Verse. 3625 (AR)

٣٤ - سَبَأ

34 - Saba (AR)

فَقَالُوْا رَبَّنَا بٰعِدْ بَيْنَ اَسْفَارِنَا وَظَلَمُوْۗا اَنْفُسَہُمْ فَجَعَلْنٰہُمْ اَحَادِيْثَ وَمَزَّقْنٰہُمْ كُلَّ مُمَــزَّقٍ۝۰ۭ اِنَّ فِيْ ذٰلِكَ لَاٰيٰتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُوْرٍ۝۱۹
Faqaloo rabbana baAAid bayna asfarina wathalamoo anfusahum fajaAAalnahum ahadeetha wamazzaqnahum kulla mumazzaqin inna fee thalika laayatin likulli sabbarin shakoorin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«فقالوا ربنا بَعِّدْ» وفي قراءة باعد «بين أسفارنا» إلى الشام اجعلها مفاوز ليتطاولوا على الفقراء بركوب الرواحل وحمل الزاد والماء فبطروا النعمة «وظلموا أنفسهم» بالكفر «فجعلناهم أحاديث» لمن بعدهم في ذلك «ومزقناهم كل ممزق» فرقناهم في البلاد كل التفريق «إن في ذلك» المذكور «لآيات» عبر «لكل صبَّار» عن المعاصي «شكور» على النعم.

19

Tafseer

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} لما بَطِروا وطغَوْا وسئموا الراحة ولم يصبروا على العافية تمنوْا طول الأسفار والكَدْح في المعيشة؛ كقول بني إسرائيل: {أية : فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ ٱلأَرْضُ مِن بَقْلِهَا} تفسير : [البقرة: 61] الآية. وكالنضر بن الحارث حين قال: {أية : ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ}تفسير : [الأنفال: 32] فأجابه الله تبارك وتعالى، وقُتل يوم بدر بالسيف صَبْراً؛ فكذلك هؤلا تبدّدوا في الدنيا ومُزّقوا كل مُمَزَّق، وجعل بينهم وبين الشام فلوات ومفاوز يركبون فيها الرواحل ويتزودون الأزواد. وقراءة العامة «رَبَّنَا» بالنصب على أنه نداء مضاف، وهو منصوب لأنه مفعول به، لأن معناه: نادَيْت ودعَوْت. «بَاعِدْ» سألوا المباعدة في أسفارهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن محيْصِن وهشام عن ابن عامر: «رَبَّنا» كذلك على الدعاء «بَعَد» من التبعيد. النحاس: وباعد وبعّد واحد في المعنى، كما تقول: قارب وقرّب. وقرأ أبو صالح ومحمد بن الحنفية وأبو العالية ونصر ابن عاصم ويعقوب، ويروى عن ابن عباس: «رَبُّنَا» رفعاً «باعَدَ» بفتح العين والدال على الخبر، تقديره: لقد باعد ربّنا بين أسفارنا، كأن الله تعالى يقول: قَرَّبنا لهم أسفارهم فقالوا أَشَراً وبَطَراً: لقد بُوعدت علينا أسفارنا. واختار هذه القراءة أبو حاتم قال: لأنهم ما طلبوا التبعيد إنما طلبوا أقرب من ذلك القرب بَطَراً وعجباً مع كفرهم. وقراءة يحيـى بن يَعْمر وعيسى بن عمر وتروى عن ابن عباس «رَبَّنَا بَعّدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا» بشدّ العين من غير ألف، وفسرها ابن عباس قال: شكوْا أن ربهم باعد بين أسفارهم. وقراءة سعيد بن أبي الحسن أخي الحسن البصري «رَبَّنَا بَعُدَ بَيْنَ أَسْفَارِنَا». «رَبَّنَا» نداء مضاف، ثم أخبروا بعد ذلك فقالوا: «بَعُدْ بينُ أَسْفَارِنَا» ورفع «بين» بالفعل، أي بعد ما يتصل بأسفارنا. وروى الفراء وأبو إسحاق قراءة سادسة مثل التي قبلها في ضم العين إلا أنك تنصب «بين» على ظرف، وتقديره في العربية: بعد سيرنا بين أسفارنا. النحاس: وهذه القراءات إذا اختلفت معانيها لم يجز أن يقال إحداها أجود من الأخرى، كما لا يقال ذلك في أخبار الآحاد إذا اختلفت معانيها، ولكن خبّر عنهم أنهم دعوا ربهم أن يبعد بين أسفارهم بَطَراً وأَشراً، وخبّر عنهم أنهم لما فعل ذلك بهم خبروا به وشكوْا، كما قال ابن عباس. {وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} أي بكفرهم {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} أي يُتحدّث بأخبارهم، وتقديره في العربية: ذوي أحاديث. {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} أي لما لحقهم ما لحقهم تفرقوا وتمزقوا. قال الشعبيّ: فلحقت الأنصار بيَثْرِب، وغسّان بالشام، والأسد بعُمَان، وخُزاعة بتِهامة، وكانت العرب تضرب بهم المثل فتقول: تفرقوا أيدي سبا وأيادي سبأ، أي مذاهب سبأ وطرقها. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} الصبار الذي يصبر عن المعاصي، وهو تكثير صابر يمدح بهذا الاسم. فإن أردت أنه صَبَر عن المعصية لم يستعمل فيه إلا صبار عن كذا. {شَكُورٍ } لنعمه؛ وقد مضى هذا المعنى في «البقرة».

المحلي و السيوطي

تفسير : {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَٰعِدْ } وفي قراءة بَعِّدْ {بَيْنَ أَسْفَارِنَا } إلى الشام اجعلها مفاوز ليتطاولوا على الفقراء بركوب الرواحل وحمل الزاد والماء فبطروا النعمة {وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بالكفر {فَجَعَلْنَٰهُمْ أَحَادِيثَ } لمن بعدهم في ذلك {وَمَزَّقْنَٰهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } فرقناهم في البلاد كل التفريق {إِنَّ فِى ذَٰلِكَ } المذكور {لأَيَٰتٍ } عبراً {لِّكُلِّ صَبَّارٍ } عن المعاصي {شَكُورٍ } على النعم.

ابن عبد السلام

تفسير : {بَاعِدْ بَيْنَ أًسْفَارِنَا} قالوا ذلك ملالاً للنعم كما مَلَّ بنوا إسرائيل المن والسلوى "ح"، أو قالوا لو كانت ثمارنا أبعد مما هي كانت أشهى وأحلى، أو طلبوا الزيادة في عمارتهم حتى تبعد أسفارهم فيها. فيكون ذلك طلباً للكثرة والزيادة {وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} بقولهم: {بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا}، أو بالتغيير والتبديل بعد أن كانوا مسلمين "ح" أو بتكذيب ثلاثة عشر نبياً وقالوا لرسلهم لما ابتلوا قد كنا نأبى عليكم وأرضنا عامرة خير أرض فكيف اليوم وأرضنا خراب شر أرض {أَحَادِيثَ} يتحدث بما كانوا فيه من نعم وما صاروا إليه من هلاك حتى ضرب بهم المثل فقيل: تفرقوا أيادي سبأ. {وَمَزَّقْنَاهُمْ} بالهلاك فصاروا تراباً تذروه الريح، أو مزقوا بالتفرق فلحقت غسان بالشام وخزاعة بمكة والأوس والخزرج بالمدينة والأزد بِعُمان.

