٣٤ - سَبَأ
34 - Saba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
28
Tafseer
الرازي
تفسير : لما بين مسألة التوحيد شرع في الرسالة فقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ كَافَّةً } وفيه وجهان أحدها: كافة أي إرسالة كافة أي عامة لجميع الناس تمنعهم من الخروج عن الانقياد لها والثاني: كافة أي أرسلناك كافة تكف الناس أنت من الكفر والهاء للمبالغة على هذا الوجه {بَشِيراً } أي تحثهم بالوعد {وَنَذِيرًا } تزجرهم بالوعيد {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك لا لخفائه ولكن لغفلتهم.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} أي وما أرسلناك إلا للناس كافة أي عامة؛ ففي الكلام تقديم وتأخير. وقال الزجاج: أي وما أرسلناك إلا جامعاً للناس بالإنذار والإبلاغ. والكافة بمعنى الجامع. وقيل: معناه كافا للَّناس، تكفهم عما هم فيه من الكفر وتدعوهم إلى الإسلام. والهاء للمبالغة. وقيل: أي إلا ذا كافة، فحذف المضاف، أي ذا منع للناس من أن يَشِذُّوا عن تبليغك، أو ذا منع لهم من الكفر، ومنه: كف الثوبَ، لأنه ضم طرفيه. {بَشِيراً} أي بالجنة لمن أطاع. {وَنَذِيراً} من النار لمن كفر. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} ما عند الله وهم المشركون؛ وكانوا في ذلك الوقت أكثر من المؤمنين عدداً. {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} يعني موعدكم لنا بقيام الساعة. {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} فقال الله تعالى: {قُل} لهم يا محمد: {لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ} فلا يغرّنكم تأخيره. والميعاد الميقات. ويعني بهذا الميعاد وقت البعث وقيل وقت حضور الموت؛ أي لكم قبل يوم القيامة وقت معين تموتون فيه فتعلمون حقيقة قولي. وقيل: أراد بهذا اليوم يوم بدر؛ لأن ذلك اليوم كان ميعاد عذابهم في الدنيا في حكم الله تعالى. وأجاز النحويون «ميعاد يومٌ» على أن يكون «ميعادٌ» ابتداء و«يومٌ» بدل منه، والخبر «لكم». وأجازوا «ميعادٌ يوماً» يكون ظرفاً، وتكون الهاء في «عنه» ترجع إلى «يوم» ولا يصح «ميعادُ يومَ لا تستأخرون» بغير تنوين، وإضافة «يوم» إلى ما بعده إذا قدّرت الهاء عائدة على اليوم، لأن ذلك يكون من إضافة الشيء إلى نفسه من أجل الهاء التي في الجملة. ويجوز ذلك على أن تكون الهاء للميعاد لا لليوم.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم تسليماً: {وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} أي: إلا إلى جميع الخلائق من المكلفين؛ كقوله تبارك وتعالى: {أية : قُلْ يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} تفسير : [الأعراف: 158] {أية : تَبَارَكَ ٱلَّذِى نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَـٰلَمِينَ نَذِيراً} تفسير : [الفرقان: 1]، {بَشِيرًا وَنَذِيرًا} أي: تبشر من أطاعك بالجنة، وتنذر من عصاك بالنار {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} كقوله عز وجل: {أية : وَمَآ أَكْثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} تفسير : [يوسف: 103] {أية : وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِى ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ} تفسير : [الأنعام: 116]. قال محمد بن كعب في قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ} يعني: إلى الناس عامة. وقال قتادة في هذه الآية: أرسل الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم إلى العرب والعجم، فأكرمهم على الله تبارك وتعالى أطوعهم لله عز وجل. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله الظهراني، حدثنا حفص بن عمر العدني، حدثنا الحكم، يعني: ابن أبان، عن عكرمة، قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: إن الله تعالى فضل محمداً صلى الله عليه وسلم على أهل السماء وعلى الأنبياء. قالوا: يابن عباس فبم فضله على الأنبياء؟ قال رضي الله عنه: إن الله تعالى قال: {أية : وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} تفسير : [إبراهيم: 4] وقال للنبي صلى الله عليه وسلم {وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ} فأرسله الله تعالى إلى الجن والإنس. وهذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما قد ثبت في "الصحيحين" رفعه عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» تفسير : وفي الصحيح أيضاً: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : بعثت إلى الأسود والأحمر» تفسير : قال مجاهد: يعني: الجن والإنس. وقال غيره: يعني: العرب والعجم، والكل صحيح. ثم قال عز وجل مخبراً عن الكفار في استبعادهم قيام الساعة: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ} وهذه الآية كقوله عز وجل: {أية : يَسْتَعْجِلُ بِهَا ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا ٱلْحَقُّ} تفسير : [الشورى: 18] الآية، ثم قال تعالى: {قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لاَّ تَسْتَـئْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ} أي: لكم ميعاد مؤجل معدود محرر، لا يزاد ولا ينقص، فإذا جاء، فلا يؤخر ساعة، ولا يقدم؛ كما قال تعالى: {أية : إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ} تفسير : [نوح: 4] وقال عز وجل: {أية : وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَِجَلٍ مَّعْدُودٍ يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَسَعِيدٌ } تفسير : [هود: 104 ــــ 105]ـ
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمآ أَرْسَلْنَٰكَ إِلاَّ كَآفَّةً } حال من الناس، قُدِّم للاهتمام {لِّلنَّاسِ بَشِيراً } مبشراً للمؤمنين بالجنة {وَنَذِيرًا } منذراً للكافرين بالعذاب {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ } أي كفار مكة {لاَّ يَعْلَمُونَ } ذلك.
الشوكاني
تفسير : في انتصاب {كَافَّةً } وجوه، فقيل: إنه منتصب على الحال من الكاف في {أَرْسَلْنَـٰكَ } قال الزجاج أي: وما أرسلناك إلاّ جامعاً للناس بالإنذار، والإبلاغ، والكافة بمعنى: الجامع، والهاء فيه للمبالغة كعلامة. قال أبو حيان: أما قول الزجاج: إن كافّة بمعنى: جامعاً، والهاء فيه للمبالغة، فإن اللغة لا تساعد عليه؛ لأن كفّ ليس معناه: جمع، بل معناه: منع. يقال: كف يكف، أي: منع يمنع. والمعنى: إلاّ مانعاً لهم من الكفر، ومنه الكفّ؛ لأنها تمنع من خروج ما فيه. وقيل: إنه منتصب على المصدرية، والهاء للمبالغة كالعاقبة، والعافية، والمراد: أنها صفة مصدر محذوف، أي: إلاّ رسالة كافّة. وقيل: إنه حال من الناس، والتقدير: وما أرسلناك إلاّ للناس كافّة، وردّ بأنه لا يتقدّم الحال من المجرور عليه كما هو مقرّر في علم الإعراب. ويجاب عنه بأنه قد جوّز ذلك أبو عليّ الفارسيّ، وابن كيسان، وابن برهان، ومنه قول الشاعر:شعر : إذا المرء أعيته السيادة ناشئا فمطلبها كهلاً عليه عسير تفسير : وقول الآخر:شعر : تسليت طرّاً عنكم بعد بينكم بذكراكم حتى كأنكم عندي تفسير : وقول الآخر:شعر : غافلاً تعرض المنية للمر ء فيدعى ولات حين إباء تفسير : وممن رجح كونها حالاً من المجرور بعدها ابن عطية، وقال: قدمت للاهتمام، والتقوّي. وقيل: المعنى: إلاّ ذا كافّة، أي: ذا منع، فحذف المضاف. قيل: واللام: في {لِلنَّاسِ } بمعنى إلى، أي: وما أرسلناك إلى الناس إلاّ جامعاً لهم بالإنذار، والإبلاغ، أو مانعاً لهم من الكفر، والمعاصي، وانتصاب {بَشِيراً وَنَذِيراً } على الحال، أي مبشراً لهم بالجنة، ومنذراً لهم من النار {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } ما عند الله، وما لهم من النفع في إرسال الرسل. {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } أي: متى يكون هذا الوعد الذي تعدونا به، وهو: قيام الساعة أخبرونا به إن كنتم صادقين. قالوا: هذا على طريقة الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن معه من المؤمنين، فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب عنهم، فقال: {قُل لَّكُم مّيعَادُ يَوْمٍ } أي: ميقات يوم، وهو: يوم البعث. وقيل: وقت حضور الموت. وقيل: أراد يوم بدر؛ لأنه كان يوم عذابهم في الدنيا، وعلى كل تقدير، فهذه الإضافة للبيان، ويجوز في ميعاد: أن يكون مصدراً مراداً به الوعد، وأن يكون اسم زمان. قال أبو عبيدة: الوعد، والوعيد، والميعاد بمعنى. وقرأ ابن أبي عبلة بتنوين: (ميعاد) ورفعه، ونصب: (يوم) على أن يكون ميعاد مبتدأ، ويوماً ظرف، والخبر لكم. وقرأ عيسى بن عمر برفع: (ميعاد) منوّناً، ونصب: (يوم) مضافاً إلى الجملة بعده. وأجاز النحويون: (ميعاد يوم) برفعهما منوّنين على أن ميعاد مبتدأ، ويوم بدل منه، وجملة: {لاَّ تَسْتَـئَخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ } صفة لميعاد، أي: هذا الميعاد المضروب لكم لا تتأخرون عنه، ولا تتقدّمون عليه، بل يكون لا محالة في الوقت الذي قد قدّر الله وقوعه فيه. ثم ذكر سبحانه طرفاً من قبائح الكفار، ونوعاً من أنواع كفرهم، فقال: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ وَلاَ بِٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } وهي: الكتب القديمة، كالتوراة، والإنجيل، والرسل المتقدّمون. وقيل: المراد بالذي بين يديه الدار الآخرة. ثم أخبر سبحانه عن حالهم في الآخرة، فقال: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبّهِمْ } الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له، ومعنى {موقوفون عند ربهم}: محبوسون في موقف الحساب {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ } أي: يتراجعون الكلام فيما بينهم باللوم والعتاب، بعد أن كانوا في الدنيا متعارضين متناصرين متحابين. ثم بيّن سبحانه تلك المراجعة، فقال: {يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ }، وهم: الأتباع {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ }، وهم: الرؤساء المتبوعون {لَوْلاَ أَنتُمْ } صددتمونا عن الإيمان بالله، والاتباع لرسوله {لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ } بالله مصدّقين لرسوله، وكتابه. {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ } مجيبين عليهم مستنكرين لما قالوه: {أَنَحْنُ صَدَدنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ } أي: منعناكم عن الإيمان {بَعْدَ إِذْ جَاءكُمْ } الهدى، قالوا هذا منكرين لما ادّعوه عليهم من الصدّ لهم، وجاحدين لما نسبوه إليهم من ذلك، ثم بينوا لهم: أنهم الصادّون لأنفسهم، الممتنعون من الهدى بعد إذ جاءهم، فقالوا: {بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ } أي: مصرّين على الكفر، كثيري الإجرام، عظيمي الآثام. