٣٤ - سَبَأ
34 - Saba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
18
Tafseer
الرازي
تفسير : أي بينهم وبين الشام فإنها هي البقعة المباركة. وقرى (ظاهرة) أي يظهر بعضها لبعضها يرى سواد القرية من القرية الأخرى، فإن قال قائل: هذا من النعم والله تعالى قد شرع في بيان تبديل نعمهم قوله: {وَبَدَّلْنَـٰهُمْ بِجَنَّـتيهِمْ جَنَّتَيْنِ } فكيف عاد مرة أخرى إلى بيان النعمة بعد النقمة؟ فنقول ذكر حال نفس بلدهم وبين تبديل ذلك بالخمط والأثل، ثم ذكر حال خارج بلدهم وذكر عمارتها بكثرة القرى، ثم ذكر تبديله ذلك بالمفاوز والبيادي والبراري بقوله: {رَبَّنَا بَـٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا } وقد فعل ذلك، ويدل عليه قراءة من قرأ (ربنا بعد) على المبتدأ والخبر، وقوله: {وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ } الأماكن المعمورة تكون منازلها معلومة مقدرة لا تتجاوز، فلما كان بين كل قرية مسيرة نصف نهار، وكانوا يغدون إلى قرية ويروحون إلى أخرى ما أمكن في العرف تجاوزها، فهو المراد بالتقدير والمفاوز لا يتقدر السير فيها بل يسير السائر فيها بقدر الطاقة جاداً حتى يقطعها، وقوله: {سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً } أي كان بينهم ليال وأيام معلومة، وقوله: {ءَامِنِينَ } إشارة إلى كثرة العمارة، فإن خوف قطاع الطريق والانقطاع عن الرقيق لا يكون في مثل هذه الأماكن، وقيل بأن معنى قوله: {لَيَالِيَ وَأَيَّاماً } تسيرون فيه إن شئتم ليالي وإن شئتم أياماً لعدم الخوف بخلاف المواضع المخوفة فإن بعضها يسلك ليلاً، لئلا يعلم العدو بسيرهم، وبعضها يسلك نهاراً لئلا يقصدهم العدو، إذا كان العدو غير مجاهر بالقصد والعداوة، وقوله تعالى: {قَالُواْ ربَّنَا بَـٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا } قيل بأنهم طلبوا ذلك وهو يحتمل وجهين أحدهما: أن يسألوا بطراً كما طلبت اليهود الثوم والبصل، ويحتمل أن يكون ذلك لفساد اعتقادهم وشدة اعتمادهم على أن ذلك لا يقدر كما يقول القائل لغيره اضربني إشارة إلى أنه لا يقدر عليه. ويمكن أن يقال: {قَالُواْ ربَّنَا بَعْدَ } بلسان الحال، أي لما كفروا فقد طلبوا أن يبعد بين أسفارهم ويخرب المعمور من ديارهم، وقوله: {وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } يكون بياناً لذلك، وقوله: {فَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ } أي فعلنا بهم ما جعلناهم به مثلاً، يقال: تفرقوا أيدي سبا، وقوله: {وَمَزَّقْنَـٰهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } بيان لجعلهم أحاديث، وقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } أي فيما ذكرناه من حال الشاكرين ووبال الكافرين.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً} قال الحسن: يعني بين اليمن والشأم. والقُرَى التي بورك فيها: الشام والأُرْدُنّ وفِلَسْطين. والبركة: قيل إنها كانت أربعة آلاف وسبعمائة قرية بورك فيها بالشجر والثمر والماء. ويحتمل أن يكون «بَارَكْنَا فِيهَا» بكثرة العدد. {قُرًى ظَاهِرَةً} قال ابن عباس: يريد بين المدينة والشام. وقال قتادة: معنى «ظَاهِرَةً»: متصلة على طريق، يغدون فَيقِيلون في قرية ويروحون فيبيتون في قرية. وقيل: كان على كل مِيل قريةٌ بسوق، وهو سبب أمن الطريق. قال الحسن: كانت المرأة تخرج معها مِغْزَلها وعلى رأسها مِكْتَلُها ثم تلتهي بمغزلها فلا تأتي بيتها حتى يمتلىء مِكْتَلها من كل الثمار، فكان ما بين الشام واليمن كذلك. وقيل «ظَاهِرَةً» أي مرتفعة، قاله المبرد. وقيل: إنما قيل لها «ظَاهرَةً» لظهورها، أي إذا خرجْتَ عن هذه ظهرت لك الأخرى، فكانت قرى ظاهِرة أي معروفة، يقال: هذا أمر ظاهر أي معروف. {وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ} أي جعلنا السير بين قراهم وبين القرى التي باركنا فيها سَيْراً مقدّراً من منزل إلى منزل، ومن قرية إلى قرية، أي جعلنا بين كل قريتين نصف يوم حتى يكون المقيل في قرية والمبيت في قرية أخرى. وإنما يبالغ الإنسان في السير لعدم الزاد والماء ولخوف الطريق، فإذا وجد الزاد والأمن لم يحمل على نفسه المشقة ونزل أينما أراد. {سِيرُواْ فِيهَا} أي وقلنا لهم سيروا فيها، أي في هذه المسافة فهو أمر تمكين، أي كانوا يسيرون فيها إلى مقاصدهم إذا أرادوا آمنين، فهو أمر بمعنى الخبر، وفيه إضمار القول. {لَيَالِيَ وَأَيَّاماً} ظرفان {آمِنِينَ } نصب على الحال. وقال: «لَيَالِيَ وَأَيَّاماً» بلفظ النكرة تنبيهاً على قِصر أسفارهم؛ أي كانوا لا يحتاجون إلى طول السفر لوجود ما يحتاجون إليه. قال قتادة: كانوا يسيرون غير خائفين ولا جياع ولا ظِماء، وكانوا يسيرون مسيرة أربعة أشهر في أمان لا يحرك بعضهم بعضاً، ولو لقي الرجلُ قاتِلَ أبيه لا يحرّكه.
