٣٤ - سَبَأ
34 - Saba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
29
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } لما ذكر الرسالة بين الحشر. وقال: {قُل لَّكُم مّيعَادُ يَوْمٍ لاَّ تَسْتَـئَخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ } قد ذكرنا في سورة الأعراف أن قوله: {لاَّ تَسْتَـئَخِرُونَ } يوجب الإنذار، لأن معناه عدم المهلة عن الأجل ولكن الاستقدام ما وجهه؟ وذكرنا هناك وجهه ونذكر ههنا أنهم لما طلبوا الاستعجال بين أنه لا استعجال فيه كما لا أمهال، وهذا يفيد عظم الأمر وخطر الخطب، وذلك لأن الأمر الحقير إذا طالبه طالب من غيره لا يؤخره ولا يوقفه على وقت بخلاف الأمر الخطير وفي قوله تعالى: {لَّكُم مّيعَادُ يَوْمٍ } قراءات أحدها: رفعهما مع التنوين على وهذا يوم بدل وثانيها: نصب يوم مع رفع ميعاد والتنوين فيهما ميعاد يوماً قال الزمخشري ووجهه أنه منصوب بفعل محذوف كأنه قال ميعاد أعني يوماً وذلك يفيد التعظيم والتهويل، ويحتمل أن يقال نصب على الظرف تقديره لكم ميعاد يوماً كما يقول القائل: أنا جائيك يوماً وعلى هذا يكون العامل فيه العلم كأنه يقول لكم ميعاد تعلمونه يوماً وقوله معلوم يدل عليه كقول القائل إنه مقتول يوماً الثالثة: الإضافة لكم ميعاد يوم كما في قول القائل سحق ثوب للتبيين وإسناد الفعل إليهم بقوله: {لاَّ تَسْتَـئَخِرُونَ عَنْهُ } بدلاً عن قوله: {لاَ يُؤَخَّرُ عَنْكُمْ } زيادة تأكيد لوقوع اليوم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلْوَعْدُ } بالعذاب {إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ } فيه؟.
النسفي
تفسير : {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ } أي القيامة المشار إليها في قوله {قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا } {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ قُل لَّكُم مّيعَادُ يَوْمٍ } الميعاد ظرف الوعد من مكان أو زمان وهو هنا الزمان ويدل عليه قراءة من قرأ {مّيعَادُ يَوْمٍ } فأبدل منه اليوم، وأما الإضافة فإضافة تبيين كما تقول «بعير سانية» {لاَّ تَسْتَـئَخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ } أي لا يمكنكم التأخر عنه بالاستمهال ولا التقدم إليه بالاستعجال، ووجه انطباق هذا الجواب على سؤالهم أنهم سألوا عن ذلك وهم منكرون له تعنتاً لا استرشاداً فجاء الجواب على طريق التهديد مطابقاً للسؤال على الإنكار والتعنت وأنهم مرصدون ليوم يفاجئهم فلا يستطيعون تأخراً عنه ولا تقدماً عليه {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي أبو جهل وذووه {لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ وَلاَ بِٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } أي ما نزل قبل القرآن من كتب الله أو القيامة والجنة والنار حتى إنهم جحدوا أن يكون القرآن من الله، وأن يكون لما دل عليه من الإعادة للجزاء حقيقة {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ } محبوسون {عِندَ رَبّهِمْ يَرْجِعُ } يرد {بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ } في الجدال أخبر عن عاقبة أمرهم ومآلهم في الآخرة فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو للمخاطب: ولو ترى في الآخرة موقفهم وهم يتجاذبون أطراف المحاورة ويتراجعونها بينهم لرأيت العجب فحذف الجواب {يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ } أي الأتباع {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ } أي للرؤوس والمقدمين {لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ } لولا دعاؤكم إيانا إلى الكفر لكنا مؤمنين بالله ورسوله {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ أَنَحْنُ صَدَدنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ } أولى الاسم أي نحن حرف الانكار لأن المراد إنكار أن يكون هم الصادين لهم عن الإيمان وإثبات أنهم هم الذين صدوا بأنفسهم عنه وأنهم أتوا من قبل اختيارهم {بَعْدَ إِذْ جَاءكُمْ } إنما وقعت «إذ» مضافاً إليها وإن كانت «إذ» و «إذا» من الظروف اللازمة للظرفية لأنه قد اتسع في الزمان ما لم يتسع في غيره فأضيف إليها الزمان {بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ } كافرين لاختياركم وإيثاركم الضلال على الهدى لا بقولنا وتسويلنا. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ } لم يأت بالعاطف في {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ } وأتى به في {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ } لأن الذين استضعفوا مر أولاً كلامهم فجيء بالجواب محذوف العاطف على طريق الاستئناف، ثم جيء بكلام آخر للمستضعفين فعطف على كلامهم الأول {بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } بل مكركم بنا بالليل والنهار فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول به وإضافة المكر إليه، أو جعل ليلهم ونهارهم ماكرين على الإسناد المجازي أي الليل والنهار مكراً بطول السلامة فيهما حتى ظننا أنكم على الحق {إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً } أشباهاً. والمعنى أن المستكبرين لما أنكروا بقولهم {أَنَحْنُ صَدَدنَـٰكُمْ } أن يكونوا هم السبب في كفر المستضعفين وأثبتوا بقولهم {بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ } أن ذلك بكسبهم واختيارهم، كر عليهم المستضعفون بقولهم {بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } فأبطلوا إضرابهم بأضرابهم كأنهم قالوا: ما كان الإجرام من جهتنا بل من جهة مكركم لنا دائباً ليلاً ونهاراً وحملكم إيانا على الشرك واتخاذ الأنداد {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ } أضمروا أو أظهروا وهو من الأضداد وهم الظالمون في قوله {إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ } يندم المستكبرون على ضلالهم وإضلالهم والمستضعفون على ضلالهم واتباعهم المضلين {لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ } الجحيم {وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلَـٰلَ فِى أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } أي في أعناقهم فجاء بالصريح للدلالة على ما استحقوا به الأغلال {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } في الدنيا. {وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ } نبي {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا } متنعموها ورؤساؤها {إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ } هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم مما مني به من قومه من التكذيب والكفر بما جاء به وأنه لم يرسل قط إلى أهل قرية من نذير إلا قالوا له مثل ما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة وافتخروا بكثرة الأموال والأولاد كما قال {وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوٰلاً وَأَوْلَـٰداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } أرادوا أنهم أكرم على الله من أن يعذبهم نظراً إلى أحوالهم في الدنيا، وظنوا أنهم لو لم يكرموا على الله لما رزقهم الله، ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم، فأبطل الله ظنهم بأن الرزق فضل من الله يقسمه كيف يشاء، فربما وسع على العاصي وضيق على المطيع وربما عكس، وربما وسع عليهما أو ضيق عليهما فلا ينقاس عليهما أمر الثواب وذلك قوله: {قُلْ إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ } قدر الرزق تضييقه قال الله تعالى {أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ } تفسير : [الطلاق: 7] {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك {وَمَا أَمْوٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ بِٱلَّتِى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ } أي وما جماعة أموالكم ولا جماعة أولادكم بالتي تقربكم، وذلك أن الجمع المكسر عقلاؤه وغير عقلائه سواء في حكم التأنيث، والزلفى والزلفة كالقربى والقربة ومحلها النصب على المصدر أي تقربكم قربة كقوله {أية : أَنبَتَكُمْ مّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً }تفسير : [نوح: 17] {إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} الاستثناء من «كم» في {تُقَرّبُكُمْ } يعني أن الأموال لا تقرب أحداً إلا المؤمن الصالح الذي ينفقها في سبيل الله، والأولاد لا تقرب أحداً إلا من علمهم الخير وفقههم في الدين ورشحهم للصلاح والطاعة. وعن ابن عباس: «إلا» بمعنى «لكن» ومن