Verse. 3628 (AR)

٣٤ - سَبَأ

34 - Saba (AR)

قُلِ ادْعُوا الَّذِيْنَ زَعَمْتُمْ مِّنْ دُوْنِ اؘ۝۰ۚ لَا يَمْلِكُوْنَ مِثْقَالَ ذَرَّۃٍ فِي السَّمٰوٰتِ وَلَا فِي الْاَرْضِ وَمَا لَہُمْ فِيْہِمَا مِنْ شِرْكٍ وَّمَا لَہٗ مِنْہُمْ مِّنْ ظَہِيْرٍ۝۲۲
Quli odAAoo allatheena zaAAamtum min dooni Allahi la yamlikoona mithqala tharratin fee alssamawati wala fee alardi wama lahum feehima min shirkin wama lahu minhum min thaheerin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل» يا محمد لكفار مكة «ادعوا الذين زعمتم» أي زعمتموهم آلهة «من دون الله» أي غيره لينفعوكم بزعمكم قال تعالى فيهم: «لا يملكون مثقال» وزن «ذرة» من خير أو شر «في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك» شركة «وما له» تعالى «منهم» من الآلهة «من ظهير» معين.

22

Tafseer

الرازي

تفسير : لما بين الله تعالى حال الشاكرين وحال الكافرين وذكرهم بمن مضى عاد إلى خطابهم وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم قل للمشركين ادعوا الذين زعمتم من دون الله ليكشفوا عنكم الضر على سبيل التهكم ثم بين أنهم لا يملكون شيئاً بقوله: {لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ }. واعلم أن المذاهب المفضية إلى الشرك أربعة أحدها: قول من يقول الله تعالى خلق السماء والسماويات وجعل الأرض والأرضيات في حكمهم، ونحن من جملة الأرضيات فنعبد الكواكب والملائكة التي في السماء فهم آلهتنا والله إلههم، فقال الله تعالى في إبطال قولهم: إنهم لا يملكون في السموات شيئاً كما اعترفتم، قال ولا في الأرض على خلاف ما زعمتم وثانيها: قول من يقول السموات من الله على سبيل الاستبداد والأرضيات منه ولكن بواسطة الكواكب فإن الله خلق العناصر والتركيبات التي فيها بالاتصالات والحركات والطوالع فجعلوا لغير الله معه شركاً في الأرض والأولون جعلوا الأرض لغيره والسماء له، فقال في إبطال قولهم: {وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ } أي الأرض كالسماء لله لا لغيره، ولا لغيره فيها نصيب وثالثها: قول من قال: التركيبات والحوادث كلها من الله تعالى لكن فوض ذلك إلى الكواكب، وفعل المأذون ينسب إلى الآذن ويسلب عن المأذون فيه، مثاله إذا ملك لمملوكه اضرب فلاناً فضربه يقال في العرف الملك ضربه ويصح عرفاً قول القائل ما ضرب فلان فلاناً، وإنما الملك أمر بضربه فضرب، فهؤلاء جعلوا السماويات معينات لله فقال تعالى في إبطال قولهم: {وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مّن ظَهِيرٍ } ما فوض إلى شيء شيئاً، بل هو على كل شيء حفيظ ورقيب ورابعها: قول من قال إنا نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا فقال تعالى في إبطال قولهم {وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } فلا فائدة لعبادتكم غير الله فإن الله لا يأذن في الشفاعة لمن يعبد غيره فبطلبكم الشفاعة تفوتون على أنفسكم الشفاعة وقوله: {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ } أي أزيل الفزع عنهم، يقال قرد البعير إذا أخذ منه القراد ويقال لهذا تشديد السلب، وفي قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ } وجوه أحدها: الفزع الذي عند الوحي فإن الله عندما يوحي يفزع من في السموات، ثم يزيل الله عنهم الفزع فيقولون لجبريل عليه السلام ماذا قال الله؟ فيقول قال الحق أي الوحي وثانيها: الفزع الذي من الساعة وذلك لأن الله تعالى لما أوحى إلى محمد عليه السلام فزع من في السموات من القيامة لأن إرسال محمد عليه السلام من أشراط الساعة، فلما زال عنهم ذلك الفزع قالوا ماذا قال الله قال جبريل {ٱلْحَقّ } أي الوحي وثالثها: هو أن الله تعالى يزيل الفزع وقت الموت عن القلوب فيعترف كل أحد بأن ما قال الله تعالى هو الحق فينفع ذلك القول من سبق ذلك منه، ثم يقبض روحه على الإيمان المتفق عليه بينه وبين الله تعالى، ويضر ذلك القول من سبق منه خلافه فيقبض روحه على الكفر المتفق بينه وبين الله تعالى: إذا علمت هذا فنقول على القولين الأولين قوله تعالى: {حَتَّىٰ } غاية متعلقة بقوله تعالى: {قُلْ } لأنه بينه بالوحي لأن قول القائل قل لفلان للإنذار حتى يسمع المخاطب ما يقوله، ثم يقول بعد هذا الكلام ما يجب قوله فلما قال: {قُلْ } فزع من في السموات، ثم أزيل عنه الفزع، وعلى الثالث متعلق بقوله تعالى: {زَعَمْتُمْ } أي زعمتم الكفر إلى غاية التفزيع، ثم تركتم ما زعمتم وقلتم قال الحق، وعلى القولين الأولين فاعل قوله تعالى: {قَالُواْ مَاذَا } هو الملائكة السائلون من جبريل، وعلى الثالث الكفار السائلون من الملائكة والفاعل في قوله: {ٱلْحَقَّ } على القولين الأولين هم الملائكة، وعلى الثالث هم المشركون. واعلم أن الحق هو الموجود ثم إن الله تعالى لما كان وجوده لا يرد عليه عدم كان حقاً مطلقاً لا يرتفع بالباطل الذي هو العدم والكلام الذي يكون صدقاً يسمى حقاً، لأن الكلام له متعلق في الخارج بواسطة أنه متعلق بما في الذهن، والذي في الذهن متعلق بما في الخارج فإذا قال القائل جاء زيد يكون هذا اللفظ تعلقه بما في ذهن القائل وذهن القائل تعلقه بما في الخارج لكن للصدق متعلق يكون في الخارج فيصير له وجود مستمر وللكذب متعلق لا يكون في الخارج، وحينئذ إما أن لا يكون له متعلق في الذهن فيكون كالمعدوم من الأول وهو الألفاظ التي تكون صادرة عن معاند كاذب، وإما أن يكون له متعلق في الذهن على خلاف ما في الخارج فيكون اعتقاداً باطلاً جهلاً أو ظناً لكن لما لم يكن لمتعلقه متعلق يزول ذلك الكلام ويبطل، وكلام الله لا بطلان له في أول الأمر كما يكون كلام الكاذب المعاند ولا يأتيه الباطل كما يكون كلام الظان، وقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ } قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: {أية : ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ٱلْبَـٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ } تفسير : [لقمان: 30] أن {ٱلْحَقّ } إشارة إلى أنه كامل لا نقص فيه فيقبل نسبة العدم، وفوق الكاملين لأن كل كامل فوقه كامل فقوله: {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ } إشارة إلى أنه فوق الكاملين في ذاته وصفاته، وهذا يبطل القول بكونه جسماً وفي حيز، لأن كل من كان في حيز فإن العقل يحكم بأنه مشار إليه وهو مقطع الإشارة لأن الإشارة لو لم تقع إليه لما كان المشار إليه هو، وإذا وقعت الإشارة إليه فقد تناهت الإشارة عنده، وفي كل موقع تقف الإشارة بقدر العقل على أن يفرض البعد أكثر من ذلك فيقول لو كان بين مأخذ الإشارة والمشار إليه أكثر من هذا البعد لكان هذا المشار إليه أعلى فيصير عليه بالإضافة لا مطلقاً وهو علي مطلقاً ولو كان جسماً لكان له مقدار، وكل مقدار يمكن أن يفرض أكبر منه فيكون كبيراً بالنسبة إلى غيره لا مطلقاً وهو كبير مطلقاً.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ} أي هذا الذي مضى ذكره من أمر داود وسليمان وقصة سبأ من آثار قدرتي، فقل يا محمد لهؤلاء المشركين هل عند شركائكم قدرة على شيء من ذلك. وهذا خطاب توبيخ، وفيه إضمار: أي ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة لكم من دون الله لتنفعكم أو لتدفع عنكم ما قضاه الله تبارك وتعالى عليكم، فإنهم لا يملكون ذلك، و{لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ} أي ما لِلَّه من هؤلاء من معين على خلق شيء، بل الله المنفرد بالإيجاد؛ فهو الذي يُعبَد، وعبادة غيره محال.

ابن كثير

تفسير : بيّن تبارك وتعالى أنه الإله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لا نظير له، ولا شريك له، بل هو المستقل بالأمر وحده من غير مشارك ولا منازع ولا معارض، فقال: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ} أي: من الآلهة التي عبدت من دونه {لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ} كما قال تبارك وتعالى: {أية : وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قَطْمِيرٍ} تفسير : [فاطر: 13] وقوله تعالى: {وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ} أي: لا يملكون شيئاً استقلالاً، ولا على سبيل الشركة {وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ} أي: وليس لله من هذه الأنداد من ظهير يستظهر به في الأمور، بل الخلق كلهم فقراء إليه، عبيد لديه، قال قتادة في قوله عز وجل: {مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ} من عون يعينه بشيء. ثم قال تعالى: {وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} أي: لعظمته وجلاله وكبريائه لا يجترىء أحد أن يشفع عنده تعالى في شيء إلا بعد إذنه له في الشفاعة، كما قال عز وجل: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [البقرة: 255] وقال جل وعلا: {أية : وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰ} تفسير : [النجم: 26] وقال تعالى: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}تفسير : [الأنبياء: 28] ولهذا ثبت في "الصحيحين" من غير وجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم، وأكبر شفيع عند الله تعالى: أنه حين يقوم المقام المحمود ليشفع في الخلق كلهم أن يأتي ربهم لفصل القضاء قال: «حديث : فأسجد لله تعالى، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع» تفسير : الحديث بتمامه. وقوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ} وهذا أيضا مقام رفيع في العظمة، وهو أنه تعالى إذا تكلم بالوحي، فسمع أهل السماوات كلامه، أرعدوا من الهيبة حتى يلحقهم مثل الغشي، قاله ابن مسعود رضي الله عنه، ومسروق وغيرهما: {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} أي: زال الفزع عنها، قال ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، وأبو عبد الرحمن السلمي والشعبي وإبراهيم النخعي والضحاك والحسن وقتادة في قوله عز وجل: {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ} يقول: خلي عن قلوبهم، وقرأ بعض السلف، وجاء مرفوعاً: إذا فرغ، بالغين المعجمة، ويرجع إلى الأول، فإذا كان كذلك، سأل بعضهم بعضاً: ماذا قال ربكم؟ فيخبر بذلك حملة العرش للذين يلونهم، ثم الذين يلونهم لمن تحتهم، حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء الدنيا، ولهذا قال تعالى: {قَالُواْ ٱلْحَقَّ} أي: أخبروا بما قال من غير زيادة ولا نقصان، {وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ}. وقال آخرون: بل معنى قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} يعني: المشركين عند الاحتضار ويوم القيامة، إذا استيقظوا مما كانوا فيه من الغفلة في الدنيا، ورجعت إليهم عقولهم يوم القيامة، قالوا: ماذا قال ربكم؟ فقيل لهم: الحق، وأخبروا به؛ مما كانوا عنه لاهين في الدنيا، قال ابن أبي نجيح عن مجاهد: {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} كشف عنها الغطاء يوم القيامة. وقال الحسن: {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} يعني: ما فيها من الشك والتكذيب. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} يعني: ما فيها من الشك، قال: فزع الشيطان عن قلوبهم، وفارقهم وأمانيهم وما كان يضلهم، {قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ} قال: وهذا في بني آدم هذا عند الموت، أقروا حين لا ينفعهم الإقرار، وقد اختار ابن جرير القول الأول: إن الضمير عائد على الملائكة، وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه، لصحة الأحاديث فيه والآثار، ولنذكر منها طرفاً يدل على غيره. قال البخاري عند تفسير هذه الآية الكريمة في "صحيحه": حدثنا الحميدي، حدثنا سفيان، حدثنا عمرو قال: سمعت عكرمة قال: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول: إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها، خضعاناً لقوله؛ كأنه سلسلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض ــــ ووصف سفيان بيده فحرفها، ونشر بين أصابعه ــــ فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائه كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» تفسير : انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم من هذا الوجه، وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة به، والله أعلم. (حديث آخر) قال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر وعبد الرزاق قالا: حدثنا معمر، أخبرنا الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في نفر من أصحابه، قال عبد الرزاق: من الأنصار، فرمي بنجم فاستنار، فقال صلى الله عليه وسلم «حديث : ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية؟» تفسير : قالوا: كنا نقول: يولد عظيم، أو يموت عظيم. قلت للزهري: أكان يرمى بها في الجاهلية، قال: نعم، ولكن غلظت حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته، ولكن ربنا تبارك وتعالى إذا قضى أمراً، سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم، حتى يبلغ التسبيح السماء الدنيا، ثم يستخبر أهل السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ويخبر أهل كل سماء سماء، حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، وتخطف الجن السمع، فيرمون، فما جاؤوا به على وجهه، فهو حق، ولكنهم يفرقون فيه ويزيدون» تفسير : هكذا رواه الإمام أحمد، وقد أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث صالح بن كيسان والأوزاعي ويونس ومعقل بن عبيد الله، أربعتهم عن الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رجل من الأنصار به. وقال يونس: عن رجال من الأنصار رضي الله عنهم، وكذا رواه النسائي في التفسير من حديث الزبيدي عن الزهري به، ورواه الترمذي فيه عن الحسين بن حريث عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل من الأنصار رضي الله عنه، والله أعلم. (حديث آخر) قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف وأحمد ابن منصور بن سيار الرمادي، والسياق لمحمد بن عوف، قالا: حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا الوليد، هو ابن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عبد الله بن أبي زكريا عن رجاء بن حيوة عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إذا أراد الله تبارك وتعالى أن يوحي بأمره تكلم بالوحي، فإذا تكلم، أخذت السموات منه رجفة ــــ أو قال: رعدة ــــ شديدة من خوف الله تعالى، فإذا سمع بذلك أهل السموات، صعقوا وخروا لله سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل عليه الصلاة والسلام، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فيمضي به جبريل عليه الصلاة والسلام على الملائكة، كلما مر بسماء سماء، يسأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول عليه السلام: قال: الحق، وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله تعالى من السماء والأرض» تفسير : وكذا رواه ابن جرير وابن خزيمة عن زكريا بن أبان المصري عن نعيم بن حماد به. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: ليس هذا الحديث بالتام عن الوليد بن مسلم رحمه الله، وقد روى ابن أبي حاتم من حديث العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعن قتادة: أنهما فسرا هذه الآية بابتداء إيحاء الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد الفترة التي كانت بينه وبين عيسى عليه الصلاة والسلام، ولا شك أن هذا أولى ما دخل في هذه الآية.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ } يا محمد لكفار مكة {ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ } أي زعمتموهم آلهة {مِن دُونِ ٱللَّهِ } أي غيره لينفعوكم بزعمكم، قال تعالى فيهم: {لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ } وزن {ذَرَّةٍ } من خير أو شر {فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ } شركه {وَمَا لَهُ } تعالى {مِنْهُمْ } من الآلهة {مِّن ظَهِيرٍ } معين.