ابن كثير
تفسير : يذكر تعالى ما كانوا فيه من النعمة والغبطة والعيش الهني الرغيد، والبلاد الرخية، والأماكن الآمنة، والقرى المتواصلة المتقاربة بعضها من بعض، مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها، بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء، بل حيث نزل وجد ماء وثمراً، ويقيل في قرية، ويبيت في أخرى بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم، ولهذا قال تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا} قال وهب بن منبه: هي قرى بصنعاء، وكذا قال أبو مالك، وقال مجاهد والحسن وسعيد بن جبير ومالك عن زيد بن أسلم وقتادة والضحاك والسدي وابن زيد وغيرهم: يعني: قرى الشام، يعنون: أنهم كانوا يسيرون من اليمن إلى الشام في قرى ظاهرة متواصلة. وقال العوفي عن ابن عباس: القرى التي باركنا فيها بيت المقدس، وقال العوفي عنه أيضاً: هي قرى عربية بين المدينة والشام {قُرًى ظَـٰهِرَةً} أي بينة واضحة يعرفها المسافرون، يقيلون في واحدة، ويبيتون في أخرى، ولهذا قال تعالى: {وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ} أي: جعلناها بحسب ما يحتاج المسافرون إليه {سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِىَ وَأَيَّاماً ءَامِنِينَ} أي: الأمن حاصل لهم في سيرهم ليلاً ونهاراً، {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَـٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} وقرأ آخرون: {بعد بينَ أسفارنا} وذلك أنهم بطروا هذه النعمة؛ كما قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وغير واحد، وأحبوا مفاوز ومهامه يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل، والسير في الحرور والمخاوف؛ كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يخرج الله لهم مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها، مع أنهم كانوا في عيش رغيد في منّ وسلوى، وما يشتهون من مآكل ومشارب وملابس مرتفعة، ولهذا قال لهم: {أية : أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ ٱهْبِطُواْ مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ} تفسير : [البقرة: 61] وقال عز وجل: {أية : وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا } تفسير : [القصص: 58] وقال تعالى: {أية : وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَاقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلْجُوعِ وَٱلْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} تفسير : [النحل: 112]. وقال تعالى في حق هؤلاء: {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَـٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} أي: بكفرهم، {فَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَـٰهُمْكُلَّ مُمَزَّقٍ} أي: جعلناهم حديثاً للناس، وسمراً يتحدثون به؛ من خبرهم، وكيف مكر الله بهم، وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء، تفرقوا في البلاد ههنا وههنا، ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا: تفرقوا أيدي سبأ، وأيادي سبأ، وتفرقوا شذر مذر. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال: سمعت أبي يقول: سمعت عكرمة يحدث بحديث أهل سبأ قال: {لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِى مَسْكَنِهِمْ ءَايَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ} ــــ إلى قوله تعالى ــــ {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ ٱلْعَرِمِ}: وكانت فيهم كهنة، وكانت الشياطين يسترقون السمع، فأخبروا الكهنة بشيء من أخبار السماء، فكان فيهم رجل كاهن شريف كثير المال، وأنه أخبر أن زوال أمرهم قد دنا، وأن العذاب قد أظلهم، فلم يدر كيف يصنع؛ لأنه كان له مال كثير من عقار، فقال لرجل من بنيه، وهو أعزهم أخوالاً: يا بني إذا كان غداً وأمرتك بأمر، فلا تفعله، فإذا انتهرتك فانتهرني، فإذا لطمتك فالطمني، قال: يا أبت لا تفعل، إن هذا أمر عظيم وأمر شديد، قال: يا بني قد حدث أمر لا بد منه، فلم يزل به حتى وافاه على ذلك، فلما أصبحوا واجتمع الناس قال: يابني افعل كذا وكذا، فأبى، فانتهره أبوه، فأجابه، فلم يزل ذلك بينهما حتى تناوله أبوه فلطمه، فوثب على أبيه فلطمه، فقال: ابني يلطمني؟ علي بالشفرة، قالوا: ما تصنع بالشفرة؟ قال: أذبحه، قالوا: تريد أن تذبح ابنك؟ الطمه، أو اصنع ما بدا لك، قال: فأبى، قال: فأرسلوا إلى أخواله، فأعلموهم ذلك، فجاء أخواله فقالوا: خذ منا ما بدا لك، فأبى إلا أن يذبحه، قالوا: فلتموتن قبل أن تذبحه، قال: فإذا كان الحديث هكذا، فإني لا أرى أن أقيم ببلد يحال بيني وبين ابني فيه، اشتروا مني دوري، اشتروا مني أرضي، فلم يزل حتى باع دوره وأرضه وعقاره، فلما صار الثمن في يده وأحرزه، قال: أي قوم إن العذاب قد أظلكم، وزوال أمركم قد دنا، فمن أراد منكم داراً جديداً، وحمى شديداً، وسفراً بعيداً، فليلحق بعمان، ومن أراد منكم الخمر والخمير والعصير ــــ وكلمة قال إبراهيم لم أحفظها ــــ فليلحق ببصرى، ومن أراد الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل، المقيمات في الضحل، فليلحق بيثرب ذات نخل، فأطاعه قومه، فخرج أهل عمان إلى عمان. وخرجت غسان إلى بصرى، وخرجت الأوس والخزرج وبنو عثمان إلى يثرب ذات النخل، قال: فأتوا على بطن مر، فقال بنو عثمان: هذا مكان صالح لا نبغي به بدلاً، فأقاموا به، فسموا لذلك خزاعة؛ لأنهم انخزعوا من أصحابهم، واستقامت الأوس والخزرج حتى نزلوا المدينة، وتوجه أهل عمان إلى عمان، وتوجهت غسان إلى بصرى. هذا أثر غريب عجيب، وهذا الكاهن هو عمرو بن عامر أحد رؤساء اليمن وكبراء سبأ وكهانهم. وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في أول السيرة ما كان من أمر عمرو بن عامر الذي كان أول من خرج من بلاد اليمن بسبب استشعاره بإرسال العرم عليهم، فقال: وكان سبب خروج عمرو بن عامر من اليمن فيما حدثني به أبو زيد الأنصاري: أنه رأى جرذاً يحفر في سد مأرب الذي كان يحبس عنهم الماء، فيصرفونه حيث شاؤوا من أرضهم، فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك، فاعتزم على النقلة عن اليمن، وكاد قومه، فأمر أصغر ولده إذا أغلظ له ولطمه أن يقوم إليه فيلطمه، ففعل ابنه ما أمره به، فقال عمرو: لا أقيم ببلد لطم وجهي فيها أصغر ولدي، وعرض أمواله، فقال أشراف من أشراف اليمن: اغتنموا غضبة عمرو، فاشتروا منه أمواله، وانتقل هو في ولده وولد ولده، وقالت الأزد: لا نتخلف عن عمرو بن عامر، فباعوا أموالهم، وخرجوا معه، فساروا حتى نزلوا بلاد عك مجتازين يرتادون البلدان، فحاربتهم عك، وكانت حربهم سجالاً، ففي ذلك يقول عباس بن مرداس السلمي رضي الله عنه:شعر : وَعُكُّ بْنُ عَدْنانَ الَّذِيْنَ تَلَعَّبُوا بِغَسان حَتّى طُرِّدُوا كُلَّ مَطْرَدِ تفسير : وهذا البيت من قصيدة له. قال: ثم ارتحلوا عنهم، فتفرقوا في البلدان، فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام، ونزلت الأوس والخزرج يثرب، ونزلت خزاعة مراً، ونزلت أزد السراة السراة، ونزلت أزد عمان عمان، ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه، وفي ذلك أنزل الله عز وجل هذه الآيات. وقد ذكر السدي قصة عمرو بن عامر بنحو مما ذكر محمد بن إسحاق، إلا أنه قال: فأمر ابن أخيه ــــ مكان ابنه ــــ إلى قوله: فباع ماله وارتحل بأهله، فتفرقوا، رواه ابن