ابو السعود

تفسير : {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَـٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} وقُرىء يا ربَّنا. بطروا النِّعمةَ وسئِمُوا أطيبَ العيشِ وملُّوا العافية فطلبوا الكدَّ والتَّعبَ كما طلب بنو إسرائيلَ الثوم والبصل مكان المنِّ والسَّلوى وقالوا لو كان جنَى جنّاتِنا أبعدَ لكان أجدرَ أن نشتهيَه وسألوا أنْ يجعل الله تعالى بـينهم وبـين الشأمِ مفاوزَ وقفاراً ليركبُوا فيها الرَّواحل ويتزوَّدوا الأزواد ويتطاولُوا فيها على الفقراء فعجَّل الله تعالى لهم الإجابةَ بتخريب تلك القُرى المتوسطة وجعلها بَلْقَعاً لا يُسمع فيها داعٍ ولا مجيبٌ. وقرىء ربنا بعِّدْ بـين أسفارنا وبعُدَ بـينُ أسفارنا على النداء وإسناد الفعل إلى بـين ورفعه به، كما يقال سير فرسخان وبُوعد بـين أسفارِنا وقرىء ربنا باعد بـين أسفارنا وبـين سفرِنا وبعَّد برفع ربنا على الابتداء والمعنى على خلاف الأول وهو استبعادُ مسايرهم مع قِصرها أو دنوِّها وسهولة سلوكها لفرطِ تنعُّمهم وغاية ترفههم وعدم اعتدادهم بنعم الله تعالى كأنَّهم يتشاجَون على الله تعالى ويتحازنون عليه {وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ} حيث عرَّضُوها للسَّخطِ والعذاب حين بطروا النِّعمةَ أو غمطُوها {فَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ} أي جلعناهم بحيث يتحدثُ النَّاسُ بهم متعجِّبـين من أحوالَهم ومعتبرين بعاقبتهم ومآلِهم {وَمَزَّقْنَـٰهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} أي فرَّقناهم كلَّ تفريقٍ على أنَّ المُمزَّقَ مصدرٌ، أو كلَّ مطرحِ ومكانِ تفريقٍ، على أنه اسم مكان، وفي عبارة التَّمزيقِ الخاص بتفريق المتَّصل وخرقه من تهويل الأمرِ والدِّلالةِ على شدَّةِ التَّأثيرِ والإيلامِ ما لا يخفى أي مزَّقناهم تمزيقاً لا غاية وراءه بحيث يُضرب به الأمثال في كلِّ فُرقة ليس بعدها وصالٌ حتى لحق غسَّانُ بالشَّأمِ وأنمارٌ بـيثربَ وجُذامُ بتهامةَ والأزدُ بُعمانَ. وأصلُ قصَّتهم على ما رواه الكلبـيُّ عن أبـي صالحٍ أنَّ عمروَ بن عامرِ من أولاد سبأٍ وبـينهما اثنا عشر أباً وهو الذي يُقال له مُزَيْقِيا بنُ ماءِ السَّماءِ أَخبرتْهُ طريفةُ الكاهنةُ بخراب سدِّ مأربَ وتفريق سيل العرم الجنَّتين. وعن أبـي زيد الأنصاريِّ أنَّ عَمراً رأى جُرَذاً يحفرُ السَّدَّ فعلم أنَّه لا بقاءَ له بعدُ، وقيل: إنَّه كان كاهناً وقد عَلمه بكهانتِه فباع أملاكَه وسار بقومه وهم ألوفٌ من بلد إلى بلد حتى انتهى إلى مكَّة المعظَّمة وأهلها جُرهمٌ وكانوا قهروا النَّاسَ وحازوا ولايةَ البـيت على بني إسماعيلَ عليه السَّلامُ وغيرهم فأرسل إليهم ثعلبةَ بن عمرو بن عامر يسألُهم المقام معهم إلى أنْ يرجع إليه رُوَّادُه الذين أرسلهم إلى أصقاع البلاد يطلبون له موضعاً يسَعه ومَن معه من قومه فأبَوا فاقتتلُوا ثلاثةَ أيَّامٍ فانهزمت جُرهمٌ ولم يفلت منهم إلا الشَّريدُ وأقام ثعلبةُ بمكَّةَ وما حولها في قومِه وعساكرِه حولاً فأصابْتُهم الحُمَّى فاضطرُوا إلى الخروج وقد رجع إليه رُوَّادُه فافترقوا فرقتينُ فرقةٌ توجَّهت نحو عُمانَ وهم الأُزد وكندة وحِمْيرُ ومَن يتلوهم وسار ثعلبةُ نحو الشَّامِ فنزل الأوسُ والخزرجُ ابنا حارثةَ بنِ ثعلبةَ بالمدينةِ وهم الأنصارُ ومضت غسَّانُ فنزلوا بالشَّأمِ وانخزعتْ خزاعة بمكَّةَ فأقام بها ربـيعةُ بن حارثةَ بنِ عمروِ بنِ عامرٍ وهو لحيُّ فولِي أمرَ مكَّةَ وحجابةَ البـيتِ ثم جاءهم أولادُ إسماعيل عليه السَّلامُ فسألوهم السُّكنى معهم وحولهم فأذِنُوا لهم في ذلك. ورُوي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ فروةَ بن مُسيكٍ الغطيفي سأل النبـيَّ عليه الصَّلاة والسَّلام عن سبأٍ فقال عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ هو رجلٌ كان له عشرةُ أولاد ستَّةٌ منهم سكنُوا اليمنَ وهم مَذْحِجُ وكِنْدةُ والأَزدُ والأشعريُّون وحِمْيَرُ وأَنمارٌ منهم بَجِيلةُ وخَثْعَمُ وأربعةٌ منهم سكنُوا الشّأَمَ وهم لَخْمٌ وجُذَامٌ وعَامِلةُ وغَسَّانُ لما هلكتْ أموالُهم وخربتْ بلادُهم تفرَّقُوا أَيْدِي سَباً شَذَرَ مَذَرَ فنزلتْ طوائفُ منهم بالحجاز فمنهم خُزَاعةُ نزلزوا بظاهر مكَّةَ ونزلتِ الأوسُ والخزرجُ بـيثربَ فكانوا أوَّلَ مَن سكنها ثم نزل عندهم ثلاثُ قبائلَ من اليهَّودِ بنُو قَينُقاعَ وبنُو قُريظَة والنَّضيرِ فحالفوا الأوسَ والخزرجَ وأقاموا عندهم ونزلتْ طوائفُ أُخر منهم بالشأمِ وهم الذين تنصَّروا فيما بعد وهم غسَّانُ وعَاملةُ ولَخْمٌ وجُذَامٌ وتَنْوخُ وتَغْلِبُ وغيرُهم، وسَبَأٌ تجمعُ هذه القبائلَ كلَّها والجمهورُ على أنَّ جميعَ العرب قسمانِ قحطانيّةُ، وعدنانيَّةُ، والقحطانيَّةُ شعبانِ سبأٌ وحَضْرمَوْتَ والعدنانَّيةُ شعبانِ رَبـيعةُ ومُضَرُ وأما قُضَاعةُ فمختلفٌ فيها فبعضهم ينسبونَها إلى قَحْطانَ وبعضُهم إلى عدنانَ والله تعالى أعلم. {إِنَّ فِى ذَلِكَ} أي فيما ذُكر من قصَّتهم {لآيَاتٍ} عظيمةً {لّكُلّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} أي شأنه الصَّبرُ عن الشَّهواتِ ودواعي الهَوَى وعلى مشاقِّ الطَّاعاتِ والشُّكرُ على النِّعمِ. وتخصيصُ هؤلاء بذلك لأنهم المُنتفعون بها.

اسماعيل حقي

تفسير : {فقالوا ربنا باعد بين اسفارنا} [المباعدة والبعاد: ازكسى دورشدن وكسى را دور كردن] والسفر خلاف الحضر وهو فى الاصل كشف الغطاء وسفر الرجل فهو سافر وسافر خص بالمفاعلة اعتبارا بان الانسان قد سفر عن المكان والمكان سفر عنه ومن لفظ السفر اشتقت السفرة لطعام السفر ولما يوضع فيه من الجلد المستدير. وقال بعضهم وسمى السفر سفرا لانه يسفر اى يكشف عن اخلاق الرجال ويستخرج دعاوى النفوس ودفائنها. قال اهل التفسير بطر اهل سبأ النعمة وسئموا طيب العيش وملوا العافية فطلبوا الكد والتعب كما طلب بنوا اسرائيل الثؤم والبصل مكان السلوى والعسل وقالوا لو كان جنى جناننا ابعد لكان اجدر ان نشتهيه وسألوا ان يجعل الله بينهم وبين الشام مفاوز وقفارا ليركبوا فيها الرواحل ويتزودوا الازواد ويتطاولوا فيها على الفقراء: يعنى [توانكرانرا بردر ويشان حسد آمدكه ميان ما وايشان دررفتن هيج فرقى نيست بياده ومفلس اين راه همجنان ميرودكه سواره وتوانكر {فقالوا} بس كفتند اغنياى ايشان اى بروردكار ما دورى افكن ميان منازل سفرهاى ما: يعنى بيابانها بديدكن ازمنزلى بمنزلى تامردم بى زاد وراحله سفر نتوانند كرد] فعجل لهم الاجابة تخريب تلك القرى المتوسطة وجعلها بلقعا لا يسمع فيها داع ولا مجيب وفى المثنوى شعر : آن سبا زاهل صبا بودند وخام كار شان كفران نعمت با كرام باشد آن كفران نعمت در مثال كه كنى بامحسن خود توجزال كه نمى بايد مرا اين نيكويى من برنجم زين جه رنجه ميشوى لطف كن اين نيكويى را دور كن من نخواهم عافيت رنحور كن بس سبا كفتند باعد بيننا شيننا خير لنا خذ زيننا ما نمى خواهيم اين ايوان وباغ نى زنان خوب ونى امن وفراغ شهرها نزديك همد يكر بدست آن بيا بانست خوش كانجاد دست يطلب الانسان فى الصيف الشتا فاذا جاء الشتا انكرذا فهو لا يرضى بحال ابدا لا بضيق لا بعيش رغدا قتل الانسان ما اكفره كلما نال هدى انكره تفسير : {وظلموا انفسهم} حين عرّضوها للسخط والعذاب بالشرك وترك الشكر وعدم الاعتداد بالنعمة وتكذيب الانبياء {فجعلناهم احاديث}. قال ابن الكمال الاحاديث مبنى على واحدة المستعمل وهو الحديث كأنهم جمعوا حديثا على احدثة ثم جمعوا الجمع على الاحاديث اى جعلنا اهل سبا اخبار وعظة وعبرة لمن بعدهم بحيث يتحدث الناس بهم متعجبين من احوالهم ومعتبرين بعاقبتهم ومآلهم {ومزقناهم كل ممزق} اى فرقناهم غاية التفريق على ان الممزق مصدر او كل مطرح ومكان تفريق على انه اسم مكان وفى عبارة التمزيق الخاص بتفريق المتصل وخرقه من تهويل الامر والدلالة على شدة التأثير والايلام ما لا يخفى اى مزقناهم تمزيقا لا غاية وراءه بحيث تضرب به الامثال فى كل فرقة ليس بعدها وصال فيقال تفرقوا ايدى سبأ اى تفرقوا تفرق اهل هذا المكان من كل جانب وكانوا قبائل ولدهم سبأ فتفرقوا فى البلاد [تايكى ازايشان دو مأرب نمايد قبيله غسان از ايشان بشام رفت وقضاعه بمكه واسد ببحرين وانمار بيثرب وجذام بتهامه وازد بعمان] {ان فى ذلك} المذكور من قصتهم {لآيات} عظيمة ودلالات كثيرة وعبرا وحججا واضحة قاطعة على الوحدانية والقدرة. قال بعضهم جمع الآيات لانهم صاروا فرقا كثيرة كل منهم آية مستقلة {لكل صبار} عن المعاصى ودواعى الهوى والشهوات وعلى البلايا والمشاق والطاعات {شكور} على النعم الآلهية فى كل الاوقات والحالات او لكل مؤمن كامل لان الايمان نصفان نصف صبر ونصف شكر [در كشف الاسرار آورده كه اهل سبا درخوش حال وفارغ بالى مى كذر انيدند بسبب بى صبرى بر عافيت وناشكرى برنعمت رسيد بديشان آنجه رسيد] شعر : اى روز كار عافيت شكرت نكفتم لا جرم دستى كه در آغوش بودا كنون بدندان مى كزم تفسير : وفى المثنوى شعر : جون زحد بردند اصحاب سبا كه به بيش ماو بابه از صبا ناصحانشان در نصيحت آمدند از فسوق وكفر مانع مى شدند قصد خون ناصحان ميداشتند تخم فسق وكافرى مى كاشتند بهر مظلومان همى كندند جاه درجه افتادند ومى كفتند آه صبر آرد آرزورانى شتاب صبر كن الله اعلم بالصواب تفسير : قال بعض الكبار ان طلب الدنيا وشهواتها هو طلب البعد عن الله وعن حضرته والميل الى الدنيا والرغبة فى شهواتها من خسة النفس وركاكة العقل وهو ظلم على النفس فمن قطعته الدنيا عن الحضرة جعله الله عبرة لاهل الطلب واوقعه فى وادى الهلاك فلا بد من الصبر عن الدنيا وشهواتها والشكر على نعمة العصمة وتوفيق العبودية جعلنا الله واياكم من الراغبين اليه والمعتمدين عليه وعصمنا من الرجوع عن طريقه والضلال بعد ارشاده وتوفيقه انه الرحمن الذى بيده القلوب وتقليبها من حال الى حال وتصريفها كيف يشاء فى الايام والليالى