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ } ردّاً لما أجابوا به عليهم، ودفعاً لما نسبوه إليهم من صدّهم لأنفسهم {بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } أصل المكر في كلام العرب: الخديعة، والحيلة، يقال: مكر به إذا خدعه، واحتال عليه. والمعنى: بل مكركم بنا الليل والنهار، فحذف المضاف إليه، وأقيم الظرف مقامه اتساعاً. وقال الأخفش: هو على تقدير هذا مكر الليل، والنهار. قال النحاس: المعنى والله أعلم، بل مكركم في الليل، والنهار، ودعاؤكم لنا إلى الكفر هو الذي حملنا على هذا. وقال سفيان الثوري: بل عملكم في الليل والنهار، ويجوز: أن يجعل الليل، والنهار ماكرين على الإسناد المجازي كما تقرّر في علم المعاني. قال المبرّد كما تقول العرب: نهاره صائم، وليله قائم، وأنشد قول جرير:شعر : لقد لمتنا يا أمّ غيلان في السرى ونمت وما ليل المطيّ بنائم تفسير : وأنشد سيبويه:شعر : قيام ليلي وتجلي همي تفسير : وقرأ قتادة، ويحيـى بن يعمر برفع: (مكر) منوّناً، ونصب: "الليل والنهار"، والتقدير: بل مكر كائن في الليل والنهار. وقرأ سعيد بن جبير، وأبو رزين بفتح الكاف، وتشديد الراء مضافاً بمعنى: الكرور، من كرّ يكرّ إذا جاء، وذهب، وارتفاع {مكر} على هذه القراءات على أنه مبتدأ، وخبره محذوف، أي: مكر الليل والنهار صدّنا، أو على أنه فاعل لفعل محذوف، أي: صدّنا مكر الليل والنهار، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف كما تقدّم عن الأخفش. وقرأ طلحة بن راشد كما قرأ سعيد بن جبير، ولكنه نصب مكر على المصدرية، أي: بل تكرّرت الإغواء مكرًّا دائماً لا تفترون عنه، وانتصاب {إِذْ تَأْمُرُونَنَا } على أنه ظرف للمكر، أي: بل مكركم بنا وقت أمركم لنا {أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً } أي: أشباهاً، وأمثالاً. قال المبرد: يقال ندّ فلان فلان، أي: مثله، وأنشد:شعر : أتيما تجعلون إليّ ندًّا وما تيم بذي حسب نديد تفسير : والضمير في قوله: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ } راجع إلى الفريقين أي: أضمر الفريقان الندامة على ما فعلوا من الكفر، وأخفوها عن غيرهم، أو أخفاها كل منهم عن الآخر مخافة الشماتة. وقيل: المراد بأسرّوا هنا أظهروا؛ لأنه من الأضداد يكون، تارة بمعنى: الإخفاء، وتارة بمعنى: الإظهار، ومنه قول امرىء القيس:شعر : تجاوزت أحراساً وأهوال معشر عليّ حراص لو يسرون مقتلي تفسير : وقيل: معنى {أسروا الندامة}: تبينت الندامة في أسرّة وجوههم {وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلَـٰلَ فِى أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } الأغلال جمل غلّ، يقال: في رقبته غلّ من حديد، أي: جعلت الأغلال من الحديد في أعناق هؤلاء في النار، والمراد بالذين كفروا: هم المذكورون سابقاً، والإظهار لمزيد الذمّ، أو للكفار على العموم، فيدخل هؤلاء فيهم دخولاً أوّلياً: {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي: إلاّ جزاء ما كانوا يعملونه من الشرك بالله، أو إلاّ بما كانوا يعملون على حذف الخافض. وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ } قال: إلى الناس جميعاً. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة قال: أرسل الله محمداً إلى العرب، والعجم، فأكرمهم على الله أطوعهم له. وأخرج هؤلاء عنه في قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ } قال: هذا قول مشركي العرب كفروا بالقرآن، وبالذي بين يديه من الكتب، والأنبياء.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يعني أنه رسول إلى كافة الناس أي إلى جميعهم، قال ابن عباس. الثاني: معناه أنك رسول الله إلى جميع الناس وتضمهم، ومنه كف الثوب لأنه ضم طرفيه. الثالث: معناه إنا أرسلناك كافاً للناس أي مانعاً لهم من الشرك وأدخلت الهاء للمبالغة، قاله ابن بحر.
ابن عطية
تفسير : هذا إعلام من الله تعالى بأنه بعث محمداً صلى الله عليه وسلم إلى جميع العالم، و"الكافة" الجمع الأكمل من الناس، و {كافة} نصب على الحال وقدمها للاهتمام، وهذه إحدى الخصال التي خص بها محمد صلى الله عليه وسلم من بين الأنبياء التي حصرها في قوله "حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي نصرت بالرعب مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأوتيت جوامع الكلم وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً وبعث كل نبي إلى خاص من الناس وبعثت إلى الأسود والأحمر"تفسير : ، وفي هذه الخصال زيادة في كتاب مسلم، وقوله تعالى: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} يريد بها العموم في الكفرة، والمؤمنون هم الأقل، ثم حكى عنهم مقالتهم في الهزء بأمر البعث واستعجالهم على معنى التكذيب بقولهم {متى هذا الوعد} فأمر الله تعالى نبيه أن يخبرهم عن {ميعاد} هو يوم القيامة لا يتأخر عنه أحد ولا يتقدمه، قال أبو عبيدة: "الوعد والوعيد والميعاد" بمعنى واحد، وخولف في هذا، والذي عليه الناس أن "الوعد" في الخير، و"الوعيد" في المكروه و"الميعاد" يقع لهذا ولهذا. قال الفقيه الإمام القاضي: وأضاف الميعاد إلى اليوم تجوزاً من حيث كان فيه وتحتمل الآية أن يكون استعجال الكفرة لعذاب الدنيا ويكون الجواب عن ذلك أيضاً ولم يجر للقيامة ذكر على هذا التأويل.
ابن عبد السلام
تفسير : {كَآفَّةً لِّلْنَّاسِ} كافاً لهم عن الشرك والهاء للمبالغة أو أرسلناك إلى الجميع تضمهم ومنه كف الثوب لضم طرفيه، أو ما أرسلناك إلا كافتهم أي جميعهم "ع".
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في قوله {وما أرسلناك إلا كافة للناس} قال: إلى الناس جميعاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله {كافة الناس} قال: للناس عامة. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {وما أرسلناك إلا كافة للناس} قال: أرسل الله محمداً صلى الله عليه وسلم إلى العرب، والعجم، فأكرمهم على الله أطوعهم له. وأخرج ابن المنذر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي. بعثت إلى الناس كافة إلى كل أبيض وأحمر، وأطعمت أمتي المغنم لم يطعم أمة قبل أمتي، ونصرت بالرعب بين يدي من مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، واعطيت الشفاعة فأدخرتها لأمتي يوم القيامة ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي. بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود، وإنما كان النبي يبعث إلى قومه، ونصرت بالرعب يرعب مني عدوّي على مسيرة شهر، وأطعمت المغنم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأعطيت الشفاعة، فادخرتها لأمتي إلى يوم القيامة، وهي إن شاء الله نائلة من لا يشرك بالله شيئاً ".
القشيري
تفسير : أَرسلناكَ مُؤيَّداً بالمعجزات، مُشرَّفاً بجميع الصفات، سيداً في الأرضين والسماوات، ظاهراً لأهل الإيمان، مستوراً عن بصائر أهل الكفران - وإِن كنتَ ظاهراً لهم من حيث العيان، قال تعالى: {أية : وَتَرَٰهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ}تفسير : [الأعراف: 198].
اسماعيل حقي
تفسير : {وما ارسلناك} يا محمد اى ما بعثناك: والارسال بالفارسية [فرستادن] {الا} ارسالا {كافة} عامة شاملة {للناس} محيطة باحمرهم واسودهم من الكف بمعنى المنع لانها اذا عمتهم وشملتهم فقد كفتهم ان يخرج منها احد منهم فانتصاب كافة على انها صفة مصدر محذوف والتاء للتأنيث والجار متعلق بها ويجوز ان تكون حالا من الكاف والتاء للمبالغة كتاء علامة اى ما ارسلناك فى حال من الاحوال الا حال كونك جامعا لهم فى الابلاغ لان الكف يلزم الجمع. وفى كشف الاسرار الكافة هى الجامعة للشئ المانعة له عن التفرق ومنه الكفاف من العيش وقولك كف يدك اى اجمعها اليك ولا يجوز ان يكون حالا من الناس لامتناع تقدم الحال على صاحبها المجرور كامتناع تقدم المجرور على الجار. قال الراغب وما ارسلناك الا كافا لهم عن المعاصى والتاء فيه للمبالغة انتهى. {بشيرا} حال كونك بشيرا بالفارسية {مزده دهنده} للمؤمنين بالجنة وللعاشقين بالرؤية {ونذيرا} وحال كونك منذرا بالفارسية [بيم كننده] للكافرين بالنار وللمنكرين بالحجاب {ولكن اكثر الناس لا يعلمون} ذلك فيحملهم جهلهم على المخالفة والعصيان وكرر ذكر الناس تخصيصا للجهل بنعمتى البشارة والنذارة ونعمة الرسالة بهم وانهم هم الذين لا يعلمون فضل الله بذلك عليهم ولا يشكرونه وذلك لان العقل لا يستقل بادراك جميع الامور الدنيوية والاخروية والتمييز بين المضار والمنافع فاحتاج الناس الى التبشير والانذار وبيان المشكلات من جهة اهل الوحى. قال صاحب كشف الاسرار [صديق صديقان عالم كرد شراك نعلين جاكران وى بود وبيكانكان منكران اورا كاذب ميكفتند صداى وحى غيب عاشق سمع عزيز وى بود اورا كاهى ميخواندند عقول همه عقول عقلاء عالم از ادراك نور شراك غرا وعاجز بود وكافران نام او ديوانه نهادند آرى ديدهاى ايشان بحكم لطف ازل توتياى صدق نيافته وبجشمهاى ايشان كحل اقبل حق نرسيده واز آنست كه اورا نشناختند]. ودلت الآية على عموم رسالته وشمول بعثته وفى الحديث "حديث : فضلت