٣٤ - سَبَأ
34 - Saba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
16
Tafseer
الرازي
تفسير : فبين كمال ظلمهم بالإعراض بعض إبانة الآية كما قال تعالى: {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بِـئَايَـٰتِ رَبّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا } تفسير : [الكهف: 57] ثم بين كيفية الانتقام منهم كما قال: {أية : إِنَّا مِنَ ٱلْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ } تفسير : [السجدة: 22] وكيفيته أنه تعالى أرسل عليهم سيلاً غرق أموالهم وخرب دورهم، وفي العرم وجوه أحدها: أنه الجرذ الذي سبب خراب السكر، وذلك من حيث إن بلقيس كانت قد عمدت إلى جبال بينها شعب فسدت الشعب حتى كانت مياه الأمطار والعيون تجتمع فيها وتصير كالبحر وجعلت لها أبواباً ثلاثة مرتبة بعضها فوق بعض وكانت الأبواب يفتح بعضها بعد بعض. فنقب الجرذ السكر، وخرب السكر بسببه وانقلب البحر عليهم وثانيها: أن العرم اسم السكر وهو جمع العرمة وهي الحجارة ثالثها: اسم للوادي الذي خرج منه الماء وقوله: {وَبَدَّلْنَـٰهُمْ بِجَنَّـتيهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ } بين به دوام الخراب، وذلك لأن البساتين التي فيها الناس يكون فيها الفواكه الطيبة بسبب العمارة فإذا تركت سنين تصير كالغيضة والأجمة تلتف الأشجار بعضها ببعض وتنبت المفسدات فيها فتقل الثمار وتكثر الأشجار، والخمط كل شجرة لها شوك أو كل شجرة ثمرتها مرة، أو كل شجرة ثمرتها لا تؤكل، والأثل نوع من الطرفاء ولا يكون عليه ثمرة إلا في بعض الأوقات، يكون عليه شيء كالعفص أو أصغر منه في طعمه وطبعه، والسدر معروف وقال فيه قليل لأنه كان أحسن أشجارهم فقلله الله، ثم بين الله أن ذلك كان مجازاة لهم على كفرانهم فقال: {ذَلِكَ جَزَيْنَـٰهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجازي} أي لا نجازي بذلك الجزاء {إِلاَّ ٱلْكَفُورَ } قال بعضهم المجازاة تقال في النقمة والجزاء في النعمة لكن قوله تعالى: {ذٰلِكَ جَزَيْنَـٰهُم } يدل على أن الجزاء يستعمل في النقمة، ولعل من قال ذلك أخذه من أن المجازاة مفاعلة وهي في أكثر الأمر تكون بين اثنين، يؤخذ من كل واحد جزاء في حق الآخر. وفي النعمة لا تكون مجازاة لأن الله تعالى مبتدىء بالنعم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَعْرَضُواْ} يعني عن أمره واتباع رسله بعد أن كانوا مسلمين. قال السُّدّي ووهب: بعث إلى أهل سبأ ثلاثة عشر نبيًّا فكذبوهم. قال القُشيرِيّ: وكان لهم رئيس يلقّب بالحمار، وكانوا في زمن الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم. وقيل: كان له ولد فمات فرفع رأسه إلى السماء فبزق وكفر؛ ولهذا يقال: أكفر من حمار. وقال الجوهريّ: وقولهم «أكفر من حمار» هو رجل من عادٍ مات له أولاد فكفر كفراً عظيماً، فلا يمرّ بأرضه أحد إلا دعاه إلى الكفر، فإن أجابه وإلا قتله. ثم لما سال السيل بجنتيهم تفرّقوا في البلاد؛ على ما يأتي بيانه. ولهذا قيل في المثل: «تفرّقوا أيادي سَبَا». وقيل: الأَوْس والخزرج منهم. {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ} والعرِم فيما روي عن ابن عباس: السَّد؛ فالتقدير: سَيل السَّد العَرِم. وقال عطاء: العرم اسم الوادي. قتادة: العرم وادي سبأ؛ كانت تجتمع إليه مسايل من الأودية، قيل من البحر وأودية اليمن؛ فردموا ردماً بين جبلين وجعلوا في ذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض، فكانوا يسقون من الأعلى ثم من الثاني ثم من الثالث على قدر حاجاتهم؛ فأخصبوا وكَثُرت أموالهم، فلما كذبوا الرسل سلّط الله عليهم الفأر فنقب الردم. قال وهب: كانوا يزعمون أنهم يجدون في علمهم وكهانتهم أنه يخرّب سدّهم فأرة فلم يتركوا فرجة بين صخرتين إلا ربطوا إلى جانبها هرّة؛ فلما جاء ما أراد الله تعالى بهم أقبلت فأرة حمراء إلى بعض تلك الهِرر فساورتها حتى استأخرت عن الصخرة ثم وثبت ودخلت في الفرجة التي كانت عندها ونقبت السَّد حتى أوهنته للسيل وهم لا يدرون؛ فلما جاء السيل دخل تلك الخلل حتى بلغ السد وفاض الماء على أموالهم فغرَّقها ودفن بيوتهم. وقال الزجاج: العَرِم اسم الجُرَذ الذي نقب السِّكْر عليهم، وهو الذي يقال له الخُلد ـ وقاله قتادة أيضاً ـ فنسب السيل إليه لأنه بسببه. وقد قال ابن الأعرابي أيضاً: العَرِم من أسماء الفأر. وقال مجاهد وابن أبي نَجيح: العَرِم ماء أحمر أرسله الله تعالى في السَّد فشقه وهدمه. وعن ابن عباس أيضاً أن العَرِم المطر الشديد. وقيل العَرْم بسكون الراء. وعن الضحاك كانوا في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام. وقال عمرو بن شُرَحْبيل: العرم المُسَنّاة؛ وقاله الجوهريّ، قال ولا واحد لها من لفظها، ويقال واحدها عَرِمة. وقال محمد بن يزيد: العَرِم كل شيء حاجز بين شيئين، وهو الذي يسمى السِّكْر، وهو جَمع عرِمة. النحاس: وما يجتمع من مطر بين جبلين وفي وجهه مُسَنّاة فهو العَرِم، والمُسَنّاة هي التي يسميها أهل مصر الجسر؛ فكانوا يفتحونها إذا شاؤوا فإذا رَويت جنتاهم سدّوها. قال الهَرَوِيّ: المُسَنّاة الضفيرة تبنى للسيل تردّه، سُمّيت مُسَنّاةً لأن فيها مفاتح الماء. وروي أن العرم سدّ بنته بِلْقِيس صاحبة سليمان عليه الصلاة والسلام، وهو المسنّاة بلغة حِمير، بنته بالصخر والقار، وجعلت له أبواباً ثلاثة بعضها فوق بعض، وهو مشتق من العرامة وهي الشدّة، ومنه: رجل عارم، أي شديد، وعَرَمت العظم أعرِمه وأعرُمه عَرْماً إذا عَرَقته، وكذلك عَرَمت الإبل الشجر أي نالت منه. والعُرام بالضم: العراق من العظم والشجر. وتعرّمت العظم تعرّقته. وصبيّ عارم بَيِّن العُرام (بالضم) أي شَرِس. وقد عرم يعرم ويعرم عرامة (بالفتح). والعَرِم العارم؛ عن الجوهريّ. قوله تعالى: {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّاتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ} وقرأ أبو عمرو (أُكُلِ خَمْطٍ) بغير تنوين مضافاً. قال أهل التفسير والخليل: الخمط الأراك. الجوهري: الخمط ضرب من الأراك له حمل يؤكل. وقال أبو عبيدة: هو كل شجر ذي شوك فيه مرارة. الزجاج: كل نبت فيه مرارة لا يمكن أكله. المبرّد: الخمط كل ما تغيّر إلى ما لا يشتهي. واللبن خَمْط إذا حَمُض. والأوْلى عنده في القراءة «ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ» بالتنوين على أنه نعت لـ«ـأكُل» أو بدل منه؛ لأن الأكل هو الخمط بعينه عنده، فأما الإضافة فباب جوازها أن يكون تقديرها ذواتي أكل حموضة أو أكل مرارة. وقال الأخفش: والإضافة أحسن في كلام العرب؛ نحو قولهم: ثوبُ خَزٍّ. والخمط: اللبن الحامض. وذكر أبو عبيد أن اللبن إذا ذهب عنه حلاوة الحلَب ولم يتغيّر طعمه فهو سامط، وإن أخذ شيئاً من الريح فهو خامط وخميط، فإن أخذ شيئاً من طعمٍ فهو مُمَحَّل، فإذا كان فيه طعم الحلاوة فهو فُوَّهة. وتخمَّط الفحل: هَدَر. وتخمّط فلان أي غضب وتكبّر. وتخمّط البحر أي التطم. وخَمَطت الشاة أخمِطها خَمْطاً: إذا نزعت جلدها وشويتها فهي خميط، فإن نزعت شعرها وشويتها فهي سميط. والخَمْطة: الخمر التي قد أخذت رِيح الإدراك كرِيح التّفاح ولم تُدْرِك بعدُ. ويقال هي الحامضة؛ قاله الجوهريّ. وقال القُتَبِيّ في أدب الكاتب. يقال للحامضة خمطة، ويقال: الخمطة التي قد أخذت شيئاً من الريح؛ وأنشد:شعر : عُقارٌ كماء النِّيء ليست بخمطة ولا خَلّةٍ يكْوِي الشُّروبَ شِهابُها تفسير : {وَأَثْلٍ} قال الفرّاء: هو شبيه بالطرفاء إلا أنه أعظم منه طولاً؛ ومنه اتخذ مِنبَرُ النبيّ صلى الله عليه وسلم، وللأثل أصول غليظة يتخذ منه الأبواب، وورقه كورق الطرفاء، الواحدة أثلة والجمع أثَلاث. وقال الحسن: الأثل الخشب. قتادة: هو ضرب من الخشب يشبه الطرفاء رأيته بفَيْد. وقيل هو السَّمُر. وقال أبو عبيدة: هو شجر النُّضار. النضار: الذهب. والنضار: خشب يعمل منه قصاع، ومنه: قدح نضار. {وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ} قال الفَرّاء: هو السَّمُر؛ ذكره النحاس. وقال الأزهري: السِّدر من الشجر سِدران: بريّ لا يُنتفع به ولا يصلح ورقه للغَسُول وله ثمر عَفِص لا يؤكل، وهو الذي يسمى الضّال. والثاني: سِدْر ينبت على الماء وثمره النَّبق وورقه غسَول يشبه شجر العُنّاب. قال قتادة: بينما شجر القوم من خير شجر إذ صيّره الله تعالى من شرّ الشجر بأعمالهم، فأهلك أشجارهم المثمرة وأنبت بدلها الأراك والطَّرفاء والسِّدْر. القُشَيْريّ: وأشجار البوادي لا تسمى جنة وبستاناً ولكن لما وقعت الثانية في مقابلة الأولى أطلق لفظ الجنة، وهو كقوله تعالى: {أية : وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا}تفسير : [الشورى: 40]. ويحتمل أن يرجع قوله «قَلِيلٍ» إلى جملة ما ذُكر من الخَمْط والأَثْل والسِّدر.
