٣٤ - سَبَأ
34 - Saba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
23
Tafseer
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ} أي شفاعة الملائكة وغيرهم. {عِندَهُ} أي عندَ الله. {إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} قراءة العامة «أَذِنَ» بفتح الهمزة؛ لذكر الله تعالى أولاً. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائيّ «أُذِن» بضم الهمزة على ما لم يسم فاعله. والآذن هو الله تعالى. و«مَن» يجوز أن ترجع إلى الشافعين، ويجوز أن ترجع إلى المشفوع لهم. {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} قال ابن عباس: خُلّي عن قلوبهم الفزع. قطرب: أخرج ما فيها من الخوف. مجاهد: كشف عن قلوبهم الغطاء يوم القيامة؛ أي إن الشفاعة لا تكون من أحد هؤلاء المعبودين من دون الله من الملائكة والأنبياء والأصنام؛ إلا أن الله تعالى يأذن للأنبياء والملائكة في الشفاعة وهم على غاية الفزع من الله؛ كما قال: {أية : وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} تفسير : [الأنبياء: 28]. والمعنى: أنه إذا أذن لهم في الشفاعة وورد عليهم كلام الله فزعوا؛ لما يقترن بتلك الحال من الأمر الهائل والخوف أن يقع في تنفيذ ما أذن لهم فيه تقصير، فإذا سُرِّيَ عنهم قالوا للملائكة فوقهم وهم الذين يوردون عليهم الوحي بالإذن: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} أي ماذا أمر الله به، فيقولون لهم: {قَالُواْ ٱلْحَقَّ} وهو أنه أذن لكم في الشفاعة للمؤمنين. {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} فله أن يحكم في عباده بما يريد. ثم يجوز أن يكون هذا إذناً لهم في الدنيا في شفاعة أقوام، ويجوز أن يكون في الآخرة. وفي الكلام إضمار؛ أي ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ففزع لما ورد عليه من الإذن تهيّباً لكلام الله تعالى، حتى إذا ذهب الفزع عن قلوبهم أجاب بالانقياد. وقيل: هذا الفزع يكون اليوم للملائكة في كل أمر يأمر به الرب تعالى؛ أي لا تنفع الشفاعة إلا من الملائكة الذين هم اليوم فزعون، مطيعون لله تعالى دون الجمادات والشياطين. وفي صحيح الترمذي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إذا قضى الله في السماء أمراً ضربت الملائكة بأجنحتها خُضعاناً لقوله كأنها سلسلة على صَفْوانَ فإذا فُزِّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ـ قال ـ والشياطين بعضهم فوق بعض» تفسير : قال: حديث حسن صحيح. وقال النوّاس بن سمعان قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : إن الله إذا أراد أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السموات منه رجفة أو رِعدة شديدة خوفاً من الله تعالى فإذا سمع أهل السموات ذلك صعِقوا وخروا لله تعالى سجداً فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله تعالى ويقول له من وحْيه ما أراد ثم يمرّ جبريل بالملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل فيقول جبريل قال الحق وهو العلي الكبير ـ قال ـ فيقول كلهم كما قال جبريل فينتهي جبريل بالوحي حيث أمره الله تعالى»تفسير : . وذكر البيهقي عن ابن عباس في قوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} قال: كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماء يستمعون منه الوحي، وكان إذا نزل الوحي سمع له صوت كإمرار السلسلة على الصَّفْوان، فلا ينزل على أهل سماء إلا صَعِقوا فإذا فُزّع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير، ثم يقول يكون العام كذا ويكون كذا فتسمعه الجن فيخبرون به الكهنة والكهنةُ الناسَ (يقولون) يكون العامَ كذا وكذا فيجدونه كذلك؛ فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم دُحروا بالشُّهب فقالت العرب حين لم تخبرهم الجن بذلك: هلك من في السماء، فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيراً، وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة، وصاحب الغنم ينحر كل يوم شاة؛ حتى أسرعوا في أموالهم فقالت ثَقيف وكانت أعقلَ العرب: أيها الناس! أمسكوا على أموالكم، فإنه لم يمت من في السماء، وإن هذا ليس بانتثار، ألستم ترون معالمكم من النجوم كما هي والشمس والقمر والليل والنهار! قال: فقال إبليس: لقد حدث في الأرض اليوم حَدَث، فأتوني من تربة كل أرض فأتوه بها، فجعل يَشُمّها فلما شم تربة مكة قال: من هاهنا جاء الحَدَث؛ فنصتوا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث. وقد مضى هذا المعنى مرفوعاً مختصراً في سورة «الحجر»، ومعنى القول أيضاً في رميهم بالشهب وإحراقهم بها، ويأتي في سورة «الجن» بيان ذلك إن شاء الله تعالى. وقيل: إنما يفزعون من قيام الساعة. وقال الكلبي وكعب: كان بين عيسى ومحمد عليهما السلام فَتْرة خمسمائة وخمسين سنة لا يجيء فيها الرسل، فلما بعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم كلم الله تعالى جبريل بالرسالة، فلما سمعت الملائكة الكلام ظنوا أنها الساعة قد قامت، فصعِقوا مما سمعوا، فلما انحدر جبريل عليه السلام جعل يمر بكل سماء فيكشف عنهم فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض ماذا قال ربكم فلم يدروا ماذا قال ولكنهم قالوا قال الحق وهو العلي الكبير، وذلك أن محمداً عليه السلام عند أهل السموات من أشراط الساعة. وقال الضحاك: إن الملائكة المعقِّبات الذين يختلفون إلى أهل الأرض يكتبون أعمالهم، يرسلهم الرب تبارك وتعالى، فإذا انحدروا سمع لهم صوت شديد فيحسب الذين هم أسفل من الملائكة أنه من أمر الساعة، فيخرون سُجَّداً ويصَعْقون حتى يعلموا أنه ليس من أمر الساعة. وهذا تنبيه من الله تعالى وإخبار أن الملائكة مع اصطفائهم ورفعتهم لا يمكن أن يشفعوا لأحد حتى يؤذن لهم، فإذا أذن لهم وسمعوا صَعِقوا، وكان هذه حالهم، فكيف تشفع الأصنام أو كيف تؤمّلون أنتم الشفاعة ولا تعترفون بالقيامة. وقال الحسن وابن زيد ومجاهد: حتى إذا كشف الفزع عن قلوب المشركين. قال الحسن ومجاهد وابن زيد: في الآخرة عند نزول الموت، إقامة للحجة عليهم قالت الملائكة لهم: ماذا قال ربكم في الدنيا قالوا الحق وهو العلي الكبير، فأقروا حين لا ينفعهم الإقرار، أي قالوا قال الحق. وقراءة العامة «فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ». وقرأ ابن عباس «فَزَّع عَنْ قُلُوبِهِمْ» مسمَّى الفاعل وفاعله ضمير يرجع إلى اسم الله تعالى. ومن بناه للمفعول فالجار والمجرور في موضع رفع، والفعل في المعنى لله تبارك وتعالى. والمعنى في القراءتين: أزيل الفزع عن قلوبِهِم، حسبما تقدم بيانه. ومثله: أشكاه، إذا أزال عنه ما يشكوه. وقرأ الحسن: «فُزِع» مثل قراءة العامة، إلا أنه خفف الزاي، والجار والمجرور في موضع رفع أيضاً؛ وهو كقولك: انصرف عن كذا إلى كذا. وكذا معنى «فُرِغَ» بالراء والغين المعجمة والتخفيف غير مسمى الفاعل، رويت عن الحسن أيضاً وقتادة. وعنهما أيضاً «فَرغَ» بالراء والغين المعجمة مسمى الفاعل، والمعنى: فرغ الله تعالى قلوبهم أي كشف عنها، أي فرغها من الفزع والخوف، وإلى ذلك يرجع البناء للمفعول على هذه القراءة. وعن الحسن أيضاً «فرّغ» بالتشديد.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَٰعَةُ عِندَهُ } تعالى ردّاً لقولهم إن آلهتهم تشفع عنده {إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ } بفتح الهمزة وضمها {لَهُ } فيها {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ } بالبناء للفاعل والمفعول {عَن قُلُوبِهِمْ } كشف عنها الفزع بالإِذن فيها؟ {قَالُواْ } قال بعضهم لبعض استبشاراً {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ } فيها {قَالُواْ } القول {ٱلْحَقَّ } أي قد أذن فيها {وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ } فوق خلقه بالقهر {ٱلْكَبِيرُ } العظيم.
ابن عطية
تفسير : المعنى أن كل من دعوتم إلهاً من دون الله لا يملكون مثقال ذرة ولا تنفع شفاعتهم إلا بإذن فيمن آمن، فكأنه قال ولا هم شفعاء على الحد الذي ظننتم أنتم واختلف المتأولون في قوله تعالى: {إلا لمن أذن له} فقالت فرقة معناه {لمن أذن لهم} أن يشفع، فيه، وقالت فرقة معناه {لمن أذن له} أن يشفع هو. قال القاضي أبو محمد: واللفظ يعمهما، لأن الإذن إذا انفرد للشافع فلا شك أن المشفوع فيه معين له، وإذا انفرد للمشفوع فيه فالشافع لا محالة عالم معين لذلك، وانظر أن اللام الأولى تشير إلى المشفوع فيه من قوله {لمن} تقول شفعت لفلان، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي "أُذن" بضم، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر "أذَن" بفتحها، والضمير في {قلوبهم} عائد على الملائكة الذين دعوهم آلهة، ففي الكلام حذف يدل عليه الظاهر فكأنه قال ولا هم شفعاء كما تحسبون أنتم بل هم عبدة مستسلمون أبداً حتى إذا فزع عن قلوبهم. قال الفقيه الإمام القاضي: وتظاهرت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذه الآية أعني قوله {حتى إذا فزع عن قلوبهم} إنما هي الملائكة إذا سمعت الوحي إلى جبريل وبالأمر يأمر به سمعت كجر سلسلة الحديد على صفوان فتفزع عند ذلك تعظيماً وهيبة، وقيل خوف أن تقوم الساعة فإذا فزع ذلك {فزع عن قلوبهم} أي أطير الفزع عنها وكشف فيقول بعضهم لبعض ولجبريل {ماذا قال ربكم} فيقول المسؤولون قال {الحق هو العلي الكبير} وبهذا المعنى من ذكر الملائكة في صدر الآيات تتسق هذه الآية على الأولى، ومن لم يشعر أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله {الذين زعمتم} [سبأ: 22] لم تتصل لهم هذه الآية بما قبلها فلذلك اضطرب المفسرون في تفسيرها حتى قال بعضهم في الكفار بعد حلول الموت {فزع عن قلوبهم} بفقد الحياة فرأوا الحقيقة وزال فزعهم من شبه ما يقال لهم في حياتهم، فيقال لهم حينئذ {ماذا قال ربكم} فيقولون قال {الحق} يقرون حين لا ينفعهم الإقرار، وقالت فرقة الآية في جميع العالم، وقوله {حتى إذا} يريد في القيامة. قال الفقيه الإمام القاضي: والتـأويل الأول في الملائكة هو الصحيح وهو الذي تظاهرت به الأحاديث، وهذان بعيدان، وقرأ جمهور القراء "فُزع" بضم الفاء ومعناه أطير الفزع عنهم، وهذه الأفعال جاءت مخالفة لسائر الأفعال، لأن فعل أصلها الإدخال في الشيء كعلمت ونحوها وقولك: فزعت زيداً معناه أزلت الفزع عنه، وكذلك جزعته معناه أزلت الجزع عنه، ومنه الحديث فدخل ابن عباس على عمر بجزعة ومنه مرضت فلاناً أي أزلت عنه المرض. قال الفقيه الإمام القاضي: وانظر أن مطاوع هذه الأفعال يلحق بتحنث وتحرج وتفكه وتأثم وتخوف، وقرأ ابن عامر "فزّع" بفتح الفاء وشد الزاي وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وطلحة وأبي المتوكل الناجي واليماني، وقرأ الحسن البصري بخلاف "فُزِع" بضم الفاء وكسر الزاي وتخفيفها كأنه بمعنى أقلع، ومن قال بأنها في العالم أجمعه قال معنى هذه القراءة فزع الشيطان عن قلوبهم أي بادر، وقرأ أيوب عن الحسن أيضاً "فُرّغ" بالفاء المضمومة والراء المشددة غير منقوطة والغين المنقوطة من التفريغ، قال أبو حاتم رواها عن الحسن نحو من عشرة أنفس وهي قراءة أبي مجلز. وقرأ مطر الوراق عن الحسن "فزع" على بناء الفعل للفاعل وهي قراءة مجاهد والحسن أيضاً "فرغ" بالراء غير منقوطة مخففة من الفراغ، قال أبو حاتم وما أظن الثقات رووها عن الحسن على وجوه إلا لصعوبة المعنى عليه فاختلفت ألفاظ فيه، قرأ عيسى بن عمر "حتى إذا افرنقع" وهي قراءة ابن مسعود ومعنى هذا كله وقع فراغها من الفزع والخوف، ومن قرأ شيئاً من هذا على بناء الفعل للمفعول فقوله عز وجل {عن قلوبهم} في موضع رفع، ومن قرأ على بناء الفعل للفاعل فقوله {عن قلوبهم} في موضع نصب، وافرنقع معناه تفرق، وقوله {ماذا} يجوز أن تكون "ما" في موضع نصب بـ {قال} ويصح أن تكون في موضع رفع بمعنى أي شيء قال، والنصب في قوله {الحق} على نحوه في قوله {أية : ماذا أنزل ربكم قالوا خيراً} تفسير : [النحل: 30] لأنهم حققوا أن ثم ما أنزل، وحققوا هنا أن ثم ما قيل، وقولهم {وهو العلي الكبير} تمجيد وتحميد.