على الانبياء بست اعطيت جوامع الكلم" تفسير : وهى ما يكون الفاظه قليلة ومعانيه كثيرة (ونصرت بالرعب) يعنى نصرنى الله بالقاء الخوف فى قلوب اعدائى (من مسيرة شهر بينى وبينهم) وجعل الغاية شهرا لانه لم يكن بين بلده وبين احد من اعدائه المحاربين له اكثر من شهر (واحلت لى الغنائم) يعنى ان من قبله من الامم كانوا اذا غنموا الحيوانات تكون ملكا للغانمين دون الانبياء فخص نبينا عليه السلام باخذ الخمس والصفى واذا غنموا غيرها من الامتعة والاطعمة والاموال جمعوه فتجيء نار بيضاء من السماء فتحرقه حيث لاغلول وخص هذه الامة المرحومة بالقسمة بينهم كاكل لحم القربان فان الله احله لهم زيادة فى ارزاقهم ولم يحله لمن قبلهم من الامم (وجعلت لى الارض طهورا ومسجدا) يعنى اباح الله لامتى الصلاة حيث كانوا تخفيفا لهم واباح التيمم بالتراب عند فقد الماء ولم يبح الصلاة للامم الماضية الا فى كنائسهم ولم يجز التطهر لهم الا بالماء (وارسلت الى الخلق كافة) اى فى زمنه وغيره ممن تقدم او تأخر بخلاف رسالة نوح عليه السلام فانها وان كانت عامة لجميع اهل الارض لكنها خصت بزمانه. قال فى انسان العيون والخلق يشتمل الانس والجن والملك والحيوانات والنبات والحجر. قال الجلال السيوطى وهذا القول اى ارساله للملائكة رجحته فى كتاب الخصائص وقد رجحه قبلى الشيخ تقى الدين السبكى زادانه مرسل لجميع الانبياء والامم السابقة من لدن آدم الى قيام الساعة ورجحه ايضا البارزى وزاد انه مرسل الى جميع الحيوانات والجمادات وزيد على ذلك انه مرسل الى نفسه وذهب جمع الى انه لم يرسل للملائكة منهم الحافظ العراقى والجلال المحلى وحكى الفخر الرازى فى تفسيره والبرهان النسفى فيه الاجماع فيكون قوله عليه السلام "حديث : ارسلت الى الخلق كافة" تفسير : وقوله تعالى {أية : ليكون للعالمين نذيرا} تفسير : من العام المخصوص ولا يشكل عليه حديث سلمان رضى الله عنه اذا كان الرجل فى ارض واقام الصلاة صلى خلفه من الملائكة ما لا يرى طرفاه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده لانه يجوز ان يكون ذلك صادرا عن بعثته اليهم. يقول الفقير دل كونه افضل المخلوقات على عموم بعثته لجميع الموجودات ولذا بشر بمولده اهل الارض والسماء وسلموا عليه حتى الجماد بفصيح الاداء فهو رحمة للعالمين ورسول الى الخلق اجمعين: قال حضرة الشيخ العطار قدس سره شعر : داعئ ذرات بود آن باك ذات در كفش تسبيح ازان كفتى حصات تفسير : قال بعضهم شعر : ترا دادند منشور سعادت وزان بس نوع انسان آفريدند برى را جمله درخيل تو كردند بس آنكاهى سليمان آفريدند تفسير : وختم به النبيون اى فلا نبى بعده لا مشرعا ولا متابعا كما بين فى سورة الاحزاب. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان ارسال ماهية وجودك التى عبرت عنها مرة بنورى وتارة بروحى من كتم العدم الى عالم الوجود لم يكن منا الا لتكون بشيرا ونذيرا للناس كافة من اهل الاولين والآخرين والانبياء والمرسلين وان لم يخلقوا بعد لاحتياجهم لك من بدء الوجود فى هذا الشأن وغيره الى الابد كما قال صلى الله عليه وسلم "حديث : الناس محتاجون الى شفاعتى حتى ابى ابراهيم" تفسير : فاما فى بدء وجودهم فالارواح لما حصلت فى عالم الارواح باشارة كن تابعة لروحك احتاجت الى ان تكون لها بشيرا ونذيرا لتعلقها بالاجسام لانها علوية بالطبع لطيفة نورانية والاجسام سفلية بالطبع كثيفة ظلمانية لا تتعلق به ولا تميل اليها لمضادة بينهما فتحتاج الى بشير يبشرها بحصول كمال لها عند الاتصال بها لترغب اليها وتحتاج الى نذير ينذرها بانها ان لم تتعلق بالاجسام تحرم من كمالها وتبقى ناقصة غير كاملة كمثل حبة فيها شجرة مركوزة بالقوة فان تزرع وترب بالماء تخرج الشجرة من القوة الى الفعل الى ان تبلغ كمال شجرة مثمرة فالروح بمثابة الأكار المربى فبعد تعلق الروح بالقالب واطمئنانه واتصفافه بصفته يحتاج الى بشير بحسب مقامه يبشره بنعيم الجنة وملك لا يبلى ثم يبشره بقرب الحق تعالى ويشوقه الى جماله ويعده بوصاله ونذير ينذره اولا بنار جهنم ثم يوعده بالبعد عن الحق ثم بالقطيعة والهجران ان واذا امعنت النظر وجدت شجرة الموجودات منبتة من بذر روحه صلى الله عليه وسلم وهو ثمرة هذه الشجرة من جميع الانبياء والمرسلين وهم وان كانوا ثمرة هذه الشجرة ايضا ولكن وجدوا هذه المرتبة بتبعيته كما انه من بذر واحد يظهر على الشجرة ثمار كثيرة بتبعية ذلك البذر الواحد فيجد كل بشير ونذير فرعا لاصل بشيريته ونذيريته والذى يدل على هذا التحقيق قوله تعالى {أية : وما ارسلناك الا رحمة للعالمين} تفسير : دخلت شجرات الموجودات كلها تحت الخطاب وبقوله {ولكن اكثر الناس لا يعلمون} يشير الى ان اكثر الناس الذين هم اجزاء وجود الشجرة وما وصلوا الى رتبة الثمرية لا يعلمون حقيقة ما قررنا لان احوال الثمرة ليست معلومة للشجرة الا لثمرة مثلها فى وصفها لتكون واقفة بحالها شعر : نداند آدم كامل جز آدم
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "كافة": حال من "الناس"، على قول الفارسي وابن جني وابن كيسان، واختاره ابن مالك. وقال الأكثر: إنه حال من الكاف، والتاء للمبالغة، وما قاله ابن مالك أحسن. انظر الأزهري. يقول الحق جلّ جلاله: {وما أرسلناك إلا كافةً للناس} أي: جميعاً، إنسهم وجِنّهم، عَربيهم وعجميهم، أحمرهم وأسودهم. وقدّم الحال للاهتمام. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : أُعطيتُ خمساً لم يُعطهنّ أحدٌ قبلي: بُعثتُ إلى الأحمر والأسود، وجُعلتْ لي الأرضُ مسجداً وطهوراً، وأُحلّت لي الغنائمُ، ولم تُحل لأحدٍ قبلي، ونُصِرْتُ بالرُّعْبِ مسيرة شهر، وأُعطيتُ الشفاعة، فادخرتها لأمتي يوم القيامة، وهي إن شاء الله نائلة مَن لا يشرك بالله شيئاً ". تفسير : أو: وما أرسلناك إلا رسالة عامة لهم، محيطة بهم؛ لأنها إذا عمتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد. وقال الزجاج: معنى الكافة في اللغة: الإحاطة، والمعنى: أرسلناك جامعاً للناس في الإنذار والإبلاغ، على أنه حال من الكاف، والتاء للمبالغة، كالراوية والعلاّمة. حال كونك {بشيراً} بالفضل العظيم لمن أقر، {ونذيراً} بالعذاب لمن أصرّ، {ولكنَّ أكثرَ الناس} أي: الكفرة، {لا يعلمون} ذلك، فيحملهم جهلهم على مخالفتك. {ويقولون} من فرط جهلهم: {متى هذا الوعدُ} أي: القيامة، المشار إليها بقوله: {أية : قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا}تفسير : [سبأ: 26] أو: الوعد بالعذاب الذي أنذرتَ به. وأطلق الوعد على الموعود به؛ لأنه من متعلقاته، {إِن كنتم صادقين} في إتيانه؟ {قل لكم ميعادُ يوم} "الميعاد": ظرف الوعد، من مكان، أو زمان. وهو ـ هنا ـ الزمان، بدليل مَن قرأ "ميعادٌ يومٌ" فأبدل منه "اليوم". وأما الإضافة فإضافة تبيين، كما تقول: بعير سائبة، أي: قد وقت لعذابكم يوماً {لا تستأخرون عنه ساعةً ولا تستقدمون} أي: لا يمكنكم التأخُّر عنه بالإمهال، ولا التقدُّم عليه بالاستعجال. ووجه انطباق هذا الجواب على سؤالهم: أنهم سألوا عن ذلك، وهم منكرون به، تعنُّتاً لا استرشاداً، فجاء الجوابُ على طريق التهديد مطابقاً للسؤال، على وجه الإنكار والتعنُّت، وأنهم مُرْصَدون له، يفاجئهم، فلا يستطيعون تأخُّراً، ولا تقدُّماً عليه. الإشارة: الداعون إلى الله على فرقتين: فرقة تدعو إلى معرفة أحكام الله، وهم العلماء، وفرقة تدعو إلى معرفة ذات الله بالعيان، وهم الأولياء العارفون بالله، فالأولون دعوتُهم خاصة بمَن في مذهبهم، والآخرون دعوتهم عامة؛ إذ معرفة الله تعالى الذوقية لم يقع فيها اختلاف مذاهب، فأهل المشرق والمغرب كلهم متفقون عليها، فشيخ واحد يربي جميع أهل المذاهب، إن خضعوا له، وفي ذلك يقول صاحب المباحث: شعر : مذاهبُ الناس على اختلاف ومذهب القوم على ائتلاف تفسير : وقال الشاعر: شعر : عبارتنا شتى وحُسنُك واحد وكلٌّ إلى ذاك الجَمَال يُشير تفسير : ويقول مَن استبعد الفتح: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ قل: لكم ميعاد يوم عيّنه للفتح، لا يتقدّم ولا يتأخر. فالأدب: الخدمة وعدم الاستعجال. ثم ذكر ما يلقون في ذلك الميعاد على كفرهم فقال: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ...}
الجنابذي
تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ} كافّة حال مقدّم عن النّاس بمعنى كلّهم نحو جاء النّاس كافّة كأنّ معناه حال كون النّاس كافّة بعمومه كلّ فرد من الخروج عن تحته، او صفة لمفعول مطلق محذوف اى رسالة كافّة للنّاس بمعنى مانعة لهم عن اتّباع اهويتهم، او حال عن مفعول ارسلنا وحينئذٍ يكون المعنى ما ارسلناك الاّ مانعاً للنّاس عن اتّباع اهويتهم والتّاء تكون حينئذٍ للمبالغة {بَشِيراً} للمؤمنين ولمن استعدّ للايمان من حيث ايمانهم واستعدادهم {وَنَذِيراً} للكافرين وللمؤمنين والمستعدّين من حيث كفرهم وغفلتهم {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} رسالتك او عموم رسالتك او ليس لهم جهة علم حتّى يعلموا رسالتك فلذلك ينكرون رسالتك، عن الصّادق (ع) فى حديث: وارسله كافّةً الى الابيض والاسود والجنّ والانس، وعنه (ع) انّه قال لرجل: اخبرنى عن الرّسول (ص) كان عامّاً للنّاس؟ اليس قد قال الله عزّ وجلّ فى محكم كتابه وما ارسلناك الاّ كافّة للنّاس، لاهل الشّرق والغرب واهل السّماء والارض من الجنّ والانس هل بلّغ رسالته اليهم كلّهم؟- قال: لا ادرى، قال: انّ رسول الله (ص) لم يخرج من المدينة فكيف ابلغ اهل الشّرق والغرب؟! ثمّ قال: انّ الله تعالى امر جبرئيل (ع) فاختلع الارض بريشةٍ من جناحه ونصبها لرسول الله (ص) فكانت بين يديه مثل راحته فى كفّه ينظر الى اهل الشّرق والغرب ويخاطب كلّ قوم بألسنتهم ويدعوهم الى الله عزّ وجلّ والى نبوّته بنفسه فما بقيت قرية ولا - مدينة الاّ ودعاهم النّبىّ (ص) بنفسه. وفى كثيرٍ من الاخبار مضمون انّه لا يبقى ارضٌ الاّ نودى فيها بشهادة ان لا اله الاّ الله، وانّ محمّداً رسول الله (ص) لكن فى الرّجعة او فى ظهور القائم (ع).