شرط جوابه {فَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ جَزَاء ٱلضّعْفِ } وهو من إضافة المصدر إلى المفعول أصله فأولئك لهم أن يجازوا الضعف ثم جزاء الضعف ثم جزاء الضعف، ومعنى جزاء الضعف أن تضاعف لهم حسناتهم الواحدة عشراً وقرأ يعقوب {جَزَاءً ٱلضّعْفُ}، على «فأولئك لهم الضعف جزاء» {بِمَا عَمِلُواْ } بأعمالهم {وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَـٰتِ } أي غرف منازل الجنة {ٱلْغُرْفَةَ } حمزة {ءامِنُونَ } من كل هائل وشاغل. {وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِى ءايَـٰتِنَا } في إبطالها {مُعَـٰجِزِينَ أُوْلَـئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ قُلْ إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ } يوسع {لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنفَقْتُمْ } «ما» شرطية في موضع النصب {مِن شَىْء } بيانه {فَهُوَ يُخْلِفُهُ } يعوضه لا معوض سواه إما عاجلاً بالمال أو آجلاً بالثواب جواب الشرط {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرازِقِينَ} المطعمين لأن كل ما رزق غيره من سلطان أو سيد أو غيرهما فهو من رزق الله أجراه على أيدي هؤلاء، وهو خالق الرزق وخالق الأسباب التي بها ينتفع المرزوق بالرزق. وعن بعضهم: الحمد لله الذي أوجدني وجعلني ممن يشتهي فكم من مشتهٍ لا يجد وواجد لا يشتهي. {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَـٰئِكَةِ أَهَـؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ } وبالياء فيهما: حفص ويعقوب. هذا خطاب للملائكة وتقريع للكفار وارد على المثل السائر: إياك أعني واسمعي يا جاره ونحوه قوله {أية : أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى }تفسير : [المائدة: 116] الآية {قَالُواْ } أي الملائكة {سُبْحَـٰنَكَ } تنزيهاً لك أن يعبد معك غيرك {أَنتَ وَلِيُّنَا } الموالاة خلاف المعاداة وهي مفاعلة من الولي وهو القرب والولي يقع على الموالي والموالى جميعاً، والمعنى أنت الذي تواليه {مِن دُونِهِمُ } إذ لا موالاة بيننا وبينهم فبينوا بإثبات موالاة الله ومعاداة الكفار براءتهم من الرضا بعبادتهم لهم لأن من كان على هذه الصفة كانت حاله منافية لذلك {بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ } أي الشياطين حيث أطاعوهم في عبادة غير الله، أو كانوا يدخلون في أجواف الأصنام إذا عبدت فيعبدون بعبادتها، أو صورت لهم الشياطين صور قوم من الجن وقالوا هذه صور الملائكة فاعبدوها {أَكْثَرُهُمْ } أكثر الإنس أو الكفار {بِهِمُ } بالجن {مُؤْمِنُونَ }.
القشيري
تفسير : لكثرة ما يقولون هذا كرّره اللَّهُ في كتابه خبراً عنهم، والجواب إن لكم ميعاد يومٍ، وفي هذا الميعاد لا تستأخرون ساعةً ولا تستقدمون.
اسماعيل حقي
تفسير : {ويقولون} اى المشركون من فرط جهلهم وغاية غيهم مخاطبين لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به بطريق الاستهزاء {متى} [كى باشد] {هذا الوعد} المبشر به والمنذر عنه يعنى الجنة والنار {ان كنتم صادقين} فى دعوى الوقوع والوجود
الجنابذي
تفسير : {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ} اى وعد الجمع بيننا ويوم فتح الله {إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب الّتى تدّعون انّها نازلة من السّماء او من الكتب الدّالّة على رسالتك {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} لو شرطيّة محذوفة الجواب او للتّمنّى ولا جواب لها والجملة حاليّة وتسلية له (ص) ولامّته وتهديد لهم وقد مضى بيان للآية فى اوّل الانعام عند قوله: ولو ترى اذ وقفوا على ربّهم {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ} يتحاورون ويتحاوبون {يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ} يعنى الاتباع {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ} مخاطبين لهم {لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} فانّكم صددتمونا عن الايمان.
اطفيش
تفسير : {ويقولون} للنبي والمؤمنين على جهة انكار القيامة لفرط جهلهم. {متى هذا الوعد} الوعد بقيام الناس من قبورهم للاثابة بالجنة والعقاب بالنار والوعد بمعنى الموعود به او يقدر مضاف اي متى مخط هذا الوعد. {إن كنتم صادقين} فيه.