الجنابذي

تفسير : {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} بلسان الحال حيث عملوا بالمعاصى وكفروا النّعمة او بلسان القال والحال جميعاً بان اظهروا الملال من النّعمة والعافية وسألوا بعد المسافة فى الاسفار ليتطاولوا فيها بحمل الزّاد وما يحتاج اليه فى الاسفار على الفقراء، وقرئ ربّنا بالنّصب وبعد بصيغة الامر من التّفعيل وبُعد بصيغة الماضى من الثّلاثى المجرّد، وربّنا بالرّفع وباعد بصيغة الماضى من المفاعلة، والقراءة المشهورة ربّنا بالنّصب وباعد من المفاعلة بصيغة الامر، واذا كان بصيغة الخبر كان مقصودهم عدم الاعتداد بالنّعمة وطلباً للمزيد مع الكفران {وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} بكفران النّعمة {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} جمع الحديث على الشّذوذ، او جمع الاحداث جمع الحدث، او جمع الاحدوثة بمعنى الامر الغريب يعنى جعلناهم بحسب حالهم ومآلهم من غرائب الدّهر بحيث يتحدّث النّاس بهم وبحالهم {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} فرّقناهم كلّ تفريقٍ حتّى لحق كلّ ببلدٍ، قيل: لحقّ غسّان منهم بالشّام، وانمار بيثرب، وجزام بتهامة والأزد بعمّان {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ} دالّة على قدرتنا على الخسف واسقاط الكسف وعلى علمنا وحكمتنا وتدبيرنا لامور عبادنا، وجزاء كلٍّ منهم بحسب حاله، وعلى انّا نجزى الشّكور بالمزيد والكفور بسلب النّعمة {لِّكُلِّ صَبَّارٍ} عن المعاصى وعلى الطّاعات وعلى المصائب فانّ غير الصبّار لكونه اسيراً للشّهوات والغضبات ومورداً للبلايا لا يكون له فراغ حتّى يتأمّل فى ذلك ويستدلّ بها على شيءٍ آخر {شَكُورٍ} ناظر فى النّعمة الى الانعام والى المنعم وامّا الغافل عن المنعم والانعام فلا يدرك من النّعمة وزوالها وتغيّرها تصرّف المنعم فيها حتّى يستدلّ من النّعمة وتبدّلالتها على صفات المنعم وعلمه وحكمته وقدرته. اعلم، انّ الآيات القرآنيّة العظمى الآفاقيّة من الانبياء والاولياء (ع) لها ظواهر وبواطن الى سبعة ابطنٍ الى سبعين الى سبعين الف بطنٍ الى ما شاء الله، ولها تنزيل وتأويل ولتأويلها تأويل الى سبعة الى ما شاء الله، وتنزيل هذه الآية قد ذكر، وقد ورد عن الصّادق (ع) فى تنزيلها انّه قال: هؤلاء قومٌ كانت لهم قرىً متّصلة ينظر بعضهم الى بعض وانهارٌ جارية واموالٌ ظاهرة فكفروا نعم الله عزّ وجلّ وغيّروا ما بانفسهم من عافية الله، فغيّر الله ما بهم من نعمة و {أية : إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} تفسير : [الرعد:11]، فأرسل الله عليهم سيل العرم ففرّق قُراهم وخرّب ديارهم وذهب بأموالهم وابدلهم مكان جنّتيهم جنّتين ذواتى اكل خمط واثل وشيءٍ من سدرٍ قليلٍ وتأويلها بحسب الصّغير والكبير كثيرٌ؛ فانّ النّفس الحيوانيّة بعد تجلّى العقل عليها بالنّفس الانسانيّة يجعل الله بينها وبين القرى المباركة الّتى هى العقول والارواح قرىً ظاهرة من مراتب النّفس الانسانيّة ومراتب القلب فتسأل بلسان حالها بالتّولّى عن تلك القرى والتّوغّل فى المشتهيات الحيوانيّة بُعد السّفر بينها وبين القرى، او تستبعد بتوغّلها فى تلك المشتهيات السّفر الى تلك القرى فتثبّط الى الارض الحيوانيّة وتتوحّش من السّفر اليها، وايضاً افراد الانسان بعد البلوغ واستكمال النّفس الحيوانيّة بالنّفس الانسانيّة يجعل الله بينهم وبين القرى المباركة الّذين هم مشايخ الائمّة (ع) قرى ظاهرة هى شيعتهم ورواة احاديثهم ونقلة اخبارهم فيتولّون عنهم ويسألون بلسان حالهم بعد الاسفار والمشقّة والاخطار، او يجعل الله بينهم وبين القرى المباركة الّذين هم الائمّة (ع) قرىً ظاهرة هم مشايخ الائمّة (ع) الّذين نصبهم الائمّة (ع) لهداية الخلق واخذ العهد منهم بالبيعة على ايديهم والتّوبة عندهم وعلى ايديهم او افراد الانسان بعد الاسلام والبيعة العامّة وقبول الدّعوة الظّاهرة يجعل الله بينهم وبين القرى المباركة الّذين هم مشايخ الائمّة (ع) او هم الائمّة (ع) قرى ظاهرة، او افراد الانسان بعد الايمان والبيعة الخاصّة الولويّة وقبول الدّعوة الباطنة يجعل الله بينهم وبين القرى المباركة الّذين هم الائمّة (ع) مشايخ وناقلين لاخبارهم، او يجعل الله بينهم وبين القرى المباركة الّذين هم الائمّة بنورانيّتهم وظهور ملكوتهم على نفوس بايعيهم قرىً ظاهرة من مراتب ذكرهم وفكرهم، او من مراتب نفوسهم الى مراتب قلوبهم الّتى فيها يظهر ائمّتهم بنورانيّتهم، او افراد الانسان بعدما يظهر عليهم ائمّتهم بنورانيّتهم يجعل الله لهم قرىً ظاهرة هى مراتب نورانيّة ائمّتهم بينهم وبين مقام ولاية ائمّتهم فيمزّق كلّ هؤلاء، كما يشاهد من النّاس غير المؤمنين بالبيعة الخاصّة الثّابتين على ايمانهم المسافرين على القرى الظّاهرة من تفرّقهم كلّ التّفرّق بحسب المقصد والمذهب والارادة والمشتهى بحيث يلعن بعضهم بعضاً ويبغض ويكفّر بعضهم بعضاً قلّما يتّفق منهم اثنان، وان اتّفق اتّفاقهم بالنّسبة الى بعض المؤمنين كان اتّفاقهم كاتّفاق الكلاب الواقعة على الجيف من حيث انّها يبغض كلّ للآخر ويعقر كلّ للآخر، واذا رأت انساناً من بعيدٍ انّه متأذٍّ من جيفتها تتّفق فى الحمل عليه ونهشه وقتله، اعاذنا الله من غضبه وكفران نعمه. وقد ورد عن الباقر (ع) انّه قال: بل فينا ضرب الله الامثال فى القرآن فنحن القرى الّتى بارك الله فيها وذلك قول الله عزّ وجلّ فيمن اقرّ بفضلنا حيث امرهم ان يأتونا فقال: وجعلنا بينهم وبين القرى الّتى باركنا فيها، اى جعلنا بينهم وبين شيعتهم القرى الّتى باركنا فيها قرىً ظاهرة، والقرى الظّاهرة الرّسل والنّقلة عنّا الى شيعتنا وفقهاء شيعتنا وقوله سبحانه: وقدّرنا فيها السّير فالسّير مثل للعلم سير به فيها ليالى وايّاماً مثل ما يسير من العلم فى اللّيالى والايّام عنّا اليهم فى الحلال والحرام والفرائض والاحكام آمنين فيها اذا أخذوا عن معدنها الّذى امروا ان يأخذوا منه آمنين من الشّكّ والضّلال والنّقلة من الحرام الى الحلال، والاخبار فى هذا المعنى واردة منهم كثيراً.