اطفيش
تفسير : {وما أرسلناك إلا كافة للناس} الا رسالة كافة لهم عامة، كفتهم عن ان يخرج واحد منهم عنها فكافة مفعول مطلق على حذف موصوف وتاءه للتأنيث وقال الزجاج كافة حال من الكاف والتاء للمبالغة كرجل رواية اي كثير الرواية وعليه ابن هشام اي عاما لهم بالرسالة او مانعا لهم من الكفر وقل كافة حال من الناس بناء على جواز تقديم الحال عن صاحبها المجرور بحرف غير زايدة وهو مذهب الفارسي وابن جني وابن كيسان وابن برهان وابن ملكون. قال ابو مالك وابو حيان: وهو الصحيح لوروده في الآية وغيرها ورد هذا الاعراب ابن هشام بان فيه تقديم الحال المحصورة وتعدي ارسل باللام وهو قليل الاول ممتنع والثاني خلال الاكثر ورد بن مالك مذهب الزجاج بان تاء المبالغة في غير صيغ المبالغة مقصورة على السماع وحمل كافة على رواية حمل على شاذ ونقل ابن الدهان ان كافة لا تستعمل الا حالا قيل ولا تستعمل الا لعاقل وعلى هذا فلا يكون مفعولا مطلقا لان فيه خروجا عن الحالية وقوعا على الرسالة وهي غير عاقلة لكي لا تسلم ذلك لانها قد استعملها عمر بن الخطاب مجرورة واقعة على غير عاقل كتب لبني كاكلة قد جعلت لبني كاكلة على كافة بيت مال المسلمين لكل عام مائتي مثقال ذهبا ابريزا كتبه عمر بن الخطاب وختمه كفى بالموت واعظا يا عمر، وهذا الخط موجود في بني كاكلة زمانا طويلا الا ان يقال هذا شاذ وما ذكره ابن هشام من لزوم تقديم الحال المحصورة قد يجاب عنه بجواز تقديمها لعدم اللبس مع انه قد يجعل المحصور ارساله المحصور فيه كونه للناس كافة وما ذكره من ان تعدى ارسل باللام قليل يجاب عنه بان التخريج على القليل الفصيح المقيس سايغ وشدد جارا له في جعل كافة حالا من الناس بأنه خطأ لان تقدم حال المجرور عليه كتقدم المجرور على الجار وان من جعله حالا ومن جعل اللام بمعنى الى فقد ارتكب خطأين، والواضح انه لا خطأ في الثاني واعلم ان ارساله صلى الله عليه وسلم الى جميع الناس من خصوصياته ولعل معنى ذلك ارسله الى من مضى ومن غير انس وجن والا فقد شاركه بعض الانبياء في الارسال الارسال الى غير الخاصة او لعل رسالته اعم لا يخرج عنها احد ممن في زمانه او بعده وغيره ولو ارسل الى الجميع لكن جميع من بلغه وارسل اليه كتابا او رسولا والا فغير مرسل اليه ولو سمع به وخص بالرعب مسيرة شهر نصره الله به ويجعل الارض مسجدا وطهورا فحيثما ادركته اوقات الصلاة صلوا ويحل الغنايم له ولأمته واعطاء الشفاعة العامة ثم رأيت في الحديث كان النبي يبعث الى قومه خاصة وبعثت الى الناس عامة قالت العلما بعثه الله للاولين والاخرين والرسل انما هم نواب عنا. {بشيرا ونذيرا} مبشرا بالجنة لمن امن ومنذرا بالنار لمن كفر. {ولكن أكثر الناس} كفار مكة. {لا يعلمون} فحملهم جهلهم على مخالفة امر الله.
اطفيش
تفسير : {وما أرسلناك إلا كافَّةً} حال من الناس فى قوله: {للنَّاس} أى الى الناس، وما أرسلناك إلا الى الناس كافة العرب والعجم، وذلك على جواز تقديم الحال على صاحبها المجرور، والإرشال يتعدى الى الثانى بالى، وإذا عدى باللام فمعناها الى وغير ذلك بحسب القصد، فيجوز اللام بعدها للتعليل، كما قيل به فى الآية، ولا إشكال، وإنما الاشكال فى كون أداة الاستثناء تلاها ما ليس مستثنى ولا مستثنى منه، ولا تابعا له، فيجاب بأن الأصل ما أرسلناك للناس إلا كافة. ومثل ذلك من نية التقديم جائز، ولا سيما أنه يتوسع فى الظروف، كما قال مجاهد، وابن أبى شيبة، ومحمد بن كعب، والطبرى، وقتادة: إن المعنى الى الناس جميعا،ويجوز أن يكون جامعا للناس، أو مانعا لهم عن الكفر، والتاء للمبالغة على هذا، كرجل راوية، أى كثير الرواية، أو مفعولا مطلقا، أى إلا إرساله كافة، وهذا تصرف فى مادة الكف، لا فى كافة التى قالوا تلزم النصب على الحال إلا شاذا، كقول عمر وتبعه على فى تبليغ قوله: قد جعلت لبنى كاكلة على كافة بيت مال المسلمين لكل عام مائتى مثقال ذهبا إبريزا، والآية دليل عموم رسالته، وقيل: يقاس خروجه عن الحالية. {بَشيراً} بالجنة لمن أسلم {ونَذيراً} بالنار لمن كفر، والنصب على الحال من كاف ارسلناك، أو من الضمير فى كافة إذا أبقيناه على الوصفية، أو على الابدال الكلى من كافة الباقى على الوصفية، فان الجمع للناس على الدين، والمنع من الكفر نفس التبشير والانذار، وفى الحديث: حديث : إنى بعثت الى الناس كلهمتفسير : ، أى من قبلى ومن بعدى، ومن معى، فلا يشكل بأن غيره قد بعث الى الناس كلهم، لأن غيره لم يبعث الى من قبله، والجن تبع للإنس، بل قد يطلق الناس عليهم {ولكنَّ أكثَّر النَّاس لا يعْلمُون} الحق فيصرون على الضلال.
الالوسي
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ } المتبادر أن {كَافَّةً } حال من (الناس) قدم مع (إلا) عليه للاهتمام / كما قال ابن عطية، وأصله من الكف بمعنى المنع وأريد به العموم لما فيه من المنع من الخروج واشتهر في ذلك حتى قطع النظر فيه عن معنى المنع بالكلية فمعنى جاء الناس كافة جاؤوا جميعاً، ويشير إلى هذا الإعراب ما أخرج ابن أبـي شيبة وابن المنذر عن مجاهد أنه قال في الآية: أي إلى الناس جميعاً، وما أخرج ابن أبـي حاتم عن محمد بن كعب أنه قال: أي للناس كافة، وكذا ما أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبـي حاتم عن قتادة أنه قال في الآية: أرسل الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم إلى العرب والعجم فاكرمهم على الله تعالى أطوعهم له، وما نقل عن ابن عباس أنه قال: أي إلى العرب والعجم وسائر الأمم، وهو مبني على جواز تقديم الحال على صاحبها المجرور بالحرف وهو الذي ذهب إليه خلافاً لكثير من النحاة أبو علي وابن كيسان وابن برهان والرضى وابن مالك حيث قال:شعر : وسبق حال ما بحرف جرقد أبوا ولا أمنعه فقد ورد تفسير : وأبو حيان حيث قال بعد أن نقل الجواز عمن عدا الرضي من المذكورين: وهو الصحيح ومن أمثلة أبـي على زيد خير ما يكون خير منك، وقال الشاعر:شعر : إذا المرء أعيته المروءة ناشئا فمطلبها كهلاً عليه شديد تفسير : وقال آخر:شعر : تسليت طرا عنكم بعد بينكم بذكراكم حتى كأنكم عندي تفسير : وقد جاء تقديم الحال على صاحبها المجرور وعلى ما يتعلق به، ومن ذلك قوله:شعر : مشغوفة بك قد شغفت وإنما حتم الفراق فما إليك سبيل تفسير : وقول آخر:شعر : غافلاً تعرض المنية للمر ء فيدعى ولات حين إباء تفسير : وإذا جاز تقديمها على المجرور والعامل فتقديمها عليه دون العامل أجوز انتهى، وجعلوا هذا الوجه أحسن الأوجه في الآية وقالوا: إن ما عداه تكلف، واعترض بأنه يلزم عليه عمل ما قبل (إلا) وهو ـ أرسل ـ فيما بعدها وهو {لِلنَّاسِ } وليس بمستثنى ولا مستثنى منه ولا تابعاً له وقد منعوه، وأجيب بأن التقدير وما أرسلناك للناس إلا كافة فهو مقدم رتبة ومثله كاف في صحة العمل مع أنهم يتوسعون في الظرف ما لا يتوسعون في غيره. وقال الخفاجي عليه الرحمة: الأحسن أن يجعل {لِلنَّاسِ } مستثنى على أن الاستثناء فيه مفرغ وأصله ما أرسلناك لشيء من الأشياء إلا لتبليغ الناس كافة، وأما تقديره بما أرسلناك للخالق مطلقاً إلا للناس كافة على أنه مستثنى فركيك جداً اهـ، ولا يخفى أن في الآية على ما استحسنه حذف المضاف والفصل بين أداة الاستثناء والمستثنى وتقديم الحال على صاحبها والكل خلاف الأصل وقلما يجتمع مثل ذلك في الكلام الفصيح. واعترض عليه أيضاً بأنه يلزم حينئذ جعل اللام في {لِلنَّاسِ } بمعنى إلى وليس بشيء لأن أرسل يتعدى باللام وإلى كما ذكره أبو حيان وغيره فلا حاجة إلى جعلها بمعنى إلى على أنه لو جعلت بمعناها لا يلزم خطأ أصلا لمجيء كل من اللام وإلى بمعنى الآخر، وكذا لا حاجة إلى جعلها تعليلية إلا على ما استحسنه الخفاجي. وقال غيرو احد: إن {كَافَّةً } اسم فاعل من كف والتاء فيه للمبالغة كتاء راوية ونحو وهو حال من مفعول {أَرْسَلْنَـٰكَ } و {لِلنَّاسِ } متعلق به وإليه ذهب أبو حيان أي ما أرسلناك إلا كافاً ومانعاً للناس عن الكفر والمعاصي. وإلى الحالية من الكاف ذهب أبو علي أيضاً إلا أنه قال: المعنى إلا جامعاً للناس في الإبلاغ. وتعقبه أبو حيان بان اللغة لا تساعد على ذلك لأن كف ليس بمحفوظ أن معناه جمع، وفيه منع ظاهر لأنه يقال: كف القميص / إذا جمع حاشيته وكف الجرح إذا ربطه بخرقة تحيط به وقد قال ابن دريد: كل شيء جمعته فقد كففته مع أنه جوز أن يكون مجازاً من المنع لأن ما يجمع يمتنع تفرقه وانتشاره، وقيل إنه مصدر كالكاذبة والعاقبة والعافية وهو أيضاً حال من الكاف إما باق على مصدريته بلا تقدير شيء مبالغة وإما بتأويل اسم الفاعل أو بتقدير مضاف أي إلا ذا كافة أي ذا كف أي منع للناس من الكفر، وقيل ذا منع من أن يشذوا عن تبليغك. وذهب بعضهم إلى أنه مصدر وقع مفعولاً له ولم يشترط في نصبه اتحاد الفاعل كما ارتضاه الرضى، وذهب العلامة الزمخشري إلى أنه اسم فاعل من الكف صفة لمصدر محذوف وتاؤه للتأنيث أي ما أرسلناك إلا إرسالة كافة أي عامة لهم محيطة بهم لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم عن أن يخرج منها أحد منهم. واعترض عليه بأن كافة لم ترد عن العرب إلا منصوبة على الحال مختصة بالمتعدد من العقلاء وأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه إنما يكون لما عهد وصفه بها بحيث لا تصلح لغيره وأجيب بأن (كافة) هٰهنا غير ما التزم فيه الحالية وإن رجعا إلى معنى واحد، وما قيل من أنه لم تستعمله العرب إلا كذلك ليس بشيء وإقامة الصفة مقام موصوفها منقاس مطرد بدون شرط إذا قامت عليه قرينة، وذكر الفعل قبله دال على تقدير مصدره كما في قمت طويلاً وحسناً أي قياماً طويلاً وحسناً. وفي «الحواشي الخفاجية» قد صح أن عمر رضي الله تعالى عنه قال في كتابه لآل بني كاكلة: قد جعلت لآل بني كاكلة على كافة بيت المسلمين لكل عام مائتي مثقال ذهباً إبريزاً وقاله علي كرم الله تعالى وجهه حين أمضاه فقد استعمل هذان الإمامان كافة في غير العقلاء وغير منصوب على الحالية. ولا يخفى أن بعض ما اعترض به على هذا الوجه يعترض به على بعض الأوجه السابقة أيضاً، والجواب هو الجواب. والذي اختاره في الآية ماهو المتبادر، ولا بأس بالتقدم والاستعمال وارد عليه ولا قياس يمنعه، وأمر تخطي العامل إلا إلى ما ليس مستثنى ولا مستثنى منه سهل لحديث التوسع في الظرف، والآية عليه أظهر في الاستدلال على عموم رسالته صلى الله عليه وسلم وهو في ذلك كقوله تعالى: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنّى رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا }تفسير : [الأعراف: 158] ولو استدل بها القاضي أبو سعيد لبهت اليهودي، وقد يستدل عليه بما لا يكاد ينكره من فعله صلى الله عليه وسلم مع اليهود في عصره ودعوته عليه الصلاة والسلام إياهم إلى الإسلام. {بَشِيراً } لمن أسلم بالثواب {وَنَذِيرًا } لمن لم يسلم بالعقاب، والوصفان حالان من مفعول {أَرْسَلْنَـٰكَ } وقد يجعلان على بعض الأوجه السابقة بدلاً من {كَافَّةً } نحو بدل المفصل من المجمل فتأمل. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك فيحملهم جهلهم على الإصرار على ما هم عليه من الغي والضلال