ابن عبد السلام
تفسير : {لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} في الشفاعة، أو فيمن يشفع له {فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} جُلي عنها الفزع، أو كُشف عنها الغطاء يوم القيامة، أو دعوا فأجابوا من قبورهم من الفزع الذي هو الدعاء والاستصراخ فسمي الداعي فزعاً والمجيب فزعاً، أو فزع من قلوب الشياطين ففارقوا ما كانوا عليه من إضلال أوليائهم، أو الملائكة فزعوا لسماع الوحي من الله لانقطاعه ما بين عيسى ومحمد فخروا سجداً خوف القيامة فـ {قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ الْحَقَّ} أي الوحي وفُرِّغ بالمعجمة من شك وشرك يوم القيامة فقالت لهم الملائكة: ماذا قال ربكم في الدنيا قالوا: الحق.
الخازن
تفسير : {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} يعني أذن الله له في الشفاعة قاله تكذيباً للكفار حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله وقيل: يجوز أن يكون المعنى إلا لمن أذن الله في أن يشفع له {حتى إذا فزع عن قلوبهم} معناه كشف الفزع وأخرج عن قلوبهم قيل هم الملائكة وسبب ذلك من غشية تصيبهم عند سماع كلام الله تعالى (خ) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها"تفسير : فإذا فزع عن قلوبهم {قالوا ماذا قال ربكم قالوا} الذي قال {الحق وهو العلي الكبير} وللترمذي "حديث : إذا قضى الله في السماء أمراً ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاً لقوله كأنه سلسة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ما ذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير"تفسير : قال الترمذي حديث حسن صحيح قوله: خضعاً جمع خاضع وهو المنقاد المطمئن والصفوان الحجر الأملس عن ابن مسعود رضي الله عنه قال "حديث : إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات صلصلة كجر السلسلة على الصفاة، فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل فإذا جاء فزع عن قلوبهم فيقولون يا جبريل ماذا قال ربك؟ فيقول الحق فيقولون الحق"تفسير : أخرجه أبو داود. الصلصلة صوت الأجراس الصلبة بعضها على بعض، وقيل: إنما يفزعون حذراً من قيام الساعة، قيل كانت الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام خمسمائة سنة أو ستمائة، لم تسمع الملائكة فيها صوت وحي فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم كلم جبريل بالرسالة إلى محمد صلى الله عليه وسلم فلما سمعت الملائكة ظنوا أنها الساعة، لأن محمداً صلى الله عليه وسلم، عند أهل السموات من أشراط الساعة، فصعقوا مما سمعوا خوفاً من قيام الساعة فلما انحدر جبريل جعل يمر بأهل كل سماء، فيكشف عنهم فيرفعون رؤوسهم ويقول بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم: قالوا الحق يعني الوحي وهو العلي الكبير وقيل: الموصوفون بذلك هم المشركون وقيل إذا كشف الفزع عن قلوبهم عند نزول الموت قالت الملائكة لهم ماذا قال ربكم في الدنيا لإقامة الحجة عليهم؟ قالوا: الحق فأقروا به حين لم ينفعهم الإقرار وهو العلي الكبير أي ذو العلو والكبرياء. قوله عز وجل {قل من يرزقكم من السموات والأرض} يعني المطر والنبات {قل الله} يعني إن لم يقولوا إن رزاقنا هو الله فقل: أنت إن رازقكم هو الله {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} معناه ما نحن وأنتم على أمر واحد بل أحد الفريقين مهتد والآخر ضال، وهذا ليس على طريق الشك بل جهة الإلزام والإنصاف في الحجاج، كما يقول القائل أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه صادق وصاحبه كاذب فالنبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه على الهدى ومن خالفه في ضلال فكذبهم من غير أن يصرح بالتكذيب ومنه بيت حسان: شعر : أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء تفسير : وقيل أو بمعنى الآية إنا لعلى هدى وإنكم لفي ضلال مبين {قل لا تسألون عما أجرمنا} أي تؤاخذون به {ولا نسأل عما تعملون} أي من الكفر والتكذيب وقيل أراد بالإجرام الصغائر والزلات التي لا يخلو منها مؤمن وبالعمل الكفر والمعاصي العظام {قل يجمع بيننا ربنا} أي يوم القيامة {ثم يفتح} يعني يقضي ويحكم {بيننا بالحق} يعني بالعدل {وهو الفتاح} يعني القاضي {العليم} يعني بما يقضي {قل أروني} أعلموني {الذين ألحقتم به} يعني بالله {شركاء} يعني الأصنام التي أشركوها معه في العبادة هل يخلقون أو يرزقون وأراد بذلك أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله {كلا} كلمة ردع لهم عن مذهبهم والمعنى أرتدعوا فإنهم لا يخلقون ولا يرزقون {بل هو الله العزيز} أي الغالب على أمره {الحكيم} أي تدبير خلقه فأنى يكون له شريك في ملكه. قوله عز وجل {وما أرسلناك إلا كافة للناس} يعني للناس كلهم عامة أحمرهم وأسودهم عربيهم وعجميهم وقيل الرسالة عامة لهم لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد (ق) عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهور، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة"تفسير : . في الحديث بيان الفضائل التي خص الله بها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم دون سائر الأنبياء، وأن هذه الخمسة لم تكن لأحد ممن كان قبله من الأنبياء، وفيه اختصاصه بالرسالة العامة لكافة الخلق الإنس والجن وكان النبي قبله يبعث إلى قومه أو إلى أهل بلده فعمت رسالة نبينا صلى الله عليه سلم، جميع الخلق وهذه درجة خص بها دون سائر الأنبياء عليه وعليهم أفضل الصلاة والسلام، وقيل في المعنى كافة أي كافأتكفهم عما هم عليه من الكفر فتكون الهاء للمبالغة {بشيراً} أي لمن آمن بالجنة {ونذيراً} أي لمن كفر بالنار {ولكن أكثر الناس لا يعلمون ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} يعني يوم القيامة {قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون ساعة ولا تستقدمون} معناه لا تتقدمون على يوم القيامة وقيل: عن يوم الموت ولا تتأخرون عنه بأن يزاد في آجالهم أو ينقص منها {وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه} يعني التوراة والإنجيل {ولو ترى} أي يا محمد {إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول} معناه ولو ترى في الآخرة موقفهم وهم يتجاذبون أطراف المحاورة ويتراجعونها بينهم لرأيت العجب {يقول الذين استضعفوا} وهم الأتباع {للذين استكبروا} وهو القادة والأشراف {لولا أنتم لكنا مؤمنين} يعني أنتم منعتمونا عن الإيمان بالله ورسوله.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فزع عن قلوبهم} قال: خلى. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما أوحى الجبار إلى محمد صلى الله عليه وسلم دعا الرسول من الملائكة ليبعثه بالوحي، فسمعت الملائكة عليهم السلام صوت الجبار يتكلم بالوحي، فلما كشف عن قلوبهم سئلوا عما قال الله فقالوا: الحق. وعلموا أن الله تعالى لا يقول إلا حقاً قال ابن عباس رضي الله عنهما: وصوت الوحي كصوت الحديد على الصفا، فلما سمعوا خروا سجداً، فلما رفعوا رؤوسهم {قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} . وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان إذا نزل الوحي كان صوته كوقع الحديد على الصفوان، فيصعق أهل السماء {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم} قالت الرسل عليهم السلام {الحق وهو العلي الكبير} . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ينزل الأمر إلى السماء الدنيا، له وقع كوقعة السلسلة على الصخرة، فيفزع له جميع أهل السموات، فيقولون {ماذا قال ربكم} ثم يرجعون إلى أنفسهم فيقولون {الحق وهو العلي الكبير} . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل من طريق معمر عن الزهري عن علي بن حسين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالساً في نفر من أصحابه، فرمى بنجم، فاستنار قال: حديث : ما كنتم تقولون إذا كان هذا في الجاهلية؟ قالوا: كنا نقول يولد عظيم، أو يموت عظيم، قال: فإنها لا ترمى لموت أحد، ولا لحياته، ولكن ربنا إذا قضى أمراً سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول الذين يلون حملة العرش {ماذا قال ربكم} فيخبرونهم، ويخبر أهل كل سماء سماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، وتخطف الجن السمع، فيرمون فما جاؤوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يحرفونه ويزيدون فيه تفسير : قال معمر: قلت للزهري: أكان يرمي بها في الجاهلية؟ قال: نعم. قال أرأيت {أية : وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً} تفسير : [الجن: 9] قال: غلظت وشدد أمرها حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان يفزعهم ذلك {فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم} قالوا الذي قال {الحق وهو العلي الكبير} فيسمعها مسترقو السمع، ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر. وصف سفيان بيده وفرج بين أصابعه نصبها بعضها فوق بعض. فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا. وكذا. كذا. وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء ". تفسير : وأخرج ابن جرير وابن خزيمة وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن النوّاس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا أراد الله أن يوحي بأمر تكلم بالوحي، فإذا تكلم بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله تعالى، فإذا سمع بذلك أهل السموات صعقوا وخروا سجداً، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل عليه السلام، فيكلمه الله من وحيه بما أراد، فيمضي به جبريل عليه السلام على الملائكة عليهم السلام، كلما مر بسماء سماء سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول {قال الحق وهو العلي الكبير} فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل عليه السلام، فينتهي جبريل عليه السلام بالوحي حيث أمره الله من السماء والأرض ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ "فرغ عن قلوبهم" يعني بالراء والغين المعجمة. وأخرج البيهقي وابن أبي شيبة وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله عز وجل {حتى إذا فزع عن قلوبهم} قال: كان لكل قبيل من الجن مقعد في السماء يستمعون منه