Verse. 3626 (AR)

٣٤ - سَبَأ

34 - Saba (AR)

وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْہِمْ اِبْلِيْسُ ظَنَّہٗ فَاتَّبَعُوْہُ اِلَّا فَرِيْقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِيْنَ۝۲۰
Walaqad saddaqa AAalayhim ibleesu thannahu faittabaAAoohu illa fareeqan mina almumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ولقد صدق» بالتخفيف والتشديد «عليهم» أي الكفار منهم سبأ «إبليس ظنه» أنهم بإغوائه يتبعونه «فاتبعوه» فصدق بالتخفيف في ظنه أو صدق بالشديد ظنه أي وجده صادقا «إلا» بمعنى لكن «فريقا من المؤمنين» لبيان أي هم المؤمنون لم يتبعوه.

20

Tafseer

الرازي

تفسير : أي ظنه أنه يغويهم كما قال: { أية : فَبِعِزَّتِكَ لأَغْوِيَنَّهُمْ } تفسير : [صۤ: 82] وقوله: {فَٱتَّبَعُوهُ } بيان لذلك أي أغواهم، فاتبعوه {إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } قال تعالى في حقهم: { أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰنٌ } تفسير : [الحجر: 42] ويمكن أن يقال: صدق عليهم ظنه في أنه خير منه كما قال تعالى عنه: {أية : أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } تفسير : [الأعراف: 12] ويتحقق ذلك في قوله فاتبعوه، لأن المتبوع خير من التابع وإلا لا يتبعه العاقل والذي يدل على أن إبليس خير من الكافر، هو إن إبليس امتنع من عبادة غير الله لكن لما كان في امتناعه ترك عبادة الله عناداً كفر، والمشرك يعبد غير الله فهو كفر بأمر أقرب إلى التوحيد، وهم كفروا بأمر هو الإشراك، ويؤيد هذا الذي اخترناه الاستثناء، وبيانه هو أنه وإن لم يظن أنه يغوي الكل، بدليل أنه تعالى قال عنه: { أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ } تفسير : [صۤ: 76] فما ظن أنه يغوي المؤمنين فما ظنه صدقه ولا حاجة إلى الاستثناء، وأما في قوله: {أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ } اعتقد الخيرية بالنسبة إلى جميع الناس بدليل تعليله بقوله: { أية : خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } تفسير : [الأعراف: 12] وقد كذب في ظنه في حق المؤمنين، ويمكن الجواب عن هذا في الوجه الأول، وهو أنه وإن لم يظن إغواء الكل وعلم أن البعض ناج، لكن ظن في كل واحد أنه ليس هو ذلك الناجي، إلى أن تبين له فظن أنه يغويه فكذب في ظنه في حق البعض وصدق في البعض.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} فيه أربع قراءات: قرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وأبو عمرو وابن كثير وابن عامر ويروى عن مجاهد، «ولَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ» بالتخفيف «إبليسُ» بالرفع «ظَنَّهُ» بالنصب؛ أي في ظنه. قال الزجاج: وهو على المصدر؛ أي صدق عليهم ظنًّا ظنه إذ صدق في ظنه؛ فنصب على المصدر أو على الظرف. وقال أبو عليّ: «ظنَّه» نصب لأنه مفعول به؛ أي صدق الظن الذي ظنه إذ قال: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الأعراف: 16] وقال: {أية : لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [صۤ: 82] و[الحجر: 39]؛ ويجوز تعدية الصدق إلى المفعول به، ويقال: صدق الحديثَ، أي في الحديث. وقرأ ابن عباس ويحيـى بن وثّاب والأعمش وعاصم وحمزة والكسائيّ: «صدّق» بالتشديد «ظنَّه» بالنصب بوقوع الفعل عليه. قال مجاهد: ظن ظناً فكان كما ظن فصدق ظنه. وقرأ جعفر بن محمد وأبو الهجهاج «صدَق عليهم» بالتخفيف «إبليسَ» بالنصب «ظنُّه» بالرفع. قال أبو حاتم: لا وجه لهذه القراءة عندي، والله تعالى أعلم. وقد أجاز هذه القراءة الفرّاء وذكرها الزجاج وجعل الظن فاعل «صدق» «إبليسَ» مفعول به؛ والمعنى: أن إبليس سوّل له ظنه فيهم شيئاً فصدق ظنه، فكأنه قال: ولقد صدّق عليهم ظن إبليسَ. و«على» متعلقة بـ«صدق»، كما تقول: صدقت عليك فيما ظننته بك، ولا تتعلق بالظن لاستحالة تقدم شيء من الصلة على الموصول. والقراءة الرابعة: «وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إبليسُ ظَنُّهُ» برفع إبليس والظن، مع التخفيف في «صدق» على أن يكون ظنه بدلاً من إبليس وهو بدل الاشتمال. ثم قيل: هذا في أهل سبأ، أي كفروا وغيّروا وبدّلوا بعد أن كانوا مسلمين إلا قوماً منهم آمنوا برسلهم. وقيل: هذا عام، أي صدق إبليس ظنه على الناس كلهم إلا من أطاع الله تعالى؛ قاله مجاهد. وقال الحسن: لما أهبط آدم عليه السلام من الجنة ومعه حوّاء وهبط إبليس قال إبليس: أمّا إذ أصبتُ من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف وأضعف! فكان ذلك ظناً من إبليس، فأنزل الله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ}. وقال ابن عباس: إن إبليس قال: خُلقت من نار وخُلق آدم من طين والنار تحرق كل شيء «أية : لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً» تفسير : [الإسراء:62] فصدق ظنه عليهم. وقال زيد بن أسلم: إن إبليس قال يا رب أرأيت هؤلاء الذين كرمتهم وشرّفتهم وفضّلتهم عليّ لا تجد أكثرهم شاكرين، ظناً منه فصدق عليهم إبليس ظنه. وقال الكلبي: إنه ظن أنه إن أغواهم أجابوه وإن أضلهم أطاعوه، فصدق ظنه. {فَٱتَّبَعُوهُ} قال الحسن: ما ضربهم بسوط ولا بعصا وإنما ظن ظناً فكان كما ظن بوسوسته. {إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} نصب على الاستثناء، وفيه قولان: أحدهما أنه يراد به بعض المؤمنين، لأن كثيراً من المؤمنين من يذنب وينقاد لإبليس في بعض المعاصي، أي ما سلم من المؤمنين أيضاً إلا فريق وهو المعني بقوله تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} تفسير : [الإسراء: 42]. فأما ابن عباس فعنه أنه قال: هم المؤمنون كلهم، فـ«ـمن» على هذا للتبيين لا للتبعيض، فإن قيل: كيف علم إبليس صدق ظنه وهو لا يعلم الغيب؟ قيل له: لما نفذ له في آدم ما نفذ غلب على ظنه أنه ينفذ له مثل ذلك في ذريته، وقد وقع له تحقيق ما ظن. وجواب آخر وهو ما أجيب من قوله تعالى: {أية : وَٱسْتَفْزِزْ مَنِ ٱسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ}تفسير : [الإسراء: 64] فأعطي القوة والاستطاعة، فظن أنه يملكهم كلهم بذلك، فلما رأى أنه تاب على آدم وأنه سيكون له نسل يتبعونه إلى الجنة وقال: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ } علم أن له تبعاً ولآدم تبعاً؛ فظن أن تبعه أكثر من تبع آدم، لما وُضع في يديه من سلطان الشهوات، ووضعت الشهوات في أجواف الآدميين، فخرج على ما ظن حيث نفخ فيهم وزيّن في أعينهم تلك الشهوات، ومدّهم إليها بالأماني والخدائع، فصدق عليهم الظن الذي ظنه، والله أعلم.

ابن كثير

تفسير : لما ذكر تعالى قصة سبأ، وما كان من أمرهم في اتباعهم الهوى والشيطان، أخبر عنهم وعن أمثالهم ممن اتبع إبليس والهوى، وخالف الرشاد والهدى، فقال: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: هذه الآية كقوله تعالى إخباراً عن إبليس حين امتنع من السجود لآدم عليه الصلاة والسلام، ثم قال: {أية : أَرَءَيْتَكَ هَـٰذَا ٱلَّذِى كَرَّمْتَ عَلَىَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَـٰمَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً} تفسير : [الإسراء: 62] وقال: {أية : ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَـٰنِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 17] والآيات في هذا كثيرة، وقال الحسن البصري: لما أهبط الله آدم عليه الصلاة والسلام من الجنة، ومعه حواء، هبط إبليس فرحاً بما أصاب منهما، وقال: إذا أصبت من الأبوين ما أصبت، فالذرية أضعف وأضعف، وكان ذلك ظناً من إبليس، فأنزل الله عز وجل: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} فقال عند ذلك إبليس: لا أفارق ابن آدم ما دام فيه الروح، أعده وأمنيه وأخدعه، فقال الله تعالى: «حديث : وعزتي وجلالي لا أحجب عنه التوبة ما لم يغرغر بالموت، ولا يدعوني إلا أجبته، ولا يسألني إلا أعطيته، ولا يستغفرني إلا غفرت له»تفسير : ، رواه ابن أبي حاتم. وقوله تبارك وتعالى: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَـٰنٍ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي: من حجة. وقال الحسن البصري: والله ما ضربهم بعصا، ولا أكرههم على شيء، وما كان إلا غروراً وأماني، دعاهم إليها فأجابوه، وقوله عز وجل: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلأَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍّ} أي: إنما سلطناه عليهم؛ ليظهر أمر من هو مؤمن بالآخرة وقيامها، والحساب فيها والجزاء، فيحسن عبادة ربه عز وجل في الدنيا، ممن هو منها في شك. وقوله تعالى: {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} أي: ومع حفظه، ضل من ضل من أتباع إبليس، وبحفظه وكلاءته، سلم من سلم من المؤمنين أتباع الرسل.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَلَقَدْ صَدَّقَ } بالتخفيف والتشديد {عَلَيْهِمْ } أي الكفار، منهم سبأ {إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } أنهم بإغوائه يتبعونه {فَٱتَّبَعُوهُ } فصدق بالتخفيف في ظنه أو صدّق بالتشديد ظنه: أي وجده صادقاً {إِلاَّ } بمعنى لكن {فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } للبيان: أي هم المؤمنون لم يتبعوه.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنه لما أُهْبِطَ آدم من الجنة ومعه حواء، وهبط إبليس، قال إبليس أما إذ أصيب من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف وأضعف وكان ظناً من إبليس، فأنزل الله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيهِمْ إبْلِيسُ ظَنَّهُ} قاله الحسن. الثاني: أن إبليس إذ قال: خُلِقْتُ من نار وخلق آدم من طين والنار تحرق كل شيء، لأحتنكن ذريته إلا قليلاً، فصدق ظنه عليه، قاله ابن عباس. الثالث: أنه قال: يا رب أرأيت هؤلاء القوم الذين كرمتهم وشرفتهم وفضلتهم علىّ لا تجد أكثرهم شاكرين، ظن منه فصدق عليهم ظنه، قاله زيد بن أسلم. الرابع: أنه ظن أنه إن أغواهم أجابوه وإن أضَلّهم أطاعوه فصدق ظنه فاتبعوه قاله الكلبي. {فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَريقاً مِّنَ المُؤْمِنِينَ} فيه وجهان: أحدهما: فاتبعوا إبليس، قاله الحسن. الثاني: فاتبعوا ظنه، قاله مجاهد.