البيضاوي
تفسير : {فَأَعْرِضُواْ} عن الشكر. {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ} سيل الأمر العرم أي الصعب من عرم الرجل فهو عارم، وعرم إذا شرس خلقه وصعب، أو المطر الشديد أو الجرذ، أضاف إليه الـ {سَيْلَ } لأنه نقب عليهم سكراً ضربته لهم بلقيس فحقنت به ماء الشجر وتركت فيه ثقباً على مقدار ما يحتاجون إليه، أو المسناة التي عقدت سكراً على أنه جمع عرمة وهي الحجارة المركومة. وقيل اسم وادٍ جاء السيل من قبله وكان ذلك بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام. {وَبَدَّلْنَـٰهُمْ بِجَنَّـتَيهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ} ثمر بشع فإن الخمط كل نبت أخذ طعماً من مرارة، وقيل الأراك أو كل شجر لا شوك له، والتقدير كل أكل خمط فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه في كونه بدلاً، أو عطف بيان. {وَأَثْلٍ وَشَىْءٍ مّن سِدْرٍ قَلِيلٍ} معطوفان على {أَكَلَ} لا على {خَمْطٍ }، فإن الأثل هو الطرفاء ولا ثمر له، وقرئا بالنصب عطفاً على {جَنَّتَيْنِ} ووصف السدر بالقلة فإن جناه وهو النبق مما يطيب أكله ولذلك يغرس في البساتين، وتسمية البدل {جَنَّتَيْنِ } للمشاكلة والتهكم. وقرأ أبو عمرو «ذاتي» أكل بغير تنوين اللام وقرأ الحرميان بتخفيف {أَكَلَ }. {ذَلِكَ جَزَيْنَـٰهُمْ بِمَا كَفَرُواْ } بكفرانهم النعمة أو بكفرهم بالرسل، إِذ روي أنه بعث إليهم ثلاثة عشر نبياً فكذبوهم، وتقديم المفعول للتعظيم لا للتخصيص. {وَهَلْ يُجْازِى إِلاَّ ٱلْكَفُورَ} وهل يجازى بمثل ما فعلنا بهم إلا البليغ في الكفران أو الكفر. وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وحفص {نُجَازِي} بالنون و {ٱلْكَفُورَ} بالنصب. {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا} بالتوسعة على أهلها وهي قرى الشأم. {قُرًى ظَـٰهِرَةً} متواصلة يظهر بعضها لبعض، أو راكبة متن الطريق ظاهرة لأبناء السبيل. {وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ} بحيث يقيل الغادي في قرية ويبيت الرائح في قرية إلى أن يبلغ الشام. {سِيرُواْ فِيهَا} على إرادة القول بلسان الحال أو المقال. {لَيَالِىَ وَأَيَّاماً} متى شئتم من ليل أو نهار. {ءَامِنِينَ} لا يختلف الأمن فيها باختلاف الأوقات، أو سيروا آمنين وإن طالت مدة سفركم فيها، أو سيروا فيها ليالي أعماركم وأيامها لا تلقون فيها إلا الأمن. {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَـٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} أشروا النعمة وملوا العافية كبني إسرائيل فسألوا الله أن يجعل بينهم وبين الشام مفاوز ليتطاولوا فيها على الفقراء بركوب الرواحل وتزود الأزواد، فأجابهم الله بتخريب القرى المتوسطة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام «بعد»، ويعقوب {رَبَّنَا بَـٰعِدْ} بلفظ الخبر على أنه شكوى منهم لبعد سفرهم إفراطاً في الترفه وعدم الاعتداد بما أنعم الله عليهم فيه، ومثله قراءة من قرأ «ربنا بعد» أو «بعد» على النداء وإسناد الفعل إلى {بَيْنَ}. {وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} حيث بطروا النعمة ولم يعتدوا بها. {فَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ} يتحدث الناس بهم تعجباً وضرب مثل فيقولون: تفرقوا أيدي سبأ. {وَمَزَّقْنَـٰهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } ففرقناهم غاية التفريق حتى لحق غسان منهم بالشأم، وأنمار بيثرب، وجذام بتهامة، والأزد بعمان. {إِنَّ فِى ذَلِكَ} فيما ذكر. {لآيَـٰتٍ لّكُلّ صَبَّارٍ} عن المعاصي. {شَكُورٍ} على النعم. {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} أي صدق في ظنه أو صدق بظن ظنه مثل فعلته جهدك، ويجوز أن يعدى الفعل إليه بنفسه كما في: {صَدَقَ وَعْدَهُ}. لأنه نوع من القول، وشدده الكوفيون بمعنى حقق ظنه أو وجده صادقاً. وقرىء بنصب {إِبْلِيسَ} ورفع الظن مع التشديد بمعنى وجد ظنه صادقاً، والتخفيف بمعنى قال له ظنه الصدق حين خيله إغواءهم، وبرفعهما والتخفيف على الأبدان وذلك إما ظنه بسبأ حين رأى انهماكهم في الشهوات أو ببني آدم حين رأى أباهم النبي ضعيف العزم، أو ما ركب فيهم من الشهوة والغضب، أو سمع من الملائكة قولهم {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا }تفسير : [البقرة: 30] فقال: {أية : لأُضِلَّنَّهُمْ}تفسير : [النساء: 119] و {أية : لأُغْوِيَنَّهُمْ }تفسير : [ص: 82] {فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} إلا فريقاً هم المؤمنون لم يتبعوه، وتقليلهم بالإِضافة إلى الكفار، أو إلا فريقاً من فرق المؤمنين لم يتبعوه في العصيان وهم المخلصون. {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مّن سُلْطَـٰنٍ} تسلط واستيلاء بالوسوسة والاستغواء. {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكّ} إلا ليتعلق علمنا بذلك تعلقاً يترتب عليه الجزاء، أو ليتميز المؤمن من الشاك، أو ليؤمن من قدر إيمانه ويشك من قدر ضلاله، والمراد من حصول العلم حصول متعلقه مبالغة، في نظم الصلتين نكتة لا تخفى. {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفُيظٌ} محافظ والزنتان متآخيتان. {قُلْ} للمشركين. {ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ} أي زعمتموهم آلهة، وهما مفعولا زعم حذف الأول لطول الموصول بصلته والثاني لقيام صفته مقامه، ولا يجوز أن يكون هو مفعوله الثاني لأنه لا يلتئم مع الضمير كلاماً ولا {لاَّ يَمْلِكُونَ} لأنهم لا يزعمونه. {مِن دُونِ ٱللَّهِ} والمعنى ادعوهم فيما يهمكم من جلب نفع أو دفع ضر لعلهم يستجيبون لكم إن صح دعواكم، ثم أجاب عنهم إشعاراً بتعين الجواب وأنه لا يقبل المكابرة فقال: {لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ} من خير أو شر. {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ} في أمر ما وذكرهما للعموم العرفي، أو لأن آلهتهم بعضها سماوية كالملائكة والكواكب وبعضها أرضية كالأصنام، أو لأن الأسباب القريبة للشر والخير سماوية وأرضية والجملة استئناف لبيان حالهم. من شركة لا خلقاً ولا ملكاً. {وَمَا لَهُمْ مِنْهُمْ مّن ظَهِيرٍ} يعينه على تدبير أمرهما. {وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُ } فلا ينفعهم شفاعة أيضاً كما يزعمون إذ لا تنفع الشفاعة عند الله. {إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} أذن له أن يشفع، أو أذن أن يشفع له لعلو شأنه ولم يثبت ذلك، واللام على الأول كاللام في قولك: الكرم لزيد وعلى الثاني كاللام في قولك: جئتك لزيد، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بضم الهمزة. {حَتَّىٰ إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} غاية لمفهوم الكلام من أن ثم توقفا وانتظاراً للإِذن أي: يتربصون فزعين حتى إذا كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بالإِذن، وقيل الضمير للملائكة وقد تقدم ذكرهم ضمناً. وقرأ ابن عامر ويعقوب {فُزّعَ } على البناء للفاعل. وقرىء «فرغ» أي نفي الوجل من فرغ الزاد إذا فني. {قَالُواْ } قال بعضهم لبعض. {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ } في الشفاعة. {قَالُواْ ٱلْحَقَّ } قالوا قال القول الحق وهو الإِذن بالشفاعة لمن ارتضى وهم المؤمنون، وقرىء بالرفع أي مقوله الحق. {وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ} ذو العلو والكبرياء ليس لملك ولا نبي من الأنبياء أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه. {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْض} يريد به تقرير قوله {أية : لاَّ يَمْلِكُونَ }تفسير : [مريم: 87] {قُلِ ٱللَّهُ} إذ لا جواب سواه، وفيه إشعار بأنهم إن سكتوا أو تلعثموا في الجواب مخافة الإِلزام فهم مقرون به بقلوبهم. {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} أي وإن أحد الفريقين من الموحدين المتوحد بالرزق والقدرة الذاتية بالعبادة، والمشركين به الجماد النازل في أدنى المراتب الإِمكانية لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال المبينين، وهو بعد ما تقدم من التقرير البليغ الدال على من هو على الهدى ومن هو في الضلال أبلغ من التصريح لأنه في صورة الانصاف المسكت للخصم المشاغب، ونظيره قول حسان:شعر : أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بكفْءٍ فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الفِدَاءُ تفسير : وقيل إنه على اللف والنشر وفيه نظر، واختلاف الحرفين لأن الهادي كمن صعد مناراً ينظر الأشياء ويتطلع عليها أو ركب جواداً يركضه حيث يشاء، والضال كأنه منغمس في ظلام مرتبك لا يرى شيئاً أو محبوس في مطمورة لا يستطيع أن يتفصى منها.
