٣٤ - سَبَأ
34 - Saba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
17
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ} أي هذا التبديل جزاء كفرهم. وموضع «ذلك» نصب؛ أي جزيناهم ذلك بكفرهم. {وَهَلْ يُجَازَى إِلاَّ الْكفُورُ} قراءة العامة «يُجَازَى» بياء مضمومة وزاي مفتوحة، «الكَفورُ» رفعاً على ما لم يُسمّ فاعله. وقرأ يعقوب وحفص وحمزة والكسائيّ: «نُجازِي» بالنون وكسر الزاي، «الكفورَ» بالنصب، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم، قالا: لأن قبله «جَزَيْنَاهُمْ» ولم يقل جُوزُوا. النحاس: والأمر في هذا واسع، والمعنى فيه بيّن، ولو قال قائل: خلق الله تعالى آدم صلى الله عليه وسلم من طين، وقال آخر: خُلق آدم من طين، لكان المعنى واحداً. مسألة: في هذه الآية سؤال ليس في هذه السورة أشدّ منه، وهو أن يقال: لم خصّ الله تعالى المجازاة بالكفور ولم يذكر أصحاب المعاصي؟ فتكلم العلماء في هذا؛ فقال قوم: ليس يُجازَى بهذا الجزاء الذي هو الاصطلام والإهلاك إلا من كفر. وقال مجاهد: يجازي بمعنى يعاقب؛ وذلك أن المؤمن يكفِّر الله تعالى عنه سيئاته، والكافر يجازَى بكل سوءٍ عمِله؛ فالمؤمن يُجْزَى ولا يُجَازَى لأنه يثاب. وقال طاوس: هو المناقشة في الحساب، وأما المؤمن فلا يناقش الحساب. وقال قُطْرُب خلاف هذا، فجعلها في أهل المعاصي غير الكفار، وقال: المعنى على من كفر بالنعم وعمل بالكبائر. النحاس: وأولى ما قيل في هذه الآية وأجلّ ما روي فيها: أن الحسن قال مِثْلاً بمثل.حديث : وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من حوسب هلك» فقلت: يا نبيّ الله، فأين قوله جلّ وعزّ: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً} [الانشقاق: 8]؟ قال: «إنما ذلك العرض ومن نوقش الحساب هلك»تفسير : . وهذا إسناد صحيح، وشرحه: أن الكافر يكافأ على أعماله ويحاسب عليها ويحبط ما عمِل من خير؛ ويبيّن هذا قوله تعالى في الأوّل: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ} وفي الثاني: «وَهَلْ يُجَازَى إِلاَّ الْكَفُورُ» ومعنى «يُجَازَى»: يكافأ بكل عَمَل عَمِله، ومعنى «جزيناهم». وفَّيناهم؛ فهذا حقيقة اللغة، وإن كان «جازى» يقع بمعنى «جزى» مجازاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ذٰلِكَ } التبديل {جَزَيْنَٰهُمْ بِمَا كَفَرُواْ } بكفرهم {وَهَلْ نُجَازِى إِلاَّ ٱلْكَفُورَ } بالياء والنون مع كسر الزاي ونصب الكفور، أي ما يناقش إلا هو.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ذلك جزيناهم بما كفروا} أي ذلك فعلنا بهم جزاء كفرهم {وهل نجازي إلا الكفور} أي هل يكافأ بعمله إلا الكفور لله في نعمه، قيل المؤمن يجزي ولا يجزى يجازى بحسناته، ولا يكافأ بسيئاته {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها} أي بالماء والشجر، وهي قرى الشام {قرى ظاهرة} أي متواصلة تظهر الثانية من الأولى لقربها منها قيل: كان متجرهم من اليمن إلى الشام فكانوا يبيتون بقرية ويقيلون بأخرى وكانوا لا يحتاجون إلى حمل زاد من سبأ إلى الشام، وقيل: كانت قراهم أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ إلى الشام {وقدرنا فيها السير} أي قدرنا سيرهم بين هذه القرى فكان سيرهم في الغدو والرواح على قدر نصف يوم، فإذا ساروا نصف يوم وصلوا إلى القرية ذات مياه وأشجار، فكان مابين اليمن والشام كذلك {سيروا} أي وقلنا لهم سيروا {فيها ليالي وأياماً} أي في أي وقت شئتم {آمنين} أي لا تخافون عدواً ولا جوعاً ولا عطشاً فبطروا النعمة، وسئموا الراحة وطغوا ولم يصبروا على العافية فقالوا: لو كانت جناتنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيها وطلبوا الكد والتعب في الأسفار {فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا} وقرىء باعد بين أسفارنا أي اجعل بيننا وبين الشام مفاوز وفلوات لنركب فيها الرواحل، ونتزود الأزواد فلما تمنوا ذلك عجل الله لهم الإجابة {وظلموا أنفسهم} أي بالبطر والطغيان {فجعلناهم أحاديث} أي عبرة لمن بعدهم يتحدثون بأمرهم وشأنهم {ومزقناهم كل ممزق} أي فرقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق قيل: لما غرقت قراهم تفرقوا في البلاد فأما غسان فلحقوا بالشام ومر الأزد إلى عمان وخزاعة إلى تهامة ومر الأوس والخزرج إلى يثرب، وكان الذين قدم منهم المدينة عمرو بن عامر، وهو جد الأوس والخزرج ولحق آل خزيمة بالعراق {إن في ذلك لآيات} أي لعبراً ودلالات {لكل صبار} أي عن المعاصي {شكور} أي لله على نعمه قيل، من المؤمن