الوحي، وكان إذا نزل الوحي سمع له صوت كامرار السلسلة على الصفوان، فلا ينزل على أهل سماء إلا صعقوا {حتى إذا فزع عن قلوبهم، قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} وإن كان مما يكون في الأرض من أمر الغيب، أو موت، أو شيء مما يكون في الأرض تكلموا به فقالوا: يكون كذا. وكذا. فسمعته الشياطين، فنزلوا به على أوليائهم يقولون: يكون العام كذا، ويكون كذا، فيسمعه الجن، فيخبرون الكهنة به، والكهنة تخبر به الناس يقولون: يكون كذا وكذا.. فيجدونه كذلك، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم دحروا بالنجوم فقالت العرب حين لم يخبرهم الجن بذلك: هلك من في السماء، فجعل صاحب الإِبل ينحر كل يوم بعيراً، وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة، وصاحب الغنم شاة، حتى أسرعوا في أموالهم فقالت ثقيف: وكانت أعقل العرب: أيها الناس أمسكوا عليكم أموالكم، فإنه لم يمت من في السماء، وان هذا ليس بانتشار ألستم ترون معالمكم من النجوم كما هي، والشمس والقمر والنجوم والليل والنهار قال: فقال إبليس لقد حدث اليوم في الأرض حدث، فائتوني من تربة كل أرض، فأتوه بها، فجعل يشمها، فلما شم تربة مكة قال: من ههنا جاء الحديث منتشراً، فنقبوا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث. وأخرج أبو داود والبيهقي في الأسماء والصفات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : "إذا تكلم الله بالوحي، سمع أهل السماء الدنيا صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل عليه السلام، فإذا جاءهم جبريل عليه السلام {فزع عن قلوبهم} فيقولون يا جبريل: ماذا قال ربنا؟ فيقول {الحق} فيقولون: الحق. الحق ". تفسير : وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي من وجه آخر عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات صلصلة كجر السلسلة على الصفوان فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل عليه السلام، فإذا أتاهم جبريل عليه السلام {فزع عن قلوبهم} قالوا يا جبريل: ماذا قال ربنا؟ فيقول {الحق} فينادون الحق الحق. وأخرج ابن مردويه عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : لما نزل جبريل بالوحي على رسول الله، فزع أهل السموات لا نحطاطه، وسمعوا صوت الوحي كأشد ما يكون من صوت الحديد على الصفا، فكلما مر بأهل سماء {فزع عن قلوبهم} فيقولون: يا جبريل بماذا أمرت؟ فيقول: نور العزة العظيم كلام الله بلسان عربي ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه في الآية قال: يوحي الله إلى جبريل عليه السلام، فتفزع الملائكة عليهم السلام من مخافة أن يكون شيء من أمر الساعة، فإذا خلى عن قلوبهم وعلموا أن ذلك ليس من أمر الساعة {قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق} . وأخرج أبو نصر السجزي في الابانة عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيت جبريل عليه السلام وزعم أن إسرافيل عليه السلام يحمل العرش، وأن قدمه في الأرض السابعة والألواح بين عينيه، فإذا أراد ذو العرش أمراً سمعت الملائكة كجر السلسلة على الصفا فيغشى عليهم، فإذا قاموا {قالوا ماذا قال ربكم} قال من شاء الله {الحق وهو العلي الكبير} ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة والكلبي رضي الله عنهما في قوله {حتى إذا فزع عن قلوبهم} قالا: لما كانت الفترة بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، فنزل الوحي مثل صوت الحديد، فافزع الملائكة عليهم السلام ذلك {حتى إذا فزع عن قلوبهم} قالوا: إذا جلى عن قلوبهم {ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} . وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم في الآية قال: زعم ابن مسعود أن الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى أهل الأرض يكتبون أعمالهم إذا أرسلهم الرب تبارك وتعالى، فانحدروا سمع لهم صوت شديد، فيحسب الذي أسفل منهم من الملائكة أنه من أمر الساعة، فيخرون سجداً وهكذا كلما مروا عليهم، فيفعلون ذلك من خوف ربهم تبارك وتعالى. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: إذا قضى الله تبارك وتعالى أمراً رجفت السموات والأرض والجبال، وخرت الملائكة كلهم سجداً حسبت الجن أن أمراً يقضى فاسترقت، فلما قضي الأمر، رفعت الملائكة رؤوسهم. وهي هذه الآية {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا - جميعاً - الحق وهو العلي الكبير} . وأخرج ابن الأنباري عن الحسن رضي الله عنه أنه كان يقرأ {حتى إذا فزع عن قلوبهم} ثم يفسره حتى إذا انجلى عن قلوبهم. وأخرج ابن أبي حاتم من طريق آخر عن الحسن رضي الله عنه أنه كان يقرأ {فزع عن قلوبهم} قال: ما فيها من الشك والتكذيب. وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله {حتى إذا فزع عن قلوبهم} قال: فزع الشيطان عن قلوبهم، ففارقهم وأمانيهم وما كان يضلهم {قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} قال: وهذا في بني آدم عند الموت، أقروا حين لا ينفعهم الاقرار. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله {حتى إذا فزع عن قلوبهم} قال: كشف الغطاء عنها يوم القيامة. وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم والضحاك أنهما كانا يقرآن {حتى إذا فزع عن قلوبهم} يقولان: جلى عن قلوبهم. وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين أنه سأل كيف تقرأ هذه الآية {حتى إذا فزع عن قلوبهم} أو {فرغ عن قلوبهم}؟ قال {إذا فزع عن قلوبهم} قال: فإن الحسن يقول برأيه أشياء أهاب أن أقولها. وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ حتى {إذا فزع عن قلوبهم} بالعين مثقلة الزاي. وأخرج عبد بن حميد وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ثم أمره الله أن يسأل الناس فقال {قل من يرزقكم من السماوات والأرض} . وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله {وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين} قال {إنا} نحن لعلى هدى وانكم في ضلال مبين. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وإنا أو إياكم...} قال: قد قال ذلك أصحاب محمد للمشركين، والله ما نحن وأنتم على أمر واحد ان أحد الفريقين مهتد. وفي قوله {قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا} أي يقضي. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {الفتاح} قال: القاضي.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [الآية: 23]. قال القحطانى: قطع الحق الخلق عنه بقوله: {وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} وصف الله سبحانه اهل الوجد من الملائكة المقربين وذلك من صولة الخطاب فاذا سمعوا كلام الحق من نفس العظمة وقعوا فى بحار هيبته واجلاله حتى فنوا تحت سلطان كبرياء ولم يعرفوا معنى الخطاب فى اوّل وارد السلطنة فاذا قالوا سالو معنى الخطاب من جبرئيل عليه السّلام وهو من اهل الصحو والتمكين فى المعرفة بقوله {قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} قوله تعالى {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ} لا ينال زلقته الا بزلفته واين الحدثان من ان يقرب العارف من الله وانه بنفسه جل جلاله قربهم منه اليه قال سهل الزلفى هو التقرب الى الله وقال بعضهم الزلفى هو قطع الاسباب والتعلق بالتجاء.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولا تنفع الشفاعة} وهى طلب العفو او الفضل للغير من الغير يعنى ان الشافع شفيع للمشفوع له فى طلب نجاته او زيادة ثوابه ولذا لا تطلق الشفاعة على دعاء الرجل لنفسه واما دعاء الامة للنبى عليه السلام وسؤالهم له مقام الوسيلة فلا يطلق عليه الشفاعة اما لاشتراط العلو فى الشفيع واما لاشتراط العجز فى المشفوع له وكلاهما منتف ههنا {عنده} تعالى كما يزعمون اى لا توجد رأسا لقوله تعالى {أية : من ذا الذى يشفع عنده الا بأذنه} تفسير : وانما علق النفى بنفعها لا بوقوعها تصريحا بنفى ما هو غرضهم من وقوعها {الا لمن اذن له} استثناء مفرغ من اعم الاحوال اى لا تنفع الشفاعة فى حال من الاحوال الا كائنة لمن اذن له اى لاجله وفى شأنه من المستحقين للشفاعة واما من عداهم من غير المستحقين لها فلا تنفعهم اصلا وان فرض وقوعها وصدورها عن الشفعاء اذ لم يأذن لهم فى شفاعتهم بل فى شفاعة غيرهم فعلى هذا يثبت حرمانهم من شفاعة هؤلاء بعبارة النص ومن شفاعة الاصنام بدلالته اذ حين حرموها من جهة القادرين على شفاعة بعض المحتاجين اليها فلان يحرموها من جهة العجزة عنها اولى {حتى اذا فزع عن قلوبهم} التفزيع من الاضداد فانه التخويف وازالة الخوف والفزع: وبالفارسية [بترسانيدن واندوه وابردن] وهذا يعدى بعن كما فى هذا المقام والفزع انقباض ونفار يعترى الانسان من الشئ المخيف وهو من جنس الجزع ولذا لا يقال فزعت من الله كما يقال خفت منه والمعنى حتى اذا ازيل الفزع عن قلوب الشفعاء والمشفوع لهم من المؤمنين واما الكفرة فهم عن موقف الاستشفاع بمعزل وعن التفزيع عن قلوبهم بالف منزل وحتى غاية لما ينبئ عنه ما قبلها من الاشعار بوقوع الا لمن اذن له فانه يشعر بالاستئذان المستدعى الترقب والانتظار للجواب كأنه سئل كيف يؤذن لهم فقيل يتربصون فى موقف الاستئذان والاستدعاء ويتوقفون على وجل وفزع زمانا طويلا حتى اذا ازيل الفزع عن قلوبهم بعد اللتيا والتى وظهرت لهم تباشير الاجابة {قالوا} اى المشفوع لهم اذ هم المحتاجون الى الاذن والمهتمون بامره {ماذا} [جه جيز] {قال ربكم} اى فى شأن الاذن {قالوا} اى الشفعاء لانهم المباشرون للاستئذان بالذات المتوسطون بينهم وبينه تعالى بالشفاعة {الحق} اى قال ربنا القول الحق وهو الاذن فى الشفاعة للمستحقين لها {وهو العلى الكبير} من تمام كلام الشفعاء قالوه اعترفا بغاية عظمة جناب العزة وقصور شأن كل من سواه اى هو المتفرد بالعلو والكبرياء شأنا وسلطانا ذاتا وصفة قولا وفعلا ليس لاحد من اشراف الخلائق ان يتكلم الا باذنه. قال بعضهم العلى فوق خلقه بالقهر والاقتدار والعلى الرفيع القدر واذا وصف به تعالى فمعناه انه يعلو ان يحيط به وصف الواصفين بل وعلم العارفين والعبد لا يتصور ان يكون عليا مطلقا اذ لا ينال درجة الا ويكون فى الوجود ما هو فوقها وهى درجات الانبياء والملائكة نعم يتصور ان ينال درجة لا يكون فى جنس الانس من يفوقها وهى درجة نبينا عليه السلام ولكنه علو اضافى لا مطلق والتحلق بهذا الاسم بالجنوح الى معالى الامور والبعد عن سفسافها وفى الحديث "حديث : ان الله يحب معالى الامور ويبغض سفسافها" تفسير : وعن على رضى الله عنه علو الهمة من الايمان. قال الصائب شعر : جون بسير لا مكان خود ميروم ازخويشتن همجو همت توسنى درزير زين داريم ما تفسير : وخاصية هذا الاسم الرفع عن اسافل الامور الى اعاليها فيكتب ويعلق على الصغير فيبلغ وعلى الغريب فيجمع شمله وعلى الفقير فيجد غنى بفضل الله تعالى. واما الكبير فهو الذى يحتقر كل شئ فى جنب كبريائه. وقيل فى معنى الله اكبر اى اكبر من ان يقال له اكبر او يدرك كنه كبريائه غيره. قال بعض الكبار معنى قول المصلى الله اكبر بلسان الظاهر الله اكبر ان يقيد ربى حال من الاحوال بل هو تعالى فى كل الاحوال اكبر ومن عرف كبرياءه نسى كبرياء نفسه والكبير من العباد هو العالم التقى المرشد للخلق الصالح لان يكون قدوة يقتبس من انواره وعلومه ولهذا قال عيسى عليه السلام من علم وعمل وعلم فذلك يدعى عظيما فى ملكوت السماء. وخاصية هذا الاسم فتح باب العلم والمعرفة لمن اكثر من ذكره وان قرأه على طعام واكله الزوجان وقع بينهما وفق وصلح. وفى الاربعين الادريسية يا كبير انت الذى لا تهتدى العقول لوصف عظمته. قال السهروردى اذا اكثر منه المديان ادى دينه واتسع رزقه وان ذكره معزول عن رتبته سبعة ايام كل يوم الفا وهو صائم فانه يرجع الى مرتبته ولو كان ملكا
الجنابذي
تفسير : {وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ} اضراب آخر كأنّه قال: بل ليس لهم شافعيّة او مشفوعيّة عنده لأنّه لا تنفع الشّفاعة {عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} فى الشّافعيّة او فى المشفوعيّة ولم يأذن لهم فى الشّافعيّة او فى المشفوعيّة، وقد سبق فى مطاوى ما اسلفنا انّ الامامات وبيان الاحكام للانام والقضاوات والامر بالمعروف والنّهى عن المنكر واجراء التّوبة واخذ الصّدقات واخذ البيعة من العباد لله والرّياسات الدّينيّة كلّها نحو شفاعة عند الله وليس شيءٌ منها جائزاً و مباحاً الاّ لمن اذن الله له بلا واسطة كالانبياء (ع) او بواسطة كالاوصياء (ع) فالويل! ثمّ الويل! لمن نصب نفسه علماً للنّاس وتصدّى المحاكمات او الفتاوى او الامامة او اخذ الصّدقات او اخذ البيعة من العباد من غير اذنٍ واجازة من الله فانّه مفترٍ على الله {أية : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً} تفسير : [الأنعام:93]. نسب الى القمّى انّه قال: لا يشفع احدٌ من انبياء الله واولياء الله (ع) ورسله (ع) يوم القيامة حتّى يأذن الله له الاّ رسول الله (ص) فانّ الله عزّ وجلّ قد اذن له فى الشّفاعة من قبل يوم القيامة والشّفاعة له وللائمّة (ع) ثمّ بعد ذلك للانبياء، وعن الباقر (ع) فى حديث: ما من احدٍ من الاوّلين والآخرين الاّ وهو محتاج الى شفاعة رسول الله (ص) يوم القيامة ثمّ قال: انّ لرسول الله (ص) الشّفاعة فى امّته ولنا الشّفاعة فى شيعتنا، ولشيعتنا الشّفاعة فى اهاليهم، وانّ المؤمن ليشفع فى مثل ربيعة ومضر، وانّ المؤمن ليشفع حتّى خادمه يقول: يا ربّ حقّ خدمتى كان يقينى الحرّ والبرد {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ} غاية لمحذوف تقديره فالخلق فى الحيرة والوحشة حتّى اذا فزّع {عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ} اى بعضهم لبعض او قالوا للملائكة او للشّافعين {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} وفى خبرٍ عن الباقر (ع) وذلك انّ اهل السّماوات لم يسمعوا وحياً فيما بين ان بعث عيسى بن مريم (ع) الى ان بعث محمّد (ص) فلمّا بعث الله جبرئيل (ع) الى محمّد (ص) سمع اهل السّماوات صوت وحى القرآن كوقع الحديد على الصّفا فصعق اهل السّماوات فلمّا فرغ من الوحى انحدر جبرئيل (ع) كلّما مرّ باهل سماء فزع عن قلوبهم يقول كشف عن قلوبهم فقال بعضهم لبعضٍ: ماذا قال ربّكم؟- قالوا الحقّ وهو العلىّ الكبير، وعلى هذا فالتّقدير استمع جبرئيل الوحى وصعق الملائكة من سماعه فانحدر جبرئيل حتّى اذا مرّ باهل السّماوات وفزّع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربّكم؟.
الهواري
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ} أي: عند الله {إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} أي: لا يشفع الشافعون، إلا للمؤمنين، أي: تشفع الملائكة والنبيُّون، والمؤمنون، ليس يعني أنهم يشفعون للمشركين فلا يشفَّعون. [وحديث الحسن بن دينار عن الحسن قال: أهل الكبائر لا شفاعة لهم]. قال: (أية : وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى) تفسير : [الأنبياء: 28] وقال في آية أخرى: (أية : وَلاَ يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) تفسير : [الزخرف: 86] أي: شهد بلا إله إلا الله وهم يعلمون، أي: وقلوبهم مخلصة بشهادة ألا إله إلا الله، يعلمون أنها الحق ويعملون بما يعلمون، وليس الشفاعة لهم من معنى قد وجب عليهم، فلا، لا، إلا لتخفيف بعض أهوال الموقف. قال: (أية : فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ) تفسير : [المدثر: 48] من الملائكة والنبيين، أي: إن المنافقين لا يشفعون لهم، إنما يشفعون لمن ارتضى الله لهم، وهم المؤمنون. قوله: {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ العَلِيُّ الْكَبِيرُ}. قال بعضهم: إن أهل السماوات لم يسمعوا الوحي فيما بين عيسى وبين محمد إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء. فلما بعث الله جبريلَ إلى محمد بالوحي سمع أهل السماوات الوحي كجرّ السلاسل على الصخور، فصعق أهل السماوات مخافة أن تقوم الساعة. فلما فرغ من الوحي وانحدر جبريل جعل كلما مرّ بأهل سماء فزِّع عن قلوبهم، أي: جلِّيَ عن قلوبهم. وقالوا: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} فيقولون: الحق من عند الحق، يعنون الوحي، {وَهُوَ الْعَلِيُّ} أي: لا أعلى منه {الكَبِيرُ} أي: فلا أكبر منه. ذكروا عن كعب قال: إن أقرب الملائكة إلى الله إسرافيل. فإذا أراد الله أمراً أن يوحيه جاء اللوح حتى يصفق جبهة إسرافيل، فيرفع رأسه وينظر، فإذا الأمر مكتوب، فينادي جبريل، فيأتيه فيقول: أمرت بكذا، أمرت بكذا. فلا يهبط جبريل من سماء إلى سماء إلا فزع أهله مخافة الساعة، حتى يقول جبريل: الحق من عند الحق، فيهبط على النبي صلى الله عليه وسلم فيوحيه إليه.
اطفيش
تفسير : {ولا تنفع الشفاعة عنده} عند الله. {إلا لمن أذن له} ان يكون شافعا فحينئذ تكون شفاعته نافعة وهؤلاء الذين زعمتم لم يأذن لهم في الشفاعة فضلا عن ان يشفعها فتنفع شفاعتهم فمن واقعة على من يكون شافعا واللام مثلها في قولك الكرم لزيد على انه المكرم بفتح الراء والمعنى لا تنفع الشفاعة اي لا تجلب خيرا الا لمن اذن الله ان يشفع له شافع فمن واقعة على المشفوع له واللام في قولك الكرم زيد على انه المكرم بفتح الراء لا المكرم بكسرها ولا يأذن الله ان يشفع للمشركين وقرأ ابو عمرو وحمزة والكسائي ببناء اذن للمفعول. {حتى اذا فزع} بالبناء للمفعول والنائب المجرور بعده توصل اليه بالحرف وقرا ابن عامر ويعقوب بالبناء للفاعل وهو ضمير الله وحتى حرف ابتداء لإجازة {إذا} خلافا لبعض. {عن قلوبهم} كشف الفزع عنها بالاذن فيها والضمير للشافعين والمشفوعين اي يتوقفون وينتظرون خائفين وجلين حتى يكشف الفزع عنهم باذن في الشفاعة وليست حتى الابتدائية خارجة عن الغاية بالكلية بل فيها دلالة عليها وقد قرىء فرع بالتخفيف والبناء للفاعل وهو ضمير الله اي نفي الوجل عنها كقولك فزع الزاد اذا فزع وفزعته افزعته وقرأه فزع بالتخفيف والبناء للمفعول وقيل الضمير في قلوبهم للملائكة وقد تقدم ذكرهم ضمنا. {قالوا} جواب اذا اي قال بعضهم لبعضهم استشارا. {ماذا قال ربكم قالوا الحق} اي قالوا قال الحق وهو القول الحق الذي هو الاذن في الشفاعة وقرىء بالرفع اي الذي قاله ربكم الحق فالانسب بالقراءة الاولى ان يجعل ماذا اسم استفهام مفعولا لقال وبالثانية ان يجعل ماذا مبتدأ وخبرا وقال ربكم صلة ذا اي ما الذي قاله ربكم. {وهو العلي} اي القاهر. {الكبير} أي العظيم الشأن لا كلام يومئذ ولا شفاعة لملك ولا نبي الا باذنه. وقال الشيخ هود في تفسيرالآية: ان أهل السماوات لم يسمعوا الوحي فيما بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم وذلك خمسمائة سنة او ستمائة ولما بعث الله جبريل إلى محمد بالوحي سمع أهل السماوات صوت الوحي كجز السلاسل على الصخور فصعقوا مخافة ان تكون الساعة ولما فرغ من الوحي انحدر جبريل جعل كلما مر بأهل سماء كشف عن قلوبهم فسأل كل أهل سماء من فوقهم ماذا قال ربكم فيقولون الحق من عند الحق وفي رواية يسأل أهل كل سماء بعضهم بعضا وكذا ذكره لخازن واقول لا يصح ذلك تفسير للاية لان هذا قبل القيامة والسياق السابق في الشفاعة والرواية عن ابن مسعومد انهم يصعقون عند كل وحي حتى يمر بهم جبريل فيسألونه يقولون ماذا قال ربكم يا جبريل فيقول الحق وانهم يسمعون الوحي كصوت الاجراس الصلبة بعضها ببعض وصعقهم مخافة على انفسهم من غضب الله او مخافة من الساعة. وكذلك روي عن ابي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه اذا قضي الله امرا في السماء ضربت الملائكة باجنحتها خضعا لقوله كانه صلصلة على صفوان وهو الحجر الاملس فاذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير وليس ذلك منه صلى الله عليه وسلم تفسيرا للاية بل حكاية لما تقول الملائكة. وعن كعب ان اقرب الملائكة الى الله سبحانه وتعالى عن حلول الاماكن اسرافيل فاذا اراد الله امرا جاء اللوح حتى يكون فوق جهته فيرفع رأسه فينظر فاذا الامر مكتوب فينادي جبريل فيأتيه فيقول امرت بكذا وكذا فلا يهبط جبريل من سماء إلى سماء الا فزع اهلها مخافة الساعة حتى يقول جبريل الحق من الحق فيهبط على النبي فيوحيه وقد يقال على بعد ان تلك الروايات تفسير للاية على معنى من اين للاصنام الجمادات ان تكون شافعة ومن اين للملائكة ان تكون شافعة وشريكة له في السماوات وهذه حالها في الدنيا اجلالا لله عز وجل فكيف تشفع في الآخرة الا باذنه كانه قيل أمر الله عظيم حتى ان حال الملائكة كذا وكذا وقيل الآية عند الموت او افزع عن قلوب المشركين اي كشف الفزع عنها عند الموت قالت الملائكة ماذا قال ربكم في الدنيا لاقامة الحجة قالوا الحق فاقروا حين لا ينفعهم الاقرار.
