Verse. 3630 (AR)

٣٤ - سَبَأ

34 - Saba (AR)

قُلْ مَنْ يَّرْزُقُكُمْ مِّنَ السَّمٰوٰتِ وَالْاَرْضِ۝۰ۭ قُلِ اؙ۝۰ۙ وَ اِنَّاۗ اَوْ اِيَّاكُمْ لَعَلٰى ہُدًى اَوْ فِيْ ضَلٰلٍ مُّبِيْنٍ۝۲۴
Qul man yarzuqukum mina alssamawati waalardi quli Allahu wainna aw iyyakum laAAala hudan aw fee dalalin mubeenin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل من يرزقكم من السماوات» المطر «والأرض» النبات «قل الله» إن لم يقولوه، لا جواب غيره «وإنا أو إياكم» أي أحد الفريقين «لعلى هدى أو في ضلال مبين» بين، في الإبهام إذا وفقوا له.

24

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } قد ذكرنا مراراً أن العامة يعبدون الله لا لكونه إلهاً، وإنما يطلبون به شيئاً، وذلك إما دفع ضرر أو جر نفع فنبه الله تعالى العامة بقوله: {أية : قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم } تفسير : [سبأ: 22] على أنه لا يدفع الضر أحد إلا هو كما قال تعالى:{وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرّ فَلاَ كَـٰشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ} وقال بعد إتمام بيان ذلك {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ } إشارة إلى أن جر النفع ليس إلا به ومنه، فإذاً إن كنتم من الخواص فاعبدوه لعلوه وكبريائه سواء دفع عنكم ضراً أو لم يدفع وسواء نفعكم بخير أو لم ينفع فإن لم تكونوا كذلك فاعبدوه لدفع الضر وجر النفع. ثم قال تعالى: {قُلِ ٱللَّهُ } يعني إن لم يقولوا هم فقل أنت الله يرزق وههنا لطيفة: وهي أن الله تعالى عند الضر ذكر أنهم يقولون الله ويعترفون بالحق حيث قال: {قَالُواْ ٱلْحَقَّ } وعند النفع لم يقل إنهم يقولون ذلك وذلك لأن لهم حالة يعترفون بأن كاشف الضر هو الله حيث يقعون في الضر كما قال تعالى: {أية : وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْاْ رَبَّهُمْ مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ } تفسير : [الروم: 33] وأما عند الراحة فلا تنبه لهم لذلك فلذلك قال: {قُلِ ٱللَّهُ } أي هم في حالة الراحة غافلون عن الله. ثم قال تعالى: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } وفيه مسائل: المسألة الأولى: هذا إرشاد من الله لرسوله إلى المناظرات الجارية في العلوم وغيرها وذلك لأن أحد المتناظرين إذا قال للآخر هذا الذي تقوله خطأ وأنت فيه مخطىء يغضبه وعند الغضب لا يبقى سداد الفكر وعند اختلاله لا مطمع في الفهم فيفوت الغرض، وأما إذا قال له بأن أحدنا لا يشك في أنه مخطىء والتمادي في الباطل قبيح والرجوع إلى الحق أحسن الأخلاق فنجتهد ونبصر أينا على الخطأ ليحترز فإنه يجتهد ذلك الخصم في النظر ويترك التعصب وذلك لا يوجب نقصاً في المنزلة لأنه أوهم بأنه في قوله شاك ويدل عليه قول الله تعالى لنبيه: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ } مع أنه لا يشك في أنه هو الهادي وهو المهتدي وهم الضالون والمضلون. المسألة الثانية: في قوله: {لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } ذكر في الهدى كلمة على وفي الضلال كلمة في لأن المهتدي كأنه مرتفع متطلع فذكره بكلمة التعلي، والضال منغمس في الظلمة غريق فيها فذكره بكلمة في. المسألة الثالثة: وصف الضلال بالمبين ولم يصف الهدى لأن الهدى هو الصراط المستقيم الموصل إلى الحق والضلال خلافه لكن المستقيم واحد وما هو غيره كله ضلال وبعضه بين من بعض، فميز البعض عن البعض بالوصف. المسألة الرابعة: قدم الهدى على الضلال لأنه كان وصف المؤمنين المذكورين بقوله: {إِنَّآ } وهو مقدم في الذكر.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} لما ذكر أن آلهتهم لا يملكون مثقال ذرّة مما يقدر عليه الرّب قرّر ذلك فقال: قل يا محمد للمشركين {مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي من يخلق لكم هذه الأرزاق الكائنة من السموات؛ أي عن المطر والشمس والقمر والنجوم وما فيها من المنافع. «وَالأَرْضِ» أي الخارجة من الأرض عن الماء والنبات ـ أي لا يمكنهم أن يقولوا هذا فِعْلُ آلهتنا ـ فيقولون لا ندري، فقل إن الله يفعل ذلك الذي يعلم ما في نفوسكم. وإن قالوا: إن الله يرزقنا فقد تقررت الحجة بأنه الذي ينبغي أن يعبد. {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} هذا على وجه الإنصاف في الحجة؛ كما يقول القائل: أحدنا كاذب، وهو يعلم أنه صادق وأن صاحبه كاذب. والمعنى: ما نحن وأنتم على أمر واحد، بل على أمرين متضادّين، وأحد الفريقين مهتدٍ وهو نحن والآخر ضالّ وهو أنتم؛ فكذّبهم بأحسن من تصريح التكذيب، والمعنى: أنتم الضالون حين أشركتم بالذي يرزقكم من السموات والأرض. «أَوْ إِيَّاكُمْ» معطوف على اسم «إنّ» ولو عطف على الموضع لكان «أو أنتم» ويكون «لَعَلَى هُدًى» للأول لا غير. وإذا قلت: «أَوْ إِيّاكُمْ» كان للثاني أوْلى، وحذفت من الأول، ويجوز أن يكون للأول، وهو اختيار المبرد، قال: ومعناه معنى قول المستبصر لصاحبه على صحة الوعيد والاستظهار بالحجة الواضحة: أحدنا كاذب، قد عرف المعنى، كما تقول: أنا أفعل كذا وتفعل أنت كذا وأحدنا مخطىء، وقد عرف أنه هو المخطىء، فهكذا «وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ». و«أَوْ» عند البصريين على بابها وليست للشك، ولكنها على ما تستعمله العرب في مثل هذا إذا لم يرد المخبر أن يبين وهو عالم بالمعنى. وقال أبو عبيدة والفراء: هي بمعنى الواو، وتقديره: وإنا على هدى وإياكم في ضلال مبين.وقال جرير:شعر : أثعلبةَ الفوارس أو رياحاً عدلْتَ بهم طُهَيَّةَ والرَّبابا تفسير : يعني أثعلبة ورياحا. وقال آخر:شعر : فلما اشتد أمر الحرب فينا تأمّلنا رياحاً أو رِزاما

ابن كثير

تفسير : يقول تعالى مقرراً تفرده بالخلق والرزق، وانفراده بالإلهية أيضاً، فكما كانوا يعترفون بأنهم لا يرزقهم من السماء والأرض، أي: بما ينزل من المطر وينبت من الزرع إلا الله، فكذلك فليعلموا أنه لا إله غيره. وقوله تعالى: {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} هذا من باب اللف والنشر، أي: واحد من الفريقين مبطل، والآخر محق، لا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى، أو على الضلال، بل واحد منا مصيب، ونحن قد أقمنا البرهان على التوحيد، فدل على بطلان ما أنتم عليه من الشرك بالله تعالى، ولهذا قال: {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ}. قال قتادة: قد قال ذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم للمشركين: والله ما نحن وإياهم على أمر واحد، إن أحد الفريقين لمهتد. وقال عكرمة وزياد بن أبي مريم: معناها: إنا نحن لعلى هدى، وإنكم لفي ضلال مبين. وقوله تعالى: {قُل لاَّ تُسْـأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْـأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} معناه: التبري منهم، أي: لستم منا، ولا نحن منكم، بل ندعوكم إلى الله تعالى وإلى توحيده وإفراد العبادة له، فإن أجبتم، فأنتم منا، ونحن منكم، وإن كذبتم، فنحن برآء منكم، وأنتم برآء منا؛ كما قال تعالى: {أية : وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} تفسير : [يونس: 41]. وقال عز وجل: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} تفسير : [الكافرون: 1 ــــ 6]. وقوله تعالى: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا} أي: يوم القيامة يجمع بين الخلائق في صعيد واحد، ثم يفتح بيننا بالحق، أي: يحكم بيننا بالعدل، فيجزي كل عامل بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وستعلمون يومئذ لمن العزة والنصر والسعادة الأبدية؛ كما قال تعالى: {أية : وَيَوْمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَلِقَآءِ ٱلآخِرَةِ فَأُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} تفسير : [الروم: 14 ــــ 16] ولهذا قال عز وجل: {وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ} أي: الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور. وقوله تبارك وتعالى: {قُلْ أَرُونِىَ ٱلَّذيِنَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَآءَ كَلاَّ بَلْ هُوَ ٱللَّهُ} أي: أروني هذه الآلهة التي جعلتموها لله أنداداً، وصيرتموها له عدلاً {أَخْلَدَهُ} أي: ليس له نظير ولا نديد، ولا شريك ولا عديل. ولهذا قال تعالى: {شُرَكَآءَ كَلاَّ بَلْ} أي: الواحد الأحد الذي لا شريك له {ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ} أي: ذو العزة الذي قد قهر بها كل شيء، وغلبت كل شيء، الحكيم في أفعاله وأقواله، وشرعه وقدره، تبارك وتعالى وتقدس عما يقولون علواً كبيراً، والله أعلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ } المطر {وٱلأَرْضِ } النبات؟ {قُلِ ٱللَّهُ } إن لم يقولوه، لا جواب غيره {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ } أي أحد الفريقين {لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَٰلٍ مُّبِينٍ } بيِّن، في الإِبهام تلطَّف بهم داع إلى الإيمان إذا وُفِّقُوا له.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمواتِ وَالأَرْضِ} فيه وجهان: أحدهما: أن رزق السموات المطر ورزق الأرض النبات، قاله الكلبي. الثاني: أن رزق السموات ما قضاه من أرزاق عباده، ورزق الأرض ما مكنهم فيه من مباح.{قُلِ اللَّهُ} وهذا جواب قل من يزرقكم من السموات والأرض، ويحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون للمشركين حين سئلوا عن ذلك لأنهم لا يجحدون أن الله رازقهم. الثاني: أن يكون أمراً في أمر الله أي يجابوا به لأنهم لا يجحدونه لتقوم به الحجة عليهم. {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه: إننا نحن لعلى هدى وإنكم أنتم لفي ضلال مبين، قاله عكرمة وأبو عبيدة وزياد بن أبي مريم. قال الفراء: أو بمعنى الواو. الثاني: أن أحدنا لعلى هدى والآخر لفي ضلال مبين، دفعاً لأنقصهما، ومنعاً من أرذلهما كقول القائل: إن أحدنا لكاذب، دفعا للكذب عن نفسه وإِضافته إلى صاحبه وإن أحدنا لصادق، إضافة للصدق إلى نفسه ودفعاً عن صاحبه، قاله مجاهد. الثالث: معناه: الله رزقنا وإياكم لعلى هدى كنا أو في ضلال مبين حكاه النقاش. قوله عز وجل: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا} يعني يوم القيامة. {ثُمُّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ} أي يقضي بيننا لأنه بالقضاء يفتح وجه الحكم، وقال السدي هي لغة يمانية. قوله: {بِالْحَقِّ} قال مجاهد: بالعدل. {وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَليمُ} أي القاضي العليم وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: العليم بما يخفون، قاله محمد بن إسحاق. الثاني: العليم بالحكم، قاله ابن زياد. الثالث: العليم بخلقه، قاله مقاتل.

