Verse. 3627 (AR)

٣٤ - سَبَأ

34 - Saba (AR)

وَمَا كَانَ لَہٗ عَلَيْہِمْ مِّنْ سُلْطٰنٍ اِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُّؤْمِنُ بِالْاٰخِرَۃِ مِمَّنْ ہُوَمِنْہَا فِيْ شَكٍّ۝۰ۭ وَرَبُّكَ عَلٰي كُلِّ شَيْءٍ حَفِيْظٌ۝۲۱ۧ
Wama kana lahu AAalayhim min sultanin illa linaAAlama man yuminu bialakhirati mimman huwa minha fee shakkin warabbuka AAala kulli shayin hafeethun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وما كان له عليهم من سلطان» تسليط «إلا لنعلم» علم ظهور «من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك» فنجازي كلا منهما «وربك على شيء حفيظ» رقيب.

21

Tafseer

الرازي

تفسير : قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: { أية : فَلَيَعْلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ ٱلْكَـٰذِبِينَ } تفسير : [العنكبوت: 3] أن علم الله من الأزل إلى الأبد محيط بكل معلوم وعلمه لا يتغير وهو في كونه عالماً لا يتغير ولكن يتغير تعلق علمه، فإن العلم صفة كاشفة يظهر بها كل ما في نفس الأمر فعلم الله في الأزل أن العالم سيوجد، فإذا وجد علمه موجوداً بذلك العلم، وإذا عدم يعلمه معدوماً بذلك، مثاله: أن المرآة المصقولة فيها الصفاء فيظهر فيها صورة زيد إن قابلها، ثم إذا قابلها عمرو يظهر فيها صورته، والمرآة لم تتغير في ذاتها ولا تبدلت في صفاتها، إنما التغير في الخارجات فكذلك ههنا قوله: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ } أي ليقع في العلم صدور الكفر من الكافر والإيمان من المؤمن وكان قبله فيه أنه سيكفر زيد ويؤمن عمرو. وقوله: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَـٰنٍ } إشارة إلى أنه ليس بملجىء وإنما هو آية، وعلامة خلقها الله لتبيين ما هو في علمه السابق، وقوله: {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ } يحقق ذلك أي الله تعالى قادر على منع إبليس عنهم عالم بما سيقع، فالحفظ يدخل في مفهومه العلم والقدرة، إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه حفظه ولا العاجز.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ} أي لم يَقْهَرهم إبليس على الكفر، وإنما كان منه الدعاء والتزيين. والسلطان: القوّة. وقيل الحجة، أي لم تكن له حجة يستتبعهم بها، وإنما اتبعوه بشهوة وتقليد وهوى نفس؛ لا عن حجة ودليل. {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ} يريد علم الشهادة الذي يقع به الثواب والعقاب، فأما الغيب فقد علمه تبارك وتعالى. ومذهب الفرّاء أن يكون المعنى: إلا لنعلم ذلك عندكم؛ كما قال: {أية : أَيْنَ شُرَكَآئِيَ}تفسير : [النحل: 27] على قولكم وعندكم، وليس قوله: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} جوابَ {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ} في ظاهره إنما هو محمول على المعنى؛ أي وما جعلنا له سلطاناً إلا لنعلم، فالاستثناء منقطع، أي لا سلطان له عليهم ولكنا ابتليناهم بوسوسته لنعلم، فـ«ـإلا» بمعنى لكن. وقيل هو متصل، أي ما كان له عليهم من سلطان، غير أنّا سلّطناه عليهم ليتم الابتلاء. وقيل: «كَانَ» زائدة؛ أي وما له عليهم من سلطان، كقوله: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ}تفسير : [آل عمران: 110] أي أنتم خير أمّة. وقيل: لما اتصل طرف منه بقصة سبأ قال: وما كان لإبليس على أولئك الكفار من سلطان. وقيل: وما كان له في قضائنا السابق سلطان عليهم. وقيل: «إِلاَّ لِنَعْلَمَ» إلا لنظهر، وهو كما تقول: النار تحرق الحطب، فيقول آخر لا بل الحطب يحرق النار؛ فيقول الأول تعال حتى نجرّب النار والحطب لنعلم أيهما يحرق صاحبه، أي لنظهر ذلك وإن كان معلوماً لهم ذلك. وقيل: إلا لتعلموا أنتم. وقيل: أي ليعلم أولياؤنا والملائكة؛ كقوله: {أية : إِنَّمَا جَزَآءُ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ}تفسير : [المائدة: 33] أي يحاربون أولياء الله ورسوله. وقيل: أي ليميز؛ كقوله: {أية : لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ}تفسير : [الأنفال: 37] وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» وغيرها. وقرأ الزهري: «إِلاّ لِيُعْلَمَ» على ما لم يسم فاعله. {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ} أي أنه عالم بكل شيء. وقيل: يحفظ كل شيء على العبد حتى يجازيه عليه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَٰنٍ } تسليط منا {إِلاَّ لِنَعْلَمَ } علم ظهور {مَن يُؤْمِنُ بِٱلأَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكٍّ } فنجازي كلاًّ منهما {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ حَفُيظٌ } رقيب.