اطفيش
تفسير : {ويقُولُون} استهزاء بألسنتهم كما هو المتبادر الأصل لا بالحال، والمضارع للتجدد كما هو المتبادر لا للاحضار والمشاهدة، وأن الأصل قالوا كما قيل، والعطف على كل حال على لا يعلمون، والقائلون بعض المشركين المعاصرين له صلى الله عليه وسلم لا أكثر الناس مطلقا اذا قلنا القول بلسان المقال، وان قلنا بلسان الحال فالمشركون مطلقا، ولم يعطف بالفاء لأنه ليس المراد التفريع على انتفاء العلم، بل الإخبار باتصاف أكثر الناس بانتفاء العلم، وبالقول لما ذكر بعد، سواء جعلنا القول حاليا أو لسانيا أو إياهما أو بعضا حاليا وبعض لسانيا، لا كما قال بعض المحققين: لم يعطف بالفاء لأن المقصود حالى أو لسانى، فان كونه كذلك لا يمنع التفريع، ولا كما قيل: لم يعطف بالفاء لأن المراد أنهم يقولون لفرط تعنتهم، فان فرطه لا يمنع التفريع، وقيل: لم يعطف بالفاء لظهور معناها فيه، فالتفريع مستفاد بلا فاء، وإن الحامل فرط الجهل، وقيل: لأن القائلين قوم آخرون لا عين الموصوفين بأنهم لا يعملون. {مَتَى هذا الوَعْد} الموعود بالتبشير والإنذار، أو بالجمع بيننا والفتح {إن كُنْتم صادقين} يا محمد وأصحابه، ولو لم يذكروا لأنهم قائلون بقوله. {قُلْ} فى إجابتهم {لَكُم مِيعادُ يَومٍ} يوم القيامة، وقيل: يوم موتهم، وقيل: يوم بدر مصدر ميمى بوزن صيغة المبالغة للتأكيد باق، أو بمعنى مفعول وأضيف لليوم، لأنه يظهر فيه، وقدر بعض مضافا أى وقوع وعد يوم، أو إنجاز وعد يوم، ويجوز أن يكون اسم زمان ميميا بالاضافة للبيان، كما يدل له قراءة تنوين ميعاد ورفعه، ورفع يوم وكونه بدل اشتماله لميعاد برفعهما وتنوينهما، خلاف الأصل، وأيضا يحوج الى تقدير رابط، أى يوم له، وكذا تقدير ميعاد يوم، على ابدال ميعاد من ميعاد بدل كل، وتنكير يوم للتعظيم، سألوا عن تعيين الوقت، وأجيبوا بابهام، فليس من الأسلوب الحكيم لأنه أن تجيب بالأليق معرضا عن كلام السائل، فان ما بعد هذا من نفى التأخير والتقديم من أوصاف ذلك اليوم المجاب به ولا بيان الحالهم فيه {لا تستأخرون عنه} عن اليوم أو الميعاد، والجملة نعت أحدهما {ساعةً} اذا فاجأكم أو جاءكم {ولا تَسْتقدمُون} عنه ساعة قبل مجيئه.
الالوسي
تفسير : {وَيَقُولُونَ } أي لجهلهم حقيقة أو حكماً ولذا لم يعطف بالفاء وقيل يقولون أي من فرط تعنتهم وعدم العطف بالفاء لذلك. وقيل الحامل فرط الجهل وعدم العطف بالفاء لظهور تفرعه على ما قبله ومثله يوكل إلى ذهن السامع، وقيل إن ذاك لأن فرط الجهل غير الجهل وهو كما ترى، وقيل لأن هذا حال بعض وعدم العلم في قوله تعالى: {أية : لاَّ يَعْلَمُونَ }تفسير : [سبأ: 28] حال بعض آخر، والذي يظهر لي أن القائلين بالفعل هم بعض المشركين المعاصرين له صلى الله عليه وسلم لا أكثر الناس مطلقاً وأن المراد بصيغة المضارع الاستمرار التجددي، وقيل عبر بها استحضاراً للصورة الماضية لنوع غرابة والأصل وقالوا. {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ } بطريق الاستهزاء يعنون المبشر به والمنذر عنه أو الموعود بقوله تعالى: {أية : يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا }تفسير : [سبأ: 26] {إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ } مخاطبين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به.