ابن عطية

تفسير : أمر الله تعالى نبيه على جهة الاحتجاج وإقامة الدليل على أن الرزاق لهم من السماوات والأرض من هو ثم أمره أن يقتضب الاحتجاج بأن يأتي جواب السؤال إذ هم في بهتة ووجمة من السؤال، وإذ لا جواب لهم ولا لمفطور إلا بأن يقول هو الله، وهذه السبيل في كل سؤال جوابه في غاية الوضوح، لأن المحتج يريد أن يقتضب ويتجاوز إلى حجة أخرى يوردها، ونظائر هذا في القرآن كثيرة وقوله تعالى: {وإنا أو إياكم} تلطف في الدعوة والمحاورة، والمعنى كما تقول لمن خالفك في مسألة أحدنا يخطىء، أي تثبت وتنبه، والمفهوم من كلامك أن مخالفك هو المخطىء، وكذلك هذا معناه {لعلى هدى أو في ضلال مبين} فلينتبه، والمقصد أن الضلال في حيز المخاطبين وحذف أحد الخبرين لدلالة الباقي عليه، وقال أبو عبيدة {أو} في الآية بمعنى واو النسق، والتقدير "وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين" وهما خبران غير مبتدأين. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا القول غير متجه واللفظ لا يساعده وإن كان المعنى على كل قول يقتضي أن الهدى في حيز المؤمنين والضلال في حيز الكافرين، وقوله تعالى: {قل لا تسألون عما أجرمنا} الآية مهادنة ومتاركة منسوخة بآية السيف، وقوله عز وجل {قل يجمع بيننا} الآية إخبار بالبعث من القبور، وقوله {يفتح} معناه يحكم والفتاح القاضي وهي مشهورة في لغة اليمن، وهذا كله منسوخ بآية السيف، وقوله تعالى {قل أروني} يحتمل أن تكون رؤية قلب فيكون قوله {شركاء} مفعولاً ثالثاً وهذا هو الصحيح أي أروني بالحجة والدليل كيف وجه الشركة وقالت فرقة هي رؤية بصر و {شركاء} حال من الضمير المفعول بـ {ألحقتم} العائد على {الذين}. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ضعيف لأن استدعاء رؤية العين في هذا لا غناء له، وقوله {كلا} رد لما تقرر من مذهبهم في الإشراك بالله تعالى ووصف نفسه عز وجل باللائق به من العزة والحكمة.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَات} المطر ومن الأرض النبات، أو رزق السموات ما قضاه من أرزاق عباده ورزق الأرض ما مكنهم فيه من مباح. {وَإِنَّآ} نحن على هدى، وإياكم في ضلال، فتكون أو بمعنى الواو، أو معناه أحدنا على هدى والآخر على ضلال كقول القائل بل أحدنا كاذب دفعاً للكذب عن نفسه وإن أحدنا لصادق إضافة للصدق إلى نفسه ودفعاً له عن صاحبه، أو معناه الله يرزقنا وإياكم كنا على هدى، أو في ضلال مبين.

ابن عادل

تفسير : قوله (تعالى): {مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ} المطر "و" من "الأَرْضِ" النبات "قُل اللَّهُ" يعني إن لم يقولوا رازقنا الله فقل أنت رازقكم الله. قوله: "أو إيّاكُمْ" عطف على اسم "إن" وفي الخبر أوجه: أحدها: أن الملفوظ به الأول. وحذف خبر الثاني للدلالة عليه أي وإنَّا لعَلَى هُدًى أو في ضلال أو إنكم لَعَلى هدى أو في ضلال. والثاني: العكس أي حذف الأول والملفوظ به خبر الثاني وهو خلاف مشهور وتقدم تحقيقه عند قوله: {أية : وَٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ} تفسير : [التوبة:62] وهذان الوجهان لا ينبغي أي يحملا على ظاهرهما قطعاً لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يشكّ أنه على هدى ويقين وأن الكفار على ضلال وإنما هذا الكلام جارٍ على ما تتخاطب به العرب من استعمال الإنصاف في محاوراتهم على سبيل الفرض والتقدير ويسميه أهل البيان الاسْتِدْرَاجَ وهو أن يذكر المخاطب أمراً يسلمه وإن كان بخلاف ما يذكر حتى يُصْغِي إلى ما يلقيه إليه إذ لو بدأه بما يكره لم يَصْغَ، ونظيره قولهم: أخْزَى اللَّهُ الكَاذِبَ مِنِّي ومِنْكَ ومثله قول الآخر: شعر : 4131- فَأَيِّي مَا وأيُّكَ كَانَ شَرًّا فَقِيدَ إلَى المُقَامَةِ ولا يَرَاهَا تفسير : وقول حسان - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: شعر : 4132- أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الفِدَاءُ تفسير : مع العلم لكل أحد أنه - صلى الله عليه وسلم - خير خلق الله كلهم. الثالث: أنه من باب اللف والنشر والتقدير: وَإنَّا لَعَلَى هُدًى وإنَّكُمْ لَفِي ضَلاَلٍ مُبينٍ ولكن لفَّ الكَلاَمَيْنِ وأخرجهما كذلك لعدم اللبس، وهذا لا يتأتي إلا أن تكون "أو" بمعنى الواو. وهي مسألة خلاف ومن مجيء "أو" بمعنى الواو قوله: شعر : 4133- قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّرِيخَ رَأَيْتَهُمْ مَا بَيْنَ مُلْجِمِ مُهْرِهِ أَوْ سَافِع تفسير : وتقدم تقرير هذا، وهذا الذي ذكرناه منقول عن أبي عبيدة. الرابع: قال أبو حيان: و"أو" هنا على موضوعها لكونها لأحد الشيئين وخبر "إنَّا أَوْ إيَّاكُمْ" هو "لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ" ولا يحتاج إلى تقدير حذف إذ المعنى إن أحدنا لفي أحد هذين لقولك: "زَيْدٌ أو عمرو في القصر أو في المسجد" لا يحتاج إلى تقدير حذف إذ معناه أحد هذين في أحد هذين. وقيل: الخبر محذوف ثم ذكر ما تقدم إلى آخره، وهذا الذي ذكره تفسير معنى لا تفسير إعراب. (والناس) نظروا إلى تفسير الإعراب فاحتاجوا إلى ما ذكرناه. وذكروا في الهدى كلمة "على" وفي الضلال كلمة "في" لأن المهتدي كأنه مرتَفع مطَّلع فذكره بكلمة "التعالي" والضال منغمس في الظلمة غريق فيها فذكره بكلمة "في". قوله: {قُلْ لاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا} أضاف الإجرام إلى النفس وقال في حقهم: {وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} ذكر بلفظ العمل لئلا يحصل الإغضاب المانع من الفهم. قوله: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنَا} يَوْمَ القِيَامَة {ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الفَتَّاحُ العَلِيمُ} وهاتان صفتا مبالغة وقرأ عيسى بن عمر "الفاتِحُ" اسم فاعل. قوله: "أَرْوني" فيها وجهان: أحدهما أنها علمية متعدية قبل النقل إلى اثنين فلما جيء بهمزة النقل تعدت لثلاثةٍ أولها "ياء" المتكلم ثانيها "الموصول"، ثالثها: "شركاء" وعائد الموصول محذوف أي أَلْحَقْتُمُوهُمْ. والثاني: أنها بصرية متعدية قبل النقل لواحد وبعده لاثنين أولهما: يَاء المتكلم وثانيهما: الموصول و "شركاء" نصب على الحال من عائد الموصول أي بَصِّرُوني المُلْحَقِينَ به حالَ كونهم شركاء. قال ابن عطية في هذا الثاني "ولا غناء" له أي لا مَنْفَعَة فيه يعني أن معناه ضعيف. قال أبو حيان: وقوله: "لا غناء له" ليس بجيد بل في ذلك تبكيت لهم وتوبيخ ولا يريد حقيقة التنزيل بل المعنى الذين هم شركاء لله على زعمكم هم ممن إن أريتموهم افتضحتم لأنه خشب وحجر وغير ذلك. فصل الضمير في "به" أي بالله أي أروني الذين ألحقتم بالله شركاء في العبادة معه هل يخلقون وهل يرزقون؟ كلاّ لا يَخْلُقُون ولا يرزقون. قوله: "بل هو الله" في هذا الضمير قولان: أحدهما: أنه ضمير عائد على الله تعالى أي ذلك الذي ألحقتم به شركاء هُو الله، و"الْعَزِيزُ الحَكِيمُ" صفتان. والثاني: أنه ضمير الأمر والشأن و "اللَّهُ" مبتدأ، و "الْعَزِيزُ والْحَكِيمُ" خبران، والجملة... خبر "هو" والعزيز هو الغالب على أمره، (و) الحكيمُ في تدبير لخلقه فأنى يكون له شريك في ملكه؟ قوله: "كافَّةً" فيه أوجه: أحدها: أنه حال من كاف "أَرْسَلْنَاكَ" والمعنى إلا جامعاً للناس في الإبلاغ. والكافة بمعنى الجامع والهادي لله للمبالغة كَهي في "علاَّمَة" و"رَاوِيَة" قال الزجاج: وهذا بناء منه على أنه اسم فاعل من كَفَّ يَكُفُّ، قال أبو حيان: أما قول الزجاج إنّ كافة بمعنى جامعاً، والهاء فيه للمالبغة فإن اللغة لا تساعده على ذلك لأن كف ليس معناه محفوظاً بمعنى "جَمَعَ" يعني أنَّ المحفوظ معناه "مَنَعَ" يقال: كَفّ يكُفُّ أي منع والمعنى إلا مانعاً لهم من الكفر وأن يشِذّوا من تبليغك، ومنه الكف لأنها تَمْنَعُ مَا فِيهِ. الثاني: أن كافة مصدر جاءت على الفَاعِلَةِ كالعَاقِبَة والعافية وعلى هذا فوقوعها حالاً إما على المبالغة وإما على حذف مضاف أي ذَا كَافَّةٍ لِلنَّاسِ. الثالث: أن كافة صفة لمصدر محذوف تقديره: إلا إرْسَالَةً كَافَّةً قال الزمخشري: إلاَّ إرْسَالَة عامَّةً لهم محيط بهم لأنها إذا شَمِلتْهُمْ فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم. قال أبو حيان: أما كافة بمعنى عامة فالمنقول عن النحويين أنها لا تكون إلا حالاً ولم يتصرف فيها بغير ذلك فجعلها صفة لمصدر محذوف خروج عما نقلوا، ولا يحفظ أيضاً استعمالها صفةً لموصوفٍ محذوفٍ. الرابع: أن "كافة" حال من "لِلنَّاس" أي للناس كافةً إلا أنّ هذا قدره الزمخشري فقال: "وَمَنْ جعله حالاً من المجرور متقدماً عليه فقد أخطأ لأن تقدم حال المجرور عليه في الإحالة بمنزلة تقدم المجرور على الجار وكم ترى من يرتكب مثل هذا الخطأ ثم لا يَقْنَعُ به حتى يضُمَّ إليه أن يجعل اللام بمعنى "إلَى"؛ لأنه لا يستوي له الخطأ الأول إلا بالخطأ الثاني فيرتكب الخطأين معاً". قال أبو حيان: أما قوله كذا فهو مختلف فيه ذهب الجمهور إلى أنه لا يجوز، وذهب أبو علي وابن كَيْسَانَ وابن بَرْهَانَ وابن مَلْكُون إلى جَوَازِهِ قال: وهو الصحيح قال: ومن أمثله أبي علي: "زيدٌ خَيْراً مَا يكونُ خَيْرٌ مِنْكَ" التقدير: زيد خير منك خَيْراً ما يكون فجعل "خَيْراً ما يَكُونُ" حالاً من الكاف في "منك" وقدمها عليها وأنشد: شعر : 4134- إذَا الْمَرْءُ أَعَيَتْهُ المُرُوءَةُ نَاشِئاً فَمَطْلَبُها كَهْلاً عَلَيْهِ شَدِيدُ تفسير : أي فمطلبها عليه كهلاً، وأنشد أيضاً: شعر : 4135- تَسَلَّيْتُ طُراً عَنْكُمُ بُعْدَ بَيْنِكُمْ بِذِكْرَاكُمْ حَتَّى كَأَنَّكُمْ عِنْدِي تفسير : أي عَنْكُمْ طُرًّا، وقد جاء تقديم الحال على صاحبها المجرور على ما يتعلق به قال الشاعر: شعر : 4136- مَشْغُوفَةً بِكَ قَدْ شُغِفْتُ وإنَّمَا حُمَّ الفِرَاقُ فَمَا إلَيْكَ سَبِيلُ تفسير : أي قد شغفت بك مشغوفة وقال الآخر: شعر : 4137- غَافِلاً تَعْرِضُ المِنَيَّةُ لِلْمَرْءِ فَيُدْعَى وَلاتَ حِينَ إباءِ تفسير : أي تَعْرِضُ المنيةُ للمرء غافلاً قال: وإذا جاز تقديمها على صاحبها وعلى العامل فيه فتقديمها على صاحبها وحده أجْوَز قال: وممن حمله على الحال ابن عطية فإنه قال: قدمت للاهتمام والمنقول عن ابن عباس قوله إلى العرب وللعجم ولسائر الأمم وتقديره إلى الناس كافةً. وقول الزمخشري: لا يستوي له الخطأ الأول إلى آخره شنيع لأن القائل بذلك لا يحتاج إلى جعل اللام بمعنى "إلى" لأن "أَرْسَلَ" يتعدى باللام قال تعالى: {أية : وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً} تفسير : [النساء:79] وأرسل مما يتعدى باللام وبإلى وأيضاً فقد جاءت اللام بمعنى "إلَى" و "إلَى" بمعناها. قال شهاب الدين: أما أرسلناك للناس فلا دلالة فيه لاحتمال أن تكون اللام لام المجازيَّة وأما كونها بمعنى" إلى" والعكس فالبصريونَ لا يَتَجَوَّزُونَ في الحروف، و"بَشِيراً" و"نَذِيراً" حالان أيضاً. فصل لما بيَّن مسألة التوحيد شرع في الرسالة فقال تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً} أي الرسالة كافة أي تكُف الناس أنت من الكفر وتمنعهم عن الخروج عن الانقياد لها أو تكف الناس أنت عن الكفر والهاء للمبالغة على ما تقدم. و"لِلنَّاسِ" أي عامةً أحمرهم وأسودهِم "بَشِيراً وَنَذِيراً" أي مبشراً ومنذراً تحثهم بالوعد وتزجرهم بالوعيد "وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ" ذلك لا لخفائه ولكن لغفلتهم قال - عليه (الصلاة و) والسلام -: "حديث : كَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إلى النَّاسِ عَامَّةً ". تفسير : قوله: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} يعني يوم القيامة لما ذكر الرسالة بين الحشر. قوله: "لكم ميعاد" مبتدأ وخبر. والميعاد يجوز فيه أوجه: أحدهما: أنه مصدر مضاف لظرفه والميعاد يطلق على الوعد والوعيد. وقد تقدم أن الوعد في الخير، الوعيد في الشر غالباً. الثاني: اسم أقيم مقام المَصْدَرِ والظَاهر الأول، قال أبو عبيدة: الوَعْدُ والوَعِيدُ والميعاد بمعنى. الثالث: أنه هنا ظرف زمان (قال الزمخشري: الميعاد ظرف الوعد من مكان أو زمان وهو هنا ظرف زمان)، والدليل عليه (قراءة) من قرأ: مِيعَادٌ يَوْمٌ يعني برفعهما منونين فأبدل منه "الْيَوْمَ" وأما الإضافة فإضافة تبيين لقولك: سَحْقُ ثَوْبٍ، وبعيرُ سَانِيَةٍ، وقال أبو حيان: ولا يتعين ما قال لاحتمال أن يكون التقدير: لكم ميعاد ميعاد يوم، فلما حذف المضاف أعرب المضاف إليه بإعرابه، قال شهاب الدين والزمخشري لو فعل مثل ذلك لسمع به، وجوَّز الزمخشري في الرفع وجهاً آخر وهو الرفع على التعظيم يعني على إضمار مبتدأ وهو الذي يسمى القطع، وسيأتي هذا قريباً، وقرأ ابنُ أبي عَبْلَةَ واليَزيديّ مِيعَادٌ يوْماً بتنوين الأول ونصب "يوماً" منوناً وفيه وجهان: أحدهما: أنه منصوب على الظرف والعامل فيه مضاف مقدر تقديره: لكم إنجازُ وَعْدٍ في يومٍ صِفَتُهُ كَيْتَ وكَيْتَ. الثاني: أن ينتصب بإضمار فعل. قال الزمخشري: وأما نصب "اليوم" فعلى التعظيم بإضمار فعل تقديره أعني يوْماً، ويجوز أن يكون الرفع على هذا أعني التعظيم. وقرأ عِيسَى بتنوين الأول ونصب "يَوْم" مضافاً للجُمْلة بعده. وفيه الوجهان المتقدمان النَّصْب على التعظيم أو الظَّرف. قوله: {لاَ تَسْتَأخِرُونَ عَنْهُ} يجوز في هذه الجملة أن تكون صفة "لِميعَادٍ" إن عاد الضمير في "عنه" عليه أو "لِيَوْم" إن عاد الضمير في "عنه" عليه فيجوز أن يحكم على موضعها بالرفع أو الجر وأما على قراءة عيسى فينبغي أن يعود الضمير في "عنه" على "ميعاد" لأنهم نَصُّوا على أنّ الظَّرْفَ إذا أضيفَ إلى جملة لم يَعُدْ منها إليه ضمير إلاَّ في ضرورة كقوله: شعر : 4138- مَضَتْ سَنَةٌ لِعَامٍ وُلِدْتُ فِيهِ وَعَشْرٌ بَعْدَ ذَاكَ وَحِجَّتَانِ تفسير : فصل تقدم الكلام في سورة الأعراف أن قوله: {أية : لاَ يَسْتَأْخِرُونَ} تفسير : [الأعراف:34] يوجب الإنذار لأن معناه عدم المهلة عن الأجَل ولكن الاستقدام ما وجهه؟ وقد تقدم، ونذكر ههنا أنهم لما طلبوا الاستعجال بين أنه اسْتِعْجَالَ فيه كما أنه لا إمهال وهذا لا يفيد عظَم الأمر، وخَطَر الخطب، لأن الأمر الحقير إذا طلبه من غيره لا يؤخره ولا يُوقفه على وقت بخلاف الأمر الخطير والمراد باليوم يوم القيامة وقال الضحاك: يوم الموت لا يتأخرون عنه ولا يتقدمون بأن يزاد في أجلكم أو ينقص.

