Verse. 3621 (AR)

٣٤ - سَبَأ

34 - Saba (AR)

لَقَدْ كَانَ لِسَـبَاٍ فِيْ مَسْكَنِہِمْ اٰيَۃٌ۝۰ۚ جَنَّتٰنِ عَنْ يَّمِيْنٍ وَّشِمَالٍ۝۰ۥۭ كُلُوْا مِنْ رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوْا لَہٗ۝۰ۭ بَلْدَۃٌ طَيِّبَۃٌ وَّرَبٌّ غَفُوْرٌ۝۱۵
Laqad kana lisabain fee maskanihim ayatun jannatani AAan yameenin washimalin kuloo min rizqi rabbikum waoshkuroo lahu baldatun tayyibatun warabbun ghafoorun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«لقد كان لسبأ» بالصرف وعدمه قبيلة سميت باسم جد لهم من العرب «في مسكنهم» باليمن «آية» دالة على قدرة الله تعالى «جنتان» بدل «عن يمين وشمال» من يمين واديهم وشماله وقيل لهم: «كلوا من رزق ربكم واشكروا له» على ما رزقكم من النعمة في أرض سبأ «بلدة طيبة» ليس فيها سباخ ولا بعوضة ولا ذبابة ولا برغوث ولا عقرب ولا حية ويمر الغريب فيها وفي ثيابه قمل فيموت لطيب هوائها «و» الله «رب غفور».

15

Tafseer

الرازي

تفسير : لما بين الله حال الشاكرين لنعمه بذكر داود وسليمان بين حال الكافرين بأنعمه، بحكاية أهل سبأ، وفي سبأ قراءتان بالفتح على أنه اسم بقعة وبالجر مع التنوين على أنه اسم قبيلة وهو الأظهر، لأن الله جعل الآية لسبأ والفاهم هو العاقل لا المكان فلا يحتاج إلى إضمار الأهل وقوله: {ءَايَةٌ } أي من فضل ربهم، ثم بينها بذكر بدله بقوله: {جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ } قال الزمخشري أية آية في جنتين، مع أن بعض بلاد العراق فيها آلاف من الجنان؟ وأجاب بأن المراد لكل واحد جنتان أو عن يمين بلدهم وشمالها جماعتان من الجنات، ولاتصال بعضها ببعض جعلها جنة واحدة، قوله: {كُلُواْ مِن رّزْقِ رَبّكُمْ } إشارة إلى تكميل النعم عليهم حيث لم يمنعهم من أكل ثمارها خوف ولا مرض، وقوله: {وَٱشْكُرُواْ لَهُ } بيان أيضاً لكمال النعمة، فإن الشكر لا يطلب إلا على النعمة المعتبرة، ثم لما بين حالهم في مساكنهم وبساتينهم وأكلهم أتم بيان النعمة بأن بين أن لا غائلة عليه ولا تبعة في المآل في الدنيا، فقال: {بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ } أي طاهرة عن المؤذيات لا حية فيها ولا عقرب ولا وباء ولا وخم، وقال: {وَرَبٌّ غَفُورٌ } أي لا عقاب عليه ولا عذاب في الآخرة، فعند هذا بان كمال النعمة حيث كانت لذة حالية خالية عن المفاسد المآلية. ثم انه تعالى لما بين ما كان من جانبه ذكر ما كان من جانبهم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ} قرأ نافع وغيره بالصرف والتنوين على أنه اسم حَيٍّ، وهو في الأصل اسم رجل؛ جاء بذلك التوقيف عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. روى الترمذِيّ قال: حدّثنا أبو كُريب وعبد بن حُميد قالا حدّثنا أبو أسامة عن الحسن بن الحكم النخعيّ قال: حدّثنا أبو سَبْرة النّخعيّ حديث : عن فَروة بن مُسيك المرادي قال: أتيت النبيّ صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم؛ فأذِن لي في قتالهم وأمرني؛ فلما خرجت من عنده سأل عني: «ما فعل الغُطَيفِيّ»؟ فأخبِر أني قد سِرت، قال: فأرسل في أثري فردّني فأتيته وهو في نفر من أصحابه فقال: «ادع القوم فمن أسلم منهم فاقبل منه ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث إليك؛ قال: وأنزل في سبأ ما أنزل؛ فقال رجل: يا رسول الله، وما سبأ؟ أرض أو امرأة؟ قال: ليس بأرض ولا بامرأة ولكنه رجل ولَد عشرة من العرب فتيامَن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة. فأما الذين تشاءموا فَلخْم وجُذام وغَسّان وعاملة. وأما الذين تيامَنوا فالأْزد والأشعرِيُّون وحِمْير وكِنْدة ومَذْحِج وأنمار. فقال رجل: يا رسول الله وما أنمار؟ قال: «الذين منهم خَثْعم وبِجَيلة»تفسير : . وروي هذا عن ابن عباس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «لِسَبَأَ» بغير صرف، جعله اسماً للقبيلة، وهو اختيار أبي عبيد، واستدل على أنه اسم قبيلة بأن بعده «فِي مَسَاكِنِهم». النحاس: ولو كان كما قال لكان في مساكنها. وقد مضى في «النمل» زيادة بيان لهذا المعنى. وقال الشاعر في الصرف:شعر : الواردون وتَيْمٌ في ذُرى سبأ قد عضّ أعناقَهُم جِلدُ الجواميس تفسير : وقال آخر في غير الصرف:شعر : من سَبَأَ الحاضرين مأرِبَ إذ يَبْنُون من دون سَيْلها العَرِما تفسير : وقرأ قُنْبُل وأبو حَيْوَة والجَحْدَرِيّ «لسَبَأ» بإسكان الهمزة. «فِي مَسَاكِنِهِمْ» قراءة العامة على الجمع، وهي اختيار أبي عبيد وأبي حاتم؛ لأن لهم مساكن كثيرة وليس بمسكن واحد. وقرأ إبراهيم وحمزة وحفص «مسكنِهِم» موحَّداً، إلا أنهم فتحوا الكاف. وقرأ يحيـى والأعمش والكسائيّ موحَّداً كذلك، إلا أنهم كسروا الكاف. قال النحاس: والساكن في هذا أبين؛ لأنه يجمع اللفظ والمعنى، فإذا قلت: «مسكنهم» كان فيه تقديران: أحدهما: أن يكون واحداً يؤدي عن الجمع. والآخر: أن يكون مصدراً لا يثنَّى ولا يُجمع؛ كما قال الله تعالى: {أية : خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ} تفسير : [البقرة: 7] فجاء بالسمع موحَّداً. وكذا {أية : مَقْعَدِ صِدْقٍ} تفسير : [القمر: 55] و«مَسْكِن» مثل مسجد، خارج عن القياس، ولا يوجد مثله إلا سماعاً. {آيَةٌ} اسم كان، أي علامة دالة على قدرة الله تعالى على أن لهم خالقاً خلقهم، وأن كل الخلائق لو اجتمعوا على أن يُخرجوا من الخشبة ثمرة لم يمكنهم ذلك، ولم يهتدوا إلى اختلاف أجناس الثمار وألوانها وطعومها وروائحها وأزهارها، وفي ذلك ما يدل على أنها لا تكون إلا من عالم قادر. {جَنَّتَانِ} يجوز أن يكون بدلاً من «آية»، ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف، فيوقف على هذا الوجه على «آية» وليس بتمام. قال الزجاج: أي الآية جنتان، فجنتان رفع لأنه خبر ابتداء محذوف. وقال الفراء: رفع تفسيراً للآية، ويجوز أن تنصب «آية» على أنها خبر كان، ويجوز أن تنصب الجنتين على الخبر أيضاً في غير القرآن. وقال عبد الرحمن بن زيد: إن الآية التي كانت لأهل سبأ في مساكنهم أنهم لم يروا فيها بعوضة قطُّ ولا ذباباً ولا بُرغُوثاً ولا قملة ولا عقرباً ولا حية ولا غيرها من الهوام، وإذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل والدواب فإذا نظروا إلى بيوتهم ماتت الدواب. وقيل: إن الآية هي الجنتان، كانت المرأة تمشي فيهما وعلى رأسهما مِكتل فيمتلىء من أنواع الفواكه من غير أن تمسها بيدها؛ قاله قتادة. وروي أن الجنتين كانتا بين جبلين باليمن. قال سفيان: وُجد فيهما قصران مكتوب على أحدهما: نحن بنينا سَلْحِين في سبعين خريفاً دائبين، وعلى الآخر مكتوب: نحن بنينا صِرْواح، مَقِيل ومَراح؛ فكانت إحدى الجنتين عن يمين الوادي والأخرى عن شماله. قال القشيريّ: ولم يرد جنتين اثنتين بل أراد من الجنتين يَمنة ويَسرة؛ أي كانت بلادهم ذات بساتين وأشجار وثمار؛ تستتر الناس بظلالها. {كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ} أي قيل لهم كلوا، ولم يكن ثمّ أمر، ولكنهم تمكنوا من تلك النعم. وقيل: أي قالت الرسل لهم قد أباح الله تعالى لكم ذلك؛ أي أباح لكم هذه النعم فاشكروه بالطاعة. {مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ} أي من ثمار الجنتين. {وَٱشْكُرُواْ لَهُ} يعني على ما رزقكم. {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} هذا كلام مستأنف؛ أي هذه بلدة طيبة أي كثيرة الثمار. وقيل: غير سبخة. وقيل: طيبة ليس فيها هوام لطيب هوائها. قال مجاهد: هي صنعاء. {وَرَبٌّ غَفُورٌ} أي والمنعم بها عليكم ربّ غفور يستر ذنوبكم، فجمع لهم بين مغفرة ذنوبهم وطيب بلدهم ولم يجمع ذلك لجميع خلقه. وقيل: إنما ذكر المغفرة مشيراً إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام. وقد مضى القول في هذا في أوّل «البقرة». وقيل: إنما امتَنّ عليهم بعفوه عن عذاب الاستئصال بتكذيب من كذبوه من سالف الأنبياء إلى أن استداموا الإصرار فاستؤصلوا.

ابن كثير

تفسير : كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها، وكانت التبابعة منهم، وبلقيس صاحبة سليمان عليه الصلاة والسلام من جملتهم، وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم، وبعث الله تبارك وتعالى إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه ويشكروه بتوحيده وعبادته، فكانوا كذلك ما شاء الله تعالى، ثم أعرضوا عما أمروا به، فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد أيدي سبأ، شذر مذر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى تفصيله وبيانه قريباً وبه الثقة. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن عبد الرحمن بن وعلة قال: سمعت ابن عباس يقول: إن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ: ما هو، أرجل أم امرأة أم أرض؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : بل هو رجل ولد له عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، والشام منهم أربعة، فأما اليمانيون، فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير، وأما الشامية: فلخم وجذام وعاملة وغسان» تفسير : ورواه عبد عن الحسن بن موسى عن ابن لهيعة به. وهذا إسناد حسن، ولم يخرجوه، وقد رواه الحافظ أبو عمر بن عبد البر ــــ في كتاب القصد والأمم، بمعرفة أصول أنساب العرب والعجم ــــ من حديث ابن لهيعة عن علقمة بن وعلة عن ابن عباس رضي الله عنهما، فذكر نحوه. وقد روي نحوه من وجه آخر. وقال الإمام أحمد أيضاً وعبد بن حميد: حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا أبو جناب يحيى بن أبي حية الكلبي عن يحيى بن هانىء بن عروة عن فروة بن مسيك رضي لله عنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أقاتل بمقبل قومي مدبرهم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : نعم، فقاتل بمقبل قومك مدبرهم» تفسير : فلما وليت دعاني فقال: «حديث : لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام» تفسير : فقلت: يارسول الله أرأيت سبأ، واد هو أو جبل أو ما هو؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : لا بل هو رجل من العرب، ولد له عشرة، فتيامن ستة، وتشاءم أربعة، تيامن الأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار، الذين يقال لهم بجيلة وخثعم، وتشاءم لخم وجذام وعاملة وغسان» تفسير : وهذا أيضاً إسناد حسن، وإن كان فيه أبو جناب الكلبي، وقد تكلموا فيه، لكن رواه ابن جرير عن أبي كريب عن العنقزي عن أسباط بن نصر عن يحيى بن هانىء المرادي عن عمه أو عن أبيه ــــ شك أسباط ــــ قال: قدم فروة بن مسيك رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره. (طريق أخرى) لهذا الحديث. قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب، حدثني ابن لهيعة عن توبة بن نمر عن عبد العزيز بن يحيى: أنه أخبره قال: كنا عند عبيدة بن عبد الرحمن بإفريقية، فقال يوماً: ما أظن قوماً بأرض إلا وهم من أهلها، فقال علي بن أبي رباح: كلا، قد حدثني فلان: أن فروة بن مسيك الغطيفي رضي الله عنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن سبأ قوم كان لهم عز في الجاهلية، وإني أخشى أن يرتدوا عن الإسلام، أفأقاتلهم؟ فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : ما أمرت فيهم بشيء بعد» تفسير : فأنزلت هذه الآية: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ} الآيات، فقال له رجل: يا رسول الله ما سبأ؟ فذكر مثل هذا الحديث الذي قبله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن سبأ ما هو: أبلد أم رجل أم امرأة؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : بل رجل ولد له عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، والشام أربعة، أما اليمانيون فمذحج وكندة والأزد الأشعريون وأنمار وحمير غير ما حلها، وأما الشام فلخم وجذام وغسان وعاملة» تفسير : فيه غرابة من حيث ذكر نزول الآية بالمدينة، والسورة مكية كلها، والله سبحانه وتعالى أعلم. (طريق أخرى) قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو أسامة، حدثنا الحسن بن الحكم، حدثنا أبو سبرة النخعي عن فروة بن مسيك الغطيفي رضي الله عنه قال: قال رجل: يا رسول الله أخبرني عن سبأ ما هو: أرض أم امرأة؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد له عشرة من الولد، فتيامن ستة، وتشاءم أربعة، فأما الذين تشاءموا، فلخم وجذام وعاملة وغسان، وأما الذين تيامنوا، فكندة والأشعريون والأزد ومذحج وحمير وأنمار» تفسير : فقال رجل: ما أنمار؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : الذين منهم خثعم وبجيلة» تفسير : ورواه الترمذي في جامعه عن أبي كريب وعبد بن حميد قالا: حدثنا أبو أسامة، فذكره أبسط من هذا، ثم قال: هذا حديث حسن غريب. وقال أبو عمر بن عبد البر: حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم ابن أصبغ، حدثنا أحمد بن زهير، حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي، حدثنا ابن كثير، هو عثمان بن كثير، عن الليث بن سعد عن موسى بن علي، عن يزيد بن حصين عن تميم الداري رضي الله عنه قال: إن رجلاً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن سبأ، فذكر مثله، فقوي هذا الحديث وحسن. قال علماء النسب ــــ منهم محمد بن إسحاق ــــ: اسم سبأ عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان،وإنما سمي سبأ، لأنه أول من سبأ في العرب، وكان يقال له: الرائش؛ لأنه أول من غنم في الغزو، فأعطى قومه، فسمي الرائش، والعرب تسمي المال ريشاً ورياشاً. وذكروا أنه بشر برسول الله صلى الله عليه وسلم في زمانه المتقدم، وقال في ذلك شعراً:شعر : سَيَمْلِكُ بَعْدَنا مُلْكاً عَظيماً نَبِيٌّ لا يُرَخِّصُ في الحَرامِ ويَمْلِكُ بَعْدَهُ منهُمْ مُلوكٌ يَدينونُ القيادُ بِكلِ داميِ ويملكُ بعدهُمْ مِنَّا مُلوكٌ يَصيرُ المُلكُ فينا باقْتِسامِ ويَمْلِكُ بعدَ قَحْطانٍ نَبِيٌّ تَقِيٌّ مُخْبِتٌ خَيْرُ الأنامِ يُسَمَّى أَحْمَداً يا لَيْتَ أَنِّي أُعَمَّرُ بَعْدَ مَبْعَثِهِ بِعامِ فَأَعْضِدُهُ وأَحْبوهُ بِنَصْري بِكُلِّ مُدَجَّجٍ وبِكُلِّ رامِ مَتى يَظْهَرْ فَكُونوا ناصِريهِ ومَنْ يَلْقاهُ يُبْلِغُهُ سَلامي تفسير : ذكر ذلك الهمداني في كتاب ــــ "الإكليل" ــــ واختلفوا في قحطان على ثلاثة أقوال: (أحدها) أنه من سلالة إرم بن سام بن نوح، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق. (والثاني) أنه من سلالة عابر، وهو هود عليه الصلاة والسلام، واختلفوا أيضاً في كيفية نسبه به على ثلاث طرائق أيضاً. (والثالث) أنه من سلالة إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما الصلاة والسلام، واختلفوا في كيفية اتصال نسبه على ثلاث طرائق أيضاً. وقد ذكر ذلك مستقصى الإمام الحافظ أبو عمر بن عبد البر النمري رحمة الله تعالى عليه في كتابه المسمى "الإنباه على ذكر أصول القبائل الرواة". ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم «حديث : كان رجلاً من العرب» تفسير : يعني: العرب العاربة الذين كانوا قبل الخليل عليه الصلاة والسلام من سلالة سام بن نوح، وعلى القول الثالث كان من سلالة الخليل عليه السلام، وليس هذا بالمشهور عندهم، والله أعلم. ولكن في "صحيح البخاري": أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بنفر من أسلم ينتضلون، فقال: «حديث : ارموا بني إسماعيل؟ فإن أباكم كان رامياً» تفسير : فأسلم قبيلة من الأنصار ــــ والأنصار أوسها وخزرجها من غسان من عرب اليمن من سبأ ــــ نزلوا بيثرب لما تفرقت سبأ في البلاد حين بعث الله عز وجل عليهم سيل العرم، ونزلت طائقة منهم بالشام، وإنما قيل لهم غسان بماء نزلوا عليه، قيل: باليمن، وقيل: إنه قريب من المشلل، كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه:شعر : إِمَّا سَأَلْت فَإِنَّا مَعْشَرٌ نُجُبٌ الأَزْدُ نِسْبَتُنا والماءُ غَسَّانُ تفسير : ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم «حديث : ولد له عشرة من العرب» تفسير : أي: كان من نسله هؤلاء العشرة الذين يرجع إليهم أصول القبائل من عرب اليمن، لا أنهم ولدوا من صلبه، بل منهم من بينه وبينه الأبوان والثلاثة، والأقل والأكثر، كما هو مقرر مبين في مواضعه من كتب النسب. ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم «حديث : فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة» تفسير : أي: بعد ما أرسل الله تعالى عليهم سيل العرم، منهم من أقام ببلادهم، ومنهم من نزح عنها إلى غيرها. وكان من أمر السد أنه كان الماء يأتيهم من بين جبلين، وتجتمع إليه أيضاً سيول أمطارهم وأوديتهم، فعمد ملوكهم الأقادم، فبنوا بينهما سداً عظيماً محكماً، حتى ارتفع الماء، وحكم على حافات ذينك الجبلين، فغرسوا الأشجار، واستغلوا الثمار في غاية ما يكون من الكثرة والحسن، كما ذكر غير واحد من السلف، منهم قتادة: أن المرأة كانت تمشي تحت الأشجار، وعلى رأسها مكتل أو زنبيل، وهو الذي تخترف فيه الثمار، فيتساقط من الأشجار في ذلك ما يملؤه من غير أن يحتاج إلى كلفة ولا قطاف؛ لكثرته ونضجه واستوائه، وكان هذا السد بمأرب: بلدة بينها وبين صنعاء ثلاث مراحل، ويعرف بسد مأرب، وذكر آخرون أنه لم يكن ببلدهم شيء من الذباب ولا البعوض ولا البراغيث، ولا شيء من الهوام،وذلك لاعتدال الهواء، وصحة المزاج، وعناية الله بهم؛ ليوحدوه ويعبدوه؛ كما قال تبارك وتعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ} ثم فسرها بقوله عز وجل: {جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ} أي: من ناحيتي الجبلين، والبلدة بين ذلك، {كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} أي: غفور لكم إن استمررتم على التوحيد. وقوله تعالى: {فَأَعْرِضُواْ} أي: عن توحيد الله وعبادته وشكره على ما أنعم به عليهم، وعدلوا إلى عبادة الشمس من دون الله، كما قال الهدهد لسليمان عليه الصلاة والسلام: { أية : وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ إِنِّى وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَىْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ ٱلسَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ} تفسير : [النمل: 22 ــــ 24] وقال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه: بعث الله تعالى إليهم ثلاثة عشر نبياً. وقال السدي: أرسل الله عز وجل إليهم اثني عشر ألف نبي، والله أعلم. وقوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ} المراد بالعرم: المياه، وقيل: الوادي، وقيل: الجرذ، وقيل: الماء الغزير، فيكون من باب إضافة الاسم إلى صفته، مثل: مسجد الجامع، وسعيد كرز، حكى ذلك السهيلي. وذكر غير واحد منهم ابن عباس ووهب بن منبه وقتادة والضحاك: أن الله عز وجل لما أراد عقوبتهم بإرسال العرم عليهم، بعث على السد دابة من الأرض يقال لها: الجرذ، نقبته. قال وهب بن منبه: وقد كانوا يجدون في كتبهم أن سبب خراب هذا السد هو الجرذ، فكانوا يرصدون عنده السنانير برهة من الزمن، فلما جاء القدر، غلبت الفأر السنانير، وولجت إلى السد فنقبته، فانهار عليهم، وقال قتادة وغيره: الجرذ هو الخلد، نقبت أسافله، حتى إذا ضعف ووَهى، وجاءت أيام السيول، صدم الماء البناء فسقط، فانساب الماء في أسفل الوادي، وخرب ما بين يديه من الأبنية والأشجار وغير ذلك، ونضب الماء عن الأشجار التي في الجبلين عن يمين وشمال، فيبست وتحطمت، وتبدلت تلك الأشجار المثمرة الأنيقة النضرة؛ كما قال الله تبارك وتعالى: {وَبَدَّلْنَـٰهُمْ بِجَنَّـٰتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ} قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني والحسن وقتادة والسدي: وهو الأراك، وأكلة البرير {وَأَثْلٍ} قال العوفي عن ابن عباس: هو الطرفاء. وقال غيره: هو شجر يشبه الطرفاء، وقيل: هو السمر، والله أعلم. وقوله: {وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ} لما كان أجود هذه الأشجار المبدل بها هو السدر قال: {وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ} فهذا الذي صار أمر تينك الجنتين إليه بعد الثمار النضيجة، والمناظر الحسنة، والظلال العميقة، والأنهار الجارية، تبدلت إلى شجر الأراك والطرفاء والسدر ذي الشوك الكثير والثمر القليل، وذلك بسبب كفرهم وشركهم بالله، وتكذيبهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل، ولهذا قال تعالى: {ذَلِكَ جَزَيْنَـٰهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ}؟ أي: عاقبناهم بكفرهم. قال مجاهد: ولا يعاقب إلا الكفور. وقال الحسن البصري: صدق الله العظيم لا يعاقب بمثل فعله إلا الكفور. وقال طاوس: لا يناقش إلا الكفور. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو عمر بن النحاس الرملي، حدثنا حجاج بن محمد، حدثنا أبو البيداء عن هشام بن صالح التغلبي عن ابن خيرة، وكان من أصحاب علي رضي الله عنه، قال: جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والتعسر في اللذة، قيل: وما التعسر في اللذة؟ قال: لا يصَادف لذة حلال إلا جاءه من ينغصه إياها.

المحلي و السيوطي

تفسير : {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ } بالصرف وعدمه: قبيلة سميت باسم جد لهم من العرب {فِى مَسَكَنِهِمْ } باليمن {ءَايَةٌ } دالة على قدرة الله تعالى {جَنَّتَانِ } بدل {عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ } عن يمين واديهم وشماله. وقيل لهم: {كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ } على ما رزقكم من النعمة في أرض سبأ {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ } ليس فيها سباخ ولا بعوضة ولا ذبابة ولا برغوث ولا عقرب ولا حية ولا قملة وإن مرَّ الغريب فيها وفي ثيابه قمل فيموت لطيب هوائها {وَ} الله {رَبٌّ غَفُورٌ }.