ابن عطية

تفسير : قرأ نافع وأبو عمرو وابن عامر "ولقد صدَق" بتخفيف الدال "إبليسُ" رفعاً "ظنَّه" بالنصب على المصدر، وقيل على الظرفية، أي في ظنه، وقيل على المفعول على معنى أنه لما ظن عمل عملاً يصدق به ذلك الظن، فكأنه إنما أراد أن يصدق ظنه، وهذا من قولك أخطأت ظني وأصبت ظني، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي "صدَّق" بتشديد الدال فـ"الظن" على هذا مفعول بـ"صدَّق" وهي قراءة ابن عباس وقتادة وطلحة وعاصم والأعمش، وقرأ الزهري وأبو الهجاج "ظنُّه" بالرفع، وبلال ابن أبي بردة "صدَق" بتخفيف الدال "إبليسَ" النصب "ظنُّه" بالرفع، وقرأت فرقة "صدَق" بالتخفيف "إبليسُ" بالرفع على البدل وهو بدل الاشتمال، ومعنى الآية أن ما قال إبليس من أنه سيفتن بني آدم ويغويهم وما قال من أن الله لا يجد أكثرهم شاكرين وغير ذلك كان ظناً منه فصدق فيهم، وأخبر الله تعالى عنهم أنهم "اتبعوه" وهو اتباع في كفر لأنه في قصة قوم كفار، وقوله {ممن هو منها في شك} يدل على ذلك و {من} في قوله {من المؤمنين} لبيان الجنس لا للتبعيض، لأن التبعيض يقتضي أن فريقاً من المؤمنين اتبعوا إبليس، و"السلطان" الحجة، وقد يكون الاستعلاء والاستقدار، إذ اللفظ من التسلط، وقال الحسن بن أبي الحسن: والله ما كان له سيف ولا سوط ولكنه استمالهم فمالوا بتزيينه، وقوله تعالى: {إلا لنعلم} أي لنعلمه موجوداً، لأن العلم به متقدم أزلاً، وقرأت فرقة "إلا ليُعلم" بالياء على ما لم يسم فاعله، وقوله تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله} الآية، آية تعجيز وإقامة حجة، ويروى أن ذلك نزل عند الجوع الذي أصاب قريشاً، والجمهور على "قلُ ادعوا" بضم اللام وروى عباس عن أبي عمرو "قلِ ادعوا" بكسر اللام، وقوله {الذين} يريد الملائكة والأصنام وذلك أن قريشاً والعرب كان منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يقول نعبدها لتشفع لنا ونحو هذا، فنزلت هذه الآية معجزة لكل منهم، ثم جاء بصفة هؤلاء الذين يدعونهم آلهة من أنهم {لا يملكون} ملك الاختراع {مثقال ذرة} في السماء {ولا في الأرض} وأنهم لا شرك لهم فيهما وهذان فيهما نوعا الملك إما استبداداً وإما مشاركة، فنفى عنهم جميع ذلك، ونفى أن يكون منهم لله تعالى معين في شيء من قدرته و"الظهير" المعين، ثم تقرر في الآية بعد أن الذين يظنون أنهم يشفعون لهم لا تصح منه شفاعة لهم إذ هؤلاء كفرة ولا يأذن الله تعالى في الشفاعة في كافر.

ابن عبد السلام

تفسير : {صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} لما أُهبط آدم وحواء قال إبليس: أَما إذْ أصبت من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف وأضعف ظناً منه فصدق ظنه "ح"، أو قال: خلقت من نار وآدم من طين والنار تحرق كل شيء {أية : لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ} تفسير : [الإسراء: 62] فصدق ظنه "ع"، أو قال يا رب أرأيت هؤلاء الذين كرمتهم عليَّ إنك لا تجد أكثرهم شاكرين ظناً منه فصدق ظنه، أو ظن أنه أن أغواهم وأضلهم أجابوه وأطاعوه فصدق ظنه {فَاتَّبَعُوهُ} الضمير للظن، أو لإبليس "ح".

