Verse. 3631 (AR)

٣٤ - سَبَأ

34 - Saba (AR)

قُلْ لَّا تُسْـَٔــلُوْنَ عَمَّاۗ اَجْرَمْنَا وَلَا نُسْـَٔــلُ عَمَّا تَعْمَلُوْنَ۝۲۵
Qul la tusaloona AAamma ajramna wala nusalu AAamma taAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل لا تسألون عما أجرمنا» أذنبنا «ولا نسأل عما تعملون» لأنا بريئون منكم.

25

Tafseer

الرازي

تفسير : أضاف الإجرام إلى النفس وقال في حقهم: {وَلاَ نُسْـئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ } ذكر بلفظ العمل لئلا يحصل الإغضاب المانع من الفهم وقوله: {لاَّ تُسْـئَلُونَ } {وَلاَ نُسْـئَلُ } زيادة حث على النظر وذلك لأن كل أحد إذا كان مؤاخذاً بجرمه فإذا احترز نجا، ولو كان البريء يؤاخذ بالجرم لما كفى النظر.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا} أي اكتسبنا، {وَلاَ نُسْأَلُ} نحن أيضاً {عَمَّا تَعْمَلُونَ} أي إنما أقصد بما أدعوكم إليه الخير لكم، لا أنه ينالني ضرر كفركم، وهذا كما قال: {أية : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ }تفسير : [الكافرون: 6] والله مجازي الجميع. فهذه آية مهادنة ومتاركة، وهي منسوخة بالسيف. وقيل: نزل هذا قبل آية السيف.