البقاعي

تفسير : ولما كان ذلك ربما أوهم أن لإبليس أمراً بنفسه، نفاه بقوله: {وما} أي والحال أنه ما {كان} أصلاً {له عليهم} أي الذين اتبعوه ولا غيرهم، وأعرق فيما هو الحق من النفي بقوله: {من سلطان} أي تسلط قاهر لشيء من الأشياء بوجه لأنه مثلهم في كونه عبداً عاجزاً مقهوراً، ذليلاً خائفاً مدحوراً، قال القشيري: هو مسلط، ولو أمكنه أن يضل غيره أمكنه أن يمسك على الهداية نفسه {إلا} أي لكن نحن سلطناه عليهم بسلطاننا وملكناه قيادهم بقهرنا؛ وعبر عن التمييز الذي هو سبب العلم بالعلم فقال: {لنعلم} أي بما لنا من العظمة {من يؤمن} أي يوجد الإيمان لله {بالآخرة} أي ليتعلق علمنا بذلك في عالم الشهادة في حال تميزه تعلقاً تقوم به الحجة في مجاري عادات البشر كما كان متعلقاً به في عالم الغيب {ممن هو منها} أي من الآخرة {في شك} فهو لا يتجدد له بها إيمان أصلاً، لأن الشك ظرف له محيط به، وإنما استعار "إلا" موضع "لكن" إشارة إلى أنه مكنه تمكيناً تاماً صار به كمن له سلطان حقيقي. ولما كان هذا ربما أوقع في وهم نقصاً في العلم أو في القدرة، قال مشيراً إلى أنه سبحانه يسره صلى الله عليه وسلم بتكثير هذا الفريق المخلص وجعل أكثره من أمته فقال: {وربك} أي المحسن إليك بإخزاء الشيطان بنبوتك وإخسائه عن أمتك {على كل شيء} من المكلفين وغيرهم {حفيظ *} أي حافظ أتم حفظ محيط به مدبر له على وجه العلو بعلمه الكامل وقدرته الشاملة، فلا يفعل الشيطان ولا غيره شيئاً إلا بعلمه وإذنه. ولما أثبت سبحانه لنفسه ولذاته الأقدس من الملك في السماوات والأرض وغيرهما ما رأيت، واستدل عليه من الأدلة التي لا يمكن التصويب إليها بطعن بما سمعت، وكان المقصود الأعظم التوحيد فإنه أصل ينبني عليه كل خير قال: {قل} أي يا أعلم الخلق! بإقامة الأدلة لهؤلاء الذين أشركوا ما لا يشك في حقارته من له أدنى مسكة: {ادعوا الذين زعمتم} أي أنهم آلهة كما تدعون الله لا سيما في وقت الشدائد، وحذف مفعولي "زعم" وهما ضميرهم وتألههم تنبيهاً على استهجان ذلك واستبشاعه، وليس المذكور في الآية مفعولاً ولا قائماً مقام المفعول لفساد المعنى؛ وبين حقارتهم بقوله: {من دون الله} أي الذي حاز جميع العظمة لشيء مما أثبته سبحانه لنفسه فليفعلوا شيئاً مثله أو يبطلو شيئاً مما فعله سبحانه. ولما كان جوابهم في ذلك السكوت عجزاً وحيرة، تولى سبحانه الجواب عنهم، إشارة إلى أن جواب كل من له تأمل لا وقفة فيه بقوله، معبراً عنهم بعبارة من له علم بإقامتهم في ذلك المقام، أو لأن بعض من ادعيت إلهيته ممن له علم: {لا يمكلون} أي الآن ولا يتجدد لهم شيء من ذلك أصلاً. ولما كان المراد المبالغة في الحقارة بما تعرف العرب قال: {مثقال ذرة} ولما أريد العموم عبر بقوله: {في السماوات} وأكد فقال: {ولا في الأرض} لأن السماء ما علا، والأرض ما سفل، والسماوات في العرش، والأرض في السماء، فاستغرق ذلك النفي عنهما وعن كل ما فيهما من ذات ومعنى إلى العرش، وهو ذو العرش العظيم. ولما كان هذا ظاهراً في نفي الملك الخالص عن شوب المشاركة، نفى المشاركة أيضاً بقوله مؤكداً تكذيباً لهم فيما يدعونه: {وما لهم فيهما} أي السماوات والأرض ولا فيما فيهما، وأعرق في النفي فقال: {من شرك} أي في خلق ولا مُلك ولا مِلك، وأكد النفي بإثبات الجار. ولما كان مما في السماوات والأرض نفوس هذه الأصنام, وقد انتفى ملكهم لشيء من أنفسهم أو ما أسكن فيها سبحانه من قوة أو منفعة، فانتفى أن يقدروا على إعانة غيرهم، وكان للتصريح مزيد روعة للنفوس وهزة للقلوب وقطع للأطماع، حتى لا يكون هناك متشبت قويّ ولا واهٍ قال: {وما له} أي الله {منهم} وأكد النفي بإثبات الجار فقال: {من ظهير *} أي معين على شيء مما يريده، فكيف يصح مع هذا العجز الكلي أن يدعوا كما يدعى ويرجوا كما يرجى ويعبدوا كما يعبد. ولما كان قد بقي من أقسام النفع الشفاعة، وكان المقصود منها أثرها لا عينها، نفاه بقوله: {ولا تنفع} أي في أيّ وقت من الأوقات {الشفاعة عنده} أي بوجه من الوجوه بشيء من الأشياء {إلا لمن} ولما كانت كثافة الحجاب أعظم في الهيبة، وكان البناء للمجهول أدل على كثافة الحجاب، قال في قراءة أبي عمرو وحمزة والكسائي بجعل المصدر عمدة الكلام وإسناد الفعل إليه: {أذن له} أي وقع منه إذن له على لسان من شاء من جنوده بواسطة واحدة أو أكثر في أن يشفع في غيره أو في أن يشفع فيه غيره، وقراءة الباقين بالبناء للفاعل تدل على العظمة من وجه آخر، وهو أنه لا افتيات عليه بوجه من أحد ما، بل لا أن ينص هو سبحانه على الإذن، وإلا فلا استطاعة عليه أصلاً. ولما كان من المعلوم أن الموقوفين في محل خطر للعرض على ملك مرهوب متى نودي باسم أحد منهم فقيل أين فلان ينخلع قلبه وربما أغمي عليه، فلذلك كان من المعلوم مما مضى أنه متى برز النداء من قبله تعالى في ذلك المقام الذي ترى فيه كل أمة جاثية يغشى على الشافعين والمشفوع لهم، فلذلك حسن كل الحسن قوله تعالى: {حتّى} وهو غاية لنحو أن يقال: فإذا أذن له وقع الصعق لجلاله وكبريائه وكماله حتى {إذا فزع} أي أزيل الفزع بأيسر أمر وأهون سعي من أمره سبحانه - هذا في قراءة الجماعة بالبناء للمجهول، وأزال هو سبحانه الفزع في قراءة ابن عامر ويعقوب، إشارة إلى أنه لا يخرج عن أمره شيء {عن قلوبهم} أي الشافعين والمشفوع لهم، فإن "فعّل" يأتي للإزالة كقذّيت عينه - إذا أزلت عنها القذى {قالوا} أي قال بعضهم لبعض: {ماذا قال ربكم} ذاكرين صفة الإحسان ليرجع إليهم رجاؤهم فتسكن لذلك قلوبهم. ولما كان ملوك الدنيا ربما قال بعضهم قولاً ثم بدا له فرجع عنه، أو عارضه فيه شخص من أعيان جنده فينتقض، أخبر أن الملك الديان ليس