النسفي

تفسير : {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } بالتشديد: كوفي أي حقق عليهم ظنه أو وجده صادقاً، وبالتخفيف: غيرهم أي صدق في ظنه {فَٱتَّبَعُوهُ } الضمير في {عَلَيْهِمْ } و {ٱتَّبَعُوهُ } لأهل سبإ أو لبني آدم. وقلل المؤمنين بقوله {إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } لقلتهم بالإضافة إلى الكفار {أية : وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ } تفسير : [الأعراف: 17] {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ } لإبليس على الذين صار ظنه فيهم صدقاً {مِنْ سُلْطَـٰنٍ} من تسليط واستيلاء بالوسوسة { إِلاَّ لِنَعْلَمَ } موجوداً ما علمناه معدوماً والتغير على المعلوم لا على العلم {مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلّ شَىْء حَفُيظٌ } محافظ عليه وفعيل ومفاعل متآخيان {قُلْ } لمشركي قومك {ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ } أي زعمتموهم آلهة من دون الله، فالمفعول الأول الضمير الراجع إلى الموصول وحذف كما حذف في قوله {أية : أَهَـٰذَا ٱلَّذِى بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولاً }تفسير : [الفرقان: 41] استخفافاً لطول الموصول بصلته. والمفعول الثاني آلهة وحذف لأنه موصوف صفته {مِن دُونِ ٱللَّهِ } والموصوف يجوز حذفه وإقامة الصفة مقامه إذا كان مفهوماً، فإذاً مفعولا زعم محذوفان بسببين مختلفين، والمعنى ادعوا الذين عبدتموهم من دون الله من الأصنام والملائكة وسميتموهم باسمه والتجئوا إليهم فيما يعروكم كما تلتجئون إليه وانتظروا استجابتهم لدعائكم كما تنتظرون استجابته، ثم أجاب عنهم بقوله {لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ } من خير أو شر أو نفع أو ضر {فِى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ } وما لهم في هذين الجنسين من شركة في الخلق ولا في الملك {وَمَا لَهُ } تعالى {مِنْهُمْ } من آلهتهم {مّن ظَهِيرٍ } من عوين يعينه على تدبير خلقه يريد أنهم على هذه الصفة من العجز فكيف يصح أن يدعوا كما يدعي ويرجوا كما يرجى. {وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } أي أذن له الله يعني إلا من وقع الإذن للشفيع لأجله وهي اللام الثانية في قولك «أذن لزيد لعمرو» أي لأجله، وهذا تكذيب لقولهم {أية : هَـؤُلاء شُفَعَـٰؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ }تفسير : {أَذِنَ لَهُ } كوفي غير عاصم إلا الأعشى {حَتَّىٰ إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ } أي كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن و {فَزّعَ} شامي أي الله تعالى، والتفزيع إزالة الفزع و {حَتَّىٰ } غاية لما فهم من أن ثم انتظاراً للإذن وتوقفاً وفزعاً من الراجين للشفاعة والشفعاء هل يؤذن لهم أو لا يؤذن لهم كأنه قيل: يتربصون ويتوقعون ملياً فزعين حتى إذا فزع عن قلوبهم {قَالُواْ } سأل بعضهم بعضاً {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ } قال {ٱلْحَقّ } أي القول الحق وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى. {وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ} ذو العلو والكبرياء ليس لملك ولا نبي أن يتكلم ذلك اليوم إلا بإذنه وان يشفع إلا لمن ارتضى {قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مّنَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ } أمره بأن يقررهم بقوله {مَن يَرْزُقُكُم } ثم أمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم بقوله «يرزقكم الله» وذلك للإشعار بأنهم مقرون به بقلوبهم إلا أنهم ربما أبوا أن يتكلموا به لأنهم إن تفوهوا بأن الله رازقهم لزمهم أن يقال لهم فما لكم لا تعبدون من يرزقكم وتؤثرون عليه من لا يقدر على الرزق، وأمره أن يقول لهم بعد الإلزام والإلجام الذي إن لم يزد على إقرارهم بألسنتهم لم يتقاصر عنه {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } ومعناه وإن أحد الفريقين من الموحدين ومن المشركين لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال، وهذا من الكلام المنصف الذي كل من سمعه من موالٍ أو منافٍ قال لمن خوطب به: قد أنصفك صاحبك. وفي درجة بعد تقدم ما قدم من التقرير دلالة غير خفية على من هو من الفريقين على الهدى ومن هو في الضلال المبين ولكن التعرض أوصل بالمجادل إلى الغرض، ونحوه قولك للكاذب «إن أحدنا لكاذب». وخولف بين حرفي الجر الداخلين على الهدى والضلال لأن صاحب الهدى كأنه مستعل على فرس جواد يركضه حيث شاء، والضال كأنه ينغمس في ظلام لا يرى أين يتوجه. {قُل لاَّ تُسْـئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْـئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ } هذا أدخل في الإنصاف من الأول حيث أسند الإجرام إلى المخاطبين وهو مزجور عنه محظور، والعمل إلى المخاطبين وهو مأمور به مشكور. {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا } يوم القيامة {ثُمَّ يَفْتَحُ } يحكم {بَيْنَنَا بِٱلْحَقّ } بلا جور ولا ميل {وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ } الحاكم {ٱلْعَلِيمُ } بالحكم {قُلْ أَرُونِىَ ٱلَّذيِنَ أَلْحَقْتُمْ } أي ألحقتموهم {بِهِ } بالله {شُرَكَاء } في العبادة معه. ومعنى قوله {أَرُونِىَ } وكان يراهم أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله وأن يطلعهم على حالة الإشراك به {كَلاَّ } ردع وتنبيه أي ارتدعوا عن هذا القول وتنبهوا عن ضلالكم {بَلْ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ } الغالب فلا يشاركه أحد وهو ضمير الشأن {ٱلْحَكِيمُ } في تدبيره {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ } إلا إرسالة عامة لهم محيطة بهم لأنها إذا شملتهم فقد كفتّهم أن يخرج منها أحد منهم. وقال الزجاج: معنى الكافة في اللغة الإحاطة، والمعنى أرسلناك جامعاً للناس في الإنذار والإبلاغ، فجعله حالاً من الكاف والتاء على هذا للمبالغة كتاء الراوية والعلاّمة {بَشِيراً } بالفضل لمن أقر {وَنَذِيرًا } بالعدل لمن أصر {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } فيحملهم جهلهم على مخالفتك.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ...} الآية، قَرَأَ نَافِعُ وأَبُو عمرِو وٱبْنُ عَامِرٍ: «ولقد صَدَقَ» بِتَخْفِيفِ الدَّالِ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ والكسائيِّ: «صَدَّقَ» بِتَشْدِيدِها؛ فالظَّن عَلى هذِهِ القِرَاءَةِ مَفْعُولُ «بَصدَّقَ» ومَعْنَى الآية: أَنَّ إبْلِيسَ ظَنَّ فِيهمْ ظَنّاً حَيْثُ قَالَ: {أية : وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَـٰكِرِينَ} تفسير : [الأعراف:17]. وغَيْرَ ذلك فَصَدَّقَ ظَنَّهُ فِيهمْ؛ وأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ اتَّبَعُوهُ وهُو اتِّبَاعٌ فِي كُفْرٍ لأَنَّهُ فِي قِصَّة قَوْمٍ كُفَّارٍ. وقولُه: {مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ} يَدُلّ عَلى ذَلكَ وَ «مِنْ» فِي قوله: {مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} لبيَانِ الجِنْسِ لاَ لِلتَّبْعِيضِ. وَقَوْلهُ: {ومَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَـٰنٍ}. أي: مِنْ حُجَّةٍ، قال الحسنُ: واللّهِ مَا كَانَ لهُ سَيفٌ وَلاَ سَوْطٌ وَلَكِنَّهُ اسْتَمَالَهُمْ فَمَالُوا بِتَزْيِيْنِهِ. وقولُه تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ} يريدُ: الأصْنَامَ والملائِكَةَ؛ وذَلِكَ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ الملائِكَةَ؛ وَهَذِهِ آيَةٌ تَعْجِيزٍ وَإقَامَةِ حُجَّةٍ؛ ويُرْوَىٰ أَنَّ الآيةَ نَزَلَتْ عِنْدَ الجُوعِ الَّذِي أَصَابَت قُرَيشاً، ثُمَّ جَاءَ بصِفة هؤلاَءِ الذين يَدْعُونهم آلِهَةً أنَّهُمْ لاَ يَمْلِكُونَ مُلْكَ اخْتِرَاعٍ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ؛ وأنَّهُمْ لاَ شِرْكَ لَهُمْ فِيهِمَا، وهذَانِ نَوْعَا المُلْكِ: إمَّا اسْتِبْدَادٌ وَإمَّا مُشَارَكَةٌ؛ فَنَفَى جَمِيعَ ذَلِكَ وَنَفَى أنْ يَكُونَ مِنْهُم لِلَّهِ تعالى مُعِينٌ فِي شَيْءٌ، و «الظَّهِيرُ»: المُعينُ، ثُمَّ قَرَّرَ فِي الآيةِ بَعْدُ أنَّ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ يْشْعَفُونَ لَهُمْ عِنْدَ اللّهِ؛ لاَ تَصِحُّ مِنْهُمْ شَفَاعَةٌ لَهُمْ إذْ هَؤلاءِ كَفَرَةٌ وَلاَ يأْذَنُ اللّهُ فِي الشَّفَاعَةِ فِي كَافِرٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكسائي وأبُو عَمْرٍو و«أُذِنَ» ـــ بِضَمِّ الهَمْزَةِ ـــ. وقوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ...} الآيةَ، الضَّميرُ في {قُلُوبِهِمْ} عَائِدٌ عَلَى الملائِكَةِ الَّذِينَ دَعَوْهُمْ آلِهَةً. قال * ع *: وَتَظَاهَرَتْ الأَحَادِيثُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ هَذِهِ الآية ـــ أَعْنِي قوله: {حَتَّىٰ إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ...} ـــ إنَّما هِي فِي المَلاَئِكَةِ؛ إذَا سَمِعَتِ الوَحْيَ إلَى جِبْرِيلَ، أو الأمْرَ يَأْمُرُ اللّهُ بِهِ سَمِعَتْ كَجَرِّ سِلْسِلَةِ الحَدِيدِ عَلى الصَّفْوَانِ، فَتَفْزَعُ عِنْد ذَلِكَ تَعْظِيماً وَهَيْبَةً لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَىٰ وقِيل: خَوْفاً أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ؛ فَإذَا فَرَغَ ذَلِكَ، فُزَّعَ عَنْ قُلُوبِهِم، أي: أُطِيرَ الفَزَعُ عَنْهَا وَكُشِفَ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَلِجِبْرِيلَ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ فَيَقُولُ المَسْؤُولُونَ: قَالَ الْحَقَّ، وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ. * ت *: وَلَفْظُ الحديثِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَال: «حديث : إذَا قَضَى اللّهُ أَمْراً فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ المَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَاناً لِقَوْلِهِ: كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَىٰ صَفْوَانٍ، فَإذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ، قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا الحَقَّ، وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِير»تفسير : انتهى. وَقَرَأَ الجُمْهُورُ «فُزع» ـــ بِضَمِّ الفَاءِ ـــ وَمَعْنَاهُ أُطِيرَ الفَزَعُ عَنْهُمْ وَقَوْلُهُمْ: {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} تَمْجِيدٌ وَتَحْمِيدٌ، ثُمَّ أَمَرَ اللّهُ نَبِيَّه صلى الله عليه وسلم عَلَى جِهَةِ الاحْتِجَاجِ وَإقَامَةِ الدَّلِيلِ عَلى الرَّازِقِ لَهُمْ مِنَ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ مَنْ هُوَ، ثُمَّ أَمَرَهُ أَنْ يَقْتَضِبَ الاحْتِجَاجِ بِأَنْ يَأَتِيَ بِجَوَابِ السُّؤَالِ؛ إذْ هُمْ فَي بَهْتَةٍ وَوَجْمَةٍ مِنَ السُّؤالِ؛ وإذ لاَ جَوَابَ لَهُمْ إلاَّ أَنْ يَقُولُوا: هُو اللّهُ، وهذهِ السَّبِيلُ في كلِّ سُؤَالِ جَوَابَهُ فِي غَايةِ الوُضُوحِ؛ لأَنَّ المُحْتَجَّ يُرِيدُ أنْ يَقْتَضِبَ وَيَتَجَاوَزَ إلَى حُجَّةٍ أُخْرَى بُورِدُها، وَنَظَائِرُهَا فِي القُرْآنِ كَثِيرٌ. وقوله تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ} تلطفٌ فِي الدَّعْوَةِ والمُحَاوَرَةِ والمَعْنَى: كَمَا تقولُ لِمَنْ خَالَفَكَ فِي مَسْأَلَةِ أَحَدَنَا مُخْطِىء تَثَبَّتْ وَتَنَبَّهُ؛ وَالمَفْهُومُ مِنْ كَلامِكَ أنّ مُخَالِفَكَ هُو المخطىء فَكَذلكَ هَذَا، مَعْنَاهُ: وَإنا لَعَلَى هَدًى أو فِي ضَلالٍ مبِينٍ؛ وَإنَّكُمْ لَعَلَى هَدًى أوْ فِي ضَلاَلِ مُبِينٍ؛ فَتَنَبَّهُوا، وَالمَقْصِدُ أَنَّ الضَّلاَلَ فِي حَيِّزِهِم؛ وَحَذْفُ أَحَدِ الخَبَرَيْنِ لدَلاَلةِ البَاقِي عَلَيْهِ.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} قرأ الكوفيون صَدَّقَ بتشديد الدال والباقون بتخفيفها، فأما الأولى "فظَنَّهُ" مفعول به والمعنى أن طنَّ إبليس ذهب إلى شيء فوافق فصدق هو ظنه على المجاز والاتساع ومثله: كَذَّبْتُ ظَنِّي ونَفْسي وصَدَّقْتُهُمَا وصدَّقَانِي وَكذَّبانِي وهو مجاز شائع سائغ أي ظن شيئاً فوقع وأصله من قوله: {أية : وَلأُضِلَّنَّهُمْ}تفسير : [النساء:119] وقوله: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص:82] {أية : وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} تفسير : [الأعراف:17] فصدق ظنه وحققه بفعله ذلك بهم واتباعهم إياه. وأما الثانية: فانصب "ظنه" على ما تقدم من المفعول به كقولهم "أصَبْتُ ظَنِّي، وأَخْطَأت ظَنِّي" أو على المصدر بفعل مقدر أي "يَظُنُّ ظَنَّهُ" أَو على إسقاط (الخافض أي) في ظَنِّه، وزيد بن علي والزُّهْريُّ بنصب "إبليسَ" ورفع "ظَنُّهُ" كقول الشاعر: شعر : 4130- فَإنْ يَكُ ظَنِّي صَادِقاً فَهْوَ صَادق .......................... تفسير : جعل "ظنه" صادقاً فيما ظنه مجازاً واتساعاً، وروي عن أبي عمرو برفعهما وهي واضحة جعل "ظنه" بدل اشتمال من إبليس والظاهر أن الضمير في "عليهم" عائد على أهْلِ سَبَأَ و"إلاَّ فَريقاً" استثناء من فاعل "اتَّبَعُوه" "ومِنَ المُؤْمِنِينَ" صفة "فَريقاً" و"مِنْ" للبَيَان لا للتبعيض لئلا يَفْسدَ المعنى؛ إذا يلزم أن يكون بعض من آمن اتبع إبْليسَ. فصل قال المفسرون: صدق عَلَيْهم أي على أهل سبأ. وقال مجاهد: على الناس كلهم إلا من أطاع الله فاتَّبعوه إلاَّ فريقاً من المؤمنين. قال السدي عن ابن عباس يعني المؤمنين كلهم لأن المؤمنين لم يتبعوه في أصل الدين وقد قال تعالى: {أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} تفسير : [الحجر:42] يعني المؤمنين وقيل: هو خاص في المؤمنين الذين يطيعون الله ولا يَعْصُونَه. وقال ابن قتيبة: إن إبليس سأل النظرة فأنْظَرَهُ الله قال: لأغويَنَّهُمْ وَلأضِلَّنَّهُمْ لم يكن مستيقناً وقت هذه المقالة أن ما قاله فيهم يتم وإنما قال ظناً فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم. قوله: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ} هذا استثناء مفرغ من العلل العامة تقديره: وما كان له عليهم (من سلطان) استيلاء لشيء من الأشياء إلا لهذا وهو تمييز المُحَقِّ من الشَّاكِّ. قوله: "مِنْهَا" متعلق بمحذوف على معنى البيان أي أعني منها وبِسَبَبِها وقيل: "من" بمعنى "في" وقيل: هو حال من "شَكٍّ" وقوله: "مَنْ يُؤْمِنُ" يجوز في "من" وجهان: أحدهما: أنها استفهامية فتسُدّ مسدَّ مفعولي العلم كذا ذكر أبو البقاء. وليس بظاهر؛ لأن المعنى إلا لنُمَيِّزَ ويظهر للناس من يؤمن ممن لا يؤمن فعثر عن مقابله بقوله {مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ} لأنه من نتائجه ولوازمه. والثاني: أنها موصولة وهذا هو الظاهر على ما تقدم تفسيره. فصل قال ابن الخطيب: إن علم الله من الأزل إلى الأبد محيط بكل معلوم وعلمه لا يتغير وهو في كونه عالماً لا يتغير ولكن يتغير تعلق علمه فإنّ العلم صفة كاشفة يظهر فيها كل ما في نفس الأمر فعلم الله في الأزل أن العالمَ سَيُوجَد فإذا وجد علمه موجوداً بذلك العلم وإذا عدم علمه مَعدوماً كذلك المرآة المصقولة الصافية يظهر فيها صورة زيد إن قابلها ثم إذا قابلها عمرو يظهر فيها صورة والمرآة لم تتغير في ذاتها ولا تبدلت في صفاتها وإنما التغيير في الخارجات فكذلك ههنا. قوله: {إلاَّ لِنَعْلَمَ} أي ليقع في العلم صُدُور الكفر من الكافر، والإيمان من المؤمن وكان علمه فيه أنْ سَيَكْفُرُ زَيْدٌ ويُؤْمِنُ عَمرو قال البغوي: المعنى إلا ليميز المؤمن من الكافر وأراد علم الوقوع والظهور وقد كان معلوماً عنده بالغيب. وقوله: {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} محقِّق، ذلك أن الله تعالى قادر على منع إبليس منهم عالم بما يقع فالحفظ يدخل في مفهومه العلم والقدرة إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه ولا الجاهل. قوله: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ} مفعول "زعمتم" الأول محذوف هو عائد الموصول، والثاني أيضاً محذوف قامت صفته مقامه أي زَعَمْتُمُوهُمْ شُرَكَاءَ من دون الله ولا جائز أن يكون: "مِنْ دُونِ اللَّهِ" هو المفعول الثاني؛ إذ لا ينعقد منه مع ما قبله كَلاَم لو قلت: هُمْ من دون الله أي من غير نية موصوف لم يجز ولولا قيام الوصف مقامه أيضاً لم يحذف لأنَّ حَذْفَهُ اختصاراً قليلٌ على أن بعضهم منعه. فصل لما بين الله تعالى حال الشاكرين وحال الكافرين وذكرهم بما مضى عاد إلى خطابهم فقال لرسوله عليه (الصلاة و) السلام: قُلْ للمشركين {ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ}. وفي الكلام حذف أي ادعوهم ليكشفوا الضر الذي نزل لكم في سِنِينِ الجُوع ثم وصفها فقال: {لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} من خير وشر ونفع وضر "وَمَا لَهُمْ" أي الآلهة فيهما أي السموات والأرض "مِنْ شِرْكٍ" أي شركة "وَمَا لَهُ" أي وما لله "مِنْهُمْ مِنْ ظَهِير" غَوْنٍ. قوله: {وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} اللام في "لمن" فيها أوجه: أحدهما: أن اللام متعلقة بنفس الشفاعة قال أبو البقاء: وفيه نظر وهو أنه يلزم أحد أمرين إما زيادة اللام في المفعول في غير موضعها وإما حذف مفعول "تنفع" وكلاهما خلافُ الأصل. الثاني: أنه استثناء مفرغ من مفعول الشّفاعة المقدر أي لا تنفع الشفاعةُ لأحدٍ إلاَّ لِمَنْ أَذِنَ له ثم المستثنى منه المقدر يجوز أن يكون هو المشفوع له وهو الظاهر والشافع ليس مذكوراً إنما دل عليه الفحوى والتقدير: لاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعة لأحدٍ من المشفوع لهم إلا لِمَنْ أَذِنَ له تعالى للشافعين أن يشفعوا فيه ويجوز أن يكون هو الشافع والمشفوع له ليس مذكوراً تقديره لا تنفع الشفاعة إلا لشافع أذن له أن يشفع وعلى هذا فاللام في "لَهُ" لام التبليغ لا لام العلة. الثالث: أنه استثناء مفرغ أيضاً لكن من الأحوال العامة تقديره لا تنفع الشفاعةُ إلا كائنة لمن أذن له. وقدره الزمخشري فقال: تقول الشفاعة لزيد على معنى الشافع كما تقول: الكرم لزيد على معنى أنه المشفوع له كما تقول: القيام لزيد فاحتمل قوله: {وَلاَ تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَه} أن يكون على أحد هَذَيْن الوَجْهَينِ أي لا تنفع الشفاعة إلا كائنة لمن أذن له من الشافعين ومطلقة له أو لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلا كائنة لمن أذن له أي لشفيعه أو هي اللام الثانية في قولك: "أَذِنَ زَيْدٌ لِعَمْرو" أي لأجله فكأنه قيل: إلا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله وهذا وجه لطيفٌ وهو الوجهُ. انتهى فقوله: "الكرمُ لزيدٍ" يعني أنها ليست لام العلة بل لام الاختصاص. وقوله: القيام لزيدٍ يعني أنها لام العلة كما هي في: "القيامُ لزيدٍ" وقوله: "أَذِنَ زَيْدٌ لِعَمْرو" أن الأولى للتبليغ والثانية لام العلة، وقرأ الأخَوانِ وأبو عمرو "أُذِنَ" مبنياً للمفعول والقائم مقام الفاعل الجار والمجرور والباقون مبنياً للفاعل أي أذن الله وهو المراد في القراءة الأخرى وقد صرح به في قوله: {أية : إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ} تفسير : [النجم:26] و {أية : إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ}تفسير : [طه: 109، النبأ:38]. فصل معنى الآية إلاَّ لِمَنْ أَذِنَ اللَّهُ له في الشفاعة قاله تكذيباً لهم حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله ويجوز أن يكون المعنى إلا لمن أذن الله في أن يَشَفْعَ لَهُ. قوله: "حَتَّى إذَا" هذه غاية لا بدّ لها من مُغَيَّا وفيه أوجه: أحدهما: أن قوله: "فَاتَّبعوه" على أن يكون الضمير في "عَلَيْهِمْ" من قوله: "صَدقَ عَلَيْهِمْ" وفي "قُلُوبِهم" عائداً على جميع الكفار ويكون التفريغ حالة مفارقة الحياة أو يجعل اتباعهم إياه مفارقة إلى يوم القيامة مجازاً. والجملة من قوله {قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زعمتُمْ} معترضة بين الغاية والمغيا. ذكره أبو حيان. وهو حسن. والثاني: أنه محذوف قاله ابن عطية كأنه قيل: ولا هم شفاء كما تُحبّون أنتم بل هم عبدة أو مسلمون أي منقادون {حَتَّى إذَا فُرِّع عَنْ قُلُوبِهِمْ} انتهى وجعل الضمير في "قُلُوبِهِمْ" عائداً على الملائكة وقدر ذلك وضعف قول من جعله عائداً على الكفار أو على جميع العالم. وقوله: "قَالُوا مَاذَا" هو جواب "إذا"، وقوله: "قَالُوا الحَقَّ" جواب لقوله: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} و"الحَقَّ" منصوب بقَال مُضْمَرة أي قالوا: قَالَ رَبُّنَا الحَقَّ أي القَوْلَ الحَقَّ، إلاَّ أنَّ أبا حيان ردّ هذا فقال: وما قدّره ابن عطية لا يصح لأن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها (و) هم منقادون عنده دائماً لا ينفكون عن ذلك لا إذَا فُرِّع عَنْ قُلُوبِهِمْ ولا إذا لم يُفَرَّعْ. الثالث: أنه "زَعَمْتُمْ" أي زعمتم الكفر في غاية التفريغ ثم تركتم ما زعمتم وقلتم: قال الحق وعلى هذا يكون في الكلام التفات من خطاب في قوله: "زعَمْتُمْ" إلى الغيبة في قوله: "قُلُوبِهِمْ". الرابع: أنه ما فهم من سياق الكلام، قال الزمخشري: فإن قلت: بأي شيء اتصل قوله: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ}؟ ولأي شيء وقَعَتْ "حَتَّى" غايةً؟ قلتُ: بما فهم من هذا الكلام من أن ثَمَّ انتظاراً للأذن وتوقفاً وتمهلاً وفزعاً من الراجين الشفاعة والشفعاء هل يؤذن لهم أو لايؤذن؟ وأنه لا يطلق الإذن إلاَّ بعد مليِّ من الزمان وطول من التَّربُّص ودل على هذه الحالة قوله - عزّ من قائل - {أية : رَّبِّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} تفسير : [النبأ:37] إلى قوله: {أية : إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً} تفسير : [النبأ:38] فكأنه قيل: يتربصون ويتوقفون ملِيًّا فزعين وَجِلينَ حتى إذا فُزِّعَ عن قلوبهم أي كشف الفزع عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن تَبَاشَرُوا بذلك وقال بعضهم لبعض: ماذَا قَالَ رَبَّكم قالوا الحق وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى وقرأ ابن عامر فَزَّعَ مبنياً للفاعل. فإن كان الضمير في "قلوبهم" للملائكة فالفاعل في "فزع" ضمير اسم الله تعالى لتقدم ذكره وإن كان للكفار فالفاعل ضمير مُغْويهِمْ. كذا قال أبو حيان. والظاهر أنه يعود على الله مطلقاً وقرأ الباقون مبنياً للمفعول والقائم مقام الفاعل الجارّ بعده، وفعل بالتشديد معناه السلب هنا نحوه "قَر‍َّدْتُ البَعِيرَ" أي أزلتُ قُرَادَهُ كذا هنا أي أزال الفَزَعَ عنها أي كشف الفَزَعَ وأخرجه عن قلوبهم فالتفزيعُ لإزالة الفزع كالتَّمْريض والتَّقْرِيد. وقرأ الحَسَنُ فُزِعَ مبنياً للمفعول مخففاً كقولك "ذُهِبَ بِزَيْدٍ"، والحسن أيضاً قتادة ومجاهد فَرَّغَ مشدداً مبنياً للفاعل من الفَرَاغِ وعن الحسن أيضاً تخفيف الراء، وعنه أيضاً وعم ابْنِ عُمَرَ وقتادة مبنياً للمفعول والفراغ الفَنَاءُ والمعنى حتى إذا أفنى الله الرجل انتفى بنفسه أو نفى الوجل والخوف عن قلوبهم فلما بني للمفعول قام الجار مَقَامه وقرأ ابنُ مسعود وابنُ عمر افْرُنْقِعَ من الافرنقاع وهو التفرق قال الزمخشري: والكلمة مركبة من حروف المفارقة مع زيادة العين كما ركب "اقمطَرَّ" من حروف القمط مع زيادة الراء، قال أبو حيان: فإن عنى أن العين من حروف الزيادة (وكذا الراء وهو ظاهر كلامه فليس بصحيح لأن العين والراء ليسا من حروف الزيادة) وإن عنى أنَّ الكلمة فيها حروف ما ذكر وزاد إلى ذلك العين والراء والمادة "فَرْقَعَ وقَمْطَرَ" فهو صحيح انتهى، وهذه قراءة مخالفة للشواذ ومع ذلك هي لفظة غريبة ثقيلة اللفظ نص أهل البيان عليها ومثلوا بها وحكي عن عيسى بن عمر أنه غُشِيَ عليه ذات يوم فاجتمع عليه النَّظَّارة فلما أفاق قال: "ما لي أرَاكُمْ تَكَأكأتم عَلَيَّ تكأكؤكم عَلَى ذِي جِنَّةٍ افْرَنْقِعُوا عنّي" أي اجتمعتم عليّ اجتماعكم على المجنون تفرقوا عني فعابها الناس عليه حيث استعمل مثل هذه الألفاظ الثقيلة المستغربة، وقرأ ابن أبي عبلة بالرفع الحق على أنه خبر مبتدأ مضمر أي قالوا: قَوْلُهُ الحَقُّ. فصل اختلفوا في الموصوفين بهذه الصفة فقيل: هم الملائكة، ثم اختلفوا في ذلك السبب فقال بعضهم إنَّما يفزع عن قلوبهم من غشية تصيبهم عند سماع كلام الله - عزّ وجلّ - لِمَا روى أبو هريرة أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال "حديث : إذَا قَضَى اللَّهُ الأَمر فِي السَّمَاءِ ضَرَبت المَلاَئِكَةُ بأجْنِحَتِهَا خُضْعَاناً"تفسير : لِقَوْلِهِ كأنه سلسلة على صَفْوَان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق هو العلي الكبير. وقال - عليه (الصلاة و) السلام -: حديث : إذا أَرادَ اللَّهُ أَنْ يُوحِيَ بالأَمْرِ تَكَلَّمَ بالْوَحي أَخَذَت السَّمَوات مِنْهُ رَجْفَة أو قال رَعْدَة شَدِيدة خَوْفاً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإذَا سَمِعَ بِذَلِكَ أهْلُ السَّمَوَاتِ ضَعُفُوا وخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّداً فيكُونُ أَوّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأسَهُ جبريل فُيَكلِّمهُ مِنْ وَحِيْهِ بَمَا أَرَادَ ثُمَّ يَمُرُّ جِبْرِيلُ عَلَى المَلاَئِكَةِ كُلَّمَا مَرَّ بسَماءٍ سَأَلَهُ مَلاَئِكَتُهَا ماذَا قَال رَبُّنَا يَا جبريلُ؟ فيقُولُ جِبْريلُ الحقّ وهُو العَليُّ الكبيرُ قال: فيَقُولُون كُلُّهُمْ مثْلَ مَا قَالَ جبْرِيل. فَيَنْتَهِي جِبْريلُ بالوحي حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ تفسير : وقيل: إنما يفزعون حذراً من قيام الساعة. قال مقاتل والسدي: كانت الفترة بين عيسى ومحمد - عليهما (الصلاة و) السلام - خمسمائة سنة. وقيل: سمتائة سنة لم تسمع الملائكة فيها وحياً فلما بعث الله محمداً - صلى الله عليه وسلم - كلَّم جبريل - عليه (الصلاة و) السلام - بالرسالة إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - فلما سمعت الملائكة ظنوا أنها الساعة لأن محمداً - عليه (الصلاة و) السلام - عند أهل السموات من أشراط الساعة فصعقوا مما سمعوا خوفاً من قيام الساعة فلما انْحدَرَ جبريلُ جعل يمُرُّ بأهل كل سماء فيكشف عنهم فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض: ماذا قال ربُّكم؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير وقيل: الموصوف بذلك المشركون. قال الحسن وابن زيد: حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين عند نزول الموت إقامةً للحجة عليهم قالت لهم الملائكة: ماذا قال ربكم في الدنيا؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير فأقروا به حين لم ينفعهم الإقرار. قوله: {وهو العلي الكبير} فقوله: "الحق" إشارة إلى أنه كامل وقوله: "وهو العلي الكبير" إشارة إلى أنه فوق الكاملين في ذاته وصفاته.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏ولقد صدق عليهم إبليس ظنه‏} ‏ قال إبليس‏:‏ إن آدم خلق من تراب، ومن طين، ومن حمإ مسنون خلقاً ضعيفاً، وإني خلقت من نار، والنار تحرق كل شيء ‏{‏أية : لأحتنكن ذريته إلا قليلاً‏}‏تفسير : ‏[‏الإسراء: 62‏] قال‏:‏ فصدق ظنه عليهم فاتبعوه إلا فريقاً من المؤمنين قال‏:‏ هم المؤمنون كلهم‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأها ‏{‏ولقد صدق عليهم إبليس ظنه‏} ‏ مشددة قال‏:‏ ظن بهم ظناً فصدقه‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ولقد صدق عليهم إبليس ظنه‏} ‏ قال‏:‏ على الناس إلا من أطاع ربه‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏ولقد صدق عليهم إبليس ظنه‏}‏ ظن بهم فوافق ظنه‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ لما أهبط آدم عليه السلام من الجنة ومعه حوّاء عليها السلام هبط إبليس فرحاً بما أصاب منهما، وقال‏:‏ إذا أصبت من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف، وكان ذلك ظناً من إبليس عند ذلك فقال‏:‏ لا أفارق ابن آدم ما دام فيه الروح أغره، وأمنيه، وأخدعه، فقال الله تعالى‏:‏ ‏"حديث : ‏وعزتي لا أحجب عنه التوبة ما لم يغرغر بالموت، ولا يدعوني إلا أجبته، ولا يسألني إلا أعطيته، ولا يستغفرني إلا غفرت له ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏{‏وما كان له عليهم من سلطان‏} ‏ قال‏:‏ والله ما ضربهم بعصا، ولا سيف، ولا سوط، وما أكرههم على شيء، وما كان إلا غروراً وأماني، دعاهم إليها فاجابوه‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إلا لنعلم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ قال‏:‏ إنما كان بلاء ليعلم الله الكافر من المؤمن‏.‏