البيضاوي

تفسير : {قُل لاَّ تُسْـئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْـئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} هذا أدخل في الإِنصاف وأبلغ في الإِخباث حيث أسند الإجرام إلى أنفسهم والعمل إلى المخاطبين. {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا} يوم القيامة. {ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقّ} يحكم ويفصل بأن يدخل المحقين الجنة والمبطلين النار. {وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ} الحاكم الفاصل في القضايا المتغلقة. {ٱلْعَلِيمُ} بما ينبغي أن يقضى به. {قُلْ أَرُونِىَ ٱلَّذيِنَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ} لأرى بأي صفة ألحقتموهم بالله في استحقاق العبادة، وهو استفسار عن شبهتهم بعد إلزام الحجة عليهم زيادة في تبكيتهم. {كَلاَّ } ردع لهم عن المشاركة بعد إبطال المقايسة. {بَلْ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحْكِيمُ } الموصوف بالغلبة وكمال القدرة والحكمة، وهؤلاء الملحقون به متسمون بالذلة متأبية عن قبول العلم والقدرة رأساً، والضمير لله أو للشأن. {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ} إلا إرسالة عامة لهم من الكف فإنها إذا عمتهم قد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم، أو إلا جامعاً لهم في الإِبلاغ فهي حال من الكاف والتاء للمبالغة، ولا يجوز جعلها حالاً من الناس على المختار. {بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} فيحملهم جهلهم على مخالفتك. {وَيَقُولُونَ} من فرط جهلهم. {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} يعنون المبشر به والمنذر عنه أو الموعود بقوله تعالى: {أية : يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا } تفسير : [سبأ: 26] {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} يخاطبون به رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين. {قُل لَّكُم مّيعَادُ يَوْمٍ} وعد يوم أو زمان وعد، وإضافته إلى اليوم للتبيين ويؤيده أنه قرىء {يَوْمٍ } على البدل، وقرىء {يَوْمٍ } بإضمار أعني. {لاَّ تَسْتَـئَخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ} إذا فاجأكم وهو جواب تهديد جاء مطابقاً لما قصدوه بسؤالهم من التعنت والإِنكار. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ وَلاَ بِٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ} ولا بما تقدمه من الكتب الدالة على النعت. قيل إن كفار مكة سألوا أهل الكتاب عن الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبروهم أنهم يجدون نعته في كتبهم فغضبوا وقالوا ذلك، وقيل الذي بين يديه يوم القيامة. {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبّهِمْ } أي في موضع المحاسبة. {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ } يتحاورون ويتراجعون القول. {يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ } يقول الأتباع. {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ} للرؤساء. {لَوْلاَ أَنتُمْ} لولا إضلالكم وصدكم إيانا عن الإِيمان. {لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم. {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ أَنَحْنُ صَدَدنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ} أنكروا أنهم كانوا صادّين لهم عن الإِيمان وأثبتوا أنهم هم الذين صدوا أنفسهم حيث أعرضوا عن الهدى وآثروا التقليد عليه، ولذلك بنوا الإِنكار على الإِسم. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} إضراب عن إضرابهم أي: لم يكن إجرامنا الصاد بل مكركم لنا دائباً ليلاً ونهاراً حتى أعورتم علينا رأينا. {إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً} والعاطف يعطفه على كلامهم الأول وإضافة الـ {مَكَرَ} إلى الظرف على الاتساع، وقرىء {مَكْرَ ٱلَّيْلِ } بالنصب على المصدر و {مَكْرُ ٱلَّيْلِ} بالتنوين ونصب الظرف و {مَكْرُ ٱلَّيْلِ} من الكرور. {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} وأضمر الفريقان الندامة على الضلال والإضلال وأخفاها كل عن صاحبه مخافة التعيير، أو أظهروها فإنه من الأضداد إذ الهمزة تصلح للإثبات والسلب كما في أشكيته. {وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلَـٰلَ فِى أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي في أعناقهم فجاء بالظاهر تنويهاً بذمهم وإشعاراً بموجب أغلالهم. {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي لا يفعل بهم ما يفعل إلا جزاء على أعمالهم، وتعدية يجزي إما لتضمين معنى يقضي أو بنزع الخافض. {وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا } تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما مني به من قومه، وتخصيص المتنعمين بالتكذيب لأن الداعي المعظم إليه التكبر والمفاخرة بزخارف الدنيا والانهماك في الشهوات والاستهانة بمن لم يحظ منها، ولذلك ضموا التهكم والمفاخرة إلى التكذيب فقالوا: {إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ } على مقابلة الجمع بالجمع. {وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوٰلاً وَأَوْلَـٰداً} فنحن أولى بما تدعونه إن أمكن. {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } إما لأن العذاب لا يكون، أو لأنه أكرمنا بذلك فلا يهيننا بالعذاب. {قُلْ} رداً لحسبانهم. {إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ} ولذلك يختلف فيه الأشخاص المتماثلة في الخصائص والصفات، ولو كان ذلك لكرامة وهوان يوجبانه لم يكن بمشيئته. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } فيظنون أن كثرة الأموال والأولاد للشرف والكرامة وكثيراً ما يكون للاستدراج كما قال: {وَمَا أَمْوٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ بِٱلَّتِى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ} قربة والتي إما لأن المراد وما جماعة أموالكم وأولادكم، أو لأنها صفة محذوف كالتقوى والخصلة. وقرىء «بالذي» أي بالشيء الذي يقربكم. {إِلاَّ مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} استثناء من مفعول {تُقَرّبُكُمْ }، أي الأموال والأولاد لا تقرب أحداً إلا المؤمن الصالح الذي ينفق ماله في سبيل الله ويعلم ولده الخير ويربيه على الصلاح، أو من {أَمْوٰلَكُمْ } و {أَوْلَـٰدُكُمْ} على حذف المضاف. {فَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ جَزَاُ ٱلضّعْفِ} أن يجازوا الضعف إلى عشر فما فوقه، والإِضافة إضافة المصدر إلى المفعول، وقرىء بالأعمال على الأصل وعن يعقوب رفعهما على إبدال الضعف، ونصب الجزاء على التمييز أو المصدر لفعله الذي دل عليه لهم. {بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَـٰتِ ءامِنُونَ } من المكاره، وقرىء بفتح الراء وسكونها، وقرأ حمزة «في الغرفة» على إرادة الجنس. {وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِى ءَايَـٰتِنَا} بالرد والطعن فيها. {مُعَـٰجِزِينَ} مسابقين لأنبيائنا أو ظانين أنهم يفوتوننا. {أُوْلَـئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ}. {قُلْ إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} يوسع عليه تارة ويضيق عليه أخرى، فهذا في شخص واحد باعتبار وقتين وما سبق في شخصين فلا تكرير. {وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} عوضاً إما عاجلاً أو آجلاً. {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرزِقِينَ} فإن غيره وسط في إيصال رزقه لا حقيقة لرازقيته. {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} المستكبرين والمستضعفين. {ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلَـٰئِكَةِ أَهَـؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} تقريعاً للمشركين وتبكيتاً لهم وإقناطاً لهم عما يتوقعون من شفاعتهم، وتخصيص الملائكة لأنهم أشرف شركائهم والصالحون للخطاب منهم، ولأن عبادتهم مبدأ الشرك وأصله. وقرأ حفص ويعقوب بالياء فيهما.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُل لاَّ تُسْئَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا } أذنبنا {وَلاَ نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ } لأنا بريئون منكم.