المحلي و السيوطي
تفسير : {فَأَعْرَضُواْ } عن شكره وكفروا {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ } جمع عرمة وهو ما يمسك الماء من بناء وغيره إلى وقت حاجته، أي سيل ودايهم الممسوك بما ذكر، فأغرق جنّتيهم وأموالهم {وَبَدَّلْنَٰهُمْ بِجَنَّتِيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ } تثنية ذوات مفرد على الأصل {أُكُلٍ خَمْطٍ } مرٍّ بشع بإضافة أكل بمعنى مأكول وتركها ويعطف عليه {وَأَثْلٍ وَشَىْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ }.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَأَعْرَضُواْ} عن اتباع الرسل {الْعَرِمِ} المطر الشديد "ع" أو المسناة بالحبشية، أو العربية، أو اسم واد تجتمع فيه المياه من أودية سبأ فسدوه بين جبلين بالحجارة والقار وجعلوا له أبواباً يأخذون منه ما شاءوا فلما تركوا أمر الله ـ تعالى ـ بعث عليه جرذاً يقال له الخلد فخرقه فأغرق بساتينهم وأفسد أرضهم، أو ماء أحمر أرسل في السد فخرقه وهدمه، أو الجرذ الذي نقب السد. {جَنَّتَيْنِ} ليزدوج الكلام كقوله {فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ} لأنهما لم يتبدلا بجنتين {أُكُلٍ} البرير ثمر الخمط، أو اسم لثمر كل شجرة {خَمْطٍ} الآراك "ع"، أو كل شجر ذي شوك، أو كل نبت مُرٍّ لا يمكن أكله. {وَأَثْلٍ} الطرفاء "ع"، أو شيء يشبه الطرفاء، أو شجر النضار، أو شجرة حطب لا يأكلها شيء، أو السَّمُر.
القشيري
تفسير : كذلك من الناس من يكون في رَغَدٍ من الحال، واتصالٍ من التوفيق، وطَرَبٍ من القلب، ومساعدةٍ من الوقت، فيرتكبُ زَلَّةً أو يسيء أدباً أو يتبع شهوةً، ولا يعرف قَدْرَ ما هو به، فيتغير عليه الحالُ؛ فلا وقتَ ولا حالَ، ولا طربَ ولا وصالَ؛ يُظْلِمُ عليه النهارُ وقد كانت لياليه مضيئةَ، كما قلنا. شعر : ما زلت أختال في زمانٍ وحالِ حتى أَمِنْتُ الزمانَ مَكْرَه حال عليَّ الصدودُ حتى لم تـَبْقَ مما شَهِدْتَ ذرَّة
اسماعيل حقي
تفسير : {فاعرضوا} اى اولاد سبأ عن الوفاء واقبلوا على الجفاء وكفرو النعمة وتعرضوا للنقمة وضيعوا الشكر فبدلوا وبدل لهم الحال. يقال اعرض اى اظهر عرضه اى ناحيته. قال ابن عباس رضى الله عنهما بعث الله تعالى ثلاثة عشر نبيا الى ثلاث عشرة قرية باليمن فدعوهم الى الايمان والطاعة وذكروهم نعمه تعالى وخوفوهم عقابه فكذبوهم وقالوا ما نعرف له علينا من نعمة فقولوا لربكم فليحبس عنا هذه النعمة ان استطاع {فارسلنا عليهم} الارسال مقابل الامساك والتخلية وترك المنع {سيل العرم} السيل اصله مصدر كالسيلان بمعنى [رفتن آب] وجعل اسما للماء الذى يأتيك ولم يصبك مطره والعرم من العرامة وهى الشدة والصعوبة يقال عرم كنصر وضرب وكرم وعلم عرامة وعراما بالضم فهو عارم وعرم اشتد وعرم الرجل اذا شرس خلقه اى ساء وصعب اضاف السيل الى العرم اى الصعب وهو من اضافة الموصوف الى صفته بمعنى سيل المطر العرم او الامر العرم. والمعنى بالفارسية [بس فرستاديم وفرو كشاديم برايشان سيل صعب ودشوار]. وقال ابن عباس رضى الله عنهما العرم اسم الوادى: يعنى [نام وادى كه آب از جانب او آمد]. وقال بعضهم العرم السد الذى يحبس الماء ليعلوا على الارض المرتفعة: يعنى [عرم بند آبست بلغة حمير]. وقال بعضهم هو الجرذ الذكر اضاف السيل اليه لان الله تعالى ارسل جرذانا برية كان لها انياب من حديد لا يقرب منها هرة الا قتلتها فنقبت عليهم ذلك السد: يعنى [بندرا سوراخ كرد] فغرقت جنانهم ومساكنهم ويقال لذلك الجرذ الخلد بالضم لاقامته عند حجره وهو الفار الاعمى الذى لا يدرك الا بالسمع. قال ارسطو كل حيوان له عينان الا الخلد وانما خلق كذلك لانه ترابى جعل الله له الارض كالماء للسمك وغذاؤه من باطنها وليس له فى ظاهرها قوت ولا نشاط ولما لم يكن له بصر عوّضه الله حدة السمع فيدرك الوطء الخفى من مسافة بعيدة فاذا احسن بذلك جعل يحفر فى الارض قيل ان سمعه بمقدار بصر غيره وفى طبعه الهرب من الرائحة الطيبة ويهوى رائحة الكراث والبصل وربما صيدبها فانه اذا شمها خرج اليها فاذا جاع فتح فاه فيرسل الله له الذباب فيسقط عليه فيأخذه ودمه اذا اكتحل به ابرأ العين كما فى حياة الحيوان. قال الكاشفى [در مختار آورده كه فرزندان سبارا در حوالى مأرب از ولايت يمن منزلى بود درميان دو كوه از اعلى تا اسفل آن منزل هزده فرسخ وشرب ايشان در اعلاى وادى بود ازجشمه در بايان كوى كاه بودى كه فاضل آب ازاودية يمن با آب ايشان ضم شدى وخرابى كردى]. قال ابو الليث كان الماء لا يأتيهم من مسيرة عشرة ايام حتى يجرى بين الجبلين [از بلقيس كه ازوالية ولايت ايشان بود درخواست كردند تا سدى بست بسنك وقار دردهانة كوه تا آبهاى اصلى وزاندى ازا مطار وعيون آنجا جمع شدند]. وقال السهيلى فى كتاب التعريف والاعلام كان الذى بنى السد سبأ بن يشجب بناه بالرخام وساق اليه سبعين واديا ومات قبل ان يستتمه فاتم بعده انتهى. [وسه ثقبه برآن سد ترتيب كرد تااول ثقبة اعلى بكشايند وآب بمزروعات وباغها وخود برند وجون وفا نكند وكمتر شود وسطى وبآخر سفلى جون سيزده بيغمبررا تكذيب كردند وبيغمبر آخرين در زمان بادشاه ذى الاوغار بن جيشان بعد ازرفع عيسى بديشان آمد واورا بسيار رنجانيدند حق سبحانه وتعالى موشهاى دستى درزير بند ايشان بديد آورده بفرمود تا سوراخ كردند ونيم شب كه همه در خواب بودند بندشكسته شد وسيل در آمده منازل وحدائق ايشان مغمور كشت وبسيار مردم وجهار باى هلاك كشت]. وقال فى فتح الرحمن فارسلنا عليهم السيل الذى لا يطاق فخرب السد وملأ ما بين الجبلين وحمل الجنات وكثيرا من الناس ممن لم يمكنه الفرار اى الى الجبل واغرق اموالهم فتفرقوا فى البلاد فصاروا مثلا {وبدلناهم بجنتيهم} المذكورتين وآتيناهم بدلهما: وبالفارسية [وبدل داديم ايشانرا بباغهاى ايشان] والتبديل جعل الشئ مكان آخر والباء تدخل على المتروك على ما هى القاعدة المشهورة {جنتين} ثانى مفعولى بدلنا {ذواتى اكل خمط} صفة لجنتين ويقال فى الرفع ذواتا بالالف وهى تثنية ذات مؤنث ذى بمعنى الصاحب والاكل بضم الكاف وسكونه اسم لما يؤكل والخمط كل نبت اخذ طعما من مرارة حتى لا يمكن اكله والمعنى جنتين صاحبتى ثمر مرّ: وبالفارسية [دوباغ خداوند ميوهاى تلخ] فيكون الخمط نعتا للاكل وجاء فى بعض القراآت باضافة الاكل الى الخمط على ان يكون الخمط كل شجر مر الثمر او كل شجر له شوك او هو الاراك على ما قاله البخارى والاكل ثمره. قال فى المختار الخمط ضرب من الاراك له حمل يؤكل وتسمية البدل جنتين للمشاكلة والتهكم {واثل} معطوف على اكل لا على خمط فان الاثل هو الطرفاء بالفارسية [كز] او شجر يشبهه اعظم منه ولا ثمر له: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : اكر بد كنى جشم نيكى مدار كه هركز نيارد كز انكور بار تفسير : {وشئ من سدر قليل} وهو معطوف ايضا على اكل. قال البيضاوى وصف السدر بالقلة لما ان جناه وهو النبق مما يطيب اكله ولذلك يغرس فى البساتين انتهى. فالسدر شجر النبق على ما فى القاموس. وقال المولى ابو السعود والصحيح ان السدر صنفان صنف يؤكل من ثمره وينتفع بورقه لغسل اليد وصنف له ثمرة عفصة لا تؤكل اصلا وهو البرى الذى يقال له الضال والمراد ههنا هو الثانى فكان شجرهم من خير الشجر فصيره الله من شر الشجر بسبب اعمالهم القبيحة. والحاصل ان الله تعالى اهلك اشجارهم المثمرة وانبت بدلها غير المثمرة
الطوسي