ابو السعود

تفسير : {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} أي حقَّق عليهم ظنَّه أو وجده صادقاً. وقُرىء بالتَّخفيف أي صدَق في ظنِّه أو صدَقَ بظنَ ظنُّه ويجوز تعدية الفعل إليه بنفسه لأنَّه نوع من القول وقُرىء بنصب إبليسَ ورفعِ الظَّنِّ مع التَّشديدِ بمعنى وجدَه ظنُّه صادقاً ومع التَّخفيف بمعنى قال له الصِّدقُ حين خيَّل له إغواءَهم وبرفعهما والتحفيف على الإبدال. وذلك إما ظنّه بسيأ حين رأى انهماكهم في الشَّهواتِ أو بـبني آدمَ حين شاهدَ آدمَ عليه السَّلامُ قد أصغى إلى وسوسته قال إنَّ ذُريَّتَه أضعفُ منه عزماً وقيل ظنَّ ذلك عند إخبار الله تعالى الملائكةَ أنَّه يجعلُ فيها مَن يفسد فيها ويسفكُ الدِّماءَ وقال لأضلنَّهم ولأغوينَّهم {فَٱتَّبَعُوهُ} أي أهلُ سبأٍ أو النَّاسُ {إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} إلا فريقاً هم المؤمنون لم يتَّبعوه على أنَّ مِن بـيانيةٌ. وتقليلُهم بالإضافة إلى الكُفَّارِ أو إلا فريقاً من فِرقِ المؤمنين لم يتَّبعوه وهم المُخلَصون {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مّن سُلْطَـٰنٍ} أي تسلُّطٌ واستيلاءٌ بالوسوسةِ والاستغواءِ وقولُه تعالى {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكّ} استثناء مفرَّغٌ من أعمِّ العللِ ومَن موصولةٌ أي وما كان تسلُّطُه عليهم إلا ليتعلَّقَ علمُنا بمَنْ يُؤمن بالآخرةِ متميِّزاً ممَّن هو في شكَ منها تعلُّقاً حالياً يترتَّب عليه الجزاءُ أو إلا ليتمَّيزَ المؤمنُ من الشَّاكِّ أو إلا ليؤمنَ من قُدِّر إيمانُه ويشكُّ من قُدِّر ضلالُه والمراد من حصول العلم حصول متعلَّقه مبالغةً {وَرَبُّكَ عَلَى كُلّ شَىْء حَفُيظٌ} أي محافظ عليه فإنَّ فَعيلاً ومُفاعِلاً صيغتانِ متآخيتانِ.

القشيري

تفسير : صدَّق عليهم إبليس ظنّه - وإنْ كان لا يملك لنفسه أمراً، فإبليس مُسَلَّطٌ على أتباعه من الجنِّ والإِنس، وليس به من الإضلال شيء، ولو أمكنه أَن يَضُرَّ غيرَه لأمكنه أن يمسكَ على الهداية نَفْسَه، قال تعالى:{أية : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} تفسير : [الإِسراء: 65]. {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ}: يهدي من يشاء ويضل من يشاء. ثم أخبر - سبحانه وتعالى - أنه بمُلْكِه متفرِّدٌ، وفي الألوهية متوحِّدٌ، وعن الأضداد والأنداد متعزِّزٌ، وأَنهم لا يملكون مثقالَ ذَرَّةٍ، ولا مقياسَ حَبَّةٍ، وليس منهم نصير، ولا شريك ولا ظهير، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وأن الملائكة في السماءِ بوصف الهيبة فَزِعُون، وفي الموقف الذى أثبتهم الحقُّ واقفون، لا يفترون عن عبادته ولا يعصون.

اسماعيل حقي

تفسير : {ولقد صدق عليهم ابليس ظنه} التصديق بالفارسية [راستى يافتن] وضمير عليهم الى اهل سبأ لتقدم ذكرهم والظاهر انه راجع الى الناس كما يشهد به ما بعده. وابليس مشتق من الابلاس وهو الحزن المعترض من شدة اليأس كما فى المفردات ابلس يئس وتحير ومنه ابليس او هو اعجمى انتهى. والظن هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض ومظنة الشئ بكسر الظاء موضع يظن فيه وجوده والمعنى وبالله لقد وجد ابليس ظنه بسبأ حين رأى انهماكهم فى الشهوات صادقا {فاتبعوه} اى اتبع اهل سبأ الشيطان فى الشرك والمعصية {الا فريقا من المؤمنين} الفريق الجماعة المنفردة عن الناس ومن بيانية اى الاجماعة هم المؤمنون لم يتبعوه فى اصل الدين وتقليلهم بالاضافة الى الكفار او تبعيضية اى الا فريقا من فرق المؤمنين لم يتبعوه وهم المخلصون او وجد ظنه ببنى آدم صادقا فاتبعوه الا فريقا من المؤمنين وذلك انه حين شاهد آدم عليه السلام قد اصغى الى وسوسته قال ان ذريته اضعف منه عزما ولذا قال لاضلنهم. وقال الكاشفى [شيطان لعين كمان برده بود كه من بر بنى آدم بسبب شهوت وغضب كه درنهاد ايشان نهاده اند دست يابم وايشانرا كمراه كنم كمان او درباره اهل غوايت راست شد] او قال انا نارى وآدم طينى والنار تأكل الطين او ظن عند قول الملائكة {أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء}. قال فى التأويلات النجمية يشير الى ان ابليس لم يكن متيقنا ان يقدر على الاغواء والاضلال بل كان ظانا بنفسه انه يقدر على اغواء من لم يطع الله ورسوله فلما زين لهم الكفر والمعاصى وكانوا مستعدين لقبولها حكمة لله فى ذلك وقبلوا منه بعض ما امرهم به على وفق هواهم وتابعوه بذلك صدق عليهم ظنه اى وجدهم كما ظن فيهم: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : نه ابليس در حق ما طعنه زد كز اينان نيايد بجز كار بد فغان از بديها كه در نفس ما ست كه ترسم ظن ابليس راست جو ملعون بسند آمدش قهر ما خدايش برانداخت از بهر ما كجا سر برآ ريم ازين عاروننك كه با او بصلحيم وباحق بجنك نظر دوست نادر كند سوى تو جودرروى دشمن بود روى تو ندانى كه كمتر دوست باى جو بيند كه دشمن بود درسراى

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وقد صدق عليهم إبليسُ ظَنَّه} الضمير في "عليهم" لكفار سبأ وغيرهم. وكأن إبليسَ أضمر في نفسه حين أقسم: {أية : لأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 82] أنه يسلط عليهم، وظن أنه يتمكن منهم، فلما أغواهم وكفروا صدق ظنه فيهم. فمَن قرأ بالتخفيف فـ "ظنه": ظرف، أي: صَدق في ظنه. ومَن قرأ بالتشديد فظنه مفعول به، أي: وجد ظنه صادقاً عليهم حين كفروا {فاتَّبَعوه} أي: أهل سبأ ومَن دان دينهم، {إِلا فريقاً من المؤمنين} قللهم بالإضافة إلى الكفار، قال تعالى: {أية : وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}تفسير : [الأعراف: 17] وفي الحديث: "حديث : ما أنتم في أهل الشرك إلا كشعرة بيضاء في جلد ثور أسود ". تفسير : {وما كان له عليهم من سلطانٍ} أي: ما كان لإبليس على مَن صدق ظنه عليهم من تسلُّط واستيلاء بالوسوسة، {إِلا لِنَعْلَم} موجوداً ما علمناه معدوماً {من يؤمنُ بالآخرةِ ممن هو منها في شكٍّ} أي: إِلا ليتعلق علمنا بذلك تعلُّقاً تنجيزيًّا، يترتب عليه الجزاء، أو: ليتميز المؤمن من الشاك، أو: ليؤمن مَن قُدّر إيمانُه، ويشك من قُدر ضلالُه. {وربك على كل شيءٍ حفيظٌ} محافظ رقيب، وفعيل ومفاعل أخوان. الإشارة: كل مَن لم يصل إلى حضرة العيان صدق عليه بعض ظن الشيطان؛ لأنه لما رأى بشرية آدم مجوفة، ظن أنه يجري معه مجرى الدم، فكل مَن لم يسد مجاريه بذكر الله، حتى يستولي الذكر على بشريته، فيصير قطعة من نور، فلا بد أن يدخل معه بعض وساوسه، ولا يزال يتسلّط على قلب ابن آدم، حتى يدخل حضرة القدس، فحينئذ يحرس منه، لقوله تعالى: {أية : إِنَّ عَبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ}تفسير : [الحجر: 42]. وعباده الحقيقيون هم الذين تحرّروا مما سواه، فلم يبقَ لهم في هذا العالم علقة، وهم المرادون بقوله تعالى: {إِلا فريقاً من المؤمنين} وما سلَّطه عليهم إلا ليتميز الخواص من العوام، فلولا ميادين النفوس، ومجاهدة إبليس، ما تحقق سير السائرين، أي: وما كان له عليهم من تسلُّط إلا لنعلم علم ظهور مَن يؤمن بالخصلة الآخرة، وهي الشهود، ممن هو منها في شك، {وربك على كل شيء حفيظ} يحفظ قلوب أوليائه من استيلاء غيره عليها. وبالله التوفيق. ولمَّا كان تسلط إبليس جُلَّة من الشرك الذي زينه لهم ردّه بقوله: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ...}

الجنابذي

تفسير : {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} الّذى اظهره عند قوله لاغوينّهم اجمعين وعند قوله لاضلّنّهم ولامنّينّهم (الآية). اعلم، انّ تنزيل هذه الآية فى اهل سبا لكن تأويلها فى منافقى امّة محمّد (ص) فانّه ورد عن ابى جعفرٍ (ع) انّه قال: لمّا اخذ رسول الله (ص) بيد علىّ (ع) يوم الغدير صرخ ابليس فى جنوده صرخةً لم يبق منهم احد فى برٍّ ولا بحرٍ الاّ اتاه فقالوا: يا سيّدنا ومولينا، ماذا دهاك؟ فما سمعنا لك صرخةً اوحش من صرختك هذه؟- فقال لهم: فعل هذا النّبىّ فعلاً ان تمّ لم يعص الله ابداً، فقالوا: يا سيّدنا ان كنت لآدم، فلمّا قال المنافقون ينطق عن الهوى، وقال احدهما لصاحبه: اما ترى عينيه تدوران فى رأسه كأنّه مجنون، يعنون رسول الله (ص) صرخ ابليس صرخةً بطربٍ فجمع اولياءه فقال: اما علمتم انّى كنت لآدم من قبل؟- قالوا، نعم، قال: نعم نقض العهد ولم يكفر بالرّبّ وهؤلاء نقضوا العهد وكفروا بالرّسول (ص)، فلمّا قبض رسول الله (ص) واقام النّاس غير علىٍّ (ع) لبس تاج الملك ونصب منبراً وقعد فى الزّينة وجمع خيله ورجله ثمّ قال لهم: اطربوا لا يطاع الله حتّى يقام امام، وتلا ابو جعفر (ع): ولقد صدّق عليهم ابليس ظنّه (الى آخر الحديث) وبهذا المضمون مع اختلاف فى اللّفظ اخبار كثيرة {فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ} دفع لما يتوهّم من استقلال ابليس فى تصرّفه كما توهّمته الابليسيّة والثّنويّة يعنى انّ سلطانه عليهم ليس الاّ باذننا وتسليطنا على من شئنا تسليطه عليه وليس هذا التّسليط {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} اى ليظهر علمنا او ليظهر متعلّق علمنا {مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ} او لنعلم فى مقام المعلوم من يؤمن بالآخرة متميّزاً ممّن هو منها فى شكٍّ {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ} دفع لما توهّم من قوله لنعلم من حصول العلم له بعدما لم يكن يعنى لا حاجة لربّك الى هذا الامتحان فانّه على كلّ شيءٍ حفيظ فيعلم كلّ شيءٍ بجميع صفاته وآثاره فتسليط الشّيطان ليس الاّ لظهور معلومه عليكم.