أبي حاتم. وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، أخبرنا سلمة عن ابن إسحاق قال: يزعمون أن عمرو بن عامر، وهو عم القوم، كان كاهناً، فرأى في كهانته أن قومه سيمزقون، ويباعد بين أسفارهم، فقال لهم: إني قد علمت أنكم ستمزقون، فمن كان منكم ذا هم بعيد، وجمل شديد، ومزاد جديد، فليلحق بكاس أو كرود. قال: فكانت وادعة بن عمرو. ومن كان منكم ذا هم مدن، وأمر دعن، فليلحق بأرض شن، فكانت عوف بن عمرو، وهم الذين يقال لهم: بارق، ومن كان منكم يريد عيشاً آنياً، وحرماً آمناً فليلحق بالأرزين، فكانت خزاعة، ومن كان منكم يريد الراسيات في الوحل،المطعمات في المحل، فليلحق بيثرب ذات النخل، فكانت الأوس والخزرج، وهما هذان الحيان من الأنصار، ومن كان منكم يريد خمراً وخميراً، وذهباً وحريراً، وملكاً وتأميراً، فليلحق بكوثى وبصرى، فكانت غسان بنو جفنة ملوك الشام، ومن كان منهم بالعراق. قال ابن إسحاق: وقد سمعت بعض أهل العلم يقول: إنما قالت هذه المقالة طريفة امرأة عمرو بن عامر، وكانت كاهنة، فرأت في كهانتها ذلك، فالله أعلم أي ذلك كان. وقال سعيد عن قتادة عن الشعبي: أما غسان، فلحقوا بعمان فمزقهم الله كل ممزق بالشام، وأما الأنصار، فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة، فلحقوا بتهامة، وأما الأزد، فلحقوا بعمان، فمزقهم الله كل ممزق. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير، ثم قال محمد بن إسحاق: حدثني أبو عبيدة قال: قال الأعشى أعشى بني قيس بن ثعلبة، واسمه ميمون بن قيس:شعر : وفي ذاكَ للمُؤْتَسِي أُسْوَةٌ ومَأْرِبُ قَفَّى عَلَيْها العَرِمْ رجامٌ بَنَتْهُ لَهُمْ حِمْيَرٌ إذا جاءَ ماؤُهُمُ لَمْ يَرِمْ فَأرْوَى الزُّروعَ وأَعْنابَها عَلى سَعَةٍ ماؤُهُمْ إِذْ قُسِمْ فَصارُوا أيادِيَ ما يَقْدِرُو نَ مِنْهُ عَلى شُرْبِ طِفْلٍ فُطِمْ تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي: إن في هذا الذي حل بهؤلاء من النقمة والعذاب، وتبديل النعمة وتحويل العافية، عقوبةً على ما ارتكبوه من الكفر والآثام، لعبرة ودلالة لكل عبد صبار على المصائب، شكور على النعم. قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن وعبد الرزاق المعني قالا: أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن عمر بن سعد عن أبيه، هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : عجبت من قضاء الله تعالى للمؤمن، إن أصابه خير، حمد ربه وشكر، وإن أصابته مصيبة، حمد ربه وصبر، يؤجر المؤمن في كل شيء، حتى في اللقمة يرفعها إلى في امرأته»تفسير : . وقد رواه النسائي في اليوم والليلة من حديث أبي إسحاق السبيعي به، وهو حديث عزيز من رواية عمر بن سعد عن أبيه، ولكن له شاهد في "الصحيحين" من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «حديث : عجباً للمؤمن، لا يقضي الله تعالى له قضاء، إلا كان خيراً له، إن أصابته سراء، شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن»تفسير : . قال عبد: حدثنا يونس عن شيبان عن قتادة: {إِنَّ فِى ذٰلِكَ لآيَـٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} قال: كان مطرف يقول: نعم العبد الصبار الشكور، الذي إذا أعطي، شكر، وإذا ابتلي، صبر.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم } بين سبأ، وهم باليمن {وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا } بالماء والشجر، وهي قرى الشام التي يسيرون إليها للتجارة {قُرًى ظَٰهِرَةً } متواصلة من اليمن إلى الشام {وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ } بحيث يقيلون في واحدة ويبيتون في أخرى إلى انتهاء سفرهم، ولا يحتاجون فيه إلى حمل زاد وماء: أي وقلنا {سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِىَ وَأَيَّاماً ءَامِنِينَ } لا تخافون في ليل ولا نهار.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} فيها قولان: أحدهما: أنها بيت المقدس، قاله ابن عباس. الثاني: أنها الشام، قاله مجاهد وقتادة. {الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} يعني بالشجر والثمر والماء. وقيل إنها كانت أربعة آلاف وسبعمائة قرية. ويحتمل أن يكون التي باركنا فيها بكثرة العدد. {قُرىً ظَاهِرَةً} فيه أربعة أوجه: أحدها: متصلة ينظر بعضهم إلى بعض، قاله الحسن، وأبو مالك. الثاني: أنها العامرة. الثالث: الكثيرة الماء. الرابع: أن القرى الظاهرة هي القرى القريبة، قاله سعيد بن جبير، والضحاك. وفيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها السروات، قاله مجاهد. الثاني: أنها قرى لصنعاء، قاله ابن منبه. الثالث: أنها قرى ما بين مأرب والشام، قاله سعيد بن جبير. {وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيرَ} فيها ثلاثة أقاويل: أحدها: قدرنا فيها المقيل والمبيت، قاله الكلبي. الثاني: أنهم كانوا يصبحون في قرية ويمسون في أخرى، قاله الحسن. الثالث: أنه قدر فيها السير بأن جعل ما بين القرية والقرية مقداراً واحداً، قاله ابن قتيبة. {سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً ءَامِنِينَ} فيه قولان: أحدهما: من الجوع والظمأ، قاله قتادة. حتى أن المرأة تمشي وعلى رأسها مكتل فيمتلىء من الثمر. الثاني: آمنين من الخوف قاله يحيى بن سلام، كانوا يسيرون مسيرة أربعة أشهر في أمان لا يحرك بعضهم بعضاً، ولو لقي الرجل قاتل أبيه لم يحركه. قوله عز وجل: {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَرِنَا} قرأ أبو عمرو، وابن كثير {بَعِّد} بغير ألف وبتشديد العين، وقرأ الباقون {بَاعِدْ} بألف وبتخفيف العين وفيهما ثلاثة تأويلات: أحدها: أنهم قالوا ذلك لأنهم ملّوا النعم كما ملَّ بنو اسرائيل المن والسلوى، قاله الحسن. الثاني: أنهم قالوا لو كانت ثمارنا أبعد مما هي كانت أشهى في النفوس وأحلى، قاله ابن عيسى، وهو قريب من الأول لأنه بطر. فصار نوعاً من الملل. الثالث: معناه زد في عمارتنا حتى تبعد فيه أسفارنا، حكاه النقاش. وهذا القول منهم طلباً للزيادة والكثرة. وقرأ بعض القراء {بَعُد} بضم العين وتخفيفها، وهذا القول منهم شكوى لبعد سفرهم وتمني قصره. {وَظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: ظلموها بقولهم باعد بين أسفارنا، قاله بن زيد. الثاني: بتكذيب الرسل وهم ثلاثة عشر نبياً. قال الكلبي: أنهم قالوا لرسلهم حين ابتلوا وهم مكذبون: وقد كنا نأبى عليكم وأرضنا عامرة خير أرض فكيف اليوم وأرضنا خراب شر أرض. الثالث: أنهم ظلموا أنفسهم بالتغيير والتبديل بعد أن كانوا مسلمين، قاله الحسن. {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} أي يتحدث الناس بما كانوا فيه من نعيم وما صارواْ إليه من هلاك، حتى ضرب المثل فقيل: تفرقوا أيدي سبأ، ومنه قول الشاعر: شعر : باد قوم عصف الدهر بهم فرقوا عن صرفه أيدي سبأ تفسير : {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} فيه قولان: أحدهما: أنهم فرقوا بالهلاك حتى صاروا تراباً تذروه الرياح، قاله يحيى بن سلام. الثاني: أنهم مزقوا بالتفريق والتباعد، قاله قتادة. حكى الشعبي قال: أما غسان فلحقوا بالشام، وأما خزاعة فحلقوا بمكة، وأما الأوس والخزرج فلحقوا بيثرب يعني المدينة، وأما الأزد فلحقوا بعمان. {إنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} يحتمل وجهين: أحدهما: صبار على البلوى شكور على النعماء. الثاني: صبور على أمر الله شكور في طاعة الله.
ابن عطية
تفسير : هذه الآية وما بعدها وصف حالهم قبل مجيء السيل، وهي أن الله تعالى مع ما كان منحهم من الجنتين والنعمة الخاصة بهم، كان قد أصلح لهم البلاد المتصلة بهم وعمرها وجعلهم أربابها، وقدر فيها السير بأن قرب القرى بعضها من بعض حتى كان المسافر من مأرب إلى الشام يبيت في قرية ويقيل في قرية أخرى، فلا يحتاج إلى حمل زاد و {القرى} المدن، ويقال للمجتمع الصغير قرية أيضاً، وكلها من قريت أي جمعت، والقرى التي بورك فيها هي بلاد الشام بإجماع من المفسرين، و"القرى الظاهرة" هي التي بين الشام ومأرب وهي الصغار التي هي البوادي "قال ابن عباس: هي قرى عربية بين المدينة والشام وقاله الضحاك" واختلف في معنى {ظاهرة} فقالت فرقة: معناه مستعلية مرتفعة في الآكام والظراب وهي أشرف القرى. وقالت فرقة: معناه يظهر بعضها من بعض فهي أبداً في قبضة المسافر لايخلو من رؤية شيء منها فهي ظاهرة بهذا الوجه. قال الفقيه الإمام القاضي: والذي يظهر إليّ أن معنى {ظاهرة} خارجة عن المدن، فهِي عبارة عن القرى الصغار التي هي في ظواهر المدن، فإنما فصل بهذه الصفة بين القرى الصغار وبين القرى المطلقة التي هي المدن، وظواهر المدن ما خرج عنها في الفيافي والفحوص، ومنه قولهم نزلنا بظاهر فلانة، أي خارجاً عنها وقوله {ظاهرة} نظير تسمية الناس إياها البادية والضاحية، ومنه قول الشاعر: [الطويل] شعر : فلو شهدتني من قريش عصابة قريش البطاح لا قريش الظواهر تفسير : يعني الخارجين عن بطحاء مكة، وفي حديث الاستسقاء وجاء أهل الضواحي يشكون الغرق، وقوله تعالى: {وقدرنا فيها السير} هو ما ذكرناه من أن المسافر فيها كان يبيت في قرية ويقيل في أخرى على أي طريق سلك لا يعوزه ذلك، وقوله تعالى: {سيروا} معناه قلنا لهم، و {آمنين} معناه من الخوف من الناس المفسدين، و {آمنين} من الجوع والعطش وآفات المسافر، ثم حكى عنهم مقالة قالوها على جهة البطر والأشر وهي طلب البعد بين الأسفار والإخبار بأنها بعيدة على القراءات الأخر وذلك أن نافعاً وعاصماً وحمزة والكسائي قرؤوا "باعِد بين أسفارنا" بكسر العين على معنى الطلب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والحسن ومجاهد "بعِّد بين أسفارنا" بشد العين وكسرها على معنى الطلب أيضاً، فهاتان قراءتان معناهما الأشر بأنهم ملوا النعمة بالقرب وطلبوا استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، وفي كتاب الرماني أنهم قالوا لو كان جني ثمارنا أبعد لكان أشهى وأكثر قيمة، وقرأ ابن السميفع وسفيان بن حسين وسعيد بن أبي الحسن أخو الحسن وابن الحنفية "ربَّنا" بالنصب "بَعُد بينَ أسفارنا" بفتح الباء وضم العين ونصب "بين" أيضاً، وقرأ سعيد بن أبي الحسن من هذه الفرقة "بينُ" بالرفع وإضافته إلى الأسفار وقرأ ابن عباس وأبو رجاء والحسن البصري وابن الحنفية أيضاً "ربُّنا" بالرفع "باعَدَ" بفتح العين والدال، وقرأ ابن عباس وابن الحنفية أيضاً وعمرو بن فائد ويحيى بن يعمر "ربُّنا" بالرفع "بَعَّد" بفتح العين وشدها وفتح الدال فهذه القراءة معناها الأشر بأنهم استبعدوا القريب ورأوا أن ذلك غير مقنع لهم حتى كأنهم أرادوها متصلة بالدور وفي هذا تعسف وتسحب على أقدار الله تعالى وإرادته وقلة شكر على نعمته بل هي مقابلة النعمة بالتشكي والاستضرار، وفي هذا المعنى ونحوه مما اقترن بكفرهم ظلموا أنفسهم فغرقهم الله تعالى وخرب بلادهم وجعلهم أحاديث، ومنه المثل السائر "تفرقوا أيادي سبإ وأيدي سبإ" ويقال المثل بالوجهين، وهذا هو تمزيقهم {كل ممزق}، وروي أن رسول الله قال: إن سبأ أبو عشرة قبائل فلما جاء السيل على مأرب وهو اسم نبدهم تيامن منها ستة قبائل أي إذ تبددت في بلاد اليمن وتشاءمت منها أربعة فالمتيامنة كندة والأزد وأشعر ومذحج وأنمار الذي منها بجيلة وخثعم وطائفة قيل لها حمير بقي عليها اسم الأب الأول والتي تشاءمت لخم وجذام وغسان وخزاعة نزلت تهامة ومن هذه المتشائمة أولاد قتيلة وهم الأوس والخزرج ومنها عاملة وغير ذلك، ثم أخبر تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته على جهة التنبيه بأن هذه القصص فيها آيات وعبر لكل مؤمن على الكمال، ومن اتصف بالصبر والشكر فهو المؤمن الذي لا تنقصه خلة جميلة بوجه.
ابن عبد السلام
تفسير : {الْقُرَى الَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا} بيت المقدس "ع"، أو الشام بورك فيها بالمياه والثمار والأشجار. قيل: إنها كانت أربعة آلاف وسبعمائة قرية {قُرىً ظَاهِرَةً} متصلة ينظر بعضهم إلى بعض "ح"، أو عامرة، أو كثيرة الماء، أو قريبة وهي السَّرْوات، أو قرى بصنعاء، أو قرى ما بين مأرب والشام {وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ} أي المبيت والمقيل، أو كانوا يصبحون في قرية ويمسون في آخرى "ح"، أو جعل ما بين القرية والقرية مقداراً واحداً. {ءَامِنِينَ} من الجوع والضمأ أو من الخوف كانوا يسيرون أربعة أشهر آمنين لا يحرك بعضهم بعضاً، ولو لقي الرجل قاتل أبيه لم يحركه.
الثعالبي
تفسير : وقولُه تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى...} الآية، هذه الآيةُ وَمَا بَعْدَهَا وَصْفُ حالِهم قَبْلَ مَجِيء السَّيْلِ، وَهِيَ أنَّ اللّهَ تَعَالَى مَعَ مَا كَانَ مَنَحَهُمْ مِنَ الجَنَّتَيْنِ والنِّعْمَةِ الخَاصَّةِ بِهِمْ؛ كَانَ قَدْ أَصْلَحَ لَهُمْ البِلاَدَ المُتَّصِلَةَ؛ وَعَمَّرَها وجَعَلَهُمْ أَرْبَابَها؛ وقدَّرَ السَّيرَ بأنْ قَرَّبَ القُرَى بَعْضَها مِن بَعْضٍ؛ حَتَّى كَانَ المسَافِر من مَأْرِبَ إلَى الشَّامِ يَبِيتُ فِي قَرْيَةٍ وَيقِيلُ فِي قَريَةٍ فَلاَ يُحْتَاجُ إلى حَمْلِ زَادٍ، و {ٱلْقُرَى}: المُدُنُ، والقُرَى التي بُورِكَ فِيها: هِي بِلادُ الشَّامِ بإجْماع المفسِّرِين، والقُرَى الظَّاهِرَة: هِي الَّتِي بَيْنَ الشَّامِ وَمَأْرِبَ وهِي ٱسْمُ بَلَدِهِمْ. قال ابن عباس وغيره: هي قُرى عَرَبيَّةٌ بَيْنَ المدِينةِ والشَّام وٱخْتُلِفَ فِي مَعْنَى {ظَـٰهِرَةً} فَقَالَت فِرقَة: معناه: مُسْتَعْلِيَةٌ مُرْتَفِعَةٌ فِي الآكَامِ وَهِيَ أشْرَفُ القُرَى، وَقَالَتْ فِرقَةُ: معناه: يَظْهَرُ بَعْضُهَا مِنْ بَعْض؛ فَهِي أبَداً فِي قَبْضَةِ عَيْنِ المُسَافِرِ؛ لاَ يَخْلُو عَنْ رُؤْيَةِ شَيْءٍ مِنْهَا. قَال * ع *: والذي يَظْهرُ لي أَنَّ معنى {ظَـٰهِرَةً} خَارِجَةٌ عَنِ المُدنِ فَهِي عِبَارَة عَنِ القُرَى الصِّغَارِ الَّتِي هِي فِي ظَوَاهِرِ المُدُنِ؛ واللّه أعلَم، و {ءَامِنِينَ}، أي: مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ والعَطَشِ وآفاتِ السَّفَرِ، ثم حَكَى ـــ سُبْحانه ـــ عَنْهُمْ مقالةً قَالُوهَا عَلَى جِهَة البَطَرِ والأَشَرِ؛ وهِيَ طَلَبُ البُعْدِ بَيْنَ الأَسْفَارِ كَأَنَّهُمْ مَلُّوا النِّعْمَةَ فِي القُرْبِ وَطَلَبُوا اسْتِبْدَالَ الَّذِي هُو أَدْنَى بالّذِي هُو خَيْرٌ، وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَفَرَّقَ اللّه شَمْلَهُمْ وخَرَّبَ بِلادَهُمْ وجَعَلَهُمْ أَحَادِيثَ؛ وَمِنِه المثَلُ السَّائِرُ «تَفَرَّقُوا أيادِي سَبَا وأيْدي سَبَا» يُقَالُ المَثَلُ بِالوَجْهَيْنِ؛ وهَذَا هُو تَمْزِيقُهمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ؛ فَتَيَامَنَ مِنْهُمْ سِتَّةُ قَبَائِلَ، وَتَشَاءَمَتْ مِنْهُمْ أرْبَعَةٌ حَسْبَمَا فِي الحديثِ، ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى مُحَمَّداً صلى الله عليه وسلم وَأُمَّتَهُ عَلى جِهة التَنْبِيهِ؛ بَأَنَّ هَذَا القَصَصَ فِيه آياتٌ وَعِبَرٌ مُؤُمِنٍ مُتَّصَفٍ بالصَّبْرِ والشُّكْرِ.