الشوكاني

تفسير : لما ذكر سبحانه حال بعض الشاكرين لنعمه عقبه بحال بعض الجاحدين لها، فقال: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ } المراد بسبأ القبيلة التي هي من أولاد سبأ، وهو: سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان بن هود. قرأ الجمهور: {لسبأ} بالجرّ والتنوين على أنه اسم حيّ، أي: الحيّ الذين هم: أولاد سبأ، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (لسبأ) ممنوع الصرف بتأويل القبيلة، واختار هذه القراءة أبو عبيد، ويقوّي القراءة الأولى قوله: {فِى مَسَـٰكِنِهِمْ }، ولو كان على تأويل القبيلة لقال: في مساكنها، فمما ورد على القراءة الأولى قول الشاعر:شعر : الواردون وتيم في ذرى سبأ قد عضّ أعناقها جلد الجواميس تفسير : ومما ورد على القراءة الثانية قول الشاعر:شعر : من سبأ الحاضرين مأرب إذ يبنون من دون مسيله العرما تفسير : وقرأ قنبل، وأبو حيوة، والجحدري: (لبسأ) بإسكان الهمزة، وقرىء بقلبها ألفاً. وقرأ الجمهور: {فِى مَسَـٰكِنِهِمْ } على الجمع، واختار هذه القراءة أبو عبيد، وأبو حاتم، ووجه الاختيار: أنها كانت لهم منازل كثيرة، ومساكن متعدّدة. وقرأ حمزة، وحفص بالإفراد مع فتح الكاف. وقرأ الكسائي بالإفراد مع كسرها، وبهذه القراءة قرأ يحيـى بن وثاب، والأعمش، ووجه الإفراد: أنه مصدر يشمل القليل، والكثير، أو اسم مكان، وأريد به معنى: الجمع، وهذه المساكن التي كانت لهم هي: التي يقال لها الآن: مأرب، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال، ومعنى قوله: {ءايَةً } أي: علامة دالة على كمال قدرة الله، وبديع صنعه، ثم بين هذه الآية، فقال: {جَنَّتَانِ }، وارتفاعهما على البدل من آية قاله الفراء، أو على أنهما خبر مبتدأ محذوف قاله الزجاج، أو على أنهما مبتدأ، وخبره: {عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ }، واختار هذا الوجه ابن عطية، وفيه أنه لا يجوز الابتداء بالنكرة من غير مسوّغ، وقرأ ابن أبي عبلة: «جنتين» بالنصب على أنهما خبر ثان، واسمها: آية، وهاتان الجنتان كانتا عن يمين واديهم وشماله، قد أحاطتا به من جهتيه، وكانت مساكنهم في الوادي، والآية هي: الجنتان، كانت المرأة تمشي فيهما، وعلى رأسها المكتل، فيمتلىء من أنواع الفواكه التي تتساقط من غير أن تمسها بيدها. وقال عبد الرحمن بن زيد: إن الآية التي كانت لأهل سبأ في مساكنهم أنهم لم يروا فيها بعوضة، ولا ذباباً، ولا برغوثاً، ولا قملة، ولا عقرباً، ولا حية، ولا غير ذلك من الهوام، وإذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل ماتت عند رؤيتهم لبيوتهم. قال القشيري: ولم يرد جنتين اثنتين، بل أراد من الجهتين يمنة ويسرة في كل جهة بساتين كثيرة {كُلُواْ مِن رّزْقِ رَبّكُمْ } أي: قيل لهم ذلك، ولم يكن ثم أمر، ولكن المراد تمكينهم من تلك النعم. وقيل: إنها قالت لهم الملائكة، والمراد بالرزق هو: ثمار الجنتين. وقيل: إنهم خوطبوا بذلك على لسان نبيهم {وَٱشْكُرُواْ لَهُ } على ما رزقكم من هذه النعم، واعملوا بطاعته، واجتنبوا معاصيه، وجملة: {بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ } مستأنفة لبيان موجب الشكر. والمعنى: هذه بلدة طيبة لكثرة أشجارها، وطيب ثمارها. وقيل: معنى كونها طيبة: أنها غير سبخة، وقيل: ليس فيها هوامّ. وقال مجاهد: هي: صنعاء. ومعنى: {وَرَبٌّ غَفُورٌ }: أن المنعم عليهم ربّ غفور لذنوبهم. قال مقاتل: المعنى: وربكم إن شكرتم فيما رزقكم ربّ غفور للذنوب. وقيل: إنما جمع لهم بين طيب البلدة والمغفرة للإشارة إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام. وقرأ ورش بنصب بلدة، وربّ على المدح، أو على تقدير اسكنوا بلدة، واشكروا رباً. ثم ذكر سبحانه ما كان منهم بعد هذه النعمة التي أنعم بها عليهم، فقال: {فَأَعْرِضُواْ } عن الشكر، وكفروا بالله، وكذبوا أنبياءهم قال السدّي: بعث الله إلى أهل سبأ ثلاثة عشر نبياً، فكذبوهم، وكذا قال وهب. ثم لما وقع منهم الإعراض عن شكر النعمة أرسل الله عليهم نقمة سلب بها ما أنعم به عليهم، فقال: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ }، وذلك أن الماء كان يأتي أرض سبأ من أودية اليمن، فردموا ردماً بين جبلين، وحبسوا الماء. وجعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض، وكانوا يسقون من الباب الأعلى، ثم من الباب الثاني، ثم من الثالث، فأخصبوا، وكثرت أموالهم، فلما كذبوا رسلهم بعث الله جرذاً، ففتقت ذلك الردم حتى انتقض، فدخل الماء جنتهم، فغرقها، ودفن السيل بيوتهم، فهذا هو سيل العرم، وهو جمع عرمة وهي: السكر التي تحبس الماء، وكذا قال قتادة، وغيره. وقال السدّي: العرم اسم للسدّ. والمعنى: أرسلنا عليهم سيل السدّ العرم. وقال عطاء: العرم اسم الوادي. وقال الزجاج: العرم اسم الجرذ الذي نقب السدّ عليهم، وهو الذي يقال له: الخلد: فنسب السيل إليه لكونه سبب جريانه. قال ابن الأعرابي: العرم من أسماء الفأر. وقال مجاهد، وابن أبي نجيح: العرم ماء أحمر أرسله الله في السدّ، فشقه، وهدمه. وقيل: إن العرم اسم المطر الشديد. وقيل: اسم للسيل الشديد، والعرامة في الأصل: الشدّة، والشراسة، والصعوبة. يقال: عرم فلان: إذا تشدّد، وتصعب، وروي عن ابن الأعرابي أنه قال: العرم السيل الذي لا يطاق. وقال المبرّد: العرم كل شيء حاجز بين شيئين. {وَبَدَّلْنَـٰهُمْ بِجَنَّـٰتِهِمْ جَنَّتَيْنِ } أي: أهلكنا جنتيهم اللتين كانتا مشتملتين على تلك الفواكه الطيبة، والأنواع الحسنة، وأعطيناهم بدلهما جنتين لا خير فيهما، ولا فائدة لهم فيما هو نابت فيهما، ولهذا قال: {ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ } قرأ الجمهور بتنوين: {أكل}، وعدم إضافته إلى {خمط}، وقرأ أبو عمرو بالإضافة. قال الخليل: الخمط الأراك، وكذا قال كثير من المفسرين. وقال أبو عبيدة: الخمط كل شجرة مرّة ذات شوك. وقال الزجاج: كل نبت فيه مرارة لا يمكن أكله. وقال المبرّد: كل شيء تغير إلى ما لا يشتهى يقال له: خمط، ومنه اللبن إذا تغير، وقراءة الجمهور أولى من قراءة أبي عمرو. والخمط نعت لأكل، أو بدل منه، لأن الأكل هو: الخمط بعينه. وقال الأخفش: الإضافة أحسن في كلام العرب: مثل ثوب خزّ، ودار آجرّ، والأولى تفسير الخمط بما ذكره الخليل ومن معه. قال الجوهري: الخمط ضرب من الأراك له حمل يؤكل، وتسمية البدل جنتين للمشاكلة، أو التهكم بهم، والأثل هو: الشجر المعروف الشبيه بالطرفاء كذا قال الفراء وغيره قال: إلاّ أنه أعظم من الطرفاء طولاً، الواحدة أثلة، والجمع أثلاث. وقال الحسن: الأثل الخشب. وقال أبو عبيدة: هو: شجر النطار، والأوّل أولى، ولا ثمر للأثل. والسدر شجر معروف. قال الفراء: هو: السمر. قال الأزهري: السدر من الشجر سدران: بريّ لا ينتفع به، ولا يصلح للغسول، وله ثمر عفص لا يؤكل، وهو الذي يسمى: الضال. والثاني سدر ينبت على الماء، وثمره النبق، وورقه غسول يشبه شجر العناب، قيل: ووصف السدر بالقلة لأن منه نوعاً يطيب أكله، وهو النوع الثاني الذي ذكره الأزهري. قال قتادة: بينما شجرهم من خير شجر إذ صيره الله من شرّ الشجر بأعمالهم، فأهلك أشجارهم المثمرة، وأنبت بدلها الأراك، والطرفاء والسدر. ويحتمل: أن يرجع قوله: {قَلِيلٌ } إلى جميع ما ذكر من الخمط والأثل والسدر. والإشارة بقوله: {ذٰلِكَ } إلى ما تقدّم من التبديل، أو إلى مصدر {جَزَيْنَـٰهُم } والباء في {بِمَا كَفَرُواْ } للسببية، أي: ذلك التبديل، أو ذلك الجزاء بسبب كفرهم للنعمة بإعراضهم عن شكرها {وَهَلْ نُجْزِى إِلاَّ ٱلْكَفُورَ } أي: وهل نجازي هذا الجزاء بسلب النعمة، ونزول النقمة إلاّ الشديد الكفر المتبالغ فيه. قرأ الجمهور: (يجازى) بضم التحتية، وفتح الزاي على البناء للمفعول. وقرأ حمزة، والكسائي، ويعقوب، وحفص بالنون، وكسر الزاي على البناء للفاعل، وهو: الله سبحانه، والكفور على القراءة الأولى مرفوع، وعلى القراءة الثانية منصوب، واختار القراءة الثانية أبو عبيد، وأبو حاتم قالا: لأن قبله {جَزَيْنَـٰهُم }، وظاهر الآية: أنه لا يجازى إلاّ الكفور مع كون أهل المعاصي يجازون، وقد قال قوم: إن معنى الآية: أنه لا يجازى هذا الجزاء، وهو الاصطلام، والإهلاك إلاّ من كفر. وقال مجاهد: إن المؤمن يكفر عنه سيئاته، والكافر يجازى بكل عمل عمله. وقال طاووس: هو: المناقشة في الحساب، وأما المؤمن، فلا يناقش. وقال الحسن: إن المعنى: إنه يجازي الكافر مثلاً بمثل، ورجح هذا الجواب النحاس. {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا } هذا معطوف على قوله: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ } أي: وكان من قصتهم: أنا جعلنا بينهم، وبين القرى التي باركنا فيها بالماء، والشجر، وهي: قرى الشام {قُرًى ظَـٰهِرَةً } أي: متواصلة، وكان متجرهم من أرضهم التي هي مأرب إلى الشام، وكانوا يبيتون بقرية، ويقيلون بأخرى حتى يرجعوا، وكانوا لا يحتاجون إلى زاد يحملونه من أرضهم إلى الشام، فهذا من جملة الحكاية لما أنعم الله به عليهم. قال الحسن: إن هذه القرى هي بين اليمن والشام. قيل: إنها كانت أربعة آلاف وسبعمائة قرية. وقيل: هي بين المدينة والشام. وقال المبرّد: القرى الظاهرة هي المعروفة، وإنما قيل لها ظاهرة لظهورها، إذا خرجت من هذه ظهرت لك الأخرى، فكانت قرى ظاهرة، أي معروفة، يقال: هذا أمر ظاهر، أي: معروف {وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ } أي: جعلنا السير من القرية إلى القرية مقداراً معيناً واحداً، وذلك نصف يوم كما قال المفسرون. قال الفرّاء: أي: جعلنا بين كل قريتين نصف يوم حتى يكون المقيل في قرية، والمبيت في أخرى إلى أن يصل إلى الشام، وإنما يبالغ الإنسان في السير لعدم الزاد، والماء، ولخوف الطريق، فإذا وجد الزاد، والأمن لم يحمل نفسه المشقة، بل ينزل أينما أراد. والحاصل: أن الله سبحانه عدّد عليهم النعم، ثم ذكر ما نزل بهم من النقم، ثم عاد لتعديد بقية ما أنعم به عليهم مما هو خارج عن بلدهم من اتصال القرى بينهم، وبين ما يريدون السفر إليه، ثم ذكر بعد ذلك تبديله بالمفاوز والبراري كما سيأتي وقوله: {سِيرُواْ فِيهَا } هو على تقدير القول، أي: وقلنا لهم سيروا في تلك القرى المتصلة، فهو أمر تمكين أي: ومكناهم من السير فيها متى شاءوا {لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ} مما يخافونه، وانتصاب {ليالي} و{أياماً} على الظرفية. وانتصاب {آمنين} على الحال. قال قتادة: كانوا يسيرون غير خائفين، ولا جياع، ولا ظمأ، كانوا يسيرون مسيرة أربعة أشهر في أمان لا يحرّك بعضهم بعضاً، ولو لقي الرجل قاتل أبيه لم يحرّكه. ثم ذكر سبحانه: أنهم لم يشكروا النعمة، بل طلبوا التعب والكد. {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَـٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا } وكان هذا القول منهم بطراً وطغياناً لما سئموا النعمة، ولم يصبروا على العافية، فتمنوا طول الأسفار، والتباعد بين الديار، وسألوا الله تعالى: أن يجعل بينهم وبين الشام مكان تلك القرى المتواصلة الكثيرة الماء، والشجر، والأمن، والمفاوز، والقفار، والبراري المتباعدة الأقطار، فأجابهم الله إلى ذلك، وخرّب تلك القرى المتواصلة، وذهب بما فيها من الخير، والماء، والشجر، فكانت دعوتهم هذه كدعوة بني إسرائيل حيث قالوا: {أية : فَٱدْع لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ ٱلارْضُ مِن بَقْلِهَا } تفسير : [البقرة: 61] الآية مكان المنّ والسلوى، وكقول النضر بن الحارث {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : [الأنفال: 32] الآية. قرأ الجمهور{ربنا} بالنصب على أنه منادى مضاف، وقرءوا أيضاً: {باعد} وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن محيصن، وهشام عن ابن عامر: (بعد) بتشديد العين، وقرأ ابن السميفع بضم العين فعلاً ماضياً، فيكون معنى هذه القراءة: الشكوى من بعد الأسفار، وقرأ أبو صالح، ومحمد بن الحنفية، وأبو العالية، ونصر بن عاصم، ويعقوب: (ربنا) بالرفع: (باعد) بفتح العين على أنه فعل ماض على الابتداء، والخبر. والمعنى: لقد باعد ربنا بين أسفارنا، ورويت هذه القراءة عن ابن عباس، واختارها أبو حاتم، قال: لأنهم ما طلبوا التبعيد إنما طلبوا أقرب من ذلك القرب الذي كان بينهم وبين الشام بالقرى المتواصلة بطراً، وأشراً، وكفراً للنعمة. وقرأ يحيـى بن يعمر، وعيسى بن عمر: (ربنا) بالرفع، (بعد) بفتح العين مشدّدة، فيكون معنى هذه القراءة: الشكوى بأن ربهم بعد بين أسفارهم مع كونها قريبة متصلة بالقرى، والشجر، والماء، فيكون هذا من جملة بطرهم، وقرأ أخو الحسن البصري كقراءة ابن السميفع السابقة مع رفع بين على أنه الفاعل كما قيل: في قوله: {أية : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } تفسير : [الأنعام: 94]. وروى الفرّاء، والزجاج قراءة مثل هذه القراءة لكن مع نصب بين على أنه ظرف، والتقدير: بعد سيرنا بين أسفارنا. قال النحاس: وهذه القراءات إذا اختلفت معانيها لم يجز أن يقال: إحداها أجود من الأخرى كما لا يقال ذلك في أخبار الآحاد إذا ا ختلفت معانيها، ولكن أخبر عنهم: أنهم دعوا ربهم أن يبعد بين أسفارهم، فلما فعل ذلك بهم شكوا، وتضرّروا، ولهذا قال سبحانه: {وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } حيث كفروا بالله، وبطروا نعمته، وتعرّضوا لنقمته {فَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ } يتحدّث الناس بأخبارهم. والمعنى: جعلناهم ذوي أحاديث يتحدّث بها من بعدهم تعجباً من فعلهم، واعتباراً بحالهم، وعاقبتهم {وَمَزَّقْنَـٰهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } أي: فرّقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق، وهذه الجملة مبينة لجعلهم أحاديث، وذلك أن الله سبحانه لما أغرق مكانهم، وأذهب جنتهم، تفرّقوا في البلاد، فصارت العرب تضرب بهم الأمثال. فتقول: تفرّقوا أيدي سبا. قال الشعبي: فلحقت الأنصار بيثرب، وغسان بالشام، والأزد بعمان، وخزاعة بتهامة {إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَاتٍ } أي: فيما ذكر من قصتهم، وما فعل الله بهم لآيات بينات، ودلالات واضحات {لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } أي: لكل من هو كثير الصبر، والشكر، وخصّ الصبار الشكور، لأنهما المنتفعان بالمواعظ والآيات. {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } قرأ الجمهور: "صدق" بالتخفيف، ورفع: {إبليس}، ونصب {ظنه}. قال الزجاج: وهو على المصدر، أي: صدق عليهم ظناً ظنه، أو صدق في ظنه، أو على الظرف. والمعنى: أنه ظنّ بهم: أنه إذا أغواهم اتبعوه، فوجدهم كذلك، ويجوز: أن يكون منتصباً على المفعولية، أو بإسقاط الخافض. وقرأ حمزة، والكسائي، ويحيـى بن وثاب، والأعمش، وعاصم: {صدق} بالتشديد، و{ظنه} بالنصب على أنه مفعول به. قال أبو عليّ الفارسي، أي: صدّق الظنّ الذي ظنه. قال مجاهد: ظنّ ظناً، فصدّق ظنه، فكان كما ظنّ، وقرأ أبو جعفر، وأبو الجهجاء، والزّهري، وزيد بن عليّ: (صدق) بالتخفيف، و (إبليس) بالنصب (وظنه) بالرفع، قال أبو حاتم: لا وجه لهذه القراءة عندي، وقد أجاز هذه القراءة الفرّاء، وذكرها الزجاج، وجعل الظنّ فاعل صدّق، وإبليس مفعوله. والمعنى: أن إبليس سوّل له ظنه شيئاً فيهم، فصدّق ظنه، فكأنه قال: ولقد صدّق عليهم ظن إبليس. وروي عن أبي عمرو: أنه قرأ برفعهما مع تخفيف صدق على أن يكون ظنه بدل اشتمال من إبليس. قيل: وهذه الآية خاصة بأهل سبأ. والمعنى: أنهم غيروا، وبدّلوا بعد أن كانوا قد آمنوا بما جاءت به رسلهم. وقيل: هي عامة، أي: صدّق إبليس ظنه على الناس كلهم إلاّ من أطاع الله. قاله مجاهد، والحسن. قال الكلبي: إنه ظنّ: أنه إن أغواهم أجابوه، وإن أضلهم أطاعوه، فصدّق ظنه {فَٱتَّبَعُوهُ } قال الحسن: ما ضربهم بصوت، ولا بعصي، وإنما ظنّ ظناً، فكان كما ظنّ بوسوسته، وانتصاب. {إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } على الاستثناء، وفيه وجهان: أحدهما: أن يراد به بعض المؤمنين، لأن كثيراً من المؤمنين يذنب، وينقاد لإبليس في بعض المعاصي، ولم يسلم منه إلاّ فريق، وهم الذين قال فيهم: {أية : إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ } تفسير : [الحجر: 42]. وقيل: المراد بـ {فريقاً من المؤمنين}: المؤمنون كلهم على أن تكون "من" بيانية. {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مّن سُلْطَـٰنٍ } أي: ما كان له تسلط عليهم، أي: لم يقهرهم على الكفر، وإنما كان منه الدعاء، والوسوسة، والتزيين. وقيل: السلطان القوّة. وقيل: الحجة، والاستثناء في قوله: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلأَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكّ } منقطع، والمعنى: لا سلطان له عليهم، ولكن ابتليناهم بوسوسته لنعلم. وقيل: هو متصل مفرّغ من أعم العام: أي: ما كان له عليهم تسلط بحال من الأحوال، ولا لعلة من العلل إلاّ ليتميز من يؤمن، ومن لا يؤمن، لأنه سبحانه قد علم ذلك علماً أزلياً. وقال الفرّاء: المعنى: إلاّ لنعلم ذلك عندكم. وقيل: إلاّ لتعلموا أنتم، وقيل: ليعلم أولياؤنا، والملائكة. وقرأ الزهري. (إلاّ ليعلم) على البناء للمفعول، والأولى حمل العلم هنا على التمييز، والإظهار كما ذكرنا {وَرَبُّكَ عَلَى كُلّ شَىْء حَفُيظٌ } أي: محافظ عليه. قال مقاتل: علم كل شيء من الإيمان و الشك. وقد أخرج أحمد، والبخاري، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، وغيرهم عن فروة بن مسيك المرادي قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم؟ فأذن لي في قتالهم، وأمرني، فلما خرجت من عنده أرسل في أثري فردّني، فقال: «حديث : ادع القوم، فمن أسلم منهم، فاقبل منه، ومن لم يسلم، فلا تعجل حتى أحدث إليك» تفسير : وأنزل في سبأ ما أنزل، فقال رجل يا رسول الله، وما سبأ: أرض أم امرأة؟ قال: حديث : ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب، فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة، فأما الذين تشاءموا: فلخم، وجذام، وغسان، وعاملة؛ وأما الذين تيامنوا، فالأزد، والأشعريون، وحمير، وكندة، ومذحج، وأنمار» تفسير : فقال رجل: يا رسول الله، وما أنمار؟ قال: حديث : الذي منهم خثعم، وبجيلة»تفسير : . وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والطبراني، وابن عديّ، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس نحوه بأخصر منه. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {سَيْلَ ٱلْعَرِمِ } قال: الشديد. وأخرج ابن جرير عنه قال: {سَيْلَ ٱلْعَرِمِ } واد كان باليمن كان يسيل إلى مكة. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {أُكُلٍ خَمْطٍ } قال: الأراك. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً في قوله: {وَهَلْ نُجْزِى إِلاَّ ٱلْكَفُورَ } قال: تلك المناقشة. وأخرج إسحاق بن بشر، وابن عساكر عنه أيضاً في قوله: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم } يعني: بين مساكنهم {وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا } يعني: الأرض المقدّسة {قُرًى ظَـٰهِرَةً } يعني: عامرة مخصبة {وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ } يعني: فيما بين مساكنهم وبين أرض الشام {سِيرُواْ فِيهَا } إذا ظعنوا من منازلهم إلى أرض الشام من المقدّسة. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } قال إبليس: إن آدم خلق من تراب ومن طين ومن حمأ مسنون خلقاً ضعيفاً، وإني خلقت من نار، والنار تحرق كل شيء لأحتنكنّ ذرّيته إلاّ قليلاً. قال: فصدّق ظنه عليهم {فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } قال: هم المؤمنون كلهم.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإِ فِي مَسْكَنِهِمْ} الآية. وقد ذكرنا اختلاف الناس في سبإ على قولين: أحدهما: أنه اسم أرض باليمن يقال لها مأرب، قاله سفيان. الثاني: اسم قبيلة. واختلف من قال بهذا هل هو اسم امرأة أو رجل على قولين. أحدهما: أنه اسم امرأة نسبت القبيلة إليها لأنها أمهم. الثاني: أنه رجل. روي أن فروة الغطيفي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ ما هو؟ أبلد أم رجل أم امرأة؟ فقال: "حديث : بَلْ رَجُلٍ وَلَدَ عَشْرَةً، فَسَكَنَ اليَمَنَ مِنهُم سِتَّةٌ وَالشَّامَ أَرْبَعَةٌ أَمَّا اليَمَانِيُّونَ فَمَذْحَجٌ وَكِيْدَهٌ وَالأزد وَالأَشعَرِيُّونَ وَأَنَمَارُ وحِمْيَرُ وَأَمَّا الشَّامِيُّونَ فَلَخْمٌ وَخِذَامُ وَغَسَّانُ وَعَامِلَةُ ". تفسير : وذكر أهل النسب أنه سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. قال السدي: بعث إلى سبأ ثلاثة عشر نبياً. وأما {جَنَّتَانِ} فقال سفيان وجد فيهما قصران مكتوب على أحدهما: نحن بنينا سالمين، في سبعين خريفاً دائبين، وعلى الآخر: نحن بنينا صرواح، مقيل ومراح، وكانت إحدى الجنتين عن يمين الوادي والأخرى عن شماله. وفي الآية التي لسبأ في مساكنهم قولان: أحدهما: أنه لم يكن في قريتهم بعوضة قط ولا ذبابة ولا برغوث ولا حية ولا عقرب وان الركب ليأتون في ثيابهم القمل والدواب فتموت تلك الدواب، قاله عبد الرحمن بن زيد. الثاني: أن الآية هي الجنتان كانت المرأة تمشي فيهما وعلى رأسها مكتل فيمتلىء وما مسته بيدها، قاله قتادة. {كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبّكُمْ} يعني الذي رزقكم من جنتكم. {وَاشْكُرُواْ لَهُ} يعني على ما رزقكم. {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} قال مجاهد: هي صنعاء. ويحتمل وجهين: أحدهما: لأن أرضها وليست بسبخة. الثاني: لأنها ليس بها هوام.

ابن عطية

تفسير : هذا مثل لقريش بقوم أنعم الله عليهم وأرسل إليهم الرسل فكفروا وعصوا، فانتقم الله منهم، أي فأنتم أيها القوم مثلهم و {سبأ} هنا أراد به القبيل، واختلف لم سمي القبيل بذلك، فقالت فرقة هو اسم لامرأة كانت أماً للقبيل، وقال الحسن بن أبي الحسن في كتاب الرماني هو اسم موضع فسمي القبيل به وقال الجمهور هو اسم رجل هو أبو القبيل كله قيل هو ابن يشجب بن يعرب، وروي في هذا القول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله فروة بن مسيك عن {سبأ} فقال: هو اسم رجل منه تناسلت قبائل اليمن. وقرأ نافع وعاصم وأبو جعفر وشيبة والأعرج "لسبإ" بهمزة منونة مكسورة على معنى الحي، وقرأ أبو عمرو والحسن "لسبأ" بهمزة مفتوحة غير مصروف على معنى القبيلة، وقرأ جمهور القراء "في مساكنهم" لأن كل أحد له مسكن، وقرأ الكسائي وحده "في مسكِنهم" بكسر الكاف أي في موضع سكناهم وهي قراءة الأعمش وعلقمة، قال أبو علي والفتح حسن أيضاً لكن هذا كما قالوا مسجد وإن كان سيبويه يرى هذا اسم البيت وليس موضع السجود. قال هي لغة الناس اليوم، والفتح هي لغة الحجاز وهي اليوم قليلة، وقرأ حمزة وحفص "مسكَنهم" بفتح الكاف على المصدر وهو اسم جنس يراد به الجمع، وهي قراءة إبراهيم النخعي وهذا الإفراد هو كما قال الشاعر: [الوافر] شعر : كلوا في بعض بطنكم تعفوا تفسير : وكما قال الآخر: [البسيط] شعر : قد عض أعناقهم جلد الجواميس تفسير : و {آية} معناها عبرة وعلامة على فضل الله وقدرته، و {جنتان} ابتداء وخبره في قوله عن {يمين وشمال} أو خبر ابتداء تقديره هي جنتان، وهي جملة بمعنى هذه حالهم والبدل من {آية} ضعيف، وقد قاله مكي وغيره، وقرأ ابن أبي عبلة "آية جنتين" بالنصب، وروي أنه كان في ناحية اليمن واد عظيم بين جبلين وكانت جنتا الوادي منبت فواكه وزروع وكان قد بني في رأس الوادي عند أول الجبلين جسر عظيم من حجارة من الجبل إلى الجبل فارتدع الماء فيه وصار بحيرة عظيمة، وأخذ الماء من جنبتيها فمشى مرتفعاً يسقي جنات جنتي الوادي، قيل بنته بلقيس، وقيل بناه حمير أبو القبائل اليمينة كلها، وكانوا بهذه الحال في أرغد نعم، وكانت لهم بعد ذلك قرى ظاهرة متصلة من اليمن إلى الشام، وكانوا أرباب تلك البلاد في ذلك الزمان، وقوله {كلوا} فيه حذف كأنه قال قيل لهم كلوا، و {طيبة} معناه كريمة التربة حسنة الهواء رغدة من النعم سليمة من الهوام والمضار هذه عبارات المفسرين، وكان ذلك الوادي فيما روي عن عبد الرحمن بن عوف لا يدخله برغوث لا قملة ولا بعوضة ولا عقرب ولا شيء من الحيوان الضار، وإذا جاء به أحد من سفر سقط عند أول الوادي، وروي أن الماشي بمكتل فوق رأسه بين أشجاره يمتلي مكتله دون أن يمد يداً، وروي أن هذه المقالة من الأمر بالأكل والشرب والتوقيف على طيب البلدة وغفران الرب مع الإيمان به هو من قيل الأنبياء لهم، وقرأ رؤيس عن يعقوب "بلدةً طيبةً ورباً غفوراً" بالنصب في الكل، وبعث إليهم فيما روي ثلاثة عشر نبياً فكفروا بهم وأعرضوا، فبعث الله تعالى على ذلك السد جرداً أعمى توالد فيه وخرقه شيئاً بعد شيء وأرسل سيلاً في ذلك الوادي، فيحتمل ذلك السد، فيروى أنه كان من العظم وكثرة الماء بحث ملأ ما بين الجبلين، وحمل الجنات وكثيراً من الناس ممن لم يمكنه الفرار، ويروى أنه لما خرق السد كان ذلك سبب يبس الجنات، فهلكت بهذا الوجه، وروي أنه صرف الماء من موضعه الذي كان فيه أولاً فتعطل سقي الجنات، واختلف الناس في لفظة {العرم} فقال المغيرة بن حكيم وأبو ميسرة: {العرم} في لغة اليمن: جمع عرمة: وهو كل ما بني أو سنم ليمسك الماء ويقال ذلك بلغة أهل الحجاز المسناة. قال الفقيه الإمام القاضي: كأنها الجسور والسداد ونحوها، ومن هذا المعنى قول الأعشى: شعر : وفي ذلك للمتأسي أسوة ومآرب عفا عليها العرم رخام بناه لهم حمير إذا جاءه موارة لم يرم تفسير : ومنه قول الآخر: شعر : ومن سبأ الحاضرين مأرب إذ يبنون من دون سيله العرما تفسير : وقال ابن عباس وقتادة والضحاك {العرم} اسم وادي ذلك الماء بعينه الذي كان السد بني له، وقال ابن عباس أيضاً إن سيل ذلك الوادي أبداً يصل إلى مكة وينتفع به، وقال ابن عباس أيضاً {العرم} الشديد. قال الفقيه الإمام القاضي: فكأنه صفة للسيل من العرامة، والإضافة إلى الصفة مبالغة وهي كثيرة في كلام العرب، وقالت فرقة {العرم} اسم الجرذ. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف، وقيل {العرم} اسم المطر الشديد الذي كان عنه ذلك السيل، وقوله {وبدلناهم بجنتيهم جنتين} قول فيه تجوز واستعارة وذلك أن البدل من "الخمط والأثل" لم يكن جنات، لكن هذا كما تقول لمن جرد ثوباً جيداً وضرب ظهره هذا الضرب ثوب صالح لك ونحو هذا، وقوله {ذواتي} تثنية ذات، و"الخمط" شجر الأراك قاله ابن عباس وغيره، وقيل "الخمط" كل شجر له شوك وثمرته كريهة الطعم بمرارة أو حمضة أو نحوه، ومنه تخمط اللبن إذا تغير طعمه، و"الأثل" ضرب من الطرفاء هذا هو الصحيح، وكذا قال أبو حنيفة في كتاب النبات، قال الطبري وقيل هو شجر شبيه بالطرفاء وقيل إنه السمر، و"السدر" معروف وهو له نبق شبه العناب لكنه في الطعم دونه بكثير، وللخمط ثمر غث هو البريد، وللأثل ثم قليل الغناء غير حسن الطعم، وقرأ ابن كثير ونافع "أكْل" بضم الهمزة وسكون الكاف، وقرأ الباقون بضم الهمزة وضم الكاف، وروي أيضاً عن أبي عمرو سكون الكاف وهما بمعنى الجنى والثمر، ومنه قوله تعالى {أية : تؤتي أكلها كل حين} تفسير : [إبراهيم: 25] أي جناها، وقرأ جمهور القراء بتنوين "أكل" وصفته بخمط وما بعده، قال أبو علي: البدل هذا لا يحسن لأن الخمط ليس بالأكل والأكل ليس بالخمط نفسه والصفة أيضاً كذلك، لأن الخمط اسم لا صفة وأحسن ما فيه عطف البيان، كأنه بين أن الأكل هذه الشجرة ومنها ويحسن قراءة الجمهور أن هذا الاسم قد جاء بمجيء الصفات في قول الهذلي [الطويل] شعر : عقار كماء الني ليس بخمطة ولا خلة يكوي الشروب شبابها تفسير : وقرأ أبو عمرو بإضافة "أكلِ" إلى "خمطٍ" وبضم كاف "أكلُ خمطٍ"، ورجح أبو علي قراءة الإضافة وقوله {ذلك} إشارة إلى ما أجراه عليهم، وقوله {وهل يجازي} أي يناقش ويقارض بمثل فعل قدراً لأن جزاء المؤمنين إنما هو بتفضيل وتضعيف، وأما الذي لا يزاد ولا ينقص فهو {الكفور} قاله الحسن بن أبي الحسن، وقال طاوس هي المناقشة، وكذلك إن كان المؤمن ذا ذنوب فقد يغفر له ولا يجازى، والكافر يجازي ولا بد، وقد قال عليه السلام "حديث : من نوقش الحساب عذب" تفسير : ، وقرأ جمهور القراء "يجازَى" بالياء وفتح الزاي، وقرأ حمزة والكسائي "نجازي" بالنون وكسر الزاي، "الكفورَ" بالنصب، وقرأ مسلم بن جندب "وهل يجزي" وحكى عنه أبو عمرو الداني أنه قرأ "وهل يُجزي" بضم الياء وكسر الزاي، قال الزجاج يقال جزيت في الخير وجازيت في الشر. قال الفقيه الإمام القاضي: فترجح هذه قراءة الجمهور.

ابن عبد السلام

تفسير : {لِسَبَإٍ} أرض باليمن يقال لها مأرب، أو قبيلة سموا باسم أبيهم، أو أمهم وبعث إليهم ثلاثة عشر نبياً {جَنَّتَانِ} أحدهما عن يمين الوادي والأخرى عن شماله {ءَايَةٌ} كانت المرأة تمشي ومكتلها على رأسها فيمتلىء وما مسته بيدها، أو لم يكن في قريتهم ذباب ولا بعوض ولا برغوث ولا بق ولا حية ولا عقرب ويأتيهم الركب في ثيابهم القمل والدواب فتموت تلك الدواب {كُلُواْ مِن رِّزْقِ} الجنتين {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} قيل هي صناء.

الخازن

تفسير : وقوله عز وجل: {لقد كان لسبأ في مسكنهم آية} عن فروة بن مسيك المرادي قال: "حديث : لما أنزل في سبأ ما أنزل قال رجل يا رسول الله: وما سبأ أرض أو امرأة قال: ليس بأرض ولا امرأة ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة، وأما الذين تيامنوا فالأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار، فقال رجل: يا رسول الله وما أنمار؟ قال الذين منهم خثعم وبجيلة"تفسير : أخرجه الترمذي مع زيادة. وقال حديث حسن غريب وسبأ هو ابن يشجب بن يعرب بن قحطان في مسكنهم أي بمأرب من أرض اليمن، آية أي دلالة على وحدانيتنا وقدرتنا ثم فسر الآية فقال تعالى {جنتان} أي بستانان {عن يمين وشمال} يعني عن يمين الوادي وشماله وقيل عن يمين من أتاهما وشماله وقيل كان لهم واد قد أحاطت بهم الجنتان {كلوا} أي قيل لهم كلوا {من رزق ربكم} أي من ثمار الجنتين قيل كانت المرأة تحمل مكتلها على رأسها وتمر بالجنتين فيمتلىء المكتل من أنواع الفواكه من غير أن تمس بيدها شيئاً {واشكروا له} أي على ما رزقكم من النعمة واعملوا بطاعته {بلدة طيبة} أي أرض مأرب، وهي سبأ بلدة طيبة فسيحة، ليست بسبخة وقيل: لم يكن يرى في بلدتهم بعوضة ولا ذباب ولا برغوث ولا حية، ولا عقرب وكان الرجل يمر ببلدتهم، وفي ثيابه القمل فيموت القمل من طيب الهواء {ورب غفور} قال وهب أي وربكم إن شكرتم على ما رزقكم رب غفور لمن شكره. قوله عز وجل: {فأعرضوا} قال وهب: أرسل الله إليهم ثلاثة عشر نبياً فدعوهم إلى الله تعالى وذكروهم بنعمه عليهم وأنذروهم عقابه فكذبوهم وقالوا ما نعرف الله علينا نعمة فقولوا لربكم فليحبس هذه النعمة عنا إن استطاع فذلك إعراضهم {فأرسلنا عليهم سيل العرم} العرم الذي لا يطاق قيل: كان ماء أحمر أرسله الله تعالى عليهم من حيث شاء وقيل: العرم السكر الذي يحبس الماء وقيل: العرم الوادي. قال ابن عباس: ووهب وغيرهما، كان لهم سد بنته بلقيس وذلك أنهم كانوا يقتتلون على ماء واديهم، فأمرت بواديهم فسد بالصخر والقار بين الجبلين وجعلت لهم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض, وبنت دونه بركة ضخمة وجعلت فيها اثني عشر مخرجاً على عدة أنهار هم يفتحونها إذا احتاجوا إلى الماء، وإذا اسغنوا عنه سدوها فإذا جاءهم المطر اجتمع إليهم ماء أودية اليمن فاحتبس السيل من وراء السد فأمرت بالباب الأعلى ففتح فجرى ماؤه إلى البركة، فكانوا يسقون من الباب الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث الأسفل فلا ينفذ الماء حتى يثوب الماء من السنة المقبلة، فكانت تقسمه بينهم على ذلك فبقيوا بعدها مدة، فلما طغوا وكفروا سلط الله عليهم جرذاً يسمى الخلد فنقب السد من أسفله فغرق الماء جناتهم وأخرب أرضهم وقال وهب رأوا فيما يزعمون ويجدون في علمهم أن الذي يخرب سدهم فأرة فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة فلما جاء زمان ما أراد الله تعالى بهم من التغريق أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء كبيرة إلى هرة من تلك الهرار فساورتها، حتى استأخرت عنها الهرة فدخلت في الفرجة التي كانت عندها فتغلغلت في السد، وحفرت حتى أوهنت المسيل وهم لا يعلمون بذلك فلما جاء السيل وجد خللاً فدخل منه حتى اقتلع السد، وفاض الماء حتى علا أموالهم فغرقها ودفن بيوتهم الرمل فغرقوا ومزقوا كل ممزق، حتى صاروا مثلاً عند العرب يقولون ذهبوا أيدي سبا، وتفرقوا أيادي سبا فذلك قوله تعالى فأرسلنا عليهم سيل العرم {وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط} قيل هو شجر الأراك وثمره البربر وقيل: كل نبت أخذ طعماً من المرارة حتى لا يمكن أكله، فهو خمط وقيل هو ثمر شجر يقال له فسوة الضبع على صور الخشخاش يتفرك ولا ينتفع به {وأثل} قيل هو الطرفاء وقيل شجر يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه {وشيء من سدر قليل} هو شجر معروف ينتفع بورقة في الغسل وثمره النبق ولم يكن السدر الذي بدلوه مما ينتفع به بل كان سدراً برياً لا يصلح لشيء قيل: كان شجر القوم من خير الشجر فصيره الله من شر الشجر بأعمالهم.

الثعالبي

تفسير : وقولُه تَعَالَى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ...} الآية، هذا مَثَلٌ لقريشٍ بِقَوْمٍ أنْعَمَ اللّه عَليهمْ فَلَمْ يَشْكُروا؛ فَانْتَقَمَ مِنْهُم، أي: فأنتم أيُّها القَوْمُ مِثْلُهم، و«سبأ» هُنا يراد بهِ القَبِيلُ، واخْتُلِفَ: لِمَ سُمِّي القَبِيلُ بِذلك فَقَالَت فِرْقَةٌ: هُو اسْمُ امْرَأةٍ. وقِيلَ: اسْمُ مَوْضِعٍ سُمِّيَ بِهِ القَبِيلُ، وقَالَ الجُمْهُورُ: هُوَ اسْمُ رَجُلٍ، هُو أَبُو القَبِيلُ، كُلِّه، وفِيهِ حَدِيثُ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ المتقدّمُ في «سُورة النَّمْلِ»؛ خَرَّجَهُ التِّرْمِذيُّ، و {ءَايَةٌ}: معناه: عِبْرَةٌ وَعَلاَمَةٌ عَلَى فَضْلِ اللّهِ وقُدْرَتِه، و{جَنَّتَانِ}: مبتدَأٌ وَخَبَرُه: {عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ}، أو خَبَرَ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيره: هي جنتان، وقيل: {جَنَّتَانِ} بَدَلٌ مِن {ءَايَةٌ} وَضُعِّفَ، ورُوِي فِي قُصَصِهِمْ أَنَّهُ كَانَ فِي نَاحِيَةِ اليَمَنِ وَادٍ عَظِيمٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، وَكَانَتْ جَنَبَتَا الوادِي فَوَاكِهَ وزُرُوعاً، وكان قد بُنِيَ فِي رَأْسِ الوادِي عِنْدَ أَوَّلِ الجَبَلَينِ؛ جِسْرٌ عَظِيمٌ مِنْ حِجَارَةٍ مِنَ الجَبَلِ إلَى الجَبَلِ، فَاحْتَبَسَ الماءُ فِيهِ، وصَارَ بُحَيْرَةً عَظِيمَةً، وَأُخِذَ المَاءُ من جَنَبَتَيْهَا فَمَشَى مُرْتَفِعاً يَسْقِى جَنَّاتٍ كَثِيرَةٍ جَنَبتَي الوادِي، قِيلَ: بَنَتْهُ بلقيس، وَقِيلَ بَنَاهُ حِمْيَرُ أَبُو القَبَائِلِ اليَمَانِيَّةِ كُلِّهَا، وكانُوا بهذهِ الحالِ فِي أرْغَدِ عَيْشِ، وَكَانَتْ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ قُرٍى ظَاهِرَةٌ مُتَّصِلَة من اليَمَنِ إلَى الشَّامِ، وَكَانُو أَرْبَابَ تِلْكَ البِلاَدِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. * ت *: وَقَوْلُ * ع *: «وَكَانَ قَدْ بُنِيَ فِي رَأْسِ الوَادِي عِنْدَ أَوَّلِ الجبلين» صوابُه: وَكَانَ قَدْ بُنِيَ فِي أَسْفَلِ الوَادِي عِنْدَ آخِرِ الجَبَلَينِ، و {كُلُوا}: فيه حذفٌ مَعْنَاهُ: قيل لَهُم: كُلُوا، و {طَيِّبَةٌ} معناه: كريمةُ التُّربةِ حَسَنةُ الهَواءِ، ورُوِيَ أَنَّ هذهِ المقَالة؛ مِن الأَمْرِ بالأَكْلِ وَالشُّكْرِ وَالتَّوْقِيفِ عَلى طِيبِ البَلْدَةِ وغُفْرَانِ الرَّبِّ مَعَ الإيمَانِ بِهِ؛ هي من قول الأَنْبِياء لَهُمْ، وبُعِثَ إليهم فِيمَا رُوِيَ ثَلاَثَةَ عَشَرَ نَبِيّاً فَكَفَرُوا بِهِم وأَعْرَضُوا؛ فَبَعَثَ اللّهُ عَلى ذَلِكَ السَّدِّ جُرْذاً أَعْمَى؛ تَوالَدَ فِيه؛ وَخَرَقَهُ شَيْئاً بَعْدَ شَيْءٍ؛ فَانْخَرَقَ السَّدُّ وَفَاضَ المَاءُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَجَنَّاتِهم فَغَرَّقَها؛ وَأَهْلَكَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ مِمَّنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الفِرَارُ، واخْتُلِفَ فِي {ٱلْعَرِمِ}. فَقَالَ المُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ وَأَبُو مَيْسَرَةَ: هُوَ كُلُّ مَا بُنِي أَوْ سُنِّمَ لِيُمْسِك المَاءَ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيره: {ٱلعَرِم}: اسْمُ وَادِي ذَلِكَ المَاءِ بِعَيْنِهِ الَّذِي كَانَ السَّدُّ بُنِي لَهُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضاً {ٱلْعَرِم} الشَّدِيدُ. قَالَ * ع *: فَكَأَنَّهُ صِفَةٌ لِلسَّيْلِ مِنْ العَرَامَةِ، وَالإضَافَةُ إلَى الصِّفَةِ مُبَالَغَةٌ؛ وَهِي كثيرةٌ فِي كَلام العَرَبِ، وقِيل: {ٱلعَرِم}: صِفَةٌ للمَطَرِ الشديدِ الذي كانَ عَنْه ذَلِكَ السَّيْلُ. وقوله تعالى: {وَبَدَّلْنَـٰهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ} فيه تَجُوُّزٌ وَٱسْتِعَارَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ البَدَلُ - مِنَ الخَمْطِ والأَثْلِ - لَمْ يَكُنْ جَنَّاتٍ؛ لَكِنَّ هَذا كَمَا تَقُولُ لِمَنْ جَرَّدَ ثَوْباً جَيِّداً وَضَرَبَ ظَهْرَه: هَذا الضَّرْبُ ثَوْبٌ صَالِحُ لَكَ؛ ونحو هذا، و«الخَمْطِ»: شَجَرُ الأَرَاكِ، قَالَه ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُه، وقِيلَ: «الخَمْطُ»: كُلُّ شَجَرِ لَهُ شَوْكٌ وَثَمْرَتَهُ كَرِيهَةُ الطَّعْمِ بِمَرَارَةٍ أَو حُمُوضَةٍ أو نَحْوِه، وَمِنْه تَخَمَّطَ اللَّبَنُ إذَا تَغَيَّرَ طُعْمُه و«الأَثْلُ»: ضَرْبٌ من الطَّرْفَاءِ، هذا هو الصَّحِيحُ، و«السدر»: معروفٌ وهُو لَه نَبْقٌ شَبَهُ العُنَّابِ لكنَّه دُونَه في الطَّعْمِ بِكَثِير، وللخَمْطِ ثَمرٌ غَثُّ هُوَ البَرِيرُ، وللأَثْلِ ثَمْرٌ قَلِيلُ الغَنَاءِ غَيْرُ حَسَنِ الطَّعْمِ، وقرأ نافع وابن كثير: «أُكلٌ»: ـــ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وسُكُونِ الكَافِ ـــ، والبَاقُونَ: ـــ بِضَمِّهِمَا ـــ وهُمَا بمعنى الجَنَى والثَّمْرَةِ، ومِنْه: {أية : تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ } تفسير : [سورة إبراهيم:25]. أي: جناها، وقرأ أبو عمرو: «أُكُلِ خُمْطٍ» بإضافةِ «أُكُل» إلى «خمط». وقولُه تعالى: {ذٰلِكَ} إشارةٌ إلى ما أجْرَاهُ عَلَيْهِم. وقولُه: «وهل يجازى»، أي: يناقَشُ ويُقَارَضُ بمثلِ فعلهِ قَدْراً بقَدْرٍ، لأَنَّ جَزَاءَ المُؤْمِنِ إنَّما هُو بِتَفَضُّلٍ وَتَضْعِيفٍ ثَوَابٍ، وَأَمَّا الَّذِي لاَ يُزَادِ وَلاَ يَنْقَضُ فَهُوَ الكَافِرُ، وقَرَأْ حمزةُ والكسائي: «وهل نُجَازِي» ـــ بالنونِ وكَسْرِ الزَّايْ ـــ «الكفور» ـــ بالنصْبِ ـــ.