الهواري

تفسير : قوله: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} يعني جميع المشركين {فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} وذلك أنه كان يطيف بجسد آدم قبل أن ينفخ فيه الروح، فلما رآه أجوف عرف أنه لا يتمالك، ثم وسوس بعد لآدم فأكل من الشجرة، فقال في نفسه: إن نسل هذا سيكونون مثله في الضعف فلذلك قال: (أية : لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً)تفسير : [الإِسراء: 62]. وقال: (أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) تفسير : [سورة ص: 82] وقال: (أية : وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) تفسير : [الأعراف: 17]، وأشباه ذلك. وبعضهم يقول: إن إبليس قال: خلقت من نار وخلق آدم من طين، والنار تأكل الطين، فلذلك ظن أنه سيضل عامتهم. وكان الحسن يقرأ هذا الحرف: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} يقول: لقد صدّق عليهم ظنّ إبليس، فيها تقديم، ثم قال: ظَنٌّ ظَنَّهُ، ولم يقل ذلك بعلم، يقول: فصدَّق ظنَّه فيهم. ومجاهد يقرأها: {وَلَقَدْ صُدِّقَ عَلَيْهِم إبليسُ ظَنُّه}. يقول: صُدِّقَ إِبْلِيس ظنُّه فيهم حيث جاء أمرهم على ما ظنَّ. قال: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ} كقوله: {أية : فَإِنَّكُمْ}تفسير : يا بني إبليس {أية : وَمَا تَعْبُدُونَ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ}تفسير : أي: ليس له عليكم سلطان (أية : إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ) تفسير : [الصافات: 161-163]. أي: لستم بمضلي أحد إلا من هو صال الجحيم. قال: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالأَخِرَةِ} وهذا علم الفَعال. {مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا} أي: من الآخرة {فِي شَكٍّ} منها. وإنما جحد المشركون الآخرة ظناً منهم، وذلك منهم على الشك. قال: {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ} أي: حتى يجازيهم في الآخرة. قوله: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللهِ} يعني أوثانهم، أي: زعمتم أنهم آلهة {لاَ يَمْلِكُونَ} أي: لا تملك تلك الآلهة {مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} أي: وزن ذرة {فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا} أي: في السموات و الأرض {مِن شِرْكٍ} {وَمَا لَهُ} أي: لله {مِنْهُم} أي: من أوثانهم {مِّن ظَهِيرٍ} أي: من عوين.

اطفيش

تفسير : {ولقد صدَّق عليهم} على اهل سبا وعلى الناس. {إبليس ظنه} منصوب على نزع الخافض اي في ظنه وبظنه قيل وظنه فعل ماض ومفعول نعت لمحذوف اي بظن ظنه ويرده انه انما يحذف المنعوت بجملة ان كان بعض مجرور بمن ويجوز ان يكون مفعولا به لصدق كما مر في صدق وعده ونحوه، وكما يأتي وشدد الكوفيون الدال فيكون ظنه مفعولا به اي حقو ظنه او وجده صادفا وقرى بالتشديد ورفع الظن ونصب ابليس اي وجده ظنه صادقا او جعله صادقا اذ لم يخالف مما في نفس الامر وبالتخفيف ورفع الظن ونصب ابليس أي قاله ظنه الصدق واخبره به وبالتخفيف ورفعها على ابدال الظن من ابليس بدل استعمال وذلك ان ابليس لعنه الله ظن فيهم ظنا اذ قال: {أية : ولا تجد أكثرهم شاكرين}. تفسير : وقال لأغوينهم اجمعين وغير ذلك وجد ادم ضعيف العزم قد أصغى إلى وسوسته وراءه قبل ذلك اذ كان ممدودا بلا روح اجوف فعرف انه لا يتبالك فقال ان ذريته اضعف منه فظن بها اتباعه وقال لأضلنهم ولأغوينهم وظن ذلك عند اخبار الملائكة انه يجعل فيها من يفسد فيها او لعلمه انه تركب فيهم الشهوة والغضب او صدق ظنه على اهل سبأ لما رأى من انهاكهم في الشهوات. {فاتبعوه الا فريقا} نكره للتقليل. {من المؤمنين} من بيانية اي فريقا هم المؤمنون وقيل المؤمنون المقرون فمن للتبعيض والفريق من اتبع العمل الاقرار وعلى ان هاء عليهم لكفار سبأ وكذا واو اتبعوه يكون الاستثناء منقطعا اي لكن مؤمنوهم لم يتبعوه.

اطفيش

تفسير : {وَلَقَد صَدَّق عليْهِم إبْليس ظنَّه} على سبأ أو على بنى أدم: أى حق عليهم ظنه، أو وجدوه صادقاً، أو فى ظنه، أو أصاب ظنه، وليس على يقين من اهلاك الناس حين قال: "أية : لأغوينَّهم"تفسير : [ص: 82] بل على ظن، ثم كلما أهلك أحدا صدَّق ظنه، ومنشأ ظنه فى سبأ وبنى آدم أنهما كهم فى الشهوات، أو فى بنى آدم قياسهم على أبيهم، إذ أثر فيه، وسواسه قياسا للفرع على الأصل، والولد على الوالد، ومنشأه ما فيهم من الشهوة والغضب، أو قول الملائكة: "أية : أتجعل فيها"تفسير : [البقرة: 30] إلخ أو ما رأى من نفسه من المعصية، ظن أنه كما عصى يعصون، أو كل ذلك، والمفعول الثانى محذوف أى ظنه أنهم يعصون. {فاتَّبعُوه إلاَّ فَريقاً مِن المُؤمنِين} من للبيان، أى إلا فريقا هم المؤمنون، والتقليل بلفظ فريق لقلة المؤمنين بالنسبة للكفار، وهذا مما يقوى أن هاء عليهم لبنى آدم أو لقلتهم بالذات، على أن الهاء لسبأ على فرض أن فيهم من آمن، فمن للتبعيض كما إذا قلنا: فريقا من فرق المؤمنين مطلقا، أو هم المخلصون.

الالوسي

تفسير : {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } أي حقق عليهم ظنه أو وجد ظنه صادقاً، والظاهر أن ضمير {عَلَيْهِمْ } عائد على سبأ، ومنشأ ظنه رؤية انهماكهم في الشهوات، وقيل: هو لبني آدم ومنشأ ظنه أنه شاهد أباهم آدم عليه السلام وهو هو قد أصغى إلى وسوسته / فقاس الفرع على الأصل والولد على الوالد، وقيل: إنه أدرك ما ركب فيهم من الشهوة والغضب وهما منشئان للشرور، وقيل: إن ذاك كان ناشئاً من سماع قول الملائكة عليهم السلام {أية : أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَاء }تفسير : [البقرة: 30] يوم قال سبحانه لهم: {أية : إِنّي جَاعِلٌ فِى ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً }تفسير : [البقرة: 30] ويمكن أن يكون منشأ ذلك ما هو عليه من السوء كما قيل:شعر : إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدق ما يعتاده من توهم تفسير : وجوز أن يكون كل ما ذكر منشأ لظنه في سبأ، والكلام على الوجه الأول في الضمير على ما قال الطيبـي تتمة لسابقه إما حالاً أو عطفاً، وعلى الثاني هو كالتذييل تأكيداً له. وقرأ البصريون {صَدَقَ } بالتخفيف فنصب {ظَنَّهُ } على إسقاط حرف الجر والأصل صدق في ظنه أي وجد ظنه مصيباً في الواقع فصدق حينئذٍ بمعنى أصاب مجازاً. وقيل هو منصوب على أنه مصدر لفعل مقدر أي يظن ظنه كفعلته جهدك أي تجهد جهدك، والجملة في موقع الحال و {صَدَقَ } مفسر بما مر، ويجوز أن يكون منصوباً على أنه مفعول به والفعل متعد إليه بنفسه لأن الصدق أصله في الأقوال والقول مما يتعدى إلى المفعول به بنفسه، والمعنى حقق ظنه كما في الحديث «صدق وعده ونصر عبده» وقوله تعالى: {أية : رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَـٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيْهِ }تفسير : [الأحزاب: 23]. وقرأ زيد بن علي وجعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهم والزهري وأبو الجهجاه الأعرابـي من فصحاء العرب وبلال بن أبـي برزة بنصب {إبليس} ورفع {ظنه} كذا في «البحر» والظان ذلك مع قراءة {صدق } بالتشديد أي وجده ظنه صادقاً لكن ذكر ابن جني أن الزهري كان يقرأ ذلك مع تخفيف {صدق} أي قال له الصدق حين خيل له إغواؤهم. وقرأ عبد الوارث عن أبـي عمرو {إبليس ظنه} برفعهما بجعل الثاني بدل اشتمال، وأبهم الزمخشري القارىء بذلك فقال قرىء بالتخفيف ورفعهما على معنى صدق عليهم ظن إبليس، ولو قرىء بالتشديد مع رفعهما لكان على المبالغة في {صدق} كقوله:شعر : فدت نفسي وما ملكت يميني فوارس صدقت فيهم ظنوني تفسير : وهو ظاهر في أنه لم يقرأ أحد بذلك والله تعالى أعلم، وعلى جميع القراءات {عَلَيْهِمْ } متعلق بالفعل السابق وليس متعلقاً بالظن على شيء منها. {فَٱتَّبَعُوهُ } أي سبأ وقيل بنو آدم {إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } أي إلا فريقاً هم المؤمنون لم يتبعوه على أن (من) بيانية، وتقليلهم إما لقلتهم في حد ذاتهم أو لقلتهم بالإضافة إلى الكفار، وهذا متعين على القول برجوع الضمير إلى بني آدم؛ وكأني بك تختار كون القلة في حد ذاتهم على القول برجوع الضمير إلى سبأ لعدم شيوع كثرة المؤمنين في حد ذاتهم منهم أو إلا فريقاً من فرق المؤمنين لم يتبعوه وهم المخلصون فمن تبعيضية والمراد مطلق الاتباع الذي هو أعم من الكفر.