تفسير : قرأ ابو عمرو {ذواتي أكل خمط} مضافاً. الباقون {أكل خمط} منوناً. والاختيار عندهم التنوين، لأن الأكل نفس الخمط والشيء لا يضاف إلى نفسه، ومن أضاف قال (الخمط) هو جنس مخصوص من المأكولات، والأكل أشياء مختلفة فأضيفت إلى الخمط، كما تضاف الأنواع إلى الاجناس، والخمط ثمر الاراك وهو البربر أيضاً، واحدها بربرة وسميت به جارية عائشة. والبربر شجر السواك و (الأثل) شجر، واحدها أثلة. وقرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر {وهل نجازي} بالنون {إلا الكفور} نصباً أضافوا الفعل إلى الله تعالى. الباقون - بالياء - على ما لم يسم فاعله {الكفور} بالرفع، وقرأ ابو عمرو وابن كثير {بعد بين أسفارنا} بالتشديد من التبعيد. الباقون {باعد} من المباعدة على لفظ الأمر، إلا يعقوب، فانه قرأ {باعد} على لفظ الخبر، لانهم لما سألوا أن يبعد الله بينهم، ففعل ذلك بينهم جاز حينئذ الاخبار بأنه تعالى فعل ذلك. وقرأ اهل الكوفة {ولقد صدق} بتشديد الدال. الباقون بتخفيفها. لما اخبر الله سبحانه عن "سبأ" وهي القبيلة من اليمن انه أنعم عليهم بالجنتين وبالبلدة الطيبة، وأمرهم بشكر نعمه {فأعرضوا} عن ذلك، فلم يشكروه وكفروه وجحدوا نعمه، ولم يقبلوا ممن دعاهم إلى الله من أنبيائه ورسله جازاهم الله على ذلك بأن ارسل عليهم سيل العرم، وسلبهم تلك النعمة وانزل بهم البلية، فالسيل الماء الكثير الذي لا يمكن ضبطه ولا دفعه، وقيل: انه كانت تجتمع مياه وسيول في هذا الوادي فسدوه بين جبلين بالحجارة والقار وجعلوا له ابواباً يأخذون منه ما شاءوا، فلما تركوا أمر الله بعث عليهم جرذاً فنقبه فأغرق الله عليهم جنتهم وأفسد ارضهم. وقيل: العرم: ماء كثير ارسله الله في السد فشقه وهدمه. قال الراجز: شعر : اقبل سيل جاء من أمر الله يحرد حرد الجنة المغله تفسير : وقيل: ان العرم المسناة التي تحبس الماء، واحدها عرمة وهو مأخوذ من عرامة الماء وهو ذهابه كل مذهب، قال الاعشى: شعر : ففي ذاك للمؤتسي اسوة ومأرب قفى عليه العرم رجام بنته لهم حمية إذا جاء ماؤهم لم ترم تفسير : وقيل: كان سببه زيادة الماء حتى غرقوا. وقيل: كان سببه نقب جرذ نقب عليهم السكر. وقيل العرم السكر. وقيل المطر الشديد. وقيل هو اسم وادي وقيل: هو الجرذ الذي نقب السكر، قال كثير: شعر : ايادي سبا يا عزّ ما كنت بعدكم فلم يحل للعينين بعدك منظر تفسير : وقال آخر: شعر : من صادر او وارد ايدي سبا تفسير : وقال جرير: شعر : الواردون وتتم في ذرى سبأ قد عض اعناقهم جلد الجواميس تفسير : ثم قال {وبدلناهم بجنتيهم} التي فيها أنواع الفواكه والخيرات {جنتين} أخراوين وسماها جنتين لازدواج الكلام، كما قال {أية : ومكروا ومكر الله} تفسير : و {أية : يخادعون الله وهو خادعهم}تفسير : {ذواتي أكل خمط} أي صاحبتي خمط فالاكل جني الثمار الذي يؤكل، والخمط نبت قد أخذ طعماً من المرارة حتى لا يمكن أكله - في قول الزجاج - وقال ابو عبيدة هو كل شجر ذي شوك. وقال ابن عباس والحسن: هو شجر الاراك، وهو معروف. والاثل الطرفا قال قتادة: بدلوا بخير الشجر شر الشجر، فالخمط شجر له ثمر مر. والاثل ضرب من الخشب كالطرفا، إلا انه أكبر. وقيل: الاثل التمر {وشيء من سدر قليل} أي فيهما مع الخمط، والاثل قليل من السدرة. ثم قال {ذلك جزيناهم بما كفروا} في نعم الله {وهل نجازي} بهذا الجزاء {إلا الكفور} من كفر نعم الله، فمن قرأ بالنون فلقوله {جزيناهم}. ولا يمكن الاستدلال بذلك على أن مرتكب الكبيرة كافر من حيث هو معذب، لأن الله تعالى بين أنه لا يجازي بهذا النوع من العذاب الذي هو الاستئصال إلا من هو كافر، وإن جاز أن يعذب الفاسق بغير ذلك من العذاب. وقال الفراء: المجازاة المكافأة، ومن الثواب الجزاء، تقول: جازاه على معصيته، وجزاه على طاعته. وقال غيره: لا فرق بينهما. ثم بين تعالى انه جعل بين سبأ، وبين القرى التي يارك فيها. قال قتادة ومجاهد: هي قرى الشام، وقال ابن عباس: هي بيت المقدس {قرى ظاهرة} قال قتادة: معناه متواصلة، لانه يظهر الثانية من الأولى لقربها منها {وقدرنا فيها السير} معناه جعل بين القرية الأولى والثانية مسيرة يوم لراحة المسافر ونزوله فيها {سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين} لا تخافون جوعاً ولا عطشاً ولا ظلماً من أحد، كأنه قيل لهم سيروا كذا، فقالوا {ربنا باعد بين أسفارنا} معناه إنهم نظروا وملوا النعمة، فقالوا لو كان جني ثمارنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه، كما قالت بنو إسرائيل {أية : فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها} تفسير : بدلا من المن والسلوى {وظلموا أنفسهم} بارتكاب المعاصي {فجعلناهم أحاديث} فضرب بهم المثل فيقال (تفرقوا أيادي سبأ) أي تشتتوا أعظم التشتت قال الشعبي: أما غسان فلحقوا بالشام، وأما الانصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الازد فلحقوا بعمان. وقيل: معنى {جعلناهم أحاديث} أي أهلكناهم والهمنا الناس حديثهم ليعتبروا {ومزقناهم كل ممزق} قال ابن عباس: مزقوا بين الشام وسبأ كل ممزق. ثم قال تعالى {إن} في ما ذكر {لآيات} ودلالات {لكل صبار شكور} أي صبار على الشدائد شكور على النعماء. ثم قال تعالى {ولقد صدق عليهم إبليس} صدق {ظنه} فيهم باجابتهم إلى معصية الله وقبولهم منه {فاتبعوه} باجمعهم {إلا فريقاً من المؤمنين} العارفين بالله وبوحدانيته، فخالفوه فلم يتبعوه. فمن شدد (صدق) اسند الفعل إلى إبليس وجعل الظن المفعول به، لان إبليس لما قال تظننا {أية : ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام} تفسير : فلما تبعه قوم على ذلك صدق ظنه. ومن خفف فالمعنى مثله، لانهما لغتان يقال: صدقت زيداً وصدقته، وكذبته وكذبته وينشد: شعر : وصدقتني وكذبتني والمرء ينفعه كذابه تفسير : وقرأ ابو الهجهاج {إبليس} بالنصب {ظنه} بالرفع جعل الظن الفاعل وإبليس المفعول به، وذلك جائز عند النحويين. لانهم يقولون: صدقني ظني وكذبني إلا انه شاذ لا يقرأ به، وقيل: ان إبليس لما اغوى آدم قال ذريته أولى بأن أغويهم، وقال {أية : لأحتنكن ذريته إلا قليلاً}تفسير : قصدق ذلك ظنه حتى تابعوه. وقال {أية : فبعزتك لأغوينهم أجمعين} تفسير : وكانت أجابتهم له تصديقاً لظنه.
الجنابذي
تفسير : {فَأَعْرَضُواْ} عن الشّكر بل ملّوا عن النّعمة كما سيأتى {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ} قد فسّر العرم بالسّدّ الّذى يبنى فى الاودية وهو جمع بلا واحدٍ او واحده العرمة، وبالجُرُز الذّكر الّذى خرّب سدّهم، وبالمطر الشّديد، وبوادٍ كان السّدّ فيه، قيل: انّ بحراً كان فى اليمن وكان سليمان (ع) امر جنوده ان يجروا لهم خليجاً من البحر العذب الى بلاد الهند ففعلوا ذلك وعقدوا له عقدة عظيمة من الصّخرة والكلس حتّى يفيض على بلادهم وجعلوا للخليج مجارى فكانوا اذا ارادوا ان يرسلوا منه الماء ارسلوه بقدر ما يحتاجون اليه، وكانت لهم جنّتان عن يمينٍ وشمالٍ عن مسيرة عشرة ايّام فيها يمرّ المارّ لا يقع عليه الشّمس من التفافها، فلمّا عملوا بالمعاصى وعتوا عن امر ربّهم ونهاهم الصّالحون فلم ينتهوا بعث الله عزّ وجلّ على ذلك السّدّ الجرز وهى الفأرة الكبيرة فكان تقلع الصّخرة الّتى لا تستقلّها الرّجال وترمى بها فلمّا رأى ذلك قوم منهم هربوا وتركوا البلاد فما زال الجرز تقلع الحجر حتّى خرّبت ذلك فلم يشعروا حتّى غشيهم السّيل وخرّب بلادهم وقلع اشجارهم {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ} مُرٍّ بشع قيل المراد به امّ غيلان {وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ} لمّا كان ثمر السّدر ممّا يؤكل وصفه بالقلّة وسمّى بدل الجنّتين بالجنّتين للتّهكّم.