سيد قطب
تفسير : هذه الجولة تتناول موقف الذين كفروا مما جاءهم به الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وموقف المترفين من كل رسالة، وهم الذين تغرهم أموالهم وأولادهم، وما يجدون من أعراض هذه الدنيا في أيديهم، فيحسبونها دليلاً على اختيارهم وتفضيلهم؛ ويحسبون أنها مانعتهم من العذاب في الدنيا والآخرة. ومن ثم يعرض عليهم مشاهدهم في الآخرة، كأنها واقعة، ليروا إن كان شيء من ذلك نافعاً لهم أو واقياً. وفي هذه المشاهد يتضح كذلك أنه لا الملائكة ولا الجن الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا، ويستعينونهم يملكون لهم في الآخرة شيئاً.. وفي خلال الجدل يوضح القرآن حقيقة القيم التي لها ثقل في ميزان الله؛ فتنكشف القيم الزائفة التي يعتزون بها في الحياة؛ ويتقرر أن بسط الرزق وقبضه أمران يجريان وفق إرادة الله، وليسا دليلاً على رضى أو غضب ولا على قربى أو بعد. إنما ذلك ابتلاء.. {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً، ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ويقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟ قل: لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون}.. يجيء هذا البيان بعد الجولة الماضية، وما فيها من تقرير فردية التبعة؛ وأنه ليس بين أصحاب الحق وأصحاب الباطل إلا الدعوة والبيان، وأمرهم بعد ذلك إلى الله. ويتبعه هنا بيان وظيفة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجهلهم بحقيقتها؛ واستعجالهم له بما يعدهم ويوعدهم من الجزاء؛ وتقرير أن ذلك موكول إلى موعده المقدور له في غيب الله: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً}.. هذه هي حدود الرسالة العامة للناس جميعاً.. التبشير والإنذار. وعند هذا الحد تنتهي؛ أما تحقيق هذا التبشير وهذا الإنذار فهو من أمر الله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون. ويقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين؟}.. وهذا السؤال يوحي بجهلهم لوظيفة الرسول؛ وعدم إدراكهم لحدود الرسالة. والقرآن حريص على تجريد عقيدة التوحيد. فما محمد إلا رسول محدد الوظيفة. وهو قائم في حدود وظيفته لا يتخطاها. والله هو صاحب الأمر. هو الذي أرسله، وهو الذي حدد له عمله؛ وليس من عمله أن يتولى ـ ولا حتى أن يعلم ـ تحقيق الوعد والوعيد.. ذلك موكول إلى ربه، وهو يعرف حدوده. فلا يسأل مجرد سؤال عن شيء لم يطلعه عليه ربه، ولم يكل إليه أمره. وربه يكلفه أن يرد عليهم رداً معيناً فيقوم به: {قل: لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون}.. وكل ميعاد يجيء في أجله الذي قدره الله له. لا يستأخر لرغبة أحد، ولا يستقدم لرجاء أحد. وليس شيء من هذا عبثاً ولا مصادفة. فكل شيء مخلوق بقدر. وكل أمر متصل بالآخر. وقدر الله يرتب الأحداث والمواعيد والآجال وفق حكمته المستورة التي لا يدركها أحد من عباده إلا بقدر ما يكشف الله له. والاستعجال بالوعد والوعيد دليل على عدم إدراك هذه الحقيقة الكلية. ومن ثم فإن أكثر الناس لا يعلمون. وعدم العلم يقودهم إلى السؤال والاستعجال. {وقال الذين كفروا: لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه}.. فهو العناد والإصرار ابتداء على رفض الهدى في كل مصادره. لا القرآن، ولا الكتب التي سبقته، والتي تدل على صدقه. فلا هذا ولا ذاك هم مستعدون للإيمان به لا اليوم ولا الغد. ومعنى هذا أنهم يصرون على الكفر، ويجزمون عن قصد بأنهم لن ينظروا في دلائل الهدى كائنة ما كانت. فهو العمد إذن وسبق الإصرار! عندئذ يجبههم بمشهدهم يوم القيامة، وفيه جزاء هذا الإصرار: {ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم، يرجع بعضهم إلى بعض القول، يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا: لولا أنتم لكنا مؤمنين! قال الذين استكبروا للذين استضعفوا: أنحن صددناكم عن الهدى، بعد إذ جاءكم؟ بل كنتم مجرمين! وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا: بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن تكفر بالله ونجعل له أنداداً.. وأسروا الندامة لما رأوا العذاب؛ وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا. هل يجزون إلا ما كانوا يعملون؟}.. ذلك كان قولهم في الدنيا: {لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه}.. فلو ترى قولهم في موقف آخر. لو ترى هؤلاء الظالمين وهم {موقوفون} على غير إرادة منهم ولا اختيار؛ إنما هم مذنبون بالوقوف في انتظار الجزاء {عند ربهم}.. ربهم الذي يجزمون بأنهم لن يؤمنوا بقوله وكتبه. ثم هاهم أولاء موقوفون عنده! لو ترى يومئذ لرأيت هؤلاء الظالمين يلوم بعضهم بعضاً، ويؤنب بعضهم بعضاً، ويلقي بعضهم تبعة ما هم فيه على بعض: {يرجع بعضهم إلى بعض القول}.. فماذا يرجعون من القول؟ {يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا: لولا أنتم لكنا مؤمنين}.. فيلقون على الذين استكبروا تبعة الوقفة المرهوبة المهينة، وما يتوقعون بعدها من البلاء! يقولون لهم هذه القولة الجاهرة اليوم؛ ولم يكونوا في الدنيا بقادرين على مواجهتهم هذه المواجهة. كان يمنعهم الذل والضعف والاستسلام، وبيع الحرية التي وهبها الله لهم، والكرامة التي منحها إياهم، والإدراك الذي أنعم به عليهم. أما اليوم وقد سقطت القيم الزائفة، وواجهوا العذاب الأليم، فهم يقولونها غير خائفين ولا مبقين! {لولا أنتم لكنا مؤمنين}! ويضيق الذين استكبروا بالذين استضعفوا. فهم في البلاء سواء. وهؤلاء الضعفاء يريدون أن يحملوهم تبعة الإغواء الذي صار بهم إلى هذا البلاء! وعندئذ يردون عليهم باستنكار، ويجبهونهم بالسب الغليظ: {قال الذين استكبروا للذين استضعفوا: أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم؟ بل كنتم مجرمين}! فهو التخلي عن التبعة، والإقرار بالهدى، وقد كانوا في الدنيا لا يقيمون وزناً للمستضعفين ولا يأخذون منهم رأياً، ولا يعتبرون لهم وجوداً، ولا يقبلون منهم مخالفة ولا مناقشة! أما اليوم ـ وأمام العذاب ـ فهم يسألونهم في إنكار: {أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم؟}.. {بل كنتم مجرمين}.. من ذات أنفسكم، لا تهتدون، لأنكم مجرمون! ولو كانوا في الدنيا لقبع المستضعفون لا ينبسون ببنت شفة. ولكنهم في الآخرة حيث تسقط الهالات الكاذبة والقيم الزائفة؛ وتتفتح العيون المغلقة وتظهر الحقائق المستورة. ومن ثم لا يسكت المستضعفون ولا يخنعون، بل يجبهون المستكبرين بمكرهم الذي لم يكن يفتر نهاراً ولا ليلاً للصد عن الهدى؛ وللتمكين للباطل، ولتلبيس الحق، وللأمر بالمنكر، ولاستخدام النفوذ والسلطان في التضليل والإغواء: {وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا: بل مكر الليل والنهار، إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً}.. ثم يدرك هؤلاء وهؤلاء أن هذا الحوار البائس لا ينفع هؤلاء ولا هؤلاء، ولا ينجي المستكبرين ولا المستضعفين. فلكل جريمته وإثمه. المستكبرون عليهم وزرهم، وعليهم تبعة إضلال الآخرين وإغوائهم. والمستضعفون عليهم وزرهم، فهم مسؤولون عن اتباعهم للطغاة، لا يعفيهم أنهم كانوا مستضعفين. لقد كرمهم الله بالإدراك والحرية، فعطلوا الإدراك وباعوا الحرية؛ ورضوا لأنفسهم أن يكونوا ذيولاً؛ وقبلوا لأنفسهم أن يكونوا مستذلين. فاستحقوا العذاب جميعاً؛ وأصابهم الكمد والحسرة وهم يرون العذاب حاضراً لهم مهيأ: {وأسروا الندامة لما رأوا العذاب}.. وهي حالة الكمد الذي يدفن الكلمات في الصدور، فلا تفوه بها الألسنة، ولا تتحرك بها الشفاه. ثم أخذهم العذاب المهين الغليظ الشديد: {وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا}.. ثم يلتفت السياق يحدث عنهم وهم مسحوبون في الأغلال، مهملاً خطابهم إلى خطاب المتفرجين! {هل يجزون إلا ما كانوا يعملون؟}. ويسدل الستار على المستكبرين والمستضعفين من الظالمين. وكلاهما ظالم. هذا ظالم بتجبره وطغيانه وبغيه وتضليله. وهذا ظالم بتنازله عن كرامة الإنسان؛ وإدراك الإنسان، وحرية الإنسان، وخنوعه وخضوعه للبغي والطغيان.. وكلهم في العذاب سواء. لا يجزون إلا ما كانوا يعملون.. يسدل الستار وقد شهد الظالمون أنفسهم في ذلك المشهد الحي الشاخص. شهدوا أنفسهم هناك وهم بعد أحياء في الأرض. وشهدهم غيرهم كأنما يرونهم. وفي الوقت متسع لتلافي ذلك الموقف لمن يشاء! ذلك الذي قاله المترفون من كبراء قريش قاله قبلهم كل مترف أمام كل رسالة: {وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها: إنا بما أرسلتم به كافرون}.. فهي قصة معادة، وموقف مكرور، على مدار الدهور. وهو الترف يغلظ القلوب، ويفقدها الحساسية؛ ويفسد الفطرة ويغشيها فلا ترى دلائل الهداية؛ فتستكبر على الهدى وتصر على الباطل، ولا تتفتح للنور. والمترفون تخدعهم القيم الزائفة والنعيم الزائل، ويغرهم ما هم فيه من ثراء وقوة، فيحسبونه مانعهم من عذاب الله؛ ويخالون أنه آية الرضى عنهم، أو أنهم في مكان أعلى من الحساب والجزاء: {وقالوا: نحن أكثر أموالاً وأولاداً، وما نحن بمعذبين}.. والقرآن يضع لهم ميزان القيم كما هي عند الله؛ ويبين لهم أن بسط الرزق وقبضه، ليست له علاقة بالقيم الثابتة الأصيلة؛ ولا يدل على رضى ولا غضب من الله؛ ولا يمنع بذاته عذاباً ولا يدفع إلى عذاب. إنما هو أمر منفصل عن الحساب والجزاء، وعن الرضى والغضب، يتبع قانوناً آخر من سنن الله: {قل: إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.. وهذه المسألة. مسألة بسط الرزق وقبضه؛ وتملك وسائل المتاع والزينة أو الحرمان منها، مسألة يحيك منها شيء في صدور كثيرة. ذلك حين