صابر على البلاء شاكر للنعماء وقيل: المؤمن إذا أعطى شكر وإذا ابتلي صبر. قوله عز وجل {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه} قيل على أهل سبأ وقيل على الناس كلهم {فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين} قال ابن عباس رضي الله عنهما يعني المؤمنين كلهم لأنهم لم يتبعوه في أصل الدين، وقيل هو خاص بالمؤمنين الذين يطيعون الله ولا يعصونه, قال ابن قتيبة: إن إبليس لما سأل النظرة فأنظره الله قال لأغوينهم ولأضلنهم ولم يكن مستيقناً وقت هذه المقالة أن ما قاله فيهم يتم وإنما قاله ظناً فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم وقال الحسن إنه لم يسل عليهم سيفاً، ولا ضربهم بسوط إنما وعدهم ومناهم فاغتروا {وما كان له عليهم من سلطان} يعني ما كان تسليطنا إياه عليهم {إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك} يعني لنرى ونميز المؤمن من الكافر وأراد علم الوقوع، والظهور إذا كان معلوماً عنده لأنه عالم الغيب {وربك على كل شيء حفيظ} يعني رقيب وقيل حفيظ بمعنى حافظ. قوله تعالى {قل} يعني قل يا محمد لكفار مكة {ادعوا الذين زعمتم} يعني أنهم آلهة {من دون الله} والمعنى ادعوهم ليكشفوا عنكم الضر الذي نزل بكم في سني الجوع، ثم وصف عجز الآلهة فقال تعالى {لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض} يعني من خير وشر ونفع وضر {وما لهم} يعني للآلهة {فيهما} يعني في السموات، الأرض {من شرك} يعني من شركة {وما له} يعني لله {منهم} يعني من الآلهة {من ظهير} عون.
البقاعي
تفسير : ولما أخبر عن هذا المحق والتقتير بعد ما كانوا فيه من ذلك الملك الكبير، هول أمره مقدماً للمفعول دلالة على أنه مما يهتم غاية الاهتمام بتعرفه فقال: {ذلك} أي الجزاء العظيم العالي الرتبة في أمر المسخ {جزيناهم} بما لنا من العظمة {بما كفروا} أي غطوا الدليل الواضح. ولما كان من العادة المستقرة عند ذوي الهمم العوال، العريقين في مقارعة الأبطال، المبالغة في جزاء من أساء بعد الإحسان، وقابل الإنعام بالكفران، لما أثر في القلوب من الحريق مرة بعد مرة، وكرة في أثر كرة، أجرى الأمر سبحانه على هذا العرف، فقال مشيراً إلى ذلك بصيغة المفاعلة عادّاً لغير جزائهم بالنسبة إليه عدماً، تهديداً يصدع القلوب ويردع النفوس، ويدع الأعناق خاضعة والرؤوس: {وهل نجازي} أي هذا الجزاء الذي هو على وجه العقاب من مجاز ما على سبيل المبالغة {إلا الكفور *} أي المبالغ في الكفر، وقراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم "نجازي" بالنون على أسلوب ما قبله من العظمة ونصب "الكفور" وقال الفراء: المؤمن يجزى ولا يجازى - كأنه يشير إلى أن عقاب المسيء لأجل عمله فهو مفاعلة، وأما ثواب المطيع فهو فضل من الله لا لأجل عمله، فإن عمله نعمة من الله، وذلك لا ينافي المضاعفة، قال القشيري: كذلك من الناس من يكون في رغد من الحال واتصال من التوفيق وطيب من القلب ومساعدة من الوقت فيرتكب زلة أو يسيء أدباً أو يتبع شهوة، ولا يعرف قدر ما هو فيه فيغير عليه الحال، فلا وقت ولا حال، ولا طرب ولا وصال، يظلم عليه النهار، وكانت لياليه مضيئة ببدائع الأنوار. ولما أتم الخبر عن الجنان التي بها القوام نعمة ونقمة، أتبعه مواضعه السكان فقال: {وجعلنا} أي بما لنا من العظمة، ونبه بنزع الجار على عمارة جميع تلك الأراضي بالبناء والانتفاع فقال: {بينهم} أي بين قرى أهل سبأ {وبين القرى} اي مدناً كانت أو دونها {التي باركنا} أي بركة اعتنينا بها اعتناء من يناظر آخر بغاية العظمة {فيها} أي بأن جعلناها محال العلم والرزق بالأنبياء وأصفياء الأولياء وهي بلاد الشام {قرى ظاهرة} أي من أرض الشام في أشراف الأرض وما صلب منها وعلا، لأن البناء فيها أثبت، والمشي بها أسهل، والابتهاج برؤية جميع الجنان وما فيها من النضرة منها أمكن. فهي ظاهرة للعيون بين تلك الجنان، كأنها الكواكب الحسان، مع تقاربها بحيث يرى بعضها من بعض وكثرة المال بها والمفاخر والنفع والمعونة للمارة؛ قال البغوي: كانت أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ إلى الشام. ولما كانت مع هذا الوصف ربما كان فيها عسر على المسافر لعدم الموافقة في المقيل والمبيت، أزال هذا بقوله: {وقدرنا فيها السير} أي جعلناه على مقادير هي في غاية الرفق بالمسافر في نزوله متى أراد من ليل أو نهار على ما جرت به عوائد السفار، فهي لذلك حقيقة بأن يقال لأهلها والنازلين بها على سبيل الامتنان: {سيروا} والدليل على تقاربها جداً قوله: {فيها} ودل على كثرتها وطول مسافتها