كذلك فقال: {قالوا الحق} أي الثابت الذي لا يمكن أن يبدل، بل يطابقه الواقع فلا يكون شيء يخالفه {وهو العلي} أي فلا رتبة إلا دون رتبته سبحانه وتعالى، فلا يقول غير الحق من نقص علم {الكبير *} أي الذي لا كبير غيره فيعارضه في شيء من حكم؛ روى البخاري في التفسير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان {فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا} - للذي قال - {الحق وهو العلي الكبير} فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض - ووصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه - فيسمع الكلمة ويلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء" تفسير : . وقال في التوحيد: وقال مسروق عن ابن مسعود رضي الله عنهما: "حديث : وإذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات فإذا فزع عن قلوبهم وسكن الصوت عرفوا أنه الحق ونادوا ماذا قال ربكم قالوا الحق"تفسير : . وروى هذا الحديث العيني في جزئه عن ابن عباس رضي الله عنهما موقوفاً عليه, قال: كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يسمعون فيه الوحي، وفيه: فلا ينزل على سماء إلا صفقوا، وفي آخره: ثم يقال: يكون العام كذا ويكون العام كذا، فتسمع الجن ذلك فتخبر به الكهنة الناس فيجدونه كما قالوا، فلما بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم دحروا، فقالت العرب: هلك من في السماء، فذكر ذبح العرب لأموالهم من الإبل وغيرها، حتى نهتهم ثقيف، واستدلوا بثبات معلم النجوم، ثم أمر إبليس جنده بإحضار التراب وشمه حتى عرف أن الحدث من مكة.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما كان له} اى لا بليس {عليهم من سلطان} السلطان القهر والغلبة ومنه السلطان لمن له ذلك اى تسلط واستيلاء بالوسوسة والاستغواء والا فهو ماسل سيفا ولا ضرب بعصا {الا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها فى شك} استثناء مفرغ من اعم العلل ومن موصولة منصوبة بنعلم. والعلم ادراك الشئ بحقيقته والعالم فى وصف الله تعالى هو الذى لا يخفى عليه شئ والشك اعتدال النقيضين عند الانسان وتساويهما وفى نظم الصلة الاولى بالفعلية دلالة على الحدوث كما ان فى نظم الثانية بالاسمية اشعارا بالدوام وفى مقابلة الايمان بالشك ايذان بان ادنى مرتبة الكفر يوقع فى الورطة وجعل الشك محيطا وتقديم صلته والعدول الى كلمة من مع انه يتعدى بفى للمبالغة والاشعار بشدته وانه لا يرجى زواله فانه اذا كان منشأ الشك متعلقه لا امرا غيره كيف يزول وان من كان حاله على خلاف هذا يكون مرجوّ الفلاح. والمعنى وما كان تسلطه عليهم الا ليتعلق علمنا بمن يؤمن بالآخرة متميزا ممن هو فى شك منها تعلقا حاليا يترتب عليه الجزاء فعلم الله قديم وتعلقه حادث اذ هو موقوف على وجود المكلف فى عالم الشهادة فلا يظن ظان بالله ظن السوء ان الله جل جلاله لم يكن عالما باهل الكفر واهل الايمان وانما سلط عليهم ابليس ليعلم به المؤمن من الكافر فان الله بكمال قدرته وحكمته خلق الكفر مستعدا للكفر وخلق اهل الايمان مستعدا للايمان كما قال عليه السلام "حديث : خلق الجنة وخلق لها اهلا وخلق النار وخلق لها اهلا" تفسير : وقال تعالى {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس} فالله تعالى كان عالما بحال الفريقين قبل خلقهم وهو الذى خلقهم على ما هم به وانما سلط الله الشيطان على بنى آدم لاستخراج جواهرهم من معادن الانسانية كما تسلط النار على المعادن لتخليص جوهرها فان كان الجوهر ذهبا فيخرج منه الذهب وان كان الجوهر نحاسا فيخرج منه النحاس فلا تقدر النار ان تخرج من معدن النحاس الذهب ولا من معدن الذهب النحاس فسلط عليهم لانهم معادن كمعادن الذهب والفضة وهو نارى يستخرج جواهرهم من معادنهم بنفخة الوساوس فلا يقدر ان يخرج من كل معدن الا ما هو جوهره شعر : درزمين كرنيشكر ورخودنى است ترجمان هرزمين بنت وى است تفسير : وقال بعضهم العلم هنا مجاز عن التمييز والمعنى الا لتميز المؤمن بالآخرة من الشاك فيها فعلل التسلط بالعلم والمراد ما يلزمه {وربك على كل شئ حفيظ} محافظة عليه بالفارسية [نكهبانست] فان فعيلا ومفاعلا صيغتان متآخيتان. وقال بعضهم هو الذى يحفظ كل شئ على ما هو به. والحفيظ من العباد من يحفظ ما امر بحفظه من الجوارح والشرائع والامانات والودائع ويحفظ دينه عن سطوة الغضب وخلابة الشهوة وخداع النفس وغرور الشيطان فانه على شفا جرف هار وقد اكتنفته هذه الملكات المفضية الى البوار. قال بعض الحكماء الالهية اسباب الحفظ الجد والمواظبة وترك المعاصى واستعمال السواك وتقليل النوم وصلاة الليل وقراءة القرآن نظراً وشرب العسل واكل الكندر مع السكر واكل احدى وعشرين زبيبة حمراء كل يوم على الريق. ومن خصاية هذا الاسم وهو الحفيظ ان من علقه عليه لو نام بين السباع ما ضرته ومن حفظ الله تعالى ما قال ذو النون رضى الله عنه وقعت ولولة فى قلبى فخرجت الى شط النيل فرأيت عقربا يعدو فتبعته فوصل الى ضفدع على الشط فركب ظهره وعبر به النيل فركبت السفينة واتبعته فنزل وعدا الى شاب نائم واذا بافعى بقربه تقصده فتواثبا وتلادغا وماتا وسلم النائم. قال ابراهيم الخواص قدس سره كنت فى طريق مكة فدخلت الى خربة بالليل واذا فيها سبع عظيم فخفت فهتف بى هاتف اثبت فان حولك سبعين الف ملك يحفظونك وهذا من لطف الله باوليائه فواحد يحفظ عليه اعماله ليجازيه وآخر يحفظه فيدفع عنه الآفات اللهم احرسنا بعينك التى لا تنام واحفظنا برأفتك التى لا ترام وارحمنا بقدرتك علينا فلا تهلك وانت ثقتنا ورجاؤنا يا ارحم الراحمين ويا اكرم الاكرمين

الطوسي

تفسير : قرأ ابو عمر وحمزة والكسائي وخلف، والاعشى والبرجي عن أبي بكر {أذن له} بضم الهمزة، الباقون بفتحها. وقرأ ابن عامر ويعقوب {فزع} بفتح الفاء والزاي. الباقون {فزع} بضم الفاء وكسر الزاي. فمن فتح الهمزة من {أذن} فمعناه أذن الله له، ومن ضمها جعله لما لم يسم فاعله، يقال: أذنت للرجل في ما يفعله اي اعلمته وأذنته أيضاً، وأذن زيد إلى عمرو، إذا استمع اليه. روي في الحديث ما أذن الله لشيء قط كأذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن. ومثل ذلك القول في فزع عن قلوبهم، ومعنى فزع. قال ابو عبيدة: فزع عن قلوبهم نفس عنها. وقال ابو الحسن: المعنى حكى عنها. وقال ابو عبيدة: معناه أذهب، وقال قوم: الذين فزع عن قلوبهم الملائكة، ويقال: فزع وفزع إذا أزيل الفزع عنها، ومثله جاء في (افعل) يقولون: أشكاه إذا أزال عنه ما يشكو منه انشد ابو زيد: شعر : تمد بالاعناق او تلويها وتشتكي لو أننا نشكيها تفسير : والمعنى فلما ان اشكيت أزالت الشكوى، كذلك فزع وفزع أزال الفزع وقال قتادة: معنى فزع عن قلوبهم خلا من قلوبهم، قال يوحي الله تعالى إلى جبرائيل فيعرف الملائكة، ويفزع عن أن يكون شيء من امر الساعة، فاذا (خلا عن قلوبهم) وعلموا أن ذلك ليس من امر الساعة {قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق} وتقديره قالوا قال الحق. فمن قرأ بفتح الفاء أسند الفعل إلى الله، ومن ضمها بنى الفعل للمفعول به، وكان الجار والمجرور في موضع رفع. وقال الحسن: فزع بمعنى كشف الفزع عن قلوبهم، وفزعت منه، والمفزع على ضربين: احدهما - من ينزل به الافزاع. الثاني - من يكشف عنه الفزع. وقوله {وفزع} له معنيان احدهما بمعنى ذعر، والثاني - ازال الفزع وقال اليربوعي: شعر : حللنا الكثيب من زرود لنفزعا تفسير : أي لنغيث. لما اخبر الله تعالى ان إبليس صدق ظنه في الكفار باجابتهم له إلى ما دعاهم اليه من المعاصي بين انه لم يكن لابليس عليهم سلطان. و (من) زائدة تدخل مع النفي نحو قولهم ما جاءني من احد. والسلطان الحجة، فبين بهذا ان الشيطان لم يقدر على اكثر من أن يغويهم ويوسوس اليهم ويزين لهم المعاصي، ويحرضهم عليها. وقوله {إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك} تقديره إنا لم نمكنه من اغوائهم ووسوستهم إلا لنميز من يقبل منهم ومن يمتنع ويأبى متابعته، فنعذب من تابعه ونثيب من خالفه، فعبر عن تمييزه بين الفريقين بالعلم، وهو التمييز مجرداً، لأنه لا يكون العذاب والثواب إلا بعد وقوع ما يستحقون به ذلك، فأما العلم، فالله تعالى عالم بأحوالهم، وما يكون منها في ما لم يزل، وقيل: إن معناه إلا لنعلم طاعاتهم موجودة او عصيانهم إن عصوا فنجازيهم بحسبها، لأنه تعالى لا يجازي احداً على ما يعلم من حاله إلا بعد ان يقع منهم ما يستحق به من ثواب او عقاب، وقيل: معناه إلا لنعامل معاملة من كأنه لا يعلم، وانما نعمل لنعلم {من يؤمن بالآخرة} أي من يصدق بها ويعترف ممن يشك فيها ويرتاب. ثم قال {وربك} يا محمد {على كل شيء حفيظ} أي رقيب عالم لا يفوته علم شيء من أحوالهم من ايمانهم وكفرهم او شكهم. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله بأن يقول لهؤلاء الكفار {ادعوا الذين زعمتم من دون الله} أنهم آلهة ومعبود، هل يستجيبون لكم؟ إلى ما تسألونهم، لأنه لا يستحق العبادة إلا من كان قادراً على إجابة من يدعوه. ثم اخبر تعالى عنها فقال {لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيها من شرك} يعني وما لله في السموات والارض شريك {وماله منهم من ظهير} أي معاون، والملك هو القدرة على ما للقادر عليه التصرف فيه، وليس لاحد منعه منه، وذلك - في الحقيقة - لا يستحق الوصف به مطلقاً إلا الله، لان كل من عداه يجوز أن يمنع على وجه. ثم اخبر تعالى فقال {ولا تنفع الشفاعة عنده} أي عند الله {إلا لمن أذن} الله {له} في الشفاعة من الملائكة والنبيين والأئمة والمؤمنين، لأنهم كانوا يقولون: نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، فحكم الله تعالى ببطلان ذلك. وقوله {حتى إذا فزع عن قلوبهم} قال ابن عباس وقتادة: حتى إذا خلي عن قلوبهم الفزع، كقولك رغب عنه أي رفعت الرغبة عنه فلا يرغب، بخلاف رغب فيه، ففي أحد الأمرين وضع وفي الآخر رفع. وقيل: هم الملائكة يلحقهم غشى عن سماع الوحي من الله بالآية العظيمة، فاذا {فزع عن قلوبهم} اي خلي عنها {قالوا ماذا قال ربكم} - ذكره ابن مسعود ومسروق وابن عباس في رواية - وقال الحسن: حتى إذا كشف عن قلوب المشركين الفزع، قالت الملائكة {ماذا قال ربكم} في الدنيا {قالوا} قال {الحق وهو العلي الكبير} اي الله تعالى المستعلي على الاشياء بقدرته، لا من علو المكان {الكبير} في اوصافه دون ذاته، لأن كبر الذات من صفات الاجسام. ثم قال له {قل} لهم {من يرزقكم من السماوات والأرض} فانهم لا يمكنهم ان يقولوا يرزقنا آلهتنا التي نعبدها فـ {قل} لهم عند ذلك الذي يرزقكم {الله} وقل {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} وقيل: إنما قال {وإنا أو إياكم} على وجه الانصاف في الحجاج دون الشك، كما يقول القائل لغيره: احدنا كاذب، وإن كان هو عالماً بالكاذب، وعلى هذا قال ابو الأسود الدؤلي يمدح اهل البيت: شعر : يقول الارذلون بنو قشير طوال الدهر ما تنسى علياً احب محمداً حبا شديداً وعباساً وحمزة والوصيا بنو عم النبي وأقربوه احب الناس كلهم اليا فان يك حبهم رشدا أصبه ولست بمخطئ ان كان غياً تفسير : ولم يقل هذا مع أنه كان شاكاً في محبتهم، وانه هدى وطاعة، وقال اكثر المفسرين: إن معناه إنا لعلى هدى وإياكم لعلى ضلال وقال ابو عبيدة (او) بمعنى الواو، كما قال الاعشى: شعر : اتغلبة الفوارس او رياحا عدلت بهم طهية والحشايا تفسير : بمعنى اتغلبة ورياحا. ثم قال {قل} لهم يا محمد {لا تسألون} معاشر الكفار {عما اجرمنا} اي عما اقترفناه من المعاصي {ولا نسأل} نحن ايضاً {عما تعملون} انتم بل كل إنسان يسأل عما يعمله، وهو يجازى على أي فعل فعله دون غيره. وتقدير قوله {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} ان يشفع له، فزع بسماعه أذنه حتى إذا فزع عن قلوبهم وخلي عنها وكشف الفزع عنهم قالوا ماذا قال ربكم قالت الملائكة قال الحق وهو العلي الكبير.