اطفيش
تفسير : {فأعرضوا} عن الفكر وكفروا وقالوا لانبياءهم لما ذكروهم بنعم الله ادعوه ليجبها عنها. {فأرسلنا عليهم سيل العرم} أي سيل الامر الصعب يقال عرم الرجل فهو عرم وعارم سات خلقه او سهل المطر الشديد او الفار نسب السيل للفار لانه ثقب السد الذي حبسه. روي ان بلقيس ضربت لهم سدا مرصوصا بحجارة مركبة من جبل لاخر حبست به ماء الانهار والعيون وجعلت فيه كوي على مقدار ما يحتاجون اليه في صرف الماء لصقبهم او العرم جمع عرمه وهي الحجارة المركومة وكل مركوم عرمة وقيل العرم اسم واذ جاء السيل من قبله وكان ذلك بين سيدنا عيسى وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وروي ان الله بعث اليهم ثلاثة عشر نبيا يدعونهم إلى الله ويذكرونهم نعمته عليهم فكذبوهم فقالوا ما نعرف لله نعمة فسلط الله عليهم فارا يسمى الخلد خرب سدهم من أسلفه فاغرقوهم واموالهم وكان من صخر وقار قيل كانوا قبل ذلك يقتتلون على ماء واديهم فحبسته بلقيس بين الجبلين وجعل له ثلاثة ابواب بعضها فوق بعض وبنت دونه بركة وجعلت فيه اثنى عشر مخرجا على عدة انهارهم يفتحونها اذا احتاجوا إلى الماء ويسدونها اذا استغنوا فاذا جاء المطر اجتمع اليهم ماء اودية اليمن واحتبس وراء السد فتأمر بفتح الاعلى فيجري ماءه الى البركة ثم يسقون من الباب الثاني تحته ثم من الثالث الاسفل فلا ينفذ حتى يجيء ماء السنة الاخرى. قال وهب: وجدوا في علمهم فيما زعموا ان تخرب سدهم فارة فلم يتركوا فرجة بين حجرين الا ربطوا عندها هرة وجاء فارة حمراء كبيرة الى هرة منهن فتأخرت الهرة فدخلت الفارة في الفرجة فأوهنت السد للسيل وهم يعلمون ولما جاء السيل وجد خلالا فابتلع السد واغرقهم واموالهم وادخل الرمل بيوتهم فتفرق من لم يمت وقيل ما غرق الا قليل منهم والعرب تضرب المثل بتفرقهم تقول تفرقوا ايادي سبأ وذهبوا أيدي سبأ اي تفرقا مثل تفرق أولاد سبأ. وقيل: سيل العرم سيل الامر الشديد وكان من ماء أحمر أرسله الله عليهم من حيث شاء وذكر بعضهم: ان ذلك السد كان اخر الوادي وجنتهم وتشرب من فيضة وكانت بجنبه وان بانيه بلقيس وقيل حمير ابو القبائل اليمنية وان الله سبحانه بعث اليهم جرذا وهو نوع من الفار وكان اعمى وأنه توالد في السد وخرقه شيئا بعد شيء وان الماء اهلك كثيرا ممن لم يمكنه الفرار وان ابن عباس فسر العرم بالشديد وان عياضا قال: كأنه صفة للسيل وان الاضافة الى الصفة مبالغة وانها كثيرة وذكر بعضهم ان ذلك السد رد الماء نحو فرسخين وان الله سبحانه بعث اليهم اثنى عشر نبيا فكذبوهم وان ماء السد اهلكهم جميعا الا شيخا وامرأة كاهنة وحمارة وان الكاهنة اخبرت الحاكم عليهم واسمه عمر وان الجرذان تهدم السد ويهلك الماء البلد فارحلوا قبل نزول البلاء فسار الى السد ونظر فبينما هو ينظر اذ راى الجرذان تثقب السد ورأى مقدمها جرذا احمر كبيرا قد رمى بحجر من السد في الماء لا يرفعه مائة رجل فقال ان الكاهنة صادقة واخبر اهله وامرهم بكتم الامر ثم قال الى مجلس حكمه والتفت الى ابن عم له كان قد اطلعه على الامر وقال له اريد منك ان تلطمني في مجلس الحكم بين العرب واعطيك كذا وكذا فلطمه فقام عمر وقال: اني لا اسكن التي الطم فيها من يشتري مالي من ارض واشجار ودور؟ فابوا عليه الذهاب فصمم فاشتروها بأغلا ثمن ورحل الى بعض بلاد اليمن وما مضى بعده شهر الا وقد انفتح السد وغرقت الارض وذكر بعضهم ان تلك الدابة التي خربت السد ليس لها عينان ولها نابان تحفر بهما. {وبدلناهم بجنتيهم} تثنية جنة وهما الجنتان المذكورتان. {جنتين} حقيرتين. {ذواتي أكل} بضم ياء التثنية نقلا من همزة اكل وغير ورش يسكن الياء ويضم همزة اكل ويثبتها والاكل بضم الهمزة ما يؤكل واسكان الكاف قراءة وابن كثير وضمها غيرهما. {خمط} اي مر بشيع وبالنظر لهذا المعنى صح ان يكون نعتا ولك ان تقول هو بدل أو بيان من أكل على حذف مضاف اي ذواتي اكل اكل خمط واضاف ابو عمروا اكل لخمط. قال ابن عباس: الخمط شجر الاراك. وقيل: كل شجرة لها شوك وثمرها كرية الطعم بمرارته وحموضته او غير ذلك فهي خمط. وقال ابو عبيدة: كل شجرة ذات شوك وقال الزجاج: كل نبت أخذ طعما من مرارة حتى لا يمكن اكله وقيل شجرة يقال لها فسوة الظبع على صورة الخشخاش. {واثل} شجر يشبه الطرفاء لكنه اعظم منه وقيل نوع من الطرفاء ولا ثمر له فهو معطوف على اكل لا على خمط. {وشي} عطف على اثل او اكل ولا يمنع من ذلك كونه له ثمر ويجوز عطفه على خمط. {من سدر قليل} وصف الصدر وهو شجر النبق بالقلة لان ثمره وهو النبق طيب حتى انه قد يغرس في الاجنة فكأنه قيل ما أعطيناهم مما هو طيب بعض طيب الا قليلا اشار الى بعض ما ذكره الحسن وتسميت البدل جنتين للمشاكلة وفيها ضرب من التهكم فان ذلك لا يكون قيمة للجنتين اللتين عن يمين وشمال ولا يقرب القيامة بعض قرب ظاهر التبديل ان بعضهم بقي في تلك الارض او معظمهم ومن قال هلكوا كلهم الا رجلا وامرأة فمعنى التبديل عنه ازالة الجنتين الطيبتين وجعل هاتين الجنتين الحقيرتين بدلهما بدون ان ينتفع به وهو خلاف ما مر الرمز اليه عن الحسن من انه قلل السدر لانه اكرم ما بدلوا وقرىء {اثلا وشيئا} بالنصب عطفا على جنتين.
اطفيش
تفسير : {فأعْرضُوا} عن الشكر أشركوا وعصوا، وكذبوا أنبياءهم {فأرْسلنا عَليْهم} لذلك {سَيْل العَرِم} الإضافة للبيان، أى هو العرم، أى الشديد الصعب، وهو معنى قولهم من إضافة الموصوف الى الصفة، كأنه قيل، السيل العرم بتعريف سيل بأل، ونصب العرم يقال عرم الرجل أى صعب وساء خلقه، ويجوز تقدير سيل الأمر العرم. وقيل: العرم المطر الشديد، وقيل اسم للفأر الأحمر الأعمى الذى نقب عليهم السد، وكان يكثر الحفر برجليه ورآه ملكهم قلب صخرة ما يقلبها خمسون رجلا، وعليه فالاضافة لأدنى ملابسة كما فى تفسيره بما بنى ورفع ليمسك الماء إلا أنها فى هذا أقوى، وقيل: الوادى الذى يأتى منه السيل، وبنى السد فيه، وكان يجلب لهم ماء المطر مسيرة ثلاثة أيام فى اليمن فى مأرب، وسدوه بأمر ملكتهم بلقيس، حين رأتهم يتنازعون على الماء، قبل أن تتصل بسليمان عليه السلام، بين الجبلين بالصخر والجص والقطران، وجعلت له أبوابا ثلاثا بعضها فوق بعض يستقون على الأعلى، ثم من الثانى، ثم من الأول، فلا ينفد الماء الى السنة المقبلة، وماء الثلاثة ينصب فى بركة واحدا بعد واحد، إذ بنت من دونه بركة منها اثنا عشر مخرجا، على عدة أنها رهم، وكان الماء يخرج لهم على السوية. وقيل: بناه حمير أبو القبائل اليمنية، وقيل بناه لقمان الأكبر ابن عاد، ورصف أحجارة بالرصاص والحديد، وكان فرسخا أرسل الله عليه سيلا حمله، والفأر خرقه، وقيل: للفأر أولاد يخرقون معه. وكان لهم علم بأن سيخرب، فجعلوا بين كل حجرين هرة فغالبت تلك الهرة فأرتها، فنقبت وغابت فى الثقب، وأفسد الجنان، وكثيرا من الناس ومساكنهم بالتراب، وقيل: فسدت بذهاب الماء ضائعا عنها. {وبدَّلناهم بجنَّتَيْهم} وكانتا فى غاية من الإثمار مع خصب الأرض، وقال تخرج المرأة وعلى رأسها المكتل تجرى وتعمل عملها، فيمتلىء مما يستاقط من الثمار {جنَّتَيْن} فى أرض جدبة لا ثمار لها نافعة {ذَوَاتَي أكُلٍ} مأكول أى ثمر مأكُول {خَمْط} حامض، أو مر، نعت أكل، أو شجر الأراك أو ثمره مطلقا أو إذا اسود، أو شجر الغضا أو الشجرة ذات الشوك المرة، أو ثمر شجر على صورة الخشاش، ويسمى البرير، وهو عطف بيان على جوازه فى النكرة، أو بدل، وفى الأوجه قبله غير الأول بدل أو بيان على حذف مضاف، أى أكل خمط أو يقدر ذواتى أكل ذى خَمْط. {وأثْل} ضرب من الطرفاء، ولها أربعة أصناف، أو الطرفاء مطلقا أو السمر {وشيء من سِدْر قليلٍ} شجر النبق، ورقة غسول يشبه العناب، أو ضرب من السدر له ثمر لا يؤكل ولا يصلح ورقة غسولا، يسمى الضال، وعلى الأول الانتقام بقلته أو بنقصه بالنظر الى ما أزيح عنهم من الثمار، روى داود عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : من قطع سدرة صوب الله رأسه فى النار" تفسير : والبيهقى أنه صلى الله عليه وسلم قال فى مرض موته: "حديث : اخرج يا على فقل عن الله لا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن الله من يقطع السدر" تفسير : وذلك فى قطع العبث، ولو كان فى ملك القاطع، أو ذلك فى سدر المدينة ليكون أنساً للمهاجر، وفيه ضعف، أو سدر الفلاة ليستظل به ابن السبيل والحيوان، أو سدر مكة لأنها حرم أو السدر المملوك.
