عمَّا زَجَرَهم، فقد كانوا يتوهمُّون أَنه حيٌّ. ثم إنَّ الأرَضَة أكلت عصاه فَخَرَّ سليمانُ فَعلِمَ الشياطين عندئذ أنه مات، فرجعوا إلى أعمالهم الخبيثة، وانفكَّ عنهم ما كانوا عليه من التسخير؛ وهكذا المَلِكُ الذي يقوم مُلكُه بغيره، ويكون استمساكه بعصا. فإنه إذا سَقَطَ سَقَطَ بسقوطه، ومَنْ قام بغيره زال بزواله.
اسماعيل حقي
تفسير : {فلما قضينا عليه الموت} القضاء الحكم والفصل والموت زوال القوة الحساسة اى لما حكمنا على سليمان بالموت وفصلناه به عن الدنيا {مادلهم} [دلالت نكرد ديوانرا] {على موته} [برمرك سليمان] {الا} [مكر] {دابة الارض} اى الارضة وهى دويبة تأكل الخشب بالفارسية [كرمك جوب خور] اضيفت الى فعلها وهو الارض بمعنى الا كل ولذا سميت الارض مقابل السماء ارضا لانها تأكل اجساد بنى آدم يقال ارضت الارضة الخشبة ارضا اكلتها فارضت ارضا على ما لم يسم فاعله فهى مأروضة {تأكل منسأته} اى عصاه التى يتوكأ عليها من النسئ وهو التأخير فى الوقت لان العصا يؤخر بها الشئ ويزجر ويطرد {فلما خر} سقط سليمان ميتا. قال الراغب خر سقط سقوطا يسمع منه خرير والخرير يقال لصوت الماء والريح وغير ذلك مما يسقط من علو {تبينت الجن} من تبينت الشئ اذا علمته بعد التباسه عليك اى علمت الجن علما يقينيا ينتفى عنده الشكوك والشبه بعد التباس الامر عليهم {ان} اى انهم {لو كانوا يعلمون الغيب} ما غاب عن حواسهم كما يزعمون {ما لبثوا} [درنك نمى كردند يكسال] {فى العذاب المهين} [در عذاب خوار كننده] يعنى التكاليف الشاقة والاعمال الصعبة التى كانوا يعملونها. والحاصل انهم لو كان لهم علم بالغيب كما يزعمون لعلموا موت سليمان ولما لبثوا بعده حولا فى تسخيره الى ان خر فلما وقع ما وقع علموا انهم جاهلون لا عاملون. ويجوز ان يؤخذ تبينت من تبين الشئ اذا ظهر وتجلى فتكون ان مع ما فى حيزها بدل اشتمال من الجن نحو تبين زيد جهله اى ظهر للانس ان الجن لو كانوا يعلمون الى آخره. واصل القصة انه لما دنا اجل سليمان عليه السلام كان اول ما ظهر من علاماته انه لم يصبح الا ورأى فى محرابه شجرة نابتة كما قال فى المثنوى شعر : هر صباحى جون سليمان آمدى خاضع اندر مسجد اقصى شدى نوكياهى رسته ديدى اندرو بس بكفتى نام ونفع خود بكو توجه دارويى جئ نامت جه است توزيان كه ونفعت بركى است بس بكفتى هر كياهى فعل ونام كه من آنرا جانم واين را حمام من مرين را زهرم واورا شكر نام من اينست برلوح ازقدر بس طبيبان ازسليمان زان كيا عالم ودانا شدندى مقتدا تاكتبهاى طبيبى ساختند جسم را از رنج مى بردا ختند اين نجوم وطب وحى انبياست عقل وحس را سوى بى سوره كجاست هم بران عادت سليمان سنى رفت در مسجد ميان روشنى قاعده هرروز را مى جست شاه كه بيند مسجد اندر نوكياه بس سليمان ديد اندر كوشه نوكياهى رسته همجون خوشه ديد بس نادر كياهى سبزوتر مى ربود آن سبزيش نور از بصر كفت نامت جيست بركوبى دهان نام من خروب اى شاه جهان كفت فعلت جيست وز توجه رود كفت من رستم مكان ويران شود من كه خروبم خراب منزلم من خرابى مسجد آب وكلم بس سليمان آن زمان دانست زود كه اجل آمد سفر خواهد نمود كفت تا من هستم اين مسجد يقين در خلل نايد ز آفات زمين تاكه من باشم وجود من بود مسجد اقصى مخلخل كى شود بس خرابى مسجد ما بى كمان نبود الا بعد مرك ما بدان مسجداست آن دل كه جشمش ساجداست يار بد خروب هرجاكه مسجداست يار بد جون رست در تو مهر او هين ازو بكريز وكم كن كفت وكو بركن از بيخش كه كر سر برزند مر ترا ومسجدت را بركند تفسير : [بس ازان سليمان بملك الموت رسيد وكفت جون ترا بقبض روح من فرمايند مرا خبر ده ملك الموت بوقتى كه اورا فرمودند آمد واورا خبر داد كفت نماند از عمرتو الا يك ساعت اكر وصيتى ميكنى يا كارى از بهر مرك ميسازى بساز] فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير ليس له باب فقام يصلى. قال فى كشف الاسرار [بس بآخركار عصاى خود بيش كرفت وتكيه برآن كرد وهردوكف زير سرنهاد وآن عصا اورا همجنان بناهى كشت وملك الموت در آن حال قبض روح وى كرد ويكسال برين صفت برآن عصا تكيه زده بماند وشياطين همجنان دركار ورنج وعمل خويش مى بودند ونمى دانستند كه سليمان مرا وفات رسيد] ولا ينكرون احتباسه عن الخروج الى الناس لطول صلاته قبل ذلك. وقال الكاشفى فى تفسيره [جون سليمان در كذشت وبشستند وبرو نماز كذا ردند واورا برعصا تكيه دادند ومرك اوبموجب وصيت او فاش نكردند وديوان ازدورزنده مى بنداشتند وبهما ن كاركه نامزد ايشان بود قيام نمودند تابعد از يكسال اسفل عصاى اورا دوده بخورد سليمان برزمين افتاد همكنانرا موت او معلوم شد]. قال بعضهم كانت الشياطين تجتمع حول محرابه اينما صلى فلم يكن شيطان ينظر اليه فى صلاته الا احترق فمر به شيطان فلم يسمع صوته ثم رجع فلم يسمع صوتة ثم نظر فاذا سليمان قد خر ميتا ففتحوا عنه فاذا العصا قد اكلتها الارضة فارادوا ان يعرفوا وقت موته فوضعوا الارضة على العصا فاكلت منها فى يوم وليلة مقدار فحسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة وكانوا يعملون بين يديه ويحسبونه حيا ولو علموا انه مات لما لبثوا فى العذاب سنة. قال فى كشف الاسرار [وعذاب ايشان ازجهت سليمان آن بودى جون بريكى ازايشان خشم كرفتى] كان قد حبسه فى دنّ وشدّ رأسه بالرصاص او جعله بين طبقتين من الصخر فالقاه فى البحر او شدّ رجليه بشعره الى عنقه فالقاه فى الحبس. ثم ان الشياطين قالوا للارضة لو كنت تأكلين الطعام اتيناك باطيب الطعام ولو كنت تشربين من الشراب سقيناك اطيب الشراب ولكن ننقل اليك الماء والطين فهم ينقلون ذلك حيث كانت ألم تر الى الطين الذى يكون فى جوف الخشب فهو ما يأتيها به الشياطين تشكرا لها. قال القفال قد دلت هذه الآية على ان الجن لم يسخروا الا لسليمان وانهم تخلصوا بعد موته من تلك الاعمال الشاقة: يعنى [جون بدانستند كه سليمان را وفات رسيد فى الحال فرار نمود درشعاب جبال واجواف بوادى كريختند وازرنج وعذاب بازرستند] وانما تهيأ لهم التسخير والعمل لان الله تعالى زاد فى اجسامهم وقواهم وغير خلقهم عن خلق الجن الذين لا يرون ولا يقدرون على شئ من هذه الاعمال الشاقة مثل نقل الاجسام الثقال ونحوه لان ذلك كان معجزة لسليمان عليه السلام. قالت المعتزلة الجن اجسام رقاق ولرقتها لا نراها ويجوز ان يكثف الله اجسام الجن فى زمان الانبياء دون غيره من الازمنة وان يقويهم بخلاف ما هم عليه فى غير زمانهم. قال القاضى عبد الجبار ويدل على ذلك ما فى القرآن من قصة سليمان انه كثفهم له حتى كان الناس يرونهم وقواهم حتى يعملون له الاعمال الشاقة واما تكثيف اجسامهم واقدارهم عليها فى غير زمان الانبياء فانه غير جائز لكونه نقضا للعادة. قال اهل التاريخ كان سليمان عليه السلام ابيض جسيما وضيئا كثير الشعر يلبس البياض وكان عمره ثلاثا وخمسين سنة وكانت وفاته بعد فراغ بناء بيت المقدس بتسع وعشرين سنة. يقول الفقير هو الصحيح اى كون وفاته بعد الفراغ من البناء لا قبله بسنة على ما زعم بعض اهل التفسير وذلك لوجوه الاول ما فى المرفوع من ان سليمان بن داود لما بنى بيت المقدس سأل الله ثلاثا فاعطاه اثنتين ونحن نرجو ان يكون قد اعطاه الثالثة وقد سبق فى تفسير قوله تعالى {أية : من محاريب} تفسير : والثانى اتفاقهم على ان داود اسس بيت المقدس فى موضع فسطاس موسى وبنى مقدار قامة انسان فلم يؤذن له فى الاتمام كما مر وجهه ثم لما دنا اجله وصى به الى ابنه سليمان وبعيد ان يؤخر سليمان وصية ابيه الى آخر عمره مع ما ملك مدة اربعين سنة والثالث قصة الخروب التى ذكرها الاجلاء من العلماء فانها تقتضى ان سليمان صلى فى المسجد الاقصى بعد اتمامه زمانا كثيرا. وفى التأويلات النجمية تشير الآية الى كمال قدرته وحكمته وانه هو الذى سخر الجن والانس لمخلوق مثلهم وهم الالوف الكثيرة والوحوش والطيور ثم قضى عليه الموت وجعلهم مسخرين لجثة بلا روح وبحكمته جعل دابة الارض حيوانا ضعيفا مثلها دليلا لهذه الالوف الكثيرة من الجن والانس تدلهم بفعلها على علم ما لم يعلموا. وفيه ايضا اشارة الى انه تعالى جعل فيها سببا لايمان امة عظيمة وبيان حال الجن انهم لا يعلمون الغيب. وفيه اشارة اخرى ان نبيين من الانبياء اتكئا على عصوين وهما موسى وسليمان فلما قال موسى هى عصاى اتوكأ عليها قال ربه القها فلما القاها جعلها ثعبانا مبينا يعنى من اتكأ على غير فضل الله ورحمته يكون متكؤه ثعبانا ولما اتكأ سليمان على عصاه فى قيام ملكه بها واستمسك بها بعث الله اضعف دابة واخسها لابطال متكئه ومتمسكه ليعلم ان من قام بغيره زال بزواله وان كل متمسك بغير الله طاغوت من الطواغيت ومن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها انتهى كلامه