اطفيش
تفسير : {ولا تَنْفع الشفاعة عنْدهُ} شفاعة آلهتهم، أى لا شفاعة لهم لأحد، فضلا عن أن تنفع أحدا منكم أو من غيركم: شعر : على لاحب لايهتدى بمناره تفسير : أى لا منار فيه فضلا عن أن يهتدى به، ولم يذكر الضر لدخوله بأن ازالته نفع، فذكر الشفاعة كاف، لأنه موضوع للإزالة، ولو ذكر لكان كالتكرار، ولم يقع ولا تقع الشفاعة تصريحا بنفى ما هو غرضهم منها وهو النفع {إلا لمَن أذِنَ} الله {لـه} استثناء منقطع، كما علمت أن المراد بما قبله أن آلهتهم لا تشفع لهم ولا لغيرهم، وإن قلنا: المعنى لا تنفع الشفاعة عن شىء ما، لشىء ما، إلا لمن أذن له كان مفرغا، وهو متصل، ومن واقعة على المشفوع له، واللام الأولى للاستحقاق، والثانية للتعليل، أو بمعنى فى أى إلا لمن أذن الله فيه بها، ولا تقع من على الشافع، أى للشافع الذى أذن الله له، فالهاء للشافع إلا باعتبار أن قبول شفاعة الشافع نفع له، والمتبادر كما لا يخفى أن النفع للمشفوع له، وزعم بعض أن اللام الأولى للتعليل، وعلى كل حال لا تقع الشفاعة للمشركين، لأنه لا يؤذن لمن يشفع لهم، والشافع الملائكة والأنبياء والأولياء. {حتى إذا فُزِّع عَن قُلوبِهِم} أزيل الفزع عنها، فان من معا التفعيل السلب، كقردت البعير، أى أزلت قراده، كما بسطته فى شرح لامية ابن مالك، وحتى للابتداء، ولا تخلو عن غاية أى يبقى أهل القيامة على انتظار أن يكون شافع ومشفوع له، وقبول الشفاعة متحيرين، حتى اذا فزع عن قلوبهم {قالُوا} قال بعض وهم المشفوع لهم، لبعض وهم الشافعون، أو قال المشفوع لهم بعض لبعض، أو ضمير قلوبهم للمشفوع لهم، فكذا ضمير قالوا {ماذا قال ربُّكم قالُوا الحَقَّ} قالوا قال الحق فى الدنيا على ألسنة الرسل، يقول الكفار المشفوع لهم ذلك إقرارا، أو يقوله الشافعون المحقون. ومعنى كون الكفار مشفوعا لهم أنهم طلبوا الشفاعة، وكون أهل الحق شافعين أنه طلب منهم أن يكونوا شافعين {وهُو العَلى الكَبيرُ} من كلام المؤمنين الشافعين، الذين يشفعون لسائر المؤمنين، حمدوا الله بهذه الجملة بعد الإذن لهم فى الشفاعة، بأنه الغاية فى العظمة، لا كلام لأحد إلا باذنه، وزعم بعض أن ضمير قلوبهم للملائكة، وخص الشفاعة بهم، وجعل ضمير قالوا الأول لهم أيضا، والثانى للملائكة الذين فوقهم، وهم الذين يبلغون ذلك إليهم، وفزعهم لهول المقام، أو لخوف التقصير فى تعيين المشفوع لهم، على انه جاءهم الاذن فى الشفاعة اجمالا، وفيه أنه لا يتبادر ذلك من الآية، وأن الملائكة الذين فوقهم أحق بالشفاعة، اللهم إلا أن يقال: قدموا لأنهم الذين يلون أمر بنى آدم في الدنيا. وعن قتادة، ومقاتل، وابن السائب أنه نزل جبريل، أى النزول الأول على سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فظنت الملائكة أنه لقيام الساعة ففزعوا حتى صعقوا، وكانوا لم يسمعوا ذلك الصوت منذ رفع عيسى، وذلك خمسمائة أو ستمائة عام، ولهم علم بقيام الساعة بعد بعث آخر الرسل، وخافوا الساعة، وجعل جبريل يمر بأهل كل سماء يزيل عنهم الفزع، ويخبرهم أنه نزل للوحى، وأنه عز وجل يقول الحق، وفيه أنه لو أخبرهم لما قالوا: {ماذا قال ربكم} اللهم إلا أن يقال يفيقون ويقولون: {ماذا قال ربكم} والخطاب لجبريل بصيغة الجمع تعظيما، أو لبعض من بعض، وقد علموا أن نزوله لقول من الله جل وعلا، فيجيبهم بأنه {قال الحق} ولم يذكر الزجاج أنهم صعقوا، بل سأل بعض بعضا، ثم نزل جبريل فأجاب البعض بأنه تعالى قال الحق. والصحيح أن الخوف لقيام الساعة، وورد أيضا لغيرها، لكن ليس تفسيرا للآية، كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة أجنحتها خضوعا لقوله تعالى كأنه صلصلة على صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم، وذلك صوت يخلقه الله"تفسير : وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماء صلصلة كحجر السلسلة على الصفا فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل فإذا أتاهم فزع عن قلوبهم فيقولون: يا جبريل ماذا قال ربكم؟ فيقول: الحق، فيقولون الحق" تفسير : والصلصلة صوت خلقه الله عز وجل حيث شاء.
الالوسي
تفسير : {وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُ } أي لا توجد رأساً كما في قوله:شعر : على لا حب لا يهتدي بمناره تفسير : لقوله تعالى: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِى يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } تفسير : [البقرة: 255] وإنما علق النفي بنفعها دون وقوعها تصريحاً بنفي ما هو غرضهم من وقوعها. وقوله تعالى: {إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } استثناء مفرغ من أعم الأحوال على ما اختاره الزمخشري، و {مِنْ } عبارة عن الشافع واللام الداخلة عليه للاختصاص مثلها في الكرم لزيد ولام {لَهُ } صلة (أذن)، والمراد نفي شفاعة آلهتهم لهم لكن ذكر ذلك على وجه عام ليكون طريقاً برهانياً أي لا تنفع الشفاعة في حال من الأحوال أو كائنة لمن كانت إلا كائنة لشافع أذن له فيها من النبيين والملائكة ونحوهم من المستأهلين لمقام الشفاعة، ومن البين أنهم لا يؤذن لهم في الشفاعة للكفار فقد قال الله تعالى: {أية : لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَقَالَ صَوَاباً }تفسير : [النبأ: 38] والشفاعة لهم بمعزل عن الصواب وعدم الإذن للأصنام أبين وأبين فتبين حرمان هؤلاء الكفرة منها بالكلية أو {مِنْ } عبارة عن المشفوع له واللام الداخلة عليه للتعليل ولام {لَهُ } صلة {أَذِنَ } أي لا تنفع الشفاعة إلا كائنة لمشفوع أذن له أي لشفيعه على الإضمار لأن المشفوع لم يصدر عنه فعل حتى يؤذن له فيه أن يشفعه، واختار الزمخشري أن لام {لَهُ } للتعليل أي إلا لمن وقع الإذن للشفيع لأجله، ووجهه على ما في «الكشف» حصول الإشارة إلى الشافع والمشفوع لأن المأذون لأجله المشفوع والمأذون الشافع ولأن الغرض بيان محل النفع وهو المشفوع كان التصريح بذكره أهم، ولا يخفى أن الوجه السابق ظاهر التكلف فيه الإضمار الذي لا يقتضيه المقام، وحاصل المعنى على هذا لا تنفع الشفاعة من الشفعاء المستأهلين لها إلا كائنة لمن وقع الإذن للشفيع لأجله وفي شأنه من المستحقين للشفاعة وأما من عداهم من غير المستحقين لها فلا تنفعهم أصلاً وإن فرض وقوعها من الشفعاء إذ لم يؤذن لهم في شفاعتهم بل في شفاعة غيرهم، ويثبت من هذا حرمان هؤلاء الكفرة من شفاعة الشفعاء المستأهلين للشفاعة بعبارة النص وعن شفاعة الأصنام بدلالته إذ حين حرموها من جهة القادرين عليها في الجملة فلأن يحرموها من جهة العجزة عنها بالكلية أولى، وذهب أبو حيان إلى أن الاستثناء من أعم الذوات أي لا تنفع الشفاعة لأحد إلا لمن الخ، واستظهر احتمال أن تكون (من) عبارة عن المشفوع له واللام نظراً إلى الظاهر متعلقة بالشفاعة، وجوز أبو البقاء تعلقها بتنفع. وتعقبه بأنه لا يتعدى إلا بنفسه وقال أبو حيان فيه: إن المفعول متأخر فدخول اللام قليل. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي {أَذِنَ } مبنياً للمفعول فله قائم مقام / فاعله. {حَتَّىٰ إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ } صيغة التفعيل للسلب كما في قردت البعير إذا أزلت قراده ومنه التمريض فالتفزيع إزالة الفزع، وهو على ما قال الراغب انقباض ونفار يعتري الإنسان من الشيء المخيف، و {حَتَّىٰ } للغاية واختلفوا في المغيا إذ لم يكن قبلها ما يصلح أن يكون مغياً بحسب الظاهر، واختلفوا لذلك في المراد بالآية اختلافاً كثيراً، فقيل: هو ما يفهم من حديث الشفاعة ويشير إليه، وذلك أن قوله تعالى: {وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَـٰعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } يؤذن بشفعاء ومشفوع لهم وأن هناك استئذاناً في الشفاعة ضرورة أن وقوع الإذن يستدعي سابقية ذلك وهو مستدع للترقب والانتظار للجواب وحيث أنه كلام صادر عن مقام العظمة والكبرياء كيف وقد تقدمه ما تقدمه يدل على كون الكل في ذلك الموقف خلف سرادق العظمة ملقى عليهم رداء الهيبة، وما بعد حرف الغاية أيضاً شديد الدلالة على ذلك فكأنه قيل: تقف الشفعاء والمشفوع لهم في ذلك الموقف الذي يتشبث فيه المستشفعون بأذيال الرجاء من المستشفع بهم ويقوم فيه المستشفع به على قدم الالتجاء إلى الله جل جلاله فيطرق باب الشفاعة بالاستئذان فيها ويبقون جميعاً منتظرين وجلين فزعين لا يدرون ما يوقع لهم الملك الأعظم جل وعلا على رقعة سؤالهم وماذا يصح لهم بعد عرض حالهم حتى إذا أزيل الفزع عن قلوب الشفعاء والمشفوع لهم بظهور تباشير حسن التوقيع وسطوع أنوار الإجابة والارتضاء من آفاق رحمة الملك الرفيع قالوا أي قال بعضهم لبعض، والظاهر أن البعض القائل المشفوع لهم وإن شئت فأعد الضمير إليهم من أول الأمر إذ هم الأشد احتياجاً إلى الإذن والأعظم اهتماماً بأمره ماذا قال ربكم في شأن الإذن بالشفاعة قالوا: أي الشفعاء فإنهم المباشرون للاستئذان بالذات المتوسطون لأولئك السائلين بالشفاعة عنده عز وجل قال ربنا القول الحق أي الواقع بحسب ما تقتضيه الحكمة وهو الإذن بالشفاعة لمن ارتضى. والظاهر أن قوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَلِىُّ ٱلْكَبِيرُ } من تتمة كلام الشفعاء قالوه اعترافاً بعظمة جناب العزة جل جلاله وقصور شأن كل من سواه أي هو جل شأنه المتفرد بالعلو والكبرياء لا يشاركه في ذلك أحد من خلقه وليس لكل منهم كائناً من كان أن يتكلم إلا من بعد إذنه جل وعلا، وفيه من تواضعهم بعد ترفيع قدرهم بالإذن لهم بالشفاعة ما فيه، وفيه أيضاً نوع من الحمد كما لا يخفى وهذه الجملة المغياة بما ذكر لا يبعد أن تكون جواباً لسؤال مقدر كأنه قيل: كيف يكون الإذن في ذلك الموقف للمستأذنين وكيف الحال فيه للشافعين والمستشفعين؟ فقيل: يقفون منتظرين وجلين فزعين حتى إذا الخ. والآيات دالة على أن المشفوع لهم هم المؤمنون وأما الكفرة فهم عن موقف الاستشفاع بمعزل وعن التفزيع عن قلوبهم بألف ألف منزل، وجعل بعضهم على هذا الوجه من كون المغيا ما ذكر ضمير {قُلُوبِهِمْ } للملائكة وخص الشفعاء بهم وضمير {قَالُواْ } الأول لهم أيضاً وضمير {قَالُواْ } الثاني: للملائكة الذين فوقهم وهم الذين يبلغون ذلك إليهم وقال: إن فزعهم إما لما يقرن به الإذن من الأمر الهائل أو لغشية تصيبهم عند سماع كلام الله جل شأنه أو من ملاحظة وقوع التقصير في تعيين المشفوع لهم بناءً على ورود الإذن بالشفاعة إجمالاً وهو كما ترى. وقال الزجاج: تفسير هذا أن جبريل عليه السلام لما نزل إلى النبـي صلى الله عليه وسلم بالوحي ظنت الملائكة عليهم السلام أنه نزل بشيء من أمر الساعة ففزعت لذلك فلما انكشف عنها الفزع قالوا: ماذا قال ربكم؟ سألت لأي شيء / نزل جبريل عليه السلام قالوا: الحق اهـ. روي ذلك عن قتادة ومقاتل وابن السائب بيد أنهم قالوا: إن الملائكة صعقوا لذلك فجعل جبريل عليه السلام يمر بكل سماء ويكشف عنهم الفزع ويخبرهم أنه الوحي. ولم يبين الزجاج وجه اتصال الآية بما قبلها ولا بحث عن الغاية بشيء وقد ذكر نحو ذلك الإمام الرازي ثم قال في ذلك: إن {حَتَّىٰ } غاية متعلقة بقوله تعالى: {قُلْ } لأنه تبينه بالوحي فلما قال سبحانه: {قُلْ } فزع من في السماوات وهو لعمري من العجب العجاب. وقال الفاضل الطيبـي بعد نقله ذلك التفسير: وعليه أكثر كلام المفسرين ويعضده ما روينا عن البخاري والترمذي وابن ماجه عن أبـي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة أجنحتها خضعاناً لقوله تعالى كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا الذي قال الحق وهو العلي الكبير» تفسير : وعن أبـي داود عن ابن مسعود قال: «حديث : إذا تكلم الله تعالى بالوحي سمع أهل السماء [للسماء] صلصلة كجر السلسلة على الصفا فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل فإذا أتاهم جبريل عليه السلام فُزِّع عن قلوبهم فيقولون: يا جبريل ماذا قال ربكم؟ فيقول: الحق [فيقولن الحق] الحق»تفسير : ثم ذكر في أمر الغاية واتصال الآية بما قبلها على ذلك أنه يستخرج معنى المغيا من المفهوم وذلك إن المشركين لما ادعوا شفاعة الآلهة والملائكة وأجيبوا بقوله تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ مّن دُونِ ٱللَّهِ }تفسير : [سبأ: 22] من الأصنام والملائكة وسميتموهم باسمه تعالى والتجؤا إليهم فإنهم لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا تنفع الشفاعة من هؤلاء إلا للملائكة لكن مع الإذن والفزع العظيم وهم لا يشفعون إلا للمرضيين فعبر عن الملائكة عليهم السلام بقوله تعالى: {إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّىٰ إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ } الآية كناية كأنه قيل: لا تنفع الشفاعة إلا لمن هذا شأنه ودأبه وأنه لا يثبت عند صدمة من صدمات هذا الكتاب المبين وعند سماع كلام الحق يعني الذين إذا نزل عليهم الوحي يفزعون ويصعقون حتى إذا أتاهم جبريل عليه السلام فزع عن قلوبهم فيقولون: ماذا قال ربكم؟ فيقول: الحق انتهى، ولا يخفى على من له أدنى تمييز حاله وأنه مما لا ينبغي أن يعول عليه. وقول ابن عطية -: إن تأويل الآية بالملائكة إذا سمعت الوحي إلى جبريل أو الأمر بأمر الله تعالى به فتسمع كجر سلسلة الحديد على الحديد فتفزع تعظيماً وهيبة، وقيل خوف قيام الساعة هو الصحيح وهو الذي تظاهرت به الأحاديث - ناشىء من حرمان عطية سلامة الذوق وتدقيق النظر، والتفسير الذي ذكرناه أولاً بمراحل في الحسن عما ذكر عن أكثر المفسرين، وما سمعت من الرواية لا ينافيه إذ لا دلالة فيه على أنه عليه الصلاة والسلام ذكر ذلك في معرض تفسير الآية ولا تنافي بين التفزيعين وكأن الأكثر من المفسرين نظروا إلى ظاهر طباق اللفظ مع الحديث فنزلوا الآية على ذلك فوقعوا فيما وقعوا فيه وإن كثروا وجلوا، والقائل بما سبق نظر إلى طباق المقام وحقق عدم المنافاة وظهر له حال ما قالوه فعدل عنه. وأخرج ابن جرير وابن أبـي حاتم عن الضحاك أنه قال في الآية: زعم ابن مسعود أن الملائكة المعقبات الذين يختلفون إلى أهل الأرض يكتبون أعمالهم إذا أرسلهم الرب تبارك وتعالى فانحدروا سمع لهم صوت شديد فيحسب الذين أسفل منهم من الملائكة أنه من أمر الساعة فيخرون سجداً وهذا كلما مروا عليهم فيفعلون من خوف ربهم تبارك وتعالى، وابن مسعود عندي أجل من أن يحمل الآية على هذا فالظاهر أنه لا يصح عنه. / ومثل هذا ما زعمه بعضهم أن ذاك فزع ملائكة أدنى السماوات عند نزول المدبرات إلى الأرض. وقيل إن {حَتَّىٰ } غاية متعلقة بقوله تعالى: {أية : زَعَمْتُمْ} تفسير : [سبأ: 22] أي زعمتم الكفر إلى غاية التفزيع ثم تركتم ما زعمتم قال الحق وإليه يشير ما أخرج ابن أبـي حاتم عن زيد بن أسلم أنه قال في الآية: حتى إذا فزع الشيطان عن قلوبهم ففارقهم وأمانيهم وما كان يضلهم به قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ثم قال: وهذا في بني آدم أي كفارهم عند الموت أقروا حين لا ينفعهم الإقرار، والظاهر أن في الكلام عليه التفاتاً من الخطاب في {زَعَمْتُمْ } إلى الغيبة في {قُلُوبِهِمْ } وأن ضمير {قَالُواْ } الأول للملائكة الموكلين بقبض أرواحهم والمراد بالتفزيع عن القلوب كشف الغطاء وموانع إدراك الحق عنها. وما نقل عن الحسن من أنه قال: إنما يقال للمشركين ماذا قال ربكم أي على لسان الأنبياء عليهم السلام فأقروا حين لا ينفع يحتمل أن يكون كالقول المذكور في أن ذلك عند الموت ويحتمل أن يكون قولاً بأن ذلك يوم القيامة إلا أن في جعل (حتى) غاية للزعم عليه غير ظاهر إذ لا يستصحبهم ذلك إلى يوم القيامة حقيقة كما لا يخفى، وأبعد من هذا القول كون ذلك غاية لقوله تعالى: {أية : مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِى شَكّ }تفسير : [سبأ: 21] وضمير (قلوبهم) لمن باعتبار معناه، والتفزيع كشف الغطاء ومواقع إدراك الحق بل هو مما لا ينبغي حمل كلام الله تعالى عليه. وزعم بعضهم أن المعنى إذا دعاهم إسرافيل عليه السلام من قبورهم قالوا مجيبين ماذا قال ربكم حكاه في «البحر» ثم قال: والتفزيع من الفزع الذي هو الدعاء والاستصراخ كما قال زهير:شعر : إذا فزعوا طاروا إلى مستغيثهم طوال الرماح لا ضعاف ولا عزل تفسير : وأنت تعلم أن التفزيع بالمعنى المذكور لا يتعدى بعن وأمر الغاية عليه ظاهر، وبالجملة ذلك الزعم ليس بشيء. واختار أبو حيان أن المغيا الاتباع في قوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَٱتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ }تفسير : [سبأ: 20] وضمير (قلوبهم) عائد إلى ما عاد إليه ضمير الرفع في {ٱتَّبَعُوهُ } أعني الكفار وكذا ضمير {قالو} الثاني وضمير {قَالُواْ } الأول للملائكة وكذا ضمير {رَبُّكُـمْ } وجملة قوله تعالى: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ }تفسير : [سبأ: 22] الخ اعتراضية بين الغاية والمغيا والتفزيع حال مفارقة الحياة أو يوم القيامة وبجعل اتباعهم إبليس مستصحباً لهم إلى ذلك اليوم مجازاً، ولا يخفى بعده، والوجه عندى ما ذكر أولاً، و {مَاذَا } تحتمل أن تكون منصوبة بقال أي أي شيء قال ربكم؟، وتحتمل أن تكون في موضع رفع على أن ما اسم استفهام مبتدأ وذا اسم موصول خبره وجملة (قال) صلة الموصول والعائد محذوف أي ما الذي قاله ربكم. وقرأ ابن عباس وابن مسعود وطلحة وأبو المتوكل الناجي وابن السميقع وابن عامر ويعقوب {فُزّعَ } بالتشديد والبناء للفاعل والفاعل ضمير الله تعالى المستتر أي أزال الله تعالى الفزع عن قلوبهم. وقال أبو حيان: هو ضميره تعالى إن كان ضمير (قلوبهم) للملائكة وإن كان للكفار فهو ضمير مغريهم. وقرأ الحسن {فُزّعَ } بالتخفيف والبناء للمفعول فعن قلوبهم نائب الفاعل كما في قراءة الجمهور، وقرأ هو وأبو المتوكل أيضاً وقتادة ومجاهد {فرغ} بالفاء والراء المهملة والغين المعجمة مشدداً مبنياً للفاعل بمعنى أزال، وقرأ الحسن أيضاً كذلك إلا أنه خفف الراء، وقرأ عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما والحسن أيضاً وأيوب السختياني وقتادة أيضاً وأبو مجلز {فرغ} كذلك إلا أنهم بنوه للمفعول، وقرأ بن مسعود في رواية وعيسى {افرنقع} قيل بمعنى تفرق. وقال الزمخشري ((بمعنى انكشف، والكلمة مركبة من حروف المفارقة مع زيادة العين كما ركب اقمطر من حروف القمط مع زيادة الراء)) وفيه إيهام أن العين والراء من حروف الزيادة وليس كذلك، وقرأ ابن أبـي عبلة {ٱلْحَقّ } / بالرفع أي مقولة الحق.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ} تفسير : [البقرة: 84].