ابن عاشور
تفسير : كان من أعظم ما أنكروه مما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم القيامةُ والبعثُ ولذلك عقب إبطال قولهم في إنكار الرسالة بإبطال قولهم في إنكار البعث، والجملة معطوفة على خبر { أية : لكِنَّ } تفسير : [سبأ: 28]. والتقدير: ولكن أكثر الناس لا يعلمون حق البشارة والنذارة ويتهكمون فيسألون عن وقت هذا الوعد الذي هو مظهر البشارة والنذارة. ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة والواو للاستئناف. وضمير {يقولون} عائد إلى المحاجّين من المشركين الذين صدرت عنهم هذه المقالة. وصيغة المضارع في {يقولون} تفيد التعجيب من مقالتهم كقوله تعالى: { أية : يجادلنا في قوم لوط } تفسير : [هود: 74] مع إفادتها تكرر ذلك القول منهم وتجدّده. وجملة {قل لكم ميعاد يوم} إلى آخرها مسوقة مساق الجواب عن مقالتهم ولذلك فصلت ولم تعطف، على طريقة حكاية المحاورات في القرآن، وهذا الجواب جرى على طريقة الأسلوب الحكيم، أي أن الأهم للعقلاء أن تتوجه هممهم إلى تحقق وقوع الوعد في الوقت الذي عينه الله له وأنه لا يؤخره شيء ولا يقدمه، وحسَّن هذا الأسلوب أن سؤالهم إنما أرادوا به الكناية عن انتفاء وقوعه. وفي هذا الجواب تعريض بالتهديد فكان مطابقاً للمقصود من الاستفهام، ولذلك زيد في الجواب كلمة {لكم} إشارة إلى أن هذا الميعاد منصرف إليهم ابتداء. وضمير جمع المخاطب في قوله: {إن كنتم صادقين} إما للرسول صلى الله عليه وسلم باعتبار أن معه جماعة يخبرون بهذا الوعد، وإما الخطاب موجه للمسلمين. واسم الإِشارة في هذا الوعد للاستخفاف والتحقير كقول قيس بن الخطيم: شعر : متى يأت هذا الموت لا يلف حاجة لنفسيَ إلا قد قضيتُ قضاءها تفسير : وجواب: {كنتم صادقين} دل عليه السؤال، أي إن كنتم صادقين فعيِّنُوا لنا ميقات هذا الوعد. وهذا كلام صادر عن جهالة لأنه لا يلزم من الصدق في الإِخبار بشيء أن يكون المخبِر عالماً بوقت حصوله ولو في المضيّ فكيف به في الاستقبال. وخولف مقتضى الظاهر في الجواب من الإِتيان بضمير الوعد الواقع في كلامهم إِلى الإِتيان باسم ظاهر وهو {ميعاد يوم} لما في هذا الاسم النكرة من الإِبهام الذي يوجه نفوس السامعين إلى كل وجه ممكن في محمل ذلك، وهو أن يكون يومَ البعث أو يوماً آخر يحلّ فيه عذاب على أيمة الكفر وزعماء المشركين وهو يوم بدر ولعل الذين قتلوا يومئذٍ هم أصحاب مقالة {متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} وأفاد تنكير {يوم} تهويلاً وتعظيماً بقرينة المقام. والميعاد: مصدر ميمي للوعد فإضافته إلى ظرفه بيانية. ويجوز كونه مستعملاً في الزمان وإضافته إلى اليوم بيانية لأن الميعاد هو اليوم نفسه. وجملة {لا تستأخرون عنه ساعة} إمّا صفة لــــ{ميعاد} وإما حال من ضمير {لكم}. والاستئخار والاستقدام مبالغة في التأخر والتقدم مثل: استحباب، فالسين والتاء للمبالغة. وقدم الاستئخار على الاستقدام إيماء إلى أنه مِيعاد بَأس وعذاب عليهم من شأنه أن يتمنوا تأخره، ويكون {ولا تستقدمون} تتميماً لتحققه عند وقته المعيّن في علم الله. والساعة: حصة من الزمن، وتنكيرها للتقليل بمعونة المقام.