الشوكاني

تفسير : قوله: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ } هذا أمر للنبيّ صلى الله عليه وسلم بأن يقول لكفار قريش، أو للكفار على الإطلاق هذا القول، ومفعولا زعمتم محذوفان، أي: زعمتموهم آلهة لدلالة السياق عليهما. قال مقاتل: يقول: ادعوهم ليكشفوا عنكم الضرّ الذي نزل بكم في سنين الجوع. ثم أجاب سبحانه عنهم، فقال: {لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِى ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ } أي: ليس لهم قدرة على خير، ولا شرّ، ولا على جلب نفع، ولا دفع ضرر في أمر من الأمور، وذكر السماوات والأرض لقصد التعميم لكونهما ظرفاً للموجودات الخارجية {وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ } أي: ليس للآلهة في السماوات والأرض مشاركة لا بالخلق، ولا بالملك، ولا بالتصرّف {وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مّن ظَهِيرٍ } أي: وما لله سبحانه من تلك الآلهة من معين يعينه على شيء من أمر السمٰوات والأرض ومن فيهما. {وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُ } أي: شفاعة من يشفع عنده من الملائكة، وغيرهم، وقوله: {إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } استثناء مفرّغ من أعمّ الأحوال، أي: لا تنفع الشفاعة في حال من الأحوال إلاّ كائنة لمن أذن له أن يشفع من الملائكة، والنبيين، ونحوهم من أهل العلم، والعمل، ومعلوم أن هؤلاء لا يشفعون إلاّ لمن يستحق الشفاعة، لا للكافرين، ويجوز: أن يكون المعنى: لا تنفع الشفاعة من الشفعاء المتأهلين لها في حال من الأحوال إلاّ كائنة لمن أذن له، أي: لأجله، وفي شأنه من المستحقين للشفاعة لهم، لا من عداهم من غير المستحقين لها، واللام في: {لمن} يجوز أن تتعلق بنفس الشفاعة. قال أبو البقاء: كما تقول: شفعت له، ويجوز: أن تتعلق بتنفع، والأولى أنها متعلقة بالمحذوف كما ذكرنا. قيل: والمراد بقوله: {لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ }: أنها لا توجد أصلاً إلاّ لمن أذن له، وإنما علق النفي بنفعها لا بوقوعها تصريحاً بنفي ما هو غرضهم من وقوعها. قرأ الجمهور: {أذن} بفتح الهمزة، أي: أذن له الله سبحانه، لأن اسمه سبحانه مذكور قبل هذا، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي بضمها على البناء للمفعول، والآذن هو: الله سبحانه، ومثل هذه الآية قوله تعالى: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } تفسير : [البقرة: 255]، وقوله: {أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ } تفسير : [الأنبياء: 28]، ثم أخبر سبحانه عن خوف هؤلاء الشفعاء، والمشفوع لهم، فقال: {حَتَّىٰ إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ } قرأ الجمهور: {فزّع} مبنياً للمفعول، والفاعل هو: الله، والقائم مقام الفاعل هو: الجارّ والمجرور، وقرأ ابن عامر: (فزّع) مبنياً للفاعل، وفاعله ضمير يرجع إلى الله سبحانه، وكلا القراءتين بتشديد الزاي، وفعل معناه: السلب، فالتفزيع إزالة الفزع. وقرأ الحسن مثل قراءة الجمهور إلاّ أنه خفّف الزاي. قال قطرب: معنى فزّع عن قلوبهم: أخرج ما فيها من الفزع، وهو: الخوف. وقال مجاهد: كشف عن قلوبهم الغطاء يوم القيامة. والمعنى: أن الشفاعة لا تكون من أحد من هؤلاء المعبودين من دون الله من الملائكة، والأنبياء والأصنام، إلاّ أن الله سبحانه يأذن للملائكة والأنبياء، ونحوهم في الشفاعة لمن يستحقها، وهم على غاية النزع من الله كما قال تعالى: {أية : وَهُمْ مّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } تفسير : [الأنبياء: 28]، فإذا أذن لهم في الشفاعة فزعوا لما يقترن بتلك الحالة من الأمر الهائل، والخوف الشديد من أن يحدث شيء من أقدار الله، فإذا سرّي عليهم {قَالُواْ } للملائكة فوقهم، وهم الذين يوردون عليهم الوحي بالإذن: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ } أي: ماذا أمر به، فيقولون لهم: قال: القول {ٱلْحَقّ }، وهو: قبول شفاعتكم للمستحقين لها دون غيرهم {وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ } فله أن يحكم في عباده بما يشاء، ويفعل ما يريد. وقيل: هذا الفزع يكون للملائكة في كل أمر يأمر به الربّ. والمعنى: لا تنفع الشفاعة إلاّ من الملائكة الذين هم فزعون اليوم مطيعون لله، دون الجمادات، والشياطين. وقيل: إن الذين يقولون: ماذا قال ربكم هم: المشفوع لهم، والذين أجابوهم: هم: الشفعاء من الملائكة، والأنبياء. وقال الحسن، وابن زيد، ومجاهد: معنى الآية: حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين في الآخرة. قالت لهم الملائكة: ماذا قال ربكم في الدنيا؟ قالوا: الحقّ، فأقرّوا حين لا ينفعهم الإقرار. وقرأ ابن عمر، وقتادة: (فرّغ) بالراء المهملة، والغين المعجمة من الفراغ. والمعنى: فرغ الله قلوبهم: أي: كشف عنها الخوف. وقرأ ابن مسعود: (افرنقع) بعد الفاء راء مهملة، ثم نون، ثم قاف، ثم عين مهملة من الافرنقاع، وهو: التفرّق. ثم أمر الله سبحانه رسوله: أن يبكت المشركين، ويوبخهم، فقال: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي: من ينعم عليكم بهذه الأرزاق التي تتمتعون بها، فإن آلهتكم لا يملكون مثقال ذرة، والرّزق من السماء هو: المطر، وما ينتفع به منها من الشمس، والقمر، والنجوم، والرّزق من الأرض هو: النبات، والمعادن، ونحو ذلك، ولما كان الكفار لا يقدرون على جواب هذا الاستفهام، ولم تقبل عقولهم نسبة هذا الرّزق إلى آلهتهم، وربما يتوقفون في نسبته إلى الله مخافة أن تقوم عليهم الحجة، فأمر الله رسوله: بأن يجيب عن ذلك، فقال: {قُلِ ٱللَّهُ } أي: هو الذي يرزقكم من السماوات والأرض، ثم أمره سبحانه: أن يخبرهم بأنهم على ضلالة، لكن على وجه الإنصاف في الحجة بعد ما سبق تقرير من هو على الهدى، ومن هو على الضلالة، فقال: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } والمعنى: أن أحد الفريقين من الذين يوحدون الله الخالق الرّازق، ويخصونه بالعبادة، والذين يعبدون الجمادات التي لا تقدر على خلق، ولا رزق، ولا نفع، ولا ضرّ لعلى أحد الأمرين من الهدى، والضلالة، ومعلوم لكلّ عاقل أن من عبد الذي يخلق، ويرزق، وينفع، ويضرّ هو: الذي على الهدى، ومن عبد الذي لا يقدر على خلق، ولا رزق، ولا نفع، ولا ضرّ هو: الذي على الضلالة، فقد تضمن هذا الكلام بيان فريق الهدى، وهم: المسلمون، وفريق الضلالة، وهم: المشركون على وجه أبلغ من التصريح. قال المبرّد: ومعنى هذا الكلام: معنى قول المتبصر في الحجة لصاحبه: أحدنا كاذب، وقد عرف: أنه الصادق المصيب، وصاحبه الكاذب المخطىء. قال: و"أو" عند البصريين على بابها، وليست للشكّ، لكنها على ما تستعمله العرب في مثل هذا إذا لم يرد المخبر أن يبين، وهو عالم بالمعنى. وقال أبو عبيدة، والفرّاء: هي بمعنى: الواو، وتقديره: وإنا على هدى، وإياكم لفي ضلال مبين، ومنه قول جرير:شعر : أثعلبة الفوارس أو رباحا عدلت بهم طهية والربابا تفسير : أي: ثعلبة، ورباحاً، وكذا قول الآخر:شعر : فلما اشتد بأس الحرب فينا تأملنا رباحاً أو رزاما تفسير : أي: ورزاماً، وقوله: {أو إياكم} معطوف على اسم إن، وخبرها هو المذكور، وحذف خبر الثاني للدلالة عليه، أي: إنا لعلى هدى، أو في ضلال مبين، وإنكم لعلى هدى، أو في ضلال مبين، ويجوز العكس: وهو كون المذكور خبر الثاني، وخبر الأوّل محذوفاً، كما تقدّم في قوله: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } تفسير : [التوبة: 62]، ثم أردف سبحانه هذا الكلام المنصف بكلام أبلغ منه في الإنصاف، وأبعد من الجدل، والمشاغبة، فقال: {قُل لاَّ تُسْـئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْـئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ } أي: إنما أدعوكم إلى ما فيه خير لكم، ونفع، ولا ينالني من كفركم، وترككم لإجابتي ضرر، وهذا كقوله سبحانه: {أية : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِىَ دِينِ } تفسير : [الكافرون: 6]، وفي إسناد الجرم إلى المسلمين، ونسبة مطلق العمل إلى المخاطبين، مع كون أعمال المسلمين من البرّ الخالص، والطاعة المحضة، وأعمال الكفار من المعصية البينة، والإثم الواضح من الإنصاف ما لا يقادر قدره. والمقصود: المهادنة، والمتاركة، وقد نسخت هذه الآية، وأمثالها بآية السيف. ثم أمره سبحانه بأن يهدّدهم بعذاب الآخرة، لكن على وجه لا تصريح فيه، فقال: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا } أي: يوم القيامة {ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقّ } أي: يحكم، ويقضي بيننا الحقّ، فيثيب المطيع، ويعاقب العاصي {وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ } أي: الحاكم بالحقّ القاضي بالصواب {ٱلْعَلِيمُ } بما يتعلق بحكمه وقضائه من المصالح. وهذه أيضاً منسوخة بآية السيف. ثم أمره سبحانه: أن يورد عليهم حجة أخرى يظهر بها ما هم عليه من الخطأ، فقال: {قُلْ أَرُونِىَ ٱلَّذيِنَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاء } أي: أروني الذين ألحقتموهم بالله شركاء له، وهذه الرؤية هي: القلبية، فيكون {شركاء} هو: المفعول الثالث، لأن الفعل تعدّى بالهمزة إلى ثلاثة. الأوّل: الياء في {أروني}، والثاني: الموصول، والثالث: {شركاء}، وعائد الموصول محذوف أي: ألحقتموهم، ويجوز: أن تكون هي البصرية، وتعدّى الفعل بالهمزة إلى اثنين: الأوّل الياء، والثاني الموصول، ويكون {شركاء} منتصباً على الحال. ثم ردّ عليهم ما يدعونه من الشركاء، وأبطل ذلك، فقال: {كَلاَّ بَلْ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحْكِيمُ } أي: ارتدعوا عن دعوى المشاركة، بل المنفرد بالإلٰهية، هو: الله العزيز بالقهر والغلبة، الحكيم بالحكمة الباهرة. وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ } قال: جلّى. وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه قال: لما أوحى الجبار إلى محمد صلى الله عليه وسلم دعا الرسول من الملائكة: ليبعثه بالوحي، فسمعت الملائكة صوت الجبار يتكلم بالوحي، فلما كشف عن قلوبهم سألوا عما قال الله، فقالوا: الحقّ، وعلموا: أن الله لا يقول إلاّ حقاً. قال ابن عباس: وصوت الوحي كصوت الحديد على الصفا، فلما سمعوا خرّوا سجداً، فلما رفعوا رءوسهم {قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ }. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً قال: ينزل الأمر إلى السماء الدنيا له وقعة كوقعة السلسلة على الصخرة، فيفزع له جميع أهل السمٰوات، فيقولون: ماذا قال ربكم؟ ثم يرجعون إلى أنفسهم، فيقولون: الحق وهو العليّ الكبير. وأخرج البخاري، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله: كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: للذي قال: الحقّ وهو العليّ الكبير» تفسير : الحديث، وفي معناه أحاديث. وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } قال: نحن على هدى، وإنكم لفي ضلال مبين. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: {ٱلْفَتَّاحُ } القاضي.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} حكى الفراء فيه وجهين: أحدهما: حتى يؤذن له في الشفاعة. الثاني: حتى يؤذن له فيمن يشفع له، ووجدت الأول قول الكلبي والثاني قول مقاتل. {حَتَّى إذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} فيه ستة تأويلات: أحدها: معناه خلي عن قلوبهم الفزع، قاله ابن عباس، وقال قطرب: أخرج ما فيها من الخوف. الثاني: كشف عن قلوبهم الغطاء يوم القيامة، قاله مجاهد. الثالث: أنهم الشياطين فزع عن قلوبهم ففارقوا ما كانوا عليه من إضلال أوليائهم، قاله ابن زيد. الرابع: أنهم دعوا فاستجابوا من قبورهم مأخوذ من الفزع الذي هو الدعاء والاستصراخ فسمي الداعي فزعاً والمجيب فزعاً، قال زهير: شعر : إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم طوال الرماح لا قصار ولا عُزْلُ تفسير : الخامس: أنهم الملائكة فزعوا عند سماع الوحي من الله تعالى لانقطاعه ما بين عيسى ومحمد عليهما السلام، وكان لصوته صلصلة كوقع الحديد على الصفا، فخرُّوا عنده سجوداً مخافة القيامة فسألوا فقالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق أي الوحي، وهذا معنى قول كعب. السادس: وهو تأويل قراءة الحسن: حتى فرغ عن قلوبهم بالغين معجمة يعني فرغ ما فيها من الشك والشرك. {قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} أي قال لهم الملائكة: ماذا قال ربكم في الدنيا. {قَالُواْ الْحَقَّ} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يجدوا ما وصفوه عن الله تعالى حقاً. الثاني: أن يصدقوا بما قاله الله تعالى أنه حق. {وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}.