الثعالبي

تفسير : وَقَوْلهُ: {قُل لاَّ تُسْـئَلُونَ} الآية مُهَادَنَةَ ومُتَارَكَةٌ مَنْسُوخَةٌ. وَقَوْلهُ تَعَالَى: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا} إخْبَارٌ بِالبَعْثِ و{يَفْتَحُ} مَعْنَاه: يحكم: والفَتَّاحُ: القَاضِي، وهُو مَشْهُورٌ فِي لُغَةِ اليَمَنِ و{أَرُونِي}: هي رُؤْيَة قَلْبٍ، وهَذَا هُو الصَّحِيحُ، أي: أَروني بالحُجَّةِ والدَّلِيلِ. وقَوْلَهُ {كَلاَّ} رَدُّ لِما تَقَرَّرَ مِنْ مَذْهَبِهِمْ فِي الإشْرَاكِ. وَقَوْلُه تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ} الآية: إعْلاَمٌ مِنَ اللّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ بَعَثَ مْحَمَّداً صلى الله عليه وسلم إلَى جَمِيعِ العَالَمِ وَهِي إحْدَى خَصَائِصِهِ الَّتِي خُصَّ بِهَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الأَنْبِياءِ وبَاقِي الآيةِ بَيِّن. قال أبو عُبَيْدَةَ: الوعدُ والوعيدُ والميْعَادُ: بمعنًى؛ وخُولِفَ فِي هَذا، والذِي عليه الناسُ أنَّ الوَعْدُ إذَا أُطْلِقَ فَفِي الخَيْرِ؛ وَالوَعِيدُ فِي المَكْرُوهِ؛ والمِيْعَادِ يَقَعُ لهذا ولهذا.