ابن عادل

تفسير : (قوله) تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ} قرأ حمزة وحفص مَسْكَنِهِمْ بفتح الكاف مفرداً، والكسائي كذلك إلا أنه كسر الكاف والباقون مَسَاكِنِهِمْ جمعاً فأما الإفراد فلعدم اللبس لأن المراد الجمع كقوله: شعر : 4125- كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا ........................ تفسير : والفتح هو القياس لأن الفعل متى ضمت عين مضارعة أو فتحت جاء المفعل منه زماناً أو مكاناً أو مصدراً بالفتح والكسر مسموع على غير قياس، وقال أبو الحسن: كسر الكاف لغة فاشيةٌ وهي لغة الناس اليوم والكسر لغة الحجاز وهي قليلة وقال الفراء: هي لغة يمانية فَصِيحةٌ. و"مسكنهم" يحتمل أن يراد به المكان، وأن يراد به المصدر أي السُّكْنَى، ورجح بعضهم الثاني، قال: لأن المصدر يشمل الكل، فليس فيه وَضْعُ مفرد مَوْضعَ جمع بخلاف الأول فإن فيه وَضْعَ المفرد مَوْضِعَ الجمع، كما تقرر، لكن سيبويه يأباه إلاَّ ضَرُورةً كقوله: شعر : 4126-.............. قَدْ عَضَّ أَعْنَاقَهُمْ جلدُ الجَوَامِيس تفسير : أي جلود، وأما الجمع فهو الظاهر لأن كل واحد مسكن، ورسم في المصاحف دون ألف بعد الكاف فلذلك احتمل القراءاتِ المذكورة. فصل لما بين حال الشاكرين لِنِعَمِهِ بذكر داود وسليمان وبيَّن حال الكافرين بأنْعُمهِ، بحكاية أهل "سبأ" وقرىء سَبَأ بالفتح على أنه اسم بُقْعَة، وبالجر مع التنوين على أنه اسم قبيلة، وهو الأظهر لأن الله جعل الآية لسبأ والظاهر هو العاقل لا المكان فلا يحتاج إلى إضمار الأهل، وقوله "آية" أي من فضل ربهم دلالةً على وحدانيتنا وقدرتنا وكانت مساكنهم بمأرب من اليمن واسم سَبَأ عبد شمس بن يشجُب بن يَعْرُب بن قَحْطَان وسمي (سبأ) لأنه أول من سبأ من العرب. قال السُّهَيْليّ: ويقال: إنه أول من تبرج، وذكر بعضهم أنه كان مسلماً وكان له شعر يشير فيه بوجود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال (يعني سليمان عليه الصلاة والسلام): شعر : 4127-سَيَمْلكُ بَعْدَنا ملكاً عَظِيماً نَبِيُّ لاَ يرخِّصُ في الحَرَامِ وَيملِكُ بَعْدُ منهم مُلُوك يدينون العباد بغير دامِ وَيملِكُ بعده منهم ملوك يصيرُ الملك فينا باقتِسام وَيملك بَعْدَ قَحْطَانَ نَبِيُّ نفى جنته خير الأنام يسمى أحمدَ يَا لَيْتَ أنّي أُعَمَّر بعد مَبْعثَهِ بعَامِ فأعضُدُه وأحبُوه بنَصْرِي بكُلّ مُدَجَّج وبِكُلِّ رَامِي مَتَى يَظْهَرْ فكُونوا ناصِرِيهِ ومن يلقاه يُبْلِغْه سَلامِي تفسير : روى ابن عباس قال حديث : سأل فروة بن مسيك الغطيفي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن سبأ ما هو؟ أكان رجلاً أو امرأة أو أرضاً؟ قال: بل هو رجل من العرب ولد عشرة من الولد فسكن اليمن منهم ستة وبالشام منهم أربعة فأما الذين تيامنوا فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحِمير فقال رجل وما أنمار؟ قال: الذين منهم خثْعم وبجيلة، وأما الذين تشامُوا فلَخم وجُذام وعاملة وغسان، ولما هلكت أموالهم وخربت بلادهم تفرقوا في غور البلاد ونجدها أيدي سبا شَذَر مذرتفسير : فلذلك قيل لكلّ متفرقين بعد اجتماع: "تَفَرَّقُوا أَيَادي سَبَا" فنزلت طوائف منهم الحجاز فمنهم خُزَاعة نزلوا بظاهر مكة ومنهم الأوسُ والخَزْرج نزلوا بيثرب فكانوا أول من سكنها ثم نزلت عندهم ثلاث قبائل من اليهود بنو قَيْنُقَاع وبنو قُرَيْظَة والنَّضير فخالفوا الأوس والخزرج وأقاموا عندهم ونزلت طوائف أُخَرُ منهم الشام وهم الذين تنصروا فيما بعد وهم غَسَّان وعامِلة ولخم وجذام وتنوخ وتغلب وغيرهم، و"سبأ" يجمع هذه القبائل كلها. والجمهور على أن جميع العرب ينقسمون إلى قسمين فحطانية وعَدْنَانيَّة، فالقحطانية شَعْبَان سبأ وحَضْرَمَوْتَ والعَدْنَانيَّة شعبان ربيعةُ ومُضَر وأما قُضَاعَةُ فمختلف فيها فبعضهم نسبها إلى قَحْطَان وبعضهم إلى عدنان، وقيل: إن قحطان أول من قيل له: أنْعِمْ صباحاً، وأبَيْتَ اللَّعْنَ قال بعضهم: إن جميع العرب ينتسبون إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهما (الصلاة و) السلام وليس بصحيح فإن إسماعيل نشأ بين جرهم بمكة وكانوا عرباً. والصحيح أن العرب العاربة كانوا قبل إسماعيل منهم عاد وثمود وطسم وجديس وأَهم وجرهم والعماليق يقال: إن "أهم" كان ملكاً يقال إنه أول من سقَّف البيوت بالخشب المنشور وكانت الفرس تسميه آدم الأصغر وبنوه قبيلة، يقال لها: وَبَار هلكوا بالرمل انثال عليهم فأهلكهم وطمَّ (مناهلهم) وفي ذلك يقول بعض الشعراء: شعر : 4128- وَكَرَّ دَهْرٌ عَلَى وَبَارِ فَهَلَكت عَنْوَةً وَبَارُ تفسير : قوله: "جنتان" فيه ثلاثة أوجه: الرفع على البدل من "آية" وأبد مُثَنَّى من مفرد لأن هذا المفرد يصدق على هذا المثنى وتقدم في قوله: {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةً} تفسير : [المؤمنون:50]. الثاني: أنه خبر مبتدأ مضمر. وضعف ابن عطية الأول ولم يبينه. ولا يظهر ضعفه بل قوته وكأنه توهم أنهما مختلفان إفراداً أو تثنية فلذلك ضعف البدل عنده والله أعلم. الثالث - وإليه نحا ابن عطية - أن يكون جنتان متبدأ وخبره "عَنْ يَمِينٍ وشِمَالٍ". وردَّه أبو حيان بأنه ابتداء بنكرة من غير مسوغ واعْتُذِرَ عنه بأنه قد يعتقد حذف صفة أي جَنَّتَانِ لهم أو جنتان عَظِيمَتان فيصح ما ذهب إليه وقرأ ابن أبي عبلة جنتين بالياء نصباً على خبر كان واسمها "آية". قإن قيل: اسم كان كالمبتدأ ولا مسوغ للابتداء به حتى يجعل اسم كان والجواب أنه يخصص بالحال المتقدمة عليه وهي صفته في الأصل ألا ترى أنه لو تأخر "لِسَبأٍ" لكان صفة "لآية" في هذه القراءة. قوله: "عَنْ يَمينٍ" إما صفة لجنتان أو خبر مبتدأ مضمر أي هما عن يمين. قال المفسرون أي عن يمين الوادي وشماله. وقيل: عن يمين من أتاها وشماله وكان لهم وادٍ قد أحاط الجنتان بذلك الوادي. قال الزمخشري: أيَّةُ آيَةٍ في جنتين مع أن بعض بلاد العراق فيها ألف من الجِنَان؟ وأجاب بأن المراد لكل واحد جنتين أو عن يمين أيديهم وشمالهم جماعات من الجنان ولإيصال بعضها ببعض جعلها جنة واحدة. قوله: "كُلُوا" على إضمار القول أي قَالَ اللَّه أو المَلَكُ كُلُوا من رزق ربكم. وهذه إشارة إلى تكميل النعمة عليهم واشكروا له على ما رزقكم من النعمة فإن الشكر لا يطلب إلا على النعمة المعتبرة أي اعملوا له بطاعته. قوله "بَلْدَةٌ" أي بَلْدَتُكُمْ بلدةً (طيبة) وربكم "رَبُّ غَفُورٌ" والمعنى أن أرض سبأ بلدة طيبة ليست مسبخة. قال ابن زيد: لم ير في بلدتهم بَعُوضَة ولا ذُبابٌ ولا بُرْغُوثٌ ولا حيَّة ولا عقربٌ ولا وباءٌ ولا وَخَم وكان الرجل يمر ببلدهم وفي ثيابه القمل فيموت القمل كلها من طيب الهواء، فذلك قوله: "بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ" أي طيبة الهَوَاءِ "ورب غفور" قال مقاتل: وربكم إن شَكَرْتُمْ فيما رزقكم رب غفور للذنوب. وقيل ورب غفور أي لا عقاب عليه ولا عذاب في الآخرة وقرأ رويس بنصب "بلدةٍ، وَرَب" على المدح أو اسكنوا أو اعبدوا. وجعله أبو البقاء مفعولاً به والعامل فيه "اشْكُرُوا" وفيه نظر؛ إذ يصير التقدير اشكروا لربكم رَبًّا غفوراً، ثم إنه تعالى لما بين ما كان من جانبه ذكر ما كان من جانبهم فقال: "فَأَعْرَضُوا" من كمال ظلمهم، الإعراض بعد إبانة الآية كقوله: {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَٰتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَآ} تفسير : [السجدة:22] قال وهب: أرسل الله إلى سبأَ ثلاثةَ عَشَرَ نبياً فدعوهم إلى الله وذكروهم نعم الله عليهم وأنذروهم عقابه فكذبوهم وقالوا ما نعرف لله عزّ وجلّ علينا نعمةً، فقولوا لربكم فليحبس هذه النعمة عنا إن استطاع فذلك قوله عزّ وجلّ: فَأَعْرَضُوا، ثم ذكر كيفية الانتقام منهم كما قال تعالى: {أية : إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} تفسير : [السجدة:22] وكيفيته أنه تعالى أرسل عليهم سيلاً غرَّق أموالهم وخَرَّب دُورَهُمْ. قوله: {سَيْلَ ٱلْعَرِمِ} العَرِمُ فيه أوجه: أحدهما: أنه من باب إضافة الموصوفِ لصفته في الأصل إذ الأصل: السَّيْلُ العَرِمُ، والعَرِمُ الشديد وأصله من العَرَامَة، وهي الشَّراسَةُ والصعوبة وعَرِمَ فُلاَنٌ فَهُوَ عارِمٌ وَعرِم وعُرَام الجَيْشِ منه. الثاني: أنه من حذف الموصوف وإقامة صفته مُقامه تقديره فأرسلنا عليهم سَيْلَ المَطَرِ العَرِمِ أي الشديد الكثير. الثالث: أن العَرِم اسم للبناء الذي يجعل سداً وأنشد (قول الشاعر): شعر : 4129- مِنْ سَبَأِ الحَاضِرين مَأْرِبَ إذْ يَبْنُونَ مِنْ دُونِ سَيْلِهِ العَرِمَا تفسير : أي البناء القوي. قال البغوي: العَرَمُ والعَرِمُ جمع عَرَمَةٍ وهي السد الذي يحبس الماء. الرابع: أن العَرِم اسم للوادي الذي كان فيه الماء نفسه. وقال ابن الأعرابي: العرم السيل الذي لا يطاق وقيل: كان ماء أحمر أرسله الله عليهم من حيث شاء. الخامس: أنه اسم للجرذ وهو الفأر. وقيل: هو الخُلْدُ وإنما أضيف إليه؛ لأنه تسبب عنه إذ يروى في التفسير أنه قرض السدّ إلى أن انفتح عليهم فغرقوا به. وعلى هذه الأقوال الثلاثة تكون الإضافة إضافةً صحيحة معرفة نحو: غُلاَمُ زَيْدٍ، أي سيل البناء أو سيل الوادي الفُلاَنيّ أو سيل الجُرْذِ. وهؤلاء هم الذين ضربت العرب بهم المثل للفُرْقة فقالوا "تَفَرَّقُوا أَيْدِيَ سَبَا". وقد تقدم. فصل قال ابن عباس ووهب وغيرهما: كان ذلك السد بَنَتْهُ بَلْقِيسُ وذلك أنهم كانوا يقتتلون على ماء واديهم، فأمرت بواديهم فسد بالعرم وهو المُسَنَّاة بلغة حمير فسكت ما بين الجبلين بالصخور وجعلت له أبواباً ثلاثة بعضها فوق بعض وبَنَتْ من دونه بِرْكَةً ضَخْمَةً وجعلت فيها اثْنَيْ عَشَرَ مخرجاً على عدة أنهار هم يفتحونها إذا احتاجوا إلى الماء وإذا استغنوا سَدُّوها فإذا جاء المطر اجتمع إليه ماء أودية اليمن فاحتبس السيل من وراء السَّدِّ فأمرت بالباب الأعلى يفتح فجرى ماؤه في البركة فكانوا يسقون من بالباب الأعلى (ثم) من الثاني ثم من الثالث الأسفل فلا ينفذ الماء حتى يَثُوبَ الماءُ من السنة المقبلة فكانت تَقْتَسِمُه بينهم على ذلك فبقُوا على ذلك بعدها مدة فلمَّا طَغَوْا وكَفَرُوا سلَّط الله عليهم جُرْذاً يسمَّى الخُلْدَ فنقب السد من أسفله فغَرَّق الماء جنانهم وخرب أرضهم. قوله: "بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْن" قد تقدم في البقرة أن المجرور بالباء هو الخارج، والمنصوب هو الداخل؛ ولهذا غَلطَ مَنْ قال من الفقهاء: فلو أبدل ضاداً بظاءٍ بطلت صلاته بل الصواب أن يقول: ظاءً بضادٍ. قوله: "أُكُلٍ خَمْطٍ" قرأ أبو عمرو بإضافة "أُكُلٍ" إلى "خَمْطٍ" والباقون بتنوينه غير مضاف، وقد تقدم في البقرة أن ابْنَ عَامِرٍ، وأبَا عمرو والكوفيِّينَ يضمون كاف "أكل" غير المضاف لضمير المؤنثة وأنَّ نافعاً وابنَ كثير يسكنونها بتفصيل هناك تقدم تحريره فيكون القراء هنا على ثلاث مراتب، الأولى لأبي عمرو أُكُلِ خمطٍ بضم كاف أكل مضافاً "لخمط". الثانية: لنافع وابن كثير بتسكين كافة وتنوينه. الثالثة: للباقين ضم كافة وتنوينه فمن أضاف جعل الأكل بمعنى الجَنَى والثَّمَر. والخمط قيل: شجر الأَراكَ وثمره يقال له: البَريرُ. (و) هذا قول أكثر المفسرين وقيل: كل شجرٍ ذي شوك وقال المبرد والزجاج: كل نبت أخذ طعماً من مَرَارَةٍ حتى لا يمكن أكله فهو خَمْط. وقال ابن الأعرابي: الخمط ثمرة شجرة يقال لها: فَسْوَة الضَّبْغ على صورة الخَشْخَاش لا ينتفع به. قال البغوي: من جعل الخمط اسماً للمأكول فالتنوين في "أكل" حسن ومن جعله أصلاً وجعل "الأُكُل" ثمرة فالإضافة فيه ظاهرة والتنوين سائغ تقول العرب في بُسْتَان فلان أعنابُ كَرْمٍ وأعنابٌ كَرْمٌ يترجم الأعناب بالكرم لأنها منه. قوله: {وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ} معطوفان على "أكل" لا على "خمط" لأن الخمط لا أكل له، وقال مكي: لمَّا لَمْ يَجُز أن يكون الخمط نعتاً للأكل؛ لأن الخَمْطَ اسم شجر بعينه ولا بدلاً؛ لأنه ليس الأول ولا بعضه وكان الجنى والثمر من الشجر أضيف على تقدير "مِنْ" كَقولك: "هذَا ثَوْبُ خَزٍّ". ومن نون فيحتمل أوجهاً: الأول: أنه جعل "خمطاً" وما بعده إما صفة "لأكُل" قال الزمخشري: أو وصف الأكل بالخمط كأنه قيل: ذَوَاتَىْ أُكُلٍ بشيعٍ. قال أبو حيان: والوصف بالأسماء لا يَطَّرِدُ وإن كان قد جَاءَ منه شيءٌ نحو قولهم: "مَرَرْت بقَاعٍ عَرْفَجٍ كُلّهِ". الثاني: البدل من "أكل" قال أبو البقاء: وجُعِلَ خَمْطاً أُكُلاً لمجاورته إياه، وكونِهِ سبباً له إلا أن الفارسيَّ ردَّ كونه بدلاً قال: لأنَّ الخَمْطَ ليس بالأكل نفسه، وقد تقدم جواب أبي البقاء، وقد أجاب بعضهم عنه وهو منتزع من كلام الزمخشري أي أنه على حذف مضاف تقديره ذواتي أكُلِ خمطٍ قال: والمحذوف هو الأول في الحقيقة. الثالث: أنه عطف بيان وجعله أبو عليٍّ أحسن ما في الباب، قال: كأنه بين أن الأكل هذه الشجرة، إلا أن عطف البيان لا يُجيزُه البصريون في النَّكرات إنما يَخصُّونَه بالمعارف، والأَثْلُ هو الطَّرْفَاءُ. وقيل: شجر يشبه الطرفاء وقيل: نوع من الطرفاء ولا يكون على ثمرة إلا في بعضِ الأوقات يكون عليه شيء كالعَفْص أصغر منه في طعمه وطبعه، والسِّدْرُ شجر معروف وهو شجر النَّبْقِ يُنْتَفَعُ بورقه لغسل اليد ويغرس في البَسَاتِين ولم يكن هذا من ذلك بل كان سِدْراً بَرِّياً لا ينتفع به ولا يصلح ورقه لشيءٍ، وقال بعضهم: السِّدْرُ سِدْرَانِ سِدْرٌ له ثمرة عَفْصَة لا يؤكل ولا ينتفع بورقه في الاغتسال وهو الضّال وسِدر له ثمرة يؤكل وهو النَّبْقُ (و) يغتسل بورقه. والمراد بالآية الأوّل. وقال قتادة: كان شَجَرُهُمْ خيرَ الشَّجَر فصيره الله من شر الشَّجر بأعمالهم. قوله: "قَلِيل" نعت لـ "سدر". وقيل: نعت "لأُكُل" وقال أبو البقاء: ويجوز أن يكون نعتاً "لخمط" و"أَثْل" و"سِدْرٍ" وقرىء "وَأَثْلاً وشَيْئاً" بنصبهما عطفاً على "جنَّتَيْنِ" ثم بين (الله) تعالى أن ذلك (كان) مجازاة لهم على كفرانِهم فقال: {جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجَازِيۤ} بذلك الجزاء "إلاَّ الكَفُورَ". قوله: {وَهَلْ نُجَازِيۤ} قرأ الأَخَوَانِ وحفصٌ نُجَازِي بنون العظمة وكسر الزاي لقوله: "جَزَيْنَاهُمْ" أي (نحن) ( وهل نُجَازِي هَذَا الجَزَاءَ) إلا الكفور مفعول به والباقون بضم الياء وفتح الزاي مبنياً للمفعول إلا الكفور رفع على ما لم يسم فاعله ومسلم بن جُنْدُب "يُجْزَى" للمفعول إلاَّ الكَفُور رفعاً على ما تقدم وقرىء "يَجْزِي" مبنياً للفاعل وهو اللَّهُ تَعَالى "الكَفُورَ" نصباً على المفعول به. فصل قال مجاهد: يجازي أي يعاقب ويقال في العقوبة وفي التوبة يجزى. قال الفراء: المؤمن يجزى ولا يجازى أي يُجْزَى الثوابَ بعَملِهِ ولا يكأفَأُ بسيِّئَاته. وقال بعضهم: المجازاة يقال في النعمة والجزاء في النقمة لكن قوله تعالى: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفْرُوا} يدل على أن "يَجْزي" في النَّقمة ولعل من قال ذلك أخذه من المجازاة مفاعلة وهي في أكثر الأمر يكون ما بين اثنين يؤخذ من كل واحد جزاء في حق الآخر وفي النعمة لا تكون مجازاة لأن الله مبتدِىءٌ بالنعم. قوله: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} بالماء والشجر وهي قُرَى الشام "قُرًى ظَاهِرَةً" متواصلة أي يظهر بعضها لبعضها يرى سواد القرية من القرية الأخرى لقربها منها فكان شَجَرُهُمْ من اليمن إلى الشام فكانوا يبيتون بقرية ويقيلُون بأخرى وكانوا لا يحتاجون إلى حمل زاد من سَبَأَ إلى الشام. فإن قيل: هذا من النعم والله تعالى أراد بيان تبديل نعمهم بقوله: {وبَدَّلْنَاهُمْ بجَنَّتيهِمْ جَنَّتَيْنِ} فكيف عاد مرة أخرى إلى بيان النعمة بعد النعمة؟ فالجواب: أنه ذكر حال نفس بلدهم وبين تبديل ذلك بالخمط والأثل ثم ذكر حال خارج بلدهم وذكر عمراتها بكَثْرة القُرى ثم ذكر تبديله ذلك بالمَفَاوِز والبَرَارِي والبَوَادِي بقوله: {بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا}، وقد فعل ذلك ويدل عليه قراءة من قرأ ربُّنَا بَعَّدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا على المبتدأ والخبر. قوله: {وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ} أي قدرنا سيرهم من هذه القرى وكان سيرهم في الغَدْوِ والرَّواح على قدر نصف يوم فإذا ساروا نصفَ يوم وصلوا إلى قرية ذات مياه وأشجار قال قتادة: كانت المرأة تخرج ومعها مِغْزَلُها وعلى رأسها مِكتَلُها فَتَمْتَهن بمغزلها فلا تأتي بيتها حتى يمتلىء مِكتَلُها من الثمار وكان ما بين اليمن إلى الشام كذلك. قوله: "سِيرُوا" أي وقُلْنَا لهم سيروا، وقيل: هو أمر بمعنى الخبر أي مكَّنَّاهم من السير فكانوا يسيرون فيها لَيَالي وأياماً أي بالليالي والأيَّام أي وقت شئتم "آمِنِينَ" لا تخافون عَدُوّاً ولا جُوعاً ولا عَطَشاً. وقيل: معنى قوله تعالى: {لِيَالِيَ وَأَيَّاماً} أنكم تسيرون فيه إن شئتم لَيَالِيَ وإن شئتم أياماً لعدم الخوف بخلاف المواضع المخوفة فإن بعضها يُسْلَكُ ليلاً لئلا يعلم العدو بسيرهم وبعضها يسلك نهاراً لئلا يقصدهم العدو إذا كان العدو غيرَ مجاهر بالقصد والعداوة فَبَطَرُوا وطغوا ولم يصبروا على العاقبة وقالوا: لو كَانَ جَنَى جَنَّاتِنَا أبعدَ مما هي كان أجدرَ أن نشتهيه فقالوا: ربَّنَا بَعِّدْ بين أسفارنا فاجعل بيننا وبين الشام فلواتٍ ومَفَاوِزَ لنركبَ فيها الرَّوَاحِل ونتزودَ فيها الأزواد. وقال مجاهد: بَطَرُوا النعمة وسَئِمُوا الراحة كما طلبت اليهود الثوم والبصل. ويحتمل أن يكون ذلك لفساد اعتقادهم وشدة اعتمادهم على أن ذلك لا يعدم كما يقول القائل لغيره: اضربني إشارة إلى أنه لا يَقْدِرُ عليه، ويحتمل أن يكون قولهم: "رَبَّنَا بَاعِدْ" بلسان الحال أي لما كفروا فقد طلبوا أن يُبَعَّد بين أسفارهم وتخريب المعمور من ديارهم، وقوله: "ظلموا" يكون بياناً لذلك. قوله: "رَبَّنَا" العامة بالنصب على النداء. وابن كثير وأبو عمرو وهشام "بَعِّدْ" بتشديد العين فعل طلب والباقون بَاعِدْ طلب أيضاً من المفاعلة بمعنى الثلاثي. وقرأ ابن الحَنَفِيَّة وسُفْيَان بن حُسَيْنٍ وابن السَّميفع بَعْدَ بضم العين فعلاً ماضياً والفاعل المسير أي بَعُدَ المَسِيرُ، و"بين" ظرف وسعيد بن أبي الحسن كذلك إلا أنه ضَمَّن نون بين جعله فَاعِلَ "بَعُدَ" فأخرجه عن الظرفية، كقراءة {تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94] رفعاً. فالمعنى على القراءة المتضمنة للطلب أنهم أَشِرُوا وبَطَرُوا فلذلك طلبوا بُعْدَ الأَسْفَارِ، وعلى القراءة المتضمنة للخبر الماضي يكون شكوى من بعد الأسفار التي طلبوها أولاً وقرأ جماعة كبيرةٌ منهم ابن عباس وابن الحنفية ويعقوب (وعمرو) بن فايد: "رَبُّنَا" رفعاً على الابتداء بَعَّدَ بتشديد العين فعلاً ماضياً خبره، وأبو رجاء والحَسَنُ ويعقوبُ كذلك إلا أنه "بَاعَد" بالألف والمعنى على هذه القراءة شكوى بعد أسفارهم على قربها ودُنُوِّها تَعَنُّتاً منهم وقرىء: "بُوعِدَ" مبنياً للمفعول. وإذا نصبت "بين" بعد فعل متعد من هذه المادة في إحدى هذه القراءات سواء أكان أمراً أم ماضياً فجعله أبو حيان منصوباً على المفعول به لا ظرفاً قال: "ألا ترى إلى قراءة من رفع كيف جعله اسماً"؟ قال شهاب الدين: إقراره على ظرفيته أولى ويكون المفعول محذوفاً تقديره بعد المسيرُ بين أسفارنا. ويدل على ذلك قراءة بَعُدَ بضمّ العين بَيْنَ بالنصب فكما يضمر هنا الفاعل وهو ضمير السَّيْر كذلك يبقى هنا "بين" على بابها وينوى السَّير وكان هذا أولى؛ لأن حذف المفعول كثيرٌ جداً لا نزاع فيه وإخراج الظرف غير المتصرف عن ظرفيته فيه نزاع كثير. وتقدم تحقيق هذا والاعتذار عن رفع "بَيْنكُمْ" في الأنْعَامِ وقرأ العامة أَسْفارِنَا جَمْعاً. وابن يَعْمُرَ "سَفَرنا" مفرداً. قوله: "فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ" عبرة لمن بعدهم يتحدثون بأمرهم وشأنهم {ومَزَّقْناهُمّ كُلَّ مُمَزَّقٍ} وفرقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق. وهذا بيان لجعلهم أحاديث. قال الشعبي: لما غرقت قُراهم تفرّقوا في البلاد أما غسان فلحقوا بالشام ومرَّ الأزد على عمان وخزاعة إلى تِهامة وموالي جذيمة إلى العراق والأوس والخزرج إلى يثرب وكان الذي قدم منهم المدينة عمرو بْنُ عامر وهو جدّ الأوس والخزرج. قوله: {إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ} أي فيما ذكرنا من حال الشاكرين ووبال الكافرين لِعبَرٌ ودَلاَلاَتٌ "لِكُلِّ صَبَّارٍ" عن معاصي الله "شَكُورٍ" لنعمة الله قال مقاتل: يعني المؤمن في هذه الآية صبور على البلاد شكور للنعماء قال مُطْرِفٌ: هو المؤمن إذا أُعْطِيَ شَكَر، وإذا ابتُلي صَبَرَ.