اسماعيل حقي
تفسير : {وجعلنا} عطف على كان لسبأ وهو بيان لما اوتوا من النعم البادية فى مسايرهم ومتاجرهم بعد حكاية ما اوتوا من النعم الحاضرة فى مساكنهم ومحاضرهم وما فعلوا بها من الكفران وما فعل بهم من الجزاء تكملة لقصتهم وانما لم يذكر الكل معا لما فى التثنية والتكرير من زيادة تنبيه وتذكير والمعنى وجعلنا مع ما آتيناهم فى مساكنهم من فنون النعم {بينهم} اى بين بلادهم اليمنية {وبين القرى} الشامية {التى باركنا فيها} [بركت داده ايم دران] يعنى بالمياه والاشجار والثمار والخصب والسعة فى العيش للاعلى والادنى والقرية اسم للموضع الذى يجتمع فيه الناس بلدة كانت او غيرها والمراد هنا فلسطين واريحا واردن ونحوها والبركة ثبوت الخير الالهى فى الشئ والمبارك ما فيه ذلك الخير {قرى ظاهرة} اصل ظهر الشئ ان يحصل على ظهر الارض فلا يخفى وبطن الشئ ان يحصل فى بطنان الارض فيخفى ثم صار مستعملا فى كل ما برز للبصر والبصيرة اى قرى متواصلة يرى بعضها من بعض لتقاربها فهى ظاهرة لا عين اهلها اوراكبة متن الطريق ظاهرة للسابلة غير بعيدة عن مسالكهم حتى تخفى عليهم [ودر عين المعانى آورده كه ازمأرب كه منزل اهل سبابود تاشام جهار هزار وهفتصدديه بود متصل ازسبا تابشام] {وقدرنا فيها السير} [التقدير: اندازه كردن] والسير المضى فى الارض اى جعلنا القرى فى نسبة بعضها الى بعض على مقدار معين يليق بحال ابناء السبيل قيل كان الغادى من قرية يقيل فى الاخرى والرائح منها يبيت فى اخرى الى ان يبلغ الشام لا يحتاج الى حمل ماء وزاد وكل ذلك كان تكيملا لما اوتوا من انواع النعماء وتوافيرا لها فى الحضر والسفر {سيروا فيها} على ارادة القول بلسان المقال والحال فانهم لما مكنوا من السير وسويت لهم اسبابه فكأنهم امرو بذلك واذن لهم فيه اى وقلنا لهم سيروا فى تلك القرى لمصالحكم {ليالى واياما} اى متى شئتم من الليالى والايام حال كونكم {آمنين} اصل الا من طمأنينة النفس وزوال الخوف اى آمنين من كل ما تكرهونه عن الاعداء واللصوص والسباع بسبب كثرة الخلق ومن الجوع والعطش بسبب عمارة المواضع لا يختلف الا من فيها باختلاف الاوقات او سيروا فيها آمنين وان تطاولت مدة سفركم وامتدت ليالى واياما كثيرة او سيروا فيها ليالى اعماركم وايامها لا تلقون فيها الا الا من لكن لا على الحقيقة بل على تنزيل تمكينهم من السير المذكور وتسوية مباديه واسبابه على الوجه المذكور منزلة امرهم بذلك
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وجعلنا بينهم} أي: بين سبأ {وبين القرى التي باركنا فيها} بالتوسعة على أهلها بالنعم والمياه، وهي قرى الشام، {قُرىً ظاهرةً} متواصلة يُرى بعضها من بعض؛ لتقاربها، فهي ظاهرة لأعين الناظرين، أو: ظاهرة للسَّابلة، لم تبعد عن مسالكهم حتى تخفى عليهم، وهي أربعة آلاف وسبعمائة قرية متصلة، من سبأ إلى الشام، {وقدَّرنا فيها السيْرَ} أي: جعلنا هذه القرى على مقدار معلوم، يقيل المسافر في قرية، ويروح إلى أخرى، إلى أن يبلغ الشام. وقلنا لهم: {سِيرُوا فيها} ولا قول هناك، ولكنهم لَمَّا تمكنوا من السير، ويُسّرت لهم أسبابه، فكأنهم أُمروا بذلك، فقيل لهم: سيروا في تلك القرى {لياليَ وأياماً آمنينَ} أي: سيروا فيها إن شئتم بالليل، وإن شئتم بالنهار، فإن الأمن فيها لا يختلف باختلاف الأوقات، أو: سيروا فيها آمنين لا تخافوا عدواً، ولا جوعاً، ولا عطشاً، وإن تطاولت مدة سيركم، وامتدت أياماً وليالي. فبطروا النعمة، وسئموا العافية، وطلبوا الكدر والتعب. {فقالوا ربَّنا باعِدْ بين أسفارِنَا} قالوا: يا ليتها كانت بعيدة، نسير على نجائبنا، ونتخذ الزاد، ونختص بالربح في تجاراتنا، أرادوا أن يتطاولوا على الفقراء بالركوب على الرواحل، ويختصوا بالأرباح. وقرأ يعقوب "ربُّنا" بالرفع "باعَدَ" بفتح العين، فربنا: مبتدأ، والجملة: خبر، على أنه شكوى منهم ببُعد سفرهم، إفراطاً في الترفيه وعدم الاعتداد بالنعمة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام بشد العين، من "بعِّد" المضعف. والباقون بالألف والتخفيف، من: باعد، بمعنى "بعد" المشددة. {وظلموا أنفسَهم} بما قالوا، وما طلبوا، ففرّق الله شملهم، كما قال تعالى: {فجعلناهم أحاديثَ} يتحدث الناس بهم، ويتعجبون من أحوالهم، ويضرب بهم الأمثال، يقال: تفرقوا أيادي سبأ، وأيدي سبأ، يقال بالوجهين. وفي الصحاح: ذهبوا أيادي سبأ، أي: متفرقين، فهو من المُركّب تركيب مزج. {ومزَّقناهم كل مُمزّقٍ} أي: فرقناهم كل تفريق، فتيامن منهم ست قبائل، وتشاءمت أربعة، حسبما تقدم في الحديث. قال الشعبي: أما غسان فلحقوا بالشام، وأما أنمار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، والأزد بنعمان. هـ. قلت: وفيه مخالفة لظاهر الحديث، فإن أنمار جد خثعم وبجيلة، ولم يكونوا في المدينة. والذي هو المشهور أن الأوس والخزرج هما اللذان قدما المدينة، فوجدوا فيها طائفة من بني إسرائيل، بعد قتلهم للعماليق. وسبب نزولهم بها: أن حَبْرين منهم مَرَّا بيثرب مع تُبع، فقالا له: نجد في علمنا أن هذه المدينة مهاجرَ نبي، يخرج في آخر الزمان، يكون سنه كذا وكذا، فاستوطناها، يترصَّدان خروجه صلى الله عليه وسلم، فمن نسلهما بقيت اليهود في المدينة، والأوس والخزرج هما ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن حارثة بن امرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأسد بن الغوث ابن بنت مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ. وولد مازن بن الأسد هم غسان، سموا بماء اليمن، شربوا منه. ويقال: غسان: ماء بالشمال شربوا منه، نُسبوا إليه. قال حسان: شعر : أما سألت فإنا معشرٌ نجبٌ الأسْدُ نسبتُنا والماء غسان تفسير : {إنَّ في ذلك لآيَاتٍ لكل صبَّارٍ} عن المعاصي {شكورٍ} للنعم، أو: لكل مؤمن؛ لأن الإيمان نصفان؛ نصفه صبر، ونصفه شكر. الإشارة: وجعلنا بين السائرين وبين منازل الحضرة المقدسة منازلَ ظاهرة، ينزلوها، ويرحلون عنها، آمنين من الرجوع، إن صَدَقوا في الطلب، وهي منازل كثيرة، وأهمها اثنا عشر مقاماً: التوبة، والخوف، والرجاء، والزهد، والصبر، والشكر، والتوكُّل، والرضا، والتسليم، والمراقبة، والمشاهدة. ومنازل الحضرة هي الفناء، والبقاء، وبقاء البقاء، والترقِّي في معاريج الأسرار والكشوفات، أبداً سرمداً. يقال للسائرين: سيروا فيها، وأقيموا في كل منزل منها، ليالي وأياماً، حتى يتحقق به نازله، ثم يرحل عنه إلى ما بعده. ثم إن قوماً سئموا من السير وادَّعوا القوة، فقالوا: ربَّنا باعد بين أسفارنا حتى يظهر عزمنا وقوتنا، وظلموا أنفسهم بذلك، ففرقناهم عنا كل تفريق، وعوّقناهم عن السير كل تعويق، ليكون ذلك آية وعبرة لمَن بعدهم، فلا يخرجون عن مقام الاستضعاف والمسكنة، والانكسار والذلة، "أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي". وسبب الحرمان هو إبليس كما قال تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ...}
الجنابذي
تفسير : {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} اى بلاد الشّام وقيل مكّة {قُرًى ظَاهِرَةً} يعنى متواصلة يظهر بعضها لبعض لقربها واتّصالها {وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ} بحيث ينتقل كلّ من الغادى والرّائح من قرية الى قرية اخرى من غير تعبٍ فى السّير {سِيرُواْ فِيهَا} حال بتقدير القول او مستأنفٌ جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ بتقدير القول {لَيَالِيَ وَأَيَّاماً} الى الشّام او الى مكّة {آمِنِينَ} من الجوع والعطش ومن السّرّاق وقطّاع الطّريق.
الهواري
تفسير : قال: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} رجع إلى قصة ما كانوا فيه من حسن عيشهم قبل أن يهلكهم فقال: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ} أي: كنا جعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها، يعني الشام {قُرىً ظَاهِرَةً} أي: متصلة ينظر بعضها إلى بعض {وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ} أي: يصبحون في منزل وقرية و ماء ويمسون في منزل وقرية وماء، في تفسير الحسن. وتفسير الكلبي: {وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ}، يعني المقيل والمبيت. {سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً ءَامِنِينَ} كانوا يسيرون مسيرة أربعة أشهر في أمان لا يحرّك بعضهم بعضاً، ولو لقي الرجل قاتل أبيه لم يحرّكه، وكانت المرأة تمشي ومكتلها على رأسها، وهي تغزل بيدها، وإن مكتلها ليمتلئ من الثّمار من غير أن تجنيها. قال: {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} تفسير الحسن: أنهم مَلُّوا النعمة كما ملَّتْ بنو إسرائيل المنَّ والسَّلْوَى. وتفسير الكلبي: إنهم قالوا لرسلهم حين ابتلوا، أي: حين كذبوهم: كنا نأبى عليكم وأرضنا عامرة خير أرض، فكيف اليوم وأرضنا خراب. وبعضهم يقرأها: ربنا {باعِد}، وبعضهم يقرأها: {بَعِّدْ}، وبعضهم: {بَعُدَ} قال الله: {وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ} أي: بشركهم {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} [أي: لمن بعدهم] {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} أي: بددنا عظامهم وأوصالهم فأكلهم التراب. {إِنَّ فِي ذَلِكَ} أي: في إهلاك القرية ومن فيها {لأَيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ} أي: على أمر الله {شَكُورٍ} لنعمة الله، وهو المؤمن.
اطفيش
تفسير : {وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها} على اهلها بالماء والشجر وهي قرى الشام التي يسيرون اليها بالتجارة. {قرى ظاهرة} ترى كل واحدة من التي تليها او ظاهرة لمن يمشي في الطريق لا تخفى عنه يقيل في قرية ويبيت في اخرى حتى يصل الشام ولا يحتاج الى حمل زاد وكانت اربعة الاف وسبعمائة قرية متصلة من سبأ الى الشام لا يحملون طعاما ولا شرابا ولا يخافون عدوا وقيل معنى كونها ظاهرة ظهورها للعين لكونها في الاكام وهي افضل القرى. وقال عياض الذي يظهر لي ان معنى ظاهرة خارجة عن المدن وهي عبارة عن القرى الصغار التي هي في ظواهر المدن. {وقدرنا فيها السير} يسيرون مقدار نصف يوم فيصلون قرية فيها ماء وشجر وما يحتاجون ويبيتون في اخرى كذلك كما مر. {سيروا} اي قيل لهم سيروا او قلنا لهم سيروا او قال الله لهم سيروا او قال لهم لسان الحال سيروا. {فيها ليالي وإياما آمنين} من آفات السفر كخوف عدو وجوع وعطش وانقطاع اي سير ما فيها ليلا ونهارا لا يختلف عليكم الامر باختلاف الليل والنهار تأمنون فيها ليلا كما تأمنون نهارا وذلك مسيرة اربعة اشهر لو لقي الرجل قاتل ابيه لم يحركه او سيروا فيها آمنين وان سفركم مدة سفركم وامتدت اياما وليالي او سيروا فيها لياليكم وايامكم مدة اعماركم فما لكم فيها إلا الأمن وفي الموضعين ظرفية مجازية او بمعنى بين والضمير للقرى فيها.