القمي النيسابوري

تفسير : القراءات: {أذن له} على البناء للمفعول: أبو عمرو وعي وخلف والأعشى والبرجمي {فزع علي} البناء للفاعل: ابن عامر ويعقوب {جزاء} بالنصب {الضعف} مرفوعاً: يعقوب {في الغرفة} على التوحيد: حمزة {يحشرهم} {ثم يقول} على الغيبة فيهما: حفص ويعقوب. الباقون: بالنون {ثم تفكروا} بتشديد التاء: رويس {أجري إلا} بفتح الياء: ابو جعفر ونافع وابن عامر وأبو عمرو وحفص {ربي إنه} بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو: {التناؤش} مهموزاً: ابو عمرو وحمزة وخلف وعاصم سوى حفص والشموني والبرجمي. {حيل} بضم الحاء وكسر الياء: ابن عامر وعلي ورويس. الوقوف: {من دون الله} ج لاحتمال الجملة بعده حالاً واستئنافاً {ظهير} ه {أذن له} ط {الحق} ط {الكبير} ه {والأرض} ط {قل الله} لا لاتصال المقول {مبين} ه {تعملون} ه {بالحق} ط {العليم} ه {كلا} ط {الحكيم} ه {لا يعلمون} ه {صادقين} ه {ولا تستقدمون} ه {بين يديه} ط {عند ربهم} ج لأن ما بعده يصلح استئنافاً وحالاً وهذا أوجه {القول} ج لمثل ذلك {مؤمنين} ه {مجرمين} ه {أنداداً} ط {العذاب} ط {كفروا} ط {يعملون} ه {كافرونه} ه {بمعذبين} ه {لا يعملون} ه {صالحاً} ز أن أولئك مبتدأ مع الفاء {آمنون} ه {محضرون} ه {ويقدر له} ه {يخلفه} ج لعطف الجملتين المختلفتين {الرازقين} ه {يعبدون} ه {من دونهم} ج لتنويع الكلام مع اتحاد المقول {الجن} ج لذلك {مؤمنون} ه {ضراً} ط {تكذبون} ه {آباؤكم} ج للعطف مع طول الكلام والتكرار {مفترى} ط {مبين} ه {من نذير} ه {نكير} ه {بواحدة} ج لأن ما بعده بدل أو خبر أي هي أن تقوموا {من جنة} ط {شديد} ه {لكم} ط {الله} ج {شهيد} ه {بالحق} ج لاحتمال أن ما بعده بدل من الضمير في يقذف أو خبر أي هو علام {الغيوب} ه {بعيد} ه {على نفسي} ج لعطف جملتي الشرط {ربي} ط {قريب} ه {قريب} لا لأن ما بعده معطوف على {أخذوا}: {آمنا به} ط لاحتمال كون الجملة الاستفهامية مبتدأ بها أو حالاً {بعيد} ه لا للآية ولاحتمال الاستئناف والحال بعده والعامل معنى الفعل في التناوش {من قبل} ج للعطف على كفروا بناء على أنه حال ماضية أو للاستئناف اي وهم يقذفون {بعيد} ه {من قبل} ط {مريب} ه. التفسير: لما فرغ من حكاية أهل الشكر وأهل الكفران تمثيلاً عاد إلى مخاطبة كفار قريش وتقريعهم. ومفعولاً زعم محذوف أي زعمتموهم آلهة، وسبب حذف الأوّل استحقاق عوده إلى الموصول، وسبب حذف الثاني إقامة الصفة وهي {من دون الله} مقام الموصوف. وتفسير الآية مبني على تفصيل وهو أن مذاهب أهل الشرك أربعة: أحدها قولهم إنا نعبد الملائكة والكواكب التي في السماء فهم آلهتنا والله إلههم فالله تعالى قال في إبطال قولهم أنهم لا يملكون في السموات شيئاً كما اعترفتم، ولا في الأرض على خلاف ما زعمتم أن الأرض والارضيات في حكمهم. وثانيها قول بعضهم إن السموات من الله على سبيل الاستقلال، وإن الأرضيات منه ولكن بواسطة الكواكب واتصالاتها وانصرافاتها فأبطل معتمد هؤلاء بقوله {وما لهم فيهما من شرك} أي الأرض كالسماء لله لغيره فيها نصيب. وثالثها قول من قال: التركيبات والحوادث كلها من الله لكن فوض ذلك إلى الكواكب وإعانتها فأشار إلى إبطال معتقد هؤلاء بقوله {وما له منهم من ظهير} ورابعها مذهب من زعم أنا نعبد الأصنام التي هي صور الملائكة ليشفعوا لنا فبين بطلان مذهبهم بقوله {ولا تنفع الشفاعة} قال جار الله: تقول الشفاعة لزيد على أنه الشافع وعلى معنى أنه المشفوع له أي لا تنفع الشفاعة {إلا} كائنة {لمن أذن له} من الشافعين أو إلا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله. و"حتى" غاية لمضمون الكلام الدال على انتظار الإذن كأنه قيل: يتربصون ويقفون ملياً فزعين {حتى إذا فزع} أي كشف الفزع في القيامة عن قلوب الشافعين والمشفوع لهم بكلمة يتكلم بها رب العزة في إطلاق الإذن تباشروا بذلك وسأل بعضهم بعضاً {ماذا قال ربكم قالوا} قال {الحق} أي القول الحق وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى، يريد هذا التفسير قول ابن عباس عن النبي "حديث : فإذا أذن لمن أذن أن يشفع فزعته الشفاعة"تفسير : والتشديد للسلب والإزالة على نحو "قردته وجلدته" أي أزلت قراده وسلخت جلده. وقيل: إن "حتى" على هذا التفسير متعلق بقوله {زعمتم} أي زعمتم الكفر إلى غاية التفزيع ثم تركتم ما زعمتم وقلتم قال الحق. ومنهم من ذهب إلى أن التفزيع غاية الوحي المستفاد من قل فإنه عند الوحي يفزع من في السموات كما جاء في حديث "حديث : إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيه جبرائيل فإذا جاء فزع عن قلوبهم فيقولون: يا جبرائيل ماذا قال ربكم؟ فيقول الحق"تفسير : أي يقول الحق الحق. وقيل: أراد بالفزع أنه تعالى لما أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم فزع من في السموات من القيامة لأن إرسال محمد صلى الله عليه وسلم من أشراطها فلما زال عنهم ذلك قالوا: ماذا قال الله؟ قال جبرائيل وأتباعه: الحق. وقيل: إنه الفزع عند الموت يزيله الله عن القلوب فيعرف كل أحد أن ما قال الله هو الحق فينتفع بتلك المعرفة أهل الإيمان ولا ينتفع بها أهل الكفر. وحين بين بقوله {قل ادعوا} أنه لا يدفع الضر إلا هو أشار بقوله {قل من يرزقكم} إلى أن جلب النفع لا يكمل إلا به. وههنا نكتة هي أنه قال في دفع الضر {قالوا الحق} وفي طلب النفع قال {قل الله} تنبيهاً على أنهم في الضراء مقبلون على الله معترفون به، وفي السراء معرضون عنه غافلون لا ينتبهون إلا بمسه. وقوله {وإنا أو إياكم} من الكلام المنصف الذي يتضمن قلة شغب الخصم وفلّ شوكته بالهوينا. وفي تخالف حرفي الجر في قوله {لعلى هدى أو في ضلال} إشارة إلى أن أهل الحق راكبون مطية الهدى مستعلون على متنها، وأن أهل الباطل منغمسون في ظلمة الضلال لا يدرون أين يتوجهون. وإنما وصف الضلال بالمبين وأطلق الهدى لأن الحق كالخط المستقيم واحد، والباطل كالخطوط المنحنية لا حصر لها فبعضها أدخل في الضلالة من بعض وابين. وقوله {عما أجرمنا} إلى قوله {عما تعملون} أبلغ في سلوك طريقة الإنصاف حيث أسند الإجرام وهو الصغائر والزلات أو هي مع الكبائر إلى أهل الإيمان، وعبر عن إجرام أهل الكفر بلفظ عام وهو العمل. وفيه إرشاد إلى المناظرات الجارية في العلوم وغيرها، وإذا قال أحد المناظرين للآخر: أنت مخطئ أغضبه وعند الغضب لا يبقى سداد الفكر، وعند اختلاله لا مطمع في الفهم فيفوت الغرض. ومعنى الفتح الحكم والفصل بين الفريقين بإدخال أهل الجنة الجنة وأهل النار النار. وحين حث في الآية الأولى على وجوب النظر من حيث إن كل أحد يؤاخذ بجرمه ولو كان البريء أخذ بالمجرم لم يكن كذلك، أكد ذلك المعنى بالآية الثانية فإن مجرد الخطأ والضلال واجب الاجتناب فكيف إذا كان يوم عرض وحساب. وفي قوله {العليم} إشارة إلى أن حكمه يكون مع العلم لا كحكم من يحكم بمجرد الغلبة والهوى. ولما بين أن غير الله لا يعبد لدفع الضر ولا لجلب النفع أراد أن يبين أن غير الله لا ينبغي أن يعبد لأجل استحقاق العبادة فإنه لا مستحق للعبادة إلا هو. ومعنى {أروني} وكان يعرفهم ويراهم الاستخفاف بهم والتنبيه على الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله أو أراد أعلموني بأي صفة الحقتموهم بالله وجعلتموهم شركاء فـ {ـشركاء} نصب على الحال والعائد محذوف و {كلا} ردع لهم عن مذهبهم بعدما كسده بإبطال المقايسة وردّ الإلحاق. ثم زاد في توبيخهم بقوله {بل هو الله العزيز الحكيم} كأنه قال: أين الذين ألحقتم به شركاء من هذه الصفات فإن الإله لا يمكن أن يخلو عن القدرة الكاملة والحكمة الشاملة. وهو يحتمل أن يكون ضمير الشأن. وحين فرغ من التوحيد شرع في الرسالة. ومعنى {كافة} عامة لأن الرسالة إذا شملتهم قد منعتهم أن يخرج أحد منهم والكف المنع وكافة صفة لرسالة. وقال الزجاج: التاء للمبالغة كتاء الراوية والعلامة وإنه حال من الكاف أي أرسلناك جامعاً للناس في الإبلاغ والتبشير والإنذار، أو مانعاً للناس من الكفر والمعاصي. وبعض النحويين جعله حالاً من الناس وزيف بأن حال المجرور لا يتقدم عليه. ومن هؤلاء من جعل اللام بمعنى "إلى" لأن أرسل يتعدى بإلى فضوعفت تخطئته بأن استعمال اللام بمعنى. "إلى" ضعيف، ولا يخفى أن ثاني مفعولي {أرسلنا} على غير هذا التفسير محذوف والتقدير: وما أرسلناك إلى الناس إلا كافة {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} وذلك لا لخفائه ولكن لغفلتهم. وحين ذكر الرسالة بين الحشر وذكر أنهم استعجلوه تعنتاً منهم فبين على طريق التهديد أنه لا استعجال فيه كما لا إمهال وهذا شأن كل أمر ذي بال. قال جار الله {ميعاد يوم} كقولك "سحق عمامة" في أن الإضافة للتبيين يؤيده قراءة من قرأ {ميعاد يوم} بالرفع فيهما فأبدل منه اليوم. وفي إسناد الفعل إليهم بقوله {لا تستأخرون عنه} دون أن يقول لا يؤخر عنكم زيادة تأكيد لوقوع اليوم. ولما بين الأصول الثلاثة: التوحيد والرسالة والحشر، ذكر أنهم كافرون بالكل قائلين {لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه} من الكتب السماوية كالتوراة والإنجيل. يروى أن كفار مكة سألوا أهل الكتاب فأخبروهم أنهم يجدون صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم فأغضبهم ذلك وقرنوا إلى القرآن جميع الكتب. وقيل: الذين كفروا عام والذي بين يديه يوم القيامة وما جاء ذكره في القرآن من تفاصيل الحشر وغيرها، وأن أهل الكتاب لو صدّقوا بشيء من ذلك فليس لأجل مجيئه في القرآن ولكن لمجيئه في كتبهم. وحين وقع اليأس من إيمانهم بقولهم {لن نؤمن} وعد نبيه بأنه سيراهم على أذل حال موقوفين للسؤال متجاذبين أهداب المراجعة كما يكون حال جماعة أخطأوا في تدبير أمره وجواب "لو" محذوف أي لقضيت العجب. وبدأ بالأتباع لأن المضل أولى بالتوبيخ. وفي قوله {لولا أنتم} إشارة إلى أن كفرهم كان لمانع لا لعدم المقتضى فإن الرسول قد جاء ولم يقصر في الإبلاغ. ثم ذكر جواب المستكبرين وهم الرؤوس والمتبوعين على طريقة الاستئناف. وفي إيلاء الاسم وهو نحن حرف الإنكار إثبات أنهم هم الذين صدّوا بأنفسهم عن الهدى بكسب منهم واختيار وأن المانع لم يكن راجحاً على المقتضى ولا مساوياً له وأكدوا ذلك بقولهم {بل كنتم مجرمين} أي إنكم أنتم الذين أطعتم أمر الشهوة فكنتم كافرين ولم يكن منا إلا التسويل والتزيين. ثم عطف قولاً آخر للمستضعفين على قولهم الأول. والإضافة في {مكر الليل والنهار} من باب الاتساع بإجراء الظرف مجرى المفعول به وأصل الكلام: بل مكرهم في الليل والنهار. أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي، فالأول اتساع لفظي، والثاني معنوي. أبطلوا إضرابهم بإضرابهم قائلين: ما كان الإجرام من جهتنا بل من جهة مكركم لنا مستمراً دائماً دائباً ليلاً ونهاراً. وقدم الليل لأنه أخفى للمكر والويل. وقرئ {مكرّ الليل} بالتشديد أي سبب ذلك أنكم تكرّون الإغواء مكراً دائباً. والمعنى: ما أنتم بالصارف القطعي والمانع القويّ ولكن انضم إلى ذلك طول المدة فصار قولكم جزء السبب. وفي قوله {أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً} إشارة إلى أن الشرك وإن كان مثبتاً لله في الظاهر ولكنه نافٍ له على الحقيقة لأنه جعل مساوياً للصنم. ويجوز أن يكون كل منهما قول طائفة فبعضهم كانوا مأمورين بجحد الصانع وبعضهم بالإشراك به. وتفسير قوله {واسروا الندامة لما رأوا العذاب} مذكور في سورة يونس. والضمير يعود إلى جنس الظالمين الشامل للمستضعفين وللمستكبرين. وقوله {في أعناق الذين كفروا} أي في أعناقهم من وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على ما استحقوا به الأغلال وهي محمولة على الظاهر وإن جاز أن يراد بها العلائق. وفي قوله {هل تجزون} إشارة إلى أنهم استحقوها عدلاً. ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن إيذاء الكفار الأنبياء ليس بدعاً وإنما ذلك هجيراهم قدماً. وإنما خص المترفين بالذكر لأنهم أصل في الجحود والإنكار وغيرهم تبع، ثم استدلوا على كونهم مصيبين في ذلك بكثرة الأموال والأولاد اعتقدوا أنهم لو لم يكرموا على الله ما رزقهم، ثم قاسوا أمر الآخرة الموهومة أو المفروضة عندهم على أمر الدنيا فقالوا {وما نحن بمعذبين} فبين الله خطأهم بأن القابض الباسط ه والله {ولكن أكثر الناس لا يعملون} أن ذلك بمجرد المشيئة لا بالكسب والاستحقاق فكم من شقيّ موسر وتقي معسر. ثم زاد في البيان بقوله {وما أموالكم} اي وما جماعة أموالكم {ولا} جماعة {أولادكم بالتي تقرّبكم عندنا زلفى} أي قربى اسم بمعنى القربة وقع موقع المصدر كقوله {أية : والله أنبتكم من الأرض نباتاً} تفسير : [نوح: 17] ثم استثنى من ضمير المفعول في تقرّبكم بقوله {إلا من آمن} والمراد أن الأموال والأولاد لا تقرّب أحداً إلا المؤمن الصالح ينفق الأموال في سبيل الله ويعلم أولاده الخير والفقه في الدين. ويحتمل أن يكون الاستثناء من الفاعل والمعنى أن شيئاً من الأشياء لا يقرّب إلا عمل المؤمن الصالح لأن ما سوى ذلك شاغل عن الله، والعمل الصالح إقبال على العبودية. ومن توجه إلى الله وصل ومن طلب شيئاً من الله حصل. وجزاء الضعف من إضافة المصدر إلى المفعول تقديره: فأولئك لهم أن يجاوزوا الضعف. ومعنى قراءة يعقوب: أولئك لهم الضعف جزاء. والتضعيف يكون إلى العشر وإلى سبعمائة وأكثر كما عرفت. والباقي إلى قوله {محضرون} قد سبق. وحين بين أن حصول الترف لا يدل على الشرف ذكر أن بسط الرزق لا يختص بهم ولكنه سبحانه قد يبسط الرزق لمن يشاء من عباده المؤمنين. ثم رتب وعد الإخلاف على الإنفاق وذلك إما في العاجل بالمال أو بالقنوع، وإما في الآخرة بالثواب الذي لا خلف فوقه ولا مثله. ومما يؤكد الآية قوله صلى الله عليه وسلم "حديث : اللهم أعط منفقاً خلفاً" تفسير : الحديث. وقول الفقهاء ألق متاعك في البحر وعليّ ضمانه، وأن التاجر إذا علم أن مالاً من الأموال في معرض الفناء يبيعه نسيئة وإن كان من الفقراء وإلا نسب إلى الخطأ وسخافة الرأي، ولا ريب أن مال الدنيا في معرض الزوال وأن أغنى الأغنياء قد طلب منا الإقراض ووعد الإضعاف والإخلاف فأي تجارة عند العاقل أربح من هذا؟ {وهو خير الرازقين} لأن سلسلة الأرزاق والرزق تنتهي إليه. وعن بعضهم: الحمد لله الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي فكم من مشته لا يجد وواجد لا يشتهي. ثم حكى عاقبة حال الكفار بقوله {ويوم يحشرهم} وفي خطاب الملائكة تقريع الكفار وتقرير لما يعروهم من الخجل والوجل عند اقتصاص ذلك كما مر في قوله لعيسى {أية : ءَأَنتَ قلت للناس} تفسير : [المائدة: 116] {قالوا سبحانك} ننزهك عن أن نعبد غيرك أنت الذي نواليك ونعادي غيرك في شأن العبادة {بل كانوا يعبدون الجن} حيث أطاعوهم في عبادة غيرك فهم كانوا يطيعونهم وكنا نحن كالقبلة، أو صوّرت لهم الشياطين صور قوم من الجن وقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها، أو كانوا يدخلون في أجواب الأصنام فيعبدون بعبادتها. وإنما قالوا {أكثرهم بهم مؤمنون} وما ادّعوا الإحاطة لأن الذين رأوهم وأطلعهم الله على أحوالهم كانوا كذلك ولعل في الوجود من لا يطلع الله الملائكة عليه من الكفار. وأيضاً أن العبادة عمل ظاهر والإيمان عمل باطن، والاطلاع على عمل القلب كما هو ليس إلا الله وحده فراعوا الأدب الجميل والحكم على الظاهر أكثري. ثم ذكر أن الأمر في ذلك اليوم لله وحده والخطاب في قوله {لا يملك بعضكم} للملائكة والكفار وإن كان الكفار غائبين كما تقول لمن حضر عندك ولمن شاركه في أمر بسببه: أنتم قلتم كذا على معنى أنت قلت وهم قالوا. ويحتمل أن يكون الخطاب للكفار لأن ذكر اليوم يدل على حضورهم أو لهم وللملائكة أيضاً بهذا التأويل، وعلى الأول يكون قوله {ونقول للذين ظلموا} إفراداً للكفرة بالذكر، وعلى الوجه الآخر يكون تأكيداً لبيان حالهم في الظلم وذكر الضر تأكيد لعدم تملكهم شيئاً وإلا فهو غير متصور في ذلك اليوم. وإنما قال ههنا {عذاب النار التي كنتم بها تكذبون} وفي السجدة {أية : عذاب النار الذي كنتم به} تفسير : [الآية: 20] لأنهم هناك قد رأوا النار بدليل قوله {أية : كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها}تفسير : [الآية: 20] فقيل لهم ذوقوا العذاب المؤبد الذي كنتم به تكذبون في قولكم {أية : لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة} تفسير : [البقرة: 80] وههنا لم يروا النار. وقيل: لأنه مذكور عقيب الحشر والسؤال فناسب التوبيخ على تكذيبهم بالنار. ثم حكى أكاذيبهم بقوله {وإذا تتلى} الآية. ولا يخفى ما فيه من المبالغات. ثم بين أن أقوالهم هذه لا تستند إلا إلى محض التقليد فقال {وما آتيناهم من كتب يدرسونها} فالآيات البينات لا تعارض إلا بالبراهين العقلية وما لهم من دليل أو بالنقليات وما عندهم من كتاب ولا رسول غيرك {وكذب الذين من قبلهم} كعاد وثمود {وما بلغوا معشار ما آتيناهم} والمعشار كالمرباع وهما العشر والربع. قال الأكثرون: معناه وما بلغ هؤلاء المشركون عشر ما آتينا المتقدمين من القوة والنعمة وطول العمر. ثم إن الله أخذهم وما نفعهم محصولهم فكيف حال هؤلاء الضعفاء؟. وقال بعضهم: أراد وما بلغ الذين من قبلهم معشار ما آتينا قوم محمد صلى الله عليه وسلم من البيان والبرهان لأن محمداً صلى الله عليه وسلم أفصح الرسل وكتابه أوضح الكتب. ثنم إن المتقدمين أنكر عليهم تكذيبهم فكيف لا ينكر على هؤلاء؟ قال جار الله: قوله {فكذبوا رسلي} بعد قوله {وكذب الذين من قبلهم} تخصيص بعد تعميم كأنه قيل: وفعل الذين من قبلهم التكذيب فكذبوا رسلي؟ نظيره قول القائل: أقدم فلان على الكفر فكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. ويجوز أن ينعطف على قوله {وما بلغوا معشار ما} كقولك: ما بلغ زيد معشار فضل عمرو فيفضل عليه. قلت: فعلى هذا تكون الفاء للسببية، والمعنى أنه إذا لم يبلغ معشار فضله فكيف يفضل عليه؟ وكذا في الآية فيصير المعنى أنهم إذا لم يبلغوا معشار الأقدمين فكيف كذبوا؟ {فكيف كان نكير} للمكذبين الأوّلين فليحذروا من مثله. ويجوز عندي أن يكون الثاني تكريراً للأول لأجل ترتب النكير عليه كأنه قيل: فإذ قد صح أنهم فعلوا ما ذكرنا فلا جرم ذاقوا وبال أمرهم نظيره قولك لمن بحضرتك: فعلت كذا وكذا، فإذا فعلت ذلك فتربص. وبعد تقرير الأصول الثلاثة: التوحيد والرسالة والحشر كررها مجموعة بقوله {قل إنما أعظكم بواحدة} أي بخصلة أو حسنة أو كلمة واحدة وقد فسرها بقوله {أن تقوموا} على أنه عطف بيان لها. والقيام إما حقيقة وهو قيامهم عن مجلس النبيُّ متفرقين إلى أوطانهم. وإما مجاز وهو الاهتمام بالأمر والنهوض له بالعزم والجد. فقوله {مثنى وفرادى} إشارة إلى جميع الأحوال لأن الإنسان إما أن يكون مع غيره أو لا فكأنه قال: أن تقوموا لله مجتمعين ومنفردين لا تمنعكم الجمعية عن ذكر الله ولا يحوجكم الانفراد إلى معين يعينكم على ذكر الله. وقوله {ثم تتفكروا} يعني اعترفوا بما هو الأصل وهو التوحيد ولا حاجة فيه إلى تفكر ونظر بعدما بان وظهر، ثم تتفكروا فيما اقول بعده، وهو الرسالة المشار إليها بقوله {ما بصاحبكم من جنة} والحشر المشار إليه بقوله {بين يدي عذاب شديد} قيل: وفيه إشارة إلى عذاب قريب كأنه قال: ينذركم بعذاب يمسكم قبل الشديد. فمجموع الأمور الثلاثة شيء واحد، أو المراد أنه لا يأمرهم في أوّل الأمر بغير التوحيد لأنه سابق على الكل لا أنه لا يأمرهم في جميع العمر إلا بشيء واحد. وعند جار الله: الخصلة الواحدة هي الفكر في أمر محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى: إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وهو أن تقوموا لوجه الله خالصاً متفرقين اثنين اثنين وواحداً واحداً، فإن ما فوق الإثنين والواحد يوجب التشويش واختلاف الرأي فيعرض كل من الإثنين محصول فكره على صاحبه من غير عصبية ولا اتباع هوى، وكذلك الفرد يفكر في نفسه بعدل ونصفه حتى يجذب الفكر بصنعه إلى أن هذا الأمر المستتبع لسعادة الدارين لا يتصدّى لادعائه إلا رجلان: مجنون لا يبالي بافتضاحه إذا طولب بالبرهان، وعاقل اجتباه الله بسوابق الفضل والامتنان لتكميل نوع الإنسان. لكن محمداً صلى الله عليه وسلم بالاتفاق أرجح الناس عقلاً وأصدقهم قولاً وأوفرهم حياء وأمانة، فما هو إلا النبيّ المنتظر في آخر الزمان المبعوث بين يدي عذاب شديد هو القيامة وأهوالها. وقوله {ما بصاحبكم} إما أن يكون كلاماً مستأنفاً فيه تنبيه على كيفية النظر في أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم والمراد: ثم تتفكروا فتعلموا ذلك. وجوز بعضهم أن تكون "ما" استفهامية. وحين ذكر أنه ما به جنة ليلزم منه كونه نبياً ذكر وجهاً آخر يلزم منه صحة نبوّته وهو قوله {ما سألتكم من أجر} الآية. وتقريره أن العاقل لا يركب العناء الشديد إلا لغرض عاجل وهو غير موجود ههنا بل كل أحد يعاديه ويقصده بالسوء، أو لغرض آجل ولا يثبت إلا على تقدير الصدق فإن الكاذب معذب في الآخرة لا مثاب. هذا إذا أريد بقوله {فهو لكم} نفي سؤال الآخر رأساً كما يقول الرجل لصاحبه: إن أعطيتني شيئاً فخذه وهو لم يعطه شيئاً. ويحتمل أن يراد بالأجر قوله {أية : لا أسألكم عليه أجراً إلا المودّة في القربى} تفسير : [الشورى: 23] وقوله {أية : ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً}تفسير : [الفرقان: 57] لأن المودة في القربى قد انتظمته وإياهم وكذا اتخاذ السبيل إلى الله عز وجل فيه نصيبهم ونفعهم. {وهو على كل شيء شهيد} يعلم أني لا أطلب الأجر على نصحكم أو يعلم أن فائدة النصح تعود عليكم. قوله {يقذف بالحق} اي في قلوب المحقين وفيه إزالة استبعاد الكفرة تخصيص واحد منهم بإنزال الذكر عليه فإن الأمر بيد الله والفضل له يؤتيه من يشاء وإنه {علام الغيوب} يعلم عواقب الأمور ومراتب الاستحقاق فيعطى على حسب ذلك لا كما يفعل الهاجم الغافل، أو أراد يقذف بالحق على الباطل فيدمغه، وذلك أن براهين التوحيد قد ظهرت وشبه المبطلين قد دحضت. وفي قوله {علام الغيوب} إشارة إلى أن البرهان الباهر لم يقم إلا على التوحيد والرسالة، وأما الحشر فالدليل عليه إخبار علام الغيوب عنه. وحين ذكر أنه يقذف بالحق وكان ذلك بصيغة الاستقبال أخبر أن ذلك الحق قد جاء وهو القرآن والإسلام وكل ما ظهر على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وعلى يده. وقيل: السيف. وقوله {وما يبدئ الباطل وما يعيده} مثل في الهلاك لأن الحيّ إما أن يبدئ فعلاً أو يعيده، فإذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة. والتحقيق فيه أن الحق هو الموجود الثابت. ولما كان ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من بيان التوحيد والرسالة والحشر ثابتاً في نفسه بيناً لمن نظر إليه كان جائياً، وحين كان ماأتوا به من الإصرار والتكذيب مما لا أصل له قيل: إنه لا يبدئ ولا يعيد أي لا يعيد شيئاً لا في الأوّل ولا في الآخر. وقيل: الباطل إبليس لأنه صاحب الباطل ولأنه هالك والمراد أنه لا ينشئ خلقاً ولا يعيد وإنما المنشئ والباعث هو الله. وعن الحسن: لا يبدئ لأهله خيراً ولا يعيده أي لا ينفعهم في الدنيا والآخرة. وقال الزجاج: "ما" استفهامية والمعنى أي شيء ينشئ إبليس ويعيده؟ ثم قرر أمر الرسالة بوجه آخر وهو قوله {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي} يعني كضلالكم وأما اهتدائي فليس بالنظر والاستدلال كاهتدائكم وإنما هو بالوحي المبين. قال جار الله: هذا حكم عام لكل مكلف، والتقابل مرعي من حيث المعنى والمراد أن كل ما هو وبال على النفس وضارّ لها فهو بها وبسببها لأنها الأمارة بالسوء وما لها ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه. وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به {إنه سميع قريب} يدرك قول كل ضال ومهتد وفعله لا يعزب عنه منهما شيء، وفيه أن الرسول صلى الله عليه وسلم إذا دعاه على من يكذبه أجابه ليس كمن يسمع من بعيد ولا يلحق الداعي. ثم عجب نبيه أو كل راءٍ من مآل حال أهل العناد بقوله {ولو ترى} وجواب محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً. والأفعال الماضية التي هي {فزعوا} {وأخذوا} {وقالوا} {وحيل} كلها من قبيل {أية : ونادى} تفسير : [الأعراف: 48] {أية : وسيق}تفسير : [الزمر: 73] ووقت الفزع وقت البعث أو الموت أو يوم بدر. وعن ابن عباس: نزلت في خسف البيداء وهم ثمانون ألفاً أرادوا غزو الكعبة وتخريبها فخسف بهم حين دخلوا البيداء {فلا فوت} أي فلا يفوتون الله ولا يسبقونه. والأخذ من مكان قريب هو من الموقف إلى النار، أو من ظهر الأرض إلى بطنها، أو من صحراء بدر إلى القليب، أو من تحت أقدامهم إلى الأرض,. وجوّز جار الله أن يعطف {وأخذوا} على {لافوت} على معنى إذ فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا. ثم بين أنهم سيؤمنون بمحمد صلى الله عليه سولم أو بالقرآن أو بالحق حين لا ينفع الإيمان وذلك قوله {وأنى لهم التناوش} وهو تناول سهل لشيء قريب مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من بعيد كما يتناوله الآخر من قريب تناولاً سهلاً لا تعب فيه، أو أراد أن تناولهم التوبة وإيمانهم في الآخرة بعيد عن الدنيا فإن أمس الدابر لا يعود وإن كانت الآخرة قريبة من الدنيا ولهذا سماها الله الساعة وكل ما هو آت قريب. وعن أبي عمرو: التناؤش بالهمز التناول من بعد من قولهم: نأشت بالهمزة أي أبطأت وتأخرت. والصح أنه من النوش كما مر همزت الواو المضمومة كما همزت فلي أجوه. وقيل: التناوش بلغة اليمن التذكرة قاله أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب في كتاب "المدخل في تفسير القرآن" والضمير في قوله {وقد كفروا} عائد إلى ما يعود إليه في قوله {آمنا به}. قوله {ويقذفون بالغيب} فيه وجوه أحدها: أنه قولهم في رسول الله صلى الله عيله وسلم شاعر ساحر وهذا تكلم بالأمر الخفي وقد أتوا به من جهة بعيدة عن حاله لأنهم قد عرفوا منه الأمانة والصدق لا الكذب والزور. وثانيهاك أخذوا الشريك من حالهم في العجز فإنهم يحتاجون في الأمور العظام إلى التعاون فقاسوا الأمر الإلهي عليه. وثالثها: أنهم قاسوا قدرة الله على قدرتهم عجزوا عن إحياء الموتى فظنوا أن الله لا يقدر على البعث، وقياس الخالق على المخلوق بعيد المأخذ. ورابعها: قاسوا أمر الآخرة على الدنيا قائلين إن كان الأمر كما تصفون من قيام الساعة وحصول الثواب والعقاب فنحن أكرم على الله من أن يعذبنا. وخامسها: قالوا {أية : ربنا ابصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً}تفسير : [السجدة: 12] وهو قذف بالغيب من مكان بعيد وهو الدنيا. {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} من نفع الإيمان في الآخرة أو من الرد إلى الدنيا {كما فعل باشياعهم} أي بأشباههم من كفرة الأمم لم ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأس الله و {مريب} موقع في الريب منقول من الأعيان إلى المعنى أو ذو ريبة وذلك باعتبار صاحبه وكلاهما مجاز بوجهين وقد مر في هود. التأويل: {مثقال ذرة في السموات} القلوب {ولا في الأرض} النفوس من سعادة أو شقاوة {قالوا الحق} يعني ما فهموا من الهيبة كلامه ولكن يعلمون أنه لا يقول إلا الحق {قل من يرزقكم} من سموات القلوب وأرض النفوس إذا نزل من سماء القلب ماء الفيض على أرض الشرعية. {ألحقتم به شركاء} من الدنيا والهوى والشيطان كافة للناس من أهل الأولين والآخرين في عالم الأجساد وهو ظاهر، وفي عالم الأرواح تبشرها بأن لها كمالاً عند الاتصال بالأشباح وتنذرها بالحرمان إن لم تتعلق بالأجسام، وذلك أن الأرواح علوية نورانية والأشباح سفلية مظلمة لا يحصل بينهما التعلق إلا بالتبشير والإنذار. فالروح بمثابة البذر والقالب كالأرض، وشخص الإنسان بمثابة الشجرة، والتوحيد والمعرفة ثمرتها، والشريعة كالماء والبشير والنذير كالآكار. وإذا أمعنت النظر وجدت شجرة الموجودات نابتة من بذر روحه صلى الله عليه وسلم وهو ثمرة هذه الشجرة مع جميع الأنبياء والمرسلين ولكن بتبعية محمد صلى الله عليه وسلم ولهذا حصلت له رتبة الشفاعة دونهم. يقولون يعني أرباب الطلب يستعجلون متى نصل إلى الكمال الذي بشرتمونا به. ثم بين أن لثمرة كل شجرة وقتاً معلوماً لا تتجاوزه {أكثرهم بهم مؤمنون} اي أكثر مدعي الإسلام بأهل الأهواء مؤمنون {ويقذفون بالغيب} فيه أن معارف الأسرار ومراتب الأحرار لا تصلح لمن هو اسير في أيدي صفات النفس {وحيل بينهم} لأن الدين ليس بالتمني والله أعلم بحقائق الأشياء والله الموفق.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ‏ {‏وما لهم فيهما من شرك‏}‏ يقول‏:‏ ما لله من شريك في السموات ولا في الأرض ‏ {‏وما له منهم‏} ‏ قال‏:‏ من الذين دعوا من دونه ‏{‏من ظهير‏} ‏ يقول‏:‏ من عون بشيء‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وما له منهم من ظهير‏}‏ يقول‏:‏ من عون من الملائكة‏.