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {فلما قَضَيْنَا عليه} على سليمان {الموتَ ما دلّهم} أي: الجن وآل داود {على موته إِلا دابةُ الأرض} أي: الأرضة، وهي دويبة تأكل الخشب، ويقال: لها، سُرْفةَ والقادح. والأرض هنا مصدر: أرَضَتِ الخشبة، بالبناء للمفعول، أرَضَّا: أكلتها الأرضة. فأضيفت إلى فعلها وهو الأرض، أي: الأكل. {تأكل مِنْسَأَتَهُ} أي: عصاه، سميت منسأة؛ لأنها تنسى، أي: تطرح ويُرْمى بها. وفيها لغتان؛ الهمز وعدمه، فقرأ نافع وأبو عمرو بترك الهمز، وعليه قول الشاعر: شعر : إِذا دَبَبْتُ على المِنسَاةِ مِن كِبَرٍ فَقَد تَبَاعَدَ عَنْكَ اللهْوُ والغَزلُ تفسير : وقرأ غيرهما بالهمز، وهو أشهر. {فلما خرّ} سقط سليمانُ {تبينتِ الجنُّ} أي: تحققت وعلمت علماً يقيناً، بعد التباس الأمر على عامتهم وضعفتهم، {أن لو كانوا يعلمون الغيبَ ما لبثوا} بعد موت سليمان {في العذاب المهين} في العمل الشاق له، لظنهم حياته، فلو كانوا يعلمون الغيب كما زعموا لعلموا موته. وذلك أن داود عليه السلام أسس بيت المقدس، في موضع فسطاط مُوسى عليه السلام، فمات قبل أن يتمه، فوصّى به إلى سليمان، فأمر الشياطين بإتمامه. فلما بقي من عمره سنة، سأل الله تعالى أن يعمّي عليهم موته حتى يفرغوا، ولتبطل دعواهم علم الغيب. وكان عمر سليمان ثلاثاً وخمسين سنة. وملك وهو ابنُ ثلاث عشرة سنة. فبقي في ملكه أربعين سنة، وابتدأ بناء بيت المقدس لأربع مضين من ملكه. قال الثعلبي: فبنى سليمان المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر، وعمَّره بأساطين المها الصافي، وسقفه بأنواع الجواهر، وفضض سقوفه وحيطانه باللآلىء، وسائر أنواع الجواهر، وبسط أرضه بألواح الفيروزج، فلم يكن في الأرض أبهى ولا أنور من ذلك المسجد. كان يضيء في الظلمة كالقمر ليلة البدر. ومن أعاجيب ما اتخذ في بيت القدس، أن بنى بيتاً وطيّن حائطه بالخضرة، وصقله، فإذا دخله الوَرعُ البار استبان فيه خياله أبيض، وإذا دخله الفاجر استبان فيه خياله أسود، فارتدع كثير من الناس عن الفجور. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : لما فرغ سليمانُ من بناء بيت المقدس سأل ربه ثلاثاً، فأعطاه اثنتين، وأن أرجو أن يكون قد أعطاه الثالثة، سأله حُكماً يُصادفُ حُكْمَه، فأعطاه إياه، وسأله مُلكاً لا ينبغي لأحد من بعده، فأعطاه إياه، وسأله ألا يأتي أحد هذا البيت يُصلي فيه ركعتين إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، وأنا أرجو أن يكون قد أعطاه ذلك" تفسير : هـ. فلم يزل بيت المقدس على ما بناه سليمان عليه السلام حتى خرّبه بخت نصر، وأخذ ما كان فيه من الذهب والفضة واليواقيت، وحمله إلى دار مملكته من العراق. ثم قال: قال المفسرون: كان سليمان ينفرد في بيت المقدس السنة والسنتين، والشهر والشهرين، يدخل فيه طعامه وشرابه، فدخله في المرة التي مات فيها. وكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا نبتت في بيت المقدس شجرة، فيسألها: ما اسمك؟ فتقول الشجرة: اسمي كذا، فيأمر بها فنقطع، فإن كانت لغرس غرسها، وإن كانت لدواء كُتبت. فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه، فقال لها: ما اسمك؟ قالت: الخروبة، قال لها: ولأي شيء نَبَتِّ؟ قالت: لخراب هذا المسجد، فقال: ما كان الله ليخربه وأنا حيّ، أنت التي على وجهك هلاكي، وهلاك بيت المقدس، فنزعها وغرسها في حائط، ثم قال: اللهم أعم عن الجن موتي، حتى يعلم الإنسُ أن الجن لا يعلمون الغيب. وكانت الجن تُخبر الإنس أنهم يعلمون أشياء من علم الغيب، ثم دخل المحراب، وقام يصلي على عصاه، فمات. وقيل: إن سليمان قال لأصحابه ذات يوم: قد آتاني الله ما ترون، وما مرّ عليَّ يوم في ملكي بحيث صفا لي من الكدر، وقد أحببتُ أن يكون لي يوم واحد يصفو لي من الكدر، فدخل قصره من الغد، وأمر بغلق أبوابه، ومنع الناس من الدخول عليه، ورفْعِ الأخبار إليه. ثم اتكأ على عصاه ينظر في ممالكه، إذ نظر إلى شاب حسن الوجه، عليه ثياب بيض، قد خرج عليه من جوانب قصره، فقال: السلام عليك يا سليمان، فقال: عليك السلام، كيف دخلت قصري؟ فقال: أنا الذي لا يحجبني حاجب، ولا يدفعني بوّاب، ولا أهاب الملوك، ولا أقبل الرشا، وما كنتُ لأدخل هذا القصر من غير إذن. فقال سليمان: فمَن أَذِنَ لك في دخوله؟ قال: ربه، فارتعد سليمان، وعَلِمَ أنه ملك الموت، فقال: يا ملك الموت هذا اليوم الذي أردتُ أن يصفو لي، قال: يا سليمان ذلك اليوم لم يخلق في أيام الدنيا، فقبض روحه وهو متكىء على عصاه. هـ. وفي رواية: أنه دعا الشياطين، فبنوا له صرحاً من قوارير، ليس له باب، فقام يُصلي، واتكأ على عصاه، فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه. والله تعالى أعلم أيّ ذلك كان. وبقي سليمان ميتاً، وهو قائم على عصاه سنة، حتى أكلت الأَرَضةَ عصاه. ولم يعلموا منذ كم مات، فوضعوا الأرضة على العصا، فأكلت منها يوماً وليلة، ثم حسبوا على ذلك النحو، فوجدوه قد مات منذ سنة. سبحان الحي الذي لا يموت، ولا ينقضي ملكه. الإشارة: كل دولة في الدنيا تحول، وكل عز فيها عن قريب يزول، فالعاقل مَن صرف دولته في طاعة مولاه، وبذل جهده في محبته ورضاه، فإن كانت قسمته في الأغنياء كان من الشاكرين، وإن كانت في الفقراء كان من الصابرين، والفقير الصابر أحظى من الغني الشاكر، ولذلك ورد أن سليمان عليه السلام آخر مَن يدخل الجنة من الأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وعبد الرحمن بن عوف آخر مَن يدخلها من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. والغني الشاكر هو الذي يُعطي ولا يُبالي، ويتواضع للكبير والصغير، والوجيه والحقير، والفقير الصابر هو الذي يغتبط بفقره، ويكتمه عن غيره. وبالله التوفيق. ثم ذكر حال من لم يشكر النعم فقال: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ...}
الجنابذي
تفسير : {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ} اى الارضة وهى بتحريك الرّاء دويبة معروفة تأكل الخشب وتجعله كالارض وفعلها يسمّى ارضاً بمعنى اكل الخشب وجعله كالارض لانّها تجعل سطح الخشب من الطّين الّذى تجعله عليه كالارض واضافتها الى الارض اضافة الفاعل الى الفعل او اضافة الفاعل الى ما يجعل المنفعل مثله، ومفعول دلّهم راجع الى الجنّ او الى الانس او الى المجموع {تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} اسم آلة من نسأه اذا طرده او دفعه او ساقه {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} روى عن الرّضا (ع): انّ سليمان بن داود (ع) قال ذات يوم لاصحابه: انّ الله تعالى وهب لى ملكاً لا ينبغى لاحدٍ من بعدى سخّر لى الرّيح والانس والجنّ والطّير والوحوش وعلّمنى منطق الطّير وآتانى من كلّ شيءٍ، ومع جميع ما اوتيت من الملك ما تمّ لى سرور يومٍ الى اللّيل وقد احببت ان ادخل قصرى فى غدٍ فاصعد اعلاه وانظر الى ممالكى ولا تأذنوا لاحدٍ علىّ لئلاّ يرد علىّ ما ينغّص علىّ يومى، قالوا: نعم، فلمّا كان من الغد اخذ عصاه بيده وصعد الى اعلى موضعٍ من قصره ووقف متّكئاً على عصاه ينظر الى ممالكه مسروراً بما اوتى فرحاً بما اعطى اذ نظر الى شابٍّ حسن الوجه واللّباس قد خرج عليه من بعض زوايا قصره فلمّا بصر به سليمان (ع) قال له: من أدخلك الى هذا القصر؟ وقد اردت ان اخلو فيه اليوم؟ فباذن من دخلت؟