الالوسي
تفسير : {فَأَعْرِضُواْ } أي عن الشكر كما يقتضيه المقام ويدخل فيه الإعراض عن الإيمان لأنه أعظم الكفر والكفران، وقال أبو حيان: أعرضوا عما جاء به إليهم أنبياؤهم الثلاثة عشر حيث دعوهم إلى الله تعالى وذكروهم نعمه سبحانه فكذبوهم وقالوا ما نعرف لله نعمة {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ } أي الصعب من عرم الرجل مثلث الراء فهو عارم وعرم إذا شرس خلقه وصعب، وفي معناه ما جاء في رواية عن ابن عباس من تفسيره بالشديد، وإضافة السيل إليه من إضافة الموصوف إلى الصفة، ومن أباها من النحاة قال التقدير سيل الأمر العرم. وقيل: العرم المطر الشديد والإضافة على ظاهرها، وقيل: هو اسم للجرذ الذي نقب عليهم سدهم فصار سبباً لتسلط السيل عليهم وهو الفأر الأعمى الذي يقال له الخلد وإضافة السيل إليه لأدنى ملابسة، وقال ابن جبير: العرم المسناة بلسان الحبشة، وقال الأخفش، هو بهذا المعنى عربـي، وقال المغيرة بن حكيم: وأبو ميسرة: العرم في لغة اليمن جمع عرمة وهي كل ما بنى أو سنم ليمسك الماء ويقال لذلك البناء بلغة الحجاز المسناة، والإضافة كما في سابقه والملابسة في هذا أقوى؛ وعن ابن عباس وقتادة والضحاك ومقاتل هو اسم الوادي الذي كان يأتي السيل منه وبني السد فيه، ووجه إضافة السيل إليه ظاهر، وقرأ عزرة بن الورد فيما حكى ابن خالويه {ٱلْعَرِمِ } بإسكان الراء تخفيفاً كقولهم في الكبد الكبد. روي أن بلقيس لما ملكت اقتتل قومها على ماء واديهم فتركت ملكها وسكنت قصرها وراودوها على أن ترجع فأبت فقالوا: لترجعن أو لنقتلنك فقالت لهم: أنتم لا عقول لكم ولا تطيعوني فقالوا: نطيعك فرجعت إلى واديهم وكانوا إذا مطروا أتاهم السيل من مسيرة ثلاثة أيام فأمرت فسد ما بين الجبلين بمسناة بالصخر والقار وحبست الماء من وراء السد وجعلت له أبواباً بعضها فوق بعض وبنت من دونه بركة منها اثنا عشر مخرجاً على عدة أنهارهم وكان الماء يخرج لهم بالسوية إلى أن كان من شأنها مع سليمان عليه السلام ما كان. وقيل: الذي بنى لهم السد هو حمير أبو القبائل اليمنية، وقيل بناه لقمان الأكبر بن عاد ورصف أحجاره بالرصاص والحديد وكان فرسخاً في فرسخ ولم يزالوا في أرغد عيش وأخصب أرض حتى إن المرأة تخرج وعلى رأسها / المكتل فتعمل بيديها وتسير فيمتلىء المكتل مما يتساقط من أشجار بساتينهم إلى أن أعرضوا عن الشكر وكذبوا الأنبياء عليهم السلام فسلط الله تعالى على سدهم الخلد فوالد فيه فخرقه فأرسل سبحانه سيلاً عظيماً فحمل السد وذهب بالجنان وكثير من الناس، وقيل: إنه أذهب السد فاختل أمر قسمة الماء ووصوله إلى جنانهم فيبست وهلكت، وكان ذلك السيل على ما قيل في ملك ذي الأذعار بن حسان في الفترة بين نبينا صلى الله عليه وسلم وعيسى عليه السلام، وفيه بحث على تقدير القول بأن الإعراض كان عما جاءهم من أنبيائهم الثلاثة عشر كما ستعلمه إن شاء الله تعالى عن قريب. {وَبَدَّلْنَـٰهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ} أي أذهبنا جنتيهم وأتينا بدلها {جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَىْ أُكُلٍ } أي ثمر {خَمْطٍ } أي حامض أو مر، وعن ابن عباس الخمط الأراك ويقال لثمره مطلقاً أو إذا اسود وبلغ البرير، وقيل شجر الغضا ولا أعلم هل له ثمر أم لا؟ وقال أبو عبيدة: كل شجرة مرة ذات شوك، وقال ابن الأعرابـي: هو ثمر شجرة على صورة الخشخاش لا ينتفع به وتسمى تلك الشجرة على ما قيل بفسوة الضبع، وهو على الأول صفة لأكل والأمر في ذلك ظاهر، وعلى الأخير عطف بيان على مذهب الكوفيين المجوزين له في النكرات، وقيل بدل وعلى ما بينهما الكلام على حذف مضاف أي أكل أكل خمط وذلك المضاف بدل من (أكل) أو عطف بيان عليه ولما حذف أقيم المضاف إليه مقامه وأعرب بإعرابه كما في «البحر»، وقيل هو بتقدير أكل ذي خمط، وقيل هو بدل من باب يعجبني القمر فلكه وهو كما ترى، ومنع جعله وصفاً من غير ضرب من التأويل لأن الثمر لا يوصف بالشجر لا لأن الوصف بالأسماء الجامدة لا يطرد وإن جاء منه شيء نحو مررت بقاع عرفج فتأمل. وقرأ أبو عمرو {أكل خمط} بالإضافة وهو من باب ثوب خز، وقرأ ابن كثير {أكل} بسكون الكاف والتنوين. {وَأَثْلٍ } ضرب من الطرفاء على ما قاله أبو حنيفة اللغوي في «كتاب النبات» له، وعن ابن عباس تفسيره الطرفاء، ونقل الطبرسي قولاً أنه السمر وهو عطف على {أَكَلَ } ولم يجوز الزمخشري عطفه على {خَمْطٍ } معللاً بأن الأثل لا ثمر له، والأطباء كداود الأنطاكي وغيره يذكرون له ثمراً كالحمص ينكسر عن حب صغار ملتصق بعضه ببعض ويفسرون الأثل بالعظيم من الطرفاء ويقولون في الطرفاء هو بري لا ثمر له وبستاني له ثمر لكن قال الخفاجي: لا يعتمد على الكتب الطبية في مثل ذلك وفي القلب منه شيء، ونحن قد حققنا أن للأثل ثمراً، وكذا لصنف من الطرفاء إلا أن ثمرهما لا يؤكل ولعل مراد النافي نفي ثمرة تؤكل، والأطباء يعدون ما تخرجه الشجر غير الورق ونحوه ثمرة أكلت أم لا، ومثله في العطف على ذلك في قوله تعالى: {وَشَىْء مّن سِدْرٍ قَلِيلٍ } وحكى الفضل بن إبراهيم أنه قرىء {أثلا وشيئاً} بالنصب عطفاً على {جَنَّتَيْنِ }. والسدر شجر النبق، وقال الأزهري: السدر سدران سدر لا ينتفع به ولا يصلح ورقه للغسول وله ثمرة عفصة لا تؤكل وهو الذي يسمي الضال وسدر ينبت على الماء وثمره النبق وورقه غسول يشبه شجر العناب انتهى. واختلف في المراد هنا فقيل الثاني، ووصف بقليل لفظاً ومعنى أو معنى فقط وذلك إذا كان نعتاً لشيء المبين به لأن ثمره مما يطيب أكله فجعل قليلاً فيما بدلوا به لأنه لو كثر كان نعمة لا نقمة، وإنما أوتوه تذكيراً للنعم الزائلة لتكون حسرة عليهم، وقيل المراد به الأول حتماً لأنه الأنسب بالمقام، ولم يذكر نكتة الوصف بالقليل عليه. ويمكن أن يقال في الوصف به مطلقاً أن السدر له شأن عند العرب ولذا نص الله تعالى على وجوده في الجنة / والبستاني منه لا يخفى نفعه والبري يستظل به أبناء السبيل ويأنسون به ولهم فيه منافع أخرى ويستأنس لعلو شأنه بما أخرجه أبو داود في «سننه» والضياء في «المختارة» عن عبد الله بن حبشي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار »تفسير : وبما أخرجه البيهقي عن أبـي جعفر قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي كرم الله تعالى وجهه في مرض موته: اخرج يا علي فقل عن الله لا عن رسول الله لعن الله من يقطع السدر»تفسير : وفي معناهما عدة أخبار لها عدة طرق، والكل فيما أرى محمول على ما إذا كان القطع عبثاً ولو كان السدر في ملكه. وقيل في ذلك مخصوص بسدر المدينة، وإنما نهى عن قطعه ليكون أنساً وظلاً لمن يهاجر إليها، وقيل بسدر الفلاة ليستظل به أبناء السبيل والحيوان، وقيل بسدر مكة لأنها حرم، وقيل بما إذا كان في ملك الغير وكان القطع بغير حق، والكل كما ترى، وأياً ما كان ففي التنصيص عليه ما يشير إلى أن له شأناً فلما ذكر سبحانه ما آل إليه حال أولئك المعرضين وما بدلوا بجنتيهم أتى جل وعلا بما يتضمن الإيذان بحقارة ما عوضوا به وهو مما له شأن عند العرب أعني السدر وقلته، والإيذان بالقلة ظاهر وأما الإيذان بالحقارة فمن ذكر شيء والعدول عن أن يقال وسدر قليل مع أنه الأخصر الأوفق بما قبله ففيه إشارة إلى غاية انعكاس الحال حيث أومأ الكلام إلى أنهم لم يؤتوا بعد إذهاب جنتهم شيئاً مما لجنسه شأن عند العرب إلا السدر وما أوتوه من هذا الجنس حقير قليل، وتسمية البدل جنتين مع أنه ما سمعت للمشاكلة والتهكم.