ابو السعود

تفسير : {قُلْ} أي للمشركين إظهاراً لبُطلان ما هُم عليه وتَبكيتاً لهم {ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ} أي عمتمُوهم آلهةً وهما مفعولا زعمَ ثم حُذف الأوَّلُ تخفيفاً لطول الموصول بصلتِه والثَّاني لقيام صفتِه أعني قوله تعالى {مِن دُونِ ٱللَّهِ} مقامه ولا سبـيل إلى جعله مفعولاً ثانياً لأنَّه لا يلتئمُ مع الضَّميرِ كلاماً وكذا لا يملكُون لأنَّهم لا يزعمونه والمعنى ادعوهم فيما يهمُّكم من جَلْبِ نفعٍ أو دفعِ ضُرَ لعلَّهم يستجيبون لكُم إنْ صح دعواكم ثم أجاب عنهم إشعاراً بتعيُّن الجوابِ وأنَّه لا يقبلُ المكابرةَ فقال {لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ} من خير وشرَ ونفع وضرَ {فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ} أي في أمرٍ ما من الأمور. وذكرُهما للتَّعميمِ عُرفاً، أو لأنَّ آلهتَهم بعضُها سماويةٌ كالملائكةِ والكواكبِ وبعضُها أرضية كالأصنامِ أو لأنَّ الأسباب القريبة للخيرِ والشرِّ سماويةٌ وأرضيةٌ والجملة استئنافٌ لبـيانِ حالِهم. {وَمَا لَهُمْ} أي لآلهتِهم {فِيهِمَا مِن شِرْكٍ} أي شَركةٍ لا خلقاً ولا مُلكاً ولا تصرُّفاً {وَمَا لَهُ} أي لله تعالى {مِنْهُمْ} من آلهتِهم {مّن ظَهِيرٍ} يُعينه في تدبـير أمرِهما. {وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُ} أي لا توُجد رأساً كما في قوله: [السريع] شعر : لا تُفْزِعِ الأرنَبَ أهوَالُها وَلاَ تَرَى الضَّبَّ بها ينجحِرُ تفسير : لقوله تعالى: { أية : مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} تفسير : [سورة البقرة: الآية 255] وإنَّما علَّق النَّفيَ بنفعها لا بوقوعِها تصريحاً بنفي ما هو غرضُهم من وقوعها وقوله تعالى {إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} استئناءٌ مفرَّعٌ من أعمِّ الأحوال أي لا تقع الشَّفاعةُ في حال من الأحوالِ إلا كائنةً لمن أذنَ له في الشَّفاعةِ من النبـيِّـين والملائكةِ ونحوِهم من المستأهلين لمقام الشَّفاعةِ فتبـيَّن حرمانُ الكَفرَة منها بالكُلِّية، أما من جهةِ أصنامِهم فلظهور انتفاء الإذن لها ضرورةَ استحالةِ الإذنِ في الشفاعة لجمادٍ لا يعقلُ ولا ينطق وأمَّا من جهةِ مَن يعبدونَهُ من الملائكةِ فلأنَّ إذنَهم مقصورٌ على الشَّفاعةِ للمستحقِّين لها لقوله تعالى: { أية : لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً} تفسير : [سورة سبأ: الآية 38] ومن البـيِّن أنَّ الشَّفاعةَ للكفرةِ بمعزل من الصَّوابِ أو لا تنفع الشَّفاعةُ من الشُّفعاءِ المستأهلين لها في حالً من الأحوال إلا كائنةً لمن إذِن له أي لأجلهِ وفي شأنِه من المستحقِّين للشَّفَّاعة وأمَّا مَن عداهم من غيرِ المستحقِّين لها فلا تنفعُهم أصلاً وإنْ فُرض وقوعُها وصدورُها عن الشُّفعاءِ إذ لم يؤذَن لهم في شفاعتهم بل شفاعة غيرِهم، فعلى هذا يثبتُ حرمانُهم من شفاعة هؤلاء بعبارة النَّصِّ ومن شفاعة الأصنام بدلالته إذ حيثُ حُرموها من جهةِ القادرين على شفاعة بعض المحتاحين إليها فلأنْ يُحرموها من جهة العَجَزةِ عنها أولى. وقُرىء أُذِنَ له مبنيّاً للمفعولِ. {حَتَّىٰ إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} أي قلوب الشُّفعاءِ والمشفوعِ لهم من المؤمنين وأمَّا الكَفَرةُ فهم من موقف الاستشفاع بمعزلٍ وعن التَّفزيعِ عن قلوبهم بألفِ منزلٍ والتفزيع إزالةُ الفزعِ ثمَّ ترك ذكر الفزع وأسند الفعل إلى الجارِّ والجرور وحتَّى غاية لما ينبىء عنه ما قبلها من الإشعار بوقوع الإذنِ لمن أذن له فإنَّه مسبوق بالاستئذان المستدعِي للتَّرقبِ والانتظارِ للجواب كأنَّه سُئل كيف يُؤذن لهم فقيل يتربَّصون في موقف الاستئذانِ والاستدعاءِ ويتوقَّفون على وَجَلٍ وفَزَعٍ مليّاً حتَّى إذا أُزيلَ الفزعُ عن قلوبهم بعد اللَّتيا والَّتي وظهرتْ لهم تباشيرُ الإجابةِ {قَالُواْ} أي المشفوعُ لهم إذْ هم المحتاجون إلى الإذنِ والمهتمُّون بأمره {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} أي في شأنِ الإذنِ {قَالُواْ} أي الشُّفعاءُ لأنَّهم المُباشرون للاستئذان بالذَّاتِ المتوسِّطُون بـينهم وبـينه عزَّ وجلَّ بالشَّفاعةِ {ٱلْحَقّ} أي قال ربُّنا القول الحقَّ وهو الإذن في الشفاعةِ للمستحقَّين لها وقُرىء الحقُّ مرفوعاً أي ما قاله الحقُّ {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} من تمام كلام الشُّفعاء قالوه اعترافاً بغاية عظمة جناب العزَّةِ عزَّ وجلَّ وقصور شأنِ كلِّ مَن سواه أي هو المتفرِّدُ بالعلوِّ والكبرياءِ ليس لأحدٍ من أشراف الخلائقِ أنْ يتكلَّم إلا بإذنه. وقُرىء فُزع مخفَّفاً بمعنى فزع وقرىء فَزِع على البناء للفاعل وهو الله وحدَه وقرىء فَرغَ بالراء المهلمة والغين المعجمة أي نفي الوجلٍ عنها وأفنى، من فرغَ الزَّادُ إذا لم يبقَ منه شيءٌ وهو من الإسنادِ المجازيِّ لأنَّ الفراغَ وهو الخلوُّ حال ظرفه عند نفادِه فأُسند إليه على عكسِ قولِهم جَرَى النَّهر وعن الحسن تخفيفُ الرَّاءِ وأصله فَرغ الوجلُ عنها أي انتفى عنها وفني ثم حُذف وأُسند إلى الجارِّ والمجرور وبه يُعرف حال التَّفريغِ. وقُرىء ارتفعَ عن قلوبِهم بمعنى انكشفَ عنها.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل} يا محمد للمشركين اظهارا لبطلان ما هم عليه وتبكيتا لهم {ادعوا} نادوا {الذين زعمتم}. قال فى القاموس الزعم مثلثة القول الحق والباطل والكذب ضد واكثر ما يقال فيما يشك فيه. وفى المفردات الزعم حكاية قول يكون مظنة الكذب ولهذا جاء فى القرآن فى كل موضع ذك القائلين به والمعنى زعمتموهم آلهة وهما مفعولا زعم ثم حذف الاول وهو ضمير الراجع الى الموصول تخفيفا لطول الموصول بصلته والثانى وهو آلهة لقيام صفته اعنى قوله {من دون الله} مقامه والمعنى ادعوا الذين عبدتموهم من دون الله فيما يهتمكم من جلب نفع ودفع ضر لعلهم يستجيبون لكم ان صح دعواكم ثم اجاب عنه اشعارا بتعين الجواب وانه لا يقبل المكابرة فقال بطريق الاستئناف لبيان حالهم {لا يملكون مثقال ذرة} من خير وشر ونفع وضر وقد سبق معنى المثقال والذرة فى اوائل هذه السورة {فى السموات ولا فى الارض} اى فى امر ما من الامور وذكرهما للتعميم عرفا يعنى ان اهل العرف يعبرون بهما عن جميع الموجودات كما يعبرون بالمهاجرين والانصار عن جميع الجماعة او لان آلهتهم بعضها سماوية كالملائكة والكواكب وبعضها ارضية كالاصنام او لان الاسباب القريبة للخير والشر سماوية وارضية {ومالهم} اى لآلهتهم {فيهما} فى السموات والارض {من شرك} اى شركة لا خلقا ولا ملكا ولا تصرفا {وماله} اى لله تعالى {منهم} من آلهتهم {من ظهير} من عون يعينه فى تدبير امورهما. تلخيصه انه تعالى غنى عن كل خلقه وآلهتهم عجزة عن كل شئ: وفى المثنوى شعر : نيست خلقش را دكر كس مالكى شر كتش دعوى كند حزهالكى ذات او مستغنيست از ياورى بلكه يابد عون ازو هر سرورى