تتفتح الدنيا أحياناً على أهل الشر والباطل والفساد، ويحرم من أعراضها أحياناً أهل الخير والحق والصلاح؛ فيحسب بعض الناس أن الله ما كان ليغدق على أحد إلا وهو عنده ذو مقام. أو يشك بعض الناس في قيمة الخير والحق والصلاح، وهم يرونها محوطة بالحرمان! ويفصل القرآن هنا بين أعراض الحياة الدنيا والقيم التي ينظر الله إليها. ويقرر أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر. وأن هذه مسألة ورضاه وغضبه مسألة أخرى ولا علاقة بينهما. وقد يغدق الله الرزق على من هو عليه غاضب كما يغدقه على من هو عليه راض. وقد يضيق الله على أهل الشر كما يضيق على أهل الخير. ولكن العلل والغايات لا تكون واحدة في جميع هذه الحالات. لقد يغدق الله على أهل الشر استدراجاً لهم ليزدادوا سوءاً وبطراً وإفساداً، ويتضاعف رصيدهم من الإثم والجريمة، ثم يأخذهم في الدنيا أو في الآخرة ـ وفق حكمته وتقديره ـ بهذا الرصيد الأثيم! وقد يحرمهم فيزدادوا شراً وفسوقاً وجريمة، وجزعاً وضيقاً ويأساً من رحمة الله، وينتهوا بهذا إلى مضاعفة رصيدهم من الشر والضلال. ولقد يغدق الله على أهل الخير، ليمكنهم من أعمال صالحة كثيرة ما كانوا بالغيها لو لم يبسط لهم في الرزق، وليشكروا نعمة الله عليهم بالقلب واللسان والفعل الجميل؛ ويذخروا بهذا كله رصيداً من الحسنات يستحقونه عند الله بصلاحهم وبما يعلمه من الخير في قلوبهم. وقد يحرمهم فيبلو صبرهم على الحرمان، وثقتهم بربهم، ورجاءهم فيه، واطمئنانهم إلى قدره، ورضاهم بربهم وحده، وهو خير وأبقى؛ وينتهوا بهذا إلى مضاعفة رصيدهم من الخير والرضوان. وأياً ما كانت أسباب بسط الرزق وقبضه من عمل الناس، ومن حكمة الله، فهي مسألة منفصلة عن أن تكون دليلاً بذاتها على أن المال والرزق والأبناء والمتاع قيم تقدم أو تؤخر عند الله. ولكنها تتوقف على تصرف المبسوط لهم في الرزق أو المضيق عليهم فيه. فمن وهبه الله مالاً وولداً فأحسن فيهما التصرف فقد يضاعف له الله في الثواب جزاء ما أحسن في نعمة الله. وليست الأموال والأولاد بذاتها هي التي تقربهم من الله؛ ولكن تصرفهم في الأموال والأولاد هو الذي يضاعف لهم في الجزاء: {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى. إلا من آمن وعمل صالحاً فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون. والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون}... ثم يكرر قاعدة أن بسط الرزق وقبضه أمر آخر يريده الله لحكمة منفصلة؛ وأن ما ينفق منه في سبيل الله هو الذخر الباقي الذي يفيد، لتقر هذه الحقيقة واضحة في القلوب: {قل: إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له. وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين}.. ويختم هذه الجولة بمشهدهم محشورين يوم القيامة، حيث يواجههم الله سبحانه بالملائكة الذين كانوا يعبدونهم من دون الله؛ ثم يذوقون عذاب النار الذي كانوا يستعجلون به، ويقولون متى هذا الوعد؟ كما جاء في أول هذا الشوط: {ويوم يحشرهم جميعاً، ثم يقول للملائكة: أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون؟ قالوا: سبحانك أنت ولينا من دونهم. بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون. فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعاً ولا ضراً، ونقول للذين ظلموا: ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون}.. فهؤلاء هم الملائكة الذين كانوا يعبدونهم من دون الله، أو يتخذونهم عنده شفعاء. هؤلاء هم يواجهون بهم، فيسبحون الله تنزيهاً له من هذا الادعاء، ويتبرأون من عبادة القوم لهم. فكأنما هذه العبادة كانت باطلاً أصلاً، وكأنما لم تقع ولم تكن لها حقيقة. إنما هم يتولون الشيطان. إما بعبادته والتوجه إليه، وإما بطاعته في اتخاذ شركاء من دون الله. وهم حين عبدوا الملائكة إنما كانوا يعبدون الشيطان! ذلك إلى أن عبادة الجن عرفت بين العرب؛ وكان منهم فريق يتوجه إلى الجن بالعبادة أو الاستعانة: {بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون}.. ومن هنا تجيء علاقة قصة سليمان والجن بالقضايا والموضوعات التي تعالجها السورة، على طريقة سياقة القصص في القرآن الكريم. وبينما المشهد معروض يتغير السياق من الحكاية والوصف إلى الخطاب والمواجهة. ويوجه القول إليهم بالتأنيب والتبكيت: {فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعاً ولا ضراً}.. لا الملائكة يملكون للناس شيئاً. ولا هؤلاء الذين كفروا يملك بعضهم لبعض شيئاً. والنار التي كذب بها الظالمون، وكانوا يقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، ها هم أولاء يرونها واقعاً لا شك فيه: {ونقول للذين ظلموا: ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون} وبهذا تختم الجولة مركزة على قضية البعث والحساب والجزاء كسائر الجولات في هذه السورة.
ابن عاشور
تفسير : انتقال من إبطال ضلال المشركين في أمر الربوبية إلى إبطال ضلالهم في شأن صدق الرسول صلى الله عليه وسلم. وغيّر أسلوب الكلام من الأمر بمحاجة المشركين إلى الإِخبار برسالة النبي صلى الله عليه وسلم تشريفاً له بتوجيه هذا الإِخبار بالنعمة العظيمة إليه، ويحصل إبطال مزاعم المشركين بطريق التعريض. وفي هذه الآية إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم على منكريها من العرب وإثبات عمومها على منكريها من اليهود. فإن {كافَّة} من ألفاظ العموم ووقعت هنا حالاً من «الناس» مستثنى من عموم الأحوال وهي حال مقدمة على صاحبها المجرور بالحرف، وقد مضى الكلام عليها عند قوله تعالى: { أية : يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة } تفسير : في سورة البقرة (208)، وعند قوله: { أية : وقاتلوا المشركين كافة } تفسير : في سورة براءة (36). وذكرنا أن التحقيق: أن {كافة} يوصف به العاقلُ وغيرُه وأنه تعتوره وجوهُ الإِعراب كما هو مختار الزمخشري وشهد له القرآن والاستعمال خلافاً لابن هشام في «مغني اللبيب»، وأن ما شدد به التّنكير على الزمخشري تهويل وتضييق في الجواز. والتقدير في هذه الآية: وما أرسلناك للناس إلاّ كافّة. وقدّم الحال على صاحبه للاهتمام بها لأنها تجمع الذين كفروا برسالته كلهم. وتقديم الحال على المجرور جائز على رأي المحققين من أهل العربية وإن أباه الزمخشري هنا وجعله بمنزلة تقديم المجرور على حرف الجر فجعل {كافة} نعتاً لمحذوف، أي إرساله كافة، أي عامة. وقد ردّ عليه ابن مالك في «التسهيل» وقال: قد جوزه في هذه الآية أبو علي الفارسي وابن كَيسان. وقلت: وجوّزه ابن عطية والرضيّ. وجعل الزجاج {كافة} هنا حالاً من الكاف في {أرسلناك} وفسره بمعنى جامع للناس في الإِنذار والإِبلاغ، وتبعه أبو البقاء. قال الزمخشري: وحق التاء على هذا التفسير أن تكون للمبالغة كتاء العلاّمة والراوية وكذلك تقديم المستثنى للغرض أيضاً. وقد اشترك الزجاج والزمخشري هنا في إخراج {كافة} عن معنى الوصف بإفادة الشمول الذي هو شمول جزئي في غرض معيّن إلى معنى الجمع الكلّي المستفاد من وراء ذلك. وهذا كمن يعمد إلى (كل) فيقول: إنك كلٌ للناس، أي جامع للناس؛ أو يعمد إلى (على) الدالة على الاستعلاء الجزئي فيستعملها بمعنى الاستعلاء الكلي فيقول: إياك وعلى، يريد إياك والاستعلاءَ. والبشير النذير تقدم في قوله تعالى: { أية : إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً } تفسير : في سورة البقرة (119). وأفاد تركيب {وما أرسلناك إلا كافة للناس} قصر حالة عموم الرسالة على كاف الخطاب في قوله: {أرسلناك} وهو قصر إضافي، أي دون تخصيص إرسالك بأهل مكة أو بالعرب أو بمن يجيئك يطلب الإِيمان والإِرشاد كما قال عبد الله بن أُبَيّ ابن سلول للنبي صلى الله عليه وسلم حين جاء مجلساً هو فيه وقرأ عليهم القرآن فقال ابن أُبي: «لا أحسنَ مما تقول أيها المرء ولكن اقعُد في رحلك فمن جاء فاقرأ عليه»، ويقتضي ذلك إثبات رسالته بدلالة الاقتضاء إذ لا يصدق ذلك القصر إلا إذا ثبت أصل رسالته فاقتضى ذلك الردَّ على المنكرين كلهم سواء من أنكر رسالته من أصلها ومن أنكر عمومها وزعم تخصيصها. وموقع الاستدراك بقوله: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} رفع ما يتوهم من اغترار المغترين بكثرة عدد المنكرين رسالته بأن كثرتهم تغرّ المتأمل لأنهم لا يعلمون. ومفعول {يعلمون} محذوف لدلالة ما قبله عليه، أي لا يعلمون ما بشرتَ به المؤمنين وما أنذرتَ به الكافرين، أي يحسبون البشارة والنذارة غير صادقتين. ويجوز أن يكون فعل {يعلمون} منزَّل منزلة اللام مقصوداً منه نفي صفة العلم عنهم على حدّ قوله تعالى: { أية : قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون } تفسير : [الزمر: 9] أي ولكن أكثر الناس جاهلون قدر البشارة والنذارة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً} تفسير : [الأعراف: 158] وفي غير ذلك من المواضع. وقوله تعالى: {إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ}، استشهد به بعض علماء العربية على جواز تقدم الحال على صاحبها المجرور بالحرف كما أشار له ابن مالك في الخلاصة بقوله: شعر : وسبق حال ما بحرف جر قد أبوا ولا أمنعه فقد ورد تفسير : قالوا: لأن المعنى: وما أرسلناك إلا للناس كافة: أي جميعاً أي أرسلناك للناس، في حال كونهم مجتمعين في رسالتك، وممَّن أجاز أبو علي الفارسي وابن كيسان، وابن برهان، ولذلك شواهد في شعر العرب، كقلو طليحة بن خويلد الأسدي: شعر : فإن تك أذواد أصبن ونسوة فلن يذهبوا فرغا بقتل حبال تفسير : وكقول كثير: شعر : لئن كان برد الماء هيمان صادياً إلى حبيباً إنها لحبيب تفسير : وقول الآخر: شعر : تسليت طرا عنكم بعد بينكم بذكركم حتى كأنكم عندي تفسير : وقول الآخر: شعر : غافلاً تعرض المنية للمر ء فيدعي ولات حين إباء تفسير : وقوله: شعر : مشغوفة بك قد شغفت وإنما حم الفراق فما إليك سبيل تفسير : وقوله: شعر : إذا المرء أعيته المروءة ناشئاً فمطلبها كهلاً عليه شديد تفسير : فقوله في البيت الأول فرغاً: أي هدراً حال، وصاحبه المجرور بالباء الذي هو بقتل، وحبال اسم رجل. وقوله في البيت الثاني: هيمان صادياً، حالان من ياء المتكلم المجرورة بإلى في قوله: إليَّ حبيباً. وقوله في البيت الثالث: طراً، حال من الضمير المجرور بعن في قوله: عنكم، وهكذا وتقدّم الحال على صاحبها المجرور بالحرف منعه أغلب النحويين. وقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً} إلا رسالة عامة لهم محيطة بهم، لأنها إذا شملتهم، فإنها قد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم. وقال الزجاج: المعنى: أرسلناك جامعاً للناس في الإنذار والإبلاغ فجعله حالاً من الكاف، وحقّ الثاء على هذا أن تكون للمبالغة كتاء الراوية، والعلامة، ومن جعله حالاً من المجرور متقدماً عليه فقد أخطأ، لأنّ تقدُّم حال المجرور عليه في الإحالة بمنزلة تقدُّم المجرور على الجار، وكم ترى ممن يرتكب هذا الخطأ ثم لا يقنع به حتى يضم إليه أن يجعل اللام بمعنى إلى لأنه لا يستوي له الخطأ الأول إلا بالخطأ الثاني، فلا بدّ له من ارتكاب الخطأين. اهـ منه. وقال الشيخ الصبان في حاشيته على الأشموني: جعل الزمخشري. كافّة صفة لمصدر محذوف أي رسالة كافة للناس، ولكن اعترض بأن كافّة مختصة بمن يعقل وبالنصب على الحال كطرا، وقاطبة. انتهى محل الغرض منه، وما ذكره الصبان في كافة هو المشهور المتداول في كلام العرب، وأوضح ذلك أبو حيان في البحر، والعلم عند الله تعالى. قوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}. قد بيّنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي ٱلأَرْضِ يُضِلُّوكَ} تفسير : [الأنعام: 116] الآية. وغير ذلك من المواضع.