- قال الشّابّ: ادخلنى هذا القصر ربّه وباذنه دخلت، فقال: ربّه احقّ به منّى: فمن انت؟- قال انا ملك الموت، قال: وفيما جئت؟- قال: جئت لاقبض، قال: امض لما امرت به فهذا يوم سرورى، وابى الله عزّ وجلّ ان يكون لى سرور دون لقائه، فقبض ملك الموت روحه وهو متّكىٌ على عصاه، فبقى سليمان (ع) متّكئاً على عصاه وهو ميّت ما شاء الله والنّاس ينظرون اليه وهم يقدّرون انّه حىّ فافتتنوا فيه واختلفوا، فمنهم من قال: قد بقى سليمان (ع) متّكئاً على عصاه هذه الايّام الكثيرة ولم يتعب ولم ينم ولم يأكل ولم يشرب، انّه لربّّنا الّذى يجب علينا ان نعبده، وقال قوم: انّ سليمان (ع) ساحرٌ وانّه يرينا انّه واقف متّكئ على عصاه بسحر اعيننا، وليس كذلك فقال المؤمنون: انّ سليمان (ع) هو عبدالله ونبيّه يدبّر الله امره بما يشاء فلمّا اختلفوا بعث الله عزّ وجلّ الارضة فدبّت فى عصاه فلمّا اكلت جوفها انكسرت العصا وخرّ سليمان (ع) من قصره على وجهه، فشكرت الجنّ للارضة صنيعها فلاجل ذلك لا توجد الارضة فى مكانٍ الاّ وعندها ماءٌ وطين وذلك قول الله عزّ وجلّ: فلمّا قضينا عليه الموت ما دلّهم على موته الاّ دابة الارض تأكل منسأته يعنى عصاه فلمّا خرّ تبيّنت الجنّ ان لو كانوا (الآية) ثمّ قال الصّادق (ع)، والله ما نزلت هذه الآية هكذا وانّما نزلت فلمّا خرّ تبيّنت الانس انّ الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا فى العذاب المهين، وعن النّبىّ (ص): حديث : عاش سليمان بن داود سبعمائة سنة واثنتى عشرة سنةً.
الهواري
تفسير : قال: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ} أي: فلما أنزلنا عليه الموت {مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَآبَّةُ الأَرْضِ} وهي الأرضة {تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} والمنساة: العصا، وهي بالحبشية. قال بعضهم: مكث سليمان حولاً وهو متكئ على عصاه، لا يرى الإِنس والجن إلا أنه حي على حاله الأولى لتعظم الآية، بمنزلة ما أذهب الله من عملهم تلك الأربعين الليلة التي غاب فيها سليمان عن ملكه حيث خلفه ذلك الشيطان في ملكه. فكان موته فجأة وهو متكئ على عصاه حولاً لا يعلمون أنه مات. وذلك أن الشياطين كانت تزعم للإِنس أنهم يعلمون الغيب فكانوا يعملون له حولاً لا يعلمون أنه مات. قوله تعالى: {فَلَمَّا خَرَّ} سليمان {تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ} للإِنس {أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ} [في تلك السخرة، في تلك الأعمال في السلاسل، تبيّن للإِنس أن الجنّ لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين] أي: العذاب الذي لهم فيه الهوان.
اطفيش
تفسير : {فلما قضينا} انزلنا. {عليه} على سليمان. {الموت ما دلهم} اي ماد الجن وقيل الانس والجن. {على موته إلا دابة الأرض} هو مصدر أرضت الخشبة بالبناء للمفعول اي اكلتها الدابة التي تأكلها فاضافة دابة إليه لانه فعلها وليس الارض هو الارض التي يمشى عليها والدابة هي الارضة بفتح الهمزة والراء وقد نسكن الراء لا تضم الهمزة واسكان الراء ويقال لها السرقة وهي التي تأكل الخشب وقرىء {فلما قضى عليه الموت} اي قضى الله وقرىء {الا دابة الأرض} بفتح الراء وهو مطاوعة الخشبة لتلك الدابة المسماة بالارضة بالتاء اعني تأثرها بها يقال أكلت الارضة الخشبة ارضا فارضت الخشبة ارضا كما يقال أكلت الدودة الاسنان أكلا فأكلت الاسنان أكلا. {تأكل منساته} بألف خالصة بدل من همزة في قراءة نافع وابي عمرو، وقرأ ابن ذكوان بهمزة ساكنة والباقون بهمزة مفتوحة وحمزة اذا وقف جعلها بين بين على اصله وقرىء {منسأته} بألف فهمزة كما يقال ميضأة وميضاءة بهمزة بعد الف وتركها وهي الموضع الذي يتوضى فيه والمراد العصا لانه ينسائها اي يطرد ويزجر بها ونسأت البعير طردته واخرته وقرىء بفتح الميم وتخفيف الهمزة بقلبها الفا وحذفها وبكسر الميم وحذف الالف فتتصل السين بالتاء وقرىء {منساته} على ان من حرف جر وساءة مجرور وهي طرف العصا. قال جار الله: سميت بساءة القوس على الاستعارة وفيها لغتان كقولهم قحة وقمة انتهى. قال الاستاذ قدس الله سره: فلان عربي قح اي محض وعربيته قحة اي محضة وكل محض خالص فهو قح ورجل قح جاف لئيم كأنه خالص في اباه واللئوم وقح عظيم الكرم ولغتا القحة بضم القاف وكسرها وفي القاموس (وقول الفراء يجوز يعني في الاية من ساته بفصل من على أنه حرف جر والساة لغة في سية القوس فيه بعد وتعجرف). وذكر جار الله ان تخفف المنسأة بقلب الهمزة الف وبحذفها ليس بقياس وان القياس في التخفيف اخراج الهمزة بين بين وانه قرىء {اكلت منساته} وجملة تأكل او أكلت حال. {فلما خر} ميتا او وقع للارض بانكسار العصا الكل الارضة إياها وكان متكئا عليها. {تبينت الجن} علمت واصله العلم بعد بحث وتطلع يقال تبين زيد الامر اي علمه بعد تشوف له. {ان} مخففة واسمها ضمير الشان. {لو} حرف امتناع. {كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين} وكل ذلك خبر لان ويقدر المصدر منه ويضاف اليه. اسم دال على السلب يكون هذا المضاف مفعولا به لتبين اي تبينت الحق عدم لبثهم في العذاب المهين لو كانوا يعلمون الغيب، ويجوز ان يكون تبينت بمعنى انكشفت وظهرت والاسم على السلب بدل اشتمال من الجن. قال ابن هشام: قالت جماعة: في الآية حذف مضافين اي علمت ضعفاء الجن ان لو كان روساءهم، وهنا معنى حسن الا ان فيه حذف مضافين لم يظهر الدليل عليهما والاولى ان نبين بمعنى وضح وان وصلتها بدل اشتمال من الجن انتهى. وقرأ أبي {تبيت الإنس ان لو كانوا} اي ان لو كان الجن. وقرأ الضحاك {تباينت الانس} اي تفارقت على ان لو كان الجن الخ واعلم بعضهم بعضا ان لو كان الجن الخ. وقرأ ابن مسعود {تبينت الانس ان الجن لو كانوا}، وقرأ يعقوب {تبينت الجن} بالبناء للمفعول لان المبين في المعنى هو البدل لو على ان المعنى اعلمتهم الانس بان لو كانوا الخ، والمهين الموقع في الهوان والذل وكانت الضعفاء من الانس والجن يصدقون من ادعى علم الغيب من الجن وبعض الجن والإنس التبس عليهم الامر والذين يدعون الغيب هم كبار الجن وربما ادعاء غيرهم فذكر الله سبحانه وتعالى انه يتبين الجن والانس ان من يدعي الغيب من الجن كاذب وانهم لو علموا الغيب ما لبثوا في العذاب المهين يظنون ان سليمان حي وما بينهم وبينه إلا زجاج شفاف وهلا علموا بموته فيتركوا الخدمة وهي المراد بالعذاب المهين، وان قيل: المراد بالجن من يدعي الغيب منهم جاز التفسير المذكور وجاز التفسر للتهكم بهم وذلك انهم ولو ادعوا الغيب قد علموا انهم كاذبون كما نتهكم بمدعي الباطل اذا دحضت حجة فتقول له هل تبين انك مبطل وانت تعلم انه لم يزل لذلك متبينا. وقيل: الجن جمهور الجن والخدمة منهم والضمير لكبراءهم وهم الذين يدعون علم الغيب لاتباعهم من الجن والانس. روي انه كان من عادة سليمان ان يعتكف في مسجد ببيت المقدس المدد الطوال السنة والسنتين والشهر والشهرين واقل واكثر ومعه طعامه وشرابه. قال ابن مسعود وابن عباس - رضي الله عنهما -: ان سليمان عليه السلام لما احس بقرب أجله جد في العبادة وجاءه ملك الموت واخبره انه امر بقبض روحه وانه لم يبق له الا مدة يسيرة. وروي: انه لما دنا اجله لم يصيح الا راى في محراب بيت المقدس شجرة نابتة قد انطقها الله فيسألها ما اسمك فتقول كذا ويقول لأي شيء انت؟