السيوطي

تفسير : أخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه عن فروة بن مسيك المرادي رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"حديث : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت‏:‏ يا رسول الله ألا أقاتل من أدبر من قومي بمن أقبل منهم‏؟‏ فأذن لي في قتالهم وأمرني، فلما خرجت من عنده، أرسل في أثري، فردني فقال "‏ادع القوم فمن أسلم منهم فاقبل منه، ومن لم يسلم فلا تعجل حتى أحدث إليك، وأنزل في سبأ ما أنزل فقال رجل‏:‏ يا رسول الله وما سبأ، أرض أم امرأة‏؟‏ قال‏: ليس بأرض، ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب، فَتَيَامَنَ منهم ستة، وتشاءَمَ منهم أربعة، فاما الذين تشاءموا فلخم، وجذام، وغسان، وعاملة‏.‏ وأما الذين تيامنوا فالازد، والاشعريون، وحمير، وكندة، ومذحج، وأنمار‏. فقال رجل‏:‏ يا رسول الله وما أنمار‏؟‏ قال‏:‏ الذين منهم خثعم، وبجيلة‏" ". تفسير : وأخرج أحمد وعبد بن حميد والطبراني وابن أبي حاتم وابن عدي والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏"‏حديث : أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبأ أرجل هو، أو امرأة، أم أرض‏؟‏ فقال‏: بل هو رجل ولد عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة، فأما اليمانيون فمذحج، وكندة، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحِمْيَر‏.‏ وأما الشاميون فلخم، وجذام، وعاملة، وغسان‏ ". تفسير : وأخرج الحاكم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ ‏ {‏لقد كان لسبإ في مساكنهم‏}‏ ‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ "‏لقد كان لسبإ"‏ بالخفض منوّنة مهموزة ‏"‏في مساكنهم" على الجماع بالألف‏. وأخرج الفريابي عن يحيى بن وثاب أنه يقرأها ‏ {‏لقد كان لسبإ في مساكنهم‏}‏ .‏ وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال‏:‏ كان لسبأ جنتان بين جبلين، فكانت المرأة تمر ومكتلها على رأسها، فتمشي بين جبلين، فتمتلىء فاكهة وما مسته بيدها، فلما طغوا بعث الله عليهم دابة يقال لها‏:‏ الجرذ، فنقب عليهم، فغرقهم، فما بقي منهم الا أثل، وشيء من سدر قليل. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله {لقد كان لسبإٍ في مساكنهم...}. قال لم يكن يرى في قريتهم بعوضة قط، ولا ذباب، ولا برغوث، ولا عقرب، ولا حية، وإن الركب ليأتون في ثيابهم القمل والدواب، فما هو إلا أن ينظروا إلى بيوتها، فتموت تلك الدواب، وإن كان الإِنسان ليدخل الجنتين، فيمسك القفة على رأسة، ويخرج حين يخرج وقد امتلأت تلك القفة من أنواع الفاكهة، ولم يتناول منها شيئاً بيده‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏بلدة طيبة ورب غفور‏} ‏ قال‏:‏ هذه البلد طيبة، وربكم غفور لذنوبكم‏.‏ وفي قوله ‏ {‏فاعرضوا‏} ‏ قال‏:‏ بطر القوم أمر الله، وكفروا نعمته‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه قال‏:‏ كان أهل سبأ أعطوا ما لم يعطه أحد من أهل زمانهم، فكانت المرأة تخرج على رأسها المكتل فتريد حاجتها، فلا تبلغ مكانها الذي تريد حتى يمتلىء مِكْتَلُهَا من أنواع الفاكهة، فأجمعوا ذلك فكذبوا رسلهم، وقد كان السيل يأتيهم من مسيرة عشرة أيام حتى يستقر في واديهم، فيجمع الماء من تلك السيول والجبال في ذلك الوادي، وكانوا قد حفروه بمسناة - وهم يسمون المسناة العرم - وكانوا يفتحون إذا شاءوا من ذلك الماء، فيسقون جنانهم إذا شاءوا، فلما غضب الله عليهم، وأذن في هلاكهم، دخل رجل إلى جنته - وهو عمرو بن عامر فيما بلغنا، وكان كاهناً - فنظر إلى جرذة تنقل أولادها من بطن الوادي إلى أعلى الجبل فقال‏:‏ ما نقلت هذه أولادها من ههنا إلا وقد حضر أهل هذه البلاد عذاب، ويقدر أنها خرقت ذلك العرم، فنقبت نقباً، فسال ذلك النقب ماء إلى جنته، فأمر عمرو بن عامر بذلك النقب فسد، فأصبح وقد انفجر بأعظم ما كان، فأمر به أيضاً فسد، ثم انفجر بأعظم ما كان، فلما رأى ذلك دعا ابن أخيه فقال‏:‏ إذا أنا جلست العشية في نادي قومي فائتني فقل‏:‏ علام تحبس علي مالي‏؟‏ فإني سأقول ليس لك عندي مال، ولا ترك أبوك شيئاً، وإنك لكاذب‏.‏ فإذا أنا كذبتك فكذبني وأردد عليّ مثل ما قلت لك، فإذا فعلت ذلك فإني سأشتمك، فاشتمني‏.‏ فإذا أنت شتمتني لطمتك، فإذا أنا لطمتك فقم فالطمني‏.‏ قال‏:‏ ما كنت لاستقبلك بذلك يا عم‏!‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ فافعل فإني أريد بها صلاحك، وصلاح أهل بيتك فقال الفتى: نعم. حيث عرف هوىعمه, فجاء فقال ما أمر به حتى لطمه, فتناوله الفتى فلطمه فقال الشيخ‏:‏ يا معشر بني فلان الطم فيكم‏؟‏ لا سكنت في بلد لطمني فيه فلان أبداً، من يبتاع مني‏.‏ فلما عرف القوم منه الجد أعطوه، فنظر إلى أفضلهم عطية، فأوجب له البيع، فدعا بالمال، فنقده وتحمل هو وبنوه من ليلته، فتفرقوا‏.‏ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ كان في سبأ كهنة، وكانت الشياطين يسترقون السمع، فأخبروا الكهنة بشيء من أخبار السماء، وكان فيهم رجل كاهن شريف كثير المال، أنه أخبر أن زوال أمرهم قد دنا، وأن العذاب قد أظلهم، فلم يدر كيف يصنع لأنه كان له مال كثير من عقر، فقال لرجل من بنيه وهو أعزهم أخوالا‏ً:‏ إذا كان غداً وأمرتك بأمر فلا تفعله، فإذا نهرتك فانتهرني، فإذا تناولتك فالطمني، قال‏:‏ يا أبت لا تفعل إن هذا أمر عظيم وأمر شديد قال‏:‏ يا بني قد حدث أمر لا بد منه، فلم يزل حتى هيأه على ذلك، فلما أصبحوا، واجتمع الناس قال‏:‏ يا بني افعل كذا وكذا‏.‏‏.‏. فأبى، فانتهره أبوه، فأجابه، فلم يزل ذلك بينهما حتى تناوله أبوه، فوثب على أبيه فلطمه، فقال‏:‏ ابني يلطمني عليَّ بالشفرة قالوا‏:‏ وما تصنع بالشفرة‏؟‏ قال‏:‏ اذبحه قالوا‏:‏ تذبح ابنك‏ الطمه واصنع ما بدا لك، فأبى إلا أن يذبحه، فأرسلوا إلى أخواله فاعلموهم بذلك، فجاء أخواله فقالوا‏:‏ خذ منا ما بدا لك، فأبى إلا أن يذبحه قالوا‏:‏ فلتموتن قبل أن تدعوه قال‏: فإذا كان الحديث هكذا فإني لا أريد أن أقيم ببلد يحال بيني وبين إبني فيه،‏ اشتروا مني دوري، اشتروا مني أرضي، فلم يزل حتى باع دوره، وأرضه، وعقاره‏.‏ فلما صار الثمن في يده وأحرزه قال‏:‏ أي قوم أن العذاب قد أظلكم، وزوال أمركم قد دنا، فمن أراد منكم داراً جديداً، وجملاً شديداً، وسفراً فليلحق بعمان ومن أراد منكم الخمر، والخمير، والعصير، فليلحق ببصرى‏.‏ ومن أراد منكم الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، المقيمات في الضحل، فليلحق بيثرب ذات نخل، فأطاعه قوم، فخرج أهل عمان إلى عمان، وخرجت غسان إلى بصرى، وخرجت الأوس، والخزرج، وبنو كعب بن عمرو، إلى يثرب، فلما كانوا ببطن نخل قال بنو كعب‏:‏ هذا مكان صالح لا نبتغي به بدلاً فأقاموا، فذلك سموا خزاعة لأنهم انخزعوا عن أصحابهم، وأقبلت الأوس والخزرج حتى نزلوا بيثرب‏. وأخرج ابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏لقد كان لسبإ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ . قال‏:‏ كان لهم مجلس مشيد بالمرمر، فأتاهم ناس من النصارى فقالوا‏:‏ أشكروا الله الذي أعطاكم هذا قالوا‏:‏ ومن أعطاناه‏؟‏ إنما كان لآبائنا فورثناه، فسمع ذلك ذو يزن فعرف أنه سيكون لكلمتهم تلك خبر فقال لابنه‏:‏ كلامك علي حرام إن لم تأت غداً وأنا في مجلس قومي فتصك وجهي، ففعل ذلك فقال‏:‏ لا أقيم بأرض فعل هذا ابني بي فيها، إلا من يبتاع مني مالي، فابتدره الناس، فابتاعوه فبعث الله جرذاً أعمى يقال له الخلد من جرذان عمى، فلم يزل يحفر السد حتى خرقه فانهدم وذهب الماء بالجنتين‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال‏:‏ لقد بعث الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبياً فكذبوهم، وكان لهم سد كانوا قد بنوه بنياناً أبداً وهو الذي كان يرد عنهم السيل إذا جاء أن يغشى أموالهم، وكان فيما يزعمون في علمهم من كهانتهم أنه إنما يخرب سدهم ذلك فارة، فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة، فلما جاء زمانه وما أراد الله بهم من التفريق، أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء إلى هرة من تلك الهرر، فساورتها‏ حتى استأخرت عنها الهرة، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها، فتغلغلت بالسد، فحفرت فيه حتى رققته للسيل وهم لا يدرون، فلما أن جاء السيل وجد عللاً، فدخل فيه حتى قلع السد وفاض على الأموال فاحتملها، فلم يبق منها إلا ما ذكر عن الله تبارك وتعالى‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه في الآية قال‏:‏ كانت أودية اليمن تسيل إلى وادي سبأ، وهو واد بين جبلين، فعمد أهل سبأ فسدوا ما بين الجبلين بالقير والحجارة، وتركوا ما شاءوا لجناتهم، فعاشوا بذلك زماناً من الدهر، ثم إنهم عتوا وعملوا بالمعاصي، فبعث الله على ذلك السد جرذاً فنقبه عليهم، فعرض الله مساكنهم وجناتهم، وبدلهم بمكان جنتيهم جنتين خمط والخمط الأراك ‏{‏وأثل‏}‏ الاثل القصير من الشجر الذي يصنعون منه الأقداح‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏سيل العرم‏} ‏ قال‏:‏ الشديد‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عمرو بن شرحبيل رضي الله عنه ‏ {‏سيل العرم‏} ‏ قال‏:‏ المنساة بلحن اليمن‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏سيل العرم‏}‏ قال‏:‏ ‏ {‏العرم‏} ‏ بالحبشة وهي المنساة التي يجتمع فيها الماء ثم ينشف‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء رضي الله عنه قال ‏{‏العرم‏}‏ اسم الوادي‏. وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ‏{‏سيل العرم‏} ‏ قال‏:‏ وادٍ كان باليمن كان يسيل إلى مكة‏.‏ وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه قال‏:‏ وادي سبأ يدعى ‏{‏العرم‏}‏ ‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏سيل العرم‏}‏ السد ماء أحمر أرسله الله في السد، فشقه وهدمه، وحفر الوادي عن الجنتين، فارتفعا وغار عنهما الماء، فيبستا ولم يكن الماء الأحمر من السد، كان شيئاً أرسله الله عليهم‏.‏ وفي قوله ‏ {‏أكل خمط‏} ‏ قال‏:‏ الخمط الأراك‏. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس أرسله الله عليهم‏.‏ وفي قوله ‏ {‏أكل خمط‏} ‏ قال‏:‏ ‏(‏الخمط)‏ الأراك‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏أكل خمط‏} ‏ قال‏:‏ الأراك ‏{‏وأثل‏} ‏ قال‏:‏ الطرفاء‏.‏ وأخرج الطستي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن نافع بن الأزرق قال له‏:‏ أخبرني عن قوله ‏ {‏أكل خمط‏}‏ قال‏:‏ الأراك قال‏:‏ وهل تعرف العرب ذلك‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ أما سمعت الشاعر يقول‏: شعر : ما معول فود تراعى بعينها أغن غضيض الطرف من خلل الخمط تفسير : وأخرج ابن أبي حاتم عن عمرو بن شرحبيل رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وأثل‏} ‏ قال ‏(‏الاثل‏)‏ شجر لا يأكلها شيء وإنما هي حطب‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في الآية قال ‏ {‏الخمط‏} ‏ الاراك و ‏ (الاثل‏) ‏ النضار و ‏{‏السدر‏} ‏ النبق‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏لقد كان لسبإ في مساكنهم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏.‏ قال‏:‏ قوم أعطاهم الله نعمة، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته، قال الله ‏{‏فأعرضوا‏} ‏ قال‏:‏ ترك القوم أمر الله ‏{‏فأرسلنا عليهم سيل العرم‏} ‏ ذكر لنا ‏ {‏العرم‏} ‏ وادي سبأ كانت تجتمع إليه مسايل من أودية شتى، فعمدوا فسدوا ما بين الجبلين بالقير والحجارة، وجعلوا عليه أبواباً وكانوا يأخذون من مائه ما احتاجوا إليه، ويسدون عنهم ما لم يعبأوا به من مائه، فلما تركوا أمر الله بعث الله عليهم جرذاً، فنقبه من أسفله، فاتسع حتى غَرَّقَ الله به حروثَهم، وخَرَّبَ به أراضيهم عقوبة بأعمالهم قال الله ‏{‏فبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط‏}‏ والخمط الأراك و‏ {‏أكل‏} ‏ بربرة و ‏ {‏أثل وشيء من سدر قليل‏}‏ بينما شجر القوم من خير الشجر إذ صيره الله من شر الشجر عقوبة بأعمالهم قال الله ‏{‏ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور‏}‏ إن الله إذا أراد بعبد كرامة أو خيراً تقبل حسناته، وإذا أراد بعبد هواناً أمسك عليه بذنبه‏. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه قال‏:‏ الخمط هو الأراك‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الحسن وأبي مالك‏،‏ مثله‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وهل نجازي إلا الكفور‏} ‏ قال‏:‏ تلك المناقشة‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن طاوس ‏{‏وهل نجازي إلا الكفور‏}‏ قال‏:‏ هو المناقشة في الحساب، ومن نوقش الحساب عذب، وهو الكافر لا يغفر له‏. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي حيوة وكان من أصحاب علي قال‏:‏ جزاء المعصية الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والمنغص في اللذة قيل‏:‏ وما المنغص‏؟‏ قال‏:‏ لا يصادف لذة حلال إلا جاءه من ينغصه إياها‏.‏ وأخرج ابن جرير عن مجاهد ‏{‏القرى التي باركنا فيها‏} ‏ قال‏:‏ الشام‏‏‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ‏ {‏وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها‏}‏ قال‏:‏ هي قرى الشام‏. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير،‏ مثله‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله ‏ {‏وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة‏} ‏ قال‏:‏ كان فيما بين اليمن إلى الشام قرى متواصلة و ‏{‏القرى التي باركنا فيها‏} ‏ الشام‏.‏ كان الرجل يغدو فيقبل في القرية، ثم يروح فيبيت في القرية الأخرى، وكانت المرأة تخرج وزنبيلها على رأسها، فما تبلغ حتى يمتلىء من كل الثمار‏. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن أبي ملكية في قوله ‏{‏وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة‏} ‏ قال‏:‏ كانت قراهم متصلة ينظر بعضهم إلى بعض، وثمرهم متدل فبطروا‏. وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله ‏{‏وقدرنا فيها السير‏} ‏ قال‏:‏ دانينا فيها السير‏.‏ وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر عن ابن عباس في قوله ‏ {‏وجعلنا بينهم‏} ‏ يعني بين مساكنهم ‏ {‏وبين القرى التي باركنا فيها‏} ‏ يعني الأرض المقدسة ‏(قرى) ‏ فيما بين منازلهم والأرض المقدسة {ظاهرة} يعني عامرة مخصبة {وقدرنا فيها السير} يعني فيما بين مساكنهم وبين أرض الشام ‏ {‏سيروا فيها‏} ‏ يعني إذا ظعنوا من منازلهم إلى أرض الشام من الأرض المقدسة‏. وأخرج ابن عساكر عن زيد بن أسلم في قوله ‏ {‏ظاهرة‏} قال‏:‏ قرى بالشام‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين‏}‏ قال‏:‏ لا يخافون جوعاً ولا ظمأ، إنما يغدون فيقيلون في قرية، ويروحون فيبيتون في قرية، أهل جنة ونهر حتى ذكر لنا‏:‏ أن المرأة كانت تضع مكتلها على رأسها، فيمتلىء قبل أن ترجع إلى أهلها، وكان الرجل يسافر لا يحمل معه زاداً، فبطروا النعمة ‏ {‏فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا‏} ‏ فمزقوا ‏{‏كل ممزق‏} ‏ وجعلوا أحاديث‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن الضحاك في قوله ‏{‏فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا‏}‏ قال‏:‏ قالوا يا ليت هذه القرى يبعد بعضها عن بعض، فنسير على نجائبنا‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر رضي الله عنه أنه قرأ ‏"‏قالوا ربنا بعِّد بين أسفارنا‏" مثقلة قال‏:‏ لم يدعوا على أنفسهم، ولكن شكوا ما أصابهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي رضي الله عنه أنه قرأ ‏"‏قالوا ربنا بَعِّدْ بين أسفارنا‏} مثقلة على معنى فعِّل‏. وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن أبي الحسن رضي الله عنه أنه قرأ ‏"‏بَعُدَ بين أسفارنا‏"‏ بنصب الباء، ورفع العين‏. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم رضي الله عنه أنه قرأ ‏(ربنا‏)‏ بالنصب ‏"باعد‏"‏ بنصب الباء وكسر العين على الدعاء‏. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الشعبي رضي الله عنه في قوله ‏{‏ومزقناهم كل ممزق‏} ‏ قال‏:‏ أما غسان فلحقوا بالشام، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعمان‏.‏ فمزقهم الله كل ممزق‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{إن في ذلك لآيات لكل صبارٍ شكور‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قال‏:‏ مطرف في قوله ‏ {‏إن في ذلك لآيات‏} ‏ نعم العبد الصبار الشكور الذي إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر‏. وأخرج عن الشعبي رضي الله عنه في قوله {لكل صبار شكور} قال {صبار} في الكريهة {شكور} عند الحسنة. وأخرج ابن أبي الدنيا وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن عامر رضي الله عنه قال‏:‏ الشكر نصف الإِيمان، والصبر نصف الايمان، واليقين الايمان كله‏. وأخرج البيهقي عن أبي الدرداء قال‏:‏ سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"حديث : إن الله قال‏:‏ يا عيسى ابن مريم إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم‏.‏ قال‏:‏ يا رب كيف يكون هذا لهم، ولا حلم ولا علم‏؟‏ قال‏:‏ أعطيهم من حلمي وعلمي‏ ". تفسير : وأخرج أحمد ومسلم والبيهقي في شعب الإِيمان والدارمي وابن حبان عن صهيب قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : عجباً لأمر المؤمن أمر المؤمن كله خير، إن أصابته سراء شكر كان خيراً، وإن أصابته ضراء صبر كان خيرا‏ً ". تفسير : وأخرج أحمد والبيهقي عن سعد بن أبي وقاص قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏حديث : عجبت للمؤمن أن أعطي قال الحمد لله فشكر، وإن ابتلي قال الحمد لله فصبر، فالمؤمن يؤجر على كل حال، حتى اللقمة يرفعها إلى فيه ". تفسير : وأخرج البيهقي في الشعب وأبو نعيم عن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏"‏حديث : من نظر في الدين إلى من هو فوقه، وفي الدنيا إلى من هو تحته، كتبه الله صابراً وشاكراً، ومن نظر في الدين إلى من هو تحته، ونظر في الدنيا إلى من هو فوقه، لم يكتبه الله صابراً ولا شاكرا‏ً"‏تفسير : والله سبحانه وتعالى أعلم‏.

ابو السعود

تفسير : {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ} بـيان لإخبار بعض الكافرين بنعم الله تعالى إثرَ بـيانِ أحوال الشَّاكرينَ لها أي لأولاد سبأِ بن يشجبَ بنِ يعربَ بنِ قحطان وقُرىء بمنع الصَّرفِ على أنه اسمُ القبـيلةِ. وقُرىء بقلب الهمزةِ ألفاً ولعله إخراجٌ لها بـينَ بـينَ {فِى مَسْكَنِهِمْ} وقُرىء بكسرِ الكافِ كالمسجِدِ، وقُرىء بلفظ الجمعِ أي مواضع سُكناهم وهي باليمنِ يقال لها مَأْرِبُ بـينها وبـين صنعاءَ مسيرةُ ثلاثِ ليالٍ {ءايَةً} دالَّة بملاحظه أحوالِها السَّابقةِ واللاَّحقةِ على وجود الصَّانعِ المُختار القادر على كلِّ ما يشاءُ من الأمور البديعة المُجازي للمحسنِ والمسيءِ معاضدةً للبرهان السَّابقِ كما في قصتي داودَ وسليمانَ عليهما السَّلامُ. {جَنَّتَانِ} بدل من آيةً أو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي هي جنتان وفيه معنى المدح ويُؤيِّدُه قراءةُ النَّصبِ على المدح والمرادُ بهما جماعتانِ من البساتين. {عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ} جماعةٌ عن يمينِ بلدِهم وجماعةٌ عن شمالِه كلُّ واحدةٍ من تَيْنكَ الجماعتينِ في تقاربِهما وتضامِّهما كأنَّهما جنَّةٌ واحدةٌ أو بستاناً كلُّ رجلٍ منهم عن يمين مسكنِه وعن شمالِه {كُلُواْ مِن رّزْقِ رَبّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ} حكاية لما قيل لهم على لسان نبـيِّهم تكميلاً للنِّعمةِ وتذكيراً لحقوقِها أو لما نطق به لسانُ الحالِ أو بـيان لكونهم أحقَّاءَ بأنْ يقالَ لهم ذلك {بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} استئنافٌ مبـيِّن لما يوجب الشُّكرَ المأمور به أي بلدتُكم بلدةٌ طيبةٌ وربُّكم الذي زرقكم ما فيها من الطَّيباتِ وطلب منكم الشُّكرَ ربٌّ غفورٌ لفرطات مَن يشكره. وقُرىء الكلُّ بالنَّصبِ على المدح قيل: كان أطيبَ البلاد هواء وأخصبها وكانتِ المرأةُ تخرج وعلى رأسها المِكْتلُ فتعمل بـيديها وتسير فيما بـين الأشجار فيمتلىءُ المِكْتَلُ مما يتساقطُ فيه من الثِّمارِ ولم يكن فيه من مؤذياتِ الهُوامِّ شيء {فَأَعْرِضُواْ} عن الشُّكر بعد إبانة الآيات الدَّاعيةِ لهم إليه قيل: أرسل الله إليهم ثلاثةَ عشرَ نبَّـياً فدَعوهم إلى الله تعالى وذكَّروهم بنعمه وأنذروهم عقابه فكذَّبوهم. {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ} أي سيلَ الأمر العرم أي الصَّعبِ من عَرِمَ الرَّجلُ فهو عارمٌ وعَرِمٌ إذا شرس خلقُه وصعب أو المطر الشَّديدُ وقيل: العرم جمعُ عُرمةٍ وهي الحجارة المركومة وقيل: هو السكر الذي يحبس الماء وقيل: هو اسمٌ للبناءِ يُجعلُ سدَّاً وقيل هو البناء الرَّصينُ الذي بنته الملكةُ بلقيسُ بـين الجبلينِ بالصَّخرِ والقارِ وحقنت به ماء العُيون والأمطاء وتركت فيه خُرُوقاً على ما يحتاجون إليه في سقيهم. وقيل العرمُ الجُرَذُ الذي نَقَبَ عليهم ذلك السدَّ وهو الفأرُ الأعمى الذي يقال له الخُلْدُ سلَّطه الله تعالى على سدِّهم فنقَبه فغرَّق بلادَهم، وقيل: العَرِمُ اسم الوادي. وقُرىء العَرْم بسكون الرَّاءِ قالوا كان ذلك في الفترة التي كانت بـين عيسى والنَّبـيِّ عليهما الصَّلاةُ والسَّلامُ {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ} أي أذهبنا جنَّتيهم وآتيناهم بدلهما {جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ خَمْطٍ} أي ثمرٍ بشعٍ فإنَّ الخَمْطَ كل نبت أخذ طعماً من مرارة حتَّى لا يمكن أكلُه وقيل: هو الحامضُ والمرُّ من كلِّ شيء. وقيل: هو ثمرةُ شجرةٍ يقال لها فَسْوةُ الضبع على صورة الخَشْخَاشِ لا يُنتفع بها. وقيل هو الأَرَاكُ أو كلُّ شجرٍ ذي شوكٍ. والتَّقديرُ أُكُلٍ أُكُلِ خمطٍ فخُذف المضافُ وأقيم المضافُ إليه مقامَه. وقُرىء أُكْلِ خمطٍ بالإضافة بتخفيفِ أكل. {وَأَثْلٍ وَشَىْء مّن سِدْرٍ قَلِيلٍ} معطوفان على أُكلٍ لا على خَمْطٍ فإن الأَثْلَ هو الطَّرفاءُ وقيل شجرٌ يُشبهه أعظم منه لا ثمرَ له وقُرىء وأَثْلاً وشيئاً عطفاً على جنَّتين. قيل: وصف السِّدْرُ بالقلَّةِ لما أنَّ جناهُ وهو النَّبقُ مَّما يطيبُ أكلُه ولذلك يغرس في البساتينِ والصَّحيح أنَّ السِّدْرِ صنفانِ صنفٌ يُؤكلُ من ثمره ويُنتفع بورقه لغسلِ اليد وصنف له ثمرة عَفْصةٌ لا تُؤكل أصلاً ولا يُنتفع بورقهِ وهو الضَّالُ والمرادُ ههنا هو الثَّاني حتماً. وقال قَتادةُ: كان شجرُهم خيرَ الشَّجرِ فصيَّرُه الله تعالى من شرِّ الشَّجرِ بأعمالِهم. وتسميةُ البدلِ جنَّتين للمشاكلةِ والتَّهكُّمِ.

القشيري

تفسير : كانوا في رَغَدٍ من العَيْش وسلامة الحال ورفاهته، فأُمِروا بالصبر على العافية والشكر على النعمة، وهذا أمرٌ سهلٌ يسيرٌ، ولكنهم أعرضوا عن الوفاق، وكفروا بالنعمة، وضَيَّعوا الشكر، فَبَدَّلوا وبُدِّلَ بهم الحال، كما قالوا: شعر : تبدلت وتبدلنا يا حسرةً لِمَن ابتغى عِوَضاً لِسَلْمَى فلم يَجِدِ

اسماعيل حقي

تفسير : {لقد} اى بالله لقد {كان لسبأ} كجبل وقد يمنع من الصرف باعتبار القبيلة اى كان لقبيلة سبأ وهم اولاد سبأ بن يشجب بالجيم على ما فى القاموس بان يعرب بن قحطان بن عامر بن شالخ بن ارفخشد بن سام بن نوح عليه السلام. وسبأ لقب عبد شمس بن يشجب وانما لقب به لانه اول من سبى كما قاله السهيلى وهو يجمع قبائل اليمن. ويعرب بن قحطان اول من تكلم بالعربية فهو ابو عرب اليمن يقال لهم العرب العاربة. ويقال لمن تكلم بلغة اسماعيل العرب المستعربة وهى لغة اهل الحجاز فعربية قحطان كانت قبل اسماعيل عليه السلام وهو لا ينافى كون اسماعيل اول من تكلم بالعربية لانه اول من تكلم بالعربية البينة المحضة وهى عربية قريش التى نزل بها القرآن وكذا لا ينافى ما قيل ان اول من تكلم بالعربية آدم فى الجنة فلما اهبط الى الارض تكلم بالسريانية وجاء (من احسن ان يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالفارسية فانه يورث النفاق) واشتهر على ألسنة الناس انه صلى الله عليه وسلم "حديث : قال انا افصح من نطق بالضاد" تفسير : قال جمع لا اصل له ومعناه صحيح لان المعنى انا افصح العرب لكونهم هم الذين ينطقون بالضاد ولا توجد فى غير لغتهم كما فى انسان العيون لعلى بن برهان الدين الحلبى {فى مسكنهم} بالفارسية [نشستكاه] والمعنى فى بلدهم الذى كانوا فيه باليمن وهو مأرب كمنزل على ما فى القاموس بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال وهى المرادة بسبا بلدة بلقيس فى سورة النمل. قال السهيلى مأرب اسم ملك كان يملكهم كما ان كسرى اسم لكل من ملك الفرس. وخاقان اسم لكل من ملك الصين. وقيصر اسم لكل من ملك الروم. وفرعون لكل من ملك مصر. وتبع لكل من ملك الشحر واليمن وحضرموت. والنجاشى لكل من ملك الحبشة. وقيل مأرب اسم قصر كان لهم ذكره المسعودى. قال فى انسان العيون ويعرب بن قحطان قيل له ايمن لان هودا عليه السلام قال له انت ايمن ولدى وسمى اليمن يمنا بنزوله فيه {آية} علامة ظاهرة دالة بملاحظة الاحوال السابقة واللاحقة لتلك القبيلة من الاعطاء والترفية بمقتضى اللطف ثم من المنع والتخريب بموجب القهر على وجود الصانع المختار وقدرته على كل ما يشاء من الامور البديعة ومجازاته للمحسن والمسيئ وما يعقلها الا العالمون وما يعتبرها الا العاقلون {جنتان} بدل من آية والمراد بهما جماعتان من البساتين لا بستانان اثنان فقط {عن يمين} جماعة عن يمين بلدتهم واليمين فى الاصل الجارحة وهى اشرف الجوارح لقوتها وبها تعرف من الشمال وتمتاز عنها {وشمال} وجماعة عن شمالها كل واحدة من تينك الجماعتين فى تقاربها وتضامها كأنها جنة واحدة او بستانان لكل رجل منهم عن يمين مسكنه وعن شماله {كلوا} حكاية لما قال لهم نبيهم تكميلا للنعمة وتذكيرا لحقوقها او لسان الحال او بيان لكونهم احقاء بان يقال لهم ذلك {من رزق ربكم} من انواع الثمار {واشكروا له} على ما رزقكم باللسان والجنان والاركان {بلدة طيبة ورب غفور} استئناف مبين لما يوجب الشكر المأمور به اى بلدتكم بلدة طيبة وربكم الذى رزقكم ما فيها من الطيبات وطلب منكم الشكر رب غفور لفرطات من يشكره فمعنى طيبة انها لم تكن سبخة بل لينة حيث اخرجت الثمار الطيبة او انها طيبة الهواء والماء كما قال الكاشفى [اين شهرى كه خداى تعالى دروى روزى ميدهد شهرى يا كيزه است هواى تن درست وآب شيرين وخاك باك] شعر : شهرى جو بهشت از نكويى جون باغ ارم بتازه رويى تفسير : وفى فتح الرحمن وطيبتها انها لم يكن بها بعوض ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية ولا غيرها من المؤذيات وكان يمر بها الغريب وفى ثيابه القمل فتموت كلها لطيب هوائها ومن ثمة لم يكن بها آفات وامراض ايضا. وعن ابن عباس رضى الله عنهما كانت اطيب البلاد هواء واخصبها. وكانت المرأة تخرج من منزلها الى منزل جارتها وعلى رأسها المكتل فتعمل بيديها وتسير فيما بين الاشجار فيمتلئ المكتل مما يتساقط فيه من انواع الثمار من غير ان تمديدها والى هذا المعنى اشير بعبارة الجنة اذحال الجنة يكون هكذا. ولله تعالى جنان فى الارض كجنانه فى السماء وافضلها الجنة المعنوية التى هى القلب وما يحتويه من انواع المعارف والفيوض والكشوف فالطيب من الاشياء ما يستلذه الحواس ومن الانسان من تطهر عن نجاسة الجهل والفسق وقبائح الاعمال وتطيب بالعلم والايمان ومحاسن الافعال. قال بعض الكبار بلدة طيبة بلدة الانسانية قابلة لبذر التوحيد وكلمة لا اله الا الله ورب غفور يستر عيوب اوليائه بنور مغفرته ويغفر ذنوبهم لعزة معرفته انتهى. وبسببهم يغفر ذنوب كثير من عباده ويقبل حسناتهم [نقلست عبد الله بن مبارك رضى الله عنه درحرم محترم يكسال ازحج فارغ شده بود بخواب ديدكه دوفرشته در آمدندى ويكى ازديكرى برسيدى كه خلق امسال جند جمع آمدند ديكرى كفت سيصد هزار من كفتم حج جند كس مقبول افتاد كفتند حج هيج كس عبد الله كفت جون اين شنودم اضطرابى در من بديد آمد كفتم آخر اين همه خلق ازاطراف جهان با اين همه رنج وتعب مى آمدند واين همه ضايعست كفتند كفشكريست در دمشق على بن موفق كويند او اينجا نيامده است وليكن حج اورا قبول كردند واين جمله را دركار او كردند] وكان حجه انه قال جمعت ثلاثمائة وخمسين درهما للحج فمرت بى حامل فقالت ان هذه الدار يجيئ منها رائحة طعام فاذهب وخذ شيئا منه لى لئلا يسقط حملى قال فذهبت فاخبرت القصة لصاحب الدار فبكى وقال ان لى اولادا لم يذوقوا طعاما منذ اسبوع فقمت اليوم وجئت بلحم من ميتة حمار فهم يطبخونه فهو لنا حلال فانا مضطرون ولك حرام فكيف اعطيك منه قال على فلما سمعت ذلك منه احترق فؤادى ودفعت المبلغ المذكور اليه وقلت حجى هذا فقبل الله تعالى ذلك منه بقبول حسن ووهب له جميع الحجاج شعر : باحسانى آسوده كردن دلى به ازالف ركعت بهر منزلى تفسير : يعنى فى طريق مكة المشرفة