اطفيش

تفسير : {فقالوا ربنا} اي يا ربنا. {باعد بين أسفارنا} بطروا النعمة وملوا العافية وطلبوا مباعدة الاسفار كما استبدل بني اسرائيل الثوم والبصل بالمن والسلوى فأجاب الله دعاءهم فخرب جل القرى المتوسطة بينهم وبين الشام وانما طلبوا ذلك ليتطاولوا على الفقراء بركوب الرواحل في المفاوز وتزود الازواد وليتمتعوا طعام الحضر وثمار الجنان ويشتهوها وقرىء {بعّد} بتشديد العين مكسورة وقرىء {يا ربنا} والمعنى واحد وقرأ ابن كثير وابو عمرو وهشام ويعقوب برفع ربنا على الابتداء وفتح عين باعد ودالة ومعنى هذه القراءة فإنهم اشتكوا بعد مسايرهم مع أنها متقاربة حتى انهم لا يقيلون الا في بلد ولا ييتون الا في أخرى لفرط تنعمهم وترونههم حتى حسبوا ذلك بعد او مثل هذه القراءة قراءة من قرأ {وربنا بعد} برفع ربنا وتشديد عين بعد وفتحها وفتح الدال وقراءة من قرأ {ربنا بعد} بفتح الباء على النداء وضم عين بعد وفتح داله على ان بين فاعل. {وظلموا أنفسهم} بالبطر والطغيان وعدم الاعتداء بالنعمة. {فجعلناهم} بالتفريق. {أحاديث} عبرة يتحدث بها بعدهم تعجبا يضرب بهم المثل في التفرق يقال تفرقوا ايدي سبا وتفرقوا ايادي سبا وذهبوا ايدي سبا اي تفرقا وذهابا كتفرق وذهاب نعم سبا واقوات سبا قال كثير أيادي سبا: شعر : يا عزما كنت بعدكم فلم يحل للعينين بعدك منظر تفسير : وفي الآية مبالغة بتصير احاديث لكثرة ما يتحدث الناس بتفريهم. {ومزقناهم كل ممزق} فاما غسان فلحقوا بالشام والازد لحقوا بعمان وجدام لحقوا بتهامة وانمار لحقوا بالمدينة والذي قدمها عمرو بن عامر وهو جد الاوس والخزرج قيل ولحق آل خزيمة بالعراق وزعم الثعالي ان هذا التمزيق هو ما مر في الحديث المروي عن قروة ان ستة تيامنوا واربعة تشاموا. {إن في ذلك لآيات} دلالات. {لكل صبار} على المعاصي وعلى الطاعات والمصائب. {شكور} لنعم الله وذلك صفة المؤمن يصبر على البلاء ويشكر على النعماء.

اطفيش

تفسير : {فقالوا ربَّنا باعد بَيْن أسْفارنا} بلسان الحال لكفرهم النعمة الموجب للانتقام، أو بلسان المقال، وقالوا كل لا كلية لأن القائل الأقوياء القادرون لا كلهم، لينالوا ما لا يناله الضعفاء مما يجلب من البلاد البعيدة، مما يشتهى، فيفتخرون بذلك على الضعفاء الذين لا يقدرون على ركون بالمفازات، وذلك كاختيار الإسرائيليين الفوم والعدس والبصل، على المنّ والسلوى، فأخرب الله عز وجل ما بينهم وبين القرى المباركة، حتى لا داعى ولا مجيب، وذلك بطر للنعم، ومعنى الآية أجعل البعد بين أجزاء أسفارنا. {وظلمُوا أنفُسَهم} بتعريضها للعذاب، والمراد أبدانهم لأنها تتألم بواسطة نفس الحياة، أو المراد أنفس الحياة، أعنى الروح، فان السكران لا يتألم، أو كلاهما وهكذا تقول حيث أمكن القول {فجعلناهم أحاديث} جعلنا أحوالهم أحاديث، أو جعلناهم بأنفسهم أحاديث مبالغة، والمفرد أحدوثة بضم الهمزة، وهى الحديث العجيب لعظمه أو غرابته، أو أفنيناهم كلهم ولم يبق إلا التحدث العجيب عنهم {ومزّقناهم كلَّ مُمَّزق} كل تمزيق، فالنصب على المفعولية المطلقة، أو كل موضع تمزق من مواضعهم، فالنصب على الظرفية، وذلك بالنقل الى أماكن بعيدة كما، مر بعد أن كانوا يقتبسون النار بعض من بعض مسيرة أربعة أشهر. وقيل: لحق غسان بالشام، وأنمار بالمدينة، وجذام وخزاعة بتهامة، والأزد بعمان، وقضاعة بمكة، وأسد بالبحرين، وقيل: خزاعة بالأراك من بطن مر، والأوس والخزرع بطيبة، بأن قدم إليها جد الأوس والخزرج، وهو عمرو بن عامر، وآل جفنة بالشام، وآل جذيمة الأبرش بالعراق، وذلك بعد إرسال السيل العرم، وقيل، وقيل: قبله بأن علموا بأنه يخرب، ويجمع بأن بعضا قبل وبعضا بعد، والمعنى قضينا التمزق عليهم، وذلك أنهم تفرقوا باختيار، إذ خرب السيل السد، أو المراد بالتمزيق أخراب السد الذى هو السبب فى التفرق، وأول من خرج منهم عمرو بن عامر مزيقيا، لاخبار زوجه الكاهنة بالتخريب. {إنَّ في ذلك} ما ذكر من قصتهم {لآيات} عظاما {لكلَّ صبَّار} على مشاق الطاعة والمصائب، وعن المعاصى كبطر النعمة {شَكُور} على النعم، وفى ذلك آيات لكل آحد، ولكن خص هؤلاء لأنهم المنتفعون أو لكل من يتأهل للصبر والشكر، وهم المكلفون.