، فتقول لكذا ويغرسها ويكتب ما يداوي بها حتى اصبح ذات يوم فرأى الخروبة فسألها فقال: نبتت الخراب هذا المسجد فقال: ما كان الله ليخربه وانا حي انت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس فنزعها وغرسها في حائظ له ثم قال: اللهم اعمِ على الجن موتي حتى يعلم الناس ان الجن لا يعلمون الغيب ويتمموا بناء بيتك وكان مبنيا في موضع قسطاط موسى وكانوا يخبرون الانس انهم يعلمون من الغيب اشياء ويعلمون ما في غد وذلك انهم يسترقون السمع ويموهون على الناس وقال لملك الموت: اذا أمرت بي فاعلمني فقال: أمرت بك وقد بقيت من عمرك ساعة فدعى الشياطين فبنوا عليه صرحا من زجاج لا باب له فقام يصلي متكيا على عصاه فمات قائما، وقيل: كان في الصرح كوي بين يديه ومن خلفه ودام قائما ميتاً متكياً على العصا بحيث يتماسك ولا يقع وكانت الشياطين تجتمع حول محرابه اينما صلى فلم يكن شيطان ينظر اليه في صلاته الا احترق وبقيت الجن تعمل الاعمال الشاقة التي تعمل في حياته عاما كاملا وينظرون اليه يحسوبه حيا ولا ينكرون احتباسه عن الناس لطول صلاته وانقطاعه عن الناس المدد الطوال قبل ذلك حتى اكلت الأرضة عصاه فانكسرت فوقع فعلموا بموته. قال ابن عباس: فشكرت الجن الارضة وقالوا لها: لو كنت تأكلين لاتيناك بأطيب الطعام والشراب ولكن سننقل اليك الماء والطين فهم ينقلون ذلك اليها حيث كانت شكراً لها في جوف الخشب. وروي: انه مر به شيطان فلم يسمع صوته ثم رجع فلم يسمع فنظره فاذا هو ملقي على الارض إلقاء الميت وكان ذلك بسبب إنكسار العصاء به لأكل الأرضة فالدليل الارضة فلا يرد على هذا القول ان الله سبحانه اخبرنا انه ما دلهم على موته الا دابة الارض وايضاً يحتمل على بعد ان يكون المعنى ما دلهم على مدة موته إلا دابة الارض كما روي انهم بعد ذلك فتحوا عليه وتيقنوا موته وكان موته فجأة وأرادوا أن يعرفوا وقت موته فوضعوا الارضة التي وجدوها أكلت العصا على العصا يوما وليلة فراوا ما اكلت وحسبوا ذلك لنحو فوجده قد مات منذ سنة وكان عمره ثلاث وخمسين سنة وملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة وبقي في ملكه اربعين سنة. قيل: وكان بقاءهم في العذاب المهين عاما عوضا عن الاربعين يوماً التي تلف عنه خاتمه فيها، وفي رواية: ان سليمان عليه السلام قال ذات يوم لأصحابه: قد أتاني الله من الملك ما ترون ما مر علي يوم في ملكي بحيث صفا لي من الكدر وقد احببت ان يكون لي يوم واحد يصفو لي الى الليل ولا أغنم فيه ولكن ذلك اليوم غد فدخل قصره في الغد واغلق أبوابها ومنع الناس من الدخول عليه ورفع الأحبار اليه أملاً يسمع شيئاً ثم اخذ عصاه بيده وصعد فوق قصره واتكأ عليها فنظر في مملكته اذ نظر الى شاب حسن الوجه عليه ثياب بيض خرج عليه من جانب القصر فقال: السلام عليك يا نبي الله فقال: وعليك السلام كيف دخلت هذا القصر وقد منعت من دخوله؟، اما منعك الحجاب والبواب؟، ما هبتني حيث دخلت قصري بغير أذني؟ فقال: الذي لا يحجبني حاجب ولا يدفعني بواب ولا أهاب الملوك ولا اقبل الرشا وما كنت ادخل هذا القصر بغير اذن فقال سليمان عليه السلام: فمن أذن لك في دخوله؟ فقال: فارتعد سليمان عليه السلام وعلم انه ملك الموت فقال له: انت ملك الموت؟ فقال: نعم قال: فلم جئت؟ قال: جيئت لأقبض روحك. قال: يا ملك الموت هذا يوم أردت ان يصفو لي ولا أسمع فيه ما يغمني. قال: انك اردت يوماً يصفو لك فيه عيشك حتى لا تغنم فيه وذلك اليوم لم يخلق في الدنيا فارض بقضاء ربك فإنه لا مرد له. قال: فامض لما أمرت به. فقبض ملك الموت روحه وهو منتكيء على عصاه. وروى: انه لما رد اليه ملكه بعد نزعه عنه استعمل الشياطين في عمل المحاريب والتماثيل والجفان والقدور وغير ذلك وحمل الحجارة الثقيلة فجاءهم ابليس فقال: كيف انتم؟ فقال: ما لنا طاقة لما نحن فيه. قال: تذهبون حاملين وترجعون فراغا؟ قالوا: نعم. قال: فأنتم في راحة، فابلغت له الريح ذلك فأمرهم بالحمل ذاهبين وراجعين فقال لهم ابليس: تنامون بالليل؟ قالوا: نعم. قال: فأنتم في راحة، فأبلغت اليه الريح ذلك فأمرهم بالعمل ليلاً ونهاراً فشكوا الى ابليس فقال لهم: أوقد فعلها؟ قالوا: نعم. قال: فتوقعوا الفرج فقد بلغ الامر منتهاءً فما لبثوا الا يسيرا.
اطفيش
تفسير : {فلمَّا قَضَينا عليْه المَوْت} الخ عطف قصة بالفاء على أخرى قبلها، أو على محذوف تقدير أحييناه كذلك، أو فعلنا به ذلك "فلما قضينا عليه الموت" أى أنفذناه فيه {ما دلَّهُم عَلَى مَوْته} لم يقل ما دلهم عليه بعود الهاء للموت، لئلا يتوهم عودها لسليمان، ولأن الموت المذكور قبل هو حقيقة الموت، وهذا موت متشخص، والهاء فى دلهم عائد الى الذين يعملون له عليه السلام، لا الى آل داود، أن المقام للرد على من يتوهم أن الجن تعلم الغيب، كما يدل له {فلما خرَّ تبيَّنت الجن}. {إلا دابَّة الأرض} دابة الأكل يقال: أرضت الدابة الخشب بفتح الراء تارضه بكسرها أكلته، فالأرض فى الآية مصدر أضيف اليه فاعله، وهو الدابة المخصوصة المسماة سُرفة بضم فاسكان سوسة، الخشب، سوداء الرأس، حمراء البدن، ومطاوع ذلك الفعل أرض بالكسر تارض بالفتح، أرضت تلك الدابة الخشب بفتح الراء أرضا باسكانها، فأرضت بكسرها الخشبة أى تأثر فيها أكلها أرضا بفتحها، كما قرأ به ابن عباس، ولعل من فسر الآية بالأرض التى نحن عليها لم يطلع عليها أنها ذكرت فى اللغة {تأكل مِنْسأتَه} عصاه، والألف عن همزة، يقال: نسأت البعير إذا طردته، ونسأته أخرته، والجملة حال من دابة {فلمَّا خرَّ} بالموت {تبيَّنَتٍ الجن} علمت بعد التباس. {أن لو كانُوا يعْلمُون الغَيْبَ ما لبثُوا في العَذاب المُهِين} بعد موته، أن مخففة أى أنه، أى الشأن، أو أنهم أى الجن، والمصدر من معنى لو مففول به لتبيَّنت أى علمت ضعفاء الجن انتفاء علم أقويائهم الغيب، لبقائهم سنة فى الخدمة الشاقة التى استخدمهم بها وهى عذاب مهين، أى مذل لهم، بحمل الصخر، واستخراج المعادن، والبناء، والعكوف على بابه، وحول محرابه، وأسند التبين والعلم لمجموع الجن، والمراد التفصيل المذكور، كانت ضعفاؤهم يدعون أن أقويائهم يعلمون الغيب، أو الجن هم الأقوياء، كانوا يدعون علم الغيب، فتبين لهم أنه لا يعلمونه، أو أن وما بعده فى تأويل مصدر بدل اشتمال، وإن اعتبر مضاف، أى تبين أمر الجن كان بدل كل. وعلى فرض الأقوياء علموا أنهم لا يعلمون الغيب، فالآية تهكم بهم، وفى الحديث: "حديث : لتتبعن سنن من قبلكم حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه أو ركبوا متن ضباة لركبتموه" تفسير : ففي هذه الأمة من يميل الى ذلك بل يتقرب اليهم بالذبح، وقد قال أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : لا تذبحوا للجن"تفسير : قال بعض الفقهاء ذبائح الجن أن تذبح فى الدار الجديدة بالطيرة، أو لعين تستخرج منها، ومن ذلك أن يذبح فى الموضع الذى يراد حفر البئر فيه، أو فى قريب منه، أو فى موضع ما قصدا للجن، وأن تذبح دجاجة لمريض تقربا الى الجن، أو زعما بأن الجن يخرج بها من المريض. ولما دنا موته كان لا يصبح الا رأى شجرة نابته فى محرابه، فيسألها: لماذا أنت؟ فتخبره، فنبتت فيه خرنوبة، وسألها فقالت: لخراب بيت المقدس، فقال: لا يخربه الله وأنا حى، فنزعها وغرسها فى جنة له، واتخذ منها عصا، وقال: اللهم اعم الجن عن موتى حتى يعلم أنهم لا يعلمون الغيب، كما يموهون، وقال لملك الموت: اذا أمرت بى فأعلمنى، فقال: بقيت ساعة، فدعا الجن فبنوا له صرحا من زجاج لا باب له، فقالم يصلى متكئا على عصاه، وكانت الجن تجتمع حول محرابه أينما صلى، ومن نظر اليه منهم فى صلاته احترق، فمر جنى ولم يسمع صوته، ورجع ولم يسمع، فنظر فاذا هو قد خر ميتا، ورأوا عصاه قد أكلت منها الأرضة، فوضعها الناس على العصا يوماً وليلة وأكلت فحسبوا، فاذا أنه مات سنة، ويبحث بأنها قد تأكل أحيانا وتترك أحيانا، وأنه يجوز أن تبتدىء الأكل بعد موته بزمان. وبأن الشيخ يوسف بن ابراهيم قال: من كان داخل بيت من زجاج لا منفذ له لا يسمع الصوت ولو ضربت عليه طبول الدنيا، إلا أن لله خرق العادة، ويقال: علم الناس أنه مات سنة بالوحى الى نبى، ولعلهم أرادوا مع ذلك أن يعرفوا كم تأكل فى كل يوم، فلا يقال لو علموا بالوحى لم يحتاجوا الى الاختبار، ويبعد أن يقال: بدأت الأكل فى حياته، وروى: أنه أمر ببناء صرح له من زجاج، فاختلى فيه ليصفوا له يوم، فاذا بشاب فقال: كيف دخلت بلا إذن؟ فقال: دخلت باذن، قال: من أذن لك؟ قال: رب الصرح، فعلم أنه ملك الموت، فقال: سبحان الله هذا يوم طلبت فيه خلوة، فقال: طلبت ما لم يلخق ولم يعلم الجن بموته سنة، وقد دعا الله تعالى فى أن يخفى موته عن الجن، ليعلم أنهم لا يعلمون الغيب، وعمره ثلاث وخمسون، وملك وعمره ثلاث عشرة سنة.