ابو السعود

تفسير : {قُل لاَّ تُسْـئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْـئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} وهذا أبلغُ في الإنصافِ وأبعدُ من الجَدَلِ والاعتسافِ حيثُ أسند فيه الإجرامُ ـ وإنْ أُريد به الزَّلَّةُ وتركُ الأولى ـ إلى أنفسهم، ومطلقُ العمل إلى المخاطبـين مع أنَّ أعمالهم أكبرُ الكبائرِ {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا} يومَ القيامةِ عند الحشرِ والحسابِ {ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقّ} أي يحكمُ بـيننا ويفصلُ بعد ظهورِ حالِ كلَ منّا ومنكم بأن يدخل المحقِّين الجنة والمبطلين النار. {وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ} الحاكم الفيصلُ في القضايا المتعلِّقةِ {ٱلْعَلِيمُ} بما ينبغي أنْ يُقضى به {قُلْ أَرُونِىَ ٱلَّذيِنَ أَلْحَقْتُمْ} أي ألحقتمُوهم {بِهِ شُرَكَاء} أُريد بأمرهم بإراءةِ الأصنامِ مع كونها بمرأى منه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ إظهار خطئِهم العظيمِ وإطلاعهم على بُطلانِ رأيهم أي أَرُونيها لأنظرَ بأيِّ صفةٍ ألحقتُموها بالله الذي ليسَ كمثلِه شيءٌ في استحقاقِ العبادةِ، وفيه مزيدُ تبكيتٍ لهم بعد إلزامِ الحجَّةِ عليهم {كَلاَّ} ردعٌ لهم عن المشاركةِ بعد إبطالِ المقايسةِ {بَلْ هُوَ ٱللَّهُ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحْكِيمُ} أي الموصوفُ بالغلبةِ القاهرةِ والحكمةِ الباهرةِ فأينَ شركاؤكم التي هي أخسُّ الأشياءِ وأذلُّها من هذه الرُّتبةِ العاليةِ، والضَّميرُ إمَّا لله عزَّ وعَلاَ أو للشَّأنِ كما في {أية : قُلْ هُو الله أحدٌ }. تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ} أي إلا إرسالةً عامَّةً لهم فإنَّها إذا عمَّتهم فقد كفتْهمِ أنْ يخرجَ منها أحدٌ منهم أو إلا جامعاً لهم في الإبلاغِ فهو حالٌ من الكافِ والتَّاءِ للمُبالغةِ ولا سبـيلَ إلى جعلِها حالاً من النَّاسِ لاستحالةِ تقدُّمِ الحالِ على صاحبها المجرورِ {بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} ذلك فيحملُهم جهلُهم على ما هُم عليهِ من الغيِّ والضَّلالِ {وَيَقُولُونَ} من فرطِ جهلِهم وغايةِ غيِّهم {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} بطريقِ الاستهزاءِ يعنون به المبشَّر به والمنذَر عنه أو الموعود بقوله تعالى: {أية : يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا} تفسير : [سورة سبأ: الآية 26] {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} مخاطِبـين لرَّسولِ الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به {قُل لَّكُم مّيعَادُ يَوْمٍ} أي وعدُ يومٍ أو زمانٍ وعدٍ والإضافة للتبـيِّـينِ وقُرىء ميعادٌ يومٌ منَّونينِ على البدل ويوماً بإضمارِ أعني للتَّعظيم {لاَّ تَسْتَـئَخِرُونَ عَنْهُ} عند مفاجأتِه {سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ} صفةً لميعادُ وفي هذا الجواب من المبالغةِ في التَّهديدِ ما لا يخفى حيثُ جعل الاستئخارَ في الاستحالةِ كالاستقدامِ الممتنعِ عقلاً وقد مرَّ بـيانُه مراراً ويجوزُ أنْ يكونَ نفيُ الاستئخار والاستقدامِ غيرَ مقيَّدٍ بالمُفاجأة فيكون وصفُ الميعادِ بذلك لتحقيقِه وتقريرِه.