اطفيش

تفسير : {وما كان له عليهم من سلطان} تسلط بوسوسة اي مكان له ذلك. {الا لنعلم} أي ليظهر علمنا السابق في الازل. {من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك} او لنعلم ذلك علما نحتج به عليهم في الجزاء وهذا العلم ايضا ازلي وكل علم لله فهو ازلي ولكن المراد لنتصف عندهم بهذا العلم ولو اكتفينا بالأزلي لقالوا لو امرتنا لاطعنا ونهيتنا لانتهينا واذا امرهم ونهاهم ولم يمتثلوا اتضح ان يقول امرتكم ونهيتكم فلم يمتثلوا وقد علمتكم وميزتكم ممن امتثل فلا يجدون الا الاذعان لهذا العلم الذي قاله او المراد من حصول العلم متعلقه الذي هو تمييز المؤمن من اشراك او ايمان من قدر ايمانه وشك من قدر شكه وقرىء ليعلم بالتحية والبناء للمفعول وظاهر تفسير الحسن بقوله والله ما كان له سيف ولا وسط ولكن استمالهم فمالوا بتزينيه ان الكلام تم في قوله سلطان وان قوله الا لنعلم ليس ايجابا لذلك متصلا به بل هو منقطع ولعل الاتيان بجملة الايمان فعليه مضارعه عندي على التحدد المستمر فان الايمان يتزايد ويتناقص فأتى بذلك ليدل على تحدده اعني تزايده وفي الاتيان يجملة الشك اسمية لدلالة على ثبات شكلهم واستحكامه وعدم تزلزله الى تركه بالكلية او الجحود بالكلية. {وربك على كل شيء حفيظ} اي حافظ والحفظ هنا المراقبة او عدم التضييع.

اطفيش

تفسير : {وما كانَ له عليهم من سلطانٍ} تسلط بالإغواء {إلا لنعلم مَن يُؤمن بالآخرة ممَّن منْها في شكّ} استثناء مفرغ، وإن فسرنا السلطان بالقهر فمنقطع، والعلم الأزلى منسحب على الأشياء الواقعة خارجا وقت وقوعها، وقومنا يقولون: علمه بالواقع علم متجدد، متعلق بالمعلوم،ورضوا بذلك لأنه ليس عن جهل، بل بالمطابقة للواقع، وعدى بمن لتضمنه معنى التمييز، لا وجه لتفسير الآية بقولك: لنجعل المؤمن متميزاً من غيره عند الناس، وقيل: المراد من قوع العلم وقوع المعلوم، وهو الايمان أى ليؤمن من علمنا أنه يؤمن، وذلك لعلاقة اللزوم، كما جاز أن يكنو بمعنى الجزاء للتلازم، وفى ذلك جعل المعلوم نفس العلم مبالغة. ولا وجه للتفسير بقولك: لنعامله معاملة من لا يعلم حاله، ويجوز تقدير مضاف، أى ليعلم أولياؤنا، وذكر بعض أن المعنى على المضى، أى لعلمنا من يؤمن الخ، ومنها بمعنى فيها متعلق بشك، ولو كان مصدرا متأخرا لأنه ليس هنا على معنى الفعل وحرف المصدر، وليس التقديم للحصر كما قيل به، نظرا الى أن الضار الشك الصادر منها، أى من شأن الآخرة، أى فى شأنها لا مطلق الشك الواقع، ونكر وجىء بفى تلويحا الى أن قليلا من الشك محيط بالشاك. {وربُّك على كُلَّ شيءٍ حَفيظٌ} قائم على أحوال كل شىء قياما عظيما، والمبالغة مستفادة من فعيل الثلاثى الذى هو بمعنى فعال بالشد، ومفعال أو بمعنى مفاعل بضم الميم من الرباعى بالزيادة، أى محافظ كخليط وشريك، بمعنى مخالط ومشارك، وجليس ورضيع، بمعنى مجالس ومراضع، ووجهه أن المفاعلة أصلها بين اثنين كل يبذل جهده أن يغلب الآخر.