وصلاحيتها للسير أيّ وقت أريد، مقدماً لما هو أدل على الأمن وأعدل للسير في البلاد الحارة بقوله: {ليالي} وأشار إلى كثرة الظلال والرطوبة والاعتدال الذي يمكن معه السير في جميع النهار بقوله: {وأياماً} أي في أي وقت شئتم، ودل على عظيم أمانها في كل وقت بالنسبة إلى كل ملم بقوله: {آمنين *} أي من خوف وتعب، أو ضيعة أو عطش أو سغب. ولما انقضى الخبر عن هذه الأوصاف التي تستدعي غاية الشكر لما فيها من الألطاف، دل على بطرهم للنعمة بها بأنهم جعلوها سبباً للتضجر والملال بقوله: {فقالوا} على وجه الدعاء: {ربنا} أي أيها المربي لنا {باعد} أي أعظم البعد وشدده - على قراءة ابن كثير وأبي عمرو وهشام عن ابن عامر بتشديد العين وإسكان الدال، وهذا بمعنى قراءة الباقين غير يعقوب {باعد} المقتضية لمده وتطويله {بين أسفارنا} أي قرانا التي نسافر فيها، أي ليقل الناس فيكون ما يخص كل إنسان من هذه الجنان أضعاف ما يخصه الآن ونحمل الزاد ونسير على النجائب ونتعلق السلاح ونستجيد المراكب، وكان بعضهم كأن على الضد من غرض هؤلاء فاستكثر مسافة ما بين كل قريتين فقال كما قرأ يعقوب "ربنا" بالرفع على أنه مبتدأ "باعد" فعلاً ماضياً على أنه خبر, فازدرى تلك النعمة الواردة على قانون الحكمة واشتهى أن تكون تلك القرى متواصلة {وظلموا} حيث عدوا النعمة نقمة، والإحسان إساءة {أنفسهم} تارة باستقلال الديار، وتارة باستقلال الثمار، فسبب ذلك تبديل ما هم فيه بحال هو في الوحشة بقدر ما كانوا فيه من الأنس وهو معنى {فجعلناهم} أي بما لنا من العظمة {أحاديث} أي يتواصفها الناس جيلاً بعد جيل لما لها من الهول {ومزقناهم} أي تمزيقاً يناسب العظمة، فما كان لهم دأب إلا المطاوعة فمزقوا {كل ممزق} أي تمزيق كما يمزق الثوب، بحيث صاروا مثلاً مضروباً إلى هذا الزمان، يقال لمن شئت أمرهم: تفرقوا أيدي سبا. ولما كان كل من أمريهم هذين في العمارة والخراب أمراً باهراً دالاً على أمور كثيرة، منها القدرة على الساعة التي هي مقصود السورة بالنقلة من النعيم إلى الجحيم والحشر إلا ما لا يريد الإنسان كما حشر أهل سبأ إلى كثير من أقطار البلاد كما هو مشهور في قصتهم، قال منبهاً على ذلك مستأنفاً على طريق الاستنتاج، مؤكداً تنبيهاً على إنعام النظر فيه، لما له من الدلالة على صفات الكمال: {إن في ذلك} أي الأمر العظيم {لآيات} أي دلالات بينة جداً على قدرة الله تعالى على التصرف فيما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض بالإيجاد والإعدام للذوات والصفات بالخسف والمسخ، فإنه لا فرق بين خارق وخارق، وعلى أن بطرهم لتلك النعمة حتى ملوها ودعوا بإزالتها دليل على أن الإنسان ما دام حياً فهو في نعمة يجب عليه شكرها كائنة ما كانت وإن كان يراها بلية، لأنه لما طبع عليه من القلق كثيراً ما يرى النعم نقماً، واللذة ألماً، ولذلك ختم الآية بالصبر بصيغة المبالغة. ولما كان الصبر حبس النفس عن أغراضها الفاسدة وأهويتها المعمية، وكانت مخالفة الهوى أشد ما يكون على النفس وأشق، وكانت النعم تبطر وتطغي، وتفسد وتلهي، فكان عطف النفوس إلى الشكر بعد جماحها بطغيان النعم صعباً، وكانت قريش قد شاركت سبأ فيما ذكر وزادت عليهم برغد العيش وسهولة إتيان الرزق بما حببهم به وبلدهم إلى العباد بدعوة أبيهم إبراهيم عليه السلام مع آمن البلد وجلالة النسب وعظيم المنصب كما أشار إليه قوله تعالى {أية : وضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة} تفسير : [النحل: 112] قال تعالى محذراً لهم مثل عقوبتهم: {لكل صبار شكور *} أي من جميع بني آدم، مشيراً بصيغة المبالغة إلى ذلك كله، وأن من لم يكن في طبعه الصبر والشكر لا يقدر على ذلك، وأن من ليس في طبعه الصبر فاته الشكر. ولما كان المعنى: آيات في أن تخالفوا إبليس فلا تصدقوا ظنه في احتناكهم حيث قال: {أية : لئن أخرتن إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريته إلا قليلاً}تفسير : [الإسراء: 62] قال مؤكداً لإنكار كل أحد أن يكون صدق ظن إبليس فيه: {ولقد} أي كان في ذلك آيات مانعة من اتباع الشيطان والحال أنه قد {صدق}. ولما كان في استغوائهم غالباً لهم في إركابهم ما تشهد عقولهم بأنه ضلال، أشار إلى ذلك بأداة الاستعلاء فقال: {عليهم} أي على ذرية آدم عليه السلام. ولما كان في سياق الإثبات لعظمة الله وما عنده من الخير وما له من التصرف التام الداعي ذلك إلى الإقبال إليه وقصر الهمم عليه، عبر بقوله تعالى {إبليس} الذي هو من البلس وهو ما لا خير عنده - والإبلاس - وهو اليأس من كل خير - ليكون ذلك أعظم في التبكيت والتوبيخ {ظنه} أي في قوله: {أية : لأحتنكن ذريته إلا قليلاً} تفسير : [الإسراء: 62] {أية : ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك}تفسير : [الحجر: 39] {أية : ولا تجد أكثرهم شاكرين} تفسير : [الأعراف: 17] فكأنه لما قال ذلك على سبيل الظن تقاضاه ظنه الصدق فصدقه في إعمال الحيلة حتى كان ذلك الظن - هذا على قراءة الجماعة بالتخفيف، وأما على قراءة الكوفيين بالتشديد فالمعنى أنه جعل ظنه الذي كان يمكن تكذيبه فيه قبل التحقق صادقاً، بحيث لا يمكن أحداً تكذيبه فيه، ولذلك سبب سبحانه عنه قوله: {فاتبعوه} أي بغاية الجهد بميل الطبع والاستلذاذ الموجب للنزوع والترامي بعضهم في الكفران وبعضهم في مطلق العصيان. ولما كان المحدث عنهم جمعي الناس، عرف به الاستثناء المعرف لقلة الناجين فقال: {إلا فريقاً} أي ناساً لهم القدرة على تفريق كلمة أهل الكفر وفض جمعهم وإن كانوا بالنسبة إليهم كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود {من المؤمنين *} أي العريقين في الإيمان، فكانوا خالصين لله مخلصين في عبادته، وأما غيرهم فمالوا معه، وكان منهم المقل ومنهم المكثر بالهفوات والزلات الصغائر والكبائر.
ابو السعود
تفسير : {ذٰلِكَ} إشارة إلى مصدر قوله تعالى: {جَزَيْنَـٰهُم} أو إلى ما ذُكر من التَّبديلِ. وما فيه من معنى البُعد للإيذانِ ببُعد رُتبتهِ في الفظاعة. ومحلُّه على الأوَّلِ النَّصبُ على أنَّه مصدرٌ مؤكدِّ للفعل المذكور وعلى الثَّاني النَّصبُ على أنَّه مفعولٌ ثانٍ له أي ذلك الجزاءَ الفظيعَ جزيناهم لا جزاءً آخرَ أو ذلك التَّبديلَ جزيناهم لا غيرَه {بِمَا كَفَرُواْ} بسبب كفرانهم النِّعمة حيثُ نزعناها منهم ووضعنا مكانها ضدَّها أو بسبب كفرهم بالرُّسلِ {وَهَلْ نُجَازِى إِلاَّ ٱلْكَفُورَ} أي وما نُجازي هذا الجزاءَ إلا المُبالغَ في الكُفرانِ أو الكفر. وقُرىء يُجازِي على البناء للفاعل وهو الله عزَّ وجلَّ. وهل يُجازَى على البناء للمفعول ورفعِ الكفورَ، وهل يُجزى على البناء للمفعولِ أيضاً. وهذا بـيانُ ما أُوتوا من النَّعم الحاضرة في مساكنهم وما فعَلُوا بها من الكُفرانِ وما فُعلَ بهم من الجزاء. وقوله تعالى {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا} حكاية لما أُوتوا من النَّعمِ البادية في مسايرهم ومتاجرهم وما فَعلُوا بها من الكُفرانِ وما حاق به بسبب ذلك تكملةً لقصتهم وبـياناً لعاقبتهم وإنما لم يذكر الكلَّ معاً لما في التَّثنيةِ والتَّكريرِ من زيادة تنبـيه وتذكير وهو عطف على كان لسبأٍ لا على ما بعده من الجمل النِّاطقةِ بأفعالهم أو بأجزيتها أي وجعلنا مع ما آتيناهم في مساكنهم من فُنون النِّعمِ بـينهم أي بـين بلادهم وبـين القُرى الشَّاميةِ التي باركنا فيها للعالمين {قُرًى ظَـٰهِرَةً} متواصلة يُرى بعضُها من بعضٍ لتقاربها فهي ظاهرة لأعينُ أهلها أو راكبة متنَ الطريق ظاهرة للسَّابلةِ غير بعيدة عن مسالكهم حتَّى تخفى عليهم {وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ} أي جعلناها في نسبة بعضها إلى بعضٍ على مقدار معيَّنٍ يليقُ بحال أبناء السَّبـيلِ قيل: كان الغادي من قرية يقيلُ في أخرى والرَّائحُ منها يبـيت في أُخرى إلى أنْ يبلغً الشَّامَ. كلُّ ذلك كان تكميلاً لما أُوتوا من أنواع النَّعماءِ وتوفيراً لها في الحضر والسَّفرِ {سِيرُواْ فِيهَا} على إرادة القول أي وقُلنا لهم سيروا في تلك القُرى {لَيَالِىَ وَأَيَّاماً} أي متى شئتُم من الليالي والأيَّامِ {ءامِنِينَ} من كلِّ ما تكرهونه لا يختلف الأمنُ فيها باختلاف الأوقاتِ أو سيروا فيها آمنينَ وإن تطاولتْ مُدَّةُ سفرِكم وامتدتْ لياليَ وأيَّاماً كثيرة أو سيروا فيها لياليَ أعمارِكم وأيَّامَها لا تلقَون فيها إلا الأمنَ، لكن لا على الحقيقة بل على تنزيل تمكينهم من السَّيرِ المذكور وتسوية مباديه وأسبابه على الوجه المذكور منزلة أمرهم بذلك.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ}. ما عوملوا إلا بما استوجبوا، ولا سُقُوا إلاَّ مِمَّا ثَبِطوا، وما وقعوا إلاَّ في الوَهْدَةِ التي حَفَرُوا، وما قُتِلُوا إلا بالسيف الذي صَنَعُوا! {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى...}: ما كان من شأنهم إلا التمادي في عصيانهم، والإصرار على غيهم وطغيانهم. قوله جلّ ذكره: {أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ}. فرَّقناهم تفريقاً حتى اتخذهم الناسُ مثلاً مضروباً؛ يقولون: ذهبوا أيدي سبأٍ، وتفرَّقوا أيادي سبأ. وفي قصتهم آياتٌ لكل صبَّار على العاقبة، شكور على النعمة.