ابن عجيبة

تفسير : قلت: حذف مفعولي زعم، أي: زعمتموهم آلهة تعبدونهم من دون الله، بدلالة السياق عليهما. يقول الحق جلّ جلاله: {قُلْ} لهم {ادعوا الذين زعمتم من دون الله} أي: زعمتموهم آلهة، فعبدتموهم من دون الله، من الأصنام والملائكة، وسميتموهم باسْمِهِ، فالتجئوا إليهم فيما يعروكم، كما تلتجئون إليه في اقتحام الشدائد الكبرى. وانتظروا استجابتهم لدعائكم كما تنتظرون استجابته. وهذا تعجيز وإقامة حجة على بطلان عبادتها. ويُروى أنها نزلت عند الجوع الذي أصاب قريشاً. ثم ذكر عجزهم فقال: {لا يملكون مثقال ذرةٍ} من خير أو شر، ونفع أو ضر {في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شِرْكٍ} أي: وما لهم في هذين العالَمين؛ العلوي والسفلي، من شرك في الخلق، ولا في المُلك، {وما له} تعالى {منهم} من آلهتهم {من ظهيرٍ} معين يعينه على تدبير خلقه. يريد أنه على هذه الصفة من العجز، فكيف يصحُّ أن يُدْعَوا كما يدعى تعالى، أو يُرْجَوا كما يُرجى سبحانه؟ ثم أبطل قولهم: {أية : هَؤُلآَءِ شُفَعَآؤُنَا عِندَ اللهِ}تفسير : [يونس: 18] بقوله: {ولا تنفعُ الشفاعةُ عنده إِلا لمن أَذِنَ له} تعالى في الشفاعة، ممن له جاه عنده، كالأنبياء، والملائكة، والأولياء، والعلماء الأتقياء، وغيرهم ممن له مزية عند الله. وقرأ أبو عمرو والأخوان بالبناء للمفعول، أي: إلا مَن وقع الإذن للشفيع لأجله. ثم ردّ على مَن زعم من الكفار أن الملائكة تشفع، قطعاً؛ لمكانها من الله، فقال: {حتى إِذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق} فحتى: غاية لمحذوف، أي: وكيف تشفع قبل الإذن، وهي في غاية الخوف والهيبة من الله، إذا سمعوا الوحي صعقوا، {حتى إِذا فُزِّع عن قلوبهم} أي: كشف الفزع عن قلوبهم {قالوا ماذا قال ربكم} من الوحي؟ {قالوا الحقَّ} فمَن كان هذا وصفه لا يجترىء على الشفعاعة إلا بإذن خاص. قال الكواشي: إنه يفزع عن قلوبهم حين سمعوا كلام الله لجبريل بالوحي، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر لأهل السماء أخذت السماوات منه رَجْفةٌ ـ أو قال: رَعْدَةٌ شديدةٌ ـ خوفاً من ذلك، فإذا سمع أهل السماوات صَعِقُوا، وخَرُّوا سُجداً، فيكون أول مَن يرفع رأسه جبريل، فيُكلمه من وَحْيِه بما أراد، ثم يَمُرُّ على سماءٍ سماء، إلى أن ينزل بالوحي، فإذا مَرَّ على الملائكة سألوه، ثم قالوا: ماذا قال ربكم؟ فيقول جبريل: قال الحقَّ"تفسير : . نصب المفعول بقالوا، وجمع الضمير تعظيماً لله تعالى. ثم قال: وفي الحديث: "حديث : إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة، كجر السلسلة على الصفا، فيصعقون، حتى يأتيهم جبريل، فيفزع عن قلوبهم ـ أي: يكشف ـ ويخبرهم الخبر"تفسير : ثم قال: وقيل المعنى: أنه لا يشفع أحد إلا بعد الإذن، ولا يشعر به إلا المقربون؛ لِما غشي عليهم من هول ذلك اليوم، فإذا ذهب الفزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم في الشفاعة؟ قالوا الحق، أي: أذن فيها. هـ. ومثل هذا لابن عطية، وتبعه ابن جزي، قال: الضمير في "قلوبهم"، وفي "قالوا" للملائكة. فإن قيل: كيف ذلك، ولم يتقدم لهم ذكر؟ فالجواب: أنه قد وقعت إليهم إشارة بقوله: {وَلا تنفع الشفاعة عنده إلا لمَن أذن له} لأن بعض العرب كانوا يعبدون الملائكة، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، فذكر الشفاعة يقتضي ذكر الشافعين، فعاد الضمير على الشفعاء، الذين دلَّ عليهم ذكر الشفاعة. هـ. وقرأ يعقوب وابن عامر "فَزع" بفتح الفاء بالبناء للفاعل. والتضعيف للسلب والإزالة، أي: سلب الفزع وأزاله عن قلوبهم، مِثل قردت البعير: إذا أزلت قراده، ومَن بناه للمفعول فالجار نائب. {وهو العليُّ الكبيرُ} أي: المتعالي عن سمة الحدوث، وإدراك العقول، الكبير الشأن، فلا يقدر أحد على شفاعة بلا إذنه. الإشارة: كل مَن آثر شيئاً أو أحبّه سوى الله، أو خافه، يقال له: ادعوا الذين زعمتم أنهم ينفعونكم أو يضرونكم، من دون الله، {لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض...} الآية. وأما محبة الأنبياء والأولياء والعلماء الأتقياء فهي محبة الله، لأنهم يُوصلون إليه، فلم يحبهم أحد إلا لأجل الله، فتنفع شفاعتهم بإذن الله. وقوله: {حتى إذا فُزع عن قلوبهم...} الخ، قال الورتجبي: وصف سبحانه أهل الوجد، من الملائكة المقربين، وذلك من صولة الخطاب، فإذا سمعوا كلام الحق، من نفس العظمة، وقعوا في بحار هيبته وإجلاله، حتى فنوا تحت سلطان كبريائه، ولم يعرفوا معنى الخطاب في أول وارد السلطنة. فإذا فاقوا سألوا معنى الخطاب من جبريل عليه السلام، فهو من أهل الصحو والتمكين في المعرفة. هـ. ثم تتم قوله: {لا يملكون مثقالَ ذرةٍ} أي: لا من رزق ولا غيره، فقال: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ...}

الجنابذي

تفسير : {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ} شركاء لله {مِّن دُونِ ٱللَّهِ} من دون اذن الله او حال كونهم عبادة من غير الله يعنى قل ادعوهم فى حوائجكم {لاَ يَمْلِكُونَ} حال او مستأنفة جواب لسؤالٍ مقدّرٍ {مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} فلا يملكون ولا يقدرون على جلب نفع لكم ولا على دفع ضرّ {وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ} فى شيءٍ منهما ولا فى شيءٍ ممّا فيهما يعنى لا يملكون شيئاً فيهما لا بالاستقلال ولا بالشّراكة فهو بمنزلة الاضراب والتّنزّل من الصّفة العليا الى الدّنيا {وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ} اضراب من العليا الى الدّنيا ايضاً كأنّه قال بل لا مدخليّة لهم فيهما بنحو المظاهرة لله.

الأعقم

تفسير : {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله} وهو الأوثان إذا نزل بكم العذاب {لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض} أي لا يقدرون على مثقال ذرة، وقيل: من أرزاق العباد، وقيل: من خير وشر في السماوات ولا في الأرض، {وما لهم فيهما من شرك} أي الأوثان {وما له منهم من ظهير} أي معين {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن اذن له حتى إذا فزّع عن قلوبهم} يعني كشف الخوف عن قلوبهم {قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق} أي القول الحق وهو الإِذن بالشفاعة لمن ارتضى، وعن ابن عباس: عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : فإذا أذن لمن أذن أن يشفع فزعته الشفاعة" تفسير : وذلك بعد الخروج من القبور يعني إنما كشف الفزع عن قلوب المشركين قالت الملائكة: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، ومنهم من قال: هو راجع إلى الملائكة، وقيل: ذلك يكون عند فزع أرواحهم وقلوبهم يعود إلى الكفار، وذلك أن اعترافهم حين لا ينفعهم {وهو العلي الكبير} {قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى} والمعنى أنَّا لعلى هدى وإنكم لفي {ضلال مبين} {قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون} أي لا تؤخذون بعملنا ولا نؤخذ بعملكم {قل} يا محمد {يجمع بيننا ربنا} يوم القيامة {ثم يفتح بيننا} يثيب المحق ويعاقب المبطل {وهو الفتاح العليم} {قل أروني الذين ألحقتم به شركاء} قل لهم يا محمد اعلموني ولم يرد الرويَّة للنظر لأنهم كانوا يرون الأصنام، وقيل: أروني ما هو خلق الشركاء الذين ألحقتم بالله، شركاء أي أشركتموهم {كلا} ليس كما يفعلون {قل هو الله} لا شريك له ولا ندّ فيستحق العبادة {العزيز الحكيم} {وما أرسلناك} يا محمد {إلا كافة للناس} قيل: جامعاً لهم بالإِنذار والدعوة إلى العرب والعجم وسائر الأمم لمن اتبعه بالجنة {ونذيراً} مخوفاً لمن خالفه بالنار {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} رسالتك {ويقولون متى هذا الوعد} قيل: القيامة، وقيل: العذاب {إن كنتم صادقين} في ذلك {قل} يا محمد {لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون} وهو يوم القيامة.

اطفيش

تفسير : {قل} يا محمد لكفار مكة. {ادعو الذين زعمتم} انهم آلهة من ملك وصنم وكوكب. {من دون الله} ليكشفوا عنكم الضر النازل بكم من الجوع في سنى الجوع فإن الآية نزلت في الجوع الذي اصاب قريشا وقيل ليكشف الضر عنكم مطلقا أي ضر كان. {لا يملكون مثقال ذرة} لا يملك الذين زعمتم وزن نملة صغيرة جدا من جلب نفع ولا دفع ضر لانفسهم فضلا عن غيرهم. {في السماوات ولا في الأرض} ذكر السماوات والأرض لأنهم يعبدون الملائكة والنجوم وهي من السماء والأصنام وهي من الأرض ولأن أسباب الضر والنفع سماوية وأرضية وذكر ذلك تعميما عرفيا كما تقول لا اعطيك كذا ولو طلبته مني سبعين مرة وانت لا تعطيه ولو طلبه اكثر من ذلك والذي يظهر ان جملة لا يملكون إلى آخره اما مستأنفة لبيان حال آلهتهم من العجز واستئنافها في كلام الله الذي لم يسلط عليه القول او في كلام رسوله صلى الله عليه وسلم فيسلط عليها القول وهذا كما تحكي بالقول جملا بعضها متصل وبعضها منقطع عن غيره واما حال من الذين على نوع من التهكم كما تقول لمن تتهكم عليه ادع هذا الصبي او الشيخ الهرم يقاتل عنك العدو او يقتل عنك الاسد. {وما لهم} للالهة. {فيهما} في الصنفين اللذين احدهما السماوات والآخر الآرض. {من شرك} شركة ملك ولا خلق. {وما له} لله. {منهم من ظهير} معين على تدبير امرهما.

اطفيش

تفسير : {قُلْ} يا محمد لقومِكَ المُشْركين المضروب لَهُم المَثل بقصة سبأ المفروفة لهم، المذكورة فى أشعارهم {ادْعُوا} لكشف الجوع عنكم، كما روى أنها نزلت عند جوعهم، ولكشف سائر الأضرار، وجلب المنافع، والأمر توبيخ لهم على عبادة ما لا ينفع وتعجيز {الَّذين زعمتم} أى زعمتموهم آلهة، وحذف المفعولان، ولا يضر كثرة الحذف مع ظهور المعنى، وهو هنا كالشمس، ولا سيما إن حذف رابط الموصول من فعل صلته المتعدى للطول، إذ الموصول والصلة كواحد من حديث البحر، والثانى ناب عنه قوله: {من دون الله} إلا أن المناسب لسائر القرآن أن يقدر زعمتم أنهم آلهة، إذ لم يقع فى القرآن مفعولا الزعم إلا بأن، ومراعاة المناسبة أولى من مراعاة تقليل المحذوف، فانه إذا قدر بأن زاد حذف أن. {لا يمْلكُون مِثْقَال ذَرَّةٍ} مستأنف جواب بما لا بد أن يقولوه فلم ينتظر أن يقولوه، أو حال لازمة من الذين، ولا حاجة الى تقدير ثم أجب عنهم قائلا، لا يملكون مثقال ذرَّة {في السَّماوات ولا في الأرض} أى فى أمر من أمور الدنيا والآخرة، وذكر السماوات والأرض عبارة عن التعميم فى الموجودات الشاملة للعرش والكرسى، قال بعض المحققين من الحنفية، كما يذكر المهاجرون والأنصار تعميما للصحابة، وأيضا فى السماوات لهم آلهة كالملائكة والكواكب، وفى الأرض آلهة كالأصنام، فأخبر الله أن السماوية عاجزة عن الأمر السماوى، والأرضية عن الأرضى، وأن المستحق للعبادة من يملك أمور السماوات والأرض وغيرها. {ومَالَهُم} للآلهة التى نزلوها منزلة الحى العاقل، حتى إنهم يعبرون عنها بما للعقلاء كالذين، ويملكون ولهم وهى الأصنام والكواكب، والشمس والقمر، وإذا عمت الآية الملائكة فهم عقلاء تحقيقا {فيهما} فى النوعين الاثنين: أحدهما السماوات، والآخر الأرض {مِنْ شرْكٍ} شركة بخلق أو إعدام ملك أو تصرف {ومالَهُ} لله عز وجل {منْهُم} من آلهتهم {مِن ظَهير} معين على أمر من أمورهما.