الالوسي

تفسير : {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مّن سُلْطَـٰنٍ } أي تسلط واستيلاء بالوسوسة والاستغواء. {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلأَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكّ } استثناء مفرغ من أعم العلل، و {مِنْ } موصولة وجعلها استفهامية بعيد، والعلم المستقبل المعلل ليس هو العلم الأزلي القائم بالذات المقدس بل تعلقه بالمعلوم في عالم الشهادة الذي يترتب عليه الجزاء بالثواب والعقاب وهو مضمن معنى التميز لمكان (من) أي ما كان له عليهم تسلط لأمر من الأمور إلا لتعلق علمنا بمن يؤمن بالآخرة متميزاً ممن هو منها في شك تعلقاً حالياً يترتب عليه / الجزاء وإلى هذا يشير كلام كثير من أئمة التفسير، وقيل: المعنى لنجعل المؤمن متميزاً من غيره في الخارج فيتميز عند الناس، وقيل: المراد من وقوع العلم في المستقبل وقوع المعلوم لأنه لازمه فكأنه قيل ما كان ذلك لأمر من الأمور إلا ليؤمن من قدر إيمانه ويضل من قدر ضلاله، وعدل عنه إلى ما في النظم الجليل للمبالغة لما فيه من جعل المعلوم عين العلم، وقيل المراد بالعلم الجزاء فكأنه قيل على الإيمان وضده، وقيل: العلم على ظاهره إلا أن المستقبل بمعنى الماضي وعلم الله تعالى الأزلي بأهل الشك يستدعي تسلط الشيطان عليهم. وقيل: المراد لنعامل معاملة من كأنه لا يعلم ذلك وإنما يعمل ليعلم، وقيل: المراد ليعلم أولياؤنا وحزبنا ذلك، ولا يخفى عليك ما في بعض هذه الأقوال، وكان الظاهر إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن لا يؤمن بها وعدل عنه إلى ما في النظم الجليل لنكتة وهي أنه قوبل الإيمان بالشك ليؤذن بأن أدنى مراتب الكفر مهلكة، وأورد المضارع في الجملة الأولى إشارة إلى أن المعتبر في الإيمان الخاتمة ولأنه يحصل بنظر تدريجي متجدد، وأتى بالثانية اسمية إشارة إلى أن المعتبر الدوام والثبات على الشك إلى الموت، ونون شكاً للتقليل، وأتى بفي إشارة إلى أن قليله كأنه محيط بصاحبه، وعداه بمن دون في وقدمه لأنه إنما يضر الشك الناشىء منها وأنه يكفي شك ما فيما يتعلق بها. وقرأ الزهري {ليعلم} بضم الياء وفتح اللام مبنياً للمفعول. {وَرَبُّكَ عَلَى كُلّ شَىْء حَفُيظٌ } أي وكيل قائم على أحواله وشؤونه، وهو إما مبالغة في حافظ وإما بمعنى محافظ كجليس ومجالس وخليط ومخالط ورضيع ومراضع إلى غير ذلك.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ} الآية. قد بينا الآيات الموضحة له في سورة الحجر، في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ ٱلْمُخْلَصِينَ} تفسير : [الحجر: 40] وفي غير ذلك من المواضع.