اسماعيل حقي
تفسير : {ذلك} اشارة الى مصدر قوله تعالى {جزيناهم} فمحله النصب على انه مصدر مؤكد له اى ذلك الجزاء الفظيع جزيناهم لاجزاء آخر او الى ما ذكر من التبديل فمحله النصب على انه مفعول ثان له اى ذلك التبديل جزيناهم لا غيره {بما كفروا} بسبب كفرانهم النعمة حيث نزعناها منهم ووضعنا مكانها ضدها او بسبب كفرهم بالرسل وفى هذه الآية دليل على بعث الانبياء بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام فانه روى ان الواقعة المذكورة كانت فى الفترة التى بينهما وما قيل من انه لم يكن بينهما نبى يعنى نبى به ذو كتاب كذا فى بحر العلوم فلا يشكل قوله عليه السلام "حديث : ليس بينى وبينه نبى" تفسير : اى رسول مبعوث بشريعة مستقلة بل كل من بعث كان مقررا لشريعة عيسى وقد سبق تحقيق هذا المبحث مرارا {وهل نجازى الا الكفور} اى وما نجازى هذا الجزاء الا المبالغ فى الكفران او الكفر. فهل وان كان استفهاما فمعناه النفى ولذلك دخلت الا فى قوله الا الكفور. قال فى القاموس هل كلمة استفهام وقد يكون بمعنى الجحد وكفر النعمة وكفرانها سترها بترك اداء شكرها والكفران فى جحود النعمة اكثر استعمالا والكفر فى الدين اكثر والكفور فيهما جميعا. وفى الآية اشارة الى ان المؤمن الشاكر يربط بشكره النعم الصورية والمعنوية من الايقان والتقوى والصدق والاخلاص والتوكل والاخلاق الحميدة وغير الشاكر يزيل بكفرانه هذه النعم فيجد بدلها الفقر والكفر والنفاق والشك والاوصاف الذميمة ألا ترى الى حال بلعم فانه لم يشكر يوما على نعمة الايمان والتوفيق فوقع فيما وقع من الكفر والعياذ بالله تعالى. فلما غرس اهل الكفر فى بستان القلب والروح الاشجار الخبيثة لم يجدوا الا الاثمار الخبيثة فما عوملوا الا بما استوجبوا وما حصدوا الا ما زرعوا وما وقعوا الا فى الحفرة التى حفروا كما قيل "يداك اوكتا وفوك نفخ" وهذا مثل مشهور يضرب لمن يتحسر ويتضجر مما يرد عليه منه يقال اوكأ على سقائه اذا شده بالوكاء والوكاء للقربة وهو الخيط الذى يشد به فوها وقد ورد فى العبارة النبوية (فمن وجد خيرا فليحمد الله) اى الذى هو ينبوع الرحمة والخير (ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ الا نفسه): وفى المثنوى شعر : داد حق اهل سبارا بس فراغ صد هزاران قصر وايوانها وباغ شكر آن نكزاردند آن بدركان در وفا بودند كمتر از سكان مر سكانرا لقمه نانى زدر جون رسد بردرهمى بندد كمر باسبان وحارس در ميشود كرجه بروى جور سختى ميرود هم بارن درباشدش باش وقرار كفر دارد كرد غيرى اختيار بيوفايى جون سكانرا عار بود بيوفايى جون روا دارى نمود
الجنابذي
تفسير : {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ} فتنبّهوا يا امّة محمّدٍ (ص) ولا تكفروا نعمة النّبوّة والولاية اللّتين هما كبستانين حافّتين ليمينكم وشمالكم ولا تكفروا نعمة صفحتى النّفس العمّالة والعلاّمة ولا تكفروا نعمة الاسلام الحاصل بالبيعة العامّة النّبويّة، والايمان الحاصل بالبيعة الخاصّة الولويّة، ولا تكفروا نعمة احكام الشّريعة القالبيّة، ولا نعمة آثار الطّريقة القلبيّة {وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ} قرئ نجازى بالنّون والكفور بالنّصب، ويجازى بالياء مبنيّاً للمفعول والكفور بالرّفع.