القشيري

تفسير : ولا تسألون عما أجرمنا ولا نحن نسأل عن إجرامكم... ويوم الجمع يحاسِب اللَّهُ كُلاَّ على أعماله، ويُطَالِبُ كُلاً بشأنه، لا يؤاخِذُ أَحداً بعمل غيره، وكلٌّ يُعْطَى كتابَه، ويَطْلُبُ اللَّهُ مِنْ كلَِّ واحدٍ حسابَه. وقد أجرى الله سُنَّتَه بأن يجمع بين عباده، ثم يعاملهم في حال اجتماعهم بغير ما يعاملهم في حال افتراقهم. فللاجتماع أثرٌ كبيرٌ في الشريعة، وللصلاة بالجماعة أثر مخصوص. وقد عاتب اللَّهُ - سبحانه - الذين يتفرقون عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومَدَحَ مَنْ لا يتفرَّق إلا عن استئذان. والشيوخُ ينتظرون في الاجتماع زوائد، ويستروحون إلى هذه الآية: {قُلْ يَجْمَعُ...}.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل لا تسألون عما اجرمنا} [الاجرام: جرم كردن] والجرم بالضم الذنب واصله القطع واستعير لكل اكتساب مكروه كما فى المفردات اى فعلنا واكتسبنا من الصغائر والزلات التى لا يخلو منها مؤمن {ولا نسأل عما تعملون} من الكفر والكبائر بل كل مطالب بعمله وكل زرّاع يحصد زرعه لا زرع غيره شعر : برفتند وهركس درود آنجه كشت تفسير : وهذا ابلغ فى الانصاف وابعد من الجدل والاعتساف حيث اسند فيه الاجرام وان اريد به الزلة وترك الاولى الى انفسهم ومطلق العمل الى المخاطبين مع ان اعمالهم اكبر الكبائر

الجنابذي

تفسير : {قُل} بطريق الانصاف فى المجادلة {لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا} بنسبة الاجرام الى انفسكم {وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} بنسبة العمل دون الاجرام اليهم.

اطفيش

تفسير : {قل لا تُسألون عما أَجرمنا ولا نُسأل عما تعملون} لا يسألكم ربنا سؤال مؤاخذة ولا غيرها عما اجرمنا اذنبنا ولا يسألنا كذلك عما تعملون من الشرك والمعاصي وعن بعضهم المراد به بالاجرام الزلات التي لا يخلوا منها مؤمن والصغاير لكن النبي لا يفعل الصغائر وقيل قد تصدر منه وكذا النبيون والظاهر ان المراد الكبائر اي لا تسألون عما اجرمنا لو اجرمنا وفي التعبير في جانبهم بالاجرام وفي جانب المشركين بالعمل ما هو ابلغ في الانصاف والتواضع تدريجا لهم الى الانصات للحق لعلهم يتأثرون به والآية منسوخة بآية السيف ان كان معناه المهادنة والمتادكة وما في الموضعين مصدرية او اسم موصول واقع على معنى الاجرام والعمل او على المعمول فيكون اجرمنا مضمنا معنى عملنا.

اطفيش

تفسير : {قُل لا تُسألون عما أجْرمنا} لو أجرمنا أو عما كسبنا من الهفوات، بل نعاقب نحن عليها {ولا نسألُ عما تعْملُون} من الكفر، بل تعاقبون أنتم، والمرد بالسؤال العقاب، لأنه سؤال توبيخ، وذلك تعريض أبلغ من الأول، إذ لم يقيد السؤال الثانى، كأنه قيل لا نسأل عما تعملون ولو هفوة صغيرة، لا نحملها عنكم، وأنتم لا تحملون عنا شيئا، ولو بالغنا فى الذنب "أية : لا تزر وازرة وزر أخرى"تفسير : [الأنعام: 164] وهذا مما يستمر ولا ينسخ.

الالوسي

تفسير : هذا أبلغ في الإنصاف حيث عبر عن الهفوات التي لا يخلو عنها مؤمن بما يعبر به عن العظائم وأسند إلى النفس وعن العظائم من الكفر ونحوه بما يعبر به عن الهفوات وأسند للمخاطبين وزيادة على ذلك أنه ذكر الإجرام المنسوب إلى النفس بصيغة الماضي الدالة على التحقق وعن العمل المنسوب إلى الخصم بصيغة المضارع التي لا تدل على ذلك، وذكر أن في الآية تعريضاً وأنه لا يضر بما ذكر، وزعم بعضهم أنها من باب المتاركة وأنها منسوخة بآية السيف.