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلشَّفَاعَةُ} (23) - وَلِعَظَمَةِ اللهِ وَجَلاَلِهِ لاَ يَجْرؤُ أَحَدٌ عَلَى أَنْ يَشْفَعَ عِنْدَهُ فِي شَيءٍ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لَهُ في الشَّفَاعَةِ، وَهُوَ تَعَالى لاَ يَأْذَنُ لأَِحَدٍ أَنْ يَشْفَعَ لِهؤُلاءِ الكَافِرينَ، لأَِنَّ الشَّفَاعَةَ فِيهِمْ لاَ تَكُونُ أَبَداً. يَقِفُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيِ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ وَجِلِينَ فَزِعِينَ مُنْتَظِرِينَ الإِذْنَ بِالشَّفَاعَةِ، حَتَّى إِذا أَذِنَ للشَّافِعِينَ، وَهَدَأَتْ نُفُوسُ المُنْتَظِرِينَ، وَزَايلَها الخَوْفُ (فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ)، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ فِي الإِذْنِ والشَّفَاعَةِ؟ قَالُوا: قَالَ رَبُّنا الحَقَّ، وَهُوَ الإِذْنَ بالشَّفَاعَةِ لِمَنْ ارْتَضَى. والآيَاتُ تَدُلُّ عَلى أَنَّ المَشْفُوعَ لَهُمْ هُمُ المُؤمِنُونَ. أَمّا الكَافِرُونَ فهُم بِمَعْزِلٍ عَنْ مَوْقِفِ الشَّفَاعَةِ. وَاللهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هُوَ المُتَفَرِّدُ بِالعُلُوِّ والكِبْرِيَاءِ، لا يُشَارِكُهُ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ. فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ - أُزِيلَ عَنْها الفَزَعُ وَالخَوْفُ. الحَقَّ - قَالَ القَوْلَ الحَقَّ - وَهُوَ الإِذْنُ بِالشَّفَاعَةِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قال العلماء: يُشترط للشفاعة شرط في المشفوع له أن يكون من أهل التوحيد، وشرط في الشافع أن يُؤذن له بالشفاعة، كما قال تعالى: {أية : مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ..} تفسير : [البقرة: 255] فلا يقوم الشافع فيشفع مباشرة، إنما ينتظر أنْ يُؤذَن له بها، وهنا يضطرب المشفوع له ويفزع، ويكون قلقاً، يا ترى أيُؤذن للشافع؟ أم تُرَد شفاعته؟ لذلك يقول تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ ..} [سبأ: 23] يعني: أُزيل عنها الفزع. فالتضعيف في (فُزِّع) أفاد إزالة الحدث المأخوذ منه الفعل، كما نقول (مرَّضه) يعني: أزال مرضه و (قشَّر البرتقالة) يعني: أزال قِشرتها ... إلخ. {قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ ..} [سبأ: 23] أي: قال القول الحق، وأذِن بالشفاعة لمن ارتضى. وقال تعالى: {وَلاَ تَنفَعُ ٱلشَّفَاعَةُ ..} [سبأ: 23] ولم يقُلْ تُقبل الشفاعة؛ لأن هدف الشافع أن تنفع الشفاعةُ المشفوعَ له، فإذا ما ذهب ليشفع له قال له المشفوع عنده: أنا لا أرضى أنْ تشفع للمشفوع له، فالذي انتفى نَفْع الشفاعة لا قبولها، ففَرْق بين أنْ توجد الشفاعة، وبين أنْ تنفع الشفاعة. وفي سورة البقرة آيتان في الشفاعة صدرهما واحد، لكن العَجُز مختلف، ففي الأولى: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ} تفسير : [البقرة: 48]. والأخرى: {أية : وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} تفسير : [البقرة: 123]. وهاتان الآيتان من المواضع التي وقف أمامها المستشرقون، وظنوا فيها مأخذاً على كلام الله، فالمعنى واحد حتى اللفظ هو هو، لكن في الأولى قدَّم {أية : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ ..} تفسير : [البقرة: 48] وفي الأخرى قدَّم {أية : وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ ..} تفسير : [البقرة: 123] وفي الأولى قال {أية : وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ} تفسير : [البقرة: 48]. وهذا الاعتراض منهم نتيجة عدم الفهم عن الله، فالآيتان تتحدثان في الشفاعة عن نَفْسين. الأولى: النفس الشافعة. والأخرى: النفس المشفوع لها، الشافع له موقف مع الله، والمشفوع له، له موقف قبل ذلك؛ لأنه لم يأتِ بالشافع إلا لأنه لم يقدر على إنهاء المسألة بنفسه، فالضمير يعود في الآية الأولى على الشافع، وفي الأخرى على المشفوع له، كيف؟ المعنى هنا: لا تجزي نفسٌ شافعة عن نفس مشفوع لها، النفس الشافعة هي التي يُقبل منها الشفاعة، والنفس المشفوع لها هي التي تنفعها الشفاعة، إذن: الآية الأولى تخصُّ الشافع؛ لأنه يذهب ليشفع فلا يُقبل منه، فيعرض أنْ يدفع هو العدل، ويكون كفيلاً فيما على المشفوع له، فلا يُقبل منه أيضاً. أما الآية الأخرى فهي في المشفوع له؛ لأنه يعرض أن يدفع ما عليه أولاً فلا يُقبَل منه عدل، فيبحث عمَّنْ يشفع له. وسُمِّيت شفاعة؛ لأن الشَّفْع يقابل الوتر، وصاحب الحاجة الذي يطلب الشفاعة واحد، فإذا انضم إليه الشافع، فهما اثنان يعني: شفع. ثم يقول سبحانه في ختام الآية: {وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} [سبأ: 23] عليٌّ أن يُناقَش في أي قرار يتخذه، وكبير يعني أكبر من الشافع، وأكبر من المشفوع له. فالحق سبحانه قال الحقُّ ونطق به، وهذا يعني أنه وقف بجانب الحق، فلم يعبأ بشافع مهما كانت منزلته، ولا بمشفوع له مهما كانت ذِلَّته ورِقَّته؛ لأنه سبحانه هو العليُّ الكبير. وبعد ذلك يعود الحق سبحانه إلى مناقشة المسألة مناقشة عقلية، فيقول: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ...}.
مجاهد بن جبر المخزومي
تفسير : أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، ثنا حماد بن سلمة، ثنا عطاءُ بن السائب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ}. قال: كان لكل قبيل من الجن مقعد من السماءِ، يستعمون منه. كان إِذا نزل الوحي، سمع له صوت كامرار السلسة على الصفوان فلا ينزل على أَهل سماءٍ إِلا صعقوا فإِذا: {فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} [الآية: 23]. ثم يقول: يكون العام كذا، ويكون كذا، فيسمعه الجن فيخبرون الكهنة، فيخبر الكهنة الناس به: يكون كذا وكذا، فيجدونه كذلك. فلما بعث الله محمدا، صلى الله عليه وسلم، دحروا. فقالت العرب حين لم يخبرهم الجن بذلك: هلك من في السماءِ. فجعل صاحب الإِبل ينحر للجن كل يوم بعيراً، وجعل صاحب البقر ينحر كل يوم بقرة، وصاحب الغنم شاة، حتى أَسرعوا في أَموالهم. فقالت تثقيف، وكانت أَعقبل العرب: أَيها الناس، أَمسكوا على أَموالكم، فانه لم يمت من في السماءِ، وإِن هذا ليس بانتشار. أَلستم ترون معالمكم من النجوم كما هي، والشمس والقمر والليل والنهار. قال: فقال إِبليس: لقد حدث اليوم في الأَرض حدث، فائتوني من تربة كل أَرض. فأَتوه بها ، فجعل يشمها. فلما شم تربة مكة قال: ههنا جاءَ الحدث. فنظروا فإِذا رسول الله قد بعث. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا المسعودي وقيس ابن الربيع وسليمان بن حيان، عن الأَعمش عن أَبي الضحى عن مسروق عن ابن مسعود في قوله: {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} [الآية: 23]. قال إِذا تكلم الله، تبارك وتعالى، بالوحي سمع أَهل السموات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان، فيرون أَن ذلك من الساعة، فيفزعون له ويصعقون، فاذا ذهب عنهم الروع، سأَلوا من فوقهم: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ} فيقولون: {ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ} الآية: 23]. وفي حديث سليمان بن حيان: فيخرون سجدا ويصعقون. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} [الآية: 23]. قال: يعني حتى إِذا كشف الغطاءُ عنه يوم القيامة. /62 ظ/ أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {زُلْفَىٰ} [الآية: 37]. قال: قربى. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن بن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ}. يعني بطاعة الله {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ} [الآية: 46]. يقول: واحدا واثنين. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ، عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد في قوله: {وَقَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ} [الآية: 52]. يعني بالله. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ}. يعني: الرد إِلى الدنيا، {مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} [الآية: 52]. يعني: من الآخرة إِلى الدنيا. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، ثنا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح، عن مجاهد في قوله: {وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} [الآية: 53]. قال: هو قولهم: محمد ساحر، بل هو شاعر، بل هو كاهن. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} [الآية: 54]. قال: يعني: من مال وولد وزهرة. أَنا عبد الرحمن، نا إِبراهيم، نا آدم، نا ورقاءُ عن ابن أَبي نجيح عن مجاهد: {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ} [الآية: 54]. أَي: من الكفار من قبلهم كما فعل بأَمثالهم.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} معناه ذُهِبَ عَن قلوبِهِم، ونُفِّسَ عَنها. وفُزِّع عنها: معناه خُلِّي عَنها.