د. أسعد حومد
تفسير : {أَرْسَلْنَاكَ} (28) - وَمَا أَرْسَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ إِلى قَوْمِكَ خَاصَّةً، وَإِنَّمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلى الخَلْقِ جَمِيعاً، مُبَشِّراً مَنْ أَطَاعَ اللهَ بالثَّوابِ الجَزِيلِ، والجَنَّاتِ العَالِيَاتِ، وَمُنْذِراً مَنْ عَصَاهُ بِالعَذَابِ الأَلِيمِ. وَلكِنَّ أكثرَ الناسِ لاَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَيَحْمِلُهُم جَهْلُهُمْ عَلَى الإِصْرَارِ عَلَى مَا هُمْ عَليهِ مِنَ الغَيِّ وَالضَّلاَلِ. كَافَّةً لِلنَّاسِ - إِلى النَّاسِ جَمِيعاً.
الثعلبي
تفسير : قوله عز وجل: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً} عامة {لِّلنَّاسِ} كلهم؛ العرب والعجم وسائر الأُمم. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن جعفر قال: حدثنا علي بن حرب قال: حدثنا ابن فضيل قال: حدثنا (يزيد بن أبي زياد عن مجاهد ومقسم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : أعطيتُ خمساً ولا أقول فخراً: بُعثت إلى الأحمر والأسود،وجُعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وأُحل لي المغنم ولم يحل لأحد كان قبلي، ونُصرت بالرعب فهو يسير أمامي مسيرة شهر وأُعطيت الشفاعة فادّخرتها لأُمتي يوم القيامة، وهي إن شاء الله نائلة من لم يشرك بالله شيئاً ". تفسير : وقيل: معناه كافّ للناس. يكفّهم عما هم عليه من الكفر، ويدعوهم إلى الإسلام، والهاء فيه للمبالغة. {بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب، ثم أخبر حالهم في مآلهم، فقال: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ}: الكافرون {مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ} يتلاومون ويحاور بعضهم بعضاً {يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ * وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي مكركم بنا. فهما كما يُقال: عزم الأمر وفلان نهاره صائم وليله قائم. قال الشاعر: شعر : ونمت وما ليل المطي بنائم تفسير : وقيل: مكر الليل والنهار بهم طول السلامة فيهما كقوله: {فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ}، ونحوه. {إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّواْ}: أظهروا {ٱلنَّدَامَةَ}، وهو من الأضداد؛ يكون بمعنى الإخفاء، والإبداء {لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ}: الجوامع من النار {فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا}: الأتباع والمتبوعين، {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} في الدنيا؟ {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ}: رسول {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ}: رؤساؤها وأغنياؤها {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ * وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً} منكم، ولو لم يكن راضياً بما نحن عليه من الدين والعمل لم يخوّلنا الأموال والأولاد. {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ}، وليس يدل ذلك على العواقب والمنقلب، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أنها كذلك. {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلاَّ مَنْ آمَنَ}: لكن من آمن {وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ} من الثواب بالواحد عشرة، و {من} يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون محله نصباً بوقوع {تقرب} عليه، والآخر: رفع تقديره: وما هو إلاّ من آمن. {وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ} الدرجات {آمِنُونَ}. وقراءة العامة: {جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ} بالإضافة، وقرأ يعقوب: (جزاءً) منصوباً منّوناً. الضعف رفع مجازه: فأُولئك لهم الضعف جزاء على التقديم والتأخير، وقراءة العامة: الغرفات بالجمع، واختاره أبو عبيد قال: لقوله: {لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً}، وقرأ الأعمش وحمزة: (في الغرفة) على الواحدة. {وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ}: يعملون {فِيۤ آيَاتِنَا} بإبطال حججنا وكتابنا، و{مُعَاجِزِينَ} معاونين معاندين يحسبون أنهم يفوتوننا بأنفسهم ويعجزوننا، {أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} { قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ}. قال سعيد بن جبير: ما كان من غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه، وقال الكلبي: ما تصدقتم من صدقة وأنفقتم في الخير والبر من نفقة فهو يخلفه إما أن يعجله في الدنيا وإما أن يدخر له في الآخرة. أخبرني الحسين بن محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان بن عبد الله قال: حدثنا أبي قال: حدثنا علي بن داوُد القنطري قال: حدثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثنا الليث بن سعد، عن عمرو بن الحرث عن أبي يونس مولى أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:"حديث : إنّ الله عزّ وجل قال لي: أنفق أُنفق عليك ". تفسير : وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا ابن شاذان عن جعونة بن محمد قال: حدثنا صالح ابن محمد عن سُليمان بن عمرو عن ابن حزم عن أنس بن مالك أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:"حديث : يُنادي مناد كلّ ليلة: لدوا للموت وينادي مناد: ابنوا للخراب، ويُنادي مُناد: اللهمّ هب للمنفق خلفاً، ويُنادي مناد: اللهم هب للممسك تلفاً، وينادي مناد: ليت الناس لم يخلقوا، وينادي مناد: ليتهم إذ خُلقوا فكروا فيما له خُلقوا ". تفسير : وأخبرني الحسين بن محمد الحافظ قال: حدثنا موسى بن محمد قال: حدثنا الحسن بن علويه قال: حدثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدثنا المسيب، قال: حدثنا محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرَّحْمن عن أبيه قال: قال عمر لصهيب: إنك رجل لا تمسك شيئاً، قال: إني سمعت الله عز وجل يقول: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ}. {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ}، وأخبرني أبو سُفيان الثقفي قال: حدثنا الفضل بن الفضل الكندي قال: حدثنا الحسن بن داوُد الخشاب قال: حدثنا سُويد بن سعيد قال: حدثنا عبد الحميد بن الحسن عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل معروف صدقة وما أنفق الرجل على نفسه وأهله فهو له صدقة وما وقى به عرضه فهو صدقة، وما أنفق المؤمن من نفقة فإنّ خلفها على الله ضامن إلاّ ما كان نفقة في بنيان أو معصية ". تفسير : قال عبد الحميد: فقلت لمحمد: ما معنى "ما يقي به الرجل عرضه"؟ قال: يُعطي الشاعر أو ذا اللسان المتّقى. وقال مجاهد: إذا كان في يد أحدكم شيء فليقتصد ولا يتأول هذه الآية {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} فإنّ الرزق مقسوم، فلعل رزقه قليل وهو يُنفق نفقة الموسع عليه، ومعنى الآية (ما كان من خلف فهو منه)، وربما أنفق الإنسان ماله أجمع في الخير ثم لم يزل عائلاً حتى يموت، ولكن ما كان من خلف فهو منه، ودليل تأويل مجاهد ما أخبرني أبو سُفيان الحسين بن محمد بن عبد الله قال: حدثنا محمد بن الحسين بن بشير قال: أخبرني أبو بكر بن أبي الخصيب قال: حدثنا معاذ بن المثنى قال: حدثنا عمرو بن الحصين قال: حدثنا ابن علانة وهو محمد عن الأوزاعي عن ابن أبي موسى عن أبي أُمامة قال: إنكم تؤوّلون هذه الآية على غير تأويلها {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ}. وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وإلاّ فصُمتا: "حديث : إياكم والسّرف في المال والنفقة، وعليكم بالاقتصاد، فما افتقر قوم قط اقتصدوا ". تفسير : وقال (عليه السلام): "حديث : ما عال من اقتصد ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدثنا موسى بن محمد بن إبراهيم بن هاشم البغوي قال: حدثنا أحمد بن حنبل قال: حدثنا عاصم بن خالد قال: أخبرني أبو بكر قال: حدثنا حمزة عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : من فقه الرجل رفقه في معيشته ". تفسير : {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} وإنما جاز الجمع؛ لأنه يُقال: رزق السلطان الجند، وفلان يرزق عياله، كأنه قال: وهو خير المعطين. {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} يعني هؤلاء الكفّار {ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} في الدُّنيا؟ فتتبرأ منهم الملائكة فتقول: {سُبْحَانَكَ}: تنزيهاً لك. {أَنتَ وَلِيُّنَا}: ربنا {مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ} أي يطيعون إبليس وذريته وأعوانه في معصيتك. {أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ}: مصدقون. قال قتادة: هو استفهام تقديره كقوله لعيسى: {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي...}تفسير : [المائدة: 116]. {فَٱلْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً}: شفاعة ولا عذاباً، {وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} في الدُّنيا فقد وردتموها. {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَـٰذَا} يعني محمداً(عليه السلام) {إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ وَقَالُواْ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى} يعنون القرآن {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ * وَمَآ آتَيْنَاهُمْ} هؤلاء المشركين {مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا} يقرؤونها {وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ * وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ} من الأُمم رسلنا وتنزيلنا {وَمَا بَلَغُواْ} يعني هؤلاء المشركين {مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ} يعني مكذبي الأُمم الخالية من القوة والنعمة وطول العمر {فَكَذَّبُواْ رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}: إنكاري وتغيري عليهم، يحذر كفار هذه الأُمة عذاب الأُمم الماضية. قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ} آمركم وأُوصيكم {بِوَاحِدَةٍ} بخصلة واحدة وهي {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ} لأجل الله و {أَن} في محل الخفض على البيان من {بِوَاحِدَةٍ} والترجمة عنها {مَثْنَىٰ} يعني اثنين اثنين متناظرين، {وَفُرَادَىٰ} واحداً واحداً متفكرين {ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ} جميعاً، والفكر: طلب المعنى بالقلب، فتعلموا، {مَا بِصَاحِبِكُمْ} محمد {مِّن جِنَّةٍ} جنون كما تقولون، و {مَآ} جحْد ونفي. {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ * قُلْ مَا سَأَلْتُكُم} على تبليغ الرسالة والنصيحة {مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} أي ما ثوابي إلاّ على الله {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ}: يرمي ويأتي {بِٱلْحَقِّ} ينزله من السماء إلى خير الأنبياء، {عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} رفع بخبر {إنّ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : معنى {أَرْسَلْنَاكَ ..} [سبأ: 28] أي: جعلناك رسولاً {إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ ..} [سبأ: 28] كلمة كافة تبين منزلة الرسول الخاتم، فقبل بعثة سيدنا رسول الله كان الرسول يُبعث لقوم مخصوصين، كما قال سبحانه وتعالى: {أية : وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ ..} تفسير : [آل عمران: 49]. ذلك، لأن البشر لما تكاثروا كما قال سبحانه: {أية : وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ..} تفسير : [النساء: 1] تفرَّقوا في أنحاء الأرض هنا وهناك، والعالم لا يزال في طفولة فطرته، ليس فيه ارتقاءات للقاء بين هذه الجماعات، فكانت جماعات منعزلة، لا اتصال بينها، ولكل بيئة منها داءاتها: فهؤلاء يُطفِّفون الكيل والميزان، وهؤلاء يعبدون الأصنام ... إلخ فيأتي الرسول إلى قوم مخصوصين ليعالج داءهم لا علاقة له بغيرهم. أما سيدنا رسول الله، فكان هو الرسول الخاتم المبعوث للناس كافّة؛ لأن الله تعالى عَلِم أزلاً أنه سيأتي على التقاء مع الدنيا كلها، وعلى اتصال بين الجماعات التي كانت مُتفرِّقة، وها نحن الآن نعيش عالم القرية الواحدة، وما يحدث في أقصى بلاد الدنيا نسمعه ونراه في وقته، وما دام العالم التقت مجتمعاته وقاراته، فالداءات واحدة؛ لذلك جاء رسول واحد ليعالج كل الداءات في كل المجتمعات، هذا معنى: {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ ..} [سبأ: 28]. ومعنى أنه صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل أنه مشهود له، وليس شاهداً لغيره، فقد أخذ الله تعالى العهد على الرسل، أنه إذا جاء محمد يشهدون له فشهدوا له جميعاً، أما هو صلى الله عليه وسلم فلم يشهد لأحد؛ لأنه لم يأْتِ بعده رسول. قال العلماء في كلمة {كَآفَّةً ..} [سبأ: 28] يعني: للناس جميعاً، ففي موضع آخر يقول تعالى: {أية : قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً ..} تفسير : [الأعراف: 158]. يعني: لم تَعُدْ هناك خصوصية، لا زمانية ولا مكانية. وحين نتأمل كلمة {كَآفَّةً ..} [سبأ: 28] نجد لها مناسبة في واقع لغتنا، استقر على ألسنة العامة: نشاهد الخياط مثلاً حين يخيط ثوباً يُعمِل المقصَّ في القماش، فيقطعه إلى لُحمة وسُدة، لكن تخرج خيوط الثوب من خلال أطرافه كما نقول القماش (بينسِّل) فيجمع الخياط هذه الأطراف بعضها إلى بعض، بحيث تكون أطراف القماش إلى الداخل، وهذه العملية نسميها (كفكفة) القماش، أو نسميها الآن (السَّرفلة). ومن ذلك كلمة (كَافَّة) يعني: جَمْع شتات الناس في كل زمان ومكان، بحيث لا يخرج منهم جنس ولا جماعة، ولا يشذّ عن منهجه أحد. وعندنا في الفلاحين نبات ينمو على حوافِّ القنوات اسمه النجيل، وهو غير الحشيش المعروف، والنجيل لا يرتفع عن سطح الأرض، وتتشابك عيدانه وجذوره بحيث يمنع هذه الحوافّ أن تنهار، أو يسقط منها الردم فيسدّ القناة، فكأن النجيل أدى مهمة هي كفّ الردم ومنعه أنْ ينهار يعني: كفّ جنساً أن يشرد عن مهمته. وكلمة {كَآفَّةً ..} [سبأ: 28] من كفّ الشيء يكُفُّه، فهو كافٌّ، وزيدت تاء التأنيث للمبالغة، كما في عالم وعلاَّم وعلاَّمة، لذلك يقول ربنا عن نفسه سبحانه: {أية : عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} تفسير : [التوبة: 78] فإنْ قُلْتَ: لماذا لم يَقُلْ علاَّمة؟ نقول: لأن علْم الله تعالى لا يترقى بلاغة وقِلَّة. فمعنى {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ ..} [سبأ: 28] يعني: تكفُّهم وتمنعهم عن كل شر يفسد الصلاح في الأرض، وهذه هي مهمة المنهج الذي جاء به سيدنا رسول الله؛ لذلك قال سبحانه: {أية : وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي ٱلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا..} تفسير : [الأعراف: 56]. إذن: كلمة {كَآفَّةً ..} [سبأ: 28] إما وَصْف للناس بمعنى جميعاً، وإما وَصْف لرسول الله بمعنى كافٌّ للناس عن الشر، والتاء للمبالغة. ومعنى {بَشِيراً وَنَذِيراً ..} [سبأ: 28] من البشارة، وهي أنْ تخبر بخير لم يَأْتِ أوانه بعد، ويقابلها النذارة، وهي أن تخبر بشرٍّ لم يأْتِ أوانه بعد، فمَيْزة البشارة أنها نخبرك بالخير القادم لك لتأخذ بأسبابه وتُقبل عليه وتجتهد في سبيله، وأنت مشتاق إليه، كذلك النذارة تحذرك من الخطر المقبل لتنصرف عن أسبابه وتدفعه عنك. ومثال ذلك: المعلم الذي يبشِّر التلميذ المجتهد بالنجاح والتفوق، وينذر المهمل بالفشل والرسوب، لماذا؟ لأنه يريد من المجتهد أنْ يزيد في اجتهاده، ومن الكسول المهمل أنْ يترك الكسل والإهمال ليتفوَّق هو الآخر. وقوله: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [سبأ: 28] أي: لا يعلمون أنك الرسول الخاتم، أو الرسول الذي جاء ليمنع الشر عن البشرية كلها ويصلح حركتها. وما دام أكثر الناس لا يعلمون، فمعنى ذلك أن القلة هي التي تعلم، وهذه القلة العالمة هي خميرة الخير في الوجود؛ لذلك نرى الناس مهما بالغوا في الإلحاد، وفي الخروج عن منهج الحق لا بُدَّ أن تخرج من بينهم هذه القلة التي تتمسك بالحق وتسعى إليه وتنادي به، فهي موجودة في كل زمان ومكان وإنْ قلَّتْ. لذلك يقول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الخير فيَّ وفي أمتي إلى يوم القيامة ". تفسير : إذن: لا بُدَّ أنْ تبقى فينا هذه القلة كنماذج وخليّات للخير، ولاستبقائه بين الناس مهما أظلمتْ الدنيا من حولهم. ثم يقول الحق سبحانه: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى أنه ما أرسل رسوله صلى اللّه عليه وسلم، إلا ليبشر جميع الناس بثواب اللّه، ويخبرهم بالأعمال الموجبة لذلك، وينذرهم عقاب اللّه، ويخبرهم بالأعمال الموجبة له، فليس لك من الأمر شيء، وكل ما اقترح عليك أهل التكذيب والعناد، فليس من وظيفتك، إنما ذلك بيد اللّه تعالى، { وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } أي: ليس لهم علم صحيح، بل إما جهال، أو معاندون لم يعملوا بعلمهم، فكأنهم لا علم لهم. ومن عدم علمهم، جعلهم عدم الإجابة لما اقترحوه على الرسول، موجبا لرد دعوته. فمما اقترحوه، استعجالهم العذاب، الذي أنذرهم به فقال: { وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } وهذا ظلم منهم. فأي ملازمة بين صدقه، وبين الإخبار بوقت وقوعه؟ وهل هذا إلا رد للحق، وسفه في العقل؟ أليس النذير [في أمر] في أحوال الدنيا، لو جاء قوما، يعلمون صدقه ونصحه، ولهم عدو ينتهز الفرصة منهم ويُعِدُّ لهم فقال لهم: تركت عدوكم قد سار، يريد اجتياحكم واستئصالكم. فلو قال بعضهم: إن كنت صادقا، فأخبرنا بأية ساعة يصل إلينا، وأين مكانه الآن؟ فهل يعد هذا القائل عاقلا أم يحكم بسفهه وجنونه؟ هذا، والمخبر يمكن صدقه وكذبه، والعدو قد يبدو له غيرهم، وقد تنحل عزيمته، وهم قد يكون بهم منعة يدافعون بها عن أنفسهم، فكيف بمن كذب أصدق الخلق، المعصوم في خبره، الذي لا ينطق عن الهوى، بالعذاب اليقين، الذي لا مدفع له، ولا ناصر منه؟! أليس رد خبره بحجة عدم بيانه وقت وقوعه من أسفه السفه؟!! { قُلْ } لهم - مخبرا بوقت وقوعه الذي لا شك فيه -: { لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ } فاحذروا ذلك اليوم، وأعدوا له عدته.
همام الصنعاني
تفسير : 2422- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن خُصيف، عن مجاهد، في قوله تعالى: {إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ}: [الآية: 28]، قال، قال: النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : أُعْطِيتُ خَمْساً لم يعطهن أحدٌ قبلي: بُعَثْتُ إلى كُلّ أحمر وأسود، ونُصِرْتُ بالرعب بين يديّ شهراً، وَجُعِلَت لي كل بُقْعَةٍ طَهُوراً ومسجداً، وَأُطْعِمْتُ المُغَانِم، ولم يطعمها أحدٌ قبلي "؟ تفسير : 2423- قال معمر، وذكر الأعمش، عن مجاهد، في هذا الحديث "حديث : وقيل لي سَلْ تعطه، فاختبأت دعوتي، شفاعةً لأُِمَّتِي يَوْمَ القِيامة ".
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):