ابن عاشور

تفسير : أعيد الأمر بأن يقول لهم مقالاً آخر إعادة لزيادة الاهتمام كما تقدم آنفاً واستدعاء لأسماء المخاطبين بالإِصغاء إليه. ولما كان هذا القول يتضمن بياناً للقول الذي قبله فُصِلتْ جملة الأمر بالقول عن أختها إذ لا يعطف البيان على المبين بحرف النسق، فإنه لما ردَّد أمر الفريقين بين أن يكون أحدهما على هدى والآخر في ضلال وكان الضلال يأتي بالإِجرام اتّسِعَ في المحاجة فقيل لهم: إذا نحن أجرمنا فأنتم غير مُؤَاخَذِين بجُرمنا وإذا عمِلْتُم عملاً فنحن غير مؤاخذين به، أي أن كل فريق مؤاخذ وحده بعمله فالأجدى بكلا الفريقين أن ينظر كل في أعماله وأعمال ضده ليعلم أيّ الفريقين أحق بالفوز والنجاة عند الله. وأيضاً فُصِلت لتكون هذه الجملة مستقلة بنفسها ليخصها السامع بالتأمل في مدلولها فيجوز أن تعتبر استئنافاً ابتدائياً، وهي مع ذلك اعتراض بيّن أثناء الاحتجاج. فمعنى: {لا تسألون} {ولا نسأل}، أن كل فريق له خويّصته. والسؤال: كناية عن أثره وهو الثواب على العمل الصالح والجزاء على الإِجرام بمثله، كما هو في قول كعب بن زهير: شعر : وقيل إنك منسُوب ومسؤول تفسير : أراد ومؤاخَذ بما سبَق منك لقوله قبلَه: شعر : لَذَاك أَهيبُ عندي إذْ أُكلمه تفسير : وإسناد الإِجرام إلى جانب المتكلم ومن معه مبنيّ على زعم المخاطبين، قال تعالى: { أية : وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون } تفسير : [المطففين: 32] كان المشركون يؤنِّبون المؤمنين بأنهم خاطئون في تجنب عبادة أصنام قومهم. وهذه نكتة صوغه في صيغة الماضي لأنه متحقق على زعم المشركين. وصيغ ما يعمل المشركون في صيغة المضارع لأنهم ينتظرون منهم عملاً تعريضاً بأنهم يأتون عملاً غير ما عملوه، أي يؤمنون بالله بعد كفرهم. وهذا ضرب من المشاركة والموادعة ليخلوا بأنفسهم فينظروا في أمرهم ولا يلهيهم جدال المؤمنين عن استعراض ومحاسبة أنفسهم. وفيه زيادة إنصاف إذ فرض المؤمنون الإِجرام في جانب أنفسهم وأسندوا العمل على إطلاقه في جانب المخاطبين لأن النظر والتدبر بعد ذلك يكشف عن كنه كلا العملين. وليس لهذه الآية تعلق بمشاركة القتال فلا تجعل منسوخة بآيات القتال.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ}. أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة أن يقول للكفار. إنهم وإياهم ليس أحد منهم مسؤولاً عمّا يعمله الآخر، بل كلٌّ منهم مؤاخذ بعمله، والآخر بريء منه. وأوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله تعالى: {أية : وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيۤئُونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيۤءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ} تفسير : [يونس: 41]، وقوله تعالى: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلْكَافِرُونَ لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ} تفسير : [الكافرون: 1ـ2] إلى قوله: {أية : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} تفسير : [الكافرون: 6] وفي معنى ذلك في الجملة قوله تعالى: {أية : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} تفسير : [البقرة: 134]. وكقوله تعالى عن نبيّه هود عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام: {أية : قَالَ إِنِّيۤ أُشْهِدُ ٱللَّهِ وَٱشْهَدُوۤاْ أَنِّي بَرِيۤءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ} تفسير : [هود: 54ـ55].