الالوسي

تفسير : {قُلْ } يا محمد للمشركين الذين ضرب لهم المثل بقصة سبأ المعروفة عندهم بالنقل في أخبارهم وأشعارهم تنبيهاً على بطلان ما هم عليه وتبكيتاً لهم {ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ } أي زعمتموهم آلهة، كذا قدره الجمهور على أن الضمير مفعول أول وآلهة مفعول ثان وحذف الأول تخفيفاً لأن الصلة والموصول بمنزلة اسم واحد فهناك طول يطلب تخفيفه والثاني لأن صفته أعني قوله تعالى: {مِن دُونِ ٱللَّهِ } سدت مسده فلا يلزم إجحاف بحذفهما معاً، ولا يجوز أن يكون {مِن دُونِ ٱللَّهِ } هو المفعول الثاني إذ لا يتم به مع الضمير الكلم ولا يلتئم النظام فأي معنى معتبر لهم من دون الله على أن في جواز حذف أحد مفعولي هذا الباب اختصاراً خلافاً ومن أجازه قال هو قليل في كلامهم، وكذا لا يجوز أن يكون لا يملكون لأن ما زعموه ليس كونهم غير مالكين بل خلافه، وليس ذلك أيضاً بزعم بالمعنى الشائع لو سلم أنه صدر منهم بل حق، وقال ابن هشام: الأولى أن يقدر زعمتم أنهم آلهة لأن الغالب على ـ زعم ـ أن لا يقع على المفعولين الصريحين بل على ما يسد مسدهما من أن وصلتهما ولم يقع في التنزيل إلا كذلك أي فالأنسب أن يوافق المقدر المصرح به في التنزيل. ورجح تقدير الجمهور بأنه أبعد عن لزوم الإجحاف. والأمر للتوبيخ والتعجيز أي ادعوهم فيما يهمكم من دفع ضر أو جلب نفع لعلهم يستجيبون لكم إن صح دعواكم. روي أن ذلك نزل عند الجوع الذي أصاب قريشاً. وقوله تعالى: {لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ } كلام مستأنف في موقع الجواب ولم يمهلم ليجيبوا إشعاراً بتعينه فإنه لا يقبل المكابرة، وجوز تقدير ثم أجب عنهم قائلاً لا يملكون الخ وهو متضمن بيان حال الآلهة في الواقع / وأنهم إذا لم يملكوا مقدار ذرة أي من خير وشر ونفع وضر كيف يكونون آلهة تعبد. {فِي ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَلاَ فِى ٱلأَرْضِ } أي في أمر من الأمور، وذكر السماوات والأرض للتعميم عرفاً فيراد بهما جميع الموجودات، وهذا كما يقال المهاجرون والأنصار ويراد جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم فلا يتوهم أنهم يملكون في غيرهما، ويجوز أن يقال: إن ذكرهما لأن بعض آلهة المخاطبين سماوية كالملائكة والكواكب وبعضها أرضية كالأصنام فالمراد نفي قدرة السماوي منهم على أمر سماوي والأرضي على أمر أرضي ويعلم نفي قدرته على غيره بالطريق الأولى أو لأن الأسباب القريبة للخير والشر سماوية وأرضية فالمراد نفي قدرتهم بشيء من الأسباب القريبة فكيف بغيرها {وَمَا لَهُمْ } أي لآلهتهم {فِيهِمَا مِن شِرْكٍ } أي شركة ما لا خلقاً ولا ملكاً ولا تصرفا {وَمَا لَهُ } أي لله عز وجل {مِنْهُمْ } أي من آلهتهم {مّن ظَهِيرٍ } أي معين يعينه سبحانه في تدبير أمرهما.

سيد قطب

تفسير : إنها جولة قصيرة حول قضية الشرك والتوحيد. ولكنها جولة تطوّف بالقلب البشري في مجال الوجود كله. ظاهره وخافيه. حاضره وغيبه. سمائه وأرضه. دنياه وآخرته. وتقف به مواقف مرهوبة ترجف فيها الأوصال؛ ويغشاها الذهول من الجلال. كما تقف به أمام رزقه وكسبه، وحسابه وجزائه. وفي زحمة التجمع والاختلاط، وفي موقف الفصل والعزل والتميز والانفراد.. كل أولئك في إيقاعات قوية، وفواصل متلاحقة، وضربات كأنها المطارق: "قل.. قل.. قل.." كل قولة منها تدمغ بالحجة، وتصدع بالبرهان في قوة وسلطان. {قل: ادعوا الذين زعمتم من دون الله. لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وما لهم فيهما من شرك، وما له منهم من ظهير}.. إنه التحدي في مجال السماوات والأرض على الإطلاق: {قل: ادعوا الذين زعمتم من دون الله}.. ادعوهم. فليأتوا. وليظهروا. وليقولوا أو لتقولوا أنتم ماذا يملكون من شيء في السماوات أو في الأرض جل أو هان؟ {لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض}.. ولا سبيل لأن يدعوا ملكية شيء في السماوات أو في الأرض. فالمالك لشيء يتصرف فيه وفق مشيئته. فماذا يملك أولئك المزعومون من دون الله؟ وفي أي شيء يتصرفون تصرف المالك في هذا الكون العريض؟ لا يملكون في السماوات والأرض مثقال ذرة ملكية خالصة، ولا على سبيل المشاركة: {وما لهم فيهما من شرك}.. والله ـ سبحانه ـ لا يستعين بهم في شيء. فما هو في حاجة إلى معين: {وما له منهم من ظهير}.. ويظهر أن الآية هنا تشير إلى نوع خاص من الشركاء المزعومين. وهم الملائكة الذين كانت العرب تدعوهم بنات الله؛ وتزعم لهم شفاعة عند الله. ولعلهم ممن قالوا عنهم: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى}.. ومن ثم نفى شفاعتهم لهم في الآية التالية. وذلك في مشهد تتفزع له الأوصال في حضرة ذي الجلال: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له}.. فالشفاعة مرهونة بإذن الله. والله لا يأذن في الشفاعة في غير المؤمنين به المستحقين لرحمته. فأما الذين يشركون به فليسوا أهلاً لأن يأذن بالشفاعة فيهم، لا للملائكة ولا لغيرهم من المأذونين بالشفاعة منذ الابتداء! ثم صور المشهد الذي تقع فيه الشفاعة؛ وهو مشهد مذهل مرهوب: {حتى إذا فزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير}.. إنه مشهد في اليوم العصيب. يوم يقف الناس، وينتظر الشفعاء والمشفوع فيهم أن يتأذن ذو الجلال في عليائه بالشفاعة لمن ينالون هذا المقام. ويطول الانتظار. ويطول التوقع. وتعنو الوجوه. وتسكن الأصوات. وتخشع القلوب في انتظار الإذن من ذي الجلال والإكرام. ثم تصدر الكلمة الجليلة الرهيبة، فتنتاب الرهبة الشافعين والمشفوعين لهم. ويتوقف إدراكهم عن الإدراك. {حتى إذا فزّع عن قلوبهم}.. وكشف الفزع الذي أصابهم، وأفاقوا من الروعة التي غمرتهم فأذهلتهم. {قالوا: ماذا قال ربكم؟} يقولها بعضهم لبعض. لعل منهم من يكون قد تماسك حتى وعى. {قالوا: الحق}.. ولعلهم الملائكة المقربون هم الذين يجيبون بهذه الكلمة المجملة الجامعة: {قالوا الحق}.. قال ربكم: الحق. الحق الكلي. الحق الأزلي. الحق اللدني. فكل قوله الحق. {وهو العلي الكبير}.. وصف في المقام الذي يتمثل فيه العلو والكبر للإدراك من قريب.. وهذه الإجابة المجملة تشي بالروعة الغامرة، التي لا ينطق فيها إلا بالكلمة الواحدة! فهذا هو موقف الشفاعة المرهوب. وهذه صورة الملائكة فيه بين يدي ربهم. فهل بعد هذا المشهد يملك أحد أن يزعم أنهم شركاء لله، شفعاء في من يشرك بالله؟! ذلك هو الإيقاع الأول، في ذلك المشهد الخاشع الواجف المرهوب العسير.. ويليه الإيقاع الثاني عن الرزق الذي يستمتعون به، ويغفلون عن مصدره، الدال على وحدة الخالق الرازق. الباسط القابض، الذي ليس له شريك: {قل من يرزقكم من السماوات والأرض.. قل: الله. وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين}.. والرزق مسألة واقعة في حياتهم. رزق السماء من مطر وحرارة وضوء ونور.. ذلك فيما كان يعرفه المخاطبون ووراءه كثير من الأصناف والألوان تتكشف آناً بعد آن.. ورزق الأرض من نبات وحيوان وعيون ماء وزيوت ومعادن وكنوز.. وغيرها مما يعرفه القدامى ويتكشف غيره على مدار الزمان.. {قل: من يرزقكم من السماوات والأرض؟}.. {قل: الله}.. فما يملكون أن يماروا في هذا ولا أن يدعوا سواه. قل: الله. ثم كل أمرهم وأمرك إلى الله. فأحد كما لا بد مهتد وأحد كما لا بد ضال. ولا يمكن أن تكون أنت وهم على طريق واحد من هدى أو من ضلال: {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين}.. وهذه غاية النصفة والاعتدال والأدب في الجدال. أن يقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للمشركين: إن أحدنا لا بد أن يكون على هدى، والآخر لا بد أن يكون على ضلال. ثم يدع تحديد المهتدي منهما والضال. ليثير التدبر والتفكر في هدوء لا تغشى عليه العزة بالإثم، والرغبة في الجدال والمحال! فإنما هو هاد ومعلم، يبتغي هداهم وإرشادهم لا إذلالهم وإفحامهم، لمجرد الإذلال والإفحام! الجدل على هذا النحو المهذب الموحي أقرب إلى لمس قلوب المستكبرين المعاندين المتطاولين بالجاه والمقام، المستكبرين على الإذعان والاستسلام، وأجدر بأن يثير التدبر الهادئ والاقتناع العميق. وهو نموذج من أدب الجدل ينبغي تدبره من الدعاة.. ومنه كذلك الإيقاع الثالث، الذي يقف كل قلب أمام عمله وتبعته، في أدب كذلك وقصد وإنصاف: {قل: لا تسألون عما أجرمنا، ولا نسأل عما تعملون}.. ولعل هذا كان رداً على اتهام المشركين بأن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن معه هم المخطئون الجارمون! وقد كانوا يسمونهم: "الصابئين" أي المرتدين عن دين الآباء والأجداد. وذلك كما يقع من أهل الباطل أن يتهموا أهل الحق بالضلال! في تبجح وفي غير ما استحياء! {قل: لا تسألون عما أجرمنا، ولا نسأل عما تعملون}.. فلكل عمله. ولكل تبعته ولكل جزاؤه.. وعلى كل أن يتدبر موقفه، ويرى إن كان يقوده إلى فلاح أو إلى بوار. وبهذه اللمسة يوقظهم إلى التأمل والتدبر والتفكر. وهذه هي الخطوة الأولى في رؤية وجه الحق. ثم في الاقتناع. ثم الإيقاع الرابع: {قل: يجمع بيننا ربنا، ثم يفتح بيننا بالحق، وهو الفتاح العليم}.. ففي أول الأمر يجمع الله بين أهل الحق وأهل الباطل، ليلتقي الحق بالباطل وجهاً لوجه، وليدعو أهل الحق إلى حقهم، ويعالج الدعاة دعوتهم. وفي أول الأمر تختلط الأمور وتتشابك، ويصطرع الحق والباطل؛ وقد تقوم الشبهات أمام البراهين؛ وقد يغشى الباطل على الحق.. ولكن ذلك كله إلى حين.. ثم يفصل الله بين الفريقين بالحق، ويحكم بينهم حكمه الفاصل المميز الحاسم الأخير.. {وهو الفتاح العليم}.. الذي يفصل ويحكم عن علم وعن معرفة بين المحقين والمبطلين.. وهذا هو الاطمئنان إلى حكم الله وفصله.. فالله لا بد حاكم وفاصل ومبين عن وجه الحق. وهو لا يترك الأمور مختلطة إلا إلى حين. ولا يجمع بين المحقين والمبطلين إلا ريثما يقوم الحق بدعوته، ويبذل طاقته، ويجرب تجربته؛ ثم يمضي الله أمره ويفصل بفصله. والله سبحانه هو الذي يعلم ويقدر متى يقول كلمة الفصل. فليس لأحد أن يحدد موعدها، ولا أن يستعجلها. فالله هو الذي يجمع وهو الذي يفتح. {وهو الفتاح العليم}.. ثم يأتي الإيقاع الأخير، شبيهاً بالإيقاع الأول في التحدي عن الشركاء المزعومين: {قل: أروني الذين ألحقتم به شركاء. كلا. بل هو الله العزيز الحكيم}.. وفي السؤال استنكار واستخفاف: {أروني الذي ألحقتم به شركاء}.. أروني إياهم. من هم؟ وما هم؟ وما قيمتهم؟ وما صفتهم؟ وما مكانهم؟ وبأي شيء استحقوا منكم هذه الدعوى؟.. وكلها تشي بالاستنكار والاستخفاف. ثم الإنكار في ردع وتأنيب: {كلا}.. فما هم بشركاء. وما له سبحانه من شركاء. {بل هو الله العزيز الحكيم}.. ومن هذه صفاته لا يكون هؤلاء شركاء له. ولا يكون له على الإطلاق شريك.. بهذا ينتهي ذلك الشوط القصير، وتلك الإيقاعات العنيفة العميقة. في هيكل الكون الهائل. وفي موقف الشفاعة المرهوب. وفي مصطرع الحق والباطل. وفي أعماق النفوس وأغوار القلوب.