ابن عجيبة

تفسير : قلت: {لسبأ} فيه الصرف، بتأويل الحي، وعدمه، بتأويل القبيلة. و {مسكنهم}، مَن قرأ بالإفراد وفتح الكاف على القياس في الاسم والمصدر، كمدخَل، ومَن كسره فلغة، والسماع في المصدر كمسجِد. و {جنتان} بدل من {آية} أو: خبر عن مضمر، أي: هي جنتان. و {أُكل خَمْطٍ}، فمَن أضافه فإضافة الشيء إلى جنسه، كثوب خز، ومَن نوّنه قطعه عن الإضافة، وجعله عطف بيان. أو صفة، بتأويل خمطٍ ببشيع. يقول الحق جلّ جلاله: {لقد كان لسبأٍ} سُئل صلى الله عليه وسلم أرجلاً كان أو امرأة، أو أرضاً أو جبلاً أو وادياً، فقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : هو رجل من العرب، ولد عشرة من الولد، فتيامن ستةٌ، وتشاءم أربعةٌ: فالذين تيامنوا كثرة، فكندة، والأشعريون، والأزد، ومذحج، وأنمارُ، وحميرُ، فقال رجل: مَن أنمار يا رسول الله؟ قال منهم خَثْعَمُ وبَجِيلَةُ. والذين تشاءموا: عاملة، وجذام، ولخم، وغسان " تفسير : قلت: وسبأ هو ابن يشخب بن يعرب بن قحطان. واختلف في قحطان، فقيل: هو ابن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح. وقيل: هو أخو هود عليه السلام. وقيل: هو هود، بنفسه، وإن هوداً هو ابن عبدالله بن رباح، لا ابن عابر، على الأصح. فهو على هذا القول ابن أرم بن سام. وقيل: قحطان من ولد إسماعيل، فهو ابن أيمن بن قيذر بن إسماعيل. وقيل: هو ابنُ الهميسع بن أيمن. وبأيمن سميت اليمن، وقيل: لأنها عن يمين الكعبة. هذا والعربُ كلها يجمعها أصلان: عدنان وقحطان، فلا عربي في الأرض إلا وهو ينتهي إلى أحدهما، فيقال: عدناني أو قحطاني. ومَن جعل العرب كلها من ولد إسماعيل مرّ على أن قحطان من ذرية إسماعيل، كما تقدّم، واختلف في خزاعة، فقيل: قحطانية، وقيل: عدنانية، وأن جدهم عمرو بن لحي، وأما الأوس والخزرج فهما من ذرية سبأ، نزلت يثرب، بعد سيل العرم، كما يأتي. قال تعالى: {لقد كان لسبأٍ في مسكنهم} أي: في بلدهم، أو أرضهم، التي كانوا مقيمين فيها باليمن، {آيةٌ} دالة على وحدانيته تعالى، وباهر قدرته، وإحسانه، ووجوب شكر نعمه، وهي: {جنتانِ} أي: جماعة من البساتين، {عن يمينٍ} واديهم، {وَشِمَالٍ} وعن شماله. وكل واحدة من الجماعتين في تقاربها وتصافها كأنها جنة واحدة، كما يكون في بساتين البلاد العامرة. قيل: كان الناس يتعاطون ذلك على جَنْبتي الوادي، مسيرة أربعين يوماً، وكلها تُسقى من ذلك الوادي؛ لارتفاع سده. أو: أراد بُسْتانين، لكل رجل بستان عن يمين داره، وبستان عن شماله. ومعنى كونهما آية: أن أهلها لَمّا أعرضوا عن شكر النعم سلبهم الله النعمة، ليعتبروا ويتَعظوا، فلا يعودوا لِمَا كانوا عليه من الكفر وغمط النعم، فلما أثمرت البساتين؛ قلنا لهم ـ على لسان الرسل المبعوثين إليهم، أو بلسان الحال، أو هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك: {كُلُوا من رزق ربكم واشكرُوا له} بالإيمان والعمل الصالح، {بلدةٌ طيبةٌ} أي: هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة، {وربُّ غفور} أي: وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم ربٌّ غفور لمَن شكره. قال ابن عباس: كانت سبأ على ثلاثة فراسخ من صنعاء، وكانت أخصب البلاد، فتخرج المرأة على رأسها المكتل، وتسير بين تلك الشجر، فيمتلىء المِكْتَل مما يتساقط فيه من الشجر ولقد كان الرجل يخرج لزيارة أقاربه، وعلى رأسه مكتل، أو قُفة، أو طبق فارغ، فلا يصل إلى حيث يريد إلا والطبق قد امتلأ فاكهة، مما تسقطه الرياح، دون أن يمد يده إلى شيء من ثمرها. ومن طيبها: أنها لم تُرَ في بلدهم بعوضة قط، ولا ذباب، ولا برغوث، ولا عقرب، ولا حية. وإذا جاءهم الركب في ثيابهم القمل والدواب؛ ماتت الدواب والقمل؛ لطيب هواها. {فأَعْرَضوا} عن الشكر، بتكذيب أنبيائهم، وكفر نعمة الله عليهم. وقالوا: ما نعرف لله علينا من نعمة، عائذاً بالله. قال وهب: بعث الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبيًّا، يدعونهم إلى الله تعالى، فكذّبوهم، {فأرسلنا عليهم سيلَ العَرِم} أي: سيل الأمر العرم، أي: الصعب. من: عرَم الرجل فهو عارم، وعَرِمَ: إذا شَرِسَ خُلقه وصعب، أي: أرسلنا عليهم سيلاً شديداً، مزَّق سدهم، وغرق بساتينهم. قيل: جمع عَرمة، وهي السد الذي يمسك الماء إلى وقت حاجته. قال ابن عباس رضي الله عنه: كان هذا السد يسقي جنتها، وبنته بلقيس؛ لأنه لَمّا ملَكت جعل قومها يقتتلون على ماء مواشيهم، فنهتهم، فأبَوا، فنزلت عن ملكها، فلما كثر الشرُّ بينهم أرادوها أن ترجع إلى مُلكها، فأبت، فقالوا: لترجعي أو لنَقتلنك، فجاءت، وأمرت بواديهم فسُد أعلاه بالعرم، وهو المُسنّاة ـ بلغة حِمْير ـ فسدت ما بين الجبلين بالصخر والنار، وجعلت له أبواباً ثلاثة، بعضها فوق بعض، وبنت من دونه بركة عظيمة، وجعلت فيها اثني عشر مخرجاً، على عدة أنهارهم. فلما جاء المطر اجتمع ماء الصخر وأودية اليمن، فاحتبس السيل من وراء السدّ، ففتحت الباب الأعلى، وجرى ماؤه في البركة، وألقت البقر فيها، فخرج بعض البقر أسرع من بعض، فلم تزل تضيق تلك الأنهار، وترسل البقر في الماء، حتى خرجت جميعاً معاً، فكانت تقسمه بينهم على ذلك، حتى كان من شأنها وشأن سليمان ما كان. فكانوا يسْقُون من الباب الأعلى، ثم من الثاني، ثم من الأسفل، فلا ينفد حتى يثوب الماء من السنة المقبلة. فلما كفروا وطغوا، سلّط الله عليهم جُرذاً، يُسمى الخلد ـ وهو الفأر ـ فنقبه من أسفله، فغرَّق الماء جنتهم، وخرّب أرضهم. هـ. قال وهب: وكانوا يزعمون أنهم يجدون في عِلْمِهم وكهانتهم أنهم يُخرب سدهم فأرة، فلم يتركوا فرجة بين صخرتين إلا ربطوا عندها هِرًّا، فلما حان ما أراد الله بهم، أقبلت فأرة حمراء، إلى بعض الهِرَر، فساورتها ـ أي: حاربتها، حتى استأخرت عنها ـ أي: عن تلك الفرجة ـ الهرة، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها، ونقبت السد، حتى أوهنته للسيل، وهم لا يدرون، فلما جاء السيل دخل في تلك الخلل، حتى بلغ السد، فخربه، وفاض على أموالهم، فغرقتها، ودفن بيوتهم، ومُزقوا، حتى صاروا مثلاً عند العرب، فقالوا: تفرّقوا أياديَ سبأ. هـ. {وبدلناهم بجنتيهم} المذكورتين {جنتين} أخريَيْن. وتسمية المبدلتين جنتين للمشاكلة وازدواج الكلام، كقوله: {أية : وجَزَآؤُاْ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى: 40]. {ذواتي أُكُل خَمْطٍ} الأُكل: الثمر المأكول، يخفف ويثقل. والخمط، قال ابن عباس: شجر الأراك، وقال أبو عبيد: كل شجر مؤذ مشوِّك. وقال الزجاج: كل شجر مُر. هـ. وفي القاموس: الخمط: الحامض المر من كل شيء، وكل نبت أخذ طعماً من مرارة وحموضة، وشجر كالسدر، وشجر قاتل، أو كل شجر لا شوك له. هـ. وقرأ البصريان بالإضافة، من إضافة الشيء إلى جنسه، كثوب خز؛ لأن المراد بالأكل المأكول، أي: ذواتي ثمر شجر بشيع. والباقون: بالتنوين، عطف بيان، أو صفة، بتأويل خمط ببشيع، أي: مأكول بشيع. {وأثْلٍ} هو شجر يشبه الطرفاء، أعظم منه، وأجود عوداً. {وشيءٍ من سِدْرٍ قليل} والحاصل أن الله تعالى أهلك أشجارهم المثمرة، وأنبت مكانها الطرفاء والسدر. وإنما قال: السدر، لأنه أكرمُ ما بُدلوا به؛ لأنه يكون في الجنان. {ذلك جزيناهم بما كفروا} أي: جزيناهم ذلك بكفرهم، فذلك مفعول مطلق بجزينا، {وهل يُجازى} هذا الجزاء الكلي {إِلا الكفورُ} أي: لا يجازى بمثل هذا الجزاء إلا مَن كفر النعمة ولم يشكرها، أو: كفر بالله، أو هل يعاقب؛ لأن الجزاء وإن كان عامًّا يستعمل في معنى المعاقبة، وفي معنى الإثابة لكن المراد الخاص، وهو المعاقبة. قال الواحدي: وذلك لأن المؤمن يكفر عنه سيئاته، والكافر يجازى بكل سوء عمله. قلت: بل الظاهر المجازاة الدنيوية بسلب النعم، ولا تسلب إلا للكفور، دون الشكور. قاله في الحاشية. وعن الضحاك: كانوا في الفترة التي بين عيسى ومحمد عليهما السلام. هـ. قلت: ولعلهم استمروا من زمن سليمان إلى أن جاوزوا زمن عيسى عليه السلام. الإشارة: لكل مريد وعارف جنتان عن يمين وشمال، يقطف من ثمارهما ما يشاء؛ جنة العبودية، وجنة الربوبية، جنة العبودية للقيام بآداب الشريعة، وجنة الربوبية للقيام بشهود الحقيقة، فيتفنّن في جنة العبودية بعلوم الحكمة، ويتفنّن في جنة الربوبية بعلوم القدرة، وهي أسرار الذات وأنوار الصفات. كُلوا من رزق ربكم حلاوةَ المعاملة في جنة العبودية، وحلاوةَ المشاهدة في جنة الربوبية؛ بلدة طيبة هي جنة الربوبية؛ إذ لا أطيب من شهود الحبيب، ورب غفور لتقصير القيام بآداب العبودية؛ إذ لا يقدر أحد أن يحصيها، ولا جزءاً منها. فأعرض أهل الغفلة عن القيام بحقهما، ولم يعرفوهما، فأرسلنا على قلوبهم سيل العرم، وهو سيل الخواطر والوساوس، وخوض القلب في حِس الأكوان، فبدلناهم بجنتيهم جنتين؛ مرارة الحرص والتعب، والهم والشغب. ذلك جزيناهم بكفرهم بطريق الخصوص من أهل التربية، وهل يُجازى إلا الكفور. قال القشيري: {وبدلناهم بجنتيهم جنتين...} الآية، كذلك من الناس مَن يكون في رَغَدٍ من الحال، واتصالٍ من التوفيق، وطيب من القلب، ومساعدة من الوقت، فيرتكبُ زَلَّةً، أو يتبع شهوةً، ولا يعرف قَدْرَ ما يفوته فيفتر عليه الحالُ، فلا وقتَ ولا حالَ، ولا قُربَ ولا وصالَ، يُظْلِمُ عليه النهارُ، بعد أن كانت لياليه مضيئة. وأنشدوا: شعر : ما زلتُ أختال في زَماني حتى أَمِنتُ الزمانَ مَكْرَه طال علينا الصدودُ حتى لم يبق مما شَهِدْت ذَرَّه تفسير : {ذلك جزيناهم بما كفروا...} الآية: ما عوقبوا إلاَّ بما استوجبوا، وما سُقُوا إلاَّ ما أفيضوا، ولا وقعوا إلاَّ في الوَهْدَةِ التي حَفَرُوا، وما قُتِلُوا إلا بالسيف الذي صَنَعُوا. هـ. ثم ذكر سبب تمزيقهم فقال: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى...}

الجنابذي

تفسير : {لَقَدْ كَانَ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: هذا المذكور من حوادث السّماء والارض الدّالّة على علمه تعالى وقدرته وحكمته كان من نعم الله تعالى وانعامه فهل وقع من نقمه ما يدلّ على ذلك؟- فقال تعالى: لقد كان {لِسَبَإٍ} لاولاد سبأ بن يشحب بن يعرب بن قحطان، حديث : عن النّبىّ (ص) انّه سئل عن سبأ أرجل هو ام امرأة؟- فقال: هو رجل من العرب ولّد عشرةً تيامن منهم ستّة وتشاءم منهم اربعة فامّا الّّذين تيامنوا فالازد وكندة ومذحج والاشعرون وانمار وحمير، قيل: ما انمار؟- قال: ألّذين منهم خثعم وبجيلة، وامّا الّذين تشاءموا فعاملة وجزام ولخم وغسّان تفسير : {فِي مَسْكَنِهِمْ} وقرئ فى مساكنهم وهو موضع سكناهم، قيل: كان باليمن ويقال له مأرب بينه وبين صنعاء مسيرة ثلاث {آيَةٌ} دالّة على قدرة الحقّ وعنايته بخلقه وثوابه وعقابه فى الدّنيا والآخرة {جَنَّتَانِ} جماعتان من البساتين {عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ} لبلدهم فى مسيرة عشرة ايّام كلّ واحدة كأنّها بستان واحد لتضامّها والتفافها مقولاً فيهم {كُلُواْ} او هو مستأنف بتقدير القول كأنّه قيل: ما قيل لهم؟- او ما قلت يا ربّ لهم؟- فقال: قيل او قلنا: كلوا {مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} هذه ايضاً مستأنفة فى مقام التّعليل اى هذه بلدة طيّبة {وَرَبٌّ غَفُورٌ} وقرئ الكلمات الاربع بالنّصب على الحاليّة او على المدح.

الأعقم

تفسير : {لقد كان لسبأ} قيل: حي باليمن، وقيل: أرض باليمن، وقيل: كان رجل من العرب {في مسكنهم} بلدهم {آية جنتان} حجة على وحدانيته وقدرته {عن يمين وشمال} عن يمين البلد وشمالها {كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور} {فأعرضوا} عن أمر الله {فأرسلنا عليهم سيل العرم} السيل الماء الجاري الكثير، واختلفوا في العرم قيل: أن بلقيس الملكة سدت ما بين الجبلين بالصخر، فحقنت فيهما العيون والأمطار وتركت فيه حروقاً على مقدار ما يحتاجون إليه في سقيهم، وقيل: العرم اسم الوادي، وقيل: الخرق بقيّة العرم الذي بين السد من أسفله فسال منه الماء فخرب الجنان، وقيل: هو صفة السيل يعني سيل شديد {وبدّلناهم بجنتيهم جنتين} سماهما جنتين توسعاً {ذواتى أكل خمط} قيل: هو كل شجرة ذي شوك، وقيل: الخمط الاراك لا أكل له، و{وأثل} قيل: الاثل الخشب {وشيء من سدر قليل} قال قتادة: كان شجرهم خير شجر فصيره الله شر شجر لسوء أعمالهم {ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور} يعني هل يعاقب بمثل ذلك العقاب إلا الكفار {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها} قيل: هي الشام، وقيل: هي بيت المقدس {قرى ظاهرة} وقيل: كان بين اليمن والشام قرى متصلة يرى بعضها من بعض، وقيل: قرى صنعاء عن وهب {وقدّرنا فيها السير} أي قلنا لهم: {سيروا} وهي إباحة وليس بأمر {فيها} أي في القرى {ليالي وأياماً آمنين} يعني أي وقت شئتم ليلاً أو نهاراً، آمنين لا يخافون جوعاً ولا عطشاً ولا ظمأ من أحد ولا يحتاجون إلى زاد، وذلك أن القوم كانوا يسيرون فيها ليالي وآياماً آمنين لا يخافون وإن تطاولت مدة سفرهم فيها وامتدت أياماً وليالي، أو سيروا فيها لياليكم وأيامكم مدة أعماركم فإنكم في كل حين وزمان لا تلقون فيها الأمان {فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا} وبعّدنا ربنا على الدعاء، بطروا النعمة وشموا من طيب العيش وكَلّوا العافية فطلبوا الكد والتعب، كما طلبت بنو إسرائيل البصل والثوم مكان المن والسلوى وقالوا: لو كان حسابنا كان أجدر أن نشتهيه، وتمنوا أن يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز ليركبوا الرواحل فيها ويتزودوا الأزواد فجعل الله لهم الإِجابة {وظلموا أنفسهم} بالكفر والمعاصي {فجعلناهم أحاديث} يتحدث الناس بهم وتعجبوا من أحوالهم {ومزّقناهم كل ممزق} وفرقناهم تفريقاً، قيل: أهلكناهم بعذاب الاستئصال فتمزقت أجسادهم، وروي أنهم أهلكوا بالجوع والعطش {إن في ذلك} أي فيما تقدم {لآيات لكل صبَّار شكور} {ولقد صدق عليهم إبليس ظنّه فاتبعوه} قيل: ظن ذلك عند اخبار الله والملائكة أنه يجعل فيها من يفسد فيها، وقيل: إنه حين وجد آدم ضعيف العزم قد أصغى إلى وسوسته قال: إن ذريته أضعف عزماً منه، فظن بهم اتباعهم وقال: لأضلنهم ولأغوينهم، فلما دعاهم أجابوه صدق ظنه فيهم، والضمير في عليهم واتبعوه اما لأهل سبأ أو لبني آدم {إلا فريقاً من المؤمنين} عملوا بما أمر الله {وما كان له عليهم من سلطان} من تسليط سيف ولكن دعاهم إلى ما وافق هداهم فأجابوه {الا لنعلم} بمعنى لكن التخلية بينكم وبينه ليظهر المعلوم ممن تبعه وممن لا يتبعه {من يؤمن بالآخرة} قيل: ليتميز من يؤمن بالآخرة ويرد دعوة إبليس، وقيل: العلم بمعنى الرويّة أي ليرى المؤمنين ويميزه ممن ليس بمؤمن {ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ} أي حافظ يحفظ عليهم ليجازيهم على أفعالهم.

الهواري

تفسير : قوله: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ} كانوا باليمن. وفي تفسير الحسن وغيره: هي أرض. وقال الحسن: لقد تبيّن لأهل سبأ كقوله: (أية : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ)تفسير : [يوسف: 82] أي: أهل القرية. ذكروا عن علقمة أنه سمع ابن عباس يقول: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ، أرض هي أم امرأة أم رجل فقال: حديث : بل هو رجل ولد عشرة فباليمن منهم ستة، وبالشام أربعة. فأما اليمانيون فمذحج وحمير وكندة وأنمار والأزد والأشعريون. وأما الشاميون فلخم وجذام وعاملة وغسان . تفسير : قال: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ} ثم أخبر بتلك الآية فقال: {جَنَّتَانِ}. وتفسير الحسن: أن فيها تقديماً. وتقديمها: لقد كان لسبأ في مساكنهم جنتان، فوصفهما، ثم قال: (آية). قوله: {عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ} أي: جنة عن يمين، وجنة عن شمال. قال: {كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} أي: هذه بلدة طيبة {وَرَبٌّ غَفُورٌ} أي: لمن تاب وآمن وعمل. قوله: {فَأَعْرَضُوا} عما جاءت به الرسل {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ} قال بعضهم: العرم: المسنّاة، يعني الجسر الذي يحبس به الماء؛ وكان سداً قد جعل في موضع من الوادي تجتمع فيه المياه. وذكروا أنه إنما نقبه دابة يقال له الخُلد، ليس له عينان وله نابان يحفر بهما الأرض. وفي تفسير مجاهد: إن ذلك السيل الذي أرسله الله عليهم من العرم كان ماء أحمر أتى الله به من حيث شاء. وهو الذي شق السد وهدمه، وحفر بطن الوادي عن الجنتين فارتفعتا، وغار عنهما الماء فيبستا. وقال بعضهم: إنهم كان لهم واد يجتمع فيه الماء كل عام يسقي جناتهم وأرضهم؛ فبعث الله عليهم دابة يقال لها الجرذ، فحفر السد، فسال الماء فغرّق جناتهم وأرضيهم. قوله: {وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ} أي: ثمرة {خَمْطٍ} الخمط: الأراك، وأكله البرير. {وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ}.

اطفيش

تفسير : {لقد كان لسبأ} هم أولاد سبأ بن يشحب بن يعرب بن قحطان سميت أولاده بإسمه وصرف الاعتبار الاولاد والقوم او نحو ذلك او لأن المراد به الأب فيقدر مضاف اي أولاد سبأ وفتح ابن كثير وابو عمر وهمرته منعاً من الصرف مراعاة المعنى القبيلة وعن ابن كثير: قلب همزته ألفاً مع عدم التنوين رواه بعض تلاميذه، ولعل ابن كثير أخرج الهمزة بين بين فتوهم هذا التلميذ انه أبدلها الفاً. وقيل: سبأ لامرأة ملكتهم، وقيل: إسم لبلدهم وسموا به، وما ذكرته اولاً هو قول الجمهور. قال فروة ابن مسيك: نزل في سبا ما نزل فقال رجل: يا رسول الله وما سبأ أرض او امرأة؟. قال: ليس بأرض ولا امرأة ولكنه رجل ولد عشرة من العرب تيامن منه ستة الازد والاشعريون وحمير وكندة ومدحج وانمار. قال رجل: وما انمار يا رسول الله؟. قال: الذين منهم ختعم ويجيلة وتشاءم منهم اربعة لخم وجذام وغسان وعاملة، وفي القاموس: وسبأ كجبل ويمنع بلدة بلقيس ولقب انب بشخب بن يعرب واسمه عبد شمس بجميع قبايل اليمن عامة انتهى. وقوله يمنع معناه صرفه. {في مساكنهم} جمع مسكن وهي باليمن ويقال لها مارب بينها وبين صنعا ثلاثة ايام وقراء حمزة وحفص في مسكنهم بفتح الكاف والافراد وكذا قراء الكسائي بالافراد لكن يكسر الكاف على خلاف القياس لان مضارعه مضموم العين وقياس اسم المكان كالزمان والمصدر فتح العين اذا فتحت في المضارع او ضمت ومسكنهم بلدهم او مسكن كل واحد منهم. {آية} علامة تدل على وجود الصانع المختار وانه قادر على ما بداه من الامور العجيبة مثيب معاقب اخذه بعضد الاية التي اظهرها على يد داود والتي ظهرها على يد سليمان عليهما السلام. {جنتان} بدل آية او خبر لمحذوف اي هي جنتان ويدل له قراءة جنتين بالنصب على المفعولية لمحذوف على المدح وانما جعل الجنتين آية باعتبار قصتهما واعراض اهلهما عن الشكر عليهما وليس المراد بهما بستانين فقط بل جماعتان من البساتين. {عن يمين} جماعة عن يمين بلدهم. {وشمال} اي وجماعة عن شماله كل واحدة من الجماعتين في تقاربهما وتضامهما كانهما جنة واحدة ويعتبر يمين بلدهم حين الخروج منه وقيل المراد يمين وادبهم وشماله كان لهم واذا حاطت به الجنتان ويحتمل ان يكون المراد بستاني كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله. {كلوا من رزق ربكم واشكروا له} اي قيل لهم كلوا او قلنا لهم كلوا او قال لهم انبياءهم كلوا او قال لهم لسان الحال او هم احقاء ان يقال لهم ذلك والمراد بالرزق ثمر الجنتين والهاء في له عائدة الى الرب سبحانه وتعالى. {بلدة} اي بلدتكم بلدة. {طيبة} ثمرة ليست بسيخة لا بعوض فيها ولا قملة ولا برغوث ولا ذباب ولا حية ولا عقرب ولا شيء من الهوام ويجيء الرجل من غيرها بقمل في ثوبه فيموت لكون هواها طيبا وكانت اخصب البلاد واطيبها الاتصيبا الافة من نحو جراد وفساد ثمار او غير ذلك. قال ابن عباس تخرج المرأة على رأسها المكتل وتعمل بيدها شغلها كغزل وتسير بين الشجر فيمتلى بما يتساقط من الثمار من غير ان تجنيها. {ورب} اي وربكم رب او وهو رب. {غفور} لذنوب من يشكره وقرى بنصب بلدة طيبة ورب غفور على المدح او على ان بلدة مفعول لا شكروا وله متعلق باشكروا كما في قراءة الرفع وفي الوجه الاول من النصب او حال من بلدة المنصوب وقوله وربما غفورا على تقدير واشكروا ربا غفورا والتنكير للتظغيم.

اطفيش

تفسير : {لَقَد كان لسَبأ} قوم سموا باسم أبيهم سبأ بن أشجب بضم الجيم ابن يعرب بن قحطان من العرب، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ولد عشرة من العرب تيامن منهم ستة: الأزد، وكندة، ومذحج وأشعر، وانمار، وبجيلة، وهم من أنمار" تفسير : وفى الحديث: "حديث : أنمار منهم: خثعم، وبجيلة وتشاءم منهم أربعة: عاملة، وغسان ولخم، وجذام" تفسير : وسبأ أول ملوك اليمن، واسمه عبد شمس، وسمى سبأ لأنه أول من سبا من ولد قحطان، ملك أربعمائة وأربعا وثمانين سنة. {في مَسْكَنهم} أى الأرض التى عمروها، كما تسمى الدنيا دارا، فلا حاجة الى جعل فى مبعنى عند تحرزا عن أن يكون المساكن ظرفا للجنتين، ويقال: أيضا القريب من الشىء يجوز اطلاق أنه فى الشىء مبالغة فى القرب، والمفرد مسكن بفتح الكاف اسم مكان السكنى أى العمارة، أو مصدر أى السكنى متعلق بكان او بمحذوف حال من قوله {آيةٌ} علامة على وجود الله تعالى وقدرته {جنتان} بدل كل آيةُ، ومجموع الجنتين آية واحدة، فقد اتحد بدل الكل، والمبدل منه، ولم يضر التخالف لفظا بالإفراد والتثنية كقوله: "أية : وجعلنا ابن مريم وأمه آية" تفسير : [المؤمنون: 50] إذ جعل اثنين آية واحدة إذا فسرنا ذلك بمجرد كونها والدة بلا رجل، وكونه ولد منها كذلك فلا يقدر مضاف، أى شأن جنتين، أو قصة جنتين إلا لإيضاح المعنى. {عَن يمين وشمالٍ} يمين بلادهم وشمالها، باعتبار الذاهب الى الأجنة، وسمى أجنة اليمين كلها جنة وأجنة الشمال جنة لاتصال نبات كل جهة، كأنه جنة واحدة، وقيل: المراد لكل أحد جنة عن يمين مسكنه، وجنة عن شماله {كُلوا من رزق ربِّكُم واشْكُروا لهُ} اخضعُوا له بالعبادة لأجل نعمه، مفعول لمحذوف، أى قال الله لهم: كلوا وذلك بواسطة نبى، أو قال لهم أنبياؤهم، أو قيل لهم، وكانوا فى ثلاث عشرة قرية فى كل قرية نبى يدعوهم الى التوحيد والشكر، وقيل القول حالى لا قالى. {بلْدة طيِّبة ورب غَفُور} خبران لمحذوفين، أى أرضكم بلدة طيبة، وربكم رب غفور لزلاتكم، إذا أحسنتم وطيبها كونها منبتة للثمار اللذيذة، ولا حمى فيها ولا حر ولا برد، ولا عقرب، ولا حية أو نحوهما، ولا برغوث إذا دخلها غريب بقمل أو برغوث ماتا، وصحة هوائها، وعذوبة مائها.

الالوسي

تفسير : {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ } لمَّا ذكر عز وجل حال الشاكرين لنعمه المنيبين إليه تعالى، ذكر حال الكافرين بالنعمة المعرضين عنه جل شأنه موعظة لقريش وتحذيراً لمن كفر بالنعم وأعرض عن المنعم، وسبأ في الأصل اسم رجل وهو سبأ بن يشجب - بالشين المعجمة والجيم كينصر - بن يعرب بن قحطان، وفي بعض الأخبار عن فروة بن مسيك قال: أتيت النبـي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أخبرني عن سبا أرجل هو أم امرأة؟ فقال: هو رجل من العرب وَلَدَ عشرة تيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة فأما الذين تيامنوا فالأزد وكندة ومذحج والأشعريون وأنمار ومنهم بجيلة [وحمير] وأما الذين تشاءموا فعاملة وغسان ولخم وجذام، وفي «شرح قصيدة عبد المجيد بن عبدون» لعبد الملك بن عبد الله بن بدرون الحضرمي البستي: أن سبأ بن يشجب أول ملوك اليمن في قول واسمه عبد شمس وإنما سمي سبأ لأنه أول من سبى السبـي من ولد قحطان وكان ملكه أربعمائة وأربعاً وثمانين سنة ثم سمي به الحي، ومنع الصرف عنه ابن كثير وأبو عمرو وباعتبار جعله اسماً للقبيلة ففيه العلمية والتأنيث، وقرأ قنبل بإسكان / الهمزة على نية الوقف، وعن ابن كثير قلب همزته ألفاً ولعله سكنها أولاً بنية الوقف كقنبل ثم قلبها ألفاً والهمزة إذا سكنت يطرد قلبها من جنس حركة ما قبلها، وقيل: لعله أخرجها بين بين فلم يؤده الراوي كما وجب. والمراد بسبأ هنا إما الحي أو القبيلة وإما الرجل الذي سمعت وعليه فالكلام على تقدير مضاف أي لقد كان في أولاد سبأ، وجوز أن يراد به البلد وقد شاع إطلاقه عليه وحينئذ فالضمير في قوله تعالى: {فِى مَسْكَنِهِمْ } لأهلها أولها مراداً بها الحي على سبيل الاستخدام والأمر فيه على ما تقدم ظاهر، والمسكن اسم مكان أي في محل سكناهم وهو كالدار يطلق على المأوى للجميع وإن كان قطراً واسعاً كما تسمى الدنيا داراً، وقال أبو حيان: ينبغي أن يحمل على المصدر أي في سكناهم لأن كل أحد له مسكن وقد أفرد في هذه القراءة وجعل المفرد بمعنى الجمع كما في قوله:شعر : كلوا في بعض بطنكم تعفوا تفسير : وقوله:شعر : قد عض أعناقهم جلد الجواميس تفسير : يختص بالضرورة عند سيبويه انتهى. وبما ذكرنا لا تبقى حاجة إليه كما لا يخفى. واسم ذلك المكان مأرب كمنزل وهي من بلاد اليمن بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث. وقرأ الكسائي والأعمش وعلقمة {مَسْكَنِهِمْ } بكسر الكاف على خلاف القياس كمسجد ومطلع لأن ما ضمت عين مضارعة أو فتحت قياس المفعل منه زماناً ومكاناً ومصدراً الفتح لا غير، وقال أبو الحسن كسر الكاف لغة فاشية وهي لغة الناس اليوم والفتح لغة الحجاز وهي اليوم قليلة، وقال الفراء: هي لغة يمانية فصيحة. وقرأ الجمهور {مَسَـٰكِنِهِمْ } جمعاً أي في مواضع سكناهم. {ءايَةً } أي علامة دالة بملاحظة أحوالها السابقة واللاحقة على وجود الصانع المختار وأنه سبحانه قادر على ما يشاء من الأمور العجيبة مجاز للمحسن والمسيء وهي اسم (كان) وقوله تعالى: {جَنَّتَانِ } بدل منها على ما أشار إليه الفراء وصرح به مكي وغيره، وقال الزجاج: خبر مبتدأ محذوف أي هي جنتان ولا يشترط في البدل المطابقة أفراداً وغيره وكذا الخبر إذا كان غير مشتق ولم يمنع المعنى من اتحاده مع المبتدأ؛ ولعل وجه توحيد الآية هنا مثله في قوله تعالى: {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ ءايَةً }تفسير : [المؤمنون: 50] ولا حاجة إلى اعتبار مضاف مفرد محذوف هو البدل أو الخبر في الحقيقة أي قصة جنتين، وذهب ابن عطية بعد أن ضعف وجه البدلية ولم يذكر الجهة إلى أن {جَنَّتَانِ } مبتدأ خبره قوله تعالى: {عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ } ولا يظهر لأنه نكرة لا مسوغ للابتداء بها إلا إن اعتقد أن ثم صفة محذوفة أي جنتان لهم أو جنتان عظيمتان وعلى تقدير ذلك يبقى الكلام متفلتاً عما قبله. وقرأ ابن أبـي عبلة {جنتين} بالنصب على المدح، وقال أبو حيان: على أن (آية) اسم (كان) و {جنتين} الخبر. وأياً ما كان فالمراد بالجنتين على ما روي عن قتادة جماعتان من البساتين جماعة عن يمين بلدهم وجماعة عن شماله وإطلاق الجنة على كل جماعة لأنها لتقارب أفرادها وتضامها كأنها جنة واحدة كما تكون بلاد الريف العامرة وبساتينها، وقيل: أريد بستاناً كل رجل منهم عن يمين مسكنه وشماله كما قال سبحانه: {أية : جَعَلْنَا لأَِحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَـٰبٍ }تفسير : [الكهف: 32] قيل: ولم تجمع لئلا يلزم أن لكل مسكن رجل جنة واحدة لمقابلة الجمع بالجمع، ورد بأن قوله تعالى: {عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ } يدفع ذلك لأنه بالنظر إلى كل مسكن إلا أنها لو جمعت أو هم أن لكل مسكن جنات عن يمين وجنات عن شمال وهذا لا محذور فيه إلا أن يدعى أنه مخالف للواقع ثم إنه قيل إن (في) فيما سبق بمعنى عند فإن المساكن محفوفة بالجنتين لا ظرف لهما، وقيل: لا حاجة إلى هذا فإن القريب من الشيء قد يجعل فيه مبالغة في شدة القرب ولكل جهة لكن أنت تعلم أنه إذا أريد بالمساكن أو المسكن ما يصلح أن يكون ظرفاً لبلدهم المحفوفة بالجنتين / أو لمحل كل منهم المحفوفة بهما لم يحتج إلى التأويل أصلاً فلا تغفل. {كُلُواْ مِن رّزْقِ رَبّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ } جملة مستأنفة بتقدير قول أي قال لهم نبيهم كلوا الخ، وفي «مجمع البيان» قيل: إن مساكنهم كانت ثلاثة عشر قرية في كل قرية نبـي يدعوهم إلى الله عز وجل يقول كلوا من رزق ربكم الخ، وقيل: ليس هناك قول حقيقة وإنما هو قول بلسان الحال. {بَلْدَةٌ طَيّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ } أي هذه البلدة التي فيها رزقكم بلدة طيبة وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور فرطات من يشكره، والجملة استئناف للتصريح بموجب الشكر، ومعنى طيبة زكية مستلذة. يروى أنها كانت لطيفة الهواء حسنة التربة لا يحدث فيها عاهة ولا يكون فيها هامة حتى إن الغريب إذا حلها وفي ثيابه قمل أو براغيث ماتت، وقيل: المراد بطيبها صحة هوائها وعذوبة مائها ووفور نزهتها وأنه ليس فيها حر يؤذي في الصيف ولا برد يؤذي في الشتاء، وقرأ رويس بنصب {بلدة} وجميع ما بعدها وذلك على المدح والوصفية. وقال أحمد بن يحيـى: بتقدير اسكنوا بلدة طيبة واعبدوا رباً غفوراً. ومن الاتفاقات النادرة إن لفظ بلدة طيبة بحساب الجمل واعتبار هاء التأنيث بأربعمائة كما ذهب إليه كثير من الأدباء وقع تاريخاً لفتح القسطنطينية وكانت نزهة بلاد الروم.