د. أسعد حومد

تفسير : {تُسْأَلُونَ} {نُسْأَلُ} (25) - وَقُلْ لِهؤُلاءِ المُشْرِكينَ: إِنَّكُمْ لاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا نَكْتَسِبُهُ نَحْنُ مِنْ آثامٍ، وَنَجْتَرِحُهُ مِنْ ذُنُوبٍ، وَنَحْنُ لاَ نُسأَلُ عَنْ عَمَلٍ تَعْمَلُونَهُ أَنْتُمْ، خَيْراً كَانَ أَوْ شَرّاً. أَجْرَمْنا - اكْتَسَبْنَا مِنَ الخَطَايَا.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا تلطف آخر وارتقاء فى حِجَاجِ الكفار يُظهِر مدى حرص سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يستلَّ الضغينة من نفوس الكفار، وتأمل: {لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا ..} [سبأ: 25] فيجعل رسول الله الإجرام في جانبه وهو ولم يُسَوِّ هذه المرة بين الطرفين، كما قال هناك {أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ ..} تفسير : [سبأ: 24] إنما وصف فِعْله بالإجرام وقال عن الكفار {وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سبأ: 25] ولم يَقُل تجرمون. وفي الآية دقيقة أخرى، هي ورود (أَجْرَمْنَا) بصيغة الماضي، كأن الإجرام حدث بالفعل، أما هم فورد الفعل (تَعْلَمُونَ) بصيغة المضارع؛ ليدل على أنه لم يحدث منهم بعد، وهذا تلطف آخر، وارتقاء في النقاش، وتودُّد إلى الخَصْم عَلَّه يرعوى، فيفرح الله بتوبته وعودته إلى رحابه. وهذا الأسلوب الجدلي في الآيتين لا يتأتَّى إلا من المجادل القوي الحجة الذي لا تنزله عنها زَلَّة سابقة من خَصْمه. ومثل ذلك قولنا في المناقشة: سلَّمنا جدلاً بكذا وكذا، ونرضى لأنفسنا بالأقل، لماذا؟ لأنك تعلم أنك على الحق، وقوة الجدل لديك تجعلك على ثقة بأن البحث في المسألة سينتهي لصالحك. لكن، مع ذلك كيف يأمر الحق سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم أنْ ينسب الإجرام إلى نفسه؟ قالوا: لأن الجُرْم يختلف باختلاف المخاطب به، كما قالوا: حسنات الأبرار سيئات المقربين. ثم تنتهي الآيات إلى خلاصة هذه القضية في قوله تعالى: {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : قوله: {قُل لاَّ تُسْأَلُونَ عَمَّآ أَجْرَمْنَا وَلاَ نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [سبأ: 25] يشير إلى كل زارع يحصد زرعه لا زرع غيره {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا} [سبأ: 26] يوم حصاد زرعنا، {ثُمَّ يَفْتَحُ} أي: يحكم {بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ} [سبأ: 26] بأن يختص كل واحد منا بحصاد زرعه {وَهُوَ ٱلْفَتَّاحُ ٱلْعَلِيمُ} [سبأ: 26] أي: حاكم عليم فيما يحكم به {قُلْ أَرُونِيَ ٱلَّذيِنَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَآءَ} [سبأ: 27] من الدنيا والهوى والشيطان {أية : مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ ٱلأَرْضِ}تفسير : [فاطر: 40] أرض النفس شيئاً من الأعمال النافعة المنجية {أية : أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ}تفسير : أي: لهم شرك مع سماوات القلوب بالواردات الروحانية والشواهد الربانية. ثم قال: {كَلاَّ} أي: ليس شريك في الأفضال والرحمة لهم شركة في حكم من أحكامنا {بَلْ هُوَ ٱللَّهُ} [سبأ: 27] أي: هذا كله من فضل الله ورحمته {ٱلْعَزِيزُ} [سبأ: 27] الذي ليس له شريك في الإفضال والرحمة ولا مثل ولا نظير {ٱلْحْكِيمُ} [سبأ: 27] الذي أفعاله مبنية على الحكمة لا على العلة ثم