ابن عاشور

تفسير : كانت قصة سبا قد ضُربت مثلاً وعبرة للمشركين من قريش وكان في أحوالهم مثيل لأحوال المشركين في أمن بلادهم وتيسير أرزاقهم وتأمين سبلهم في أسفارهم مما أشار إليه قوله تعالى: { أية : أولم نمكن لهم حرماً آمناً تجبى إليه ثمرات كل شيء } تفسير : [القصص: 57] وقوله: { أية : لإيلاف قريش } تفسير : [قريش: 1] إلى آخر السورة، ثم فيما قابلوا به نعمة الله بالإِشراك به وكفران نعمته وإفحامهم دعاة الخير الملهَمين من لدنه إلى دعوتهم، فلما تقضى خبرهم لينتقل منه إلى تطبيق العبرة على من قصد اعتبارهم انتقالاً مناسبته بينة وهو أيضاً عَوْد إلى إبطال أقوال المشركين، وسيق لهم من الكلام ما هو فيه توقيف على أخطائهم، وأيضاً فلما جرى من استهواء الشيطان أهل سبا فاتبعوه وكان الشيطان مصدر الضلال وعنصر الإِشراك أعقب ذكره بذكر فروعه وأوليائه. وافتتح الكلام بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ما هو متتابع في بقية هذه الآيات المتتابعة بكلمة {قل} فأُمر بالقول تجديداً لِمعنى التبليغ الذي هو مهمة كل القرآن. والأمر في قوله: {ادعوا} مستعمل في التخطئة والتوبيخ، أي استَمِروا على دعائكم. و{الذين زعمتم من دون الله} معناه زعمتموهم أرباباً، فحذف مفعولا الزعم: أما الأول فحذف لأنه ضمير متصل منصوب بفعل قصداً لتخفيف الصلة بمتعلقاتها، وأما الثاني فحذفه لدلالة صفته عليه وهي {من دون الله}. و{من دون الله} صفة لمحذوف تقديره: زعمتم أولياء. ومعنى {من دون الله} أنهم مبتدأُون من جانب غيرِ جانب الله، أي زعمتموهم آلهة مبتدئين إياهم من ناحية غير الله لأنهم حين يعبدونهم قد شغلوا بعبادتهم ففرطوا في عبادة الله المستحق للعبادة وتجاوزوا حق إلهيته في أحوال كثيرة وأوقات وفيرة. وجملة {لا يملكون} مبينة لما في جملة {ادعوا الذين زعمتم} من التخطئة. وقد نفي عنهم مِلك أحقر الأشياء وهو ما يساوي ذرّة من السماء والأرض. والذّرة: بيضة النمل التي تبدو حبيبة صغيرة بيضاء، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة } تفسير : في سورة يونس (61). والمراد بالسماوات والأرض جوهرهُما وعينُهما لا ما تشتملان عليه من الموجودات لأن جوهرهما لا يدَّعِي المشركون فيه ملكاً لآلهتهم، فالمثقال: إما آلة الثقل فهو اسم للصنوج التي يوزن بها فأطلق على العديل مجازاً مرسلاً، وإما مصدر ميمي سمي به الشيء الذي به التثقيل ثم أطلق على العديل مجازاً، وتقدم المثقال عند قوله: { أية : وإن كان مثقال حبة من خردل } تفسير : في سورة الأنبياء (47). ومثقال الذرة: ما يعدل الذرة فيثقل به الميزان، أي لا يملكون شيئاً من السماوات ولا في الأرض. وإعادة حرف النفي تأكيد له للاهتمام به. وقد نفى أن يكون لآلهتهم ملك مستقل، وأتبع بنفي أن يكون لهم شرك في شيء من السماء والأرض، أي شِرك مع الله كما هو السياق فلم يذكر متعلق الشرك إيجازاً لأنه محل الوفاق. ثم نفى أن يكون منهم ظهير، أي معين لله تعالى. وتقدم الظهير في قوله تعالى: { أية : ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } تفسير : في سورة الإِسراء (88). وهنا تعين التصريح بالمتعلق ردّاً على المشركين إذ زعموا أن آلهتهم تُقرِّب إليه وتُبَعّد عنه، ثم أتبع ذلك بنفي أن يكون شفيع عند الله يضطره إلى قبول الشفاعة فيمن يشفع له لتعظيم أو حياء. وقد صرح بالمتعلق هنا أيضاً رداً على قول المشركين { أية : هؤلاء شفعاؤنا عند الله } تفسير : [يونس: 18] فنفيت شفاعتهم في عموم نفي كل شفاعة نافعة عند الله إلا شفاعة من أذن الله أن يشفع. وفي هذا إبطال شفاعة أصنامهم لأنهم زعموا لهم شفاعة لازمة من صفات آلهتهم لأن أوصاف الإِله يجب أن تكون ذاتية فلما نفى الله كل شفاعة لم يأذن فيها للشافع انتفت الشفاعة المزعومة لأصنامهم. وبهذا يندفع ما يتوهم من أن قوله: {إلا لمن أذن له} لا يبطل شفاعة الأصنام فافهَمْ. وجاء نظم قوله: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} نظماً بديعاً من وفرة المعنى، فإن النفع يجيء بمعنى حصول المقصود من العمل ونجاحه كقول النابغة: شعر : ولا حَلِفي على البراءة نافع تفسير : ومنه قوله تعالى: { أية : لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل } تفسير : [الأنعام: 158]، ويجيء بمعنى المساعد الملائم وهو ضد الضار وهو أكثر إطلاقه. ومنه: دواء نافع، ونفعني فلان. فالنفع بالمعنى الأول في الآية يفيد القبول من الشافع لشفاعته، وبالمعنى الثاني يفيد انتفاع المشفوع له بالشفاعة، أي حصول النفع له بانقشاع ضر المؤاخذة بذنب كقوله تعالى: { أية : فما تنفعهم شفاعة الشافعين } تفسير : [المدثر: 48]. فلما عبر في هذه الآية بلفظ الشفاعة الصالح لأن يعتبر مضافاً إلى الفاعل أو إلى المفعول احتمل النفع أن يكون نفع الفاعل، أي قبول شفاعته، ونفعَ المفعول، أي قبول شفاعة من شفع فيه. وتعدية فعل الشفاعة باللام دون (في) ودون تعديته بنفسه زاد صلوحيته للمعنيين لأن الشفاعة تقتضي شافعاً ومشفوعاً فيه فكان بذلك أوفرَ معنىً. فالاستثناء في قوله: {إلا لمن أذن له} استثناء من جنس الشفاعة المنفي بقرينة وجود اللام وليس استثناء من متعلَّق {تنفع} لأن الفعل لا يعدّى إلى مفعوله باللام إلا إذا تأخر الفعل عنه فضعف عن العمل بسبب التأخير فلذلك احتملت اللام أن تكون داخلة على الشافع، وأن (مَن) المجرورة باللام صادقة على الشافع، أي لا تقبل شفاعةٌ إلا شفاعة كائنة لمن أذن الله له، أي أذن له بأن يشفع فاللام للملك كقولك: الكرم لزيد، أي هو كريم فيكون في معنى قوله: { أية : ما لكم من دونه من وليّ ولا شفيع } تفسير : [السجدة: 4]. وأن تكون اللام داخلة على المشفوع فيه، و (مَن) صادقة على مشفوع فيه، أي إلا شفاعةً لمشفوع أذن الله الشافعين أن يشفعوا له أي لأجله فاللام للعلة كقولك: قمت لزيد، فهو كقوله تعالى: { أية : ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } تفسير : [الأنبياء: 28]. وإنما جيء بنظم هذه الآية على غير ما نُظمت عليه غيرها لأن المقصود هنا إبطال رجائهم أن تشفع لهم آلهتهم عند الله فينتفعوا بشفاعتها، لأن أول الآية توبيخ وتعجيز لهم في دعوتهم الآلهة المزعومة فاقتضت إبطال الدعوة والمدعُوّ. وقد جمعت الآية نفي جميع أصناف التصرف عن آلهة المشركين كما جمعت نفي أصناف الآلهة المعبودة عند العرب، لأن من العرب صابئة يعبدون الكواكب وهي في زعمهم مستقرة في السماوات تدبر أمور أهل الأرض فأبطل هذا الزعمَ قولُه: {لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض}؛ فأما في السماوات فباعترافهم أن الكواكب لا تتصرف في السماوات وإنما تصرفها في الأرض، وأما في الأرض فبقوله: {ولا في الأرض}. ومن العرب عبدة أصنام يزعمون أن الأصنام شركاء لله في الإِلهية فنفي ذلك بقوله: {وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير}، ومنهم من يزعمون أن الأصنام جعلها الله شفعاء لأهل الأرض فنفي ذلك بقوله: {ولا تنفع الشفاعة عنده} الآية. وقرأ الجمهور {أذن} بفتح الهمزة وفيه ضمير يعود إلى اسم الجلالة مثل ضمائر الغيبة التي قبله. وقرأه أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف بضم الهمزة على البناء للنائب. والمجرور من قوله: {له} في موضع نائب الفاعل. وقوله: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} {حتى} ابتدائية وهي تفيد ارتباط ما بعدها بما قبلها لا محالة فالضمائر التي في الجملة الواقعة بعد {حتى} عائدة على ما يصلح لها في الجُمل التي قبلها. وقد أفادت {حتى} الغاية بأصل وضعها وهي هنا غاية لما أفهمه قوله: {إلا لمن أذن له} من أن هنالك إذناً يصدر من جانب القدس يأذن الله به ناساً من الأخيار بأن يشفعوا كما جاء تفصيل بعض هذه الشفاعة في الأحاديث الصحيحة وأن الذين يرجون أن يشفع فيهم ينتظرون ممن هو أهل لأن يشفع وهم في فزع من الإِشفاق أن لا يؤذن بالشفاعة فيهم، فإذا أذن الله لمن شاء أن يشفع زال الفزع عن قلوبهم واستبشروا إذ أنه فزع عن قلوب الذين قبلت الشفاعة فيهم، أي وأيس المحرومون من قبول الشفاعة فيهم. وهذا من الحذف المسمى بالاكتفاء اكتفاء بذكر الشيء عن ذكر نظيره أو ضده، وحسنه هنا أنه اقتصار على ما يسرّ المؤمنين الذين لم يتخذوا من دون الله أولياء. وقد طويت جمل مِن وراء {حتى}، والتقدير: إلا لمن أذن له ويومئذٍ يبقى الناس مرتقبين الإِذن لمن يشفع، فَزعين من أن لا يؤذن لأحد زمناً ينتهي بوقت زوال الفزع عن قلوبهم حينَ يؤذن للشافعين بأن يشفعوا، وهو إيجاز حذف. و{إذا} ظرف للمستقبل وهو مضاف إلى جملة {فزع عن قلوبهم} ومتعلق بــــ{قالوا}. و{فزع} قرأه الجمهور بضم الفاء وكسر الزاي مشددة، وهو مضاعف فزع. والتضعيف فيه للإِزالة مثل: قشّر العود، ومَرَّض المريض إذا باشر علاجَه، وبُني للمجهول لتعظيم ذلك التفزيع بأنه صادر من جانب عظيم، ففيه جانب الآذن فيه، وجانب المبلغ له وهو الملك. والتفزيع يحصل لهم بانكشاف إجمالي يلهمونه فيعلمون بأن الله أذن بالشفاعة ثم يتطلبون التفصيل بقولهم: {ماذا قال ربكم} ليعلموا من أُذِن له ممن لم يؤذن له، وهذا كما يكَرِّر النظَرَ ويُعَاوِد المطالعَةَ مَن ينتظر القبول، أو هم يتساءلون عن ذلك من شدة الخَشية فإنهم إذا فُزِّع عن قلوبهم تساءلوا لمزيد التحقق بما استبشروا به فيجابون أنه قال الحق. فضمير {قالوا ماذا قال ربكم} عائد على بعض مدلول قوله: {لمن أذن له}. وهم الذين أذن للشفعاء بقبول شفاعتهم منهم وهم يوجهون هذا الاستفهام إلى الملائكة الحافّين، وضمير {قالوا الحق} عائد إلى المسؤولين وهم الملائكة. ويظهر أن كلمة {الحق} وقعت حكاية لمقول الله بوصف يجمع متنوع أقوال الله تعالى حينئذٍ من قبول شفاعة في بعض المشفوع فيهم ومن حرمان لغيرهم كما يقال: ماذا قال القاضي للخصم؟ فيقال: قال الفصلَ. فهذا حكاية لمقول الله بالمعنى. وانتصاب {الحق} على أنه مفعول {قالوا} يتضمن معنى الكلام، أي قال الكلام الحق، كقوله: شعر : وقصيدةٍ تأتي الملوك غريبة قد قلتُها ليقال من ذا قالها تفسير : هذا هو المعنى الذي يقتضيه نظم الآية ويلتئم مع معانيها. وقد ذهبت في تفسيرها أقوال كثير من المفسرين طرائق قدداً، وتفرقوا بَدَداً بَدَداً. و (ذا) من قوله: {ماذا} إشارة عوملت معاملة الموصول لأن أصل: {ماذا قال}: ما هذا الذي قال، فلما كثر استعمالها بدون ذِكر اسم الموصول قِيل إن (ذا) بعد الاستفهام تصير اسم موصول، وقد يذكر الموصول بعدها كقوله تعالى: { أية : من ذا الذي يشفع عنده } تفسير : [البقرة: 255]. وقرأ ابن عامر ويعقوب {فزع} بفتح الفاء وفتح الزاي مشددة بصيغة البناء للفاعل، أي فَزّع الله عن قلوبهم. وقد ورد في أحاديث الشفاعة عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري حديث : أن الله يقول لآدم: «أخرج بعث النار من ذريتك»تفسير : ، وفي حديث أنس في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المحشر كلهم « حديث : ليدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار »تفسير : . وفيه أن الأنبياء أبوا أن يشفعوا وأن أهل المحشر أتوا محمداً صلى الله عليه وسلم وأنه استأذن ربه في ذلك فقال له: «سل تُعْطَ واشفع تُشَفّع»، وفي حديث أبي سعيد «أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لعمه أبي طالب فيجعل في ضحضاح من نار يبلغ كعبيه تغلي منه أم دماغه». وجملة {وهو العلي الكبير} تتمة جواب المجيبين، عطفوا تعظيم الله بذكر صفتين من صفات جلاله، وهما صفة {العلي} وصفة {الكبير}. والعلو: علوّ الشأن الشامل لمنتهى الكمال في العلم. والكبر: العظمة المعنوية، وهي منتهى القدرة والعدل والحكمة، وتخصيص هاتين الصفتين لمناسبة مقام الجواب، أي قد قضى بالحق لكل أحد بما يستحقه فإنه لا يخفى عليه حال أحد ولا يعوقه عن إيصاله إلى حقه عائق ولا يجوز دونه حائل. وتقدم ذكر هاتين الصفتين في قوله: { أية : وأن الله هو العلي الكبير } تفسير : في سورة الحج (62). واعلم أنه قد ورد في صفة تلقّي الملائكة الوحي أن من يتلقى من الملائكة الوحي يسأل الذي يبلغه إليه بمثل هذا الكلام كما في حديث أبي هريرة في صحيح البخاري وغيره: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: « حديث : إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خُضْعَاناً لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فُزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا للذي قال الحقّ وهو العلي الكبير » تفسير : ا هــــ. فمعنى قوله في الحديث: قضَى صدَر منه أمر التكوين الذي تتولى الملائكة تنفيذه، وقوله في الحديث: « حديث : في السماء » تفسير : يتعلق بــــ «قضى» بمعنى أوصل قضاءه إلى السماء حيث مقرّ الملائكة، وقوله: «خُضْعَاناً لقوله» أي خوفاً وخشية، وقوله: {فزع عن قلوبهم} أي أزيل الخوف عن نفوسهم. وفي حديث ابن عباس عند الترمذي حديث : «إذا قضى ربنا أمراً سبح له حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» قال: «ثم أهل كل سماء» تفسير : الحديث. وذلك لا يقتضي أنه المراد في آية سورة سبأ وإنما هذه صفة تلقي الملائكة أمر الله في الدنيا والآخرة فكانت أقوالهم على سنة واحدة. وليس تخريج البخاري والترمذي هذا الحديث في الكلام على تفسير سورة سبأ مراداً به أنه وارد في ذلك، وإنما يريد أن من صور معناه ما ذكر في سورة سبأ. وهذا يغنيك عن الالتجاء إلى تكلفات تعسّفوها في تفسير هذه الآية وتعَلّقها بما قبلها.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثُقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ} الآية. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ ٱلضُّرِّ عَنْكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً} تفسير : [الإسراء: 56].