ابن عاشور

تفسير : الأظهر أن هذا عطف على قوله: { أية : وقال الذين كفروا هل ندلُّكم على رجل }تفسير : [سبأ: 7] الآية وأن ما بينهما من الأخبار المسوقة للاعتبار كما تقدم واقع موقع الاستطراد والاعتراض فيكون ضمير {عليهم} عائداً إلى {الذين كفروا} من قوله: {وقال الذين كفروا هل نُدلكم} الخ. والذي درج عليه المفسرون أن ضمير {عليهم} عائد إلى سبأ المتحدث عنهم. ولكن لا مفرّ من أن قوله تعالى بعد ذلك: { أية : قل ادعوا الذين زعمتم من دون اللَّه } تفسير : [سبأ: 22] الآيات هو عَوْد إلى محاجة المشركين المنتقل منها بذكر قصة داود وسليمان وأهل سبا. وصلوحية الآية للمحملين ناشئة من موقعها، وهذا من بلاغة القرآن المستفادة من ترتيب مواقع الآية. فالمقصود تنبيه المؤمنين إلى مكائد الشيطان وسوء عاقبة أتباعه ليحذروه ويستيقظوا لكيده فلا يقعوا في شَرَك وسوسته. فالمعنى: أن الشيطان سوّل للمشركين أو سوّل للمُمثَّل بهم حالُ المشركين الإِشراك بالمنعم وحسَّن لهم ضد النعمة حتى تمنّوه وتوسم فيهم الانخداع له فألقى إليهم وسوسته وكرّه إليهم نصائح الصالحين منهم فَصَدق توسُّمُه فيهم أنهم يأخذون بدعوته فقبلوها وأعرضوا عن خلافها فاتبعوه. ففي قوله: {صدق عليهم إبليس ظنه} إيجاز حذف لأن صِدق الظن المفرع عنه اتَّباعهم يقتضي أنه دعاهم إلى شيء ظانّاً استجابة دعوته إياهم. وقرأ الجمهور {صدق} بتخفيف الدال فــــ{إبليس} فاعل و{ظنه} منصوب على نزع الخافض، أي في ظنه. و{عليهم} متعلق بــــ{صدق} لتضمينه معنى أوقع أو ألقى، أي أوقع عليهم ظنه فصدق فيه. والصِدق بمعنى الإِصابة في الظن لأن الإِصابة مطابقة للواقع فهي من قبيل الصدق. قال أبو الغول الطُهَوي من شعراء الحماسة: شعر : فدتْ نفسي وما ملكتْ يميني فوارسَ صُدِّقَتْ فيهم ظنوني تفسير : وقرأ عاصم وحمزة والكسائي وخلف {صدَّق} بتشديد الدال بمعنى حقّق ظنه عليهم حين انخدعوا لوسوسته فهو لمّا وسوس لهم ظن أنهم يطيعونه فجدّ في الوسوسة حتى استهواهم فحقق ظنه عليهم. وفي (على) إيماء إلى أن عمل إبليس كان من جنس التغلب والاستعلاء عليهم. وقوله: {فاتبعوه} تفريع وتعقيب على فعل {صدق عليهم إبليس ظنه} أي تحقق ظنه حين انفعلوا لفعل وسوسته فبادروا إلى العمل بما دعاهم إليه من الإِشراك والكفران. و{إلا فريقاً} استثناء من ضمير الرفع في {فاتبعوه} وهو استثناء متصل إن كان ضمير «اتبعوه» عائداً على المشركين وأما إن كان عائداً على أهل سبا فيحتمل الاتصال إن كان فيهم مؤمنين وإلا فهو استثناء منقطع، أي لم يعصه في ذلك إلا فريق من المؤمنين وهم الذين آمنوا من أهل مكة، أو الذين آمنوا من أهل سبا. فلعل فيهم طائفة مؤمنين ممن نجوا قبل إرسال سيل العرم. والفريق: الطائفة مطلقاً، واستثناؤها من ضمير الجماعة يؤذن بأنهم قليل بالنسبة للبقية، وإلا فإن الفريق يصدق بالجماعة الكثيرة كما في قوله تعالى: { أية : فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة } تفسير : [الأعراف: 30]. والتعريف في {المؤمنين} للاستغراق و{مِن} تبعيضية، أي إلا فريقاً هم بعض جماعات المؤمنين في الأزمان والبلدان. وقوله: {وما كان له عليهم من سلطان} أي ما كان للشيطان من سلطان على الذين اتبعوه. وفعل {كان} في النفي مع {مِن} التي تفيد الاستغراق في النفي يفيد انتفاء السلطان، أي المِلك والتصريف للشيطان، أي ليست له قدرة ذاتية هو مستقل بها يتصرف بها في العالم كيف يشاء لأن تلك القدرة خاصة بالله تعالى. والاستثناء في قوله: {إلا لنعلم} استثناء من علل. فيفيد أن تأثير وسوسته فيهم كان بتمكين من الله، أي لكن جعلنا الشيطان سبباً يتوجه إلى عقولهم وإرادتهم فتخامرها وسوستُه فيتأثر منها فريق وينجو منها فريق بما أودع الله في هؤلاء وهؤلاء من قوة الانفعال أو الممانعة على حسب السنن التي أودعها الله في المخلوقات. ويجوز أن يكون الاستثناء من عموم سلطان، وحذف المستثنى ودلّ عليه علته والتقدير: إلا سلطاناً لنعلم من يؤمن بالآخرة. فيدل على أنه سلطان مجعول له بجعل الله بقرينة أن تعليله مسند إلى ضمير الجلالة. وانظر ما قلناه عند قوله تعالى: { أية : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } تفسير : في سورة الحجر (42) وضُمَّه إلى ما قلناه هنا. واقتُصر من علل تمكين الشيطان من السلطان على تمييز مَن يؤمن بالآخرة ومَن لا يؤمن بها لمراعاة أحوال الذين سبقت إليهم الموعظة بأهل سَبا وهم كفار قريش لأن جحودهم الآخرة قرين للشرك ومساو له فإنهم لو آمنوا بالآخرة لآمنوا بربها وهو الرب الواحد الذي لا شريك له، وإلا فإن علل جعل الشيطان للوسوسة كثيرة مرجعها إلى تمييز الكفار من المؤمنين، والمتقين من المعرضين. وكني بـ "نعلم" عن إظهار التمييز بين الحالين لأن الظهور يلازم العلم في العرف. قال قبيصة الطائي من رجال حرب ذي قار: شعر : وأقبلت والخطيُّ يَخطِر بيننا لأعَلَم مَن جبانها من شجاعها تفسير : أراد ليتميز الجبان من الشجاع فيعلمه الناس، فإن غرضه الأهم إظهار شجاعة نفسه لثقته بها لا اختبار شجاعة أقرانه وإلا لكان متردداً في إقدامه. فالمعنى: ليظهر من يؤمن بالآخرة ويتميز عمّن هو منها في شك فيعلمه من يعلمه ويتعلق علمنا به تعلقاً جُزئياً عند حصوله يترتب عليه الجزاء فقد ذكرنا فيما تقدم أن لا محيص من اعتبار تعلق تنجيزيّ لعلم الله. ورأيت في "الرسالة الخاقانية" لعبد الحكيم السلكوتي أن بعض العلماء أثبت ذلك التعلق ولم يعين قائله. وخولف في النظم بين الصلتين فجاءت جملة {من يؤمن بالآخرة} فعلية، وجاءت جملة {هو منها في شك} اسمية لأن الإِيمان بالآخرة طارىء على كفرهم السابق ومتجدد ومتزايد آنا فآنا. فكان مقتضى الحال إيراد الفعل في صلة أصحابه. وأما شكهم في الآخرة فبخلاف ذلك هو أمر متأصل فيهم فاجتلبت لأصحابه الجملة الإسمية. وجيء بحرف الظرفية للدلالة على إحاطة الشك بنفوسهم ويتعلق قوله: {منها} بقوله: بـ«شك». وجملة {وربك على كل شيء حفيظ} تذييل. والحفيظ: الذي لا يخرج عن مقدرته ما هو في حفظه، وهو يقتضي العلم والقدرة إذ بمجموعهما تتقوم ماهية الحفظ ولذلك يُتبع الحفظ بالعلم كثيراً كقوله تعالى: { أية : إني حفيظ عليم } تفسير : [يوسف: 55]. وصيغة فعيل تدل على قوة الفعل وأفاد عموم {كل شيء} أنه لا يخرج عن علمه شيء من الكائنات فتنزل هذا التذييل منزلة الاحتراس عن غير المعنى الكنائي من قوله: {لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك}، أي ليظهر ذلك لكل أحد فتقوم الحجة لهم وعليهم.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام، على قوله تعالى عنه {أية : لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي ٱلأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [الحجر: 39] الآية، وفي سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ} تفسير : [الأعراف: 17]، وقوله: {وَلَقَدْ صَدَّقَ} قرأه عاصم، وحمزة والكسائي بتشديد الدال والباقون بالتخفيف.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 20- ولقد حقَّق إبليس ظنه عليهم، فاتبعوه إلا فريقاً قليلا من المؤمنين. 21- وما كان لإبليس عليهم من قوة يخضعهم بها، ولكن الله امتحنهم ليُظهر من يُصدق بالآخرة ممن هو منها فى شك. وربك - أيها النبى - على كل شئ رقيب قائم على كل أمر. 22- قل - أيها النبى - للمشركين: ادعو الذين ادَّعيتم باطلا أنهم شركاء من دون الله يجلبوا لكم نفعا أو يدفعوا عنكم ضراً. هم لا يجيبونكم لأنهم لا يملكون مقدار ذرة فى السموات ولا فى الأرض، وليس لهم فيهما شركة مع الله فى خلق أو ملك، وليس لله من هؤلاء الشركاء المزعومين من يُعينه على تدبير شئون خلقه. 23- ولا تنفع الشفاعة عند الله إلا للمستأهلين لمقام الشفاعة، حتى إذا كشف الفزع عن قلوبهم بالإذن لهم فى الشفاعة قال بعضهم لبعض - مستبشرين -: ماذا قال ربكم؟! فيجابون بأنه قال القول الحق بإذنه فى الشفاعة لمن ارتضى، وهو - وحده - صاحب العلو والكبرياء، ويأذن ويمنع من يشاء كما يشاء. 24- قل - أيها النبى - للمشركين: من يأتيكم برزقكم من السموات والأرض؟! قل لهم - حين لا يجيبون عناداً -: الله - وحده - هو الذى يرزقكم منهما، وإننا معشر المؤمنين أو إياكم معشر المشركين لعلى أحد الأمرين من الهدى أو الضلال الواضح. 25- قل لهم - أيها النبى -: لا تسألون عما أذنبنا ولا نسأل عن أعمالكم.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه: أي صدَقَ ظن إبليس فيهم أنه يستطيع إغواءهم. فاتبعوه: في الكفر والضلال والإِضلال. إلا فريقا منهم: أي من بني آدم وهم المؤمنون المسلمون فإنهم لم يتبعوه وخاب ظنه فيهم زاده الله خيبة إلى يوم القيامة. وما كان له عليهم من سلطان: أي ولم يكن لإِبليس من تسليط منا عليهم لا بعصا ولا سيف وإنما هو التزيين والإِغراء بالشهوات. إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك: أي لكن أذنَّا له في إغوائهم - إن استطاع - بالتزيين والإِغراء لنعلم علم ظهور من يؤمن ويعمل صالحاً ممن يكفر ويعمل سوءاً. وربك على كل شيء حفيظ: أي وربك يا محمد على كل شيء حفيظ وسيجزى الناس بما كسبوا. قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله: أي أنهم شركاء لله في ألوهيته. لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض: أي ملكاً استقلالياً لا يشاركهم الله فيه. وما لهم فيها من شرك: أي وليس لهم من شركة في السماوات ولا في الأرض. وما له منهم من ظهير: أي وليس لله تعالى من شركائكم الذين تدعونهم من معين على شيء. ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له: أي ولا تنفع الشفاعة أحداً عنده حتى يأذن هو له بها. حتى إذا فزع عن قلوبهم: أي ذهب الفزع والخوف عنهم بسماع كلم الرب تعالى. قالوا: ماذا قال ربكم؟: أي قال بعضهم لبعض استبشاراً ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق أي في الشفاعة. وهو العليُّ الكبير: العلي فوق كل شيء علوّ ذات وقهر وهو الكبير المتعالي الذي كل شيء دونه. معنى الآيات: لما ذكر تعالى ما حدث لسبأ من تقلبات وكان عامل ذلك هو تزيين الشيطان وإغواؤه أخبر تعالى عن حال الناس كل الناس فقال {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} أي فيهم لما علم ضعفهم أمام الشهوات فاستعمل تزيينها كسلاح لحربهم {فَٱتَّبَعُوهُ} فيما دعاهم إليه من الشرك والإِسراف والمعاصي {إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} وهم المؤمنون الصادقون في إيمانهم الذين أسلموا لله وجوههم وهم عباد الله الذين ليس للشيطان عليهم سبيل لإِغوائهم فإنهم لم يتبعوه. هذا ما دلت عليه الآية [20] وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَهُ} أي للشيطان {عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ} أي قوة مادية ولا معنوية من حجج وبراهين، وإنما أذن له في التحريش والوسواس والتزيين وهذا الإِذن لعلة وهي ظهور حال الناس ليعلم من يؤمن بالآخرة وما فيها من جنات ونيران، وقد حفت الجنة بالمكاره والنار بالشهوات فالمؤمنون بالآخرة يتحملون مشاق التكاليف فينهضون بها ويتجنبون الشهوات فينجون من النار ويدخلون الجنة، والذين لا يؤمنون بالآخرة لا ينهضون بواجب ولا يتجنبون حراماً فيخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة وذلك هو الخسران المبين. وقوله تعالى {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ} فهو يحصي أعمال عباده من خير وشر ويحاسبهم عليها ويجزيهم بها. وقوله تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ} أي قل يا رسولنا بعد هذا العرض والبيان الشافي الذي تقدم في هذا السياق للمشركين من قومك ما دمتم مصرين على الشرك بحجة أن شركاءكم ينفعُون ويضرون وأنهم يشفعون لكم يوم تبعثون ادعوهم غير أن الحقيقة التي يجب أن تسمعوها وتعلموها - وأنتم بعد ذلك وما ترون وتهوون - هي أن الذين تدعونهم من دون الله وجعلتموهم لله شركاء لا يملكون مثقال ذرة أي وزن ذرة في السماوات ولا في الأرض لا يملكونها استقلالا ولا يملكونها شركة مع الله المالك الحق، وهو معنى قوله تعالى {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} {وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا} أي في السماوات والأرض من شرك بمعنى شركة ولو بأدْنى نسبة. وشيء آخر وهو أن شركاءكم الذين تدعونهم ليس لله تعالى منهم من ظهير أي معين حتى لا يقال بحكم حاجة الرب إليه ندعوه فيشفع لنا عنده، وشيء آخر وهو أن الشفاعة عند الله لا تتم لأحد ولا تحصل له إلا إذا رضي الله تعالى بالشفاعة لمن أريد الشفاعة له، وبعد أن يأذن أيضا لمن أراد أن يشفع. فلم يبق إذاً أي طمع في شفاعة آلهتكم لكم لا في الدنيا ولا في الآخرة إذاً فكيف تصح عبادتهم وهم لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا يشفعون لأحد في الدنيا ولا الآخرة. وقوله تعالى {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} إلى آخره بيان لكيفية الشفاعة يوم القيامة وهي أن الشافع المأذون له في الشفاعة عندما يسأل الله تعالى فيجيبه الرب تعالى فيصاب بخوف وفزع شديد {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} أي زال ذلك الفزع والخوف قالوا لبعضهم البعض ماذا قال ربكم؟ فيقولون مستبشرين قالوا: الحق أي أذن لنا في الشفاعة وهو العليّ الكبير أي العلي فوق خلقه بذاته وقهره وسلطانه الكبير الذي ليس كمثله شيءٌ سبحانه لا إله إلا هو ولا ربّ سواه. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان أن إبليس صدق ظنه في بني آدم وأنهم سيتبعونه ويغويهم. 2- تقرير التوحيد وأنه لا إله إلا الله ولا يستحق العبادة سواه. 3- بيان بطلان دعاء غير الله إذ المدعو كائنا من كان لا يملك مثقال ذرة في الكون لا بالاستقلال ولا بالشركة، وليس لله تعالى من ظهير أي ولا معينين يمكن التوسل بهم، وأخيراً والشفاعة لا تتم إلا بإِذنه ولمن رضي له بها. ولذلك بطل دعاء غير الله ومن دعا غير الله من ملك أو نبي أو وليَّ أو غيرهم فقد ضل الطريق وأشرك بالله في أعظم عبادة وهي الدعاء، والعياذ بالله تعالى.

