Verse. 3637 (AR)

٣٤ - سَبَأ

34 - Saba (AR)

وَقَالَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا لَنْ نُّؤْمِنَ بِھٰذَا الْقُرْاٰنِ وَلَا بِالَّذِيْ بَيْنَ يَدَيْہِ۝۰ۭ وَلَوْ تَرٰۗى اِذِ الظّٰلِمُوْنَ مَوْقُوْفُوْنَ عِنْدَ رَبِّہِمْ۝۰ۚۖ يَرْجِــعُ بَعْضُہُمْ اِلٰى بَعْضِۨ الْقَوْلَ۝۰ۚ يَقُوْلُ الَّذِيْنَ اسْتُضْعِفُوْا لِلَّذِيْنَ اسْـتَكْبَرُوْا لَوْلَاۗ اَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِيْنَ۝۳۱
Waqala allatheena kafaroo lan numina bihatha alqurani wala biallathee bayna yadayhi walaw tara ithi alththalimoona mawqoofoona AAinda rabbihim yarjiAAu baAAduhum ila baAAdin alqawla yaqoolu allatheena istudAAifoo lillatheena istakbaroo lawla antum lakunna mumineena

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال الذين كفروا» من أهل مكة «لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه» أي تقدمه كالتوراة والإنجيل الدالين على البعث لإنكارهم له قال تعالى فيهم «ولو ترى» يا محمد «إذ الظالمون» الكافرون «موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا» الأتباع «للذين استكبروا» الرؤساء «لولا أنتم» صددتمونا عن الإيمان «لكنا مؤمنين» بالنبي.

31

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } لما بين الأمور الثلاثة من التوحيد والرسالة والحشر وكانوا بالكل كافرين بين كفرهم العام بقوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ } وذلك لأن القرآن مشتمل على الكل وقوله: {وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ } المشهور أنه التوراة والإنجيل، وعلى هذا فالذين كفروا المراد منهم المشركون المنكرون للنبوات والحشر، ويحتمل أن يقال إن المعنى هو أنا لا نؤمن بالقرآن أنه من الله ولا بالذي بين يديه أي ولا بما فيه من الإخبارات والمسائل والآيات والدلائل، وعلى هذا فالذين كفروا المراد منهم العموم، لأن أهل الكتاب لم يؤمنوا بالقرآن أنه من الله ولا بالذي فيه من الرسالة وتفاصيل الحشر، فإن قيل: أليس هم مؤمنون بالوحدانية والحشر، فنقول إذا لم يصدق واحد ما في الكتاب من الأمور المختصة به يقال فيه إنه لم يؤمن بشيء منه وإن آمن ببعض ما فيه لكونه في غيره فيكون إيمانه لا بما فيه. مثاله: أن من يكذب رجلاً فيما يقوله فإذا أخبره بأن النار حارة لا يكذبه فيه ولكن لا يقال إنه صدقه لأنه إنما صدق نفسه، فإنه كان عالماً به من قبل وعلى هذا فقوله بين يديه أي الذي هو مشتمل عليه من حيث إنه وارد فيه. وقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ}. لما وقع اليأس من إيمانهم في هذه الدار بقولهم لن نؤمن فإنه لتأييد النفي وعد نبيه عليه الصلاة والسلام بأنه يراهم على أذل حال موقوفين للسؤال يرجع بعضهم إلى بعض القول كما يكون عليه حال جماعة أخطؤا في أمر يقول بعضهم كان ذلك بسببك ويرد عليه الآخر مثل ذلك، وجواب لو محذوف، تقديره: ولو ترى إذ الظالمون موقوفون لرأيت عجباً، ثم بدأ بالأتباع لأن المضل أولى بالتوبيخ فقال: {يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ } إشارة إلى أن كفرهم كان لمانع لا لعدم المقتضى لأنهم لا يمكنهم أن يقولوا ما جاءنا رسول، ولا أن يقولوا قصر الرسول، وهذا إشارة إلى إتيان الرسول بما عليه لأن الرسول لو أهمل شيئاً لما كانوا يؤمنون ولولا المستكبرون لآمنوا.