الالوسي

تفسير : {فَقَالُواْ رَبَّنَا بَـٰعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا } لما طالت بهم مدة النعمة بطروا وملوا وآثروا الذي هو أدنى على الذي هو خير كما فعل بنو إسرائيل وقالوا: لو كانت متاجرنا أبعد كان ما نجلبه منها أشهى وأغلى فطلبوا تبديل اتصال العمران وفصل المفاوز والقفار وفي ضمن ذلك إظهار القادرين منهم على قطعها بركوب الرواحل وتزود الأزواد الفخر والكبر على الفقراء العاجزين عن ذلك فجعل الله تعالى لهم الإجابة بتخريب القرى المتوسطة وجعلها بلقعاً لا يسمع فيها داع ولا مجيب، والظاهر أنهم قالوا ذلك بلسان القال، وجوز الإمام أن يكونو قالوا: {بَـٰعِدْ } بلسان الحال أي فلما كفروا فقد طلبوا أن يبعد بين أسفارهم ويخرب المعمور من ديارهم. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وهشام {بَعْدَ } بتشديد العين فعل طلب، وابن عباس وابن الحنفية وعمرو بن قائد {رَبَّنَا } رفعاً {بَعْدَ } بالتشديد فعلاً ماضياً، وابن عباس وابن الحنفية أيضاً وأبو رجاء والحسن ويعقوب وزيد بن علي وأبو صالح وابن أبـي ليلى والكلبـي ومحمد بن علي وسلام وأبو حيوة {ربنا} رفعاً و {بـٰعد} طلباً من المفاعلة، وابن الحنفية أيضاً وسعيد بن أبـي الحسن أخو الحسن وسفيان بن حسين وابن السميقع {ربنا} بالنصب {بعد} بضم العين فعلاً ماضياً {بين} بالنصب إلا سعيداً منهم فإنه يضم النون ويجعل {بين} فاعلاً، ومن نصب فالفاعل عنده ضمير يعود على {ٱلسَّيْرَ } ومن نصب {ربنا} جعله منادى فإن جاء بعده طلب كان ذلك أشراً وبطراً. وفاعل بمعنى فعل وإن جاء فعلاً ماضياً كان ذلك شكوى من مسافة ما بين قراهم مع قصرها لتجاوزهم في الترفه والتنعم أو شكوى مما حل بهم من بعد الأسفار التي طلبوها بعد وقوعها أو دعاء بلفظ الخبر، ومن رفع {ربنا} فلا يكون الفعل عنده إلا ماضياً والجملة خبرية متضمنة للشكوى على ما قيل، ونصب {بَيْنَ } بعد كل فعل متعد في إحدى القراءات ماضياً كان أو طلباً عند أبـي حيان على أنه مفعول به، وأيد ذلك بقراءة الرفع أو على الظرفية والفعل منزل منزلة اللازم أو متعد مفعوله محذوف أي السير وهو أسهل من إخراج الظرف الغير المتصرف / عن ظرفيته. وقرىء {بوعد} مبنياً للمفعول. وقرأ ابن يعمر {سَفَرِنَا } بالإفراد. {وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } حيث عرضوها للسخط والعذاب حين بطروا النعمة وغمطوها {فَجَعَلْنَـٰهُمْ أَحَادِيثَ } جمع أحدوثة، وهي ما يتحدث به على سبيل التلهي والاستغراب لا جمع حديث على خلاف القياس، وجعلهم نفس الأحاديث إما على المبالغة أو تقدير المضاف أي جعلناهم بحديث يتحدث الناس بهم متعجبين من أحوالهم ومعتبرين بعاقبتهم ومآلهم. وقيل المراد لم يبق منهم إلا الحديث عنهم ولو بقي منهم طائفة لم يكونوا أحاديث. {وَمَزَّقْنَـٰهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ } أي فرقناهم كل تفريق على أن الممزق مصدر أو كل مطرح ومكان تفريق على أنه اسم مكان، وفي التعبير بالتمزيق الخاص بتفريق المتصل وخرقه من تهويل الأمر والدلالة على شدة التأثير والإيلام ما لا يخفى أي مزقناهم تمزيقاً لا غاية وراءه بحيث يضرب مثلاً في كل فرقة ليس بعدها وصال، وعن ابن سلام أن المراد جعلناهم تراباً تذروه الرياح وهو أوفق بالتمزيق إلا أن جميع أجلة المفسرين على خلافه وأن المراد بتمزيقهم تفريقهم بالتباعد، وقد تقدم لك غير بعيد حديث كيفية تفرقهم في جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم لفروة بن مسيك. وفي «الكشاف» لحق غسان بالشام وأنمار بيثرب وجذام بتهامة والأزد بعمان. وفي «التحرير» وقع منهم قضاعة بمكة وأسد بالبحرين وخزاعة بتهامة، وظاهر الآية أن ذلك كان بعد إرسال السيل العرم. وفي «البحر» أن في الحديث أن سبأ أبو عشرة قبائل فلما جاء السيل على مأرب تيامن منها ستة قبائل وتشاءمت أربعة، وزعم بعضهم أن تفرقهم كان قبيل مجىء السيل. قال عبد الملك في «شرح قصيدة ابن عبدون» إن أرض سبأ من اليمن كانت العمارة فيها أزيد من مسيرة شهرين للراكب المجد وكان أهلها يقتبسون النار بعضهم من بعض مسيرة أربعة أشهر فمزقوا كل ممزق وكان أول من خرج من اليمن في أول الأمر عمرو بن عامر مزيقياً، وكان سبب خروجه أنه كانت له زوجة كاهنة يقال لها طريفة الخير وكانت رأت في منامها أن سحابة غشيت أرضهم فأرعدت وأبرقت ثم صعقت فأحرقت كل ما وقعت عليه ففزعت طريفة لذلك فزعاً شديداً وأتت الملك عمراً وهي تقول ما رأيت كاليوم أزال عني النوم رأيت غيماً أرعد وأبرق وزمجر وأصعق فما وقع على شيء إلا أحرق فلما رأى ما داخلها من الفزع سكنها ثم إن عمراً دخل على حديقة له ومعه جاريتان من جواريه فبلغ ذلك طريفة فخرجت إليه وخرج معها وصيف لها اسمه سنان فلما برزت من بيتها عرض لها ثلاث مناجد منتصبات على أرجلهن واضعات أيديهن على أعينهن وهي دواب تشبه اليرابيع فقعدت إلى الأرض واضعة يديها على عينيها وقالت لوصيفها: إذا ذهبت هذه المناجد فأخبرني فلما ذهبت أخبرها فانطلقت مسرعة فلما عارضها الخليج الذي في حديقة عمرو وثبت من الماء سلحفاة فوقعت على الطريق على ظهرها وجعلت تروم الانقلاب فلا تستطيع وتستعين بذنبها فتحثو التراب على بطنها من جنباته وتقذف بالبول على بطنها قذاً فلما رأتها طريفة جلست إلى الأرض فلما عادت السلحفاة إلى الماء مضت طريفة إلى أن دخلت على عمرو وذلك حين انتصف النهار في ساعة شديد حرها فإذا الشجر يتكافأ من غير ريح فلما رآها استحى منها وأمر الجاريتين بالانصراف إلى ناحية ثم قال لها يا طريفة فكهنت وقالت: والنور والظلماء والأرض والسماء أن الشجر لهالك وليعودن الماء كما كان في الزمن السالك قال عمرو: من أخبرك بهذا؟ قالت: أخرتني المناجد بسنين شدائد يقطع فيها الولد الوالد قال: ما تقولين؟ قالت: أقول قول الندمان لهيفاً لقد رأيت سلحفاة تجرف التراب / جرفاً وتقذف بالبول قذفاً فدخلت الحديقة فإذا الشجر من غير ريح يتكفى قال: ما ترين في ذلك؟ قالت: هي داهية دهياء من أمور جسيمة ومصايب عظيمة قال: وما هو ويلك؟ قالت: أجل وإن فيه الويل ومالك فيه من نيل وإن الويل فيما يجيء به السيل فألقي عمرو عن فراشه وقال: ما هذا يا طريفة؟ قالت: خطب جليل وحزن طويل وخلف قليل قال: وما علامة ما تذكرين؟ قالت: اذهب إلى السد فإذا رأيت جرذاً يكثر بيديه في السد الحفر ويقلب برجليه من أجل الصخر فاعلم أن الغمر عمر وأنه قد وقع الأمر قال: وما الذي تذكرين؟ قالت: وعد من الله تعالى نزل وباطل بطل ونكال بنا نكل فبغيرك يا عمرو يكون الثكل فانطلق عمرو فإذا الجرذ يقلب برجليه صخرة ما يقلها خمسون رجلاً فرجع وهو يقول:شعر : أبصرت أمراً عادني منه ألم وهاج لي من هوله برح السقم من جرذ كفحل خنزير الأجم أو كبش صرم من أفاويق الغنم يسحب قطراً من جلاميد العرم له مخاليب وأنياب قضم ما فاته سحلاً من الصخر قصم تفسير : فقالت طريفة: وإن من من علامة ذلك الذي ذكرته لك أن تجلس فتأمر بزجاجة فتوضع بين يديك فإن الريح يملؤها من تراب البطحاء من سهل الوادي وحزنه وقد علمت أن الجنان مظللة لا يدخلها شمس ولا ريح فأمر عمرو بزجاجة فوضعت بين يديه ولم تمكث إلا قليلاً حتى امتلأت من التراب فأخبرها بذلك، وقال لها: متى يكون ذلك الخراب الذي يحدث في السد؟ قالت له: فيما بيني وبينك سبع سنين قال: ففي أيها يكون؟ قالت: لا يعلم بذلك إلا الله تعالى ولو علمه أحد لعلمته وأنه لا تأتي عليَّ ليلة فيما بيني وبين السبع سنين إلا ظننت هلاكه في غدها أو في مسائها ثم رأى عمرو في منامه سيل العرم، وقيل له: إن آية ذلك أن ترى الحصباء قد ظهرت في سعف النخل فنظر إليها فوجد الحصباء قد ظهرت فيها فعلم أنه واقع وأن بلادهم ستخرب فكتم ذلك وأجمع على بيع كل شيء له بأرض مأرب وأن يخرج منها هو وولده ثم خشي أن تنكر الناس عليه ذلك فأمر أحد أولاده إذا دعاه لما يدعوه إليه أن يتأبـى عليه وأن يفعل ذلك به في الملأ من الناس وإذا لطمه يرفع هو يده ويلطمه ثم صنع عمرو طعاماً وبعث إلى أهل مأرب أن عمراً قد صنع طعاماً يوم مجد وذكر فأحضروا طعامه فلما جلس الناس للطعام جلس عنده ابنه الذي أمره بما قد أمره فجعل يأمره فيتأبـى عليه فرفع عمرو يده فلطمه فلطمه ابنه وكان اسمه مالكاً فصاح عمرو واذلاه يوم فخر عمرو وبهجته صبـي يضرب وجهه وحلف ليقتلنه فلم يزالوا يرغبون إليه حتى ترك وقال: والله لا أقيم بموضع صنع فيه بـي هذا ولأبيعن أموالي حتى لا يرث بعدي منها شيئاً فقال الناس بعضهم لبعض: اغتنموا غيظ عمرو واشتروا منه أمواله قبل أن يرضى فابتاع الناس منه كل ماله بأرض مأرب وفشا بعض حديثه فيما بلغه من شأن سيل العرم فقام ناس من الأزد فباعوا أموالهم فلما أكثروا البيع استنكر الناس ذلك فأمسكوا عن الشراء فلما اجتمعت إلى عمرو أمواله أخبر الناس بشأن السيل وخرج فخرج لخروجه منها بشر كثير فنزلوا أرض عك فحاربتهم عك فارتحلوا عن بلادهم ثم اصطلحوا وبقوا بها حتى مات عمرو وتفرقوا في البلاد فمنهم من سار إلى الشام وهم أولاد جفنة بن عمرو بن عامر ومنهم من سار إلى يثرب وهم أبناء قيلة الأوس والخزرج وأبوهما حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر وسارت أزد السراة إلى السراة وأزد عمان / إلى عمان وسار مالك بن فهم إلى العراق ثم خرجت بعد عمرو بيسير من أرض اليمن طيء فنزلت أجأ وسلمى ونزلت أبناء ربيعة بن حارثة بن عامر بن عمرو تهامة وسموا خزاعة لانخزاعهم من إخوانهم ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه، وفي ذلك يقول ميمون بن قيس الأعشى:شعر : وفي ذاك للمؤتسي أسوةٌ ومأرب عَفَّا عليها العَرم رُخَام بَنَتْه لهم حمير إذا جاء موّاره لم يَرمِ فأروى الزروع وأعنابها على سعة ماؤهم إذ قُسِم فصاروا أيادي ما يقدرو ن منه على شُربِ طفلٍ فُطِم تفسير : وذكر الميداني عن الكلبـي عن أبـي صالح أن طريفة الكاهنة قد رأت في كهانتها أن سد مأرب سيخرب وأنه سيأتي سيل العرم فيخرب الجنتين فباع عمرو بن عامر أمواله وسار هو وقومه حتى انتهوا إلى مكة فأقاموا بها وبما حولها فأصابتهم الحمى وكانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى فدعوا طريفة فشكوا إليها الذي أصابهم فقالت لهم: أصابني الذي تشكون وهو مفرق بيننا قالوا فماذا تأمرين قالت: من كان منكم ذا هم بعيد وجمل شديد ومزاد جديد فليلحق بقصر عمان المشيد فكانت أزد عمان ثم قالت: من كان منكم ذا جلد وقسر وصبر على أزمات الدهر فعليه بالأراك من بطن مر فكانت خزاعة ثم قالت: من كان منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل فكانت الأوس والخزرج ثم قالت: من كان منكم يريد الخمر والخمير والملك والتأسير ويلبس الديباج والحرير فليلحق ببصرى وغوير وهما من أرض الشام فكان الذين سكنوها آل جفنة من غسان ثم قالت: من كان منكم يريد الثياب الرقاق والخيل العتاق وكنوز الأرزاق والدم المهراق فليلحق بأرض العراق فكان الذين سكنوها آل جذيمة الأبرش ومن كان بالحيرة وآل محرق. والحق أن تمزيقهم وتفريقهم في البلاد كان بعد إرسال السيل، نعم لا يبعد خروج بعضهم قبيله حين استشعروا وقوعه، وفي المثل ذهبوا أيدي سبا ويقال تفرقوا أيدي سبا ويروى أيادي وهو بمعنى الأولاد لأنهم أعضاد الرجل لتقويه بهم. وفي «المفصل» أن الأيدي الأنفس كناية أو مجازاً قال في «الكشف»: وهو حسن، ونصبه على الحالية بتقدير مثل لاقتضاء المعنى إياه مع عدم تعرفه بالإضافة، وقيل: إنه بمعنى البلاد أو الطرق من قولهم خذ يد البحر أي طريقه وجانبه أي تفرقوا في طرق شتى، والظاهر أنه على هذا منصوب على الظرفية بدون تقدير ـ في ـ كما أشار إليه الفاضل اليمني، وربما يظن أن الأيدي أو الأيادي بمعنى النعم وليس كذلك، ويقال في الشخص إذا كان مشتت الهم موزع الخاطر كان أيادي سبا، وعليه قول كُثَيِّر عزة:شعر : أيادي سبا يا عزُّ ما كُنْتُ بعدكُم فلم يَحْلَ بالعينين بعدكِ منظر تفسير : {إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي فيما ذكر من قصتهم {لآيَـٰتٍ } عظيمة {لّكُلّ صَبَّارٍ } أي شأنه الصبر على الشهوات ودواعي الهوى وعلى مشاق الطاعات، وقيل: شأنه الصبر على النعم بأن لا يبطر ولا يطغى وليس بذاك {شَكُورٍ } شأنه الشكر على النعم، وتخصيص هؤلاء بذلك لأنهم المنتفعون بها.