البقاعي

تفسير : ولما سلب عن شركائهم أن يملكوا شيئاً من الأكوان، وأثبت جميع الملك له وحده، أمره صلى الله عليه وسلم بأن يقررهم بما يلزم منه ذلك فقال: {قل من يرزقكم} ولما كان كل شيء من الرزق متوقفاً على الكونين، وكان في معرض الامتنان والتوبيخ جمع لئلا يدعي أن لشيء من العالم العلوي مدبراً غيره سبحانه فقال: {من السماوات} وقال: {والأرض} بالإفراد لأنهم لا يعلمون غيرها. ولما كان من المعلوم أنهم مقرّون بأن ذلك لله وحده كما تقدم التصريح به غير مرة، وكان من المحقق أن إقرارهم بذلك ملزم لهم الإخلاص في العبادة عند كل من له أدنى مسكة من عقله، أشار إلى ذلك بالإشارة بأمره صلى الله عليه وسلم بالإجابة إلى أنهم كالمنكرين لهذا، لأن إقرارهم به لم ينفعهم فقال: {قل الله} أي الملك الأعلى وحده، وأمره بعد إقامة هذا الدليل البين بأن يتبعه ما هو أشد عليهم من وقع النبل بطريق لا أنصف منه، ولا يستطيع أحد أن يصوب إليه نوع طعن بأن يقول مؤكداً تنبيهاً على وجوب إنعام النظر في تمييز المحق من المبطل بالانخلاع من الهوى، فإن الأمر في غاية الخطر: {وإنا} أي أهل التوحيد في العبادة لمن تفرد بالرزق {أو إياكم} أي أهل الإشراك به من لا يملك شيئاً من الأشياء و "أو" على بأنها لا بمعنى الواو، أي إن أحد فريقينا على إحدى الحالتين مبهمة غير معينة فهو على خطر عظيم لكونه في شك من أمره غير مقطوع له بالهدى، فانظروا بعقولكم في تعيينه هل هو الذي عرف الحق لأهله أو الذي بذل الحق لغير أهله، قال ابن الجوزي: وهذا كما تقول للرجل تكذبه: والله إن أحدنا لكاذب، وأنت تعنيه تكذيباً غير مكشوف ويقول الرجل: والله لقد قدم فلان، فيقول له من يعلم كذبه: قل إن شاء الله، فيكذبه بأحسن من تصريح التكذيب، يعني ولا سيما بعد إقامة الدليل على المراد ثم مثل المهتدين بمن هو على متن جواد يوجهه حيث شاء من الجواد بقوله: {لعلى هدى} أي في متابعة ما ينبغي أن يعمل مستعلين عليه ناظرين لكل ما يمكن أن يعرض فيه مما قد يجر إلى ضلال فتنكبه {أو في ضلال} أي عن الحق في الاعتقاد المناسب فيه منغمسين فيه وهو محيط بالمبتلى به لا يتمكن معه من وجه صواب: {مبين *} أي واضح في نفسه داع لكل أحد إلى معرفة أنه ضلال إلا من كان منغمساً فيه مظروفاً له، فإنه لا يحس بنفسه وما بينه وبين أن يستبصر إلا أن يخرج منه وقتاً ما فيعلم أنه كان في حاله ذلك فاعلاً ما لا يفعله من له نوع من العقل، ففي هذا حث على النظر الذي كانوا يأبونه بقوله: {أية : قلوبنا في أكنة} تفسير : [فصلت: 5] ونحوه في الأدلة التي يتميز بها الحق من الباطل على أحسن وجه بأنصف دعاء وألطف نداء حيث شرك الداعي نفسه معهم فيما دعاهم إلى النظر فيه، فالمعنى أنه يتعين على كل منا - إذا كان على إحدى الطريقين مبهمة - أن ينظر في أمر ليسلم فإن الأمر في غاية الوضوح مع أن الضال في نهاية الخطر، ولقد كان الفضلاء من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وذوو الأحلام والنهى منهم يقولون ذلك بعد الإسلام كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وناهيك بهما جلالاً، ونباهة وذكاء وكمالاً، قالوا: والله كنا نعجب غاية العجب ممن يدخل في الإسلام واليوم نحن نعجب غاية العجب ممن يتوقف عنه. ولما كانوا بين أمرين: إما أن يسكتوا فيعلم كل سامع أن الحجة لزمتهم، وإما أن يقولوا بوقاحة ومكابرة: أنتم في الضلال ونحن على الهدى، وكان الضال لا يزال يقطع ما ينبغي وصله بوصل ما يجب قطعه، أمره أن يجيبهم على هذا التقدير بما هو أبلغ في الإنصاف من الأول بقوله: {قل لا تسئلون} أي من سائل ما {عما أجرمنا} أي قطعنا فيه ما ينبغي أن يوصل مما أوجبه لنا الضلال {ولا نسئل} أي أصلاً في وقت من الأوقات من سائل ما {عما تعملون *} أي مما بنيتموه على العلم الذي أورثكموه الهدى أي فاتركونا والناس غيركم كما أنا نحن تاركوكم، فمن وضح له شيء من الطريقين سلكه. ولما كانوا إما أن يجيبوا إلى المتاركة فيحصلوا بها المقصود عن قريب، وإما أن يقولوا: لا نترككم، وكان هذا الاحتمال أرجح، أمره أن يجيبهم على تقديره بقوله: {قل يجمع بيننا ربنا} أي في قضائه المرتب على قدره في الدنيا أو في الأخرة، قال القشيري: والشيوخ ينتظرون في الاجتماع زوائد ويستروحون إلى هذا الآية، وللاجتماع أمر كبير في الشريعة. ولما كان إنصافهم منهم في غاية البعد عندهم، وكان ذلك في نفسه في غاية العظمة، أشار إليه بأداة البعد فقال: {ثم يفتح} أي يحكم {بيننا} حكماً يسهل به الطريق {بالحق} أي الأمر الثابت الذي لا يقدر أحد منا ولا منكم على التخلف عنه، وهو العدل أو الفضل من غير ظلم ولا ميل. ولما كان التقدير: فهو الجامع القدير، عطف عليه قوله: {وهو الفتاح} أي البليغ الفتح لما انغلق، فلم يقدر أحد على فتحه {العليم *} أي البالغ العمل بكل دقيق وجليل مما يمكن فيه الحكومات، فهو القدير على فصل جميع الخصومات. ولما كانوا قد أنكروا البعث على ذلك الوجه الذي تقدم، ودل على قدرته عليه بما نصب من الأدلة التي شاهدوها من أفعاله بالبصر أو البصيرة إيجاداً وإعداماً، وأقام الحجة على صحة الدعوة وبطلان ما هم عليه، ثم تهددهم بالفصل يوم الجمع، وختم بصفة العلم المحيط المستلزم للقدرة الشاملة، وكانت القدرة لا تكون شاملة إلا عند الوحدانية، أمره بما يوجب لهم القطع بوحدانيته وشمول قدرته بقوله: {قل} أي لهؤلاء المشركين. ولما كانت آلهتهم تسهل رؤيتها، وكان كل ما هو كذلك سافل المقدار عن هذه الرتبة، وكانت آلهتهم بالخصوص أدنى الأشياء عن ذلك بكونها من أخس الجمادات، نبه على ذلك وعلى أنها نكرة لا تعرف بقلب ولا تدل عليها فطرة زيادة في تبكيتهم بقوله: {أروني الذين} ولما لزم مما ثبت له سبحانه من صفات الكمال العلو الذي لا يداينه أحد بوجه قال: {ألحقتم به} ولما كان الإلحاق يقتضي ولا بد قصور الملحق عن الملحق به، أشار إلى فرط جهلهم بتسويتهم به بقوله: {شركاء} ثم نبه بعد إبطال قياسهم على أنهم في غاية الجلافة والجمود فهم كالأنعام بما قرعهم به من الرجز في قوله مؤكداً تكذيباً لهم في دعوى الشرك: {كلا} أي ارتدعوا وانزجروا فليس والله الأمر كما ذكرتم ولا قريب منه {بل هو} أي المعبود بالحق الذي لا يستحق أن يسمى هو غيره {الله} أي الذي اختص بالحمد في الأولى والآخرة {العزيز} أي الذي لا مثل له، وكل شيء محتاج إليه، وهو غالب على كل شيء غلبة لا يجد معها ذلك الشيء وجه مدافعة ولا انقلاب، ولا وصول لشيء إليه إلا بإذنه {الحكيم *} أي المحكم لكل ما يفعله فلا يستطيع أحد نقض شيء منه فكيف يكون له شريك وأنتم ترون له من هاتين الصفتين المنافيتين لذلك وتعلمون عجز من أشركتموه به عن أن يساويكم مع ما تعلمون من عجزكم. ولما ختم بوصف الحكمة فتم برهان القدرة التي كان أوجب اعتقادهم لعدم البعث ما يقتضي نقصاً فيها، ولزم عن ذلك التوحيد وبطل الشرك، لم يبق إلا إثبات الرسالة التي أوجب ترديدهم أخباره صلى الله عليه وسلم بين الكذب والجنون الطعن فيها، فعلم أن التقدير: أرسل إليكم رسوله بعزته مؤيداً له بإعجاز هذا القرآن بحكمته دليلاً على صدقه وكماله في جبلته وتأهله لبدائع نعمته ومعالي رحمته، وكان في ذلك دليل الصدق في الرسالة؛ فنسق به قوله معلياً لشأنه بالخطاب في مظهر العظمة، إشارة إلى أنه ينبغي أن يتدرع جلابيب الصبر على جميع المكارة الصادرة من أنواع الخلق في أداء الرسالة بقوله عاطفاً على {ولقد آتينا داود منا فضلاً} مؤكداً تكذيباً لمن يدعي الخصوص: {وما أرسلناك} أي بعظمتنا {إلا كآفة} أي إرسالاً عاماً شاملاً لكل ما شمله إيجادنا، تكفهم عما لعلهم أن ينتشروا إليه من متابعة الأهوية، وتمنعهم عن أن يخرج عنها منهم أحد، فالتاء في "كافة" للمبالغة، وعبارة ابن الجوزي: أي عامة لجميع الخلائق {للناس} أي كل من فيه قابلية لأن ينوس من الجن والإنس وغيرهم من جميع ما سوى الله وإن آذوك بكل أذى من النسبة إلى الافتراء أو الجنون أو غيرهما، فحال الإرسال محصور في العموم للغرض الذي ذكر من التدرع لحمل المشاق، لا في الناس، فإنه لو أريد ذلك لقدموا فقيل: إلا للناس كافة، وقد مضى في أوائل الأنعام عن السبكي ما ينفع هنا، والمعنى أن داود عليه السلام فضل بطاعة الجبال له والطير والحديد، وسليمان عليه السلام بما ذكر له، ففضيلتك أنت بالإرسال إلى كل من يمكن نوسه، فالحصا سبحت في كفك، والجبال أمرت بالسير معك ذهباً وفضة، والحمرة شكت إليك أخذ فراخها أو بيضها، والضب شهد لك، والجمل شكا إليك وسجد لك، والأشجار أطاعتك، والأحجار سلمت عليك وائتمرت بأمرك إلى غير ذلك من كل من ينوس بالفعل أو القابلية - والله أعلم، وأما الجن فحالهم مشهور، وأما الملائكة فالدلائل على الإرسال إليهم في غاية الظهور، وفي دلائل النبوة في باب التحدث بالنعمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية دليل على فضل النبي صلى الله عليه وسلم على الأنبياء بعموم الرسالة للإنس والجن. ولما كانت البشارة هي الخبر الأول الصدق السار، وكان في ذكرها رد قولهم في الكذب والجنون، قال: {بشيراً ونذيراً} أي لمن أهل للبشارة أو النذارة. ولما كان هذا الإرسال مقروناً بدليله من الإتيان بالمعجز من نفسه من جهة البلاغة في نظمه وبالمعاني المحكمة في البشارة والنذارة وغير ذلك، قلب عليهم قولهم الذي لا دليل عليه ولا شبهة تصوب إليه في حقه صلى الله عليه وسلم بقوله الذي هو أوضح من الشمس دليلاً، وأقوم كل قيل قيلاً: {ولكن} ولما كان الناس الأولين كل من ديه قابلية النوس وهم جميع الخلائق وأكثرهم غير عاص، أظهر مريداً الثقلين من الجن والإنس فقال: فأكثر الناس لا يعلمون أي ليس لهم قابلية العلم فيعلموا أنك رسول الله فضلاً عن أن إرسالك عام، بل هم كالأنعام، فهم لذلك لا يتأملون فيقولون "افترى أم به جنة" ونحو هذا من غير تدبر لما في هذا الكتاب من الحكمة والصواب مع الإعجاز في حالي الإطناب والإيجاز، والإضمار والإبراز، فيحملهم جهلهم على المخالفة والإعراض. ولما سلب عنهم العلم، أتبعه دليله، فقال معبراً بصيغة المضارعة الدال على ملازمة التكرير للإعلام بأنه على سبيل الاستهزاء لا الاسترشاد: {ويقولون} أي ما أرسلناك إلا على هذا الحال والحال أن المنذرين يقولون جهلاً منهم بعاقبة ما يوعدونه غير مفكرين به في وجه الخلاص منه والتفصي عنه في كل حين استهزاء منهم: {متى هذا الوعد} أي بالبشارة والنذارة في يوم الجمع وغيره فسموه وعداً زيادة في الاستهزاء. ولما كان قول الجماعة أجدر بالقبول، وأبعد عن الرد من قول الواحد، أشار إلى زيادة جهلهم بقوله: {إن كنتم} أي أيها النبي وأتباعه! كوناً أنتم عريقون فيه {صادقين *} أي متمكنين في الصدق.