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} يريد كفار قريش. {لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} قال سعيد عن قتادة: «وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ» من الكتب والأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقيل من الآخرة. وقال ابن جُريج: قائل ذلك أبو جهل بن هشام. وقيل: إن أهل الكتاب قالوا للمشركين صفة محمد في كتابنا فسلوه، فلما سألوه فوافق ما قال أهل الكتاب قال المشركون: لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي أنزل قبله من التوراة والإنجيل بل نكفر بالجميع؛ وكانوا قبل ذلك يراجعون أهل الكتاب ويحتجون بقولهم، فظهر بهذا تناقضهم وقلة علمهم. ثم أخبر الله تبارك وتعالى عن حالهم فيما لهم فقال {وَلَوْ تَرَىٰ} يا محمد {إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} أي محبوسون في موقف الحساب، يتراجعون الكلام فيما بينهم باللوم والعتاب بعد أن كانوا في الدنيا أخلاء متناصرين. وجواب «لو» محذوف؛ أي لرأيت أمراً هائلاً فظيعاً. ثم ذكر أيّ شيء يرجع من القول بينهم فقال: {يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ} في الدنيا من الكافرين {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ} وهم القادة والرؤساء {لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} أي أغويتمونا وأضللتمونا. واللغة الفصيحة «لَوْلاَ أَنْتُمْ» ومن العرب من يقول: «لولاكم» حكاها سيبويه؛ تكون «لَوْلا» تخفض المضمر ويرتفع المظهر بعدها بالابتداء ويحذف خبره. ومحمد بن يزيد يقول: لا يجوز «لولاكم» لأن المضمر عقيب المظهر، فلما كان المظهر مرفوعاً بالإجماع وجب أن يكون المضمر أيضاً مرفوعاً. {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ} هو استفهام بمعنى الإنكار، أي ما رددناكم نحن عن الهدى، ولا أكرهناكم. {بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ} أي مشركين مصرين على الكفر. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} المكر أصله في كلام العرب الاحتيال والخديعة، وقد مكر به يَمكُرُ فهو ماكر ومَكّار. قال الأخفش: هو على تقدير: هذا مكر الليل والنهار. قال النحاس: والمعنى ـ والله أعلم ـ بل مكركم في الليل والنهار، أي مسارّتكم إيانا ودعاؤكم لنا إلى الكفر حملنا على هذا. وقال سفيان الثوري: بل عملكم في الليل والنهار. قتادة: بل مكركم بالليل والنهار صدّنا؛ فأضيف المكر إليهما لوقوعه فيهما، وهو كقوله تعالى: {أية : إِنَّ أَجَلَ ٱللَّهِ إِذَا جَآءَ لاَ يُؤَخَّرُ} تفسير : [نوح: 4] فأضاف الأجل إلى نفسه، ثم قال: {أية : فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً} تفسير : [الأعراف: 34] إذ كان الأجل لهم. وهذا من قبيل قولك: ليله قائم ونهاره صائم. قال المبرد: أي بل مكركم الليل والنهار، كما تقول العرب: نهاره صائم وليله قائم. وأنشد لجرير:شعر : لقد لُمْتِنَا يا أمَّ غَيْلان في السُّرَى ونمِت وما ليلُ المَطِيّ بنائم تفسير : وأنشد سيبويه:شعر : فـنـام ليـلـي وتـجـلّـى هـمـي تفسير : أي نمت فيه. ونظيره: {أية : وَٱلنَّهَـارَ مُبْصِـراً} تفسير : [غافر: 61]. وقرأ قتادة: «بل مَكْرٌ الليلَ والنهارَ» بتنوين «مكر» ونصب «الليل والنهار»، والتقدير: بل مكر كائن في الليل والنهار، فحذف. وقرأ سعيد بن جبير «بَلْ مكَرُّ» بفتح الكاف وشدّ الراء بمعنى الكرور، وارتفاعه بالابتداء والخبر محذوف. ويجوز أن يرتفع بفعل مضمر دلّ عليه «أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ» كأنهم لما قالوا لهم أنحن صددناكم عن الهدى قالوا بل صدّنا مكر الليلِ والنهار. وروي عن سعيد بن جبير «بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَار» قال: مرّ الليلُ والنهار عليهم فغفلوا. وقيل: طول السلامة فيهما كقوله: {أية : فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ} تفسير : [الحديد: 16]. وقرأ راشد «بل مَكَرَّ الليل والنهار» بالنصب، كما تقول: رأيته مَقْدَمُ الحاج، وإنما يجوز هذا فيما يعرف، لو قلت: رأيته مقدَمَ زيد، لم يجز؛ ذكره النحاس. {إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً} أي أشباهاً وأمثالاً ونظراء. قال محمد بن يزيد: فلانٌ نِدُّ فلانٍ، أي مثله. ويقال نَدِيد؛ وأنشد:شعر : أينما تجعلون إليّ ندّاً وما أنتم لذي حسب نديد تفسير : وقد مضى هذا في «البقرة». {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ} أي أظهروها، وهو من الأضداد يكون بمعنى الإخفاء والإبداء. قال امرؤ القيس:شعر : تجاوزت أحراساً وأهوال مَعْشرٍ علّي حراصا لو يُسِرّون مَقْتَلي تفسير : وروي «يُشِرون». وقيل: «وَأَسَرّوا النَّدامَةَ» أي تبينت الندامة في أسرار وجوههم. قيل: الندامة لا تظهر، وإنما تكون في القلب، وإنما يظهر ما يتولّد عنها، حسبما تقدّم بيانه في سورة «يونس، وآل عمران». وقيل: إظهارهم الندامة قولُهم: {أية : فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ } تفسير : [الشعراء: 102]. وقيل: أسروا الندامة فيما بينهم ولم يجهروا القول بها؛ كما قال: {أية : وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ}تفسير : [طه: 62]. {وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} الأغلال جمع غُلَّ، يقال: في رقبته غُلّ من حديد. ومنه قيل للمرأة السيئة الخلق: غلٌّ قَمِل، وأصله أن الغُلّ كان يكون من قِدّ وعليه شعر فيَقْمَل. وغَللتُ يده إلى عنقه؛ وقد غُلَّ فهو مغلول، يقال: مالَه أُلَّ وغُلَّ. والغُلّ أيضاً والغُلّة: حرارة العطش، وكذلك الغليل؛ يقال منه: غُلَّ الرجلُ يُغَلَّ غَلَلاً فهو مغلول، على ما لم يسمَّ فاعله؛ عن الجوهري. أي جعلت الجوامع في أعناق التابعين والمتبوعين. قيل من غير هؤلاء الفريقين. وقيل يرجع «الَّذِينَ كَفَرُوا» إليهم. وقيل: تم الكلام عند قوله: {لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ} ثم ابتدأ فقال: {وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ} بعد ذلك في أعناق سائر الكفار. {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} في الدنيا.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى عن تمادي الكفار في طغيانهم وعنادهم وإصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن الكريم، وبما أخبر به من أمر المعاد، ولهذا قال تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَلاَ بِٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ} قال الله عز وجل متهدداً لهم، ومتوعداً، ومخبراً عن مواقفهم الذليلة بين يديه في حال تخاصمهم وتحاجهم {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ} وهم الأتباع {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ} منهم، وهم قادتهم وسادتهم: {لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} أي: لولا أنتم تصدوننا، لكنا اتبعنا الرسل، وآمنا بما جاؤونا به، فقال لهم القادة والسادة، وهم الذين استكبروا: {أَنَحْنُ صَدَدنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ} أي: نحن ما فعلنا بكم أكثر من أنا دعوناكم، فاتبعتمونا من غير دليل ولا برهان، وخالفتم الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت بها الرسل؛ لشهوتكم واختياركم لذلك، ولهذا قالوا: {بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي: بل كنتم تمكرون بنا ليلاً نهاراً، وتغروننا وتمنوننا، وتخبروننا أنا على هدى، وأنا على شيء، فإذا جميع ذلك باطل وكذب ومين. قال قتادة وابن زيد: {بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} يقول: بل مكركم بالليل والنهار، وكذا قال مالك عن زيد بن أسلم: بالليل والنهار، {إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً} أي: نظراء وآلهة معه، وتقيمون لنا شبهاً وأشياء من المحال تضلوننا بها، {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} أي: الجميع؛ من السادة والأتباع، كل ندم على ما سلف منه {وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلَـٰلَ فِىۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم، {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي: إِنما نجازيكم بأعمالكم، كل بحسبه، للقادة عذاب بحسبهم، وللأتباع بحسبهم {أية : قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـٰكِن لاَّ تَعْلَمُونَ} تفسير : [الأعراف: 38] قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء، حدثنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني عن أبي سنان ضرار بن صرد عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إِن جهنم لما سيق إليها أهلها، تلقاهم لهبها، ثم لفحتهم لفحة لم يبق لحم إلا سقط على العرقوب»تفسير : . وحدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي الحواري، حدثنا الطيب أبو الحسن عن الحسن بن يحيى الخشني قال: ما في جهنم دار ولامغار، ولاغل ولاقيد ولاسلسلة، إِلا اسم صاحبها عليها مكتوب، قال: فحدثته أبا سليمان، يعني الداراني رحمة الله عليه، فبكى، ثم قال: ويحك فكيف به لو جمع هذا كله عليه، فجعل القيد في رجليه والغل في يديه، والسلسلة في عنقه، ثم أدخل النار، وأدخل المغار؟ اللهم سلم.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } من أهل مكة {لَن نُّؤْمِنَ بِهَٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَلاَ بِٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } أي تقدمه كالتوراة والإِنجيل الدالين على البعث لإِنكارهم له. قال تعالى فيهم: {وَلَوْ تَرَى } يا محمد {إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ } الكافرون {مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ } الأتباع {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ } الرؤساء {لَوْلاَ أَنتُمْ } صددتمونا عن الإِيمان {لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ } بالنبي.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} يعني كفار العرب، {لَن نُّؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْءانِ وَلاَ بِالَّذي بَيْنَ يَدَيْهِ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: التوراة، والإِنجيل، قاله السدي. الثاني: من الأنبياء والكتب، قاله قتادة. الثالث: من أمر الآخرة، قاله ابن عيسى. قال ابن جريج: قائل ذلك أبو جهل ابن هشام. قوله عز وجل: {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} فيه خمسة تأويلات: أحدها: معناه بل غركم اختلاف الليل والنهار، قاله السدي. الثاني: بل عملكم من الليل والنهار، قاله سفيان. الثالث: بل معصية الليل والنهار، قاله قتادة. الرابع: بل مر الليل والنهار، قاله سعيد بن جبير. الخامس: بل مكرهم في الليل والنهار، قاله الحسن. {إذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً} فيه وجهان: أحدهما: أشباهاً، قاله سعيد بن جبير. الثاني: شركاء، قاله أبو مالك.