ابن عاشور

تفسير : الفاء من قوله: {فقالوا ربنا} لتعقيب قولهم هذا إثر إتمام النعمة عليهم باقتراب المدن وتيسير الأسفار، والتعقيبُ في كل شيء بحسبه، فلما تمت النعمة بَطروها فحَلت بهم أسباب سلبها عنهم. ومن أكبر أسباب زوال النعمة كفرانها. قال الشيخ ابن عطاء الله الإِسكندري «من لم يشكر النَعم فقد تعرض لزوالها ومن شكرها فقد قيدها بعقالِها». والأظهر عندي أن يكون هذا القول قالوه جواباً عن مواعظ أنبيائهم والصالحين منهم حين ينهونهم عن الشرك فهم يعظونهم بأن الله أنعم عليهم بتلك الرفاهية وهم يجيبون بهذا القول إفحاماً لدعاة الخير منهم على نحو قول كفار قريش: { أية : اللهم إن كان هذا هو الحقَّ من عندك فأمطِرْ علينا حجارةً من السماء أو ائتنا بعذاب أليم } تفسير : [الأنفال: 32]، قبل هذا «فأعرضوا فإن الإِعراض يقتضي دعوة لشيء» ويفيدُ هذا المعنى قوة {وظلموا أنفسهم} عقب حكاية قولهم، فإنه إما معطوف على جملة {فقالوا}، أي فأعقبوا ذلك بكفران النعمة وبالإشراك، فإن ظلم النفس أطلق كثيراً على الإشراك في القرآن وما الإشراك إلا أعظم كفران نعمة الخالق. ويجوز أن تكون جملة {وظلموا أنفسهم} في موضع الحال، والواو واو الحال، أي قالوا ذلك وقد ظلموا أنفسهم بالشرك فكان قولهم مقارناً للإِشراك. وعلى الاعتبارين فإن العقاب إنما كان مسبباً بسببين كما هو صريح قوله: { أية : فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين } تفسير : [سبأ: 16] إلى قوله: { أية : إلا الكفور } تفسير : [سبأ: 17]. فالمُسَبَّب على الكفر هو استئصالهم وهو مدلول قوله: {فجعلناهم أحاديث} كما ستعرفه، والمسبب على كفران نعمةِ تقارب البلاد هو تمزيقهم كل ممزق، أي تفريقهم، فنظم الكلام جاء على طريقة اللف والنشر المشوَّش. ودرج المفسرون على أنهم دَعوا الله بذلك، ويعكر عليه أنهم لم يكونوا مقرِّين بالله فيما يظهر فإن درجنا على أنهم عرفوا الله ودعوه بهذا الدعاء لأنهم لم يقدُروا نعمته العظيمة قَدرها فسألوا الله أن تزول تلك القرى العامرة ليسيروا في الفيافي ويحملوا الأزواد من الميرة والشراب. ثم يحتمل أن يكون أصحاب هذه المقالة ممن كانوا أدركوا حالة تباعد الأسفار في بلادهم قبل أن تؤول إلى تلك الحضارة، أو ممن كانوا يسمعون أحوال الأسفار الماضية في بلادهم أو أسفار الأمم البادية فتروق لهم تلك الأحوال، وهذا من كفر النعمة الناشىء عن فساد الذوق في إدراك المنافع وأضدادها. والمباعدة بصيغة المفاعلة القائمة مقام همزة التعدية والتضعيف. فالمعنى: ربنا أبعد بين أسفارنا. وقال النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعَدْتَ بين المشرق والمغرب » تفسير : . وقرأه الجمهور {باعِد}. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو {بَعِّد} بفتح الباء وتشديد العين. وقرأه يعقوب وحده {ربُّنا} بالرفع و{باعَدَ} بفتح العين وفتح الدال بصيغة الماضي على أن الجملة خبر المبتدأ. والمعنى: أنهم تذمروا من ذلك العمران واستقلّوه وطلبوا أن تزداد البلاد قرباً وذلك من بطر النعمة وطلب ما يتعذر حينئذٍ. والتركيب يعطي معنى «اجعل البعد بين أسفارنا». ولما كانت {بين} تقتضي أشياء تعين أن المعنى: باعد بين السفَر والسفر من أسفارنا. ومعنى ذلك إبعاد المراحل لأن كل مرحلة تعتبر سفراً، أي باعد بين مراحل أسفارنا. ومعنى {فجعلناهم أحاديث} جعلنا أولئك الذين كانوا في الجنات وفي بحبوحة العيش أحاديث، أي لم يبق منهم أحد فصار وجودهم في الأخبار والقصص وأبادهم الله حين تفرقوا بعد سيل العرم فكان ذلك مسرعاً فيهم بالفناء بالتغرب في الأرض والفاقة وتسلط العوادي عليهم في الطرقات كما ستعلمه. وفعل الجعل يقتضي تغييراً ولما علق بذواتهم انقلبت من ذوات مشاهدة إلى كونها أخباراً مسموعة. والمعنى: أنهم هلكوا وتحدث الناس بهم. وهذا نظير قولهم: دخلوا في خبر كان، وإلاّ فإن الأحاديث لا يخلو منها أحد ولا جماعة. وقد يكون في المدح كقوله: شعر : هاذي قبورهُم وتلكَ قصورهم وحديثُهم مستودَع الأوْراق تفسير : أو أريد: فجعلناهم أحاديث اعتبار وموعظة، أي فأصبناهم بأمر غريب من شأنه أن يتحدث به الناس فيكون {أحاديث} موصوفاً بصفة مقدرة دل عليها السياق مثل قوله تعالى: { أية : يأخذ كل سفينة غصباً } تفسير : [الكهف: 79]، أي كل سفينة صالحة بقرينة قوله: { أية : فأردت أن أعيبها } تفسير : [الكهف: 79]. والتمزيق: تقطيع الثوب قِطَعاً، استعير هنا للتفريق تشبيهاً لتفريق جامعة القوم شذر مذر بتمزيق الثوب قطعاً. و{كل} منصوب على المفعولية المطلقة لأنه بمعنى الممزق كله، فاكتسب معنى المفعولية المطلقة من إضافته إلى المصدر. ومعنى {كل} كثيرة التمزيق لأن (كلاً) ترد كثيراً بمعنى الكثير لا بمعنى الجميع، قال تعالى: { أية : ولو جاءتهم كل آية } تفسير : [يونس: 97] وقال النابغة: شعر : بها كل ذيال تفسير : وأشارت الآية إلى التفرق الشهير الذي أُصيبت به قبيلة سبأ إذ حملهم خراب السد وقحولة الأرض إلى مفارقة تلك الأوطان مفارقة وتفريقاً ضربَت به العرب المثل في قولهم: ذهبوا، أو تفرقوا أيدي سبا، أو أياديَ سبا، بتخفيف همزة سبا لتخفيف المَثل. وفي «لسان العرب» في مادة (يدي) قال المعري: لم يهمزوا سبا لأنهم جعلوه مع ما قبله بمنزلة الشيء الواحد. هكذا ولعله التباس أو تحريف، وإنما ذكر المعري عدم إظهار الفتحة على ياء «أيادي» أو «أيدي» كما هو مقتضى التعليل لأن التعليل يقتضي التزام فتح همزة سبا كشأن المركب المزجي. قال في «لسان العرب»: وبعضهم ينوِّنه إذا خففه، قال ذو الرمة: شعر : فيا لك من دار تفرق أهلها أيادي سباً عنها وطال انتقالها تفسير : والأكثر عدم تنوينه قال كثير: شعر : أيادي سَبا يا عز ما كنتُ بعدكم فلم يحلُ بالعينين بعدكِ منظر تفسير : والأيادي والأيدي فيه جمع يد. واليد بمعنى الطريق. والمعنى: أنهم ذهبوا في مذاهب شتّى يسلكون منها إلى أقطار عدة كقوله تعالى: { أية : كنا طرائق قِدداً } تفسير : [الجن: 11]. وقيل: الأيادي جمع يد بمعنى النعمة لأن سبا تلِفت أموالهم. وكانت سبأ قبيلة عظيمة تنقسم إلى عشر أفخاذ وهم: الأزد، وكندة، ومَذحج، والأشعريون، وأنمار، وبَجيلة، وعاملة، وهم خُزاعة، وغسان، ولخم، وجُذام. فلما فارقوا مواطنهم فالستة الأولون تفرقوا في اليمن والأربعة الأخيرون خرجوا إلى جهات قاصية فلحقت الأزد بعمان، ولحقت خزاعة بتهامة في مكة، ولحقت الأوس والخزرج بيثرب، ولعلهم معدودون في لخم، ولحقت غسان ببُصرَى والغُوير من بلاد الشام، ولحقت لخم بالعراق. وقد ذكر أهل القصص لهذا التفرق سبباً هو أشبه بالخرافات فأعرضتُ عن ذكره، وهو موجود في كتب السير والتواريخ. وعندي أن ذلك لا يخلو من خذلان من الله تعالى سلبهم التفكر في العواقب فاستخفّ الشيطان أحلامهم فجزعوا من انقلاب حالهم ولم يتدرّعوا بالصبر حين سلبت عنهم النعمة ولم يجأروا إلى الله بالتوبة فبعثهم الجزع والطغيان والعناد وسوء التدبير من رؤسائهم على أن فارقوا أوطانهم عوضاً من أن يلموا شعثهم ويرقعوا خرقهم فتشتتوا في الأرض، ولا يخفى ما يلاقون في ذلك من نصب وجوع ونقص من الأنفس والحمولة والأزواد والحلول في ديار أقوام لا يرْثُون لحالهم ولا يسمحون لهم بمقاسمة أموالهم فيكونون بينهم عافين. وجملة {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} تذييل فلذلك قطعت، وافتتاحها بأداة التوكيد للاهتمام بالخبر. والمشار إليه بذلك هو ما تقدم من قوله: { أية : لقد كان لسبإ في مساكنهم آية } تفسير : [سبأ: 15]. ويظهر أن هذا التذييل تنهية للقصة وأن ما بعد هذه الجملة متعلق بالغرض الأول المتعلق بأقوال المشركين والمنتقل منه إلى العبرة بداود وسليمان والممثَّل لحال المشركين فيه بحال أهل سبا. وجُمع «الآيات» لأن في تلك القصة عدة آيات وعِبَر فحالةُ مساكنهم آية على قدرة الله ورحمته وإنعامه، وفيه آية على أنه الواحد بالتصرف، وفي إرسال سيل العرم عَليهم آية على انفراده تعالى بالتصرف، وعلى أنه المنتقم وعلى أنه واحد، فلذلك عاقبهم على الشرك، وفي انعكاس حالهم من الرفاهة إلى الشظف آية على تقلب الأحوال وتغير العالم وآية على صفات الأفعال لله تعالى من خَلْق ورَزق وإحياء وإماتة، وفي ذلك آية مِن عدم الاطمئنان لدوام حال في الخير والشر. وفيما كان من عمران إقليمهم واتساع قراهم إلى بلاد الشام آية على مبلغ العمران وعظم السلطان من آيات التصرفات، وآية على أن الأمن أساس العمران. وفي تمنيهم زوال ذلك آية على ما قد تبلغه العقول من الانحطاط المفضي إلى اختلال أمور الأمة وذهاب عظمتها، وفيما صاروا إليه من النزوحِ عن الأوطان والتشتت في الأرض آية على ما يُلجىء الاضطرارُ إليه الناس من ارتكاب الأخطار والمكاره كما يقول المثل: الحُمى أضرعتني إليك. والجمع بين {صبار} و{شكور} في الوصف لإِفادة أن واجب المؤمن التخلق بالخُلقين وهما: الصبر على المكاره، والشكر على النعم، وهؤلاء المتحدث عنهم لم يشكروا النعمة فيطروها، ولم يصبروا على ما أصابهم من زوالها فاضطربت نفوسهم وعمَّهم الجزع فخرجوا من ديارهم وتفرقوا في الأرض، ولا تسأل عما لاقوه في ذلك من المتالف والمذلات. فالصبّار يَعْتَبر من تلك الأحوال فيعلم أن الصبر على المكاره خير من الجزع ويرتكب أخف الضرين، ولا يستخفه الجزع فيلقي بنفسه إلى الأخطار ولا ينظر في العواقب. والشكور يعتبر بما أعطي من النعم فيَزداد شكراً لله تعالى ولا يبطر النعمة ولا يطغى فيُعاقبَ بسلبها كما سلبت عنهم، ومن وراء ذلك أن يَحرمهم الله التوفيق. وأن يقذف بهم الخذلانُ في بنيات الطريق. وفي الآية دلالة واضحة على أن تأمين الطريق وتيسير المواصلات وتقريب البلدان لتيسير تبادل المنافع واجتلاب الأرزاق من هنا ومن هناك نعمة إلٰهية ومقصد شرعي يحبه الله لمن يحب أن يرحمه من عباده كما قال تعالى: { أية : وإذ جعلنا البيت مثابةً للناس وأمناً } تفسير : [البقرة: 125] وقال: { أية : وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا بلداً آمنا وارزق أهله من الثمرات } تفسير : [البقرة: 126] وقال: { أية : وآمنهم من خوف } تفسير : [قريش: 4]، فلذلك قال هنا: { أية : وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياماً آمنين } تفسير : [سبأ: 18]. وعلى أن الإِجحاف في إيفاء النعمة حقها من الشكر يعرّض بها للزوال وانقلاب الأحوال قال تعالى: { أية : ضرب الله مثلاً قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم اللَّه فأذاقها اللَّه لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون } تفسير : [النحل: 112]. من أجل ذلك كله كان حقاً على ولاة أمور الأمة أن يسعَوا جهدهم في تأمين البلاد وحراسة السبل وتيسير الأسفار وتقرير الأمن في سائر نواحي البلاد جليلها وصغيرها بمختلف الوسائل، وكان ذلك من أهم ما تنفق فيه أموال المسلمين وما يبذل فيه أهل الخير من الموسرين أموالهم عوناً على ذلك، وذلك من رحمة أهل الأرض المشمولة لقول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : ارحموا من في الأرض يرحَمْكم من في السماء » تفسير : . وكان حقاً على أهل العلم والدين أن يرشدوا الأيمة والأمة إلى طريق الخير وأن ينبهوا على معالم ذلك الطريق ومسالكه بالتفصيل دون الإِجمال، فقد افتقرت الأمة إلى العمل وسئمت الأقوال.