ابن عاشور

تفسير : جرَّ خبرُ سليمان عليه السلام إلى ذكر سبأ لما بين مُلك سليمان وبين مملكة سبأ من الاتصال بسبب قصة «بلقيس»، ولأن في حال أهل سبأ مضادة لأحوال داود وسليمان، إذ كان هذان مثلاً في إسباغ النعمة على الشاكرين، وكان أولئك مثلاً لسلب النعمة عن الكافرين، وفيهم موعظة للمشركين إذ كانوا في بحبوحة من النعمة فلما جاءهم رسول من المُنعِم عليهم يذكرهم بربهم ويوقظهم بأنهم خاطئون إذ عبدوا غيره، كذّبوه وأعرضوا عن النظر في دلالة تلك النعمة على المنعِم المتفرد بالإِلٰهية. وقال ابن عطية عند الكلام على قوله تعالى: { أية : ولقد آتينا داود منا فضلاً } تفسير : [سبأ: 10] «لمّا فرغ التمثيل لمحمد صلى الله عليه وسلم رجع التمثيل لهم (أي للمشركين أي لحالهم) بسبإ وما كان من هلاكهم بالكفر والعتوّ» ا هــــ. فهذه القصة تمثيل أمة بأمة، وبلاد بأخرى، وذلك من قياس وعبرِه. وهي فائدة تدوين التاريخ وتقلبات الأمم كما قال تعالى: { أية : وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم اللَّه فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون } تفسير : [النحل: 112، 113] فسوَق هذه القصة تعريض بأشباه سبأ. والمعنى: لقد كان لسبأ في حال مساكنهم ونظام بلادهم آية. والآية هنا: الأمارة والدلالة بتبدل الأحوال وتقلب الأزمان، فهي آية على تصرف الله ونعمته عليهم فلم يهتدوا بتلك الآية فأشركوا به، وقد كان في إنعامه عليهم ما هو دليل على وجوده ثم على وحدانيته. والتأكيد بلام القسم وحرف التحقيق لتنزيل المخاطبين بالتعريض بهذه القصة منزلةَ من يتردد في ذلك لعدم اتعاظهم بحال قوم من أهل بلادهم، وتجريد {كان} من تأنيث الفعل لأن اسمها غير حقيقي للتأنيث ولوقوع الفصل بالمجرور. واللام في {لسبأ} متعلق بــــ{آية}. والمساكن: البلاد التي يسكنونها بقرينة قوله: {جنتان عن يمين وشمال} والمساكن: ديار السكنى. وتقدم الكلام على سبأ عند قوله: { أية : وجئتك من سبأ } تفسير : في سورة النمل (22). واسم سبأ يطلق على الأمة كما هنا وعلى بلادهم كما في آية النمل وتقدم تفصيله. وقرأ الجمهور {في مساكنهم} بصيغة جمع مسكن. وقرأه حمزة والكسائي وحفص وخلف بلفظ المفرد {في مسكنهم} إلا أن حمزة وحفصاً فتَحَا الكاف، والكسائي وخلف كسرا الكاف وهو خارج عن القياس لأنه مضارع غير مكسور العين فحق اسم المكان منه فتح العين. وشذ نحو قولهم: مسجد لبيت الصلاة. و{جنتان} بدل من {آية} باعتبار تكملته بما اتصل به من المتعلق والقول المقدر. و{جنتان} تشبيه بليغ، أي في مساكنهم شبيه جنتين في أنه مغترس أشجاراً ذاتتِ ثمر متصل بعضها ببعض مثل ما يعرف من حال الجنات، وتثنية جنتين باعتبار أن ما على يمين السَّائر كجنة، وما على يسَاره كجنة. وقيل: كان لكل رجل منهم في مَسكنه، أي داره جنتان جنة عن يمين المسكن وجنة عن شماله فكانوا يتفيؤون ظِلالهما في الصباح والمساء ويجتنون ثمارهما من نخيل وأعناب وغيرها، فيكون معنى التركيب على التوزيع، أي: لكل مسكن جنتان، كقولهم: ركِب القومُ دوابهم، وهذا مناسب لقوله: {في مساكنهم} دون أن يقول في بلادهم، أو ديارهم، ويجوز أن يكون المراد أن مدينتهم وهي مأرب كانت محفوفة على يمينها وشمالها بغابة من الجنات يصطافون فيها ويستثمروها مثل غوطة دمشق، وهذا يناسب قوله بعدُ { أية : وبدلناهم بجنتيهم جنتين } تفسير : [سبأ: 16] لأن ظاهره أن المبدل به جنتان اثنتان، إلا أن تجعله على التوزيع من مقابلة المتعدد بالمتعدد. والمعنى: أنهم كانوا أهل جنّات مغروسة أشجاراً مثمرة وأعناباً. وكانت مدينتهم مأرب (بهمزة ساكنة بعد الميم) وهي بين صنعاء وحضرموت، قبل، كان السائر في طرائقها لو وضع على رأسه مكتلاً لوجده قد ملىء ثماراً مما يسقط من الأشجار التي يسير تحتها. ولعل في هذا القول شيئاً من المبالغة إلا أنها تؤذن بوفرة. وكان ذلك بسبب تدبير ألهمهم الله إياه في اختزان المياه النازلة في مواسم المطر بما بنوا من السد العظيم في مأرب. وجملة {كلوا من رزق ربكم} مقول قول إما من دلالة لسان الحال كما في قوله: شعر : امتلأ الحوض وقال قَطْني تفسير : وإما أُبلغوه على ألسنة أنبياء بعثوا منهم، قيل: بعث فيهم اثنا عشر نبيئاً، أي مثل تُبع أسعد، فقد نقل أنه كان نبيئاً كما أشار إليه قوله تعالى: { أية : وقوم تبع } تفسير : [ق: 14] أو غيره، قال تعالى: { أية : منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك } تفسير : [غافر: 78]، أو من غيرهم مما قاله سليمان بلقيس أو مما قاله الصالحون من رسل سليمان إلى سبأ، وفي جعل {جنتان} في نظم الكلام بدلاً عن آية كناية عن طيب تربة بلادهم. قيل: كانوا يزرعون ثلاث مرات في كل عام. والطيِّبة: الحسنة في جنسها الملائمة لمزاولها ومستثمرها قال تعالى: { أية : وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف } تفسير : [يونس: 22] وقال: { أية : فلنحيينه حياة طيبة } تفسير : [النحل: 97] وقال: { أية : والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه } تفسير : [الأعراف: 58] وقال: { أية : رب هب لي من لدنك ذرية طيبة } تفسير : [آل عمران: 38]. وفي حديث أبي طلحة في صدقته بحائط (بئرحاء): « حديث : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب »تفسير : . والطيّب ضد الخبيث قال تعالى: { أية : ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } تفسير : [النساء: 2] وقال: { أية : ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث } تفسير : [الأعراف: 157]. واشتقاقه من الطِيب ــــ بكسر الطاء بوزن فِعْل ــــ وهو الشيء الذي تعبق منه رائحة لذيذة. وجملة {بلدة طيبة} من تمام القول وهي مستأنفة في الكلام المقول، أي بلدةٌ لكم طيبة، وتنكير {بلدة} للتعظيم. و{بلدة} مبتدأ و{طيبة} نعت لـــ{بلدة}، وخبره محذوف، تقديره: لكم، وعُدل عن إضافة {بلدة} إلى ضميرهم لتكون الجملة خفيفة على اللسان فتكون بمنزلة المثَل. وجملة {ورب غفور} عطف على جملة {بلدة طيبة}. وتنكير {رب} للتعظيم. وهو مبتدأ محذوف الخبر على وزان {بلدة طيبة}، والتقدير: ورب لكم، أي ربكم غفور. والعدول عن إضافة {رب} لضمير المخاطبين إلى تنكير {رب} وتقديرِ لام الاختصاص لقصد تشريفهم بهذا الاختصاص ولتكون الجملة على وزان التي قبلها طلباً للتخفيف ولتحصل المزاوجة بين الفقرتين فتسيرا مسير المثل. ومعنى {غفور}: متجاوز عنكم، أي عن كفرهم الذي كانوا عليه قبل إيمان (بلقيس) بدين سليمان عليه السلام، ولا يُعلم مقدار مدة بقائهم على الإِيمان.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 15- أقسم: قد كان لأهل سبأ فى مسكنهم باليمن آية دالة على قدرتنا: حديقتان تحفَّان ببلدهم عن يمين وشمال، قيل لهم: كلوا من رزق ربكم واشكروا نعمه بصرفها فى وجوهها. بلدتكم بلدة طيبة ذات ظل وثمار، وربكم كثير المغفرة لمن شكره. 16- فأعرضوا عن شكر النعمة وبطروا معيشتهم، فأطلقنا عليهم السيل الجارف الذى أعقب تصدع السدود فأهلكت البساتين، وبدَّلناهم بجنتيهم المثمرتين جنتين ذواتى ثمر مر، وشجر لا يثمر، وشئ من نبق قليل لا غناء فيه. 17- ذلك الجزاء جزيناهم بكفرهم النعمة وعدم شكرها، وهل نعاقب هذا العقاب إلا شديد الكفر بالله وبأفضاله؟! 18- وجعلنا بين مسكنهم باليمن وبين القرى المباركة قرى متقاربة يظهر بعضها لبعض، وجعلنا نسبة بعضها إلى بعض على مقدار مُعَيَّن من السير لا مشقة معه، وقلنا لهم: سيروا فيها ليالى وأياماً متمتعين بالأمن. 19- فقالوا - بطراً بنعمة الراحة والأمن -: ربنا باعد بين أسفارنا، فلا نصادف قرى عامرة فى طريقنا إلى مقاصدنا، فباعد الله بين أسفارهم، وظلموا أنفسهم بطغيانهم، فصيَّرناهم أحاديث للناس، وفرقناهم كل تفريق، إن فيما وقع لهم لعظات لكل صابر على البلاء، شكور على العطاء.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: لقد كان لسبأ في مسكنهم: أي لقد كان لقبيلة سبأ اليمانية في مسكنهم. آية: أي علامة على قدرة الله وهي جنتان عن يمين وشمال. بلدة طيبة ورب غفور: أي طيبة المناخ بعيدة عن الأوباء وأسبابها، والله رب غفور. فأعرضوا: أي عن شكر الله وعبادته. سيل العرم: أي سد السيل العرم. ذواتي أُكل خمط وأثلٍ: أي صاحبتي أُكل مُر بشعٍ وشجر الأثل. ذلك: أي التبديل جزيناهم بكفرهم. القرى التي باركنا فيها: هي قرى الشام مبارك فيها. قرىً ظاهرة: أي متواصلة من اليمن إلى الشام. وقدرنا فيها السير: أي المسافات بينها مقدرة بحيث يقيلون في قرية ويبيتون في أخرى. فجعلناهم أحاديث: أي لمن جاء بعدهم أي أهلكناهم ولم يبق منهم إلا ذكرهم متداولا بين الناس. ومزقناهم كل ممزق: أي فرقناهم في البلاد كل التفرق. إن في ذلك لآيات: أي إن في ذلك المذكور من النعم وسلبها لعبراً. لكل صبار شكور: أي صبار على الطاعات وعن المعاصي شكور على النعم. معنى الآيات: لما ذكر تعالى إنعامه على آل داود وشكرهم له وأخبر أنه قليل من عباده من يشكر إنعامه عليه ذكر أولاد سبأ وأنه أنعم عليهم بنعم عظيمة وأنهم ما شكروها فأنزل بهم نقمته وسلبهم نعمته وذلك جزاء لكل كفور. فقال تعالى {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ} أي لقد كان لأولاد سبأ وهم الأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار، ومن أنمار جنعم وبجيلة ومن أولاد سبأ أربعة سكنوا في الشام وهم لخم وجدام وغسان، وعاملة وأبوهم سبأ هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وقوله تعالى {فِي مَسْكَنِهِمْ} أي في مساكنهم {آيَةٌ} أي علامة على قدرة الله وإفضاله على عباده وهي جنتان عن يمين وشمال الوادي أي جنتان عن يمين الوادي وأخرى عن شماله كلها فواكه وخضر، تسقى بماء سد مأرب. كلوا من رزق ربكم أي قلنا لهم كلوا من رزق ربكم واشكروا له أي هذا الإِنعام بالإِيمان به وبرسله وطاعته وطاعة رسله. وقوله {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} أي هذه بلدة طيبة وهي صنعاء اليمن مناخها طيب وتربتها طيبة لا يوجد بها وباء ولا هوام ولا حشرات كالعقارب ونحوها، {وَرَبٌّ غَفُورٌ} يغفر ذنوبكم متى أذنبتم وتبتم واستغفرتم. ولكن أَبْطَرْتُهم هذه النعم فكفروها ولم يشكروا كما قال تعالى {فَأَعْرَضُواْ} بأن كذبوا رسل الله إليهم وعصوا الله ورسله فانتقم الله منهم لإِعراضهم وعدم شكرهم كما هي سنته في عباده. قال تعالى {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ} وذلك بأن خرب السد، وذهبت المياه وماتت الأشجار وأمْحَلَتْ الأرض، وتبدلت قال تعالى: {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ} أي مُرٍ بشع وهو شجر الأراك وأثل وهو الطرفاء، وشيء من سدر قليل. هذا جزاء من أعرض عن ذكر الله وفسق عن أمره وخرج عن طاعته. قال تعالى {ذَٰلِكَ} أي الجزاء {جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ} بسبب كفرهم وقوله: {وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ} أي وهل نجازي بمثل هذا الجزاء وهو تحويل النعمة إلى نقمة غير الكفور. وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} وهي مدن الشام {قُرًى ظَاهِرَة} أي مدناً ظاهرة على المرتفعات من الأرض، وذلك من صنعاء عاصمتهم إلى الشام قرابة أربعة آلاف وسبعمائة قرية أي مدينة، وقوله {وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ} أي يجعل المسافات بين كل مدينة ومدينة متقاربة بحيث يخرج المسافر بلا زاد من ماء أو طعام فلا يقيل إلا في مدينة ويخرج بعد القيلولة فلا ينام إلا في مدينة أخرى حتى يصل إلى الشام أو إلى المدينة التي يريد. وهذا كان لهم قبل هدم السد وتفرقهم وقوله تعالى: {سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ} أي وقلنا لهم سيروا بين تلك المدن الليالي والأيام ذوات العدد آمنين من كل ما يخاف. وما كان منهم إلا أنهم بطروا النعمة وقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم. أي حملهم بطر النعمة على أن سألوا ربهم بلسان حالهم أو قالهم أن يباعد بين مسافات أسفارهم بإزالة تلك المدن حتى يحملوا الزاد ويركبوا الخيول ويذوقوا طعم التعب وهذا في الواقع هو حسد من الأغنياء للفقراء الذين لا طاقة لهم على السفر في المسافات البعيدة بدون زاد ولا رواحل. قال تعالى {وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} إذ بإعراضهم وحسدهم وبطرهم النعمة كانوا قد ظلموا أنفسهم فعُرِّضوا لِعذاب الحرمان في الدنيا وعذاب النار في الآخرة، وقوله تعالى {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} أي لمن بعدهم يروون أخبارهم ويقصون قصصهم بعد أن هلكوا وبادوا. وقوله تعالى {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} أي فرقناهم في البلاد كل تفريق بحيث لا يرجى لهم عودُ اتصال أبداً فذهب الأوس والخزرج إلى يثرب "المدينة النبوية" وهم الأنصار، وذهب غسان إلى الشام، والازد إلى عُمان، وخزاعة إلى تهامة وأصبحوا مضرب المثل يقال: ذهبوا شذر مذر. وتفرقوا أيادي سبأ، أي مذاهب سبأ وطرقها. وقوله تعالى {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ} أي إن في إنعام الله على أبناء سبأ ثم في نقمته عليهم لما بطروا النعمة وكفروا الطاعة لعبراً يعتبر بها كل صبور على الطاعات فِعلاً وعن المعاصي تركاً، {شَكُورٍ} أي كثير الشكر على النعم. اللهم اجعلنا لك من الشاكرين. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- التحذير من الإِعراض عن دين الله فإنه متى حصل لأُمة نزلت بها النقم وسلبها الله النعم. وكم هذه الحال مشاهدة هنا وهناك لا بين الأُمم والشعوب فحسب بل حتى بين الأفراد. 2- التحذير من كفر النعم بالاسراف فيها وصرفها في غير مرضاة الله واهبها عز وجل. 3- خطر الحسد وانه داء لا دواء له، والعياذ بالله يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. 4- فضيلة الصبر والشكر وعلو شأن الصبور الشكور.

القطان

تفسير : سبأ: منطقة واسعة شرقي اليمن كان بها مملكة مدينتُها مأرب. آية: علامة. جنتان: بستانان. سيل العرم: سيل المطر الشديد، والعرم: السد الذي يمسك الماء. الأكُل: الثمر، والرزق الواسع. الخَمط: المُر من كل شيء، ونوع من شجر الأراك. الأثل: الطرفاء لا ثمر له. السِدر: شجر بري يحمل ثمراً يقال له النبق، يؤكل. القرى التي باركنا فيها: هي قرى بلاد الشام. مزّقناهم كل ممزق: فرقناهم في البلاد. سلطان: تسلُّط. لقد كان لأهل سبأ في مسكنهم بالمين علامة دالة على قدرتنا.... كان لهم حديقتان واسعتان تحفّان ببلدهم عن اليمين والشمال، وقد أرسل الله اليهم الرسل تأمرهم ان يأكلوا من رزق ربهم ويشكروه على هذه النعم الجليلة، ففعلوا الى حين. ثم إنهم اعرضوا، فعاقبهم الله بإرسال سيل العرِم عليهم، فهدم السدَّ وخرّبه وذهب بالجنتين والبساتين، واهلك الحرثَ والنسل، وبدلهم بجنتيهم المثمرتين بساتين فيها من الشجر البرّي الذي لا ثمر له، وشيئاً قليلاً من السدر يثمر النبق لا غناء فيه. ذلك هو الجزاء الذي جازاهم اياه الله بكفرهم النعمة وعدم شكرها {وَهَلْ نُجْزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ}. كان سد مأرب من أعظم السدود التي تجمع المياه في اليمن، وكان يسقي مساحة كبيرة قدرها المؤرخون والخبراء بنحو ثلاثمئة ميل مربع. وكانت مدينة مأرب أغنى المدن القديمة في جنوب شبه الجزيرة العربية ومن أهم المراكز لحضارةٍ وثقافة قديمتين، يرجع تاريخهما الى ما قبل ثلاثة آلاف عام مضت. وكانت محطةَ استراحة لرحلات طويلة لقوافل التصدير التي كانت تنقل المنتجاتِ الزراعيةَ والصناعية كالبخور واللبان والدارصيني والمُرّ والقرنفل والبلسم وسائر العطور، وكذا الصمغ والقرفة ثم الاحجار الكريمة، والمعادن.... وعلى مسافة كيلومترين الى الجنوب من مدينة مأرب يقول احد روائع الفن اليمني القديم وهو معبد "المقه"، ومعناه في لغة سبأ "الإله القمر"، ويطلق عليه المؤرخون: عرش بلقيس. وهو بناء ضخم على شكل مثلث لا يزال محتفظا برونقه الزاهي ومظهره المصقول، ويبلغ قُطره نحو الف قدم، ولا تزال بعض أعمدته قائمة حتى اليوم. ولا تزال آثار السد باقيةً الى الآن، ويرجع تاريخ بنائه الى ما قبل 2700 عام، وقد بناه سبأ الأكبر حفيد جد العرب: يعرب بن قحطان. "ملخص عن اليمن عبر التاريخ". {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا.... } وجعلنا بين مسكنهم باليمن والقرى التي باركنا فيها قرىً متقاربة متراصّة، وكانوا في نعمة وغبطة عيش هنيء في بلاد مرضيّة مع كثرة اشجارها وزروعها وخيراتها، حتى إن المسافر لا يحتاج الى حملِ زادٍ ولا ماء، حيث نَزَلَ وجَدَ ماء وثمرا، وقلنا لهم: {سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ} متمتعين بهذه النعم. فبطروا وملّوا تلك النعم. {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} اذ عرّضوها للسخط والعذاب، بنكران النعمة وعدم الوفاء بشكرها، فجعلناهم احاديث للناس، وفرقناهم مشتتين في البلاد حتى صار يضرب بهم المثل فيقال: "تفرّقوا أيدي سبأ" أي: متفرقين كأهل سبأ، وأيدي: تعني طُرقا، ومن معاني اليد: الطريق. ونزلت قبيلة غسان في حوران وأنشأت دولة الغساسنة، وكانت عاصمتهم بُصرى، وعدد ملوكهم 32 ملكا أولهم جفنة بن عمرو وآخرهم جَبَلَة بن الأيهم. "اولاد جفنة بالزمان الأول". ونزلت قبيلة لَخْم في الحِيرة من ارض العراق واقامت دولة المناذرة. ونزلت قبيلة كِندة في نجد، وبعضهم ذهب الى حضرموت، واسسوا دويلات اليمن عبر التاريخ. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} ان فيما حلّ بهؤلاء من النقمة والعذاب عظاتٍ لكل صبّار على البلاء، شكور على النعم والعطاء. {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} ولقد حقق ابليس ظنه عليهم فأطاعه من كفر، وعصاه قليل من المؤمنين، فبقوا في بلادهم آمنين. {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ}. ما كان لإبليسَ عليهم من سلطة وقوة يخضعهم بها، ولكن الله امتحنَهم ليَظْهَرَ من يصدّق بالآخرة ممن هو في شك منها، وربك ايها الرسول حفيظٌ على كل شيء، لا يعزُب عن علمه صغير ولا كبير. قراءات: قرأ ابو عمرو: ذواتَي أكلِ خمطٍ بالاضافة. الباقون: ذواتي أكلٍ خمط بالتنوين. قرأ حمزة ويعقوب والكسائي وحفص: هل نجازي الا الكفورَ، نجازي بالنون، وبنصب الكفور. والباقون: هل يجازى الا الكفورُ، يجازى بالياء مبني للمجهول والكفور مرفوع. وقرأ أبوعمرو وابن كثير وهشام: ربنا بعّد بين اسفارنا، وقرأ يعقوب: باعدَ فعل ماضي، والباقون: باعدْ بين اسفارنا. وقرأ اهل الكوفة: ولقد صدّق ابليس: بتشديد الدال المفتوحة، والباقون: صدَق بفتح الدال من غير تشديد.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَةٌ} (15) - كَانَتْ قَبِيلَةُ سَبَأٍ تَسْكُنُ اليَمَنَ، وَقِيلَ إِنَّ (سَبَأَ) جَدَّهُمْ هُوَ يَشْجُبُ بْنُ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطَانَ. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالى: إِنَّ هذِهِ القَبيلَةَ كَانَتْ فِي نِعْمَةٍ وَفِي غِبْطَةٍ فِي بِلادِهِمْ وَعَيْشِهِمْ، وَاتِّسَاعِ أَرْزَاقِهِمْ. وَكَانَتْ لَهُمْ حَدَائِقُ غَنَّاءُ، وَبَسَاتِينُ فَيْحَاءُ، عَنْ يَمِينِ الوَادِي الذِي أَقَامُوا فِيهِ السَّدَّ فِي مَأْرِبٍ، وَعَنْ شِمَالِهِ. ثُمَّ بَعَثَ اللهُ إليهِمُ الرُّسُلَ تَأْمُرُهُمْ بِعِبادَةِ اللهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَبِأَنْ يَأْكُلُوا مِنَ الرِّزْقِ الذي يَسَّرَهُ لَهُمْ اللهُ، وَبِأَنْ يَشْكُرُوه عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيهِمْ رَبُّهُمْ مِنَ البَلَدِ الطَّيِّبِ، والرِّزْقِ الوَفيرِ، فَأَطَاعُوا، وَعَبَدُوا اللهَ وَشَكَرُوهُ إِلى حِينٍ. سَبَأْ - قَبِيلَةٌ فِي اليَمَنِ - وَبَلْدَةٌ أَيْضاً. آيةٌ - بُرْهَانٌ وَدَلاَلَةٌ عَلَى قُدْرَةِ اللهِ. جَنَّتَانِ -بُسْتَانَانِ أَوْ جَمَاعَتَانِ مِنَ البَسَاتِينِ. بَلْدَةٌ طََيِّبَةٌ - زَكِيَّةٌ مُسْتَلَذَّةٌ.