ابن عاشور
تفسير : تفريع على قوله: { أية : واشكروا له } تفسير : [سبأ: 15] وقع اعتراضاً بين أجزاء القصة التي بقيتها قوله: { أية : وجعلنا بينهم وبين القرى } تفسير : [سبأ: 18] الخ. وهو اعتراض بالفاء مثل قوله تعالى: { أية : ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار } تفسير : وتقدم في سورة الأنفال (14). والإِعراض يقتضي سبق دعوة رسول أو نبيء، والمعنى: أعرضوا عن الاستجابة لدعوة التوحيد بالعود إلى عبادة الشمس بعد أن أقلعوا في زمن سليمان وبلقيس، فلعل بلقيس كانت حولتهم من عبادة الشمس فقد كانت الأمم تتبع أديان ملوكهم، وقد قيل إن بلقيس لم تعمر بعد زيارة سليمان إلا بضع سنين. والإِرسال: الإطلاق وهو ضد الحبس، وتعديته بحرف (على) مؤذنة بأنه إرسال نقمة فإن سيل العرم كان محبوساً بالسد في مأرب فكانوا يرسلون منه بمقدار ما يَسقون جناتهم، فلما كفروا بالله بعد الدعوة للتوحيد قدر الله لهم عقاباً بأن قدر أسباب انهدام السد فاندفع ما فيه من الماء فكان لهم غرقاً وإتلافاً للأنعام والأشجار، ثم أعقبه جفاف باختلال نظام تساقط الأمطار وانعدام الماء وقت الحاجة إليه، وهذا جزاء على إعراضهم وشركهم. و{العرم} يجوز أن يكون وصفاً من العرامة وهي الشدة والكثرة فتكون إضافة «السيل» إلى {العرم} من إضافة الموصوف إلى الصفة. ويجوز أن يكون {العرم} اسماً للسيل الذي كان ينصبّ في السد فتكون الإِضافة من إضافة المسمى إلى الاسم، أي السيْل العرم. وكانت للسيول والأودية في بلاد العرب أسماء كقولهم: سيل مهزور ومذينيب الذي كانت تسقى به حدائق المدينة، ويَدل على هذا المعنى قول الأعشى: شعر : ومأرب عفى علَيها العَرم تفسير : وقيل: {العرم} اسم جمع عرَمَة بوزن شَجرة، وقيل لا واحد له من لفظه وهو ما بني ليمسك الماء لغة يمنية وحبشية. وهي المسناة بلغة أهل الحجاز، والمسناة بوزن مفعلة التي هي اسم الآلة مشتق من سنيت بمعنى سَقيت، ومنه سميت الساقية سانية وهي الدلو المستقى به والإِضافة على هذين أصيلة. والمعنى: أرسلنا السيل الذي كان مخزوناً في السدّ. وكان لأهل سبأ سدّ عظيم قرب بلاد مأرب يعرف بسد مأْرب (ومأرب من كور اليمن) وكان أعظم السداد في بلاد اليمن التي كانت فيها سداد كثيرة متفرقة وكانوا جعلوا هذه السداد لخزن الماء الذي تأتي به السيول في وقت نزول الأمطار في الشتاء والربيع ليسقوا منها المزارع والجنات في وقت انحباس الأمطار في الصيف والخريف فكانوا يعمدون إلى ممرات السيول من بين الجبال فيبنون في ممر الماء سوراً من صخور يبنونها بناء محكماً يصبون في الشقوق التي بين الصخور القَار حتى تلتئم فينحبس الماء الذي يسقط هنالك حتى إذا امتلأ الخَزَّان جعلوا بجانبيه جوابي عظيمة يصب فيها الماء الذي يفيض من أعلى السد فيقيمون من ذلك ما يستطيعون من توفير الماء المختزَن. وكان سدّ مأرب الذي يُحفظ فيه {سيل العرم} شَرع في بنائه سبأ أول ملوك هذه الأمة ولم يتمه فأتمه ابنه حِمير. وأما ما يقال من أن بلقيس بنته فذلك اشتباه إذ لعل بلقيس بنت حوله خزانات أخرى فرعية أو رممت بناءه ترميماً أطلق عليه اسم البناء، فقد كانوا يتعهدون تلك السداد بالإِصلاح والترميم كل سنة حتى تبقى تجاه قوة السيول الساقطة فيها. وكانوا يجعلون للسد منافذ مغلقة يزيلون عنها السَّكْر إذا أرادوا إرسال الماء إلى الجنات على نوبات يرسل عندها الماء إلى الجهات المتفرقة التي تسقى منه إذ جعلوا جناتهم حول السد مجتمعة. وكان يصب في سد مأرب سبعون وادياً. وجعلوا هذا السد بين جبلين يعرف كلاهما بالبَلَق فهما البلَق الأَيمن والبلق الأَيسر. وأعظم الأودية التي كانت تَصبّ فيه اسمه «إذنه» فقالوا: إن الأودية كانت تأتي إلى سبأ من الشحْر وأودية اليمن. وهذا السد حائط طُوله من الشرق إلى الغرب ثمانمائة ذراع وارتفاعه بضع عشرة ذراعاً وعرضه مائة وخمسون ذراعاً. وقد شاهده الحَسَن الهمداني ووصفه في كتابه المسمى بــ«الإِكليل» وهو من أهل أوائل القرن الرابع بما سمعت حاصله. ووصفه الرحالة (أرنو) الفرنسي سنة 1883 والرحالة (غلازر) الفرنسي. ولا يعرف وقت انهدام هذا السد ولا أسباب ذلك. والظاهر أن سبب انهدامه اشتغال ملوكهم بحروب داخلية بينهم ألهتهم عن تفقد ترميمه حتى تخرب، أو يكون قد خربه بعض من حاربهم من أعدائهم، وأما ما يذكر في القصص من أن السد خربته الجرذان فذلك من الخرافات. وفي {العرم} قال النابغة الجعدي: شعر : من سَبَإِ الحاضرين مأرب إذ يبنون من دون سيله العَرِما تفسير : والتبديل: تعويض شيء بآخر وهو يتعدى إلى المأخوذ بنفسه وإلى المبذول بالباء وهي باء العوض كما تقدم في قوله تعالى: { أية : ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } تفسير : في سورة النساء (2). فالمعنى: أعطيناهم أشجار خَمْط وأثْل وسِدر عوضاً عن جنتيهم، أي صارت بلادهم شَعْراء قاحلة ليس فيها إلا شجر العِضاه والبادية، وفيما بين هذين الحالين أحوال عظيمة انتابتهم فقاسوا العطش وفقدان الثمار حتى اضطروا إلى مفارقة تلك الديار، فلما كانت هذه النهاية دالة على تلك الأحوال طوي ذكر ما قبلها واقتصر على {وبدّلناهم بجنتيهم جنتين ذواتيْ أكل خمط} إلى آخره. وإطلاق اسم الجنتين على هذه المنابت مشاكلة للتهكم كقول عمرو بن كلثوم: شعر : قريناكم فعجلنا قِراكم قبيل الصُبح مِرداة طحونا تفسير : وقوله تعالى: {أية : فبشرهم بعذاب أليم} تفسير : [الانشقاق: 24]. وقد وصف الأعشى هذه الحالة بدءاً ونهاية بقوله: شعر : وفي ذاكَ للمؤنسي عِبرة ومأْرب عَفى عليها العرم رخام بنته لهم حِمير إذا جاء مَوَّاره لم يَرم فأروى الزروع وأعنابها على سَعة ماؤهم إذا قُسم فعاشوا بذلك في غبطة فحاربهم جارف منهزم فطار القيول وقيلاتها ببهماء فيها سراب يطِم فطاروا سراعاً وما يقدرو ن منه لشرب صُبيّ فُطِم تفسير : والخَمْط: شَجر الأراك. ويطلق الخمط على الشيء المُرّ. والأثل: شجر عظيم من شجر العضاه يشبه الطرفاء. والسدر: شجر من العضاه أيضاً له شَوْك يشبه شجر العناب. وكلها تنبت في الفيافي. والسدر: أكثرها ظلاً وأنفعها لأنه يغسل بورقه مع الماء فينظف وفيه رائحة حسنة ولذلك وصف هنا بالقليل لإِفادة أن معظم شجرهم لا فائدة منه، وزيد تقليله قلة بذكر كلمة {شَيء} المؤذنة في ذاتها بالقلة. يقال: شيء من كذا، إذا كان قليلاً. وفي القرآن: { أية : وما أغني عنكم من الله من شيء } تفسير : [يوسف: 67]. والأُكل ــــ بضم الهمزة وسكون الكاف وبضم الكاف ــــ: المأكول. قرأه نافع وابن كثير بضم الهمزة وسكون الكاف. وقرأه باقي العشرة بضم الكاف. وقرأ الجمهور {أكل} بالتنوين مجروراً فإذا كان {خمط} مراداً به الشجر المسمّى بالخمط، فلا يجوز أن يكون {خمط} صفة لــــ{أكل} لأن الخمط شجر، ولا أن يكون بدلاً من {أكل} كذلك، ولا عطف بيان كما قدره أبو علي لأن عطف البيان كالبدل المطابق، فتعين أن يكون {خمط} هنا صفة يقال: شيء خَامط إذا كان مُرًّا. وقرأه أبو عمرو ويعقوب {أكل} بالإِضافة إلى {خمط}، فالخمط إِذَن مراد به شجر الأراك، وأُكله ثمره وهو البَرير وهو مرّ الطعم. ومعنى {ذواتي أكل} صاحبتي {أُكل} فــــ (ذوات) جمع (ذَات) التي بمعنى صَاحبة، وهي مؤنث (ذو) بمعنى صاحب، وأصل ذات ذَواة بهاء التأنيث مثل نَواة ووزنها فَعَلة بفتحتين ولامها واو، فأصلها ذَوَوَه فلما تحركت الواو إثر فتحة قلبت ألفاً ثم خففوها في حال الإِفراد بحذف العين فقالوا: ذات فوزنها فَلَتْ أو فَلَهْ. قال الجوهري: أصل التاء في ذات هاء مثل نَواة لأنك إذا وقفت عليها في الواحد قلت: ذاه بالهاء، ولكنهم لما وصلوها بما بعدها بالإِضافة صارت تاء. ويدل لكون أصلها هاء أنه إذا صُغر يقال ذُويَّة بهاء التأنيث ا هــــ. ولم يبين أيمة اللغة وجه هذا الإِبدال ولعله لكون الكلمة بنيت على حرف واحد وألف هي مَدّة الفتحة فكان النطق بالهاء بعدهما ثقيلاً في حال الوقف، ثم لما ثنّوْها ردُّوها إلى أصلها لأن التثنية تردُّ الأشياء إلى أصولها فقالوا: ذَوَاتَا كذا، وحذفت النون للزوم إضافته، وأصله: ذَوَيات. فقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، ووزنه فَعَلَتَان وصار وزنه بعد القلب فعاتان وإذا جمعوها عادوا إلى الحذف فقالوا ذوات كذا بمعنى صاحبتات، وأصله ذويات فقلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فأصل وزن ذوات فَعَلاَت ثم صار وزنه بعد القلب فَعَات، وهو مما أُلحق بجمع المؤنث السالم لأن تاءه في المفرد أصلها هاء، وأما تاؤه في الجمع فهي تاء صارت عوضاً عن الهاء التي في المفرد على سُنة الجمع بألف وتاء.