د. أسعد حومد

تفسير : (20) - وَلَقَدْ ظَنَّ إِبلِيسُ أَنَّ هؤُلاءِ الذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيِهِمْ قَدْ يَتْبَعُونَهُ، وَأَنَّهُ قَدْ يَستَطِيعُ غوَايَتَهُمْ وإِضْلاَلَهُمْ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الكُفْرِ وَالبَطَر، فَأَطَاعُوهُ وَعَصْوا رَبَّهُمْ فَدَمَّرَهُمْ، فَصَدَق ظَنُّ إِبليسَ فِيهِمْ. وَلَمْ يَشُذَّ مِنْهُمْ عَنْ إِطَاعَةِ إِبليسَ إِلاّ فِئَةٌ قَلِيلَةٌ مُؤْمِنَةٌ ثَبَتَتْ عَلَى الإِيمَانِ. صَدَّقَ عَلَيهِمْ - حَقَّقَ عَلَيهِمْ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى: {وَلَقَدْ ..} [سبأ: 20] توكيد باللام مرة وبقد أخرى {صَدَّقَ ..} [سبأ: 20] حقق وأكد {عَلَيْهِمْ ..} [سبأ: 20] على أهل سبأ وأمثالهم ممَّن اتبعوه {إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ..} [سبأ: 20] ما ظَنُّ إبليس؟ ظنُّه أن شهوات البشر ستُمكِّنه من إغوائهم، ونحن نعلم قصته لمَّا أمره الله بالسجود لآدم فأَبَى وقال مهدداً: {أية : بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الأعراف: 16] وقال: {أية : فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} تفسير : [ص: 82] وكان لا يزال فيه بقية من حياء، فقال: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [الحجر: 40]. فظنُّ إبليس أنه قال: لقد أغويتُ أباهم وقدرْتُ عليه حين أغويته، فأكل من الشجرة مع أنه كان أول الخَلْق وأقواهم، وقد كلَّفه الله مباشرة وكلَّفه بشيء واحد، وهو أنْ يأكل من كل ثمار الجنة، عدا هذه الشجرة، ومع ذلك قدرْتُ عليه. إذن: فأنا أقدر على ذريته؛ لأنهم أقلُّ منه قوةً، وقد كلَّفهم الله تكليفاً غير مباشر، وكلَّفهم بتكاليف متعددة، فأنا أقدر عليهم من قدرتي على أبيهم. وهذا الظن من إبليس ليس عِلْماً للغيب، إنما هو قياس قاس ذرية آدم على أبيهم، فإذا كان آدم هو المخلوق الأول الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته وكلَّفه مباشرة ولم يُكلِّفه إلا بأمر واحد، ومع ذلك قدرْت عليه فأنا على ذريته أقدر، هذا قياس لم يصل إليه إبليس ولايةً ولا كرامةً؛ لذلك سماه ظناً. فلما قدر إبليس على ذرية آدم وأغواهم بالفعل قال: ظني جاء في محله؛ لأنهم بالفعل اتبعوه {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَٱتَّبَعُوهُ ..} [سبأ: 20] ثم يأتي هذا الاستثناء {إِلاَّ فَرِيقاً مِّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ} [سبأ: 20] فجاء هذا الاستثناء مطابقاً للاستثناء الأول {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [الحجر: 40]. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : ثم أخبر عن حال الشيطان مع الإنسان بقوله: {وَلَقَدْ صَدَّقَ} [سبأ: 20] حديثاً عليهم {إِبْلِيسُ} [سبأ: 20] عليهم ظنه يشير إلى أن إبليس لم يكن متيقناً أنه يقدر على الإغواء والإضلال بل كان ظاناً بنفسه أنه يقدر على إغواء من لم يطع الله ورسوله، ولما زين لهم الكفر والمعاصي على وفق هواهم، وتابعوه بذلك صدق عليهم ظنه غير مستقل في التسلط عليهم بل بتلسيط الله إياه عليهم. كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ} [سبأ: 21] أي: ما سلطناه عليهم إلا لنميز {مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ} [سبأ: 21] أي: نظهر ونبين من هو مؤمن ممن هو منها أي: من الآخرة {فِي شَكٍّ} [سبأ: 21] ولا يظنن ظان بالله ظن السوء إن الله جل جلاله لم يكن عالماً بأهل الكفر وأهل الإيمان، وإنما سلط عليهم إبليس ليعلم به المؤمن من الكافر، فإن الله تعالى بكمال قدرته وحكمة خلق أهل الكفر مستعداً للكفر وخلق أهل الإيمان مستعداً للإيمان، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلاً، وخلق النار وخلق لها أهلها ". {أية : وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ ٱلْجِنِّ وَٱلإِنْسِ}تفسير : [الأعراف: 179] فالله تعالى كان عالماً بحال الفريقين قبل خلقهم، وهو الذي خلقهم على ما هم به، ولهذا قال: {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ} [سبأ: 21] أي: هو الذي يحفظ كل شيء على ما هو به وقال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعث الشيطان مزيناً وليس إليه في الضلالة شيء وإنما سلطه على بني آدم لاستخراج جواهرهم عن معادنهم الإنسانية" تفسير : كما تسلط النار على المعادن لتخليص جوهرها فإن كان الجوهر ذهباً فيخرج من الخلاص الذهب وإن كان الجوهر نُحاساً فيخرج النحاس، فلا تقدر النار أن يخرج من معدن النحاس الذهب ولا من معدن الذهب النحاس، وإنما سلط الشيطان على بني آدم؛ لأنهم معادن الذهب والفضة وهو ناري ليستخرج جواهرهم من معادنهم بنفخة الوسواس فلايقدر أن يخرج من كل معدن إلا ما هو جوهره. وبقوله: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ} [سبأ: 22] يشير إلى الهوى والدنيا والشيطان فإن النفوس الحيوانية يعبدون هذه الأشياء ويتخذونها آلهة لاحتياجهم بها {لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [سبأ: 22] سماوات القلوب {وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} [سبأ: 22] أرض النفوس من سعادة ولا شقاوة، وما لهم فيهما من شرك أي: شركة في إصلاح القلوب والنفوس وإفسادها، فإن القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء وما له أي: {وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ} [سبأ: 22] أي: معاونة في الإصلاح والإفساد وإن كانوا وسائط لهذا المعنى؛ لأنهم كالمال للصانع، فالصانع واحد والآلات والأدوات كثيرة. وبقوله: {وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ: 23] يشير إلى أنه تعالى منفرد بملكه متوحد في الهيئة متقدس عن الأضداد والأنداد، وإن الملائكة في السماء بوصف الهيبة فزعون لا يتجاسرون بشفاعة أحد إلا بإذنه، وإنهم مع رفعة قدرهم وعزة قوتهم إذ أوحى الله بشيء وسمعوا كلامه من سطوة كلامه يفزعون ومن عظمة كلامه لا يفهمون {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} [سبأ: 23] يعني: يسأل بعضهم عن بعض قالوا الحق يعني ما فهموا من الهيبة كلامه ولكن يعلمون أنه يقول الحق ولا يقول الباطل {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} [سبأ: 23] أي: علي الشأن وكبير السلطان في ذاته وصفاته وأفعاله. {قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [سبأ: 24] سماوات القلوب {وَٱلأَرْضِ} [سبأ: 24] أرض النفوس {قُلِ ٱللَّهُ} [سبأ: 24] يشير إلى أن ماء الفيض إذا نزل من سماء القلب وضياء شمس الروح إذا سطع من سماء القلب على أرض النفس، وفيها بذر المعاملات الشرعية مزروع فمن الذي يرزق من ثمراتها إلا الله؛ لأن ماء الفيض وضياء شمس الروح على أرض النفس المزروعة ببذر أعمال الشريعة لا يثمر إلا بهبوب ريح العناية عليه {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى} [سبأ: 24] بالإيمان بهذه الحقيقة أو هاهنا بمعنى الواو يعني أنا وإياكم لعلى هدى إذ نؤمن بهذا {أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 24] إن لم يؤمن بهذا.

همام الصنعاني

تفسير : 2391- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ}: [الآية: 20]، قال: والله ما كان إلا ظنّاً ظنَّهُ، فنزل الناسُ عِنْدَ ظَنِّه. 2417- حدّثنا عبد الرزاق، قال معمر، قال قائل - لا أحسبه إلا الكلبي -: إِنَّ إ بليس حين أَزَلَّ آدم ظن أن ذرّيته ستكمون أضعف منه، فذلك قوله تعالى: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ}: [الآية: 20]. 2418- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر وتَلاَ الحسن: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ}: [الآية: 20]، فقال: والله ما ضربهم بِعَصَا، ولا أكرههم عَلَى شيء، وَمَا كَانَ إلاَّ غروراً وأماني، دعاهم إلَيْهَا فأَجابوه.