الثعلبي

تفسير : قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ} روى أبو سبرة النخعي عن فروة بن مُسيك الغطيفي قال: قال رجل: يا رسول الله، أخبرني عن سبأ ما كان؛ رجلاً أو امرأة، أو أرضاً أو جبلاً أو وادياً؟ فقال صلى الله عليه وسلم:حديث : "ليست بأرض ولا امرأة ولكنه كان رجلاً من العرب ولد له عشرة من الولد، فتيامن منهم ستة وتشاءم أربعة؛ فأما الذين تيامنوا، فكندة والأشعريون والأزد ومذحج وأنمار وحمير". فقال رجل: وما أنمار؟ قال: "الذين منهم خثعم وبجيلة، وأما الذين تشاءموا فعاملة وجذام ولخم وغسان" . تفسير : والإجراء وترك الإجراء فيه سائغ، وقد قرىء بهما جميعاً فالإجراء على أنه اسم رجل معروف، وترك الإجراء على أنه اسم قبيلة نحو (هذه تميم). واختاره أبو عبيد لقوله: {فِي مَسْكَنِهِمْ}، واختلف القراء فيه، فقرأ حمزة والنخعي:(مسكنهم) - بفتح الكاف - على الواحد، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش والكسائي وخلف بكسر الكاف على الواحد. الباقون: {مَسَاكِنِهِمْ} جمع. {آيَةٌ} دلالة على وحدانيتنا وقدرتنا، ثم فسرها فقال: {جَنَّتَانِ} أي هي جنتان: بستانان {عَن يَمِينٍ} من أتاهما {وَشِمَالٍ} وعن شماله {كُلُواْ}: وقيل لهم: كلوا {مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ} على ما أنعم عليكم، وإلى ها هنا تم الكلام ثم ابتدأ فقال: {بَلْدَةٌ} أي هذه بلدة أو بلدتكم بلدة {طَيِّبَةٌ} ليست بسبخة. قال ابن زيد: لم يكن يرى في بلدتهم بعوضة قط ولا ذباب ولا برغوث ولا عقرب ولا حية، وإن كان الركب ليأتون وفي ثيابهم القمل والدواب فما هو إلاّ أنْ ينظروا لى بيوتهم فتموت الدواب، وإن كان الإنسان ليدخل الجنتين فيمسك القفة على رأسه فيخرج حين يخرج وقد امتلأت تلك القفة من أنواع الفواكه ولم يتناول منها شيئاً بيده فذلك قوله سبحانه: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} الهواء، {وَرَبٌّ غَفُورٌ} الخطأ كثير العطاء. قوله تعالى: {فَأَعْرَضُواْ}، قال وهب: بعث الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبياً فدعوهم إلى الله، وذكروهم نعَمه عليهم، وأنذروهم عقابه، فكذبوهم وقالوا: ما نعرف لله علينا نعمة. فقولوا لربكم الذي تزعمون فليحبس هذه النعمة عنا إن استطاع، فذلك قوله عز وجل: {فَأَعْرَضُواْ}. {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ}، والعرم: السد والمسناة التي تحبس الماء واحدتها عرمة، وأصلها من العرامة وهي الشدة والقوة. وقال ابن عباس ووهب وغيرهما: كان هذا السد يسقي جنتيهم، وكان فيما ذُكر بنته بلقيس وذلك أنها لما ملكت جعل قومها يقتتلون على ماء واديهم فجعلت تنهاهم فلا يطيعونها، فتركت ملكها وانطلقت إلى قصر لها فنزلته، فلما كثر الشر بينهم وندموا أتوها فأرادوها على أن ترجع إلى ملكها فأبت، فقالوا: لترجِعنَّ أو لنقتلنّكِ. فقالت: إنكم لا تطيعونني وليست لكم عقول. قالوا: فإنا نطيعكِ فإنا لم نجد فينا خيراً بعدكِ. جاءت فأمرت بواديهم فسد بالعرم وهو المسناة بلغة حمير، فسدت ما بين الجبلين بالصخر والقار، وجعلت له أبواباً ثلاثة بعضها فوق بعض، وبنت من دونه بركة ضخمة، فجعلت فيها اثني عشر مخرجاً على عدة أنهارهم، فلما جاء المطر اجتمع إليه ماء الشجر وأودية اليمن، فاحتبس السيل من وراء السد فأمرت بالباب الأعلى ففتح فجرى ماؤه في البركة وأمرت بالبعر فأُلقي فيها، فجعل بعض البعر يخرج أسرع من بعض، فلم تزل تضيق تلك الأنهار وترسل البعر في الماء حتى خرجت جميعاً معاً فكانت تقسمه بينهم على ذلك، حتى كان من شأنها وشأن سُليمان ما كان. وبقوا على ذلك بعدها، وكانوا يسقون من الباب الأعلى، ثم من الباب الثاني، ثم من الباب الأسفل ولا ينفد الماء، حتى يؤوب الماء من السنة المقبلة. فلما طغوا وكفروا، سلط الله عليهم جرذاً يسمى الخَلَد فنقب من أسفله، فغرّق الماء جناتهم وخرب أرضهم. وقال وهب: وكانوا فيما يزعمون يجدون في علمهم وكهانتهم أنه يخرب سدهم ذلك فأرة، فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلاّ ربطوا عندها هرة، فلما جاء زمان وما أراد الله بهم من التفريق أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء إلى هرة من تلك الهرر فساورتها حتى استأخرت عنها الهرة، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها فتغلغلت في السد فنقبت وحفرت حتى وهنته للسيل وهم لا يعلمون ذلك. فلما جاء السيل وجد خللاً فدخل فيه حتى قلع السد وفاض على أموالهم فغرّقها ودفن بيوتَهم الرملُ، وفرّقوا ومزقوا حتى صاروا مثلاً عند العرب [فقالوا]: تفرقوا أيادي سبأ، وأيدي سبأ، فذلك قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ}. وقيل: العرم هو المطر الشديد من العرامة وهي التمرّد والعصيان. {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ} قراءة العامة بالتنوين، وقرأ أبو عمرو ويعقوب بالإضافة، وهما متقاربتان كقول العرب: في بستان فلان أعنابُ كرم وأعنابٌ كرمٌ، فتضيف أحياناً الأعناب إلى الكرم؛ لأنه منه، وتنون أحياناً الأعناب، ثم يترجم بالكرم عنها؛ إذ كانت الأعناب ثمر الكرم. والأكل: الثمر، والخمط: الأراك في قول أكثر المفسرين، وقيل: كل شجرة ذات شوك، وقيل: شجرة الغضا، وقيل: هو كل نبت قد أخذ طعماً من المرارة حتى لا يمكن أكله، {وَأَثْلٍ} وهو الطرفاء، عن ابن عباس، وقيل: هو شجر شبيه بالطرفاء إلاّ أنه أعظم منه، وقال الحسن: الإثل الخشب. قتادة: ضرب من الخشب، وقيل: هو السمر. أبو عبيدة: هو النضار. {وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ}، قال قتادة: بينما شجر القوم من خير الشجر إذ صيره الله من شر الشجر بأعمالهم. قال الكلبي: فكانوا يستظلون بالشجر ويأكلون البربر وثمر السدر وأبوا أن يجيبوا الرُسل {ذَلِكَ} الذي جعلنا بهم، {جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ} أي بكفرهم، ومحل ذلك نصب بوقوع المجازاة عليه، تقديره جزيناهم ذلك بما كفروا: {وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ} قرأ أهل الكوفة بالنون وكسر الزاي ونصب الراء، واختاره أبو عبيدة قال: (لقوله): {جَزَيْنَاهُمْ}، ولم يقل: جُوزوا، وقرأ الآخرون بياء مضمومة وفتح الزاي ورفع الراء، ومعنى الآية: وهل يُجازى مثل هذا الجزاء إلاّ الكفور، وقال مجاهد: يجازي أي يُعاقب. {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} وهي الشام {قُرًى ظَاهِرَةً} أي متواصلة تظهر الثانية من الأُولى لقربها منها. قال الحسن: كان أحدهم يغدوا فيقيل في قرية ويروح فيأوي إلى أُخرى، وكانت المرأة تخرج معها مغزلها وعلى رأسها مكتلها ثم تمتهن بمغزلها فلا تأتي بيتها حتى يمتلئ مكتلها من الثمار، وكان ما بين اليمن والشام كذلك. وقال ابن عباس: قرئ ظاهرة يعني: قرئ عربيّة بين المدينة والشام. سعيد بن جُبير: هي القرى التي ما بين مأرب والشام. مجاهد: هي السروات، وهب بن منبه: هي قرى صنعاء. {وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ} أي جعلنا السير بين قراهم والقرى التي باركنا فيها سيراً مقدراً من منزل إلى منزل، ومن قرية إلى قرية، لا ينزلون إلاّ في قرية، ولا يغدون إلاّ في قرية، وقلنا لهم: {سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً} وقت شئتم {آمِنِينَ}: لا تخافون عدوّاً ولا جوعاً ولا عطشاً، ولا تحتاجون إلى زاد ولا ماء، فبطروا وطغوا ولم يصبروا على العافية وقالوا: لو كان جَنْيُ جِنانِنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه. {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا}: فاجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز لنركب فيها الرواحل، ونتزود الأزواد. فجعل الله لهم الإجابة، واختلف القراء في هذه الآية؛ فقرأ ابن كثير وأبو عمرو: (ربنا بعّد)، على وجه الدعاء والسؤال من (التبعيد)، وهي رواية هشام عن قرّاء الشام، وقرأ ابن الحنفية ويعقوب: {رَبُنَا} برفع الباء {بَاعَدَ} بفتح الباء والعين والدال على الخبر، وهي اختيار أبي حاتم، استبعدوا أسفارهم بطراً منهم وأشراً، وقرأ الباقون: {رَبَّنَا} بفتح الباء، {بَاعِدْ} بالألف وكسر العين وجزم الدال على الدعاء، ففعل الله ذلك بهم، فقال: {وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} بالكفر والبطر والطغيان، {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ}: عظة وعبرة يتمثل بهم، {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ}، قال الشعبي: أما غسان فلحقوا بالشام، وأما الأنصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعمان. وقال ابن إسحاق: يزعمون أنّ عمران بن عامر وهو عم القوم كان كاهناً فرأى في كهانته أنّ قومه سيمزقون ويباعد بين أسفارهم، فقال لهم: إني قد علمت أنكم ستمزقون، فمن كان منكم ذا همَ بعيد وحمل شديد ومزاد جديد فليلحق بكاسن أو كرود، قال: فكان وادعة بن عمرو. ومن كان منكم يُريد عيشاً هانئاً وحرماً آمناً فليلحق بالأردن فكانت خزاعة، ومن كان منكم يُريد الراسيات في الرجل والمطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل، فكان الأوس والخزرج، ومن كان منكم يُريد خمراً وخميراً وذهباً وحريراً وملكاً وتأميراً، فليلحق بكوثى وبصرى، فكانت غسان بنو جفنة ملوك الشام، ومن كان منهم بالعراق. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} قال مطرف: هو المؤمن الذي إذا ُأُعطي شكر وإذا ابتلي صبر. قوله: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ}، قرأ أهل الكوفة: بتشديد الدال وهي قراءة ابن عباس واختيار أبي عبيد، أي ظن فيهم ظناً حيث قال: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [ص: 82]، وقال: {أية : وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}تفسير : [الأعراف: 17]، فصدّق ظنه وحقّقه لفعله ذلك بهم واتّباعهم إياه، وقرأ الآخرون: {صَدَقَ} بالتخفيف أي صدق عليهم في ظنه بهم. {عَلَيْهِمْ} أي على أهل سبأ، وقال مجاهد: على الناس كلّهم إلاّ من أطاع الله {فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ} إلاّ تسليطنا إياه عليهم {لِنَعْلَمَ}: لنرى ونميز، ونعلمه موجوداً ظاهراً كائناً موجباً للثواب والعقاب، كما علمناه قبل مفقوداً معدوماً بعد ابتلاء منا لخلقنا. قال الحسن: والله ما ضربهم بسيف ولا عصا ولا سوط إلاّ أماني وغروراً دعاهم إليها. {مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ} الآية. {قُلِ} يا محمد لهؤلاء المشركين الذين أنت بين ظهرانيهم: {ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ} أنهم آلهة {مِّن دُونِ ٱللَّهِ}، ثم وصفها فقال: {لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} من خير وشر وضرّ ونفع، فكيف يكون إلهاً من كان كذلك؟ {وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا} أي في السماوات والأرض {مِن شِرْكٍ} شركة {وَمَا لَهُ} أي لله {مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ}: عون. {وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} تكذيباً منه لهم حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وقرأ أبو عمرو والأعمش وحمزة والكسائي: (أُذن) بضم الألف، واختلف فيها عن عاصم، وقرأ غيرهم: بالفتح. {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ} قرأ ابن عامر ويعقوب بفتح الفاء والزاي، [وقرأ] غيرهما: بضم الفاء وكسر الزاي، أي كشف الفزع، وأخرج {عَن قُلُوبِهِمْ}، وأخبرني ابن فنجويه قال: أخبرني أبو علي بن حبيس المقرئ قال: حدثنا أبو عبيد القاضي قال: أخبرني الحسين بن محمد الصباغ عن عبد الوهاب عن موسى الأسواري عن الحسن أنه كان يقرؤها حتى (إذا فرع عن قلوبهم) - بالراء والعين - يعني: فرعت قلوبهم من الخوف. واختلفوا في هذه الكناية والموصوفين بهذه الصفة؛ من هم؟ وما السبب الذي من أجله فزع عن قلوبهم؟ فقال قوم: هم الملائكة، ثم اختلفوا في سبب ذلك، فقال بعضهم: إنما يُفزع عن قلوبهم غشية تصيبهم عند سماعهم كلام الله سبحانه. أخبرنا عبد الله بن حامد عن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل عن الحسن بن علي بن عفان قال: حدثنا ابن نمير عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله قال: إذا تكلم الله عز وجل بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان فيصعقون عند ذلك ويخرون سجداً، فإذا علموا أنه وحي فزع عن قلوبهم. قال: فيُرد إليهم، فينادي أهل السماوات بعضهم بعضاً: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} فرفعه بعضهم. وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرني أبو العباس أحمد بن محمد بن أبي سعيد البزاز قال: حدثنا علي بن أشكاب قال: أخبرني أبو معاوية عن الأعمش عن مسلم بن صبيح عن مسروق عن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : إن الله عز وجل إذا تكلم بالوحي سمع أهل السماء للسماء صلصلة كجر السلسلة على الصفاء، فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبرائيل (عليه السلام)، فإذا جاءهم جبرائيل عليه السلام فزع عن قلوبهم فيقولون: يا جبرائيل ماذا قال ربك؟ قال: يقول: الحق، فينادون: الحق الحق ". تفسير : والشاهد لهذا الحديث والمفسر له ما أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الفقيه قال: أخبرني أبو بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب قال: أخبرنا بشر بن موسى قال: حدثنا الحميدي قال: حدّثنا سفيان عن عمرو بن دينار قال: سمعت عكرمة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: إنّ نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا قضى الله عز وجل الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: للذي قال: الحق وهو العلي الكبير ". تفسير : وأنبأني عقيل بن محمد عن المعافى بن زكريا عن محمد بن جرير الطبري عن زكريا بن أبان المصري عن نعيم عن الوليد بن مسلم عن عبد الرَّحْمن بن يزيد بن جابر عن أبي زكريا عن رجاء بن حبوة عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله «: "حديث : فإذا سمع بذلك أهل السماوات، صعقوا وخرّوا لله سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبرائيل، فيكلمه الله من وحيه بما أراده، ثم يمر جبرائيل على الملائكة، كلما مرّ بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبرائيل؟ فيقول جبرائيل: قال الحق وهو العلي الكبير. قال: فيقولون كلهم مثلما ما قال جبرائيل، فينتهي جبرائيل بالوحي حيث أمر الله ". تفسير : وبه عن ابن جرير عن يعقوب عن ابن علية عن أيوب عن هشام عن عروة قال: قال الحرث ابن هشام لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يأتيك الوحي؟ قال:"حديث : يأتيني في صلصلة كصلصلة الجرس فيفصم عني حين يفصم وقد وعيته، ويأتيني أحياناً في مثل صورة الرجل فيكلمني به كلاماً وهو أهون عليّ ". تفسير : وقال بعضهم: إنما يفزعون حذراً من قيام الساعة. وقال الكلبي: كان بين عيسى ومحمد(عليهما السلام) فترة زمان طويلة لا يجري فيها الرسل خمسمائة وخمسين عاماً، فلما بعث الله محمداً (عليه السلام) كلّم الله جبرائيل بالرسالة إلى محمد، فلما سمعت الملائكة الصوت ظنوا أنها الساعة قد قامت فصعقوا مما سمعوا. فلما انحدر جبرائيل جعل يمر بأهل كلّ سماء فيكشط عنهم فيرفعون رؤوسهم، فيقول بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ فلم يدروا ما كان ولكنهم قالوا: قال الحق وهو العلي الكبير؛ وذلك أنّ محمداً عند أهل السماوات من أشراط الساعة، فلما بعثه الله تعالى فزع أهل السماوات لا يشكون إلاّ أنها الساعة. وقال الضحاك: إنّ الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى أهل الأرض يكتبون أعمالهم، إذا أرسلهم الرب فانحدروا سمع لهم صوت شديد، فيحسب الذين هم أسفل من الملائكة أنه من أمر الساعة فيخرون سجداً ويصعقون، حتى يعلموا أنه ليس من أمر الساعة، وهذا تنبيه من الله سبحانه وإخبار أنّ الملائكة مع هذه الصفة لا يمكنهم أنْ يشفعوا لأحد إلاّ أنْ يؤذن لهم، فإذا أذن الله لهم وسمعوا وحيه كان هذا حالهم. فكيف تشفع الأصنام؟ وقال آخرون: بل الموصوفون بذلك المشركون. قال الحسن وابن زيد يعني: حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين عند نزول الموت بهم إقامة للحجة عليهم، قالت لهم الملائكة: ماذا قال ربكم في الدنيا؟ قالوا: الحق، فأقرّوا به حين لم ينفعهم الإقرار، ودليل هذا التأويل قوله تعالى في آخر السورة: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ}تفسير : [سبأ: 51]. { قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} هذا على جهة الإنصاف في الحجاج كما يقول القائل: أحدنا كاذب وهو يعلم أنه صادق وأنّ صاحبه كاذب. والمعنى: ما نحن وأنتم على أمر واحد، إنّ أحد الفريقين لمهتد والآخر ضال. فالنبيّ ومن معه على الهدى ومن خالفه في ضلال، فكذبهم بأحسن من تصريح التكذيب. وقيل هذا على جهة الاستهزاء بهم وهو غير شاك في دينه، وهذا كقول الشاعر وهو أبو الأسود: شعر : يقول الأرذلون بنو قُشير: طوالَ الدهر لا تنسى عليّا بنو عم النبي وأقربوه أحبُّ الناس كلّهمُ إلَيّا فإن يك حبهم رشداً أصبْهُ وليس بمخطئ إن كان غياً تفسير : فقاله من غير شك، وقد أيقن أن حبهم رشد. وقال بعضهم: {أَوْ} بمعنى الواو، يعني: إنا لعلى هدىً وإنكم إياكم لفي ضلال مبين، كقول جرير: شعر : أثعلبة الفوارس أو رياحا عدلت بهم طُهيّة والخشابا تفسير : يعني ثعلبة ورياحا. {قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا} يوم القيامة {ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا}: يقضي بيننا {بِٱلْحَقِّ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ * قُلْ أَرُونِيَ ٱلَّذيِنَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَآءَ} يعني الأصنام هل خلقوا من الأرض شيئاً أم لهم شرك في السماوات: وتفسيرها في سورة (الملائكة) و(الأحقاف). ثم قال تعالى {كَلاَّ بَلْ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحْكِيمُ}، وهو القاهر القوي الذي يمنع من يشاء ولا يمنعه مانع، فهو العزيز المنتقم ممن كفر به وخالفه، الحكيم في تدبيره لخلقه، فأنّى يكون له شريك في ملكه؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ينقلنا الحق - تبارك وتعالى - من قصة سليمان عليه السلام إلى أهل سبأ، فما العلاقة بينهما؟ المتأمل في سور القرآن وآياته يجد بينها ترابطاً وانسجاماً، والمناسبة هنا أن سيدنا سليمان كانت له أبرز قصة في الإيمانيات والعقائد مع بلقيس ملكة سبأ، فبينهما إذن علاقة، وهذه النقلة لها مناسبتها. وقصة سليمان والهدهد وبلقيس قصة مشهورة، وبها دلالات إيمانية عظيمة في العقيدة، وفي بيان أن الحيوان عنده دراية بالعقيدة، وبأسرار الله في كونه. و (سَبَأ) عَلَم على رجل اسمه عمرو بن عامر، ويُلقِّبونه بمزيقباء وأبوه (ماء السماء) وقد سأل كرَّة بين نسيك رضي الله عنه سيدنا رسول الله عن سبأ فقال: (كذا وكذا ...) وكان له عشرة أولاد هم: أزد، وكِنْدة، ومَذْحج، وأشعريون، وأنمار، وغسان، وعاملة، ولَخْم، وجُذَام، وخثعم. وقد كوَّن كل واحد منهم قبيلة كبيرة. ستة من هؤلاء ذهبوا إلى اليمن، وأربعة ذهبوا إلى الشام، الذين ذهبوا إلى اليمن عاشوا في خيرها الوفير، فَيُروى أن بلقيس لما رأتْ ماء المطر يسيح في الوديان وتتشرَّبه الأرض، فلا يستفيدون به، فكَّرت في بناء سد بين جبلين يحجز ماء المطر، وجعلت به عيوناً كالتي عندنا في القناطر الخيرية مثلاً، تفتح عند الحاجة وتعطي الماء بقدر؛ لذلك زاد الخير والنماء في اليمن، حتى سُمِّيت اليمن الخصيب واليمن السعيد. إلا أن عرافة عندهم أو امرأة حكيمة ذات رأي قالت لسبأ هذا: إن السد سيخرب ويُغْرق ماؤه اليمن فاخرج منها، وفعلاً خرج سبأ إلى الحجاز والشام، حيث ذهب الغساسنة إلى الشام، والمناذرة إلى العراق، وأنمار إلى المدينة، وأزد إلى عمان في الأردن. واسم سبأ بعد أنْ كان عَلَماً على شخص تعدَّى إلى أنْ صار اسماً لقبيلة، ثم اسماً للمكان الذي يسكنونه. وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ ..} [سبأ: 15] أي: المكان الذي يسكنونه، والمكان الذي يعيش فيه الإنسان يُسمَّى (سكن) أو (بيت) أو (منزل)، ولكل منها معنى. والسكن هو المكان الذي يتخذه الإنسان ليسكن إليه وليطمئن فيه، ويرتاح من حركة الحياة والعمل، والإنسان لا يسكن إلا في مكان تتوفر فيه مُقوِّمات الحياة والأمن. لذلك فإن سيدنا إبراهيم عليه السلام لما وضع زوجته وولده عند البيت دعا ربه: {أية : رَّبَّنَآ إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ ..} تفسير : [إبراهيم: 37]. فقد كان هذا المكان جَدْباً لا زرع فيه ولا ماء، ولا مُقوِّم من مقومات الحياة إلا الهواء ومعنى {أية : أَسْكَنتُ ..} تفسير : [إبراهيم: 37] أي: وطَّنْتهم في هذا المكان. أما المنزل فهو المكان تنزل فيه مرة أو عدة مرات، ثم ترحل عنه لا تقيم فيه إقامة دائمة، فهو كالاستراحات التي تُجعل للطوارئ، ولا يقيم فيها أهلها إلا عدة أيام في السنة كلها. ومن ذلك ما حديث : رُوِى أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل ببدر سأله الصحابي الجليل الحباب بن المنذر: يا رسول الله، أهذا منزل أنزلكه الله؟ أن هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة" قال: إذن لا أراه لك بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نُعَوِّر (نفسد) ما وراءه من القُلُب، ثم نبني عليه حوضاً فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد أشرت بالرأي" ". تفسير : إذن: السكن فيه دوام واستقرار، أما المنزل فهو استراحة، إنْ شئتَ نزلتَ به، وإنْ شئتَ رحلتَ عنه. أما البيت فيُلاحظ فيه البيتوتة، والإنسان لا ينام نوماً مريحاً إلا في مكان يأمن فيه على نفسه وعلى ماله، فإن الخائف وكذلك الجوعان لا ينام. ومن السكن قوله تعالى في بني إسرائيل: {أية : وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ ٱلآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً} تفسير : [الإسراء: 104]. أخذ أحد المستشرقين هذه الآية، وجعلها دليلاً على أن الأرض كلها مُبَاحة لليهود، كيف وهم في الأرض، وأنت حين تريد هذا الأمر تقول: اسكن القاهرة، اسكن طنطا مثلاً، فتعين لي مكاناً، لكن {ٱسْكُنُواْ ٱلأَرْضَ} [الإسراء: 104] لها معنى آخر، هو التقطيع الذي قال الله عنه: {أية : وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي ٱلأَرْضِ أُمَماً ..} تفسير : [الأعراف: 168]. يعني: ليس لهم وطن مخصوص، وسوف ينساحون في الدنيا كلها، ولن يتمكن أحد من ضربهم والقضاء عليهم، وهم على هذه الحالة من التقطيع، حتى يأتي أمر الله، ويجمعهم في مكان واحد، وعندها سيسهل القضاء عليهم. ومعنى كلمة {آيَةٌ ..} [سبأ: 15] نقول: فلان آية في الكرم، وفلان آية في الأدب .. إلخ، والمراد شيء عجيب نادر الوجود، والحق سبحانه حدثنا عن أنواع ثلاثة من الآيات: آيات كونية مثل: {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ ٱلَّيلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ..} تفسير : [فصلت: 37] {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى ٱلأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا ٱلْمَآءَ ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ ..} تفسير : [فصلت: 39]. وآيات بمعنى معجزات وخوارق للعادة، تأتي على أيدي الرسل لتؤيدهم وتثبت صدْقهم في البلاغ عن الله، كما في قوله تعالى: {أية : ٱسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوۤءٍ ..} تفسير : [القصص: 32]. ثم تُطلق الآيات على آيات الكتاب الحاملة لأحكام الله في القرآن الكريم، وهذه كلها - سواء كانت آيات كونية، أو معجزات، أو آيات القرآن - كلها عجائب، وإن كانت هذه العجائب واضحة في الآيات الكونية وفي المعجزات، فهي أيضاً واضحة في آيات الكتاب الحكيم، فالقرآن عجيبة في تنظيم حياة الناس بدليل أن الكافر به سيُضطر إلى الأخذ بأحكامه والانصياع لقوانينه، لا على أنها دين، ولكن على أنها قوانين حياة. وسبق أنْ مثَّلْنا لذلك بأحكام الطلاق التي طالما نقدوها وهاجموها، واتهموا دين الله - ظلماً وجهلاً - بالقسوة، ثم بعد ذلك نراهم يلجئون إليه، ولا يجدون حلاً لبعض مشكلاتهم إلا في الطلاق وفي الرجوع إلى أحكام الله، مع أنهم غير مؤمنين به، وهذا منتهى الغَلَبة لدين الله أن يرجع إليه الكافر به، إنها غلبة الحق وغلبة الحجة. وسبق أنْ قُلْنا: إن أحد المستشرقين سألنا في سان فرانسيسكو قال: في القرآن {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} تفسير : [الصف: 9]. وبعد أربعة عشر قرناً من الزمان ما زال في الدنيا يهودية ومسيحية وبوذية ... إلخ، وهذا الكلام يدل على عدم فَهْم لمعنى الآيات، فليس المراد {أية : لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ ..} تفسير : [الصف: 9] أن يصبح الناس جميعاً مؤمنين، بدليل قوله تعالى {أية : وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ ..} تفسير : [الصف: 9]. إذن: فالدين سيظهر ظهور حجة وظهور غلبة على تقنيناتهم، وسوف يطرأ عليهم من مشكلات الحياة ما لا يجدون له حلاً إلا في شرع الله، وهذا هو الظهور المراد في الآية. ثم يوضح الحق - تبارك وتعالى - ماهية الآية التي كانت لسبأ في مسكنهم، فيقول سبحانه: {جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ..} [سبأ: 15] وما دام الله تعالى وصف هاتين الجنتين بأنهما آية، فلا بُدَّ أن فيهما عجائب، وأنهما يختلفان عن الجِنَان التي نعرفها. وقد حدَّثنا العلماء عن هذه العجائب فقالوا عن هاتين الجنتين: لا تجد فيهما عقرباً، ولا حية، ولا ذباباً، ولا برغوثاً ... إلخ، فإنْ طرأ عليهما طارئ، وفي جسمه قُمَّل فإنه يموت بمجرد أنْ يدخل إحدى هاتين الجنتين، وهذه كلها عجائب في الجنتين. ونلحظ هنا أن الآية مفرد والعجائب كثيرة؛ لأن كلمة آية تُطْلَق على الجمع أيضاً، ومن ذلك قوله تعالى في سيدنا عيسى عليه السلام: {أية : وَجَعَلْنَا ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ..} تفسير : [المؤمنون: 50] ولم يقل آيتين، قالوا: لأن الأمر العجيب الذي جمعهما واحد، فعيسى عليه السلام وُلِد من لا ذكورة، وأمه حملتْ وولَدتْ كذلك من لا ذكورة، فالآيتان آية واحدة. ومعنى: {جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ..} [سبأ: 15] يحتمل أنْ يكون لكل واحد منهم جنتان، واحدة عن اليمين، والأخرى عن الشمال، وبيته في الوسط، ويحتمل أن تكون الجنتان لأهل سبأ جميعاً، بمعنى أنها جِنَان موصولة عن اليمين، وجِنَان موصولة عن الشمال وَصْلاً لا يُميَّز بسور ولا حائط، مما يدل على أن الأمن كان مستتباً بينهم، وقد شاهدنا مثل هذا في أمريكا، حيث الحقول والمزارع ممتدة متصلة لا يفصلها إلا مجرد سِلْك بسيط. وقوله سبحانه {كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ ..} [سبأ: 15] كيف نفهم {كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ ..} [سبأ: 15] والناس جميعاً يأكلون من رزق الله؟ قالوا: الناس يأكلون من رزق الله بالأسباب، إنما هذا رزق الله مباشرة بلا أسباب؛ لذلك يقول تعالى في موضع آخر {أية : كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ..} تفسير : [طه: 81]. فليس كل الرزق طيباً للأكل، إنما هنا {كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ ..} [سبأ: 15] أي: كله طيب، وكله حلو، فالفاكهة في هاتين الجنتين لا يصيبها عطب، ولا يطرأ على ثمارها ما يطرأ على الثمار من فساد؛ لذلك سيقول سبحانه في آخر الآية: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} [سبأ: 15]. ونعرف أن البساتين مؤونة الخدمة فيها قليلة؛ لذلك نرى الفلاح حين يضيق بزراعة الأرض وأجور العمالة يلجأ إلى زراعة الحدائق والبساتين المثمرة؛ لأنها أقلّ تكلفة، ولا تحتاج إلى رعاية كثيرة إلا وقت الإثمار. والحق سبحانه يقول في غير هذا الموضع: {أية : أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ ٱلزَّارِعُونَ} تفسير : [الواقعة: 63-64] فأثبت لهم عملاً وحرثاً، إنما المسألة هنا في هاتين الجنتين، فهي عطاء من الله بلا عمل وبلا أسباب، فالله سبحانه هو الزارع، وقد خصَّها بالجو اللطيف، لا حرَّ ولا قرَّ، ولا سآمة، ولا مخافة، ولا زهد في نعمة من النعم لتكرارها. إذن لا عمل لهم في حدائقهم ينتج ما يستمتعون به، إنما عملهم أنْ يشكروا المُنعِمَ سبحانه ليزيدهم من الخيرات، وشكْر النعمة هو حكمة العبد مع مولاه؛ لذلك قال سبحانه عن لقمان: {أية : وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ ٱلْحِكْمَةَ ..} تفسير : [لقمان: 12] ما هذه الحكمة؟ {أية : أَنِ ٱشْكُرْ للَّهِ..} تفسير : [لقمان: 12] لأن شكر النعمة يزيدها. وقوله سبحانه: {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ..} [سبأ: 15] يعني: تعطيك طيب الأشياء بدون منغصات فيها؛ لأن هناك أشياء تعطيك طيباً تهنأ به، لكنها تتعبك وتنغِّصك فيما بعد. أما هذه البلدة فما فيها طيب تأكله هنيئاً مريئاً؛ لأنها رزق الله بدون أسباب من العباد، لكن حين يتدخل العباد في عطاء الله تظهر في النعم متاعب ومنغِّصات، وهذا ما نعاني منه الآن بسبب التدخل في المزروعات بالمواد الكيماوية والمبيدات الحشرية، التي أفسدت علينا حياتنا، وجاء ضررها أكثر من نفعها حتى أصبحنا نعزو كل الأمراض إلى تدخّلنا في عطاء الله، ولو تركنا الأرض تُروى بماء السماء كما كان في البداية لذُقْنا الخير بلا مُنغِّصات، فمن الضروري أن نتأدب مع الله في عطائه. لذلك تجد كثيراً من المترفين والمثقفين وأهل العلم والفلاسفة يحبون الخروج من ضوضاء المدن وتلوث هوائها ومياهها وما فيها من صخب ويخرجون إلى الريف أو البراري، يهربون من الآثار الضارة للحضارة الحديثة إلى الخلاء، حيث يعيش راعي الأغنام، حيث الطبيعة كما خلقها الله، وحيث الفطرة السليمة التي لم يتدخل فيها البشر. تذكرون في الماضى، كنا نقاوم دودة القطن مقاومة يدوية طبيعية، فلما تقدمت العلوم جاءوا بمادة (دى دى تي) للقضاء على دودة القطن، لكن هذه المادة السامة أماتتْ كل شيء في الحقول، قضَتْ على الأسماك في الترع والمصارف، وقضتْ على (أبى قردان) صديق الفلاح، ولوَّثت الماء والمزروعات ... إلخ. أما دودة القطن فهي الوحيدة التي أخذت مناعة، وأصبحت كما قلنا (كييفة) دى دى تي. أما سبأ فكانت {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ..} [سبأ: 15] بكل ما فيها من طيب الماء والهواء والتربة لم يُصِبْها تلوث من أىِّ نوع، وإذا كانت البلدة نفسها طيبة، فما بالك بما عليها؟ وفى الآية طلبان {كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ ..} [سبأ: 15] وفيها تحذير: إياك أنْ تغتر بالنعمة، وتظن أنها أصبحت ملكاً لك، وتنسى المنعم بها عليك، إياك أنْ تكون كالذي قال الله فيه {أية : كَلاَّ إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ ٱسْتَغْنَىٰ} تفسير : [العلق: 6-7]. إياك أن تظن أنك أصيل في هذه المسألة، وظلّ دائماً على ذِكْر بأن المنعم هو الله، وأن ما أنت فيه هو من عطاء الله، ثم بعد ذَلك عليك أن تشكره سبحانه؛ لأن الشكر قيد النعم. وفي موضع آخر، تكلم الحق سبحانه عن شكر النعمة فقال: {أية : وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ ٱلشَّكُورُ} تفسير : [سبأ: 13] والحمد لله أنه سبحانه لم يقُلْ: وقليل من عبادي الشاكر، وتعلمون أن الشكور صيغة مبالغة من الشكر، أو الشكور هو الذي يشكر على النعمة، ثم يشكر الله على أن ألهمه أنْ يشكر على النعمة، فكأنه قدَّم الشكر مرتين. ثم لم يَقْصُر النعمة على أهل سبأ في الدنيا وحَسْب، إنما تعدَّت نعمته عليهم إلى الآخرة، ففى الدنيا {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ ..} [سبأ: 15] وفي الآخرة {وَرَبٌّ غَفُورٌ} [سبأ: 15] يعني: يتجاوز عنكم إنْ حدثت منكم زَلَّة أو هفوة. ثم يُبيِّن الحق سبحانه النتيجة وردَّ فِعْلهم: فيقول: {فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ...}.