د. أسعد حومد
تفسير : {صَادِقِينَ} (29) - وَيَقُولُ هؤُلاءِ المُشْرِكُونَ اسْتِهْزَاءً وَتَعَنُّتاً: مَتَى يَكُونُ هذَا اليَوْمُ الذِي تَعِدُونَنَا فِيهِ بِالثَّوابِ، وَالعِقَابِ، إِنْ كُنْتُمْ صَادِقينَ فِيما تَقُولُونَ؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : المتأمل في كتاب الله يجد الحق - سبحانه وتعالى - لم يجعل القرآن أبواباً منفصلة، هذا للصلاة، وهذا للزكاة، وهذا للربا ... إلخ إنما يخلط هذه الأحكام في نسق رائع، ومزيج مشوِّق، يراوح بين الأساليب، فلا يملُّ منه قارئه، ولا يزهد. القرآن ليس كتابَ قانون، يُفرد فصلاً لكل جريمة، إنما يتناول الجريمة بأسلوب فريد، فيذكر الجريمة ويُفظِّعها ويبين أثرها، حتى إذا ما قرر العقوبة عليها تجد هذه العقوبة طبيعية تتقبلها النفوس؛ لأن صاحب العقوبة يستحقها. يقول تعالى حكاية عن الكافرين: {وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ ..} [سبأ: 29] والوعد لا يكون إلا بالخير، والوعيد يكون بالشر، وعجيب أنْ يسمى الكفار القيامة وَعْداً، فكان ينبغي أنْ يقولوا متى هذا الوعيد، أو: أن الله تعالى لوى ألسنتهم ليقولوا كلمة الحق، فهو بالفعل وَعْد حق من الله، وإنْ كان في حقهم وعيداً. والوعد من الله فيه أشياء كثيرة، خاتمته البعث والحساب، ثم الجنة أو النار. لكن هل وَعْد الله لا يتحقق إلا في الآخرة؟ قالوا: لا بل يروْنَ شيئاً منه في الدنيا، وإلا لو تركهم الله سالمين إلى أنْ يعاقبهم في الآخرة لاستشرى فسادهم، ولعَربد غير المؤمنين دون رادع لهم. لذلك من حكمته تعالى أن يُعجِّل لهم شيئاً من وعده، فيروْنَه في الدنيا، كما قال تعالى: {أية : سَيُهْزَمُ ٱلْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ ٱلدُّبُرَ} تفسير : [القمر: 45] وفعلاً، جاء يوم بدر وهزمهم الله، وقُتِل منهم مَنْ قُتِل، وأُسِر منهم مَنْ أُسِر، فكما صدقت فيهم المقدمات، فسوف تصدق المتواليات في الآخرة. لذلك يخاطب الحق نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {أية : فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} تفسير : [غافر: 77]. فمَنْ لم يتحقق فيه وَعْد الله في الدنيا وتشاهده بعينيك، فموعده الآخرة، وإلا فهناك من الكفار مَنْ مات قبل بدر، ولم يشهدوا انتصارات المسلمين وفتوحاتهم، ولم ينَلْهم شيء من عقاب الدنيا. وقولهم: {مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلْوَعْدُ ..} [سبأ: 29] استبطاء للعذاب. ثم يأمر الله تعالى نبيه أنْ يرد عليهم: {قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوْمٍ لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ} [سبأ: 30] هو يوم النصر عليهم، كما في يوم بدر، حيث أذاقهم الله الذلة والهوان والموت، وقضى على جبروتهم، أو هو يوم القيامة. والذي ضرب لكم هذا الميعاد هو القادر على إنفاذه، وليست هناك قوة تمنعه سبحانه أنْ يفي بما وعد، أو حتى يُؤخِّره لحظة واحدة، وهو سبحانه العليم بأن الآيات الكونية لا تشذّ عما أراد سبحانه. وسبق أن بينَّا أن البشر حين يَعِدُون لا يملكون أسباب الوفاء بوعودهم، لذلك علَّمنا ربنا - عز وجل - أن نحتاط لذلك؛ فقال سبحانه: {أية : وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ..} تفسير : [الكهف: 23-24]. لأن الله يحب لعبده أن يكون صادقاً، فحين يعلق فِعْله على مشيئة الله يُعْفِي نفسه من الكذب وإخلاف الوعد حين عدم الوفاء خاصة، وهو لا يملك عنصراً واحداً من عناصره، إذن: اطرح المسألة على مَنْ يملك كل هذه العناصر؛ لذلك نُسمِّي الوعد من الناس وَعْداً ومن الله الوعد الحق يعني: الذي لا يتخلف أبداً. ومعنى {لاَّ تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ تَسْتَقْدِمُونَ} [سبأ: 30] أنه ميعاد مضبوط، وكان الحق سبحانه يريد بذلك أنْ يستقبل الإنسانُ كلَّ المعطيات التي منحه الله، وأنْ تظل دائماً في ذهنه لا يغفل عنها. وجاء (يَوْمٍ) نكرة مبهمة، والإبهام هنا هو عَيْن البيان، كما سبق أنْ أوضحنا، فحين يبهم اللهُ مثلاً أجلَ الإنسان يظل دائماً متذكراً له، ينتظره في أي وقت، ويتوقعه في كل نفَس، وفي كل لحظة دون أنْ يربطه بمرض أو غيره، فالموت من دون أسباب هو السبب. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):