الهواري
تفسير : قال: {ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ} أي: وهل يعاقب إلا الكفور. وهو مقرأ أهل الكوفة: أي: إنهم لما أعرضوا عما جاءت به الرسل ابتلاهم الله فغيَّرَ ما بهم، ثم أهلكهم بعد ذلك.
اطفيش
تفسير : {ذلك} التبديل هو مفعول مطلق للفعل بعده من قوله. {جزيناهم} وقدم التعظيم لا للحصر او هو مفعول به او منصوب على نزع الخافض او مبتدأ محذوف الرابط اي جزيناهم اياه وهذه الاوجه على ان الاشارة المذكورة من الخمط والاثل والشيء القليل من السدر لا للتبديل. {بما كفروا} سبب كفرهم النعمة وبالرسل. {وهل نجازي} بمثل ذلك. {إلا الكفور} الا المبالغ في كفران النعم او الكفر بالرسل والجزاء هنا خاص بالكافر وهو العقاب وليس من الجزاء الذي هو بمعنى المكافأة على الفعل سواء كان خيرا لفاعل الاحسان او شرا ؟؟؟؟ والجزاء الذي يجازي به الكفور عذاب الاخرة وهو نظير ذلك الجزاء في ان كلا منهما مؤلم كأنه قيل لا يعاقب بمثل ذلك الا الكفور لانه ان عمل حسنة فقد احبطت واما المؤمن فتكفر سيئاته بحسناته فيجوز ان يراد بالمجازاة مطلق العقاب والآية من باب التذييل الذي لم يخرج مخرج المثل وهو تعقيب الجملة بجملة مشتملة على معناها غير مستقلة بافادة المراد بل تتوقف على ما مثلها ان قلنا المراد هل يجازي ذلك الجزء لمن بالغ في العناد والكفر ويجوز ان تكون من التذييل الذي خرج مخرج المثل وهو كالاول الا ان الجملة الثانية تكون مستقلة كلية جارية مجرى المثل في كثرة الاستعمال وذلك اذا قلنا المراد بالمجازاة مطلق المعاقبة او اريد بالكفور العامل لكن عبر عنه بالكفور ليطابق قوله {الذين كفروا} وهذا ان اريد ايضا بالمجازاة مطلق المعاقبة وقرىء {وهل يجزي} باسكان الجيم والبناء للمفعول وقرىء {هل يجازي} بالتحتية على ان الضمير لله ونصب الكفور، وقرىء {هل يجزى} كذلك لكن باسكان الجيم وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وحفص {نجازي} بالنون ونصب الكفور.
اطفيش
تفسير : {ذلك} التبديل البعيد رتبة فى الضر مفعول به لقوله: {جَزَيْناهم} أو مفعول مطلق للجزاء بعده، وعلى كل حال قدم للتهويل أو للحصر، أى لا جزاءً آخر {بما كَفَروا} بسبب كفرهم النعمة، أو كفرهم بالرسل الثلاثة عشر، وذلك قبل سيدنا عيسى عليه السلام، أو سيل العرم بعده، والأنبياء قبله {وهَلْ يجازى} مثل هذا الجزاء {إلا الكفور} المبالغ فى الكفر، أو هل يجازى بكل ما فعل إلا الكفر، أو هل يجازى جزاء غضب إلا الكفور، والمؤمن يجازى ببعض ما فعل فى الدنيا تميحصا لا غضبا، والمجازاة فى الشر والجزاء فى الخير غالبا، بل لم يرد المجازاة فى القرآن إلا فى هذه الآية فالجزاء فيها للشر. {وجَعَلنا} قبل الخراب {بيْنَهم} بين بلدتهم التى بنى لها السد {وبَيْن القُرى التي باركْنا فيها} هى قرى الشام، ومنها قرى بيت المقدس، وعن ابن عباس: قرى بيت المقدس، والقولان أولى، لأن المعرف بالبركة ثماراً ودنيا هو تلك البلاد القدسية، من قول إن: المراد السراوية، وقول إنه قرى صنعاء، وقيل قرى مأرب {قرى ظاهرة} تظهر لمن فى واحدة الأخرى شدة القرب عند قتادة أربعة آلاف وسبعمائة قرية، من سبأ الى الشام، لا يحملون زادا، ولا يحتاجون يقيلون فى واحدة، ويبيتون فى أخرى. وقال المبرد: ظاهرة للناظر من بعيد لكونها على المواضع المرتفعة كالجبال: وذلك شرف لها، وقيل: متبينة الحسن واللياقة للمار، وقيل: ظاهرة للمار لكونها علىالطريق يسهل للمار الانتفاع منها، وعن ابن عطية: خارجة عن المدن الكبار، وظواهر المدن ما خرج عنها، وقوله: "جعلنا" إلخ عطف على ما قبله عطف قصة على أخرى، فهم فى نعم عظيمة فى حضرهم وسفرهم. {وقدَّرنا فيها السَّير} جلعنا السير فيما بينها على مقدار لائق، ففى بمعنى بين، أو يقدر مضاف أى فى طرقها، ونكتة فى الاشارة الى أن السير فى خارجها كالسير فى داخلها مبالغة فى ذكر نعمها لهم من شدة القرب، كأنهم لم يخرجوا منها كما مر عن قتادة. ولو اختلف القرب، وقيل: من سار صباحا من واحدة وصل الأخرى وقت الظهر، ومن سار منه وصل الأخرى وقت الغروب، فبين كل واحدة والأخرى ما بين الصبح والظهر، أو ما بين الظهر والغروب، وقيل بين كل قريتين ميل، وفى كل الأقوال لا يحتاج الى حمل زاد، ولا الى مبيت فى غير عمران، وأكد القرب بقوله: {سِيرُوا فيها ليَالي وأيَّاما آمنِين} الجملة منصوبة بحال محذوفة أى قائلين بالوحى، أو بلسان الحال سير والخ، ومعنى "ليالى وأياما آمنين" متى شئتم لا يختلف الأمن، ولا يتخلف بوقت لعدو أو سبع أو دابة مضرة لفقد ذلك، ولو امتد سفركم ليالى وأياما، وعن قتادة يسيرون فى ذلك أربعة أشهر أو لمرد مدة أعماركم فعبر بليالى وأياما تلويحا بقرب الموت، وقدم الليل لتقدمه على اليوم، ولأنه مظنة الخوف، وضع الله عز وجل الأمن فيهم حتى لو وجد قاتل أبيه لم يغير عليه بقول.