الالوسي
تفسير : {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَـٰهِرَةً } إلى آخره عطف بمجموعه على مجموع ما قبله عطف القصة على القصة وهو حكاية لما أوتوا من النعم في مسايرهم ومتاجرهم وما فعلوا بها من الكفران وما حاق بهم بسبب ذلك وما قبل كان حكاية لما أوتوا من النعم في مساكنهم ومحل إقامتهم وما فعلوا بها وما فعل بهم، والمراد بالقرى التي بورك فيها قرى الشام وذلك بكثرة أشجارها وأثمارها والتوسعة على أهلها وعن ابن عباس هي قرى بيت المقدس وعن مجاهد هي السراوية وعن وهب قرى صنعاء، وقال ابن جبير: قرب مأرب والمعول عليه الأول حتى قال ابن عطية إن إجماع المفسرين عليه. ومعنى {ظَـٰهِرَةً } على ما روي عن قتادة متواصلة يقرب بعضها من بعض بحيث يظهر لمن في بعضها ما في مقابلته من الأخرى وهذا يقتضي القرب الشديد لكن سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى ما قيل في مقدار ما بين كل قريتين وقال المبرد ظاهرة مرتفعة أي على الآكام والظراب وهي أشرف القرى؛ وقيل ظاهرة معروفة يقال هذا أمر ظاهر أي معروف وتعرف القرية لحسنها ورعاية أهلها المارين عليها، وقيل: ظاهرة موضوعة على الطرق ليسهل سير السابلة فيها. وقال ابن عطية: الذي يظهر لي أن معنى {ظَـٰهِرَةً } خارجة عن المدن فهي عبارة عن القرى الصغار التي في ظواهر المدن كأنه فصل بهذه الصفة بين القرى الصغار وبين القرى المطلقة التي هي المدن، وظواهر المدن ما خرج عنها في الفيافي ومنه قولهم نزلنا بظاهر البلد الفلاني أي خارجاً عنه، ومنه قول الشاعر:شعر : فلو شهدتني من قريش عصابة قريش البطاح لا قريش الظواهر تفسير : يعني أن الخارجين من بطحاء مكة، ويقال للساكنين خارج البلد أهل الضواحي وأهل البوادي أيضاً. / {وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ } أي جعلنا نسبة بعضها إلى بعض على مقدار معين من السير، قيل من سار من قرية صباحاً وصل إلى أخرى وقت الظهيرة والقيلولة ومن سار بعد الظهر وصل إلى أخرى عند الغروب فلا يحتاج لحمل زاد ولا مبيت في أرض خالية ولا يخاف من عدو ونحوه، وقيل: كان بين كل قريتين ميل، وقال الضحاك: مقادير المراحل كانت القرى على مقاديرها وهذا هو الأوفق بعنى {ظَـٰهِرَةً } على ما سمعت عن قتادة وكذا بقوله سبحانه: {سِيرُواْ فِيهَا } فإنه مؤذن بشدة القرب حتى كأنهم لم يخرجوا من نفس القرى، والظاهر أن {سِيرُواْ } أمر منه عز وجل على لسان نبـي أو نحوه وهو بتقدير القول أي قلنا لهم سيروا في تلك القرى {لَيَالِىَ وَأَيَّاماً } أي متى شئتم من ليل ونهار {ءامِنِينَ } من كل ما تكرهونه لا يختلف الأمن فيها باختلاف الأوقات، وقدم الليالي لأنها مظنة الخوف من مغتال وإن قيل الليل أخفى للويل أو لأنها سابقة على الأيام أو قلنا سيروا فيها آمنين وإن تطاولت مدة سفركم وامتدت ليالي وأياماً كثيرة، قال قتادة: كانوا يسيروا مسيرة أربعة أشهر في أمان ولو وجد الرجل قاتل أبيه لم يهجه أو سيروا فيها لياليكم وأيامكم أي مدة أعماركم لا تلقون فيها ألا الأمن، وقدمت الليالي لسبقها. وأياً ما كان فقد علم فائدة ذكر الليالي والأيام وإن كان السير لا يخلو عنهما، وجوز أن لا يكون هناك قول حقيقة وإنما نزل تمكينهم من السير المذكور وتسوية مباديه وأسبابه منزلة القول لهم وأمرهم بذلك والأمر على الوجهين للإباحة.
ابن عاشور
تفسير : تكملة القصة بذكر نعمة بعد نعمة فإن ما تقدم لِنعمة الرخاء والبهجة وطيب الإِقامة، وما هنا لِنعمة الأمن وتيسير الأسفار وعمران بلادهم. والمراد بالقرى التي بوركت قرى بلاد الشام فكانوا إذا خرجوا من مأرب إلى البلاد الشامية قوافل للتجارة وبيع الطعام سلكوا طريق تهامة ثم الحجاز ثم مشارف الشام ثم بلاد الشام، فكانوا كلما ساروا مرحلة وجدوا قرية أو بلداً أو داراً للاستراحة واستراحوا وتزودوا. فكانوا من أجل ذلك لا يحملون معهم أزواداً إذا خرجوا من مأْرب. وهذه القرى الظاهرة يحتمل أنها تكونت من عمل الناس القاطنين حَفافي الطريق السابلة بين مأرب وجِلّق قصدَ استجلاب الانتفاع بنزول القوافل بينهم وابتياع الأزواد منهم وإيصال ما تحتاجه تلك القرى من السلع والثمار وهذه طبيعة العمران. ويحتمل أن سبأ أقاموا مباني يأوون إليها عند كل مرحلة من مراحل أسفارهم واستنبطوا فيها الآبار والمصانع وأوكلوا بها من يحفظها ويكون لائذاً بهم عند نزولهم. فيكون ذلك من جملة ما وطَّد لهم ملوكهم من أسباب الحضارة والأمن على القوافل، وقد تكون إقامة هاته المنازل مجلبة لمن يقطنون حولها ممن يرغب في المعاملة مع القافلة عند مرورها. وعلى الاحتمالين فإسناد جعل تلك القرى إلى الله تعالى لأنه الملهم الناس والملوك أو لأنه الذي خلق لهم تربة طيبة تتوفر محاصيلها على حاجة السكان فتسمح لهم بتطلب ترْويجها في بلاد أخرى. ووصف {ظاهرة} أنها متقاربة بحيث يظهر بعضها لبعض ويتراءى بعضها من بعض. وقيل: الظاهرة التي تظهر للسائر من بعد بأن كانت القرى مبنية على الآكام والظِراب يشاهدها المسافر فلا يضل طريقها. وقال ابن عطية: الذي يظهر لي أن معنى {ظاهرةً} أنها خارجة عن المدن فهي في ظواهر المدن ومنه قولهم: نزلنا بظاهر المدينة الفلانية، أي خارجاً عنها. فقوله: {ظاهرةً} كتسمية الناس إياها بالبادية وبالضاحية، ومنه قول الشاعر وأنشده أهل اللغة: شعر : فلو شهدتني من قريش عصابة قريشِ البطاح لا قريشِ الظواهر تفسير : وفي حديث الاستسقاء: « حديث : وجاء أهل الظواهر يشتكون الغرق » تفسير : ا هــــ. وهو تفسير جميل. ويكون في قوله: {ظاهرةً} على ذلك كناية عن وفرة المدن حتى إن القرى كلها ظاهرة منها. ومعنى تقدير السير في القرى: أن أبعادها على تقدير وتَعادل بحيث لا يتجاوز مقدار مرحلة. فكانَ الغادي يقبل في قرية والرائح يبيت في قرية. فالمعنى: قدرنا مسافات السير في القرى، أي في أبعادها. ويتعلق قوله: {فيها} بفعل {قدرنا} لا بالسير لأن التقدير في القرى وأبعادها لا في السير إذ تقدير السير تبع لتقدير الأبعاد. وجملة {سيروا فيها ليالي} مقول قول محذوف. وجملة القول بيان لجملة {قدرنا} أو بدل اشتمال منها. وهذا القول هو قول التكوين وهو جعلها يسيرون فيها. وصيغة الأمر للتكوين. وضمير {فيها} عائد إلى القرى، والظرفية المستفادة من حرف الظرف تخييل لمكنيةٍ، شبهت القُرى لشدة تقاربها بالظرف وحذف المشبه به ورُمز إليه بحرف الظرفية. والمعنى: سيروا بينها. وكانوا يسيرون غدوًّا وعشيًّا فيسِيرون الصباح ثم تعترضهم قرية فيريحون فيها ويقيلون، ويسيرون المساء فتعترضهم قرية يبيتون بها. فمعنى قوله: {سيروا فيها ليالي وأياماً}: سيروا كيف شئتم. وتقديم الليالي على الأيام للاهتمام بها في مقام الامتنان لأن المسافرين أحوج إلى الأمن في الليل منهم إليه في النهار لأن الليل تعترضهم فيه القُطاع والسباع.