الصابوني

تفسير : المنَاسَبَة: لما بيَّن تعالى حال الشاكرين لنعمه بذكر "داود" و"سليمان" بيَّن حال الكافرين لأنعمه بقصة سبأ، موعظةً لقريش وتحذيراً وتنبيهاً على ما جرى من المصائب والنكبات على من كفر بأنعم الله، ثم ذكَّر كفار مكة بنعمه ليعبدوه ويشكروه. اللغَة: {سَبَإٍ} قبيلة من العرب سكنت اليمن سميت باسم جدهم "سبأ بن يشجب بن قحطان" {ٱلْعَرِمِ} الحاجز بين الشيئين قال النحاس: وما يجتمع من مطر بين جبلين وفي وجهه مُسنَّاة - أي حاجز - فهو العرم {خَمْطٍ} الخمط: المرُّ البشع، قال الزجاج: كل نبتٍ فيه مرارةٌ لا يمكن أكله فهو خمط وقال المبرد: هو كل ما تغيَّر إلى ما لا يُشتهى، واللبنُ إِذا حمض فهو خمط {أَثْلٍ} الأثل: شجر لا ثمر له قال الفراء: وهو شبيه بالطرفاء إِلا أنه أعظم منه طولاً ومنه اتخذ منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم والواحدة أثلة {سِدْرٍ} قال الفراء: هو السَّرو، وقال الأزهري: السدر نوعان: سدر لا ينتفع به ولا يصلح ورقه للغسول وله ثمرة عصفة لا تؤكل، وسدر ينبت على الماء وثمره النبق وورقه غسول {ظَهِيرٍ} معين {ٱلْفَتَّاحُ} القاضي والحاكم بالحق. التفسِير: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ} اللام موطئة للقسم أي والله لقد كان لقوم سبأ في موضع سكناهم باليمن آية عظيمة دالة على الله جل وعلا وعلى قدرته على مجازاة المحسن بإِحسانه، والمسيء بإِساءته، فإِن قوم سبأ لما كفروا نعمة الله خرَّب الله ملكهم، وشتَّت شملهم، ومزَّقهم شرَّ ممزَّق، وجعلهم عبرةً لمن يعتبر، ثم بيَّن تعالى وجه تلك النعمة فقال: {جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ} أي حديقتان عظيمتان فيهما من كل أنواع الفواكه والثمار عن يمين الوادي بساتين ناضرة، وعن شماله كذلك، قال قتادة: كانت بساتينهم ذات أشجار وثمار، تسرُّ الناس بظلالها، وكانت المرأة تمشي تحت الأشجار وعلى رأسها مكتل أو زنبيل، فيتساقط من الأشجار ما يملؤه من غير كلفةٍ ولا قطاف لكثرته ونضجه وقال البيضاوي: ولم يرد بستانين اثنين فحسب، بل أراد جماعتين من البساتين، جماعة عن يمين بلدهم، وجماعة عن شماله سميت كل جماعة منها جنة لكونها في تقاربها وتضامها كأنها جنة واحدة {كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ} أي وقلنا لهم على لسان الرسل: كلوا من فضل الله وإِنعامه واشكروا ربكم على هذه النعم {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ} أي هذه بلدتكم التي تسكنونها بلدةٌ طيبة، كريمة التربة، حسنة الهواء، كثيرة الخيرات، وربكم الذي رزقكم وأمركم بشكره ربٌ غفورٌ لمن شكره {فَأَعْرَضُواْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ} أي فأعرضوا عن طاعة الله وشكره، واتباع أوامر رسله، فأرسلنا عليهم السيل المدمّر المخرب الذي لا يطاق لشدته وكثرته، فغرَّق بساتينهم ودورهم، قال الطبري: وحين أعرضوا عن تصديق الرسل، ثقب ذلك السدُّ الذي كان يحبس عنهم السيول، ثم فاض الماء على جناتهم فغرَّقها، وخرَّب أرضهم وديارهم {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ} أي وأبدلناهم بتلك البساتين الغناء، بساتين قاحلة جرداء، ذات أُكل مرٍّ بشع {وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ} وشيء من الأشجار التي لا ينتفع بثمرها كشجر الأثل والسِّدر، قال الرازي: أرسل الله عليهم سيلاً غرَّق أموالهم، وخرَّب دورهم، والخمطُ كلُّ شجرة لها شوك وثمرتها مرة، والأثلُ نوع من الطرفاء، ولا يكون عليه ثمرة إِلا في بعض الأوقات، يكون عليه شيء كالعفص أو أصغر منه في طعمه وطبعه، والسدر معروف وقال فيه {قَلِيلٍ} لأنه كان أحسن أشجارهم، وقد بيَّن تعالى بالآية طريقة الخراب، وذلك لأن البساتين التي فيها الناس تكون فيها الفواكة الطيبة بسبب العمارة، فإِذا تركت سنين تصبح كالغيضة والأجمة تلتفُّ الأشجار بعضها ببعض وتنبتُ المفسدات فيها، فتقل الثمار وتكثر الأشجار قال المفسرون: وتسمية البدل "جنتين" فيه ضربٌ من التهكم، لأن الأثل والسدر وما كان فيه خمط لا يسمى جنة، لأنها أشجار لا يكاد ينتفع بها، وإنما جاء التعبير على سبيل المشاكلة {ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ} أي ذلك الجزاء الفظيع الذي عاقبناهم به إِنما كان بسبب كفرهم {وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ}؟ أي وما نجازي بمثل هذا الجزاء الشديد إِلا الكافر المبالغ في كفره، قال مجاهد: أي ولا يعاقب إِلا الكفور، لأن المؤمن يكفِّر الله عنه سيئاته، والكافرُ يجازى بكل سوءٍ عمله {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً} هذا من تتمة ذكر ما أنعم الله به عليهم أي وجعلنا بين بلاد سبأ وبين القرى الشامية التي باركنا فيها للعالمين قرى متواصلة من اليمن إِلى الشام، يُرى بعضها من بعض لتقاربها، ظاهرة لأبناء السبيل {وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ} أي جعلنا السير بين قراهم وبين قرى الشام سيراً مقدراً من منزل إِلى منزل، ومن قرية إِلى قرية {سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ} أي وقلنا لهم سيروا بين هذه القرى متى شئتم لا تخافون في ليل ولا في نهار، قال الزمخشري: كان الغادي منهم يقيل في قرية، والرائح يبيت في قرية إلى أن يبلغ الشام، لا يخاف جوعاً ولا عطشاً ولا عدواً، ولا يحتاج إِلى حمل زاد ولا ماء، وكانوا يسيرون آمنين لا يخافون شيئاً {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} إِخبارٌ بما قابلوا به النعم من الكفران أي أنهم حين بطروا النعمة، وملوا العافية، وسئموا الراحة طلبوا من الله أن يباعد بين قراهم المتصلة ليمشوا في المفاوز ويتزودوا للأسفار، فعجَّل الله إِجابتهم، بتخريب تلك القرى وجعلها مفاوز قفاراً {وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} أي وظلموا أنفسهم بكفرهم وجحودهم النعمة {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} أي جعلناهم أخباراً تُروى اللناس بعدهم {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} أي وفرقناهم في البلاد شذر مذر {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي إن فيما ذكر من قصتهم لعبراً وعظات لكل عبد صابرٍ على البلاء، شاكر في النعماء، والمقصود من ذكر قصة سبأ تحذير الناس من كفران النعمة لئلا يحل بهم ما حل بمن قبلهم، ولهذا أصبحت قصتهم يضرب بها المثل فيقال: "ذهبوا أيدي سبأ" ثم ذكر تعالى سبب ضلال المشركين فقال {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} أي تحقق ظن إِبليس اللعين في هؤلاء الضالين، حيث ظنَّ أنه يستطيع أن يغويهم بتزيين الباطل لهم، وأقسم بقوله {أية : وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}تفسير : [الحجر: 39] فتحقق ما كان يظنه، قال مجاهد: ظنَّ ظناً فكان كما ظن فصدَّق ظنَّه {فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} أي فاتبعه الناس فيما دعاهم إِليه من الضلالة إِلا فريقاً هم المؤمنون فإِنهم لم يتبعوه قال القرطبي: أي ما سلم من المؤمنين إِلا فريق، وعن ابن عباس أنهم المؤمنون كلُّهم فتكون {مِّنَ} على هذا للتبيين لا للتبعيض، وإِنما علم إِبليس صدق ظنه وهو لا يعلم الغيب، لأنه لمَّا نفذ له في آدم ما نفذ، غلب على ظنه أنه ينفذ له مثل ذلك في ذريته وقد وقع له تحقيق ما ظنَّ {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ} أي وما كان لإِبليس تسلط واستيلاء عليهم بالوسوسة والإِغواء {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ} أي إِلا لحكمة جليلة وهي أن نظهر علمنا للعباد بمن هو مؤمن مصدِّق بالآخرة، ومن هو شاك مرتاب في أمرها، فنجازي كلاً بعمله قال القرطبي: أي لم يقهرهم إِبليس على الكفر، وإِنما كان منه الدعاء والتزيين وقال الحسن: واللهِ ما ضربهم بعصا، ولا أكرههم على شيء، وما كان إِلا غروراً وأماني دعاهم إِليها فأجابوه {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ} أي وربك يا محمد على كل شيء رقيب، لا تخفى عليه خافية من أفعال العباد، فهو الذي يحفظ عليهم أعمالهم، ويعلم نياتهم وأحوالهم، قال الصاوي: الشيطان سبب الإِغواء لا خالق الإِغواء، فمن أراد الله حفظه منع الشيطان عنه، ومن أراد إِغواءه سلَّط عليه الشيطان، والكل فعل الله تعالى، وإِنما سبقت حكمته بتسليط الشيطان على الإِنسان ابتلاءً وامتحاناً ليميز الله الخبيث من الطيب، والمراد بقوله {لِنَعْلَمَ} أي لنظهر للخلق علمنا، وإِلا فالله تعالى عالم بما كان وما يكون {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين ادعوا شركاءكم الذين عبدتموهم من الأصنام، وزعمتم أنهم آلهة من دون الله، أُدعوهم ليجلبوا لكم الخير، ويدفعوا عنكم الضر قال أبو حيان: والأمر بدعاء الآلهة للتعجيز وإِقامة الحجة عليهم {لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} أي لا يملكون وزن ذرة من خيرٍ أو نفعٍ أو ضر {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} أي في العالم العلوي أو السفلي، وليسوا بقادرين على أمرٍ من الأمور في الكون بأجمعه {وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ} أي وليس لتلك الآلهة شركة مع الله لا خلقاً ولا ملكاً ولا تصرفاً {وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ} أي وليس له تعالى من الآلهة معينٌ يُعينه في تدبير أمرهما، بل هو وحده الخالق لكل شيء، المنفرد بالإِيجاد والإِعدام، ثم لما نفى عنها الخلق والملك، نفى عنها الشفاعة أيضاً فقال {وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} أي لا تكون الشفاعة لأحدٍ عند الله من ملكٍ أو نبي، حتى يُؤذن له في الشفاعة، فكيف يزعمون أن آلهتهم يشفعون لهم؟ قال ابن كثير: أي أنه تعالى لعظمته وجلاله وكبريائه لا يجترىء أحدٌ أن يشفع عنده في شيءٍ إِلا بعد إِذنه له في الشفاعة كقوله: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ}تفسير : [البقرة: 255] وقوله: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ}تفسير : [الأنبياء: 28] وإِنما كانت الشفاعة لسيد ولد آدم إِظهاراً لمقامه الشريف، فهو أكبر شفيع عند الله، وذلك حين يقوم المقام المحمود ليشفع في الخلق كلهم {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} أي حتى إِذا زال الفزع والخوف عن قلوب الشفعاء، من الملائكة والأنبياء {قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ} أي قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم في أمر الشفاعة؟ فأجابوهم بقولهم: قد أذن فيها للمؤمنين قال القرطبي: إِن الله تعالى يأذن للأنبياء والملائكة في الشفاعة، وهم على غاية الفزع من الله، لما يقترن بتلك الحال من الأمر الهائل، والخوف الشديد أن يقع منهم تقصير، فإذا سُرِّي عنهم قالوا للملائكة فوقهم: ماذا قال ربكم؟ أي بماذا أمر الله؟ قالوا: الحقَّ أي إِنه أذن لكم في الشفاعة للمؤمنين {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} أي هو تعالى المتفرد بالعلو والكبرياء، العظيم في سلطانه وجلاله قال أبو السعود: وهذا من تمام كلام الشفعاء، قالوه اعترافاً بغاية عظمة جناب الله عز وجل، فليس لأحدٍ أن يتكلم إِلا بإِذنه، ثم وبَّخ تعالى المشركين في عبادتهم غير الخالق الرازق فقال {قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي قل لهم يا محمد من الذي يرزقكم من السماوات بإِنزال المطر، ومن الأرض بإِخراج النبات والثمرات؟{قُلِ ٱللَّهُ} أي قل لهم: اللهُ الرازق لا آلهتكم، قال ابن الجوزي: وإِنما أُمر عليه السلام أن يسأل الكفار عن هذا احتجاجاً عليهم بأن الذي يرزق هو المستحق للعبادة، وهم لا يثبتون رازقاً سواه، ولهذا جاء الجواب {قُلِ ٱللَّهُ} لأنهم لا يجيبون بغير هذا {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} أي وأحد الفريقين منا أو منكم لعلى هدى أو ضلال بيِّن، وهذا نهاية الإِنصاف مع الخصم، قال أبو حيان: أخرج الكلام مخرج الشك، ومعلوم أن من عبد الله وحده كان مهتدياً، ومن عبد غيره من جماد كان ضالاً، وفي هذا إنصافٌ وتلطفٌ في الدعوى، وفيه تعريضٌ بضلالهم وهو أبلغ من الردّ بالتصريح، ونحوه قول العرب: أخزى الله الكاذب مني ومنك، مع تيقن أن صاحبه هو الكاذب {قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} أي لا تؤاخذون على ما ارتكبنا من إِجرام، ولا نؤاخذ نحن بما اقترفتم، وإِنما يعاقب كل إِنسانٍ بجريرته، وهذه ملاطفة وتنزُّلٌ في المجادلة إِلى غاية الإِنصاف، قال الزمخشري: وهذا أدخل في الإِنصاف وأبلغ من الأول، حيث أسند الإِجرام لأنفسهم والعمل إِلى المخاطبين {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ} أي يجمع الله بيننا وبينكم يوم القيامة ثم يحكم بيننا ويفصل بالحقِّ {وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ} أي وهو الحاكم العادل الذي لا يظلم أحداً، العالم بأحوال الخلق، فيدخل المحقَّ الجنة، والمبطل النار {قُلْ أَرُونِيَ ٱلَّذيِنَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَآءَ} توبيخٌ آخر على إِشراكهم وإِظهارٌ لخطئهم العظيم أي أروني هذه الأصنام التي ألحقتموها بالله وجعلتموها شركاء معه في الألوهية، لأنظر بأي صفةٍ استحقت العبادة مع الذين ليس كمثله شيء؟ قال أبو السعود: وفيه مزيد تبكيتٍ لهم بعد إِلزام الحجة عليهم {كَلاَّ بَلْ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحْكِيمُ} ردعٌّ لهجر وزجر أي ليس الأمر كما زعمتم من اعتقاد شريك له، بل هو الإِله الواحد الأحد، الغالب على أمره، الحكيم في تدبيره لخلقه، فلا يكون له شريك في ملكه أبداً {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} أي وما أرسلناك يا محمد للعرب خاصة وإِنما أرسلناك لعموم الخلق، مبشراً للمؤمنين بجنات النعيم، ومنذراً للكافرين من عذاب الجحيم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي ولكنَّ هؤلاء الكافرين لا يعلمون ذلك فيحملهم جهلهم على ما هم عليه من الغيّ والضلال {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} أي ويقول المشركون على سبيل الاستهزاء والسخرية: متى هذا العذاب الذي تخوفوننا به إِن كنتم صادقين فيما تقولون؟ والخطاب للنبي والمؤمنين {قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ} أي لكم زمان معيَّن للعذاب يجيء في أجله الذي قدَّره الله له، لا يستأخر لرغبة أحد، ولا يتقدم لرجاء أحد، فلا تستعجلوا عذاب الله فهو آتٍ لا محالة، ثم أخبر تعالى عن تمادي المشركين في العناد والتكذيب فقال {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي لن نصدِّق بالقرآن ولا بما سبقه من الكتب السماوية الدالة على البعث والنشور {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} أي ولو شاهدت يا محمد حال الظالمين المنكرين للبعث والنشور في موقف الحساب {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ} أي يلوم بعضهم بعضاً ويؤنب بعضهم بعضاً، وجواب {لَوْ} محذوف للتهويل تقديره لرأيت أمراً فظيعاً مهولاً {يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} أي يقول الأتباع للرؤساء: لولا إِضلالكم لنا لكنا مؤمنين مهتدين {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ}؟ أي قال الرؤساء جواباً للمستضعفين: أنحن منعناكم عن الإِيمان بعد أن جاءكم؟ لا، ليس الأمر كما تقولون {بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ} أي بل أنتم كفرتم من ذات أنفسكم، بسبب أنكم مجرمين راسخين في الإِجرام {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ} أي وقال الأتباع للرؤساء: بل مكركم بنا في الليل والنهار هو الذي صدَّنا عن الإِيمان {إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً} أي وقت دعوتكم لنا إِلى الكفر بالله، وأن نجعل له شركاء، ولولا تزيينكم لنا الباطل ما كفرنا {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ} أي أخفى كل من الفريقين الندامة على ترك الإِيمان حين رأوا العذاب، أخفوها مخافة التعيير {وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي وجعلنا السلاسل في رقاب الكفار زيادةً على تعذيبهم بالنار {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي لا يجزون إِلا بأعمالهم التي عملوها ولا يعاقبون إِلا بكفرهم وإِجرامهم. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين لفظ {يَمِينٍ ..و.. شِمَالٍ} وبين {بَشِيراً ..و.. نَذِيراً} وبين {تَسْتَقْدِمُونَ ..و.. تَسْتَأْخِرُونَ} وبين {ٱسْتُضْعِفُواْ ..و.. ٱسْتَكْبَرُواْ} وهو من المحسنات البديعية. 2- جناس الاشتقاق {وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ} فإِن كلمة {سِيرُواْ} مشتقة من السير. 3- التعجيز بدعاء الجماد الذي لا يسمع ولا يحس {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ}. 4- التوبيخ والتبكيت {قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ}؟ 5- حذف الخبر لدلالة السياق عليه {قُلِ ٱللَّهُ} أي قل الله الخالق الرازق للعباد ودل على المحذوف سياق الآية. 6- المبالغة بذكر صيغ المبالغة {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} فإِن فعَّال وفعيل وفعول من صيغ المبالغة ومثلها {وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ}. 7- حذف الجواب للتهويل والتفزيع {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} حذف الجواب للتهويل أي لو ترى حالهم لرأيت أمراً فظيعاً مهولاً. 8- المجاز العقلي {بَلْ مَكْرُ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ} أسند المكر إِلى الدليل والمراد مكر المشركين بهم في الليل ففيه مجاز عقلي. 9- الاستعارة {لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} ليس للقرآن يدان ولكنه استعارة لما سبقه من الكتب السماوية المنزلة من عند الله. 10- مراعاة الفواصل لما لها من وقع حسن على السمع مثل {وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ .. إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} الخ.

الأندلسي

تفسير : {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ} لما ذكر تعالى حال الشاكرين لنعمه بذكر داود وسليمان بين حال الكافرين بأنعمه بقصة سبأ موعظة لقريش وتحذيراً وتنبيهاً على ما جرى لمن كفر أنعم الله تعالى وتقدم الكلام في سبأ في النمل ولما ملكت بلقيس اقتتل قومها على ماء واديهم فتركت ملكها وسكنت قصرها وراودوها على أن ترجع فأبت فقالوا: لترجعن أو لنقتلنك فقالت لهم لا عقول لكم مسير ثلاث أيام فأمرت به فسد ما بين الجبلين بمساءة بالصخر والقار وحبست الماء من وراء السد وجعلت له أبواباً بعضها فوق بعض وبقيت من دونه بركة فيها اثنا عشر مخرجاً على عدة أنهارهم وكان الماء يخرج لهم بالسوية إلى أن كان من شأنها مع سليمان عليه السلام ما سبق ذكره في النمل. وقرىء: مساكنهم ومفرداً بفتح الكاف وكسرها آية أي علامة دالة على الله تعالى وعلى قدرته ووجوب شكره وخبر كان لسبأ وآية اسمها وفي مساكنهم متعلق بما تعلق به لسبأ والتقدير لقد كانت آية كائنة في مساكنهم جنتان خبر مبتدأ محذوف تقديره هي جنتان. قال ابن عطية: جنتان مبتدأ وخبره عن يمين وشمال "انتهى" لا يظهر ذلك لأنه نكرة لا مسوغ للابتداء بها إلا ان اعتقد أن ثم صفة محذوفة أي جنتان لهم أو عظيمتان عن يمين وشمال وعلى ذلك يبقى الكلام مفلتاً مما قبله وجنتان جماعتان من البساتين جماعة عن يمين بلدهم وأخرى عن شمالها وكل واحدة من الجماعتين في تقاربها وتضامها كأنها جنة واحدة. قال ابن زيد: لا يوجد فيها برغوث ولا بعوض ولا عقرب ولا تقمل ثيابهم ولا تعيادوا بهم وكانت المراة تمشي تحت الأشجار وعلى رأسها المكتل فيمتلىء ثمراً من غير أن تتناول بيدها شيئاً كلوا من رزق ربكم قول الله لهم على السنة الأنبياء المبعوثين إليهم وفيه إشارة إلى تكميل النعمة عليهم حيث لم يمنعهم من أكل ثمارها خوف ولا مرض. {وَٱشْكُرُواْ لَهُ} على ما أنعم به عليكم. {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} أي كريمة التربة حسنة الهواء سليمة من الهوام والمضار. {وَرَبٌّ غَفُورٌ} لا عقاب على التمتع بنعمه في الدنيا ولا عذاب في الآخرة فأعرضوا عما جاء به إليهم أنبياؤهم وكانوا ثلاثة عشر نبياً دعوهم إلى الله وذكروهم نعمه فكذبوهم وقالوا ما نعرف لله نعمة فسلط الله تعالى عليهم الجرذ فاراً أعمى توالد فيه ويسمى الخلد فخرقه شيئاً بعد شىء وأرسل سيلاً في ذلك الوادي فحمل ذلك السد. فروي أنه كان من العظم وكثرة الماء بحيث ملأ ما بين الجبلين وحمل الجناب وكثيراً من الناس ممن لم يمكنهم الفرار وروي أنه لما خرق السد كان ذلك سبب يبس الجنات فهلكت بهذا وقال ابن عباس: العرم الشديد فاحتمل أن يكون صفة للسيل أضيف الموصوف إلى صفته التقدير السيل العرم أو صفة لموصوف محذوف أي سيل المطر الشديد الذي كان عنه السيل أو سيل الجرذ العرم فالعرم صفة للجرذ وقيل العرم اسم الجرذ بنفسه وأضيف السيل إليه لكونه كان السبب في خراب السد الذي حمله السيل والإِضافة تكون بأدنى ملابسة ولما غرق من غرق ونجا من نجا تفرقوا وتمزقوا حتى ضربت العرب المثل بهم فقالوا: تفرقوا أيدي سبأ وأيادي سبأ قيل والأوس والخزرج منهم وعن ابن عباس: كان سيل ذلك الوادي يصل إلى مكة وينتفع به وكان سيل العرم في ملك ذي الاذعار بن حسان في الفترة التي بين عيسى عليه السلام وبين نبينا صلى الله عليه وسلم ودخلت الباء في بجنتهم على الزائل وانتصب ما كان بدلاً وهو قوله: جنتين على المعهود في لسان العرب ويسمى هذا المعوض جنتين على سبيل للقابلة لأن ما كان فيه خمط وأثل وسدر لا يسمى جنة لأنها أشجار لا يكاد ينتفع بها وجاءت تثنية ذات على الأفصح في رد عينها في التثنية فقال ذواتي أكل كما جاء ذواتاً أفنان وقرىء: أكل خمط فالإِضافة على حذف مضاف أي عثر خط وقرىء: بالتنوين وخمط بدلاً من أكل وقرىء: بالنصف خمطاً ونصب ما بعدها بدلاً من قوله: جنتين قال أبو عبيدة: الخمط كل شجرة مرة ذات شوك والاثل شجر وهو ضرب من الطرفاء والسدر. قال الفراء: هو السمر. وقال الأزهري: السدر سدر أن سدر لا ينتفع به ولا يصلح ورقه للغسول وله ثمرة عفصة لا تؤكل وهو الذي يسمى الضال وسدر ينبت على الماء وثمرة النبق وورقه الغسول يشبه شجر العناب. {ذَٰلِكَ} إشارة إلى إرسال السيل وتبديل الجنتين وما مصدرية والباء سببية. {وَهَلْ نُجَٰزِيۤ} أي بذلك الجزاء. {إِلاَّ ٱلْكَفُورَ * وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ} الآية جاءت هذه الجملة بعد قوله: وبدلناهم وذلك أنه لما ذكر ما أنعم به عليهم من جنتيهم وذكر تبديلها بالخمط والاثل والسدر ذكر ما أنعم به عليهم من اتصال قراهم وذكر تبديلها بالمفاوز والبراري وصف تعالى حالهم قبل مجيء السيل وهي أنه مع ما كان منحهم من الجنتين والنعمة الخاصة بهم كان قد أصلح لهم البلاد المتصلة بهم وعمرها وجعلهم أربابها وقدر السير بأن قرب بعضها من بعض. قال ابن عطية: حتى كان المسافر من مأرب إلى الشام يبيت في قرية ويقيل في أخرى ولا يحتاج إلى حمل زاد والقرى المدن. قال الزمخشري: ولا قول ولكنهم لما مكنوا من السير وسويت لهم أسبابه فكأنهم أمروا بذلك وأذن لهم فيه "انتهى". ودخول الفاء في قوله: فكأنهم لا يجوز والصواب كأنهم لأنه خبر لكنهم وقرىء: ربنا على الندراء باعد فعل أمر من باعد وبعد فعل أمر من بعد وقرىء: ربنا بالرفع على الابتداء باعد فعلاً ماضياً في موضع الخبر. {وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} بتكذيب الرسل. {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} أي عظات وعبراً يتحدث ويتمثل. {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} أي تفريقاً اتخذه الناس مثلاً مضروباً قال كثير: شعر : عزة أيادي سبأ يا عزماً كنت بعدكم فلم يحل للعين بعدك منظر تفسير : {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ} أي من قصص هؤلاء لآيات أي علامات. {لِّكُلِّ صَبَّارٍ} عن المعاصي وعلى الطاعات. {شَكُورٍ} للنعم والظاهر أن الضمير في عليهم عائد على من قبله من أهل سبأ وقيل هو لبني آدم وقرىء: صدق بشد الدال وانتصب ظنه على أنه مفعول به لصدق والمعنى وجد ظنه صادقاً أي ظن شيئاً فوقع ما ظن. {وَمَا كَانَ لَهُ} أي لإِبليس. {عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ} أي من تسلط واستيلاء بالوسوسة والاستغواء وعلل التسلط بالعلم والمراد ما تعلق به العلم وهي تميز المؤمن بالآخرة من الشاك فيها. {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ} قل أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم أي قل للمشركين ادعوا الذين زعمتم وهي معبوداتهم من الملائكة والأصنام وهو أمر بدعاء هو تعجيز وإقامة حجة وروي أن ذلك نزل عند الجوع الذي أصاب قريشاً أي ادعوهم ليكشفوا عنكم ما حل بكم والتجؤا إليهم فيما يعن لكم وزعم من الأفعال التي تتعدى إلى اثنين إذا كانت اعتقادية والمفعول الأول هو الضمير المحذوف العائد على الذين والثاني محذوف أيضاً لدلالة المعنى عليه ونابت صفته منابه التقدير الذين زعمتموهم آلهة من دونه لا يملكون ملك أحقر الأشياء وهو مثقال ذرة ثم نفى الشركة ثم نفى الإِعانة بقوله: من ظهير وهو المعين ولما كان من العرب من يعبد الملائكة لتشفع له نفى أن شفاعتهم تنفع والنفي منسحب على الشفاعة أي لا شفاعة لهم فتنفع.

الجيلاني

تفسير : وبعدما ذكر سبحانه قصة آل داوود وسليمان ومواظبتهم على شكر نعم الله وأداء حقوق كرمه، أردف سبحانه بكفران أهل سبأ على نعمه سبحانه، وإنكارهم على حقوق كرمه، فقال: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ} أي: لأولاد سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان {فِي مَسْكَنِهِمْ} أي: مواضع سكناهم، وهي باليمن، يقال لها: مأرب، بقرب صنعاء، مسيرة ثلاث مراحل {آيَةٌ} عظيمة ونعمة جسيمة دالة على كمال معطيها وموجدها، وعلى اتصافه بالأوصاف الكاملة والأسماء الحسنى، وهي {جَنَّتَانِ} حافتان محيطتان {عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ} أي: جنة عجيبة عن يمين بلدهم، وأخرى عن يسارها. وبعدما أعطيناهم هاتين الجنتين المشتملتين على غرائب صنيعنا وبدائع مخترعاتنا، قلنا لهم على طريق الإلهام: {كُلُواْ} أيها المتنعمون المتفضلون من عندنا {مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ} الذي رباكم بأنواع الكرامات {وَٱشْكُرُواْ لَهُ} نعمه، وواطبوا على أداء حقوق كرمه مع أن بلدتكم التي تسكنون فيها {بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} ماء وهواء، بريئة عن المؤذيات مطلقاً {وَ} ربكم الذي رباكم فيها بأنواع الكرم {رَبٌّ غَفُورٌ} [سبأ: 15] ساتر عليكم فرطاتكم بعدما أخلصتم في شكر نعمه وأداء حقوق كرمه. وبعدما نبهنا عليهم بشكر النعم والمداومة عليها، لم ينتبهوا ولم يتفطنوا، بل {فَأَعْرَضُواْ} عن الشرك، واشتغلوا بأنواع الكفران والطغيان والإنكار على المفضل المنان، المكرم الديان، وبعدما انصرفوا عنا وعن شكر نعمنا {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ} وهي الحجارة المركومة بالجص والنورة، وأنواع التدبيرات المحكمة للأبنية والأساس. وذلك أنه كان لهم سد قد بنته بلقيس بين الجبلين، وجعلت لها ثلاث كوات بعضها فوق بعض، وبنت دونها بركة عظيمة، فإذا جاء المطر اجمتع عليها مياه أوديتهم، فاحتبس السيل من وراء السد، فيفتح الكوة العليا عند الاحتياج، ثم الثانية، ثم الثالثة السفلى، فلا ينفد ماؤها إلى السنة القابلة. فلما طغوا وكفروا لنعم الله بعدما أُمروا بالشكر على ألسنة الرسل، قيل: أرسل الله عليهم ثلاثة عشر نبياً، فكذبوا الكل وأنكروا لهم، سلط الله على سدهم الجُرذ - قيل: هي من من الفأرة - فنقَّبت في أسفل السد بإلهام الله إياها، فسال الماء، فغرقت جنتهم ودفنت بيوتهم في الرمل، وكان ذلك من غضب الله عليهم على كفران نعمه. {وَ} بعدما أعرضوا عن شركنا، وأرسلنا عليهم من السيل ما أرسلنا {بَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ} المذكورتين، المشابهتين للجنة الأخروية {جَنَّتَيْنِ} أخريين، سماهما سبحانه على سبيل التهكم والاستهزاء: {ذَوَاتَيْ أُكُلٍ} وثمر {خَمْطٍ} بشع سمج كزقوم أهل النار {وَ} ذواتي {أَثْلٍ} طرفاء لا ثمر لها {وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ} نبق {قَلِيلٍ} [سبأ: 16] أي: قليل النفع؛ إذ لا يسمن ولا يغني من جوع. {ذَٰلِكَ} الجزاء الذي {جَزَيْنَاهُمْ} من تبديل النعمة والجنة جحيماً، واللذة ألماًَ {بِمَا كَفَرُواْ} لنعمنا، وأنكروا لحقوق كرمنا؛ أي: بشؤم كفرانهم وطغيانهم، وكما غيروا الشكر بالكفران، بدلنا عليهم الجنان بالحرمان والخذلان، وبما كفروا لرسلنا وكذبوهم بلا مبالاة لهم وبدعوتهم، وبجميع ما جاءوا به من عندنا إياهم {وَهَلْ نُجَٰزِيۤ} بضم النون وكسر الزاي، بأمثال هذا الجزاء {إِلاَّ ٱلْكَفُورَ} [سبأ: 17] المعرض عن شكر نعمنا، الجاحد على حقوق لطفنا وكرمنا، والمبالغ في ستر الحق، المصر على الباطل الزاهق الزائل. {وَ} من كمال لطفنا وجودنا إياهم {جَعَلْنَا بَيْنَهُمْ} أي: بين بلاد أهل سبأ {وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} وكثرنا الخير على ساكنيها بتوسعة الأرزاق والفواكه والمتاجر، وهي: أرض الشام {قُرًى ظَاهِرَةً} متواصلة متظاهرة، يُرى كل من الأخرى مترادفة على متن الطريق؛ تسهيلاً لهم، ليتجروا بلا كلفة وتعب {وَقَدَّرْنَا} لهم {فِيهَا ٱلسَّيْرَ} أي: في تلك القرى المترادفة على قدر مقيلهم ومبيتهم غادياً ورائحاً، بحيث لا يحتاجون إلى حمل زاد وماء؛ لقرب المنازل والخصب والسعة، وبعدما أعطيناهم هذه الكرامات، قلنا لهم على ألسنة الرسل المبعوثين إليهم أو إلهاماً لهم بلسان الحال: {سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً} على التعاقب والتوالي حيث شئتم لحوائجكم ومتاجركم {آمِنِينَ} [سبأ: 18] عن جميع المؤذيات، مصونين عن كيد الأعداء، شاكرين لنعمنا، غير كافرين عليها.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن سبأ بقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ} [سبأ: 15] يشير إلى سبأ السر في مساكنهم آية من آيات الله والآية هي {جَنَّتَانِ} أي: جنة الروح عن يمين السر وحية القلب عن شمال السر، وذلك لأن السر لطيفة خلقت من بين الروح والقلب فما يرد من فيض الروح وداود الحق تعالى يصل إلى السر، ومنه يرد إلى القلب وما يصدر من القلب من أنوار الذكر والطاعات أو ظلمة أوصاف النفوس في معاملاتها يصعد إلى السر، ومن السر يصعد إلى الروح فالسر بين هاتين الجنتين في رغد من العيش وسلامة من الحال، فأمر بالصبر على العاقبة والشكر على النعمة. {كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ} [سبأ: 15] بلدة الإنسانية قابلة لبذر التوحيد وهو كلمة لا إله إلا الله {وَرَبٌّ غَفُورٌ} [سبأ: 15] يستر عيوب عباده بنور معرفته ويغفر ذنوبهم لعزة معرفته {فَأَعْرَضُواْ} [سبأ: 16] عن الوفاء وأقبلوا على الجفاء وكفروا النعمة وتعرضوا للنقمة وضيقوا الشكر فبدلوا وبُدل لهم الحال {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ} [سبأ: 16] سيل سطوات قهرنا {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ} [سبأ: 16] الشجرتين بأشجار الإيمان والإيقان والتقوى والصدق والإخلاص والتوكل والأخلاق الحميدة {جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ} [سبأ: 16] من الكفر {خَمْطٍ} [سبأ: 16] من النفاق {وَأَثْلٍ} [سبأ: 16] من الشك. {وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ} [سبأ: 16] من الأوصاف الذميمة {ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ} [سبأ: 17] أي: بما غرسوا سراً في بستاني القلب والروح أشجار هذه الأخلاق السوء {وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ} [سبأ: 17] أي: وهل تثمر الأشجار الخبيثة إلا الأثمار الخبيثة؟ فما غرسوا إلا بما استوجبوا وما حصدوا إلا ما زرعوا، وما وقعوا إلا في الحفرة التي حفروا، كما قيل: "يداك أوكتا وفوك نفخ". وبقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً} [سبأ: 18] يشير إلى مقامات القرب وجوار رب العزة والمنازل المتصلة بعضها ببعض إلى الحضرة من التوبة والزهد في الدنيا والتوكل وتزكية النفس وتصفية القلب وتحلية الروح {وَقَدَّرْنَا فِيهَا} [سبأ: 18] أي: في هذا المثال {ٱلسَّيْرَ} [سبأ: 18] إلى الله وقلنا لهم {سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ} [سبأ: 18] أي: السير في ليل البشرية {وَأَيَّاماً} [سبأ: 18] أي: السير في أيام الروحانية آمنين في خفارة الشريعة ودراية المتابعة فما كان من شأنهم إلا التمادي في عصيانهم والإصرار على غيهم وطغيانهم ومن خشية النفس وركاكة العقل مالوا إلى الدنيا ورغبوا في شهواتها، وبجهلهم طلبوا البعد عن الحضرة في عبارة: {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} [سبأ: 19] وتحقيق هذه الإشارة طلب الدنيا وشهواتها هو طلب البعد عن الله وعن حضرته {وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} [سبأ: 19] بما مالوا إلى الدنيا. {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} [سبأ: 19] عبرة للعالمين وتنبيهاً للراغبين؛ لئلا نقطع عليهم الدنيا بما فيها طريق الطلب وسبيل الرشاد إلى الله عز وجل {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} [سبأ: 19] أي: مزقناهم في أودية الهلاك لكل فرقة دركة من دركات جهنم البعد {إِنَّ فِي ذَلِكَ} [سبأ: 19] أي: في هذه القضية {لآيَاتٍ} [سبأ: 19] دلالات {لِّكُلِّ صَبَّارٍ} [سبأ: 19] على ترك الدنيا وشهواتها {شَكُورٍ} [سبأ: 19] لنعمة عصمة الحق تعالى إياه وتوفيقه للعبودية.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : سبأ قبيلة معروفة في أداني اليمن، ومسكنهم بلدة يقال لها "مأرب" ومن نعم اللّه ولطفه بالناس عموما، وبالعرب خصوصا، أنه قص في القرآن أخبار المهلكين والمعاقبين، ممن كان يجاور العرب، ويشاهد آثاره، ويتناقل الناس أخباره، ليكون ذلك أدعى إلى التصديق، وأقرب للموعظة فقال: { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ } أي: محلهم الذي يسكنون فيه { آيَةٌ } والآية هنا: ما أدرَّ اللّه عليهم من النعم، وصرف عنهم من النقم، الذي يقتضي ذلك منهم، أن يعبدوا اللّه ويشكروه. ثم فسر الآية بقوله { جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ } وكان لهم واد عظيم، تأتيه سيول كثيرة، وكانوا بنوا سدا محكما، يكون مجمعا للماء، فكانت السيول تأتيه، فيجتمع هناك ماء عظيم، فيفرقونه على بساتينهم، التي عن يمين ذلك الوادي وشماله. وتُغِلُّ لهم تلك الجنتان العظيمتان، من الثمار ما يكفيهم، ويحصل لهم به الغبطة والسرور، فأمرهم اللّه بشكر نعمه التي أدرَّها عليهم من وجوه كثيرة، منها: هاتان الجنتان اللتان غالب أقواتهم منهما. ومنها: أن اللّه جعل بلدهم، بلدة طيبة، لحسن هوائها، وقلة وخمها، وحصول الرزق الرغد فيها. ومنها: أن اللّه تعالى وعدهم - إن شكروه - أن يغفر لهم وَيرحمهم، ولهذا قال: { بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ }. ومنها: أن اللّه لما علم احتياجهم في تجارتهم ومكاسبهم إلى الأرض المباركة، - الظاهر أنها: [قرى صنعاء قاله غير واحد من السلف، وقيل: إنها] الشام - هيأ لهم من الأسباب ما به يتيسر وصولهم إليها، بغاية السهولة، من الأمن، وعدم الخوف، وتواصل القرى بينهم وبينها، بحيث لا يكون عليهم مشقة، بحمل الزاد والمزاد. ولهذا قال: { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ } أي: [سيرا] مقدرا يعرفونه، ويحكمون عليه، بحيث لا يتيهون عنه { لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ } أي: مطمئنين في السير، في تلك الليالي والأيام، غير خائفين. وهذا من تمام نعمة اللّه عليهم، أن أمنهم من الخوف. فأعرضوا عن المنعم، وعن عبادته، وبطروا النعمة، وملوها، حتى إنهم طلبوا وتمنوا، أن تتباعد أسفارهم بين تلك القرى، التي كان السير فيها متيسرا. { وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ } بكفرهم باللّه وبنعمته، فعاقبهم اللّه تعالى بهذه النعمة، التي أطغتهم، فأبادها عليهم، فأرسل عليها سيل العرم. أي: السيل المتوعر، الذي خرب سدهم، وأتلف جناتهم، وخرب بساتينهم، فتبدلت تلك الجنات ذات الحدائق المعجبة، والأشجار المثمرة، وصار بدلها أشجار لا نفع فيها، ولهذا قال: { وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ } أي: شيء قليل من الأكل الذي لا يقع منهم موقعا { خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ } وهذا كله شجر معروف، وهذا من جنس عملهم. فكما بدلوا الشكر الحسن، بالكفر القبيح، بدلوا تلك النعمة بما ذكر، ولهذا قال: { ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ } أي: وهل نجازي جزاء العقوبة - بدليل السياق - إلا من كفر باللّه وبطر النعمة؟ فلما أصابهم ما أصابهم، تفرقوا وتمزقوا، بعدما كانوا مجتمعين، وجعلهم اللّه أحاديث يتحدث بهم، وأسمارا للناس، وكان يضرب بهم المثل فيقال: "تفرقوا أيدي سبأ" فكل أحد يتحدث بما جرى لهم، ولكن لا ينتفع بالعبرة فيهم إلا من قال اللّه: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } صبار على المكاره والشدائد، يتحملها لوجه اللّه، ولا يتسخطها بل يصبر عليها. شكور لنعمة اللّه تعالى يُقِرُّ بها، ويعترف، ويثني على من أولاها، ويصرفها في طاعته. فهذا إذا سمع بقصتهم، وما جرى منهم وعليهم، عرف بذلك أن تلك العقوبة، جزاء لكفرهم نعمة اللّه، وأن من فعل مثلهم، فُعِلَ به كما فعل بهم، وأن شكر اللّه تعالى، حافظ للنعمة، دافع للنقمة، وأن رسل اللّه، صادقون فيما أخبروا به، وأن الجزاء حق، كما رأى أنموذجه في دار الدنيا. ثم ذكر أن قوم سبأ من الذين صدَّق عليهم إبليس ظنه، حيث قال لربه: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ } تفسير : وهذا ظن من إبليس، لا يقين، لأنه لا يعلم الغيب، ولم يأته خبر من اللّه، أنه سيغويهم أجمعين، إلا من استثنى، فهؤلاء وأمثالهم، ممن صدق عليه إبليس ظنه، ودعاهم وأغواهم، { فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } ممن لم يكفر بنعمة اللّه، فإنه لم يدخل تحت ظن إبليس. ويحتمل أن قصة سبأ، انتهت عند قوله: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ }. ثم ابتدأ فقال: { وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ } أي: على جنس الناس، فتكون الآية عامة في كل من اتبعه. ثم قال تعالى: { وَمَا كَانَ لَهُ } أي: لإبليس { عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ } أي: تسلط وقهر، وقسر على ما يريده منهم، ولكن حكمة اللّه تعالى اقتضت تسليطه وتسويله لبني آدم. { لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ } أي: ليقوم سوق الامتحان، ويعلم به الصادق من الكاذب، ويعرف من كان إيمانه صحيحا، يثبت عند الامتحان والاختبار، وإلقاء الشبه الشيطانية، ممن إيمانه غير ثابت، يتزلزل بأدنى شبهة، ويزول بأقل داع يدعوه إلى ضده، فاللّه تعالى جعله امتحانا، يمتحن به عباده، ويظهر الخبيث من الطيب. { وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ } يحفظ العباد، ويحفظ عليهم أعمالهم، ويحفظ تعالى جزاءها، فيوفيهم إياها، كاملة موفرة.