ابو السعود

تفسير : {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أمرَ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بتبكيتِ المشركين بحملهم على الإقرارِ بأنَّ آلهتَهم لا يملكونَ مثقالَ ذَرَّةِ فيهما وأنَّ الرَّازقَ هو الله تعالى فإنَّهم لا ينكرونه كما ينطقُ به قوله تعالى: { أية : قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء وَٱلأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَـٰرَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيّتَ مِنَ ٱلْحَيّ وَمَن يُدَبّرُ ٱلأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ} تفسير : [سورة يونس: الآية 31] وحيث كانُوا يتلعثمُون أحياناً في الجواب مخافةَ الإلزامِ قيل له عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ {قُلِ ٱللَّهُ} إذ لا جوابَ سواهُ عندهم أيضاً {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ} أي وإنَّ أحدَ الفريقينِ من الذين يوحِّدون المتوحِّدَ بالرِّزقِ والقُدرة الذَّاتيةِ ويخصونه بالعبادة والذين يُشركون به في العبادةِ الجمادَ النَّازلَ في أدنى المراتبِ الإمكانية لعلى أحدِ الأمرينِ من الهُدى والضَّلالِ المُبـين وهذا بعد ما سبق من التَّقرير البليغ النَّاطقِ بتعيـين من هُو على الهدى ومن هو في الضَّلالِ أبلغ من التَّصريحِ بذلك لجريانه على سَننِ الإنصاف المُسكتِ للخَصمِ الألدِّ. وقُرىء وأنَا أو إيَّاكم إما على هُدى أو في ضلال مبـين، واختلافُ الجارِين للإيذان بأنَّ الهاديَ كمن استعلى مناراً ينظرُ الأشياءَ ويتطلَّع عليها والضَّالُّ كأنَّه منغمسٌ في ظلامٍ لا يَرى شيئاً أو محبوسٌ في مطمورةٍ لا يستطيعُ الخروجَ منها.

القشيري

تفسير : لم يَقُلْ أحدٌ - مع شِرْكِه - إنه يُحِيلُ في الرزق على أحدٍ غيره، فكما لا شريكَ له في الرزق ولا شريكَ له في الخَلْق فلا شريكَ له في استحقاق العبادة والتعظيم.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل من} استفهام بمعنى [كه] بالفارسية {يرزقكم من السموات} بانزال المطر {والارض} باخراج النبات امر عليه السلام بتبكيت المشركين بحملهم على الاقرار بان آلهتهم لا يملكون مثال ذرة فيهما وان الرازق هو الله تعالى فانهم لا ينكرونه كما ينطق به قوله تعالى {أية : قل من يرزقكم من السماء والارض ام من يملك السمع والابصار فسيقولون الله} تفسير : وحيث كانوا يتلعثمون فى الجواب مخافة الالزام قيل له عليه السلام {قل الله} يرزقكم اذ لا جواب سواه عندهم ايضا. اعلم ان الرزق قسمان ظاهر وهو الاقوات والاطعمة المتعلقة بالابدان وباطن وهو المعارف والمكاشفات المتعلقة بالارواح وهذا اشرف القسمين فان ثمرته حياة الابد وثمرة الرزق الظاهر قوة الى مدة قريبة الامد والله تعالى هو المتولى لخلق الرزقين والمتفضل بالايصال الى كلا الفريقين ولكنه يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفى الحديث "حديث : طلب الحلال فريضة بعد الفريضة" تفسير : اى فريضة الايمان والصلاة وفى الحديث "حديث : من أكل الحلال أربعين يوما نور الله قلبه وأجرى ينابيع الحكمة من قلبه" تفسير : وفى الحديث "حديث : ان لله ملكا على بيت المقدس ينادى كل ليلة من اكل حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل" تفسير : اى نافلة وفريضة [وكفته اند ازباكى مطعم وحلالى قوت صفاى دل خيزد واز صفاى دل نور معرفت افزايد وبانور معرفت مكاشفات ومنازلات در بيوندد]: وفى المثنوى شعر : لقمه كان نور افزود وكمال آن بود آورده از كسب حلال روغنى كايد جراغ ما كشد آب خوانش جون جراغى راكشد علم وحكمت زايد از لقمه حلال عشق ورقت آيد از لقمه حلال جون لقمه توحسد بينى ودام جهل وغفلت زايد آنراد ان حرام هيج كندم كارى وجو بردهد ديده اسبى كه كره خردهد لقمه تخمست وبرش انديشها لقمه بحر وكوهرش انديشها زايد از لقمه حلال اندر دهان ميل خدمت عزم رفتن آن جهان تفسير : {وانا} [وديكر بكو باايشان كه بدرستئ ما] {او اياكم} عطف على اسم ان يعنى [باشما] {لعلى هدى} [برراه راستيم] {او فى ضلال مبين} [يادركمراهى آشكار] اى وان احد الفريقين من الذين يوحدون المتوحد بالرزق والقدرة الذاتية ويحصونه بالعبادة والذين يشركون به فى العبادة الجماد النازل فى ادنى المراتب الامكانية لعلى احد الامرين من الهدى والضلال المبين وهذا بعد ما سبق من التقرير البليغ الناطق بتعيين من هو على الهدى ومن هو فى الضلال ابلغ من التصريح بذلك لجريانه على سنن الانصاف المسكت للخصم الالد ونحو قول الرجل فى التعريف لصاحبه الله يعلم ان احدنا لكاذب: يعنى [اين سخن جنانست دوكس در خصومت باشند يكى محق ويكى مبطل محق كويد از مايكى دروغ زنست ناجار ومقصد وى ازين سخن تكذيب مبطل باشد وتصديق خويش همانست كه رسول عليه السلام كفت متلاعنين را] الله يعلم ان احدكما كاذب فهل منكما تائب واو ههنا لمجرد ابهام واظهار نصفة لا للشك والتشكيك. وقال بعضهم او ههنا بمعنى الواو: يعنى انا واياكم لعلى هدى ان آمنا او فى ضلال مبين ان لم نؤمن انتهى. واختلاف الجارين للايذان بان الهادى الذى هو صاحب الحق كمن استعلى على مكان مرتفع ينظر الاشياء ويتطلع عليها او ركب فرسا جوادا يركضه حيث يشاء والضال كأنه منغمس فى ظلام لا يرى شيئا ولا يدرى اين يتوجه او متردى فى بئر عميق او محبوس فى مطمورة لا يستطيع الخروج منها