الالوسي
تفسير : {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ } قيل أي أوقعنا على سليمان الموت حاكمين به عليه، وفي «مجمع البيان» أي حكمنا عليه بالموت، وقيل: أوجبناه عليه، وفي «البحر» أي أنفذنا عليه ما قضينا عليه في الأزل من الموت وأخرجناه إلى حيز الوجود، وفيه تكلف، وأياً ما كان فليس المراد بالقضاء أخا القدر فتدبر، و(لما) شرطية ما بعدها شرطها وجوابها قوله تعالى: {مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ } واستدل بذلك على حرفيتها وفيه نظر؛ وضمير {دَلَّهُمْ } عائد على الجن الذين كانوا يعملون له عليه السلام، وقيل: عائد على آل سليمان، ويأباه بحسب الظاهر قوله تعالى بعد: {تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ }. والمراد بدابة الأرض الأرضة بفتحات وهي دويبة تأكل الخشب ونحوه وتسمى سرفة بضم السين وإسكان الراء المهملة وبالفاء، وفي «حياة الحيوان» عن ابن السكيت أنها دويبة سوداء الرأس وسائرها أحمر تتخذ لنفسها بيتاً مربعاً من دقاق العيدان تضم بعضها إلى بعض بلعابها ثم تدخل فيه وتموت، وفي المثل أصنع من سرفة وسماها في «البحر» بسوسة الخشب، والأرض على ما ذهب إليه أبو حاتم وجماعة مصدر أرضت الدابة الخشب تأرضه إذا أكلته من باب ضرب يضرب فإضافة {دَابَّةٍ } إليه من إضافة الشيء إلى فعله، ويؤيد ذلك قراءة ابن عباس والعباس بن الفضل {ٱلأَرض} بفتح الراء لأنه مصدر أرض من باب علم المطاوع لأرض من باب ضرب يقال أرضت الدابة الخشب بالفتح فأرض بالكسر كما يقال أكلت القوادح الأسنان أكلاً فأكلت أكلاً، فالأرض بالسكون الأكل والأرض بالفتح التأثر من ذلك الفعل. وقد يفسر الأول بالتأثر الذي هو الحاصل بالمصدر لتتوافق القراءتان، وقيل الأرض بالفتح جمع أرضة وإضافة {دَابَّةٍ } إليه من إِضافة العام إلى الخاص، وقيل: إن الأرض بالسكون بمعناها المعروف وإضافة {دَابَّةٍ } إليها قيل لأن فعلها في الأكثر فيها، وقيل لأنها تؤثر في الخشب ونحوه كما تؤثر الأرض فيه إذا دفن فيها وقيل غير ذلك والأولى التفسير الأول وإن لم تجىء الأرض في القرآن بذلك المعنى في غير هذا الموضع. وقوله تعالى: {تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ } في موضع الحال من {دَابَّةٍ } أي آكلة منسأته والمنسأة العصا من نسأت البعير إذا طردته لأنها يطرد بها أو من نسأته إذا أخرته ومنه النسىء، ويظهر من هذا أنها العصا الكبيرة التي تكون مع الراعي وأضرابه. وقرأ نافع (وابن عامر) وجماعة {منساته} بألف وأصله منسأته فأبدلت الهمزة ألفاً بدلاً غير قياسي. وقال أبو عمرو: أنا لا أهمزها لأني لا أعرف لها اشتقاقاً فإن كانت مما لا تهمز فقد احتطت وإن كانت مما تهمز فقد يجوز لي ترك الهمز فيما يهمز، ولعله بيان لوجه اختيار القراءة بدون همزة وبالهمز جاءت في قول الشاعر:شعر : ضربت بمنسأة وجهه فصار بذاك مهيناً ذليلا تفسير : وبدونه في قوله:شعر : إذا دببت على المنساة من هرم فقد تباعد منك اللهو والغزل تفسير : وقرأ ابن ذكوان وبكار والوليد بن أبـي عتبة وابن مسلم وآخرون {مِنسَأَتَهُ } بهمزة ساكنة وهو من تسكين المتحرك تخفيفاً وليس بقياس، وضعف النحاة هذه القراءة لأنه يلزم فيها أن يكون ما قبل تاء التأنيث ساكناً / غير ألف، وقيل: قياسها التخفيف بين بين والراوي لم يضبط، وأنشد هارون بن موسى الأخفش الدمشقي شاهداً على السكون في هذه القراءة قول الراجز:شعر : صريع خمر قام من وكأته كقومة الشيخ إلى منسأته تفسير : وقرىء بفتح الميم وتخفيف الهمزة قلباً وحذفاً و {منساءته} بالمد على وزن مفعالة كما يقال في الميضأة وهي آلة التوضىء وتطلق على محله أيضاً ميضاءة، وقرىء {منسيته} بإبدال الهمزة ياء. وقرأت فرقة منهم عمرو بن ثابت عن ابن جبير {مِنْ } مفصولة حرف جر {سأته} بجر التاء وهي طرف العصا وأصلها ما انعطف من طرفي القوس ويقال فيه سية أيضاً استعيرت لما ذكر إما استعارة اصطلاحية لأنها كانت خضراء فاعوجت بالاتكاء عليها على ما ستسمعه إن شاء الله تعالى في القصة أو لغوية باستعمال المقيد في المطلق، وبما ذكر علم رد ما قاله البطليوسي بعدما نقل هذه القراءة عن الفراء أنه تعجرف لا يجوز أن يستعمل في كتاب الله عز وجل ولم يأت به رواية ولا سماع ومع ذلك هو غير موافق لقصة سليمان عليه السلام لأنه لم يكن معتمداً على قوس وإنما كان معتمداً على عصا. وقرىء {تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ } بصيغة الماضي فالجملة إما حال أيضاً بتقدير قد أو بدونه وإما استئناف بياني. {فَلَمَّا خَرَّ } أي سقط {تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ } أي علمت بعد التباس أمر سليمان من حياته ومماته عليهم {أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ } أنهم لو كانوا يعلمون الغيب كما يزعمون لعلموا موته زمن وقوعه فلم يلبثوا بعده حولاً في الأعمال الشاقة إلى أن خر، والمراد بالجن الذين علموا ذلك ضعفاء الجن وبالذين نفى عنهم علم الغيب رؤساؤهم وكبارهم على ما روي عن قتادة، وجوز عليه أن يراد بالأمر الملتبس عليهم أمر علم الغيب أو المراد بالجن الجنس بأن يسند للكل ما للبعض أو المراد كبارهم المدعون علم الغيب أي علم االمدعون علم الغيب منهم عجزهم وأنهم لا يعلمون الغيب، وهم وإن كانوا عالمين قبل ذلك بحالهم لكن أريد التهكم بهم كما تقول للمبطل إذا دحضت حجته هل تبينت أنك مبطل. وأنت تعلم أنه لم يزل كذلك متبيناً. وجوز أن يكون تبين بمعنى بان وظهر فهو غير متعد لمفعول كما في الوجه الأول فإن مفعوله فيه {أَن لَّوْ كَانُواْ } الخ وهو في هذا الوجه بدل من {ٱلْجِنَّ } بدل اشتمال نحو تبين زيد جهله، والظهور في الحقيقة مسند إليه أي فلما خر بان للناس وظهر أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب، ولا حاجة على ما قرر إلى اعتبار مضاف مقدر هو فاعل تبين في الحقيقة إلا أنه بعد حذفه أقيم المضاف إليه مقامه وأسند إليه الفعل ثم جعل {أَن لَّوْ كَانُواْ } الخ بدلاً منه بدل كل من كل والأصل تبين أمر الجن أن لو كانوا الخ، وجعل بعضهم في قوله تعالى: {أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } الخ قياساً طويت كبراه فكأنه قيل لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين لكنهم لبثوا في العذاب المهين فهم لا يعلمون الغيب، ومجيء تبين بمعنى بان وظهر لازماً وبمعنى أدرك وعلم متعدياً موجود في كلام العرب قال الشاعر:شعر : تبين لي أن القماءة ذلة وأن أعزاء الرجال طيالها تفسير : وقال الآخر:شعر : أفاطم إني ميت فتبيني ولا تجزعي كل الأنام تموت تفسير : وفي «البحر» نقلاً عن ابن عطية قال: ذهب سيبويه إلى أن {أن} لا موضع لها من الإعراب وإنما هي منزلة منزلة القسم من الفعل للذي معناه التحقيق واليقين، لأن هذه الأفعال التي هي تحققت وتيقنت وعلمت ونحوها / تحل محل القسم ـ فما لبثوا ـ جواب القسم لا جواب لو اهـ فتأمله فإني لا أكاد أتعقله وجهاً يلتفت إليه. وفي «أمالي العز بن عبد السلام» أن الجن ليس فاعل {تَبَيَّنَتِ } بل هو مبتدأ {وَأنْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } خبره والجملة مفسرة لضمير الشأن في {تَبَيَّنَتِ } إذ لولا ذلك لكان معنى الكلام لما مات سليمان وخر ظهر لهم أنهم لا يعلمون الغيب وعلمهم بعدم علمهم الغيب لا يتوقف على هذا بل المعنى تبينت القصة ما هي والقصة قوله تعالى: {ٱلْجِنَّ أن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ } اهـ، والعجب من صدور مثله عن مثله، وما جعله مانعاً عن فاعلية {ٱلْجِنَّ } مدفوع بما سمعت في تفسير الآية كما لا يخفى. وفي «كتاب النحاس» إشارة إلى أنه قرىء {تبينت ٱلجن} بالنصب على أن تبينت بمعنى علمت والفاعل ضمير الإنس {وٱلجن} مفعوله، وقرأ ابن عباس فيما ذكر ابن خالويه ويعقوب بخلاف عنه {تبينت} مبنياً للمفعول، وقرأ أبـي (تبينت الإنس) وعن الضحاك (تباينت الإنس) بمعنى تعارقت وتعالمت والضمير في {كَانُواْ } للجن المذكو فيما سبق وقرأ ابن مسعود (تبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب) وهي قراءات مخالفة لسواد المصحف مخالفة كثيرة. وفي القصة روايات فروى أنه كان من عادة سليمان عليه السلام أن يعتكف في مسجد بيت المقدس المدد الطوال فلما دنا أجله لم يصبح إلا رأى في محرابه شجرة نابتة قد أنطقها الله تعالى فيسألها لأي شيء أنت؟ فتقول: لكذا حتى أصبح ذات يوم فرأى الخرنوبة فسألها فقالت نبت لخراب هذا المسجد فقال: ما كان الله تعالى ليخربه وأنا حي أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس فنزعها وغرسها في حائط له واتخذ منها عصا وقال: اللهم عَمِّ على الجن موتي حتى يعلم أنهم لا يعلمون الغيب كما يموهون وقال لملك الموت: إذا أمرت بـي فأعلمني فقال: أمرت بك وقد بقي من عمرك ساعة فعدا الجن فبنوا عليه صرحاً من قوارير ليس له باب فقام يصلي متكئاً على عصاه فقبض روحه وهو متكىء عليها وكانت الجن تجتمع حول محرابه أينما صلى فلم يكن جني ينظر إليه في صلاته إلا احترق فمر جني فلم يسمع صوته ثم رجع فلم يسمع فنظر إذا سليمان قد خر ميتاً ففتحوا عنه فإذا العصا قد أكلتها الأرضة فأرادوا أن يعرفوا وقت موته فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها في يوم وليلة مقداراً فحسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة وكانوا يعملون بين يديه ويحسبونه حياً فتبين أنهم لو كانوا يعلمون الغيب لما لبثوا في العذاب سنة، ولا يخفى أن هذا من باب التخمين والاقتصار على الأقل وإلا فيجوز أن تكون الأرضة بدت بالأكل بعد موته بزمان كثير وأنها كانت تأكل أحياناً وتترك أحياناً. وأما كون بدئها في حياته فبعيد، وكونه بالوحي إلى نبـي في ذلك الزمان كما قيل فواه لأنه لو كان كذلك لم يحتاجوا إلى وضع الأرضة على العصا ليستعلموا المدة. وروي أن داود عليه السلام أسس بناء بيت المقدس في موضع فسطاط موسى عليه السلام فمات قبل أن يتمه فوصى به إلى سليمان فأمر الجن بإتمامه فلما بقي من عمره سنة سأل أن يعمي عليهم موته حتى يفرغوا منه ولتبطل دعواهم علم الغيب، وهذا بظاهره مخالف لما روي أن إبراهيم عليه السلام هو الذي أسس بيت المقدس بعد الكعبة بأربعين سنة ثم خرب وأعاده داود ومات قبل أن يتمه، وأيضاً إن موسى عليه السلام لم يدخل بيت المقدس بل مات في التيه، وجاء في الحديث الصحيح أنه عليه السلام سأل ربه عند وفاته أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، وأيضاً قد روي أن سليمان قد فرغ من بناء المسجد وتعبد فيه وتجهز بعده للحج شكراً لله تعالى على ذلك. وأجيب عن الأول بأن المراد تجديد التأسيس، وعن الثاني بأن المراد بفسطاط موسى فسطاطه المتوارث وكانوا يضربونه يتعبدون فيه تبركاً لا أنه كان يضرب هنالك في زمنه / عليه السلام، ويحتاج هذا إلى نقل فإن مثله لا يقال بالرأي فإن كان فأهلاً ومرحباً، وقيل المراد به مجمع العبادة على دين موسى كما وقع في الحديث فسطاط إيمان. وقال القرطبـي في «التذكرة» المراد به فرقة منحازة عن غيرها، مجتمعة تشبيهاً بالخيمة، ولا يخفى ما فيهما وإن قيل إنهما أظهر من الأول، وعن الثالث بأن المراد بالفراغ القرب من الفراغ وما قارب الشيء له حكمه وفيه بعد. واختير أن هذا رواية وذاك رواية والله تعالى أعلم بالصحيح منهما. وروي أنه عليه السلام قد أمر ببناء صرح له فبنوه فدخله مختلياً ليصفو له يوم في الدهر من الكدر فدخل عليه شاب فقال: له كيف دخلت علي بلا إذن؟ فقال: إنما دخلت بإذن فقال: ومن أذن لك؟ قال: رب هذا الصرح فعلم أنه ملك الموت أتى لقبض روحه فقال: سبحان الله هذا اليوم الذي طلبت فيه الصفا فقال له: طلبت ما لم يخلق فاستوثق من الاتكاء على عصاه فقبض روحه وخفي على الجن موته حتى سقط، وروي أن أفريدون جاء ليصعد كرسيه فلما دنا ضرب الأسدان ساقه فكسراها فلم يجسر أحد بعده أن يدنو منه، ولذا لم تقربه الجن وخفي أمر موته عليهم. ونظر فيه بأن سليمان كان بعد موسى بمدة مديدة وأفريدون كان قبله لأن منوجهر من أسباط أفريدون وظهر موسى عليه في زمانه، وعلى جميع الروايات الدالة على موته عليه السلام خروره لما كسرت العصا لضعفها بأكل الأرضة منها، ونسبة الدلالة في الآية إليها نسبة إلى السبب البعيد. ومن الغريب ما نقل عن ابن عباس أنه عليه السلام مات في متعبده على فراشه، وقد أغلق الباب على نفسه فأكلت الأرضة المنسأة أي عتبة الباب فلما خر أي الباب علم موته فإن فيه جعل ضمير {خَرَّ } للباب وإليه ذهب بعضهم، وفيه أنه لم يعهد تسمية العتبة منسأة، وأيضاً كان اللازم عليه خرت بتاء التأنيث ولا يجيء حذفها في مثل ذلك إلا في ضرورة الشعر، وكون التذكير على معنى العود بعيد فالظاهر عدم صحة الرواية عن الحبر والله تعالى أعلم. وحكى البغوي عنه أن الجن شكروا الأرضة فهم يأتونها بالماء والطين في جوف الخشب وهذا شيء لا أقول به ولا أعتقد صحة الرواية أيضاً، وكان عمره عليه السلام ثلاثاً وخمسين سنة وملك بعد أبيه وعمره ثلاثة عشر سنة وابتدأ في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من ملكه ثم مضى وانقضى وسبحان من لا ينقضي ملكه ولا يزول سلطانه. وفي الآية دليل على أن الغيب لا يختص بالأمور المستقبلة بل يشمل الأمور الواقعة التي هي غائبة عن الشخص أيضاً.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على قوله: { أية : ومن الجن من يعمل بين يديه } تفسير : [سبأ: 12] إلى قوله: { أية : وقدور راسيات } تفسير : [سبأ: 13] أي دام عملهم له حتى مات {فلما قضينا عليه الموت} إلى آخره. ولا شك أن ذلك لم يطل وقتُه لأن مثله في عظمةِ ملكه لا بد أن يفتقده أتباعُه، فجملة {ما دلهم على موته} الخ جواب «لمَّا قضينا عليه الموت». وضمير {دلهم} يعود إلى معلوم من المقام، أي أهلَ بَلاطه. والدلالة: الإِشْعار بأمر خفيّ. وتقدم ذلك عند قوله تعالى: { أية : وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل } تفسير : [سبأ: 7]. و{دابة الأرض} هي الأَرَضَة (بفتحات ثلاث) وهي السُّرْفة بضم السين وسكون الراء وفتح الفاء لا محالة وهاء تأنيث: سوس ينخر الخشب. فالمراد من الأرض مصدرُ أَرَضَت السُّرفَة الخَشَبَ من باب ضَرب، وقد سخر الله لمنساة سليمان كثيراً من السُرْف فتعَجَّل لها النخر. وجملة {فلما خر} مفرعة على جملة {ما دلهم على موته}. وجملة {تبينت الجن} جواب «لمّا خرّ». والمِنساة بكسر الميم وفتحها وبهمزة بعد السين، وتخفَّفُ الهمزة فتصير ألفاً هي العَصا العظيمة، قيل: هي كلمة من لغة الحبشة. وقرأ نافع وأبو عَمرو بألف بعد السين. وقرأه ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف وهشام عن ابن عامر بهمزة مفتوحة بعد السين. وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر بهمزة ساكنة بعد السين تخفيفاً وهو تخفيف نادر. وقرأ الجمهور: {تبينت الجن} بفتح الفوقية والموحدة والتحتية. وقرأه رُويس عن يعقوب بضم الفوقية والموحدة وكسر التحتية بالبناء للمفعول، أي تبين الناس الجنّ. و{أن لو كانوا يعلمون} بدل اشتمال من الجن على كلتا القراءتين. وقوله: {تبينت الجن} إسنادُ مُبهم فصَّله قوله: {أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين} فــــ{أَن} مصدرية والمصدر المنسبك منها بدل من {الجن} بدلَ اشتمال، أي تبينت الجنُّ للناس، أي تبين أمرهم أنهم لا يعلمون الغيب، أي تبين عدم علمهم الغيب، ودليل المحذوف هو جملة الشرط والجواب. و{العذاب المهين}: المذل، أي المؤلم المتعب فإنهم لو علموا الغيب لكان علمهم بالحاصل أزَليًّا، وهذا إبطال لاعتقاد العامة يومئذٍ وما يعتقده المشركون أن الجن يعلمون الغيب فلذلك كان المشركون يستعلِمون المغيبات من الكهان، ويزعمون أن لكل كاهن جِنِّيًّا يأتيه بأخبار الغيب، ويسمونه رَئيًّا إذ لو كانوا يعلمون الغيب لكان أن يعلموا وفاة سليمان أهونَ عليهم.