أخبر عن رسالة المصطفى أنه إلى كافة الورى بقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} [سبأ: 28] يشير إلى أن إرسال ماهية وجودك التي عبرت عنها مرة بنورك وتارة بروحي من كتم العدم إلى عالم الوجود لم يكن منا إلا ليكون بشيراً ونذيراً للناس كافة من أهل الأولين والآخرين والأنبياء والمرسلين، وإن لم يخلقوا بعد لاحتياجهم بك من بدأ الوجود في هذا الشأن وغيره إلى الأبد. كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم"تفسير : فأما في بدأ وجودهم فالأرواح لما حصلت في عالم الأرواح بإشارة كن، تابعين لروحك احتاجت إلى أن يكون لها بشيراً ونذيراً؛ لتعلقها بالأجسام لأنها علوية بالطبع لطيفة روحانية، والأجسام سفلية بالطبع كثيفة ظلمانية لا يتعلق بها، ولا يميل إليها لفساده بينهما، فيحتاج إلى بشير يبشرها بحصول كمال عند الأثقال بها لترغب إليها وتحتاج إلى نذير ينذرها بأنها إن لم تتعلق بالأجسام يحرم عن كمالها، وتبقى ناقصة غير كاملة مثل حبة فيها شجرة مركوزة بالقوة، وإن تزرع وتربي بالماء تخرج الشجرة من القول إلى الفعل إلى أن تبلغ كمالها بشجرة مثمرة، فالروح بمثابة البذر، والقالب بمثابة الأرض، والشخص الإنساني بمثابة الشجرة، والتوحيد والمعرفة ثمرتها الشريفة بمثابة الماء لتربيتها والبشير والنذير بمثابة المربي، فيعد تعلق الروح بالقالب واطمئنانه إليه واتصافه بصفة يحتاج إلى بشير بحسب مقامه يبشره بنعيم الجنة وملك لا يبلى، ثم يبشره بقرب الحق تعالى ويشوقه إلى جماله ويعده بوصاله وبنذير ينذره أولاً بنار جهنم يوعده بالبعد عن الحق، ثم بالقطيعة والهجران. وإذا أمعنت النظر وجدت شجرة الموجودات منبتة من بذر روحه صلى الله عليه وسلم وهو ثمرة هذه الشجرة مع جميع الأنبياء والمرسلين، وأنهم وإن كانوا ثمرة هذه الشجرة أيضاً ولكن وجدوا هذه المرتبة بتبعية كماله لا من بذر واحد يظهر على الشجرة ثمار كثيرة بتبعية ذلك البذر الواحد فيجد كل بشير ونذير فرعاً لأصل بشريته ونذيريته، والذي يدل على هذا التحقيق قوله تعالى: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأنبياء: 107] دخلت شجرة الموجودات كلها تحت الخطاب وبقوله: {أية : وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} تفسير : [الروم: 6] يشير إلى أن أكثر الناس الذين هم أجزاء وجود الشجرة، وما وصلوا إلى رتبة الثمرية لا يعلمون حقيقة ما قدرنا؛ لأن أحوال الثمرة ليست معلومة للشجرة إلا لثمرة مثلها ووصفها ليكون واقفاً بحالها. وبقوله: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [سبأ: 29] يشير إلى أرباب الطلب واستعجالهم فيما وعدهم من رتبة الثمرة يعني متى نقل إلى الكمال الذي بشرتمونا به بقوله: {قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ} [سبأ: 30] مجيئهم كما أن الثمرة لكل شجرة وقتاً معلوماً لإدراكها وبلوغها إلى كمالها كذلك لكل طالب وقت معلوم بلاغه إلى رتبة كماله، كما قال تعالى: {أية : حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} تفسير : [الأحقاف: 15]؛ ولهذا قال تعالى مع حبيبه صلى الله عليه وسلم: {أية : فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [الأحقاف: 35] بهذا يشير إلى أن لنيل كل مقام صبراً مناسباً لذلك المقام فكما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان من أولي العزم من الرسل أمر بصبر أولي العزم كذلك أمر صاحب المقام وطالبه بصبر أهله.