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قلْ} لهم: {من يرزقكم من السماوات والأرض} أي: بأسباب سماوية وأرضية؟ {قل اللهُ} وحده. أمره أن يقرّرهم، ثم أمره بأن يتولى الإجابة والإقرار عنهم، أي: يرزقكم الله لا غيره، وذلك للإشعار بأنهم مقرُّون به بقلوبهم، إلا أنهم ربما أبَوا أن يتكلموا به، لأنهم إن تفوّهوا بأن الله رازقهم لزمهم أن يقال لهم: فما لكم لا تعبدون مَن يرزقكم، وتؤثرون عليه مَن لا يقدر على شيء؟ ثم أمره أن يقول لهم بعد الإلزام والإحجاج: {وإِنا وإِياكم لعلى هُدىً أو في ضلالٍ مبين} أي: ما نحن وأنتم على حالة واحدة، بلى على حالين متضادين، واحدنا مهتد، وهو مَن اتضحت حجته، والآخر ضال، وهو مَن قامت عليه الحجة. ومعناه: أن أحد الفريقين من الموحدين ومن المشركين لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال. وهذا من كلام المنصف، الذي كل مَن سمعه، من مُوالٍ ومعاند، قال لمَن خوطب به: قد أنصفك صاحبك. وفي ذكره بعد تقديم ما قدّم من التقرير: دلالة واضحة على مَن هو من الفريقين على الهدى، ومَن هو في الضلال المبين، ولكن التعريض أوصل بالمجادل إلى الغرض، ونحوه قولك لمَن تحقق كذبه: إن أحدنا لكاذب، ويحتمل أن يكون من تجاهل العارف. قال الكواشي: وهذا من المعاريض، وقد ثبت أن مَن اتبع محمداً على الهدى، ومَن لم يتبعه على الضلال. هـ ويحتمل أن يكون من اللف والنشر المرتّب. وفيه ضعف. وخولف بين حرفي الجار، الداخلين على الهدى والضلال؛ لأن صاحب الهدى كأنه مستعلٍ على فرس جواد، يركضُه حيث شاء، والضال كأنه منغمس في ظلام، لا يدري أين يتوجّه. {قل لا تُسألون عمّا أجرمنا ولا نُسأل عما تعملون} أي: ليس القصد بدعائي إياكم خوفاً من ضرر كفركم، وإنما القصد بما أدعوكم إليه الخير لكم، فلا يُسأل أحد عن عمل الآخر، وإنما يُسأل كل واحد عن عمله. وهذا أيضاً أدخل في الإنصاف، حيث أسند الإجرام إلى أنفسهم، وهو محظورٌ، والعمل إلى المخَاطبين، وهو مأمورٌ به مشكورٌ. {قل يجمع بيننا ربنا} يوم القيامة، {ثم يَفتحُ} أي: يحكم {بيننا بالحق} بلا جور ولا ميل، فيدخل المحقّين الجنة، والمبطلين النار، {وهو الفتاحُ} الحاكم {العليمُ} بما ينبغي أن يحكم به. {قل أَرونيَ الذي ألحقتم} أي: ألحقتموهم {به شركاءَ} في العبادة معه، بأي صفة ألحقتموهم به شركاء في استحقاق العبادة، وهم أعجز شيء. قال القشيري: كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك؛ لانهماكهم في ضلالهم، مع تحققهم بأنها جمادات لا تفقه ولا تعقل، ولا تسمع ولا تبصر، ولا شبهة لهم غير تقليد أسلافهم. هـ. والمعنى قوله: {أَروني} مع كونه يراهم: أن يريهم الخطأ العظيم في إلحاق الشركاء بالله، وأن يطلعهم على حالة الإشراك به، ولذلك زجرهم بقوله: {كلا} أي: ارتدعوا عن هذه المقالة الشنعاء، وتنبّهوا عن ضلالكم. {بل هو الله العزيزُ} أي: الغالب القاهر، فلا يشاركه أحد، "وهو": ضمير الشأن، {الحكيمُ} في تدبيره وصنعه. والمعنى: بل الوحدانية لله وحده؛ لأن الكلام إنما وقع في الشركة، ولا نزاع في إثبات الله ووجوده، وإنما النزاع في وحدانيته. أي: بل هو الله وحده العزيز الحكيم. الإشارة: أرزاق الأرواح والأشباح بيد الله، فأهل القلوب من أهل التجريد اشتغلوا بطلب أرزاق الأرواح، وغابوا عن طلب أرزاق الأشباح، مع كونهم مفتقرين إليه، أي: غابوا عن أسبابه. وأهل الظاهر اشتغلوا بطلب أرزاق الأشباح، وغابوا عن التوجُّه إلى أرزاق الأرواح، مع كونهم أحوج الناس إليه. وكل فريق يرجح ما هو فيه، فأهل الأسباب يعترضون على أهل التجريد، ويرجحون تعاطي الأسباب، وأهل التجريد يرجحون مقام التجريد، فيقولون لهم: وإنا أو إياكم لعلى هُدىً أو في ضلال مبين. قل: لا تُسألون عما أجرمنا، بزعمكم، من ترك الأسباب، ولا نُسأل عما تعملون. وسيجمع الله بيننا، ويحكم بما هو الحق، فإن كنتم تعتمدون على الأسباب، وتركنون إليها، فهو شرك، أروني الذين ألحقتم به شركاء، كلا، بل هو الله العزيز الحكيم، يُعز أولياءه، المتوجهين إليه، الحكيم في إسقاط مَن أعرض عنه إلى غيره. قال القشيري: {قل يجمع بيننا ربنا} أخبر سبحانه أنه يجمع بين عباده، ثم يعاملهم في حال اجتماعهم، بغير ما يعاملهم في حال افتراقهم، وللاجتماع أثرٌ كبيرٌ في الشريعة، وللصلاة في الجماعة أثر مخصوص. ثم قال: وللشيوخ في الاجتماع زوائد، ويستروحون إلى هذه الآية: {قل يجمع بينا ربنا ثم يفتح...} .هـ. ولمَّا ذكر ما منّ به على داود وسليمان، وذكر وبال مَن لم يشكر النعم، ذكر ما منّ به على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من عموم الرسالة والدعوة، فقال: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً...}

الجنابذي

تفسير : {قُلْ} يا محمّد الزاماً لهم على الاقرار بالمبدء الخالق الرّازق {مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} بتهيّة الاسباب السّماويّة والارضيّة لارزاقكم الانسانيّة والحيوانيّة والنّباتيّة او من السّماوات بالرّزق الانسانىّ ومن الارض بالرّزق النّباتىّ والحيوانىّ {قُلِ ٱللَّهُ} اذ لا جواب لهم سواه {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} بعدما ابطل الشّركاء وابطل جواز دعوتهم اتى بضلالة اتباع الشّركاء بنحوٍ يكون اقرب الى الانصاف وابعد من المشاغبة، فانّ المعنى المستفاد من هذه العبارة بعدما سبق من اظهار عجز الشّركاء معنى قولنا نحن على هدًى وانتم فى ضلالٍ مبينٍ لكنّه اتى بكلمة او التّفصيليّة المفيدة للتّقسيم فى جانبٍ المسند اليه والمسند جميعاً لئلاّ يشاغب الخصم و يشتدّ مخاصمته وانكاره فكأنّه قال: انّا وايّاكم لعلى هدًى وفى ضلالٍ مبينٍ بنحو اللّفّ والنّشر، واختلاف حرفى الجرّ فى جانب المسند للاشعار بانّ المهتدى مستولٍ على صفاته ومحيط بها، والضّالّ مغلوب لصفاته ومحاط لها.

الهواري

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: قل للمشركين. ثم قال: {قُلِ اللهُ وَإِنَّآ أوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [أي: إن الفريقين نحن وأنتم لعلى هدى أو في ضلال مبين] وهي كلمة مقولة عربية. هي كقول الرجل لصاحبه: إن أحدنا لصادق، يعني نفسه، وكقوله: إنَّ أحدنا لكاذب، يعني صاحبه، وكان هذا بمكة وأمر المسلمين يومئذ ضعيف. قوله تعالى: {قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} هو كقوله: (أية : قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِىءٌ مِّمَّا تُجْرِمُونَ) تفسير : [هود: 35] وكقوله: (أية : وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُم بَرِيئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ)تفسير : [يونس: 41]. قوله: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا} أي: يوم القيامة {ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ} أي: يقضي بيننا بالحق {وَهُوَ الْفَتَّاحُ} أي: القاضي {العَلِيمُ} فلا أعلم منه.

اطفيش

تفسير : {قل من يرزقكم من السمٰوات} بالمطر. {والأرض} بالنبات وذلك تقرير لقوله لا يملكون الخ فلما لم يكن لهم جواب اذ لا يصح ان يقولوا ان الرازق غيره تعالى فانهم قد اقروا بذلك بقلوبهم ولكن لا ينطقون اذا سئلوا خوف الالزام والغلبة امر الله سبحانه نبيه بالجواب. {قل الله} اي الذي يرزقكم هو الله فكيف تعبدون سواه. {وانا واياكم لعلى هدى او في ضلال مبين} او في الموضعين للابهام. وقال ابن هشام التي للابهام هي الاولى وحدها ووجه الشمني بان اعتبار الابهام في احداهما يغني عن اعتباره في الاخرى والاولى اولى بالاعتبار لسبقها والتحقيق ان الابهام معتبر فيهما معا والمعنى وان احد الفريقين منا ومنكم لثبات له احد الامرين كونه على هدى وكونه في ضلال مبين اخرج الكلام في صورة الاحتمال مع العلم بان من وجد الله المنفرد بالقدرة الذاتية والرزق وعبده فهو على هدى وان من عبد غيره ممن ليس كذلك فهو في ضلال مبين توطينا لنفوس المخاطبين ليكونوا اقبل لما يلقي اليهم إن التعريض اوصل بالمجادل الى الغرض وفل شوكة الخصم بالهويناء ومع كون او للابهام لا يخفي الرمز الى التعبير لاقتضاء التناسب صرف ما بعد او الثانية لما بعد او الاول وصرف ما قبلها لما قبلها ولاقتضاه الترتيب ايضا ذلك وانما ادخل على الهدى علي وعلى ضلال في لان صاحب الحق كالراكب على جواد يركض حيث شاء وكمن صعد منارا ينظر حيث شاء ويطلع على ما شاء وصاحب الباطل كانه منغمس في بحر او مطمورة او ظلام لا يدري اين يتوجه، وقيل التي للابهام هي الثانية لان الشرط تقدم كلام خبري وهو انما يتحقق بقوله لعلى هدى لان ما قبله ليس كلاما وقد يقال لعلى هدى أو في ضلال مبين خبر عن الاول وحذف خبر الثاني او بالعكس لانه لا يتعين كونه خبرا عنهما ان صلح لذلك وعلى كل وجه فالشرط موجود مع انه قد يمنع اشتراطه وقرأ ابي وانا او اياكم اما على هدى او في ضلال مبين وذكر القاضي ان في القول بان الآية على اللف والنشر نظرا قيل لان ذلك في العطف بالواو باجعل او هنا بمعنى الواو نادر شاذ قلت لا يختص ذلك بالواو كما قال وقد لا نسلم ان كون او بمعنى الواو هنا نادر شاذ.