د. أسعد حومد
تفسير : (14) - وَلَمّا قَضَى اللهُ تَعَالى عَليهِ المَوتَ، اتَّكَأَ عَلَى عَصَاهُ وَهُوَ وَاقِفٌ، وَلَبِثَ فَتْرَةً وَهُوَ عَلَى تِلْكَ الحَالِ، وَالجِنُّ يَعْمَلُونَ بَيْنَ يَدَيهِ، وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُ حَيٌّ يَنْظُرُ إِليهِمْ فَلاَ يَتَوقفُونَ عَنِ العَمَلِ فِيمَا أَمَرَهُمْ بِهِ. ثُمَّ سَخَّرَ اللهُ حَشَرَةً صَغِيرةً أَخَذَتْ تَنْخُرُ عَصَاهُ حَتَّى ضَعُفَتْ فَانْكَسَرَتْ وَسَقَطَ سُلَيْمَانُ عَلَى الأَرضِ، فَعَلِمَتِ الجِنُّ أَنَّهُ مَاتَ مُنْذُ زَمَنٍ وَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ. وَتَبَيَّنَ مِنْ ذَلِكَ لِلنَّاسِ وَلِلْجِنِّ أَنَّ الجِنَّ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الغَيْبَ لَعَلِمُوا بِمَوْتِ سُلَيْمَانَ سَاعَةَ حُدُوثِهِ، وَلَمْ يَنْتَظِرُوا حَتَّى تَأْكُلَ دَابَّةٌ الأَرْضِ عَصَاهُ التِي كَانَ يَتَوَكَّأُ عَلَيها فَيَسْقُطَ عَلى الأَرضِ، وَلَمْ يَسْتَمرُّوا فِي الأَعمَالِ الشَّاقَةِ التِي كَلَّفَهُم بِهِا سُلَيْمَانُ (العَذَابِ المُهِينِ). المِنْسَأَةُ - العَصَا. خَرَّ - سَقَطَ. دَابَّةُ الأَرضِ -حَشَرةُ الأَرْضِ التِي تَأْكُلُ الخَشَبَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قلنا: إن من الأشياء التي سخَّرها الله لسليمان ليحقق له مُلْكاً لا ينبغي لأحد من بعده أنْ سخَّر له الريح وسخَّر له الجن يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل .. إلخ. وتسخير الجن يعني: أن الله سبحانه وتعالى سخَّر له أخفَّ الخَلْق حركة وأخفاها وهم الجن؛ لأن للجن طبيعة مخصوصة؛ لذلك قال الله عنهم: {أية : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ ..} تفسير : [الأعراف: 27]. ولهم أيضاً خِفَّة في مزاولة الأعمال بأن يقصروا زمنها، وأنْ يكثروا حملها، والدليل على ذلك أن سليمان - عليه السلام - حينما طلب عرش بلقيس، وكان في سبأ قال لجلاَّسه: {أية : أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} تفسير : [النمل: 38] فلم يتكلم أحد من الإنس؛ لأن سليمان قيَّد الإتيان بزمن فوق قدرة البشر، وقد طلب سليمان العرش بعد أنْ علم أن قوم سبأ قد خرجوا وهم في الطريق إليه، ويريد مَنْ يحضر عرش بلقيس قبل أن يصلوا إليه. حتى الجن لم يتعرض لهذه المهمة جنيٌّ عادي، إنما عفريت من الجن {أية : قَالَ عِفْرِيتٌ مِّن ٱلْجِنِّ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ..} تفسير : [النمل: 39]. وكلمة (عفريت) تعني: أنه الماهر من الجن، الشاطر الذي يأتي بما لا يأتي به غيره من بني جنسه، وهذا يدل على أن الجن منهم العفريت الماهر ومنهم (اللبخة) يعني: مثلنا تماماً. وما زلنا في لغتنا العامية نقول: فلان عفريت يعني: ماهر يجيد ما لا يجيده الآخرون. لكن، كان في مجلس سليمان مَنْ هو أمهر من العفريت وأكثر منه خبرة وخفَّة، إنه الذي أُوتي قَدْراً من العلم {أية : قَالَ ٱلَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ ٱلْكِتَابِ أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ..} تفسير : [النمل: 40]. فإن كان العفريت سيأتي بعرش بلقيس قبل أنْ يقوم سليمان من مقامه، وربما أقام سليمان في مقامه هذا ساعة أو عدة ساعات، لكن الذي عنده علم من الكتاب تعهد بأنْ يأتي به {أية : قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ..} تفسير : [النمل: 40] وارتداد الطَّرْف لا يحتاج إلى زمن طويل، فالطرف يطرف في الدقيقة الواحدة عدة مرات. لذلك صوَّر الحق سبحانه سرعة الاستجابة لهذا الفعل، فقال: {أية : فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيۤ أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} تفسير : [النمل: 40]. ولم يتعرَّض السياق لتفاصيل الإتيان بالعرش، ولم يذكر حتى أن سليمان أمره بالإتيان به، بل: {أية : أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ ..} تفسير : [النمل: 40] هكذا مباشرة؛ لأن الفعل نفسه لم يستغرق وقتاً، وكذلك جاء التعبير سريعاً مباشراً. والحق - سبحانه وتعالى - يعلم أن الجن كانوا يَسْترقون السمع قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، أما بعد بعثته صلى الله عليه وسلم فقد منعهم الله من استراق السمع، فقال سبحانه: {أية : فَمَن يَسْتَمِعِ ٱلآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً} تفسير : [الجن: 9]. وهذه واحدة من ميزات رسالته صلى الله عليه وسلم، فقبل رسول الله صينَ سر السماء جُلُّه. وبعده صلى الله عليه وسلم صِينَ سرُّ السماء كلُّه. قبل رسول الله كان الجن يصعدون في السماء يسترقُون السمع، ويلتقطون بعض كلام الملائكة، ثم يوحونه إلى أوليائهم من شياطين الإنس، كما قال سبحانه: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ ..} تفسير : [الأنعام: 121]. ثم يخبرون الناس بما علموا، ويدَّعُون أنهم يعلمون الغيب، وفعلاً تأتي الأحداث كما أخبروا، فيغشُّون الناس ويخدعونهم ويفتنونهم؛ لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يفضح الجن في هذه المسألة، فقال: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ ..} [سبأ: 14] أي: على سليمان، وكلمة (قَضَيْنَا) تعني: أن الموت قضاء، لا مندوحة عنه، ولا يترتب على سبب من مرض أو كِبَر أو غيره، وكما قُلْنا: والموت من دون أسباب هو السبب، يعني: مات لأنه يموت. لذلك يخاطب الحق سبحانه الأحياء، بما فيهم سيدنا رسول الله بقوله: {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ} تفسير : [الزمر: 30] ويخاطبه هو صلى الله عليه وسلم أولاً قبل أنْ يخاطب أمته بهذه الحقيقة. ومعنى (ميِّت) أى: تؤول إلى الموت، فنحن ونحن أحياء ميِّتون أي: سنموت، أما الذي مات بالفعل فيسمى (مَيْت) بسكون الياء، كما قال الشاعر: شعر : * ومَا الميْتُ إلاَّ مَا إلَى القَبْر يُحْمَلُ تفسير : لذلك، فإن العلماء لما أعطوْنَا صورة حِسِّية للموت قالوا: مع حياتك التي بدأت انطلق معها سهم الموت إليك، فعُمْرك بمقدار وصوله إليك، فنحن - وإنْ كنا أحياء - ميتون. وقوله تعالى: {مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ ..} [سبأ: 14] أي: دلَّ الجن، فضمير الغائبين في (دَلَّهُم) يعود على معلوم من السياق الأول في: {أية : وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ ..} تفسير : [سبأ: 12]. قالوا في قصة سيدنا سليمان عليه السلام أنه كان يعبد الله ويشكره بمقدار ما أنعم عليه وما أعطاه من الملْك، فمع كل هذه النِّعم كان يقضي الأسبوع والشهر ولا يأكل إلا الخشكار، وهي (الردة) التي نعرفها، وهي آخر درجة في الدقيق، والتي نسميها في الفلاحين السِّن، وهو طعام الفقراء والعبيد، أما السادة والأغنياء فيأكلون الدقيق الفاخر أو (نمرة واحد). وسبحان الله، أظهر العلم الحديث أن الفائدة في هذا السنّ الذي يأكله الفقراء، لدرجة أنه أصبح يُوصَف كدواء، ويجعلونه الآن على هيئة أقراص كعلاج لبعض الأمراض، حتى أن أهل الرفاهية الذين عاشوا على الدقيق الفاخر وتغذَّوْا طوال حياتهم على الخبز السياحي والقطايف .. إلخ. يأتي الواحد منهم في أواخر حياته فيُحرِّم عليه الطبيب كل هذه الأنواع ولا يجد له دواء إلا في السنِّ وفي الردة التي ما ذاقها طوال حياته، وكأنها معادلة لا بُدَّ أنْ تتم بين الأغنياء والفقراء. وهذه البحوث التي أظهرت لنا أهمية (الردة) تلفتنا وتُفهمنا معنى قول الله سبحانه وتعالى وقسمه: {أية : وَٱلْحَبُّ ذُو ٱلْعَصْفِ وَٱلرَّيْحَانُ} تفسير : [الرحمن: 12]. كذلك كان سيدنا سليمان يعبد الله واقفاً، لا على هيئة مريحة، فكان يشق على نفسه شكراً لله، ويقف عابداً لله حتى يتعب، فيراوح بين قدميه، ثم يستعين بالعصا يتكىء عليها من شدة تعبه. وقد قضى الله عليه الموت، وهو على هذه الهيئة، فلم يكتشف الجن موته، وظلوا يعملون بين يديه ويجتهدون خوفاً منه عليه السلام. وأراد الحق سبحانه أن يُنهى بموت سليمان مسألة شغلتْ الجن والإنس، هي قضية علم الجن للغيب، أراد سبحانه أن يفضح الجن، وأنْ يُظهر عجزهم عن علم الغيب، فالغيب لا يعلمه إلا الله. مات سليمان واقفاً متكئاً على عصاه، وظل على هذه الحالة حتى سلَّط الله على عصاه دابة الأرض، كما قال سبحانه: {مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ..} [سبأ: 14]. البعض يفهم أن {دَابَّةُ الأَرْضِ ..} [سبأ: 14] الأرض التي تقابل السماء، لكن المراد الدابة التي تَقْرِض كما نقول: قرض الفأر كذا وكذا، وفعلها قرض يقرض قَرْضاً. مثل: ضرب يضرب ضرباً، وهذه الدابة هي العتة التي تصيب الخشب وتأكله. هذه الدابة أو العتة ظلتْ تنخر في العصا حتى اختلَّ توازن سليمان عليه السلام، فسقط على الأرض {فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} [سبأ: 14] أي: ما مكثوا وما ظلُّوا في العذاب المهين. ومعنى خَرَّ: سقط بلا نظام، كما جاء في قوله تعالى: {أية : فَخَرَّ عَلَيْهِمُ ٱلسَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ ..} تفسير : [النحل: 26]. فالخرور انهيار بلا نظام وبلا ترتيب، وعندها فقط عَلِم الجن بموت سليمان، وكذلك الإنس، وعلموا أنهم لا يعلمون الغيب، ولو علموا الغيب لاكتشفوا موته، وما لبثوا في العمل، وفي التعب والعذاب طوال هذه المدة، عندها انكشف أمرهم، وعُلم كذبهم وادعاؤهم معرفة الغيب. وقوله تعالى: {مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} [سبأ: 14] يدل على أن الجن يتعب من العمل ويطرأ عليه ما يطرأ على كل حىٍّ من تعب وإجهاد. والمِنْسأة هي العصا من الفعل نَسَأ بمعنى أخَّر، وسُميَتْ العصا منسأة؛ لأن الإنسان يزجر بها الهوام والحيوانات الضارية التي تؤذيه ويؤخرها عنه ويبعدها ويُردعها؛ لذلك سميت منسأة. وسيدنا موسى - عليه السلام - قال في عصاه لما سأله ربه: {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَىٰ غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} تفسير : [طه: 17-18]. وقد أطال موسى الحديث مع الله؛ لأن الله تعالى آنسه أن يطيل حين قال له {أية : وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 17] ولم يقل له مثلاً: ما بيدك؟ ثم مَنِ الذي يخاطبه ربه ولا يطيل الحديث معه سبحانه وتعالى؟ ومع ذلك تدارك موسى أمره، فقال مُجْمِلاً {أية : وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَىٰ} تفسير : [طه: 18]. ونفهم من قوله تعالى: {مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ} [سبأ: 14] أن العمل الذي كانوا فيه كان عملاً شاقاً وفيه إهانة لهم؛ لأن الجن يظنون أن لهم خيرية على الإنس، وأنهم جنس تسامى على البشر، بدليل قول أبيهم من قبل: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ} تفسير : [الأعراف: 12]. فمن الإهانة لهم، ومن العذاب أنْ يُسخَّروا لواحد من الإنس، ويعملون له، ويأتمرون بأمره، فالعمل الذي كانوا يعملونه لسليمان إنْ لم يكُنْ مُرهقاً لهم بدنياً فهو مرهق نفسياً، ولم لا وقد سخَّرهم مَنْ هو أدنى منهم - على حسب ظنهم. ولسائل أنْ يسأل: كيف يكون في العذاب المهين مَنْ يخدم نبياً ويعاشره؟ نقول: هذه الشبهة جاءتْ من كلمة الجن، ففهمنا أن الجن كلهم كانوا مُسخَّرين لسليمان، والحقيقة أن الجنَّ سُمِّي كذلك؛ لأنه مستور الفعل لا نراه، والذي سخر من الجن هم الشياطين، كما قال سبحانه: {أية : وَٱلشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ} تفسير : [ص: 37]. وقال: {أية : وَمِنَ ٱلشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذٰلِكَ ..} تفسير : [الأنبياء: 82] وهؤلاء هم أصحاب العذاب المهين، أما مؤمنو الجن فلم يكونوا مُسخَّرين. وكلمة (خَرَّ) بمعنى سقط توحي بأن كرامة الإنسان في روحه، وفي السر الذي وضعه الله فيه، فهذا سليمان نبي الله بجلالة قدره ومكانته عند ربه يقول عنه {فَلَمَّا خَرَّ ..} [سبأ: 14] وكأنه جماد سقط على الأرض؛ لأن الروح حينما تفارق الجسد يصير كالجماد، كالعصا وكالحجر. وسبق أنْ قًلْنا: إن الروح ساعة تُسلَب من الجسد أول ما ينسى ينسى اسمه مهما كان عظيماً، ويقولون: الجثة ثم إذا ما وُضِعَتْ في النعش يقولون: الخشبة. سبحان الله، لم يَعُد لهذه المادة أية صفة، بل ويسارع الأهل والأحبة إلى الخلاص منها ودفنها بأسرع ما يمكن، ولو بقيتْ عندهم لا يتحملها أحد منهم، لما يطرأ عليها من تغيُّر ورائحة يتأذى منها أقرب الأقارب. ثم يُحدِّثنا الحق سبحانه عن سبأ وأهلها، فيقول تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ} معناه عَصاهُ.
همام الصنعاني
تفسير : 2403- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ}: [الآية: 14]، قال: هِيَ العصا. 2404- معمر، عن أيوب، عن عِكْرِمة: أنها كانت تنبت في مسجد سليمان بن داود كل يوم شجرة، فيسألها: لأي شيء تَصْلُحِينَ؟ فتقول: لكذا و كذا، فيأمر بها، لذلك قال: فنبتت يوماً في مسجده شجرة فقال: ما أنتِ؟ قالت: أنا الخرُّوبة، قال: ما أراك نَبَتِّ إلاَّ عَلَى خرابِ بيت المقدسِ، وما كان الله ليخربه وأنا حيٌّ، ثم لبس ثيابه، وسأل الله أن يعمي موته على الجنِّ حَوْلاً، فاعتمد على عصاه، فَقُبِضَ وهو كذلك، فَأَكَلَت دابة الأرض وهي الأرضة عَصَاهُ بعد حَوْلٍ فخرَّ: فـ {تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ}: [الآية: 14]. 2405- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، قال: كانت الجن تُخبر الإِنس أنهم يعلمونَ الغيب، فذلك قول الله عزّ وجلّ: فـ {تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُواْ فِي ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ}: [الآية: 14]، وفي بعض الحروف {تَبَيَّنَتِ الإِنس} أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):