د. أسعد حومد

تفسير : {بَاعِدْ} {فَجَعَلْنَاهُمْ} {مَزَّقْنَاهُمْ} {لآيَاتٍ} (19) - فَبَطِرُوا وَمَلُّوا تِلْكَ النِّعْمَةَ، وآثَروا الذِي هُوَ أَدْنَى عَلَى الذِي هُوَ خَيْرٌُ فَطَلَبُوا أَنْ يَفْصِلَ اللهُ بَينَ القُرى بِمَفَاوِزَ وَقِفَارٍ، لِيُظْهِرَ القَادِرُونَ مِنْهُمْ مَا لَديهِمْ مِنْ زَادٍ وَفيرٍ، وَرَوََاحِلَ، تَكَبُّراً وَفَخْراً عَلى العَاجِزينَ الفَقَراءِ، فَعَاقَبَهُمُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ الظُّلْمِ لِلأَنْفُسِ بُكُفْرانِ نِعْمَةِ اللهِ، وَالبَطَرِ، فَجَعَلَهُمْ أَحَادِيثَ لِلنَّاسِ، يَتَحَدَّثُونَ عَنْهُمْ فِي مَجَالِسِ سَمَرِهِمْ، وَمَزَّقَ شَمْلَهُمْ وَبَدَّدَهُ، فَتَفَّرقُوا فِي البِلادِ. وَيَجبُ أَنْ يَكُونَ مَا حَلَّ بِهُؤلاءِ آيَةً وَعِبرَةً لِكُلِّ عَبْدٍ صَبُورٍ عَلَى الابْتِلاءِ، شَكُور عَلَى النَّعْمَاءِ. فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ - أَخْبَاراً يُتَلَهَّى بِها. مَزَّقَنَاهُمْ - فَرَّقْنَاهُمْ فِي البِلادِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : تأمل هذا التعنت وهذا البطر لنعمة الله، حيث لم يعجبهم أنْ قَاربَ الله لهم بين القرى، فطلبوا {رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا} [سبأ: 19] يعني: افصل بين هذه القرى بصحارٍ شاسعة، بحيث لا يستطيع السفر فيها إلا الأغنياء والقادرون الذين يملكون المطايا القوية القادرة على الحمل. إذن: نظرتهم في هذه المسألة نظرة اقتصادية كلها جشع وطمع، فهم يريدون أنْ يحرموا الفقراء وغير القادرين من السفر للتجارة معهم، فحين تتقارب القرى وتكثر الاستراحات على طول الطريق، فلا يكاد المسافر يتجاوز قرية إلا بدَتْ له الأخرى من بعيد، فهذا يُسهِّل السفر على الفقراء الذين يركبون الدواب الضعيفة، فوسائل الامتطاء تختلف حسب قدرات الناس، فواحد على جواد، وواحد على ناقة، وواحد على حمار. وقُرْب المسافات بين القرى شجَّع الفقراء على السفر لرحلة الشام؛ لذلك طلب هؤلاء أنْ يباعد الله بين هذه القرى فهو مطلب جَشِع أنانى؛ لذلك قال تعالى بعدها: {وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ ..} [سبأ: 19] نعم ظلموا أنفسهم؛ لأنهم حرموها من الراحة التي جعلها الله لهم، وظلموا أنفسهم لأنهم أرادوا أنْ يحتكروا هذه التجارة، وألاَّ يخرج إليها غيرهم من الفقراء، أو ظلموا أنفسهم لأنهم أثبتوا لها عدم اكتمال الإيمان؛ لأن الإيمان لا يكتمل للمؤمن حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وهؤلاء يحبون أنْ يستأثروا بالنعمة لأنفسهم، ويحرموا منها غيرهم. لكن، كيف تكون المباعدة التي طلبوها في طريق تجارتهم؟ عرفنا من علم الهندسة أن الخط المستقيم هو أقرب مسافة بين نقطتين، فاستقامة الطريق تُيسِّر الحركة فيه، وتقلِّل الوقت والمجهود، والمباعدة لا تكون إلا بتحطيم بعض القرى لتبعد المسافة بينها، أو بأنْ يلتوي الطريق، أو يدور هنا وهناك. فكانت نتيجة هذا الجشع والبطر {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ..} [سبأ: 19] أى: أحدوثة يتحدث بها الناس أو (حدوتة) تُحكى، كما لو وقع مجرم في أيدي رجال الشرطة، فجعلوه عبرة لغيره حتى تحاكَى الناس به، كذلك أهل سبأ جعلهم الله عبرة لغيرهم حتى صارت سيرتهم مثلاً يُضرب، يقولون في المثل العربي الدال على التفرُّق: تفرقوا أيدي سبأ، يعني: تفرقوا بعد اجتماع كما تفرَّق أهل سبأ. ومعنى {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ ..} [سبأ: 19] أي: التمزيق والتفريق بكل أنواعه وطرقه، بحيث يتناول التمزيق كل الأجزاء مهما صَغُرَتْ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ ..} [سبأ: 19] يعني: فيها عبر وعظات يستفيد منها العاقل في حياته. {لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} [سبأ: 19] صبار وشكور من صيغ المبالغة، صبَّار مبالغة من الصبر؛ لأن هؤلاء ظلموا الفقراء واضطهدوهم، وأرادوا أنْ يقطعوا عليهم سبيل النعمة، وأن يستأثروا به لأنفسهم وقد تكرر منهم ذلك؛ لذلك لم يقل لكل صبار؛ لأنهم تحملوا من الأذى ما يحتاج إلى صبر كثير. وسبق أنْ قُلْنا: لو علم الظالم ما أعدَّه الله للمظلوم لضَنَّ عليه بالظلم، ويكفي المظلوم أن الله تعالى سيكون في جانبه يوم القيامة. ومن الغباء أن الظالم حين يتنبه إلى ظلمه وتهدأ شِرَّته وعصبيته يريد أنْ يُكفِّر عن ظلمه، فيسعى في أبواب الخير، ويبني مسجداً مثلاً أو مدرسة ... إلخ يظن أن له ثوابها، والحقيقة أن الثواب لمن ظلمهم وأخذ أموالهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: {أية : وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ} تفسير : [الأنبياء: 47]. وقال أيضاً {شَكُورٍ} [سبأ: 19] يعني: كثير الشكر لله أنْ أقْدره على أن يصبر؛ لذلك قالوا: ما صبرت وإنما صبَّرناك. ثم يقول الحق سبحانه: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَٱتَّبَعُوهُ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ} معناه عِبرٌ. وقوله تعالى: {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} معناه فَرقْناهُم وبَدَّدناهُم كُلَّ مُفرقٍ مُبددٍ.