اطفيش

تفسير : {قُل} تبكياً لهم {مَن يرزُقكُم} من للابتداء {السَّماوات والأرْض} ولا محيد لهم عن أن يقولوا هو الله فقال: {قُل الله} يزرقنا الله، أو الذى يرزقنا الله، والرزق من السماء المطر، ومن الأرض الثمار والنبات، ومنها الكماة وبطاطة ولعلها نوع الكماة، ولها أوراق، ومن رزق الأرض المعادن والسمك {وإنَّا أو إيَّاكم لَعَلى هُدى} مبين وحذفه لدلالة الثانى عليه، قيل ويجوز أن يكون المذكور بعد نعتا لهدى وضلال، لأن العطف بأو {أو في ضلال مُبينٍ} من جملة ما امر بقوله، والمعنى إن أحد الفريقين منا معشر المؤمنين بالله، الذى هو الرازق، ومعشر المكذبين بالوحدانية له لمتصفون بأحد أمرين: التمكن على الصدى، والانغماس فى الضلال، وذلك عبارة إنصاف بليغة فى نسبة الضلال إليهم بالتعريض، من غير تصيح مهيج لهم، الى العناد كقولك: علم الله الصادق منى ومنك، وأو لأحد الشيئين بصورة الإبهام. وقال أبو عبيدة: إن أو بمعنى الواو، وان الكلام لف ونشر مرتبات، فقوله تعالى: {على هدى} راجع الى إنا {وفي ضلال} الى قوله سبحانه: {إياكم} ولا بعد فيه إلا أن فيه اخراجاً أو عن أصلها بلا دليل، والابهام الصورى باق كما فسرنا، إذ المعنى إن الهدى والضلال فينا وفيكم، ومعلوم أن الهدى فينا، كما علم أن العناب لرطبا، والحشف ليابسا فى قوله: شعر : كأن قلوب الطير رطباً ويابساً لدى وكرها العناب والحشف البالى تفسير : ولا حذف على التفسير الأول كقولك: زيد أو عمرو قائم بالإفراد لأن المراد أحدهما قائم وقيل: {لعلى هدى أو في ضلال} خبر عائد لقوله: {إيـاكم} من العطف على معمولى عامل، ويقدر مثله لقوله: {إنَّـــا} أو يعكس ولا تقدير على القول الثانى، وعلى للتمكن، وفى للانغماس شبه المؤمنين بالراكب على فرس متمكن منه موصل، ورمز الى ذلك بعلى، والكفار بالعجز المنغمس فيما يعطله، ورمز الى ذلك بفى أو شبه الثبوت على الهدى بالثبوت، على فرس، واشتق منه لفظ ثابت، أو ثبت والكون فى الضلال بالكون فى سوء معطل، فتبعت ذلك الاستعارة لعلى وفى.