الالوسي
تفسير : {ذٰلِكَ } إشارة إلى ما ذكر من التبديل، وما فيه من معنى البعد للإشارة إلى بعد رتبته في الفظاعة أو إلى مصدر قوله تعالى: {جَزَيْنَـٰهُم } كما قيل في قوله سبحانه: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَـٰكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } تفسير : [البقرة: 143] ومحله على الأول النصب على أنه مفعول ثان، وعلى الثاني النصب على أنه مصدر مؤكد للفعل المذكور، والتقديم للتعظيم والتهويل وقيل للتخصيص أي ذلك التبديل جزيناهم لا غيره أو ذلك الجزاء الفظيع جزيناهم لا جزاء آخر {بِمَا كَفَرُواْ } أي بسبب كفرانهم النعمة حيث نزعناها منهم ووضعنا مكانها ضدها، وقيل بسبب كفرهم بالرسل الثلاثة عشر الذين بعثوا إليهم. واستشكل هذا مع القول بأن السيل العرم كان زمن الفترة بأن الجمهور قالوا: لا نبـي بين نبينا وعيسى عليهما الصلاة والسلام، ومن الناس من قال: بينهما صلى الله عليه وسلم أربعة أنبياء ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب وهو خالد العبسي وهو قد بعث لقومه وبنو إسرائيل لم يبعثوا للعرب. وأجيب بأن ما كان زمن الفترة هو السيل العرم لا غير والرسل الثلاثة عشر هم جملة من كان في قومهم من سبا بن يشجب إلى أن أهلكهم الله تعالى أجمعين فتأمل ولا تغفل. {وَهَلْ نُجْٰزِى إِلاَّ ٱلْكَفُورَ } أي ما نجازي مثل هذا الجزاء الشديد المستأصل إلا المبالغ في الكفران أو الكفر فلا يتوجه على الحصر إشكال أن المؤمن قد يعاقب في العاجل. وفي «الكشف» لا يراد أن المؤمن أيضاً يعاقب فإنه ليس بعقاب على الحقيقة بل تمحيص ولأنه أريد المعاقبة بجميع ما يفعله من السوء، ولا كذلك للمؤمن، ولا مانع من أن يكون الجزاء عاماً في كل مكافآت وأريد به المعاقبة مطلقاً من غير تقييد بما سبق لقرينة {جَزَيْنَـٰهُمْ بِمَا كَفَرُواْ } لتعيين المعاقبة فيه بل قال الزمخشري: هو الوجه الصحيح وذلك لعدم الإضمار ولأن التذييل هكذا آكد وأسد موقعاً ولا يتوجه الأشكال لما في «الكشف». وقرأ الجمهور {يجازى} بضم الياء وفتح الزاي مبنياً للمفعول {ٱلكفور} بالرفع على النيابة عن الفاعل. وقرىء {يجازي} بضم الياء وكسر الزاي مبنياً / للفاعل وهو ضميره تعالى وحده {ٱلكفور} بالنصب على المفعولية، وقرأ مسلم بن جندب {يجزى} مبنياً للمفعول {ٱلكفور} بالرفع على النيابة، والمجازات على ما سمعت عن الزمخشري المكافآت لكن قال الخفاجي لم ترد في القرآن إلا مع العقاب بخلاف الجزاء فإنه عام وقد يخص بالخير، وعن أبـي إسحاق تقول جزيت الرجل في الخير وجازيته في الشر، وفي معناه قول مجاهد يقال في العقوبة يجازى وفي المثوبة يجزى. وقال بعض الأجلة: ينبغي أن يكون أبو إسحاق قد أراد أنك إذا أرسلت الفعلين ولم تعدهما إلى المفعول الثاني كانا كذلك وأما إذا ذكرته فيستعمل كل منهما في الخير والشر، ويرد على ما ذكر {جَزَيْنَـٰهُمْ بِمَا كَفَرُواْ } وكذا {وَهَلْ يُجْزَىٰ } في قراءة مسلم إذ الجزاء في ذلك مستعمل في الشر مع عدم ذكر المفعول الثاني، وقوله:شعر : جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر وحسن فعل كما يجزى سنمار تفسير : وقال الراغب: يقال جزيته وجازيته ولم يجيء في القرآن إلا جزى دون جازى وذلك لأن المجازاة المكافأة وهي مقابلة نعمة بنعمة هي كفؤها ونعمة الله عز وجل تتعالى عن ذلك ولهذا لا يستعمل لفظ المكافأة فيه سبحانه وتعالى، وفيه غفلة عما هنا إلا أن يقال: أراد أنه لم يجيء في القرآن جازى فيما هو نعمة مسنداً إليه تعالى فإنه لم يخطر لي مجيء ذلك فيه والله تعالى أعلم. ويحسن عندي قول أبـي حيان: ((أكثر ما يستعمل الجزاء في الخير والمجازاة في الشر لكن في تقييدهما قد يقع كل منهما موقع الآخر)) وفي قوله سبحانه: {جَزَيْنَـٰهُمْ بِمَا كَفَرُواْ } دون جازيناهم بما كفروا على الوجه الثاني في اسم الإشارة ما يحكى تمتع القوم بما يسر ووقوعهم بعده فيما يسيء ويضر، ويمكن أن تكون نكتة التعبير بجزى الأكثر استعمالاً في الخير، ويجوز أن يكون التعبير بذاك أول وبنجازي ثانياً ليكون كل أوفق بعلته وهذا جار على كلا الوجهين في الإشارة فتدبر جداً.