الجيلاني

تفسير : وبعد توجه الفقراء إلى ديارهم، وازدحموا لكمال الخصب والرفاهية والمعيشة الوسيعة وسهولة الطريق {فَقَالُواْ} متشكين إلى الله من مزاحمة الفقراء وإلمامهم عليهم، كافرين لنعمة التوسعة والسهولة: {رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ} منازل {أَسْفَارِنَا} حتى نحتاج إلى حمل الزاد وشد الرواحل؛ ليشق الأمر على الفقراء، فيتنحوا عنا ولم يزدحموا علينا {وَظَلَمُوۤاْ أَنفُسَهُمْ} بطلب هذا التعب، فأجاب الله دعاءهم، وخرب القرى التي بينهم وبين الشام، وانصرف الفقراء عنهم، وانقطع دعاؤهم لهم، فاشتد الأمر عليهم، وتشتتوا في البلاد، ولم يبق عليهم شيء من التوسعة والرفاهية، بل صاروا متفرقين مشتتين {فَجَعَلْنَاهُمْ} أي: قصة أمنهم وفاهيتهم وجمعيتهم، بعدما عكسنا الأمر عليهم {أَحَادِيثَ} لمن بعدهم، يتحدثون بينهم، متعجبين قائلين على سبيل التحسر في أمثالهم: "تفرق أيدي سبأ". {وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ} أي: فرقناهم في البلاد تفريقاً كلياً إلى حيث لحق غسان منهم بـ"الشامِ"، وأنمار بـ"يثرب" وجذام بـ"تهامة" والأزد بـ"عمان" {إِنَّ فِي ذَلِكَ} التبديل والتشتيت، وأنواع المحن والنقم بعد النعم {لآيَاتٍ} دلائل واضحات على قدرة القدير الحكيم العليم، المقتدر على الإنعام والانتقام {لِّكُلِّ صَبَّارٍ} على المتاعب والمشاق الواردة عليه بمقتضى ما ثبت له في لوح القضاء، ومضى على الرضا بمقتضيات الحكيم العليم {شَكُورٍ} [سبأ: 19] لنعم الله الفائضة عليه، مواظب أداء حقوقه. ثم قال سبحانه مقسماً: {وَ} الله {لَقَدْ صَدَّقَ} - بالتشديد والتخفيف - {عَلَيْهِمْ} أي: على هؤلاء الهالكين في تيه الخسران والكفران {إِبْلِيسُ} العدو لهم، المصر المستمر على عداوتهم من مبدأ فطرتهم {ظَنَّهُ} الذي ظن بهم حين قال لأبيهم آدم: {أية : لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [الإسراء: 62] وقوله: {أية : لاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}تفسير : [الأعراف: 17] وقوله: {أية : وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ}تفسير : [النساء: 119] إلى غير ذلك، وبعدما أضلهم عن طريق الشكر والإيمان {فَٱتَّبَعُوهُ} كفروا النعم والمنعم جميعاً {إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [سبا: 20] الموقنين بتوحيد الله، المصدقين لرسله، المتذكرين لعداوته المستمرة، فانصرفوا عنه وعن إضلاله، فبقوا سالمين عن غوائله. {وَ} العجب كل العجب أنهم اتبعوا له وقبلوا إغواءه وإغراءه وتغريره، مع أنه {مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ} حجة قاهرة غالبة ملجئة لهم إلى متابعته وقبول وسوسته من قِبله، بل من قِبلنا أيضاً، وما ابتلينا وإغرينا هؤلاء البغاء بمتابعته - لعنه الله - {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} ونميز ونظهر التفرقة بين {مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ} وبجميع المعتقدات التي أخبرها الله بها {مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا} أي: من النشأة الأخرى، والأمور الكائنة فيها {فِي شَكٍّ} تردد وارتياب، ولهذه التفرقة والتمييز، أتبعناهم إليه {وَ} لا تستبعد يا أكمل الرسل أمثال هذه الابتلاءات والاختبارات من الله؛ إذ {رَبُّكَ} الذي رباك على الهداية العامة {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ} من مقدوراته ومراداته الكائنة والتي ستكون، والجارية على سرائر عباده وضمائرهم، والتي ستجري {حَفُيظٌ} [سبأ: 21] شهيد، لا يغيب عنه إيمان مؤمن، وكفر كافر، وشكر شاكر، وشك شاك، وإخلاص مخلص. وبعدما أثبت المشركون المصرون على كفران نعم الله أمثال هؤلاء الغواة المذكورين آلهة سوى الله سبحانه، وسموهم شفعاء وعبدوا لهم مثل عبادته سبحانه {قُلِ} لهم يا أكمل الرسل إلزاماً وتبكيتاً: {ٱدْعُواْ} أيها الضالون المشركون الآلهة {ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ} وأثبتهم {مِّن دُونِ ٱللَّهِ} ليستجيبوا لكم في مهماتكم، ويستجلبوا لكم المنافع، ويدفعوا عنكم المضار، كما هو شأن الألوهية والربوبية، وكيف تدعونهم لأمثال هذه المهام مع أنهم {لاَ يَمْلِكُونَ} لأنفسهم {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} من الخير والشر والنفع والضر، لا {فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} لا استقلالاً؛ إذ هم ليسوا قابلين للألوهية {وَ} لا مشاركة؛ إذ {مَا لَهُمْ فِيهِمَا} أي: في خلقهما وإيجادهما {مِن شِرْكٍ} مشاركة مع الله في ألوهيتهم؛ لأنهم من جملة مخلوقاته، بل من أدناها، ولا شركة للمخلوق مع خالقه {وَ} لا مظاهرة، إذ {مَا لَهُ} سبحانه {مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ} [سبأ: 22] ولا من غيرهم أيضاً، معاون له في ألوهيته وربوبيته؛ إذ هو سبحانه منزه عن المعاونة والمظاهرة مطلقاً. {وَ} كذلك ليس لهم عنده سبحانه شفاعة مقبولة حتى يشفعوا لهم ويخلصوهم من عذاب الله بعدما نزل عليهم؛ إذ {لاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ} سبحانه من أحد من عباده {إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} بالشفاعة لغيره؛ لاتصافه بالكمال، أو بشفاعة الغير من الشرفاء له؛ لاستحقاقه بالكرامة وإن كان منغمساً بالرذالة، وبعدما وقعت الشفاعة وأذن بها من عنده سبحانه، ينتظر الشافعون المشفعون بعد وقوعها وجلين، خائفين مهابة من سطوة سلطنة جلاله سبحانه {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ} وكشف الفزع، وأزيل الخوف والوجل {عَن قُلُوبِهِمْ} أي: قلوب الشافعين والمشفوعين {قَالُواْ} أي: بعضهم لبعض، أو المشفوعون للشافعين: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} في جواب شفاعتكم، أيقبلها أم يردها؟ {قَالُواْ} أي: الشفعاء: القول {ٱلْحَقَّ} الثابت عنده، المرضي دونهن وهو سبحانه يقبل شفاعتنا في حقكم، وأزال عنكم عذابه {وَ} كيف لا يخافون من الله ولا يهابون - أي: الشفعاء - عن ساحة عز حضوره؛ إذ {هُوَ} سبحانه {ٱلْعَلِيُّ} ذاته وشأنه، المقصور المنحصر على العلو، لا أعلى إلا هو {ٱلْكَبِيرُ} [سبأ: 23] بحسب أوصافه وأسمائه؛ إذ الكبرياء رداءه، لا يسع لأحد أن يتردى به سواه.