الالوسي

تفسير : {قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مّنَ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ} أمر صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك تبكيتاً للمشركين بحملهم على الإقرار بأن آلهتهم لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وإن الرزاق هو الله عز وجل فإنهم لا ينكرونه وحيث كانوا يتلعثمون أحياناً في الجواب مخافة الإلزام قيل له عليه الصلاة والسلام {قُلِ ٱللَّهُ } إذ لا جواب سواه عندهم أيضاً {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِى ضَلَـٰلٍ مُّبِينٍ } أي وإن أحد الفريقين منا معشر الموحدين المتوحد بالرزق والقدرة الذاتية العابدية وحده عز وجل ومنكم فرقة المشركين به العاجزين في أنفسهم عن دفع أدنى ضر وجلب أحقر نفع وفيهم النازل إلى أسفل المراتب الإمكانية المتصفون بأحد الأمرين من الاستقرار على الهدى والانغماس في الضلال، وهذا من الكلام المنصف الذي كل من سمعه من ماول أو مناف قال لمن خوطب به: قد انصفك صاحبك، وفي درجة بعد تقدمه ما قدم من التقرير البليغ دلالة ظاهرة على من هو من الفريقين على هدى ومن هو في ضلال ولكن التعريض أبلغ من التصريح وأنضل بالمجادل إلى الغرض وأهجم به على الغلبة مع قلة شغب الخصم وفل شوكته بالهوينا، ونحوه قول الرجل لصاحبه قد علم الله تعالى الصادق مني ومنك وإن أحدنا لكاذب، ومنه قول حسان يخاطب أبا سفيان بن حرب وكان قد هجا رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم:شعر : أتهجوه ولست له بكفىء فشركما لخيركما الفداء تفسير : وقول أبـي الأسود:شعر : يقول الأرذلون بنو قشير طوال الدهر لا تنسى عليا بنو عم النبـي وأقربوه أحب الناس كلهم إليا فإن يك حبهم خيراً أصبه ولست بمخطىء إن كان غيا تفسير : وذهب أبو عبيدة إلى أن (أو) بمعنى الواو كما في قوله:شعر : سيان كسر رغيفه أو كسر عظم من عظامه تفسير : والكلام من باب اللف والنشر المرتب بأن يكون {عَلَىٰ هُدًى } راجعاً لقوله تعالى: {إِنَاْ } و {فِى ضَلَـٰلٍ } راجعاً لقوله سبحانه {إِيَّاكُمْ } فإن العقل يحكم بذلك كما في قول أمرى القيس:شعر : كأن قلوب الطير رطباً ويابساً لدي وكرهاً للعناب والحشف البالي تفسير : ولا يخفى بعده، وأياً ما كان فليس هذا من باب التقية في شيء كما يزعمه بعض الجهلة، والظاهر أن {لَّعَـلّى هُدًى } الخ خبر {إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ } من غير تقدير حذف إذ المعنى إن أحدنا لمتصف بأحد الأمرين كقولك زيد أو عمرو في السوق أو في البيت، وقيل: هو خبر {إِنَاْ } وخبر {إِيَّاكُمْ } محذوف تقديره لعلى هدى أو في ضلال مبين، وقيل: هو خبر {إِيَّاكُمْ } وخبر {إِنَاْ } محذوف لدلالة ما ذكر عليه، و {إِيَّاكُمْ } على تقدير إن ولكنها لما حذفت انفصل الضمير. وفي «البحر» لا حاجة إلى تقدير الحذف في مثل هذا وإنما يحتاج إليه في نحو زيد أو عمرو قائم فتدبر. والمتبادر أن {مُّبِينٌ } صفة {ضَلَـٰلٍ } ويجوز أن يكون وصفاً له ولهدى والوصف وكذا الضمير يلزم إفراده بعد المعطوف بأو، وأدخل {على} على الهدى للدلالة على استعلاء صاحبه وتمكنه واطلاعه على ما يريد كالواقف على مكان عال أو الراكب على جواد يركضه حيث شاء، و {فِى } على الضلال للدلالة على انغماس صاحبه في ظلام حتى كأنه في مهواة مظلمة لا يدري / أين يتوجه ففي الكلام استعارة مكنية أو تبعية. وفي قراءة أبـي {وَإِنا أو إياكم إما على هدى أو في ضلال مبين}.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من دَمْغ المشركين بضعف آلهتهم وانتفاء جدواها عليهم في الدنيا والآخرة إلى إلزامهم بطلان عبادتها بأنها لا تستحق العبادة لأن مستحق العبادة هو الذي يرزق عباده فإن العبادة شكر ولا يستحق الشكر إلا المنعم، وهذا احتجاج بالدليل النظري لأن الاعتراف بأن الله هو الرزاق يستلزم انفراده بإلٰهيته إذ لا يجوز أن ينفرد ببعض صفات الإِلٰهية ويشارك في بعض آخر فإن الإِلهية حقيقة لا تقبل التجزئة والتبعيض. وأعيد الأمر بالقول لزيادة الاهتمام بالمقول فإن أصل الأمر بالقول في مقام التصدّي للتبليغ دال على الاهتمام، وإعادة ذلك الأمر زيادة في الاهتمام. و{مَن} استفهام للتنبيه على الخطأ ولذلك أعقب بالجواب من طرف السائل بقوله: {قل الله} لتحقق أنهم لا ينكرون ذلك الجواب كما في قوله تعالى: { أية : قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار } تفسير : [يونس:31] إلى قوله: { أية : فسيقولون اللَّه } تفسير : في سورة يونس (31). وتقدم نظير صدر هذه الآية في سورة الرعد. وعطف على الاستفهام إبراز المقصد بطريقة خفية تُوقع الخصم في شرك المغلوبية وذلك بترديد حالتي الفريقين بين حالة هدى وحالة ضلال لأن حالة كل فريق لما كانت على الضد من حال الفريق الآخر بَيْن موافقة الحق وعدمها، تعين أن أمر الضلال والهدى دائر بين الحالتين لا يعدوانهما. ولذلك جيء بحرف {أو} المفيد للترديد المنتزع من الشك. وهذا اللون من الكلام يسمى الكلام المنصِف وهو أن لا يترك المُجادل لخصمه موجب تغيظ واحتداد في الجدال، ويسمى في علم المناظرة إرخاءَ العنان للمناظِر، ومع ذلك فقرينة إلزامهم الحجة قرينة واضحة. ومن لطائفه هنا أن اشتمل على إيماء إلى ترجيح أحد الجانبين في أحد الاحتمالين بطريق مقابلة الجانبين في ترتيب الحالتين باللف والنشر المرتّب وهو أصل اللفّ. فإنه ذكر ضمير جانب المتكلم وجماعته وجانب المخاطبين، ثم ذكر حال الهدى وحال الضلال على ترتيب ذكر الجانبين، فأومأ إلى أن الأولِين موجَّهون إلى الهدى والآخِرين موجهُون إلى الضلال المبين، لا سيما بعد قرينة الاستفهام، وهذا أيضاً من التعريض وهو أوقع من التصريح لا سيما في استنزال طائر الخصم. وفيه أيضاً تجاهل العارف فقد التأمَ في هذه الجملة ثلاثة محسنات من البديع ونكتة من البيان فاشتملت على أربع خصوصيات. وجيء في جانب أصحاب الهدى بحرف الاستعلاء المستعار للتمكن تمثيلاً لحال المهتدي بحال متصرّف في فرسه يركضه حيث شاء فهو متمكّن من شيء يبلغ به مقصده. وهي حالة مُماثلة لحال المهتدي على بصيرة فهو يسترجع مناهج الحق في كل صوب، متَسعَ النظر، منشرحَ الصدر: ففيه تمثيلية مكنية وتبعية. وجيء في جانب الضالّين بحرف الظرفية المستعار لشدة التلبس بالوصف تمثيلاً لحالهم في إحاطة الضلال بهم بحال الشيء في ظرف محيط به لا يتركه يُفارقه ولا يتطلع منه على خلاف ما هو فيه من ضيق يلازمه. وفيه أيضاً تمثيلية تبعية، وهذا ينظر إلى قوله تعالى: { أية : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً } تفسير : [الأنعام: 125]. فحصل في الآية أربع استعارات وثلاثة محسنات من البديع وأسلوب بياني، وحجة قائمة، وهذا إعجاز بديع. ووُصف الضلال بالمبين دون وصف الهدى بالمبين لأن حقيقة الهدى مقول عليها بالتواطؤ وهو معنى قول أصحابنا الأشاعرة: الإِيمان لا يزيد ولا ينقص في ذاته وإنما زيادته بكثرة الطاعات، وأما الكفر فيكون بإنكار بعض المعتقدات وبإنكار جميعها وكل ذلك يصدق عليه الكفر. ولذلك قيل كفرٌ دون كفر، فوصف كفرهم بأنه أشدّ الكفر، فإن المبين هو الواضح في جنسه البالغ غاية حده.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ قُلِ ٱللَّهُ}. أمر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة، نبيّه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار: { مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي يرزقكم من السماوات بأنزال المطر مثلاً، والأرض بإنبات الزروع والثمار ونحو ذلك. ثم أمره أن يقول: {الله} أي الذي يرزقكم من السماوات والأرض هو الله، وأمره تعالى له صلى الله عليه وسلم بأن يجيب بأن رازقهم هو الله يُفهم منه أنه مقرون بذلك، وأنه ليس محل نزاع. وقد صرّح تعالى بذلك، في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ ٱلسَّمْعَ وٱلأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ ٱلْحَيَّ مِنَ ٱلْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ ٱلْمَيِّتَ مِنَ ٱلْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ ٱلأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ ٱللَّهُ} تفسير : [يونس: 31] الآية، وإقرارهم بربوبيته تعالى يلزمه الاعتراف بعبادته وحده، والعمل بذلك. وقد قدّمنا كثيراً من الآيات الموضحة لذلك في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} تفسير : [الإسراء: 9].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: قل من يرزقكم من السماوات والأرض: من السماوات بإنزال المطر ومن الأرض بإنبات الزروع. قل الله: أي إن لم يجيبوا فأجب أنت فقل الله، إذ لا جواب عندهم سواه. وإنا وإياكم لعلى هدى أو فى ضلال مبين: وأخبرهم بأنكم أنتم أيها المشركون أو إيانا لعلى هدى أو في ضلال مبين، وقطعا فالموحدون هم الذين على هدى والمشركون هم في الضلال المبين، وإنما شككهم تلطفاً بهم لعلهم يفكرون فيهتدون. قل لا تسألون عما أجرمنا: أي أنكم لا تسألون عن ذنوبنا. ولا نُسأل عما تعملون: أي ولا نُسأل نحن عما تعملون. وهذا تلطفاً بهم أيضاً ليراجعوا أمرهم، ولا يحملهم الكلام على العناد. قل يجمع بيننا ربُّنا ثم يفتح بيننا بالحق: أي قل لهم سيجمع بيننا ربُّنا يوم القيامة ويفصل بيننا بالحق وهذا أيضا تلطف بهم وهو الحق. قل أروني الذين ألحقتم به شركاء: أي قل لهؤلاء المشركين أروني شركاءكم الذين عبدتموهم مع الله فإن أروه إياهم أصناماً لا تسمع ولا تبصر قامت الحجة عليهم. وقال لهم أتعبدون ما تنحتون وتتركون الله الذي خلقكم وما تعملون؟!. كلا بل هو الله العزيز الحكيم: كلا: لن تكون الأصنام أهلا للعبادة بل المعبود الحق الواجب العبادة هو الله العزيز الحكيم. كافة للناس: أي لجميع الناس أي عربهم وعجمهم. بشيراً ونذيراً: بشيراً للمؤمنين بالجنة، ونذيراً للكافرين بعذاب النار. قل لكم ميعاد يوم: هو يوم القيامة. معنى الآيات: ما زال السياق في تبكيت المشركين وإقامة الحجج عليهم بتقرير التوحيد وإبطال التنديد فقال تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم سل قومك مبكتا لهم: {قُلْ مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} بإنزال الأمطار وإرسال الرياح لواقح وإنبات النباتات والزروع والثمار وتوفير الحيوان للحم واللبن ومشتقاته؟ وإن تلعثموا في الجواب أو ترددوا خوف الهزيمة العقلية فأجب أنت قائلاً الله. إذ ليس من جواب عندهم سواه. وقوله {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} هذا أسلوب التشكيك وحكمته التلطف بالخصم المعاند حتى لا يلج في العناد ولا يفكر في الأمر الذي يجادل فيه، وإلاّ فالرسول والمؤمنون هم الذين على هدىً، والمشركون هم الذين في ضلال مبين وهو أمر مسلم لدى طرفي النزاع. وقوله تعالى {قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وهذا أيضاً من باب التلطف مع الخصم المعاند لتهدأ عاصفة عناده ويراجع نفسه عله يثوب إلى رشده ويعود إلى صوابه. فقوله: {لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا} هو حق فإنهم لا يسألون عن ذنوب الرسول والمؤمنين، ولكن الرسول والمؤمنين لا ذنب لهم وإنما هو من باب التلطف في الخطاب، وأما المشركون فإن لهم أعمالاً من الشرك والباطل سيجزون بها والرسول والمؤمنون قطعاً لا يُسألون عنها ولا يؤاخذون بها ما داموا قد بلغوا ونصحوا. وقوله: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا} أي يوم القيامة {ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا} أي يحكم ويفصل بيننا {بِٱلْحَقِّ وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ} أي الحاكم العليم بأحوال خلقه فأحكامه ستكون عادلة لعلمه بما يحكم فيه ظاهراً وباطناً. وفي هذا جذب لهم بلطف ودون عنف ليقروا بالبعث الآخر الذي ينكرونه بشدة. وقوله {قُلْ أَرُونِيَ ٱلَّذيِنَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَآءَ} أي قل يا رسولنا لهؤلاء المشركين أروني آلهتكم التي أشركتموها بالله والحقتموها به وقلتم في تلبيتكم: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك. إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك. وهكذا يتحداهم رسول الله بإذن الله أن يروه شركاء لله حقيقة يسمعون ويبصرون ينفعون ويضرون ولما كان من غير الممكن الإِتيان بهم غير أصنام وتماثيل زجرهم بعنف لعلهم يستفيقون من غفلتهم فقال: {كَلاَّ بَلْ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحْكِيمُ} أي ليست تلك الأصنام بآلهة تعبد مع الله بل المعبود الحق الواجب العبادة هو الله رب العالمين وإله الأولين والآخرين {ٱلْعَزِيزُ} أي الغالب على أمره ومراده الحكيم في تدبير خلقه وشؤون عباده. وقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} أي لم نرسلك يا رسولنا لمهمة غير البشارة والنذارة فلذا لا يحزنك إعراضهم وعدم استجابتهم فبشر من آمن بك واتبعك فيما جئت به، وأنذر من كفر بك ولم يتابعك على الهدى الذي تدعو إليه. وقوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} فيه تعزية للرسول أيضاً إذِ الواقع أن أكثر الناس لا يعلمون إذ لو علموا لما ترددوا في عبادة الله وتوحيده والتقرب إليه طمعا فيما عنده وخوفاً مما لديه. وقوله: {وَيَقُولُونَ} أي أهل مكة من منكري البعث والجزاء {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} أي العذاب الذي تهددنا وتخوفنا بنزوله بنا إن كنتم أيها المؤمنون صادقين فيما تقولون لنا وتعدونا به. وهنا أمر الله تعالى رسوله أن يرد على استهزائهم وتكذيبهم بقوله: {قُل لَّكُم مِّيعَادُ} يوم معين عندنا محدد لا تستأخرون عنه ساعة لو طلبتم ذلك لتتوبوا وتستغفروا ولا تستقدمون أخرى لو طلبتم تعجيله إذ الأمر مبرم مُحكمٌ لا يقبل النقص ولا الزيادة ولا التبديل ولا التغيير. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- مشروعية التلطف مع الخصم فسحاً له في مجال التفكير لعله يثوب إلى رشده. 2- تقرير عقيدة البعث والجزاء وتنويع الأسلوب الدعوى في ذلك. 3- تقرير عقيدة النبوة المحمدية، وعموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة. 4- يوم القيامة مقرر الساعة واليوم فلا يصح تقديمه ولا تأخيره بحال.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {ضَلاَلٍ} (24) - قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤلاءِ المُشْرِكِينَ بِرَبِّهِمْ: مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ بِإِنْزَالِ الغَيْثِ عَلَيكُمْ فَتَرْتَوِي الأَرْضُ وَالأَنْعَامُ وَالبَشَرُ، وَمَنْ يُخْرِجُ الأَقْوَاتَ مِنَ الأَرْضِ رِزْقاً لَكُمْ وَلأَِنْعَامِكُم؟ فَإِذا سَكَتُوا عَنِ الجَوَابِ فَقُلْ لَهُمْ: هُوَ اللهُ. وَإِنَّهُ لاَبُدّ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الفَرِيقَينِ أَنَا أَوْ أَنْتُمْ، عَلَى هُدًى، وَيكُونُ الآخَرُ عَلى ضَلالٍ، وَبِما أَنَّنِي أَقَمْتُ البُرهَانَ عَلَى صِحَّةِ التَّوْحِيدِ، وَعَلى صَوَابِ مَا نَحْنُ عَليهِ مِنَ الهُدَى، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى بُطْلاَنِ مَا أَنْتُمْ عََلَيهِ يَا أَيُّها المُشْرِكُونَ مِنَ الشِّرْكِ، وَعِبَادَةِ غيرِ اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : أي: قُلْ لهم يا محمد: من يرزقكم من السماوات والأرض؟ لكن إذا كان محمد هو المستفهم منهم، فمَنْ يجيب؟ بالطبع هم لن يجيبوا؛ لذلك أجاب الله (قل الله) فهذه حقيقة لا يستطيعون مجابهتها، ولو اعترفوا بها لقُلْنا لهم إذن: لماذا لم تؤمنوا بالله وهو رازقكم؟ أيليق بكم أنْ تكفروا به وهو الرازق، وتؤمنوا بآلهة أخرى لا تنفعكم ولا تضركم؟ فاعترافهم بهذه الحقيقة يلزمهم الحجة، ويقيم عليهم الدليل على سَفَه تفكيرهم، وكأن الحق سبحانه أراد أنْ يُعفيهم من هذا الحرج، فأجاب بدلاً منهم. والحق سبحانه يسألهم هذا السؤال؛ لأن الإجابة لن تكون إلا على وَفْق مراده سبحانه وتعالى، كما لو اشتريتَ مثلاً (بدلة) لشخص ما وفي موقف من المواقف أنكر جميلك، فتقول له: مَنِ الذي اشترى لك هذه (البدلة)؟ أنت لا تسأل هذا السؤال إلا وأنتَ واثق أن الإجابة ستكون في صالحك، وأنه لا يستطيع الإنكار، فلو أنكر ستقول له: تعال إلى التاجر الذي اشتريتها منه لنرى مَنِ الذي اشتراها، فأنت تملك إقامة الدليل عليه إنْ أنكر. وقوله سبحانه وتعالى: {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 24]. الهدى: هو الدلالة على الخير والطريق إليه، والضلال: أن تضلَّ عن الخير والدلالة إليه، ومنه قوله تعالى: {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ} تفسير : [الضحى: 7]. والهدى والضلال من المتناقضات في الدين، والمتناقضان لا يجتمعان أبداً، فلا بُدَّ أنْ يكون واحد على هدى والآخر على ضلال. كثيرون لا يفهمون الفرق بين الضد والنقيض، الضد شيء يضادّ شيئاً، لكن لا ينفيه، كما تقول مثلاً: الشيء الفلاني أحمر أم أخضر؟ فيقول لك: لا أحمر ولا أخضر إنما أبيض، إذن: الضِّدان لا يجتمعان وقد يرتفعان معاً، لا هذا ولا هذا، بل شيء آخر. أما النقيضان فإنِ ارتفع واحد ثبتَ الآخر، كما هنا في الهدى والضلال. فمعنى {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 24] إنْ كان أحدنا على الهدى فلا بُدَّ أنْ يكون الآخر في الضلال، ولا ثالث لهما، والحديث هنا عن منهج خير في جانب الإيمان، ومنهج شرٍّ في جانب الكفر، فرسول الله يقول لهم: نحن وأنتم على طرفي نقيض، نحن نقول لا إله إلا الله وندعو إلى الخير، وأنتم تكفرون بالله وتدعون إلى الشر، ومع ذلك لا أحكم لي بالهدى، ولا عليكم بالضلال، بل أقول: أنا وأنتم على النقيض، إنْ كان أحدنا على الهدى فالآخر في الضلال. بالله عليكم، هل رأيتم حِجَاجاً أرقّ من هذا الحِجَاج؟ فرسول الله لم يحكم لنفسه وللمؤمنين معه بالهدى رغم وضوحه في جانبهم، ولم يحكم على الكفار بالضلال رغم وضوحه في جانبهم، ومثال ذلك، لو حلف رجلان على شيء واحد أمام رجل أعمى أيقول لواحد: أنت صادق، وللآخر أنت كاذب؟ لا، بل يقول: واحد منكما صادق، والآخر كاذب، فهذا حكم أوَّلي لا يُلزم أحداً. لكن، حين تبحث القضية يتضح لك مَنْ على هدى ومَنْ في ضلال {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 24] كلمة {لَعَلَىٰ هُدًى} [سبأ: 24] على تفيد الاستعلاء، كأن الهدى لا يستعلي عليك، وإنما تستعلي أنت على الهدى وتكون فوقه، كأنه مطية توصِّلك للخير المطلوب وللطريق المستقيم، فساعةَ تقرأ (عَلَى) فاعلم أن هناك مكاناً عالياً، وهناك ما هو دون هذا. وتأمل مثلاً قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ..} تفسير : [الرعد: 6] فالمغفرة تعلو الظلم؛ لأن الظلم يقتضي أنْ تُعاقب، فتأتي المغفرة فتعلو عليه وتمحو أثره، وبعض المفسرين يرى أن (على) هنا بمعنى (مع) أي مع ظلمهم، والمعية لا تستقيم هنا؛ لأنها تسوِّي بين الظلم والمغفرة وتجعلهما سواء، فكيف تتغلب المغفرة على الظلم بهذا المعنى؟ إذن: لا بُدَّ أن تكون المغفرة على الظلم، لا مع الظلم. كذلك في قوله تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ..} تفسير : [إبراهيم: 39] فقال {أية : عَلَى ٱلْكِبَرِ ..} تفسير : [إبراهيم: 39] لأن الكِبَر كان يمنعه أنْ ينجب، فالحق سبحانه خرق له هذه القاعدة، وأعطاه إسماعيل وإسحاق على كِبَره، وقلنا: إن الكِبَر هو أقوى الأحداث التي يتعرَّض لها الإنسان؛ لذلك قال سيدنا زكريا عليه السلام: {أية : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيّاً} تفسير : [مريم: 8]. والعُتُو يعني: الجبروت والقوة، أما الكِبَر فضعفْ وهُزَال وعدم قدرة على أبسط الأشياء مهما قاومه بالغذاء وبالفيتامينات، فلا شيء يَقْوى عليه أو يمنعه؛ لذلك إذا تعددتْ الداءات في الجسم فلا مرجع لها إلا الكِبَر، والإنسان بعد سنِّ السبعين والثمانين يشتكي كل شيء في جسمه؛ لذلك يسمونها أمراض الشيخوخة. يعني: لا سببَ لها إلا كِبَر السن. إذن: نقول {لَعَلَىٰ هُدًى ..} [سبأ: 24] أى: أن الهدى سيكون مطيتك التي توصلك إلى الجنة وإلى النعيم، أما الضلال فقال {فِي ضَلاَلٍ ..} [سبأ: 24] وكأنها ظلمة تحيط بالضالِّ وهو يتخبط فيها، لا يدري أين يذهب، ومعنى {مُّبِينٍ} [سبأ: 24] واضح بيِّن.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} معناه أَنتم فِي ضَلالٍ ونحن على هُدى.