القطان

تفسير : ادعوا: نادوا. من شِرك: من شركة. من ظهير: معين. فزع عن قلوبهم: ذهب الخوف من قلوبهم. اجرمنا: اذنبنا. يفتح بيننا: يحكم بيننا. الفتّاح: الحاكم. قل أيها الرسول لهؤلاء المشركين: ادعوا هؤلاء الأصنام فليجلبوا إليكم نفعاً او يدفعوا عنكم ضرا، إنهم لا يملكون وزن ذرةٍ من الهباء في السماوات ولا الارض، وما لهم فيهما من شِركة، وليس لله من هؤلاء الآلهة المزعومة من يعينه على تدبير شئون خلقه. ولا تنفع الشفاعة عند الله الا لمن يأذَن له ان يشفع عنده، فالشفاعة مرهونةٌ بإذن الله، والله لا يأذن في الشفاعة في غير المؤمنين. اما الذين جحدوا وأشركوا بالله فليسوا أهلاً لان يأذن بالشفاعة فيهم. ثم بعد ذلك بيَّن المشهد الذي تقع فيه الشهادة فقال: {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ}. وهذا يوم القيامة، اذ يقف الناس وينتظر الشفعاء والمشفوع فيهم ان يأذن الله بالشفاعة لمن ينالون هذا المقام، حتى اذا ذهب الفزع عن قلوبهم قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم في الشفاعة؟ قالوا: قال الحق، وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى، وهم المؤمنون. {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} صاحب العلو والكبرياء، يأذن ويمنع من يشاء كما يشاء. قل ايها النبي: من يأتيكم برزقكم من السماوات والأرض، فان قالوا: لا ندري، قل لهم: الله وحده هو الذي يرزق الجميع، وإنا معشرَ المؤمنين او أنتم معشر المشركين - لعلى أحدِ الأمرين من الهدى او الضلال الواضح المبين. ثم قل لهم ايها الرسول: إنكم لا تُسألون عما ارتكبناه من ذنوب، ونحن لا نُسأل عما تعملون. وقل لهم: الله يجمع بيننا وبينكم يوم القيامة ويقضي بيننا بالحق، وهو الحاكم في كل أمرٍ، العليم بحقيقة ما كان منا ومنكم، وهو خير الحاكمين. وقل لهم ايها الرسول: أروني هؤلاء الذي عبدتموهم وجعلتموهم شركاءَ مع الله وهم لا يستحقون! {كَلاَّ بَلْ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحْكِيمُ} ليس الأمر كما وصفتم، فلا نظيرَ له تعالى والذين عبدتموهم لا يستحقون العبادة فهو ذو العزّة المنفر بها، والحكيم في تدبيره للأمور وتصريفه. قراءات: قرأ ابو عمرو وحمزة والكسائي: لمن أُذن له بضم الهمزة. والباقون: أَذن بفتح الهمزة. وقرأ ابن عامر ويعقوب: اذا فَزَع بفتح الفاء والزاي، والباقون: اذا فُزع بضم الفاء وكسر الزاي. {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً....} في هذه الآيات الكريمة يبيّن الله ان رسالة سيدنا محمد عامةٌ للناس أجمعين، جاء مبشراً من أطاع بالثواب العظيم، ومنذِرا من عصا بالعذاب الأليم. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}، وهذا الجهل يحملهم على الإصرار على ما هم فيه من الضلال. {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} تقدمت هذه الآية بالنص في سورة يونس 48. قل لهم ايها الرسول: لا تستعجِلوا، ان لكم ميعاد يوم عظيم، لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون. وان هذا اليوم كائنٌ لا محالة.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} (22) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤُلاءِ المُشْرِكِينِ، مِنْ قَوْمِكَ، مُوَبِّخاً وَمُقَرِّعاً، وَمُبَيِّناً لَهُمْ سُوءَ صَنِيعِهِمْ بِالشِّرْكِ وَعِبَادَةِ الأَصْنَامِ: ادْعُوا هذِهِ الأَصْنَامَ، التي تَزْعُمُونَ أَنْ لَهَا شَرِكَةً مَعَ اللهِ فِي العِبَادَةِ، فِي أُمُورِكُمُ الهَامَّةِ لِتَدفعَ عنكم الضُّرَّ وَالبَلاَءَ، أَوْ لِتَجْلُبَ لَكُمُ النَّفْعَ إِنِ اسْتَطَاعَتْ، لِتَرَوْا أَنَّها لا تَمْلِكُ أَنْ تَأْتِيَ بِمِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ خَيرٍ أَوْ شَرٍّ فِي السَّمَاوَاتِ، وَلا فِي الأَرْضِ، كَمَا لاَ تَمْلِكُ ذَرَّةً فِيهِمَا عَلَى سَبيلِ الشِّرْكَةِ لِلْخَالِقِ العَظِيمِ. وَليسَ للهِ مِنْ هذِهٍ الآلِهَةِ المَزْعُومَةِ مَنْ يُعِينُهُ، وَيُظَاهِرُهُ عَلَى خَلْقِ شَيءٍ، أَوْ فِعْلِ شَيءٍ، فَكَيفَ تَعْبُدُونَ هذِهِ الأَصْنَامَ العَاجِزَةَ يَا أَيُّها المُشْرِكُونَ؟ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ - وَزْنَ أَصْغَرِ مَا يُوزَنُ مِنْ نَفْعٍ أَوْ ضَرٍّ. ظِهِيرٍ - مُعِينٍ عَلَى الخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ينتقل الحق سبحانه إلى قضية عامة، هي قضية هؤلاء القوم الذين يعبدون غير الله ويجادلهم، ليُظهِر لهم فساد مسلكهم وبطلان عبادتهم دون الله، وقد ردَّ هؤلاء فقالوا: {أية : مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ ..} تفسير : [الزمر: 3]. ونقول أولاً: ما هي العبادة؟ العبادة أن يطيع العابدُ أمرَ معبوده ونهيه، فإذا كان الكفار يعبدون الشمس أو القمر أو الأصنام ... إلخ بماذا أمرتهم هذه الآلهة؟ وعن أي شيء نهَتْهم؟ ماذا أعدَّتْ هذه الآلهة لمن عبدها من الثواب؟ وماذا أعدتْ لمن كفر بها من عقاب؟ إذن: أنتم كاذبون في كلمة نعبدهم، وإذا كنتم تعبدونهم ليقربوكم إلى الله زُلْفى، فلماذا لا تتوجهون بالعبادة إلى الله مباشرة؟ فكيف تعبدون آلهة بلا منهج ولا عمل لها فيمن عبدها، ولا عمل لها فيمن كفر بعبادتها؟ وهذه المخلوقات التي يعبدونها من دون الله مخلوقة لله مُسخَّرة له سبحانه مُسبِّحة، وهي بريئة من هذا الشرك ولا ترضاه، بل هي أعبد لله منهم؛ لذلك نطقتْ الأحجار على لسان هذا الشاعر. وقالت: شعر : عَبَدُونَا ونَحْنُ أَعْبَدُ للهِ مِنَ القَائِمينَ فِي الأسْحَارِ تَخِذُوا صَمْتَنا عَليْنَ دَليلاً فَغَدْونَا لَهم وقُودَ النَّارِ قَدْ تجنَّوْا جَهْلاً كَما قَدْ تَجنَّوْه على ابْن مَريمَ والجَوارِى لِلْمغَالِى جَزَاؤُهُ والمُغَالَى فيه تُنْجِيهِ رَحْمةُ الغَفَّارِ تفسير : فالحق سبحانه يناقشهم في هذه المسألة: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ ..} [سبأ: 22] ادعوا هذه الآلهة المدَّعَاة، لكنهم لم يَدْعُوا، لعلمهم أن آلهتَهم المزعومة لن تجيب؛ لذلك أكمل الله لهم وأظهر لهم النتيجة: لو دعوتُم هذه الآلهة، فإنهم {لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلاَ فِي ٱلأَرْضِ ..} [سبأ: 22]. فعلام إذن تعبدونهم، وهم لا يملكون شيئاً، ولم يصنعوا لكم معروفاً، ولا قدَّموا لكم خدمة {وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا ..} [سبأ: 22] أي: في السماوات والأرض {مِن شِرْكٍ ..} [سبأ: 22] يعني: مع الله، أي ليس لهم مع الله شركة في مسألة الخَلْق {وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ} [سبأ: 22] يعني: لم يعاونوا الله حين خلق السماوات والأرض، والظهير هو المعين القوي، ومنه قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : وَالْمَلاَئِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} تفسير : [التحريم: 4]. والظهير من الظهر، وهو أقوى الأعضاء في الحمل، وفي الدفع، فالظهير: الذي يعاونك ويساندك بكل قوته. والذين يدعون من دون الله آلهة يُحاجُّون بأشياء متعددة أولاً: الحق سبحانه وتعالى خلق الإنسان، وجعله خليفة له في الأرض، وخلق له مُقوِّمات حياته قبل أنْ يخلقه، وتركه يرتع في نعمه ولم يُكلِّفه بشيء حتى سِنِّ البلوغ والنضج ويبلغ الإنسان سِنَّ النضج حين يصبح قادراً على إنجاب مثله. وسبق أنْ مثَّلْنا ذلك بالثمرة، فهي لا تنضج، ولا يحلو طعمها في مذاق الإنسان، إلا إذا استوتْ بذرتها، بحيث إذا زُرِعَتْ أنبتت مثلها، وهذا من لُطْف الله بنا، وإلا لو حَلَتْ الثمرة قبل نضج بذرتها لأكلنا الثمار مرة واحدة، وانقطع نوعها بعد ذلك. ويشاء الخالق سبحانه أن يجعل للتكاثر النسلي في الإنسان تكاثراً نسلياً أعظم منه في الخيرات بما يمثل احتياطاً واسعاً يُؤمِّن حاجة الإنسان، فحبة البطيخ الواحدة تنتج شجرة بها عدة ثمار، بها مئات البذور؛ لأننا نزرع بعضها ونتسلى (بقزقزة) الكثير منها. والحق سبحانه أخذ علينا ميثاق الذرِّ، والبشر جميعاً في ظهر آدم عليه السلام، وأشهدهم على أنفسهم قبل أنْ تتأتى لهم شهوات النفس المعارضة لمنهج الله {أية : أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ..} تفسير : [الأعراف: 172-173]. وهذا العهد فِطريٌّ في النفس الإنسانية، وما جاءت الأديان إلا لتنفضَ عن هذه الفطرة غبار الغفلة وغبار الشهوات؛ لذلك لم يأت الرسل لتأسيس دين، إنما للتذكير بهذا العهد القديم: {أية : فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ} تفسير : [الغاشية: 21]. لذلك، فالإنسان منا حين تتناوبه الأحداث، وتعزّ عليه الأسباب، ولا يرى مُنقذاً، ترده هذه الفطرة إلى القوة الخفية التي ستنقذه، فتجده يقول مستنجداً ومستغيثاً: يا هوه يعني يا هو، وهو ضمير غيبة، إنما أشد إعلاماً من الاسم الظاهر، لماذا؟ لأنك حين تقولها لا تنصرف إلا لغائب عن عينك واحد هو الله. لذلك قال سبحانه: {أية : قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ} تفسير : [الإخلاص: 1] ولم يقُلْ: قُلْ الله أحد؛ لأنه لا يخطر ببالك حين تقولها إلا الله خصوصاً في الشدة، وحين تعزّ عليك الأسباب، فلا يسعفك إلا ربك، كما قال سبحانه: {أية : ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ ..} تفسير : [الإسراء: 67]. وفي الشدة والضيق لا يكذب الإنسان على نفسه ولا يخدعها، فترى حتى الكفار عند الشدة يقولون: يا رب، وتردُّهم الفطرة إلى الله الحق. لكن ما دام الإيمان الفطري بهذه القوة، ما الذي يطمسه في النفس الإنسانية؟ قالوا: تطمسه الشهوات حين تتحرك في اتجاه مخالف لمنهج الله، فالمنهج يهدف إلى تهذيب الشهوات والغرائز والحدّ من عنفوانها، ولا يُعَدُّ هذا تعدياً عليها، وإلا فلماذا خلقها؟ لا بُدَّ أن لها مهمة، فالغريزة الجنسية مثلاً جُعِلتْ لبقاء النوع، ولم تُجعَل للشراسة والعربدة في أعراض الآخرين، كذلك جعل الله الغضب غريزة ولها مهمة. فالحق أباح لك أنْ تغضب حين تُستغضب. لذلك قالوا: مَنِ اسْتُغضِب ولم يغضب فهو حمار، ومع ذلك يأمرنا ربنا بالحلم، ويقول سبحانه: {أية : وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىۤ أَلاَّ تَعْدِلُواْ ..} تفسير : [المائدة: 8] يعني: لا يُخرجك الغضب عن حَدِّ الاعتدال، ولا يدعوك إلى الظلم، فالحق سبحانه لا يكبت فيك هذا الشعور، لكن يقيده حتى لا نطغى بسببه. وقصة سيدنا عمر في هذا الموضوع وضعت لنا المبدأ، فيُروى أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - رأى قاتل أخيه زيد بن الخطاب في المعركة، فانصرف عنه، فذَكّروه: هذا قاتل أخيك، فقال: وماذا أفعل به، وقد هداه الله للإسلام، فكأن الإسلام برَّد نار الثأر في نفسه، والإسلام كما علمنا يجُبُّ ما قبله. كذلك الإسلام يجبُّ الغضب - فلما واجه عمر قاتل أخيه قال له: يا هذا أدِرْ وجهك عني، فإني لا أحبك - قالها عمر بما عنده من غريزة الغضب - فقال الرجل: أو عدم حبك لي يمنعني حقاً من حقوقي؟ قال: لا. قال: إنما يبكي على الحب النساء، يعني: لا يهمني تحب أم تكره، المهم أن حقي محفوظ. كذلك حب الاستطلاع غريزة، جعلها الله في الإنسان ليكشف بها أسراره في الكون، فلا تجعلها تلصُّصاً على أعراض الناس وأسرارهم. إذن: ما جاء الدين ليكبت الغريزة أو ليقضي عليها، إنما جاء ليعلو بها ويُهذِّبها، ويقف بها عند حدِّ الاعتدال والمهمة التي خلقت من أجلها؛ لذلك قلنا: إن الإسلام يجمع للمؤمن في بعض المواقف بين الشيء ومقابله كما في قوله سبحانه: {أية : مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ ..} تفسير : [الفتح: 29]. ورحم الله الإمام علياً - رضي الله عنه - حين قال: شعر : لئِنْ كُنْتُ مُحتَاجاً إلى الحِلْم إنَّني إلى الجَهْلِ في بَعْضِ الأحَايينِ أَحْوَجُ وَلِي فَرَسٌ للحِلْم بالحِلْم مُلْجَم ولِي فَرَس للجهْلِ بالجهْلِ مُسْرَجُ فمَنْ رَامَ تَقْويمي فَإنِّي مُقوَّم وَمَنْ رامَ تَعْوِيجي فَإنِّي مُعْوَجُ تفسير : فالشدة مطلوبة ولها موضعها، والذلة مطلوبة ولها موضعها، إذن: الموقف الإيماني هو الذي يصنعك، والمنهج إنما جعله الله لتستقيم به أمور الحياة، فإذا كلَّفك الله بشيء يصادم شهوة في نفسك، فلا تقُلْ إن الشرع صادم شهوتي، بل خُذْها من باب الكرم الواسع، وقُل وصادم شهوات الآخرين من أجلي، فالشرع حين قال لك: لا تسرق وأنت واحد قال للملايين: ألاَّ يسرقوا منك. وحين تصطدم الفطرة السَّوية والتديُّن الطبيعي بشهوات النفس يبحث الإنسان عن تديُّن يُرضي شهواته ويُشبع غرائزه، فهو يريد أنْ يكون متديناً، وفي الوقت ذاته يريد ألاَّ تُقيَّد شهواته، فماذا يفعل؟ يلجأ إلى عبادة آلهة بلا منهج وبلا تكاليف، ومن هنا عبد الناسُ غير الله، ودَعْك ممن عبدوا الأَشجار والأحجار، وتأمل الذين عبدوا الملائكة مثلاً، هل أمرتهم بشيء أو نهتهم عن شيء؟ لذلك الحق سبحانه يقول: {قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ ..} [سبأ: 22] ولو بحثنا مسألة الشركاء بالعقل لظهر بطلانها وكذبها، فإذا كان لله تعالى شركاء، ومعه سبحانه آلهة أخرى، فأين هم؟ أدرَوْا بأن الله تعالى استبدَّ بالألوهية، وشهد بها لنفسه، وأعلنها صراحة من دونهم؟ إنْ كانوا على دراية بذلك، فلما تركوه سبحانه يستبد بالألوهية؟ وإنْ كانوا لم يدروا بذلك فهم آلهة نيام؟ وفي كلتا الحالتين لا يستحقون هذه الألوهية. لذلك الحق سبحانه يمسُّ هذه القضية مسَّاً جميلاً، فيقول: {أية : قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَىٰ ذِي ٱلْعَرْشِ سَبِيلاً} تفسير : [الإسراء: 42] يعني: لو كان صحيحاً وجود آلهة مع الله لَذَهبوا إليه ليناقشوه، لماذا استبدَّ بالألوهية من دونهم، أو لذَهبوا إليه ليتقوه، وليتقربوا إليه. وأرقى ما يعبد المشركون يعبدون الملائكة، وكأن عبادتهم أصبحتْ قريبة من عبادة الله، والله يقول عن الملائكة: {أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 26-27]. ويردُّ القرآن عليهم: {أية : أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ..} تفسير : [الإسراء: 57]. فهؤلاء الملائكة الذين تعبدونهم من دون الله هم أنفسهم يتقربون إلى الله ويتوسَّلون إليه، الأقرب منهم يتوسَّل إلى الله، ويحب أن يكون أكثر قُرْباً، فإذا كان الأقرب هو الذي يبتغي الوسيلة والقرب، فما بالك بالقريب؟ وما بالك بالبعيد والأبعد؟ إذن: أنتم أغبياء بعبادتكم الملائكة، وهل تظنون أن خَلْقاً من خَلْق الله كالملائكة يرضى أنْ تعبدوه من دون الله، أو يقبل أنْ يشفع لك عند الله، هذا سَفَه في التفكير. فالحق سبحانه وضع شروطاً للشفاعة، فقال: {أية : يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً} تفسير : [طه: 109]. ويقول الحق سبحانه: {وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِّن ظَهِيرٍ} معناه من مُعينٍ.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : أي: { قُلْ } يا أيها الرسول، للمشركين باللّه غيره من المخلوقات، التي لا تنفع ولا تضر، ملزما لهم بعجزها، ومبينا لهم بطلان عبادتها: { ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ } أي: زعمتموهم شركاء للّه، إن كان دعاؤكم ينفع، فإنهم قد توفرت فيهم أسباب العجز، وعدم إجابة الدعاء من كل وجه، فإنهم ليس لهم أدنى ملك فـ { لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأرْضِ } على وجه الاستقلال، ولا على وجه الاشتراك، ولهذا قال: { وَمَا لَهُمْ } أي: لتلك الآلهة الذين زعمتم { فِيهِمَا } أي: في السماوات والأرض، { مِنْ شِرْكٍ } أي: لا شرك قليل ولا كثير، فليس لهم ملك، ولا شركة ملك. بقي أن يقال: ومع ذلك، فقد يكونون أعوانا للمالك، ووزراء له، فدعاؤهم يكون نافعا، لأنهم - بسبب حاجة الملك إليهم - يقضون حوائج من تعلق بهم، فنفى تعالى هذه المرتبة فقال: { وَمَا لَهُ } أي: للّه تعالى الواحد القهار { مِنْهُمْ } أي: من هؤلاء المعبودين { مِنْ ظَهِيرٍ } أي: معاون ووزير يساعده على الملك والتدبير. فلم يبق إلا الشفاعة، فنفاها بقوله: { وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } فهذه أنواع التعلقات، التي يتعلق بها المشركون بأندادهم، وأوثانهم، من البشر، والشجر، وغيرهم، قطعها اللّه وبيَّن بطلانها، تبيينا حاسما لمواد الشرك، قاطعا لأصوله، لأن المشرك إنما يدعو ويعبد غير اللّه، لما يرجو منه من النفع، فهذا الرجاء، هو الذي أوجب له الشرك، فإذا كان من يدعوه [غير اللّه]، لا مالكا للنفع والضر، ولا شريكا للمالك، ولا عونا وظهيرا للمالك، ولا يقدر أن يشفع بدون إذن المالك، كان هذا الدعاء، وهذه العبادة، ضلالا في العقل، باطلة في الشرع. بل ينعكس على المشرك مطلوبه ومقصوده، فإنه يريد منها النفع، فبيَّن اللّه بطلانه وعدمه، وبيَّن في آيات أخر، ضرره على عابديه وأنه يوم القيامة، يكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا، ومأواهم النار {أية : وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ }. تفسير : والعجب، أن المشرك استكبر عن الانقياد للرسل، بزعمه أنهم بشر، ورضي أن يعبد ويدعو الشجر، والحجر، استكبر عن الإخلاص للملك الرحمن الديان، ورضي بعبادة من ضره أقرب من نفعه، طاعة لأعدى عدو له وهو الشيطان. وقوله: { حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ } يحتمل أن الضمير في هذا الموضع، يعود إلى المشركين، لأنهم مذكورون في اللفظ، والقاعدة في الضمائر، أن تعود إلى أقرب مذكور، ويكون المعنى: إذا كان يوم القيامة، وفزع عن قلوب المشركين، أي: زال الفزع، وسئلوا حين رجعت إليهم عقولهم، عن حالهم في الدنيا، وتكذيبهم للحق الذي جاءت به الرسل، أنهم يقرون، أن ما هم عليه من الكفر والشرك، باطل، وأن ما قال اللّه، وأخبرت به عنه رسله، هو الحق فبدا لهم ما كانوا يخفون من قبل وعلموا أن الحق للّه، واعترفوا بذنوبهم. { وَهُوَ الْعَلِيُّ } بذاته، فوق جميع مخلوقاته وقهره لهم، وعلو قدره، بما له من الصفات العظيمة، جليلة المقدار { الْكَبِيرُ } في ذاته وصفاته. ومن علوه، أن حكمه تعالى، يعلو، وتذعن له النفوس، حتى نفوس المتكبرين والمشركين. وهذا المعنى أظهر، وهو الذي يدل عليه السياق، ويحتمل أن الضمير يعود إلى الملائكة، وذلك أن اللّه تعالى إذا تكلم بالوحي، سمعته الملائكة، فصعقوا، وخروا للّه سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه اللّه من وحيه بما أراد، وإذا زال الصعق عن قلوب الملائكة، وزال الفزع، فيسأل بعضهم بعضا عن ذلك الكلام الذي صعقوا منه: ماذا قال ربكم؟ فيقول بعضهم لبعض: قال الحق، إما إجمالا لعلمهم أنه لا يقول إلا حقا، وإما أن يقولوا: قال كذا وكذا، للكلام الذي سمعوه منه، وذلك من الحق. فيكون المعنى على هذا: أن المشركين الذين عبدوا مع اللّه تلك الآلهة، التي وصفنا لكم عجزها ونقصها، وعدم نفعها بوجه من الوجوه، كيف صدفوا وصرفوا عن إخلاص العبادة للرب العظيم، العلي الكبير، الذي - من عظمته وجلاله - أن الملائكة الكرام، والمقربين من الخلق، يبلغ بهم الخضوع والصعق، عند سماع كلامه هذا المبلغ، ويقرون كلهم للّه، أنه لا يقول إلا الحق. فما بال هؤلاء المشركين، استكبروا عن عبادة من هذا شأنه، وعظمة ملكه وسلطانه. فتعالى العلي الكبير، عن شرك المشركين، وإفكهم، وكذبهم.