د. أسعد حومد

تفسير : {سُلْطَانٍ} {بِٱلآخِرَةِ} (21) - وَلَمْ يَكُنْ لإِبلِيسَ عَلَيهِمْ مِنْ سُلْطَةٍ يَحْمِلُهُمْ بِها كَرْهاً عَلى الكُفْرِ، والبَطَرِ، والعِصْيَانِ، وَإنمَا دَعَاهُمْ فَأَطَاعُوهُ وَقَدْ سَلَّطَهُ اللهُ عَلَيهِمْ، لَيَخْتَبِرَهُمْ، لِيُظْهِرَ حَالَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ، وَيُصَدِّقُ بالثَّوابِ والعِقَابِ، مِمَّن هُوَ فِي شَكٍّ مِنْها، فَلاَ يُؤْمِنُ بِمَعَادٍ وَلا حَشْرٍ وَلاَ ثَوَابٍ وَلا عِقَابٍ. وَرَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ حَفِيظٌ عَلَى أَعمالِ العِبَادِ، لاَ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شيءٌ، وَهُوَ يُحْصِيهَا عَلَيهِمْ ثُمَّ يُجَازِيهِمْ بِها فِي الآخِرَةِ إِنْ خَيْراً فَخَيْراً وَإِنْ شَرّاً فَشَرّاً. سُلْطَانٍ - تَسَلُّطٍ واسْتِيلاءٍ بِالوَسْوَسَةِ والإِغْوَاءِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لما أغوى إبليس بني آدم هل لهم عذر في هذا الإغواء؟ وهل الذنب هنا ذنب إبليس؟ الحق سبحانه يخبر عنه وعنهم هذا الخبر في سياق قصة سبأ: {وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِّن سُلْطَانٍ ..} [سبأ: 21]، وقد التقط إبليس هذه العبارة وجعلها حُجَّة له يوم القيامة، فإذا قال له البشر يوم القيامة: أنت سبب ضلالنا وغوايتنا قال: {أية : وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَٱسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ..} تفسير : [إبراهيم: 22]. يعني: لا تلوموني ولا تظلموني، فقد كنتم (على تشويره) مني، وليس لي عليكم من سلطان: لا سلطان قوة أقهركم بها وأجبركم على طاعتي، ولا سلطان حجة أقنعكم به، والفرق بين سلطان القهر وسلطان الحجة أنك تفعل مع الأول وأنت غير راض فأنت مُكْره، أمّا مع سلطان الحجة والمنطق فإنك تفعل ما يُطلَب منك عن رضا واقتناع. وربنا عز وجل حذرنا من إبليس ووسوسته ونزغه، وعلمنا أننا لن نقهره إلا بالله خصوصاً بهذه (الروشتة) التي قال الله فيها: {أية : وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ ..} تفسير : [فصلت: 36]. مجرد أنْ تُذكِّره بالله يخنس ويهرب ويتراجع، فهو يقدر عليك وحدك، فإنْ لجأتَ إلى ربك خاف وفَرَّ؛ لأنه لا قدرةَ له، ولا كيد مع ذكر الله، لذلك قال بعض العارفين: قل هذه الكلمة بقوة وكأنك تراه وتصرعه. فماذا نفعل إنْ جاء لأحدنا وهو يقرأ القرآن؟ قالوا: يقطع قراءته، ويقول بصوت أعلى وبأسلوب مغاير لقراءته: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وقد حاولنا أن نُقرِّب هذا المعنى لأذهان الناشئة فقلنا: لو أن أحد الأغنياء مثلاً يجلس في (الشرفة) ليلاً، فرأى لصاً يحاول دخول بيته، فقام من مكانه، وقال (إحم) ماذا يصنع اللص؟ يهرب، فإنْ قال في نفسه لعلها مصادفة، ثم عاد في الليلة التي بعدها، فتنبَّه له صاحب البيت، وقال (إحم) عندها يفرّ بلا عودة، فصاحب البيت متنبه غير غافل. كذلك، قَوْل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم يُفزع الشيطان ويطرده، فإنْ عاد إليك مرة ومرة فقُلْ كلما شعرت بوسوسته ونزغاته: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، عندها سيعلم أنك (فقسته)، وأنه لا مدخل له إليك. وقد عرف الشيطان حين جادل ربه من أين يدخل على ابن آدم، فقال: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ} تفسير : [الأعراف: 16] فهو كما ذكرنا، لا يقعد في خمارة مثلاً، إنما يقعد في المسجد، فهو يعلم أنك في عبادة، وكُل مُناه أنْ يُفسِد عليك عبادتك، أَلاَ تراه يُذكّرك في الصلاة ما نسيتَ من مهمات الحياة، وعلى المؤمن أنْ يقدِّر موقفه بين يدي الله، وألاّ ينشغل بأي شيء وهو في حضرة ربه. فالصلاة هي الصراط المستقيم الذي سيقعد لك الشيطانُ عليه؛ لذلك علَّمنا فقهاؤنا - رحمهم الله ورضي الله عنهم - أنْ نغيظ الشيطان، فإذا وسوس لك في الصلاة بحيث لا تدري، أصليتَ ركعتين أم ثلاثاً، فاعتبرها ركعتين وابْنِ على الأقل، كذلك في الوضوء وأمثاله من العبادات، لتغيظه وتُيئسه منك. وظاهرة السهو في الصلاة في الحقيقة ظاهرة صحية فهي الإيمان، فلا تُمرِض نفسك بها، وكُنْ قويَّ الإيمان وتشجِّع على هذا العدو، وقُلْ له: لن أعطيك الفرصة لتفسد عليَّ لقائي مع ربي، قل هذا (واشخط شخطة إيمان) فإنك تحرقه، وإن عاد فَعُدْ، واعلم أن كيد الشيطان كان ضعيفاً {أية : إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَٰنِ كَانَ ضَعِيفاً} تفسير : [النساء: 76]. فلا قدرة له عليك ما دُمْت في معية الله، وما دُمْت ذاكراً لله، عندك تنبُّه إيماني، وتنبُّه عقدي. وسبق أنْ حكينا قصة الإمام أبي حنيفة لما جاءه رجل يستفتيه ويقول: يا إمام، لقد كنتُ أخفيتُ مالاً في مكان في الصحراء، وعلَّمته بحجر، فجاء السيل فطمسه حتى ضللتُ مكانه، فضحك الإمام وقال للرجل بما لديه من خبرة وتمرُّس ومَلَكة في الفتيا: يا بنى ليس في هذا علم، لكني سأحتال لك، اذهب بعد أنْ تصلي العشاء، فتوضأ وضوءاً جديداً بنية أنْ يهديك الله إلى ضالتك وصَلِّ لله ركعتين، ثم أخبرني ماذا حدث. فعل الرجل ما أوصاه به الإمام، فجاءه إبليس ليفسد عليه صلاته وقال له: إن المال في مكان كذا وكذا، فراح فوجد المال، ثم عاد إلى الإمام فأخبره فقال: والله لقد علمتُ أن الشيطان لا يدعك تُتِم ليلتك مع ربك. إذن: فَثِق بكلمة (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) وقُلْها بقوة إيمان، أيقول الله قَوْلة يأتي واقع الحياة من المؤمن به ليكذبها؟ وجَرِّبها أنت بنفسك. وقوله تعالى: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ..} [سبأ: 21] ما دام أنه ليس لإبليس سلطان على بني آدم، وما دام أنهم على (تشويرة) منه، فلا بُدَّ أنَّ إيمانهم غير راسخ، وأنهم نَسُوا حكماً من أحكام الله؛ لأنه سبحانه حذرهم منه ووصف لهم طريقة التغلب عليه فلم يفعلوا. فكانت غواية إبليس لهم {لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِٱلآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ..} [سبأ: 21] أي: عِلْم وقوع، وإلا فالحق سبحانه يعلم ما سيكون منهم أزلاً، لكن لا بُدَّ أنْ يحدث منهم الفعل لتقوم الحجة عليهم كالمعلم الذى يرى على تلميذه علامات الفشل، فيحذره، فحين يدخل الامتحان ويرسب فيه يأتي يعاتب أستاذه أنه بشَّره بالرسوب فيقول المعلم: وهل أمسكتُ بيدك ومنعتُك من الإجابة، لقد حكمتُ عليك من خلال المقدمات التي رأيتها منك. ومع ذلك كان من الممكن أنْ يغشَّ هذا التلميذ في الامتحان وينجح رغم ما قاله المعلم؛ لأن علمه عِلْمٌ ناقص، أما علم الحق سبحانه فعِلْم تام. إذن: فعِلْم الوقوع ألزم للحجة. ثم يقول سبحانه: {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفُيظٌ} [سبأ: 21] حفيظ صيغة مبالغة من الحفظ، فالله تعالى حفيظ على الكنوز وعلى الأرزاق وعلى العلم وعلى كل شيء، كما قال سبحانه: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الحجر: 21] وما دام الله تعالى هو الحفيظ، فلا أحدَ يستطيع أنْ يخل بهذه القضية. ثم يقول الحق سبحانه: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِلاَّ لِنَعْلَمَ} معناه لِنميزَ ونُظهرَ.