الجيلاني

تفسير : {قُلْ} لهم أيضاً على سبيل التبكيت والإلزام، مقرعاً إياهم: {مَن يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: عالم الأسباب {وَٱلأَرْضِ} أي: عالم المسببات، فيبهتون عن سؤالك {قُلِ} يا أكمل الرسل بعدما بهتوا: {ٱللَّهُ} إذ هو متعين للجواب وإن سكتوا عنه وتلعثموا مخافة الإلزام، أضمروا في قلوبهم هذا؛ إذ لا جواب لهم سواه، ولا رازق إلا هو ولا معطي غيره {وَ} بعدما بهتوا وانحسروا، واستولى الحيرة والقلق عليهم، قل لهم على سبيل المجاراة والمداراة: {إِنَّآ} يعني: فرق الموحدين {أَوْ إِيَّاكُمْ} يعني: فرق المشركين؛ أي: كل منا ومنكم {لَعَلَىٰ هُدًى} أي: على الحق المطابق للواقع {أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ} [سبأ: 24] ظاهر انحرافه، موصل إلى الباطل الزاهق الزائل، المضاد للحق الحقيق بالمتابعة والانقياد. {قُل} لهم أيضاً على سبيل المجاراة والمبالغة في المداراة معهم، بحيث تسند الجرم إلى أنفسكم والعمل إليهم؛ مبالغة في الإسكات والتبكيت: {لاَّ تُسْأَلُونَ} أنتم {عَمَّآ أَجْرَمْنَا} وجئنا به من الآثام {وَلاَ نُسْأَلُ} نحن أيضاً {عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سبأ: 25] من الأعمال، بل كل منا ومنكم رهين ما اكتسبنا من العمل، فعليكم ما حملتم، وعلينا ما حملنا. {قُلْ} يا أكمل الرسل أيضاً على طريق الملاينة والملاطفة في الإلزام والتبكيت: {يَجْمَعُ بَيْنَنَا} وبينكم {رَبُّنَا} يوم نحشر إليه ونعرض عليه {ثُمَّ يَفْتَحُ} أي: يحكم ويفصل {بَيْنَنَا} ويرفع نزاعنا {بِٱلْحَقِّ} أي: العدل السوي بلا حيف وميل، فيساق المحقون نحو الجنة والمبطلون نحو النار {وَ} كيف لا يحكمل ويفصل سبحانه {هُوَ ٱلْفَتَّاحُ} لمعضلات الأمور، الحاكم لمعلقات القضايا {ٱلْعَلِيمُ} [سبأ: 26] الذي يكتنه عنده كل معلوم، ولا يشتبه عليه شيء منها. {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل بعدما أشبعت الكلام على إسكاتهم وإلزامهم: {أَرُونِيَ} وأخبروني أيها المشركون {ٱلَّذيِنَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ} أي: بالله سبحانه، وادعيتموه {شُرَكَآءَ} معه، مستحقين للعبادة مثله، وأخبروني عن أخص أوصافهم التي بها يستحقون الألوهية والمعبودية، لا تأمل أيضاً في شأنهم والتدبر في حقهم، ثم رد عليهم سبحانه؛ ردعاً لهم وزجراً عا هم عليه، وإرشاداً لهم إلى ما هو الحق الحقيق بالاتباع، فقال: {كَلاَّ} أي: ارتدعوا أيها المشركون، المسرفون عن دعوى الشركة مع الله الواحد الأحد الصمد، الفرد الوتر، الذي ليس له شريك ولا نظير ولا وزير ولا ظهير {بَلْ هُوَ ٱللَّهُ} الواحد الأحد، المستقل بالألوهية والربوبية، بل هو في الوجود والتحقق {ٱلْعَزِيزُ} الغالب القادر الظاهر على من دونه من الأظلال الهالكة المضمحلة، المتلاشية في شمس ذاته، المتشعشعة المتجلية حسب أسمائه وصفاته {ٱلْحْكِيمُ} [الحكيم: 27] المقتن في أفعاله المترتبة على علمه وإرادته وقدرته، يفعل ما يشاء إرادة واختياراً، ويحكم ما يريد استقلالاً، ليس لأحد أن يتصرف في ملكه وملكوته. {وَ} بعدما ثبت ألاَّ معبود في الوجود سوانا، ولا مستحق للعبادة غيرنا، فاعلموا أنَّا {مَآ أَرْسَلْنَاكَ} يا أكمل الرسل بعدما انتخبناك من بين البرايا واصطفيناك منهم {إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ} أي: رسالة عامة، شاملة لقاطبة الأنام؛ لتكفهم عن جميع الآثام، وتمنعهم عن مقتضيات نفوسهم ومشتهيات قلوبهم مما يعوقهم عن سبل السلامة وطرق الاستقامة، وبعدما أرسلناك إليه، صيرناك عليهم {بَشِيراً} تبشرهم إلى درجات الجنان، والفوز بلقاء الرحمن {وَنَذِيراً} تنذرهم وتبعدهم عن دركات النيران وأنواع العذاب والحرمان {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ} المجبولين على الكفران والنسيان {لاَ يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28] حكمة الإرسال والإرشاد والهداية إلى سبيل الصواب والسداد؛ لذلك عاندوا معك وكذبوك وأنكروا بكتابك، وبجميع ما جئت به من عندنا عناداً ومكابرة. {وَيَقُولُونَ} لك منكريكن متهكمين، بعدما وعدتهم بقيام الساعة وبعث الموتى من قبورهم، وحشر الأموات من الأجداث: {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} الذي وعدتنا به، عيِّنوا لنا وقت وقوع الموعود {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [سبأ: 29] في وعدكم ودعواكم، هذا يعنون بالخطاب رسول لاله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين جميعاً. {قُل} يا أكمل الرسل في جوابهم بعدما اقترحوا على سبيل الإنكار: يناجي {لَّكُم} أيها المنكرون للبعث بغتة {مِّيعَادُ يَوْمٍ} أي: وعده أو زمانه بحيث {لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ} [سبأ: 30] أي: لا يسع لكم متى فاجأكم أن تطلبوا التأخر عنه آناً أو التقدم عليه طرفةً. وبالجملة: قيام الساعة إذ حل عليكم، لا يمكنكم هذا، ولذا قيل: الموت هو القيامة الصغرى، وقال: صلى الله عليه وسلم: "حديث : من مات فقد قامت قيامته ".

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يأمر تعالى، نبيه محمدا صلى اللّه عليه وسلم، أن يقول لمن أشرك باللّه ويسأله عن حجة شركه: { مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ } فإنهم لا بد أن يقروا أنه اللّه، ولئن لم يقروا فـ { قُلِ اللَّهُ } فإنك لا تجد من يدفع هذا القول، فإذا تبين أن اللّه وحده الذي يرزقكم من السماوات والأرض، وينزل [لكم] المطر، وينبت لكم النبات، ويفجر لكم الأنهار، ويطلع لكم من ثمار الأشجار، وجعل لكم الحيوانات جميعها، لنفعكم ورزقكم، فلم تعبدون معه من لا يرزقكم شيئا، ولا يفيدكم نفعا؟. وقوله: { وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ } أي: إحدى الطائفتين منا ومنكم، على الهدى، مستعلية عليه، أو في ضلال مبين، منغمرة فيه، وهذا الكلام يقوله من تبين له الحق، واتضح له الصواب، وجزم بالحق الذي هو عليه، وبطلان ما عليه خصمه. أي: قد شرحنا من الأدلة الواضحة عندنا وعندكم، ما به يعلم علما يقينا لا شك فيه، من المحق منا، ومن المبطل، ومن المهتدي ومن الضال؟ حتى إنه يصير التعيين بعد ذلك، لا فائدة فيه، فإنك إذا وازنت بين من يدعو إلى عبادة الخالق، لسائر المخلوقات المتصرف فيها، بجميع أنواع التصرفات، المسدي جميع النعم، الذي رزقهم وأوصل إليهم كل نعمة، ودفع عنهم كل نقمة، الذي له الحمد كله، والملك كله، وكل أحد من الملائكة فما دونهم، خاضعون لهيبته، متذللون لعظمته، وكل الشفعاء تخافه، لا يشفع أحد منهم عنده إلا بإذنه العلي الكبير، في ذاته، وأوصافه، وأفعاله، الذي له كل كمال، وكل جلال، وكل جمال، وكل حمد وثناء ومجد، يدعو إلى التقرب لمن هذا شأنه، وإخلاص العمل له، وينهى عن عبادة من سواه، وبين من يتقرب إلى أوثان، وأصنام، وقبور، لا تخلق، ولا ترزق، ولا تملك لأنفسها، ولا لمن عبدها، نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة، ولا نشورا، بل هي جمادات، لا تعقل، ولا تسمع دعاء عابديها، ولو سمعته ما استجابت لهم، ويوم القيامة يكفرون بشركهم، ويتبرأون منهم، ويتلاعنون بينهم، ليس لهم قسط من الملك، ولا شركة فيه، ولا إعانة فيه، ولا لهم شفاعة يستقلون بها دون اللّه، فهو يدعو مَنْ هذا وصفه، ويتقرب إليه مهما أمكنه، ويعادي من أخلص الدين للّه، ويحاربه، ويكذب رسل اللّه، الذين جاءوا بالإخلاص للّه وحده، تبين لك أي الفريقين، المهتدي من الضال، والشقي من السعيد؟ ولم يحتج إلى أن يعين لك ذلك، لأن وصف الحال، أوضح من لسان المقال. { قُلْ } لهم [ { لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ } أي: كل منا ومنكم، له عمله أنتم] { لا تسألون } عن إجرامنا وذنوبنا لو أذنبنا، ونحن لا نسأل عن أعمالكم، فليكن المقصود منا ومنكم طلب الحقائق وسلوك طريق الإنصاف، ودعوا ما كنا نعمل، ولا يكن مانعا لكم من اتباع الحق، فإن أحكام الدنيا تجري على الظواهر، ويتبع فيها الحق، ويجتنب الباطل، وأما الأعمال فلها دار أخرى، يحكم فيها أحكم الحاكمين، ويفصل بين المختصمين، أعدل العادلين. ولهذا قال: { قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا } أي: يحكم بيننا حكما، يتبين به الصادق من الكاذب، والمستحق للثواب، من المستحق للعقاب، وهو خير الفاتحين. { قُلْ } لهم يا أيها الرسول، ومن ناب منابك: { أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ } أي: أين هم؟ وأين السبيل إلى معرفتهم؟ وهل هم في الأرض، أم في السماء؟ فإن عالم الغيب والشهادة قد أخبرنا أنه ليس في الوجود له شريك. {أية : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ } تفسير : الآية {أية : وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ }. تفسير : وكذلك خواص خلقه من الأنبياء والمرسلين، لا يعلمون له شريكا، فيا أيها المشركون أروني الذين ألحقتم بزعمكم الباطل باللّه { شُرَكَاء }. وهذا السؤال لا يمكنهم الإجابة عنه، ولهذا قال: { كَلا } أي: ليس للّه شريك، ولا ند، ولا ضد. { بَلْ هُوَ اللَّهُ } الذي لا يستحق التأله والتعبد، إلا هو { الْعَزِيزُ } الذي قهر كل شيء فكل ما سواه، فهو مقهور مسخر مدبر. { الْحَكِيمُ } الذي أتقن ما خلقه، وأحسن ما شرعه، ولو لم يكن في حكمته في شرعه إلا أنه أمر بتوحيده، وإخلاص الدين له، وأحب ذلك، وجعله طريقا للنجاة، ونهى عن الشرك به، واتخاذ الأنداد من دونه، وجعل ذلك طريقا للشقاء والهلاك، لكفى بذلك برهانا على كمال حكمته، فكيف وجميع ما أمر به ونهى عنه، مشتمل على الحكمة؟!!