د. أسعد حومد
تفسير : {بَارَكْنَا} {ظَاهِرَةً} {آمِنِينَ} (18) - وَبَعْدَ أَنْ بَيَّنَ اللهَ تَعَالَى مَا كَانَ لِسَبأٍ مِنْ نَعِيمٍ وَسَعَادَةٍ، وَوَفْرَةِ رِزْقٍ فِي مَسَاكِنِهِمْ فِي اليَمَنِ، ذَكَرَ تَعَالى هُنَا مَا كَانَ قَدْ مَنَّ بِهِ عَلَيهِمْ فِي مَسَالِكِهِمْ وَأَسْفَارِهِمْ، فَكَانُوا يَمُرُّونَ فِي أَراضٍ عَامِرَةٍ آمِنَةٍ، فِيها قَرًى ظَاهِرَةٌ عَلى مَسَافَاتِ مُتَقَارِبَة (قَدَّرْنَا فِيها السَّيرَ)، يَجِدُونَ فِيها المَاءَ والزَّادَ والعَلَفَ، فَلاَ يَحْتَاجُونَ إِلى حَمْلِ زَادٍ وَلاَ مُؤُونَةٍ، فَيَخْرُجُونَ صَبَاحاً من قَرْيَةٍ، وَيَبِيتُونَ مَسَاءً فِي قريةٍ أُخْرَى، إِلى أَنْ يَصِلُوا إِلى قُرَى الشَّامِ (التي بَارَكْنا فِيها). ثُمَّ يَقُولُ تَعَالى إِنَّهُ قَالَ لَهُمْ: سِيرُوا فِي هذِهِ القُرَى التِي تَقَعُ بَيْنَ اليَمَنِ، وَبَيْنَ بِلادِ الشَّامِ، لَيَالِيَ وَأَيَّاماً لاَ تَخْشَوْنَ شَيْئاً مِنَ الجُوعِ أَوِ العَطَشِ أَوْ بَطْشِ الأَعْدَاءِ. قُرىً ظَاهِرَةً - مُتَوَاصِلَةً مُتَقَارِبَةً. قَدَّرْنَا فِيها السَّيرَ - جَعَلْنَاهُ عَلَى مَرَاحِلَ مُتَقَارِبَةٍ. آمِنينَ - مِنْ بَطْشِ الأَعْدَاءِ وَمِنَ الجُوعِ والعَطَشِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : هذه نعمة أخرى يمتنُّ الله بها على أهل سبأ، فمعنى {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ ..} [سبأ: 18] بين أهل سبأ {وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا ..} [سبأ: 18] والمراد بلاد الشام التي قال الله فيها قصة الإسراء: {أية : سُبْحَانَ ٱلَّذِى أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ إِلَىٰ ٱلْمَسْجِدِ ٱلأَقْصَا ٱلَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ إِنَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلبَصِيرُ} تفسير : [الإسراء: 1]. والقرى جمع قرية، وهي اسم لمكان متواضع البناء، به مقومات الحياة الضرورية، فإذا نزلْتَه وجدت به قِرَى يعني طعاماً وشراباً. ونعلم أن أهل اليمن كانوا أهل تجارة بين اليمن والشام، فجعل الله لهم في طريق تجارتهم {قُرًى ظَاهِرَةً ..} [سبأ: 18] يعني: متقاربة متواصلة، كانت بمثابة استراحات في الطريق مثل (الرست) وذلك لبُعْد المسافة بين اليمن والشام في رِحْلَتْي الشتاء والصيف، فأراد الحق سبحانه أنْ يُيسِّر لهم تلك الرحلات، وأنْ يقطعوها بلا مشقة. {وَقَدَّرْنَا فِيهَا ٱلسَّيْرَ ..} [سبأ: 18] يعني: جعلنا سيرهم على مسافات متقاربة، فالقرى الظاهرة لهم في سيرهم والقريبة منهم بحيث يمرون بها ويروْنَها على طريقهم بلا مشقة، قرى مُوزَّعة على مسافات الطريق، بحيث كلما ساروا مسافة وجدوا قرية على سابلة الطريق. وهذا يعني أنهم سيأمنون، لا يخيفهم شيء، وأنهم لا يحتاجون لِحَمْل زاد، فالقرى التى سيمرون بها تكفيهم مؤنة الطريق، ويجدون بها حاجتهم، وهذا أيضاً يعني أنهم لن يحتاجوا إلى دواب كثيرة للحمل. والسير أي في الصباح ويقال كذلك للغدوة والروحة، ثم يُؤنسهم الحق سبحانه بهذا الأمر {سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ} [سبأ: 18] بحيث يسير في الغدوة إلى مكان يقيل فيه، ويسير في الرواح إلى مكان يبيت فيه يعني: محطة للقيلولة ومحطة للبيتوتة. وهذا السير في ظل أمن وأمان ضَمِنه لهم الحق سبحانه، فلا يروعهم شيء لا من الناس، ولا من الوحوش. وحين نقارن بين قوله تعالى هنا {آمِنِينَ} [سبأ: 18] وبين قوله تعالى عن قريش: {أية : ٱلَّذِيۤ أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ} تفسير : [قريش: 4] نجد أن الأمن يتوفر بالإطعام والأمان من الخوف، وهنا قال {آمِنِينَ} [سبأ: 18] ولم يَقُل من خوف؛ لأن معنى {آمِنِينَ} [سبأ: 18] أي: الأمن التام آمنين من الخوف، وآمنين من الجوع؛ لأنه لم يُذكر مع {آمِنِينَ} [سبأ: 18] متعلق. ثم يقول الحق سبحانه: {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً} معناهُ مُتصلةٌ، يَنظرُ بَعضُها إلى بعضٍ، ما بينَ اليَمن والشام.
همام الصنعاني
تفسير : 2410- عبد الرزاق، عن معمر، عن أبي يحيى، عن مجاهد، في قوله تعالى: {ٱلَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا} [الآية: 18]، قال: هي قرى الشَّام. 2411- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله تعالى: {قُرًى ظَاهِرَةً}: [الآية: 18]، قال: كل يَوْم هُمْ عَلَى ماءٍ. 2412- عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن سعيد بن جبير قال: هي قُرىً عربية، وهي القرى التي ما بين مأرب والشام. 2413- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، أن ناساً يقولون: هي السراة ظاهرة. 2414- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {قُرًى ظَاهِرَةً}: [الآية: 18]، قال: متواصلة آمنين، لا يخافُونَ جوعاً ولا ظمأً، أنّما يفدون فيقيلون في قرية، ويروحُونَ فَيبيتونَ في قرية، أهل جنة حتى لقد ذكرنا لنا أن المرأة كانت تضع مِكتلها على رأسِهَا، فيمتلئ قبل أن ترجع إلى أهْلِها من غير أن تخترق بيدها شيئاً، وكان الرجل يسافر لا يحمل معه زاداً، ولا سِقَاءً من ماءٍ مما بسط للقوم، قال: فَبطر القوم نعمة الله فقالوا: {رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا ...} فمزقوا {كُلَّ مُمَزَّقٍ} [الآية: 19]، وجعلوا أحاديث. 2415- معمر، وقال قتادة، قال الشعبي، فحلّت الأنصار بيثرب، وغسان بالشَّام، وخزاعة بتهامة، والأزد بعمان. 2416- قال معمر، وقال قتادة: ظاهرة متواصلة علَى ظهر طَريقٍ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):