د. أسعد حومد
تفسير : {وَبَدَّلْنَاهُمْ} (16) - ثُمَّ أَعْرَضُوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ وَشُكْرِهِ عَلى أَنْعُمِهِ، وَكَفَرُوا بِرَّبهمْ وَنِعَمِهِ، فَعَاقَبَهُمُ اللهُ تَعَالى عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ سَيْلاً ضَخْماً كَسَرَ السَّدَّ وَخَرَّبَهُ، وَاقْتَلَعَ حِجَارَتَهُ، المُرْكُومَ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ لِحَجْزِ المَاءِ، فَتَدَفَّقَ المَاءُ مِنَ السَّدِّ، وَذَهَبَ بِالجنَانِ وَالبَسَاتِينِ والخُضْرَةِ والنُّضْرَةِ، وَأْهْلَكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ، فَتَفَرَّقَ القَوْمُ فِي البِلادِ، وَأَبْدَلَهُمُ اللهُ بِتِلْكَ الجِنَانِ الفَيْحَاءِ، والثِّمَارِ الوَفِيرَةِ، وَالنِّعَمِ الكَثِيرَةِ، بَسَاتِينَ لَيْسَ فِيها إٍلا بَعْضُ الأَشْجَارِ ذَاتِ الثَّمَرِ المُرِّ المَذَاقِ (أُكُلٍ خَمْطٍ)، وَبَعْضَ أَشْجَارٍ مِنَ الطَّرْفَاءِ (أَثْلٍ) وَأَشْجَار قَلِيلة مِنَ النَّبْقِ (السِّدْرِ). فَأَعْرَضُوا - أَي عَنِ الشُّكْرِ وَتَوَلَّوا عَنْ دَعْوَةِ أَنْبِيَائِهِمْ. سَيْلَ العَرِمِ - سَيْلَ السَّدِّ أَوِ المَطَرِ الشَّدِيدِ. أُكُلٍ خَمْطٍ - ثَمَرٍ مُرٍّ حَامِضٍ بَشِعٍ. أَثْلٍ - ضَرْبٍ مَنَ الطَّرْفاءِ (وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الشَّجَرِ). سِدْرٍ - الضَّالِ أَو شَجَرَةِ النِّبْقِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {فَأَعْرَضُواْ ..} [سبأ: 16] أي: عن المأمور به، وهو {أية : كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَٱشْكُرُواْ لَهُ ..} تفسير : [سبأ: 15] فلم يأكلوا من رزق الله، إنما أكلوا من سعيهم ومهارتهم - على حدِّ زعمهم - وهذه أول الخيبة، ثم لم يشكروا الله على هذه النعم؛ لأن النعم أترفتهم فنسوا شكرها. وفَرْق بين ترف وأترف، نقول: ترف فلان أن تنعَّم. لكن أترف فلان، أي: غرَّته النعمة؛ لذلك قال تعالى: {أية : وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا ..} تفسير : [الإسراء: 16]. فلا بأس أنْ تتنعم، لكن المصيبة أن تُطغيك النعمة، وتغرّك، وأول طغيان بالنعمة أن تنسبها إلى نفسك فتقول: بمجهودي وشطارتي كالذي قال: {أية : إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِيۤ ..} تفسير : [القصص: 78] ثم أنْ تنسى المنعِم، فلا تشكره على النعمة. وفي موضع آخر لخَّص لنا الحق سبحانه هذه القضية في قوله سبحانه {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} تفسير : [النحل: 112]. وقال في قوم سيدنا نوح عليه السلام: {أية : وَأَلَّوِ ٱسْتَقَامُواْ عَلَى ٱلطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُم مَّآءً غَدَقاً} تفسير : [الجن: 16]. إذن: صيانة النعمة بشكرها والاعتراف بها كلها منسوبة إلى المنعِم سبحانه، وحتى نحن على مستوى البشر نقول: فلان هذا حافظ للجميل، فنزيده ولا نبخل عليه بجميل آخر وآخر، فما بالك بالحق سبحانه وتعالى؟! وكلمة الإعراض تُعطِي شيئاً فوق الإهمال وفوق النسيان؛ لأن الإعراض أنْ تنصرف عن مُحدِّثك وتعطيه جانبك كما تقول لمَنْ لا يعجبك حديثه (اعطني عرض كتافك). إذن: الإعراض تَرْك متعمَّد بلا مبالاة، أما السهو أو النسيان أو الخطأ أو عند النوم، فهذه كلها أمور مُعْفىً عنها، قد رفعها الله عنَّا رحمة بنا، فربُّك عز وجل لا يعاملك إلا على اليقظة والانتباه وتعمد الفعل. واقرأ إنْ شئتَ قول ربك: {أية : وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ أَعْمَىٰ} تفسير : [طه: 124]. لماذا؟ لأن الإعراض فيه شبهة عدم اعتناء بالآمر، فالنكبة فيه أشدُّ على خلاف أنْ تكون معتنياً بالآمر، وبعد ذلك تتهم نفسك لأيِّ سبب آخر. ويقول تعالى أيضاً في الإعراض: {أية : وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى ٱلإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ ..} تفسير : [فصلت: 51] وسوف يأتي الجزاء على قدر الإعراض، كما بيَّن الحق سبحانه في قوله: {أية : وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَىٰ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـٰذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ ..} تفسير : [التوبة: 34-35]. كما نقول: أنت ربيتَ مَنْ سيقتلك فيما بعد، كذلك هؤلاء كنزوا الأموال ليتمتعوا بها قليلاً في دنيا فانية، ثم يلاقون تبعة ذلك يوم القيامة، نار تكوى جباههم وجنوبهم وظهورهم، حتى يتمنى الواحد منهم - والعياذ بالله - لو أنه قلَّل منها حتى يُقلل من مواضع الكيِّ. وتأمل هذا الترتيب: جباههم وجنوبهم وظهورهم، فسوف تجده نفس ترتيب الإعراض عن المحتاج الذي سأل صاحب المال في الدنيا، فأول ما يراه يشيح عنه بوجهه، ثم يعطيه جانبه، ثم يدير إليه ظهره، فيأتي الجزاء من جنس العمل وبنفس تفاصيله. فماذا كانت نتيجة هذا الإعراض؟ يقول تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ ..} [سبأ: 16] أي: بعد أن انهار سدُّ العرم، فسال ماؤه، فأغرقهم، ومن العجيب أن الله تعالى جعل من الماء كل شيء حي، لكن إذا أراده سبحانه وسيلة هلاك أهلك، وبه أهلك اللهُ قومَ نوح، وبه أهلك فرعونَ وجنوده، وهذا من طلاقة قدرة الله، حيث يوجه الشيء للحياة فيُحيى، وللهلاك فيُهلك. وبعد أنْ أفزعهم سيل العرم لماذا أرادوا الإقامة بعد ذلك أقاموا في أماكن لا ماء فيها، فإذا أرادوا الماء جلبوه من الآبار بالقِرَب، وكأن الماء أحدث لديهم (عقدة). وهذه القضية القديمة لها عندنا قصة حديثة: كنا ونحن في الأزهر نلبس (القفاطين) و (الكواكيل)، وكان لنا زميل حالته رقيقة، وكان لا يملك إلا (كاكولة) واحدة لبسها حتى بليت وتمزقت، فكان يمدّ يده من وقت لآخر إلى مكان القطع ويحاول أن يداريه، حت صارت عادة عنده، ثم رزقه الله بأخ له توظف واشترى له (كاكولة) جديدة، فلما لبسها صارت يده تمتد إلى نفس الموضع، وتحاول ستر القطع الغير موجود في الجديدة، فقال له أحد الزملاء: ما لك؟ فقال: القديمة رعباني. والسيل: أن يسيل الماء على وجه الأرض بعد أن تشرَّبت منه قَدْر حاجتها، فما فاض عليها سال من مكان لآخر، والحق سبحانه يعلمنا: قبل أنْ نبحث عن مصادر الماء لا بُدَّ أنْ نبحث عن مصارفه حتى لا يغرقنا، واقرأ: {أية : وَقِيلَ يٰأَرْضُ ٱبْلَعِي مَآءَكِ وَيٰسَمَآءُ أَقْلِعِي ..} تفسير : [هود: 44]. فالأمر الأول للأرض أنْ تبلع الماء وتتشرَّبه، ثم يا سماء أمسكي ماءك؛ لذلك إذا تشبَّعت الأرض بالماء نقول: الأرض (عنِّنت) يعني: امتلأت بالمياه الجوفية، فإنْ كانت أرضاً زراعية لا تُخْرِج زرعاً، وإن كانت في المدن أضرَّت بالمباني، وفاضتْ في الشوارع وكسرت المواسير ... إلخ، ويعرف أهمية الصرف مَنْ يتعاملون مع الأرض. وسيل العَرِم منسوب إلى العرم، وله إطلاقات متعددة، فالعرم هي الحجارة التي تُبنى بها السدود، أو هو الجُرْذ (الفأر) الذي نقب السد، وأحدث به فجوة نفذ منها الماء، فوسّعها وجعلها عيناً. وقد رأينا ما فعله الماء في تحطيم خط بارليف، حيث هدى الله أحد مهندسينا جزاه الله خيراً إلى فكرة استخدام ضَخِّ الماء بقوة لإزالة الساتر الترابي الذي كان عقبة في طريقنا للاستيلاء على هذا الخط المنيع وتحطيمه، وفعلاً كانت فكرة أدهشتْ العالم كله. والعَرِم جمع مفرده عرمة مثل لَبِن ولبنة، لكن اللبن هو الطوب (النىّ) أو الطين، أما العرم فهو الطوب المتحجر. ثم يقول سبحانه: {وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ..} [سبأ: 16] من صفاتهما أنهما {ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ ..} [سبأ: 16] يعني: أبدلهم الله بالجنتين السابق وصفهما بجنتين أُخْريين، لكن ثمارهما {أُكُلٍ خَمْطٍ ..} [سبأ: 16] يعني: ثمر مُرّ تعافُه النفس، وأشجارهما {وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ} [سبأ: 16]. والأثل: هو شجر الطرفاء، وهو قليل النفع لا ثمر له، والسدر: هو شجر النبق المعروف، وهو شجر قليل الفائدة. فكيف يُسمى هذا جنة؟ قالوا: سماها الحق جنة على سبيل التهكم، وإلا فليس في الجنة مثل هذا الشجر. ونلحظ أن الحق سبحانه رحيم بهم حتى في العقاب، فلم يجعلها خاوية ولا شيء فيها. ثم يقرر الحق تبارك وتعالى أن ما نزل بهم ليس ظلماً لهم، إنما جزاء ما فعلوا {ذَٰلِكَ ..} [سبأ: 17] يعني: ما سبق ذِكْره من الأكل الخمط والأثل والسدر {جَزَيْنَاهُمْ ..} [سبأ: 17] أي: جزاءً لهم {بِمَا كَفَرُواْ ..} [سبأ: 17] والكفر سَتْر النعمة، وهؤلاء ستروا نعمة الله حين ظنوا أنهم يأكلون من جَهْدهم وسعيهم وملكهم، وستروا نعمة الله حين لم يلتفتوا إلى المنعم سبحانه ولم يشكروه، فما أطاعوا في {أية : كُلُواْ مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ ..} تفسير : [سبأ: 15] وما أطاعوا في {أية : وَٱشْكُرُواْ لَهُ ..} تفسير : [سبأ: 15]. ثم يُنزه الحق سبحانه نفسه بهذا الاستفهام التقريري: {وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ} [سبأ: 17] وجاء بالكفور وهي صيغة مبالغة، ولم يقل سبحانه: الكافر، وهذا من رحمته سبحانه بعباده، فهو سبحانه لا يجازي منهم إلاَّ الكفور أي: المُصِرّ على الكفر المتمادي فيه. ثم يقول الحق سبحانه: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {سَيْلَ ٱلْعَرِمِ} معناه المُسَنَّاةُ بلسان اليمن واحدُها عرِمةٌ. وقوله تعالى: {أُكُلٍ خَمْطٍ [وَأَثْلٍ]} فالخَمطُ: كلُّ شَجرٍ ذو شَوكٍ والأُكُلُ: الجَنى. وقال البَريرُ. وقال هو الأَراكُ. والأَثْلُ: شَجرةٌ.
همام الصنعاني
تفسير : 2406- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة في قوله تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ}: [الآية: 16]، قَال: بلغنا أن هلاَكهم كان في جُرَذٍ خَرق عَرِمَهُمْ. 2407- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ }: [الآية: 16]، قال: الخمط الأراك، وأكله بريرة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):