الأندلسي
تفسير : {إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} استثناء مفرغ فالمستثنى منه محذوف تقديره ولا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم. قال ابن عطية: تظاهرت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قوله حتى إذا فرغ إنما هي في الملائكة إذا سمعت الوحي إلى جبريل عليه السلام وبالأمر يأمر الله تعالى به سمعت كجر سلسلة الحديد على الصفوان فتفزع عند ذلك تعظيماً وهيبة. {قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ} الآية خطاب للكفار وسؤال لهم عمن يرزقهم وأمره تعالى أن يجيب عاملاً بقوله: {قُلِ ٱللَّهُ} إذا قد يصدر منهم العناد فلا يقولون الله ولا يمكن أن يقولوا آلهتهم. قوله: وأنا الضمير عائد للمؤمنين أو إياكم ضمير الكفار لعلى هدى راجع للمؤمنين أو في ضلال راجع للكفار وأورد ذلك باوالتي تقتضي الترديد بين شيئين وإن كان في العقل التمييز بين الشيئين ومعلوم أن المؤمن لا يتساوى مع الكافر ومما يشبه هذا قول الشاعر: شعر : فأين ما وأيك كان شراً تفسير : فسيق إلى المقادة في هو ان فردد بينه وبين مخاطبه في الشر ومعلوم عنده أن صاحبه هو الشر. {قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا} أطلق على عمل المؤمن إجراماً باعتقاد الكافر فيه ذلك. {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا} أي يوم القيامة. {ثُمَّ يَفْتَحُ} أي يحكم بالحق بالعدل فيدخل المؤمنين الجنة والكفار النار والفتاح والعليم صيغتا مبالغة وهذا فيه تهديد وتوبيخ. {إِلاَّ كَآفَّةً} قيل هو حال من الضمير في أرسلناك والهاء للمبالغة كقولهم علامة للرجل كثير العلم والمعنى إلا جامعاً للناس في الإِبلاغ وقيل فيه تقديم وتأخير والتقدير إلا للناس كافة ومعناها جميعاً فيكون حالاً من الناس ومعناها التوكيد كأنه قيل للناس كلهم قال الزمخشري: إلا كافة للناس أي إلا إرساله عامة لهم محيطة بهم لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم قال: ومن جعله حالاً من المجرور متقدماً عليه فقد أخطأ لأن تقدم حال المجرور عليه في الإِحاطة بمنزلة تقدم المجرور على الجر ولم ترني من مرتكب هذا الخطأ ثم لا ينتفع به حتى يضم إليه أن يجعل اللام بمعنى إلى لأنه لا يستوي له الخطأ الأول إلا بالخطأ الثاني فلا بد له من ارتكاب الخطأين "انتهى". أما قوله كافة بمعنى عامة والمنقول عن النحويين أنها لا تكون إلا حالاً ولم يتصرف فيها بغير ذلك فجعلها صفة لمصدر محذوف خروج عما فعلوا ولا يحفظ أيضاً استعمالها صفة لموصوف محذوف. وأما قول الزمخشري: ومن جعله حالاً إلخ... فذلك مختلف فيه ذهب الأكثرون إلى أن ذلك لا يجوز وذهب أبو علي وابن كيسان وابن برهان ومن معاصرينا ابن مالك إلى أنه يجوز وهو الصحيح ومن أمثلة أبي علي زيد خير ما يكون خير منك التقدير زيد خير منك خير ما يكون فجعل خير ما يكون حالاً من الكاف في منك وقدمها عليه وقال الشاعر: شعر : إذا المرء أعيته المروءة ناشئاً فمطلبها كهلاً عليه شديد تفسير : أي فمطلها عليه كهلاً شديد. وقال آخر: شعر : تسليت طراً عنكم بعد بينكم بذكراكم حتى كأنكم عندي تفسير : أي تسليت عنكم طراً أي جميعاً وقد جاء تقدم الحال على صاحبه المجرور على ما يتعلق به ومن ذلك قول الشاعر: شعر : مشغوفة بك قد شغفت وإنما حتم الفراق فيما إليك سبيل تفسير : وقال آخر: شعر : غافلاً تعرض المنية للمر فيدعي ولات حين أباء تفسير : أي شغفت بك مشغوفة وتعرض المنية للمرء غافلاً وإذا جاز تقديمها على المجرور والعامل فتقديمها عليه دون العامل أجوز. وقول الزمخشري: وكم ترى ممن يرتكب هذا الخطأ إلخ ... تشنيع لأن قائل ذلك لا يحتاج أن يتأول اللام بمعنى إلى وأرسل تتعدى باللام كقوله: {أية : وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً} تفسير : [النساء: 79] ولو تأول اللام بمعنى إلى لم يبن ذلك خطأ لأن اللام قد جاءت بمعنى إلى أو إلى جاءت بمعنى اللام وأرسل مما جاء متعدياً بهما إلى المجرور والظاهر أن الميعاد إسم على وزن مفعال استعمل بمعنى المصدر أي قل لكم وقوع يوم ونحوه. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} هم مشركوا قريش ومن جرى مجراهم والمشهور أن الذي بين يديه التوراة والإِنجيل وما تقدم من الكتب الإِلهية. {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ} أخبر عن حالهم في صيغة منها وترى في معنى رأيت لأعمالها في الظرف الماضي ومفعول ترى محذوف أي حال الظالمين إذ هم موقوفون وجواب لو محذوف أي لرأيت لهم حالة منكرة من ذلهم وتحاورهم وتجادلهم حيث لا ينفعهم شىء من ذلك ثم فسر ذلك الرجوع والجدل بأن الاتباع وهم الذين استضعفوا قالوا لرؤسائهم على جهة التذنيب والتوبيخ ورد الأئمة عليهم: لولا أنتم لكنا مؤمنين أي أنتم أغويتمونا وأمرتمونا بالكفر فقال لهم رؤساؤهم: أنحن صددناكم فأتوا بالاسم بعد أداة الاستفهام إنكاراً لأن يكونوا هم الذين صدورهم من قبل أنفسكم وباختياركم فكأنهم قالوا: أنحن أجبرناكم وحلنا بينكم وبين الذكر بعد أن صممتم على الدخول في الإِيمان بل أنتم منعتم أنفسكم حظها وآثرتم الضلال على الهدى فكنتم مجرمين كافرين باختياركم لا بقولنا وتسويلنا ولما أنكر رؤساؤهم أنهم السبب في كفرهم وأثبتوا بقولهم: بل كنتم مجرمين ان كفرهم هو من قبل أنفسهم قابلوا إضراباً بإِضراب فقال: الاتباع بل مكر الليل والنهار أي ما كان إجرامنا من جهتنا بل مكركم لنا دائماً بمخادعتكم لنا ليلاً ونهاراً إذ تأمروننا ونحن أتباع لا نقدر على مخالفتكم مطيعون لكم باستيلائكم علينا بالكفر بالله واتخاذاً لأنداد وأضيف المكر إلى الليل والنهار واتسع في الظرفين فهما في موضع نصب على المفعول به على السعة وفي موضع رفع على الإِسناد المجازى كما قالوا: ليل نائم والأولى أن يرتفع مكر على الفاعلية أي بل صدنا مكركم بالليل والنهار إذ معمول لمكر. {وَأَسَرُّواْ} الضمير عائد للجميع وهم الظالمون الموقوفون وأسروا تقدم الكلام عليه والذين كفروا هم الذين سبقت منهم المحاورة وجعل الأغلال إشارة إلى كيفية العذاب قطعوا بأنهم واقعون في فيه. {هَلْ يُجْزَوْنَ} إستفهام معناه النفي ولذلك دخلت إلا بعد النفي. {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ} هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما مني به من قومه قريش من الكافر والافتخار بالأموال والأولاد وان ما ذكروا من ذلك هو عادة المترفين مع أنبيائهم فلا يهمك أمرهم ومن نذير عام أن ينذرهم بعذاب الله تعالى إن لم يوحدوه. و{قَالَ مُتْرَفُوهَآ} جملة حالية ونص على المترفين لأنهم أول المكذبين للرسل لما شغلوا به من زخرف الدنيا بخلاف الفقراء فإِنهم خالون من مستلذات الدنيا. و{بِمَآ} معلق بكافرين. و{بِهِ} متعلق بأرسلتم وما عامة فيما جاءت به النذر من طلب الإِيمان بالله تعالى وأفرده بالعبادة والاخبار بأنهم رسله إليهم والبعث والجزاء على الأعمال والظاهر أن الضمير في قالوا عائد على المترفين وقيل عائد على قريش ويدل عليه ما بعده من الخطاب في قوله: {أية : بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ}تفسير : [سبأ: 37] والظاهر أن هذا الموصول أريد به الأموال والأولاد.
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 780 : 2 : 1 - سفين عن منصور عن أبي الضحى عن مسروق قال، سئل بن مسعود عن هذه الآية {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} قال، رفه عن قلوبهم. [الآية 23]. 781 : 3 : 2 - حدثنا سفين عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله مثله. 782 : 4 : 3 - سفين عن الأعمش عن منصور عن أبي الضحى عن مسروق قال، إذا تكلم (الله) بالوحي، سمع أهل السماوات صلصلة كصلصة الحديد على الصغوان، فيفزعون فيخرون سجدا ويظنون إنه من أمر الساعة. فإِذا رفه عن قلوبهم، ينادوا {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ}. [الآية 23].
همام الصنعاني
تفسير : 2419- حدّثنا عبد الزراق، عن معمر، عن قتادة، والكلبي في قوله: {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ}: [الآية: 23]، قالا: لما كانت الفترة بين عيسى ومحمد، فنزل الوحي مثل صوت الحديد على الصخر، فأفزع الملائكة ذلك فقال: {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ}، يقول: حتى إذا جُلِّي عن قلوبهم {قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُواْ ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ}: [الآية: 23]. 2420- حدّثنا عبد الرزاق عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن أبي هريرة قال: إذا قَضَى اللهُ الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان {حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ}: [الآية: 23]، قالوا للذي يقول: {ٱلْحَقَّ وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ ٱلْكَبِيرُ}: [الآية: 23]، قال: فيسمعها مُسْتَرِقُ السَّماءِ، فربما لم يقذفها إلى صاحبه حتى يأخذه الشهاب، وربما قذف به إلى صاحبه قبل أن يدركه الشهاب، قال: وواحد أسفل من الآخر، فيبلغ هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ينتهي إلى الأرضِ، فيلقونها على في الكاهن أو الساحر، فيكذب معها مائة كذبة، فيصدَّق، فيقال: ألم تخررنا يوماً كذا وكذا، بكذا وكذا، فوجدناه حقاً للكلمة التي سُمِعَت من السماء.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):