ابن عاشور
تفسير : استئناف بياني ناشىء عن قوله: { أية : فأرسلنا عليهم سيل العرم } تفسير : [سبأ: 16] فهو من تمام الاعتراض. واسم الإِشارة يجوز أن يكون في محل نصب نائباً عن المفعول المطلق المبيِّن لنوع الجزاء، وهو من البيان بطريق الإِشارة، أي جزيناهم الجزاء المشار إليه وهو ما تقدم من التبديل بجَنَّتَيْهم جنتين أخريين. وتقديمه على عامله للاهتمام بشدة ذلك الجزاء. واستحضاره باسم الإِشارة لما فيها من عظمة هوله. ويجوز أن يكون اسم الإِشارة في محل رفع بالابتداء وتكون الإِشارة إلى ما تقدم من قوله: { أية : فأرسلنا عليهم سيل العرم } تفسير : إلى قوله: { أية : من سدر قليل } تفسير : [سبأ: 16] ويكون جملة {جزيناهم} خبرَ المبتدأ والرابط ضمير محذوف تقديره: جزيناهموه. والباء في {بما كفروا} للسبيبة و(ما) مصدرية، أي بسبب كفرهم. والكفر هو الكفر بالله، أي إنكار إلهيته لأنهم عبَدةُ الشمس. والاستفهام في {وهل يجازى} إنكاري في معنى النفي كما دل عليه الاستثناء. و{الكفور}: الشديد الكفر لأنهم كانوا لا يعرفون الله ويعبدون الشمس فهم أسوأ حالاً من أهل الشرك. والمعنى: ما يُجَازَى ذلك الجزاء إلا الكفور لأن ذلك الجزاء عظيم في نوعه، أي نوع العقوبات فإن العقوبة من جنس الجزاء. والمثوبة من جنس الجزاء فلما قيل {ذلك جزيناهم بما كفروا} تعين أن المراد: وهل يجازى مثل جزائهم إلا الكفور، فلا يتوهم أن هذا يقتضي أن غير الكفور لا يجازى على فعله، ولا أن الثواب لا يسمى جزاء ولا أن العاصي المؤمن لا يجازَى على معصيته، لأن تلك التوهمات كلها مندفعة بما في اسم الإِشارة من بيان نوع الجزاء، فإن الاستئصال ونحوه لا يجري على المؤمنين. وقرأ الجمهور {يجازى} بياء الغائب والبناء للمجهول ورفع {الكفورُ}. وقرأ حمزة والكسائي بنون العظمة والبناء للفاعل ونصب {الكفور}.
د. أسعد حومد
تفسير : {جَزَيْنَاهُمْ} {نُجَٰزِيۤ} (17) - وَقَدْ عَاقَبْنَاهُمْ ذَلِكَ العِقَابَ الأَليمَ بِسَبَبِ كُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ وَجُحُودِهِمْ بِنِعَمهِ، وَعُدُولِهِمْ عَن الحَقِّ إِلى البَاطِلِ، وَاللهُ لا يُجَازِي مِثْلَ هذَا الجَزَاءِ الشَّدِيدِ المُسْتَأْصِلِ إِلا الجَحُودَ الكَثِيرَ الكُفْرِ بِاللهِ وَنِعَمِهِ (الكَفُورَ).
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ} [الآية: 17]. يقول: هل نعاقب إِلا الكفور. أَنا عبد الرحمن، ثنا إِبراهيم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الآية: 18]. يعني قرى الشام، قرى ظاهرة يعني الشراة.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُواْ وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ}. معناه مَنْ حُوسِب مِن الكُفارِ عُذّب.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 779 : 1 : 4 - سفين قال، قال مجاهد {هل يجازا إلا الكفور} هل يعاقب إلا الكفور. [الآية 17].
همام الصنعاني
تفسير : 2408- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه في قوله تعالى: {وَهَلْ نُجَٰزِيۤ إِلاَّ ٱلْكَفُورَ}: [الآية: 17]، قال: هي المناقشة - يعني الحساب - يقول: من حُوسِبَ عُذِّبَ، وَهُوَ الكافرُ لا يغفر له. 2409- حدُّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من حوسب عذب"،تفسير : قال: فقالت عائشة فإن الله يقول: {أية : فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَـٰبَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً}تفسير : : [الإنشقاق: 7-8]، قال: "حديث : ذلكم العرض، ولكنه من نُوقِشَ الحِساب عُذِّب ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):