ابن عطية

تفسير : حكيت في هذه الآية مقالة قالها بعض قريش وهي أنهم لا يؤمنون بالقرآن ولا بما بين يديه من التوراة والإنجيل والزبور فكأنهم كذبوا بجميع كتب الله وإنما فعلوا هذا لما وقع الاحتجاج عليهم بما في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وقالت فرقة: "الذي بين يديه" هي الساعة والقيامة. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا خطأ قائله لم يفهم أمر بين اليد في اللغة وأنه المتقدم في الزمان وقد بيناه فيما تقدم، ثم أخبر الله تعالى نبيه عن حالة الظالمين في صيغة التعجيب من حالهم، وجواب {لو} محذوف، وقوله {يرجع بعضهم إلى بعض القول} أي يرد، أي يتحاورون ويتجادلون، ثم فسر ذلك الجدل بأن الأتباع والضعفاء من الكفرة يقولون للكفار وللرؤوس على جهة التذنيب والتوبيخ ورد اللائمة عليهم {لولا أنتم} لآمنا نحن واهتدينا، أي أنتم أغويتمونا وأمرتمونا بالكفر، فقال لهم الرؤساء على جهة التقرير والتكذيب {أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين} أي دخلتم في الكفر ببصائركم، وأجرمتم بنظر منكم، ودعوتنا لم تكن ضربة لازب عليكم لأنا دعوناكم بغير حجة ولا برهان. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا كله يتضمنه اللفظ.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ} مشركو العرب، أو أبو جهل {بِالَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ} التوراة والإنجيل، أو الأنبياء والكتب، أو أمر الآخرة.

الثعالبي

تفسير : وقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} هذه المقالةُ قَالَها بَعْضُ قُرَيْشٍ وهي أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بالقُرْآنِ ولاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ والزَّبُورِ، فَكَأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِجَمِيعِ كُتُبِ اللّهِ ـــ عَزَّ وَجَلَّ ـــ وإنَّمَا فَعَلُوا هَذَا لَمَّا وَقَعَ الاحْتِجَاجُ عَلَيْهِم بِمَا فِي التَّوْرَاةِ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ ـــ عَلَيْهِ السَّلام ـــ. قَالَ الوَاحِديُّ: قوله تعالى: {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ}، أي: في التّلاَؤُم، انتهى. وبَاقِي الآية بَيِّنٌ. وَقَوْلَهُمْ: {بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ}، المعنى: بَلْ كَفَرْنَا بمكْرِكُمْ بِنَا في الليل والنهارِ؛ وأَضَافَ المَكْرُ إلَى الليلِ والنهارِ مِنْ حَيْثُ هُو فِيهِمَا، وَلِتَدُلَّ هَذِهِ الإضَافَةَ عَلَى الدُّءُوبِ والدَّوَامِ، والضَّمِيرُ في {أَسَرُّواْ} عَامٌّ لِجمِيعهِم مِن المُسْتَضْعِفِينَ والمُسْتَكْبِرِينَ.

ابن عادل

تفسير : قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ} لما بين التوحيد والرسالة والحشر وكانوا بالكُلّ كافرين بين كفرهم العام بقوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ} وذلك لأن القرآن مشتملٌ على الكل وقوله: {وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} يعني التوراة والإنْجِيلَ وعلى هذا فالمراد "بالذين كفروا" هُم المشركون المنكرون للثواب والحشر. ويحتمل أن يكون المراد بالذين كفروا العموم ويكون المراد بقوله: {ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أن لا نؤمن بالقرآن أنه من الله {ولاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} أي ولا بما فيه من الإخبارات والآيات والدلائل وذلك لأن أهل الكتاب لم يؤمنوا بالقرآن أنَّه من الله ولا بالذي فيه من الرِّسالة وتفاصيلِ الحشر. فإن قيل: أليس هم مؤمنين بالوحدانية والحشر؟ فالجواب: إذا لم يصدق واحد بما في كتاب من الأمور المختصة به يقال فيه إنه لم يؤمن بشيء منه وإن آمن ببعض ما فيه لكونه في غيره إيمانه لا بما فيه كمن يكذب رجلاً فيما يقوله فإذا أخبره بأن النار حارة لا يكذبه فيه ولكن لا يقال بأنه صدقة لأنه إنما صدق نفسه فإنه كان عالماً به من قبل وعلى هذا فقوله: "بَيْنَ يَدَيْهِ" الذي هو مشتمل عليه من حيث إنه وارد فيه. قوله: {وَلَوْ تَرَى} مفعول "ترى" وجواب "لو" محذوفان للفهم أي ولو ترى حالَ الظالمينَ وقْتَ وقُوفهم مراجعاً بعضهُم إلى بعض القولَ لرأيت حالاً فظيعةً وأمراً منكراً. "ويَرْجَعُ" حال من ضمير "مَوْقُوفُونَ" و"القول" منصوب بـ "يرجع"؛ لأنه يتعدى قال تعالى: {أية : فَإِن رَّجَعَكَ ٱللَّهُ إِلَىٰ طَآئِفَةٍ} تفسير : [التوبة:83] وقوله: {يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ} إلى آخره تفسير لقوله: "يَرْجِعُ" فلا محلَّ له. و"أنْتُم" بعد "لولا" متبدأ على أصحَّ المذاهب، وهذا هو الأفصح أعني وقوع ضمائر الرفع بعد "لولا" خلافاً للمبرد؛ حيث جعل خلاف هذا لحناً، وأنه لم يرد إلاَّ في قول زِيَادٍ: شعر : 4139- وكم موطن لولاي... ............................ تفسير : وقد تقدم تحقيقه، والأخفش جعل إنه ضمير نصب أو جر قام مقام ضمير الرفع. وسيبويه ضمير جر. فصل لما وقع اليأس من إيمانهم في هذه الدار بقولهم: "لَنْ نُؤْمِنَ" فإنه لتأبيد النفي وعد النَّبِيَّ عليه (الصلاة و) السلام - بأنه يراهم على أذل حال موقوفين للسؤال يرجع بعضهم إلى بعض القول أي يرد بعضهم إلى بعض القول في الجدال كما يكون عليه حالة جماعة أخطأوا في أمر يقول بعضهم لبعض. {يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} اسْتُحْقِرُوا وهم الاتباع "لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا" وهم القادة والأشراف {لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} أي أنتم مَنَعْتُمُونَا عن الإيمان بالله وسوله وهذا إشارة إلى أن كفرهم كان لمانع لأن بعد المقتضي لا يمكنهم أن يقولوا: مَا جَاءَنا رسول ولا أن يقولوا: قصر الرسول لأن الرسول لو أهمل شيئاً لما كانوا يقولون لولا المستكبرون. ثم أجابهم المستكبرون وهم المَتْبُوعُونَ في الكفر للذين استضعفوا رد لما قالوا إن كفرنا كان لمانع {أَنَحْن صَدَدْنَاكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ} يعني المانع ينبغي أن يكون راجحاً على المقتضي حتى يعمل علمه والذي جاء به هو الهدى، والذي صدر من المستكبرين لم يكن شيئاً يوجب الامتناع من قبول ما جاء به فلم يصحَّ تَعَلُّقُكُمْ بالمانع {بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ} بترك الإيمان فبين أن كفرهم كان اجتراماً من حيث إن المعذور لا يكون معذوراً إلا لعدم المقتضي أو ليقام المانع ولم يوجد شيء منهما. ثم قال {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ} لما قال المستكبرون: إنا صددنا، وما صدر منا ما يصلح مانعاً وصادفاً اعترف المستضعفون به وقالوا بل مكر الليل والنهار أي مكركم في الليل والنهار. واعلم أنه يجوز رفع "مكر" من ثلاث أوجه: أحدها: الفاعلية تقديره: بل صَدَّنَا مَكْرُكُمْ في هذين الوقتين. الثاني: أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي مكرُ الليلِ صَدَّنَا. الثالث: العكس أي سَبَبُ كُفْرِنا مَكْرُكُمْ. وهو المتقدم في التفسير وإضافةُ المَكْر إلى الليل والنهار إما على الإسناد المجازي كقولهم: لَيْلٌ مَاكِر، فالعرب تضيف الفعل إلى الليل والنهار كقول الشاعر: شعر : 4140 -........................ وَنِمْتِ وَمَا لَيْلُ المَطِيِّ بِنَائِمِ تفسير : فيكون مصدراً مضافاً لمرفوعه، وإما على الاتساع في الظرف فجعل كالمفعول به فيكون مضافاً لمنصوبه وهذا أحسن مِنْ قَوْل مَنْ قال: إن الإضافة بمعنى "في" أي في الليل، لأن ذلك لم يثبت في (غير) محل النزاع، وقيل: مكر الليل والنهار طول السلامة وطول الأمل فيهما كقوله تعالى: {أية : فَطَالَ عَلَيْهِمُ ٱلأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ} تفسير : [الحديد:16] وقرأ العامة مَكْرُ بتخفيف الراء ساكن الكاف مضافاً لما بعد، وابن يَعْمُرَ وقتادةُ بتنوين: "مَكْر" وانتصاب الليل والنهار ظرفين. وقرآ أيضاً وسعيدُ بْنُ جبير وأبو رَزِين بفتح الكاف وتشديد الراء مضافاً لما بعده أي كُرُور الليل والنهار، واختلافهما، مِنْ كَرَّ يَكُرُّ إذا جَاءَ وذَهَبَ، وقرأ ابنُ جُبَيْر أيضاً وطلحةُ وراشد القَارِي - وهو الذي كان يصحح المصاحف أيام الحجاج بأمره - كذلك إلا أنه ينصب الراء، وفيها أوجه: أظهرها: ما قاله الزمخشري وهو الانتصاب على المصدر قال:"بل تَكُرُّون الإغواء مَكَرًّا دائماً لا تَفْتُرُونَ عنه". الثاني: النصب على الظرف بإضمار فعل أي بلْ صَدَدْتُمُونَا مَكَرَّ الليل والنهار أي دائماً. الثالث: أنه منصوب "بتأمُرُونَنَا" قاله أبو الفضل الرازي. وهو غلط؛ لأن ما بعد المضاف لا يعمل فيما قبله إلا في مسألة واحدة وهي "غير" إذَا كانت بمعنى "لا" كقوله: شعر : 4141- إنّ امْرَءاً خَصَّنِي عَمْداً مَوَدَّتَهُ عَلَى التَّنَائِي لَعِنْدِي غَيْر مَكفُورِ تفسير : وتقدم تقرير هذا آخر الفاتحة، وجاء قوله: {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ} بغير عاطف؛ لأنه جواب لقول الضَّعَفَةِ فاستؤنف بخلاف قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ} فإنه لم يكن جواباً لعطف، والضمير في "وَأسَرُّوا النَّدَامَةَ" للجميع للأتباع والمتبوعين. فصل لما اعترف المستضعفون وقالوا بل مكر الليل والنهار منعنا ثم قالوا لهم إنكم وإن كنتم ما أتيتم بالصارف القطعي والمانع القوي ولكن انضم أمركم إيانا بالكفر إلى طول الأمد وامتداد المدد فَكَفرنَا فكان قولكم جزْءاً لسببٍ وقولهم "إذْ تَأمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ" أي ننكره "ونَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً" هذا يبين أن المشرك بِاللَّهِ مع أنه في الصورة مثبت لكنه في الحقيقة منكر لوجود الله لأن من يساويه بالمخلوق المنحوت لا يكون مؤمناً به. فصل قوله أولاً يَرْجعُ بَعْضُهْم إلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتَضْعِفُوا بلفظ المستقبل وقوله في الآيتين الآخيرتين: "وقَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا، وقَالَ الَّذِين اسْتَضْعِفُوا" بلفظ الماضي مع أن السؤال والمراجعة في القول لم يقع إشارة إلى أن ذلك لا بدّ من وقوعه فإن الأمر الواجب الوقوع كأنه وقع كقوله تعالى: {أية : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} تفسير : [الزمر:30] وأما الاستقبال فعلى الأصل. قوله: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ} أي أنهم يتراجعون القول ثم إذا جاءهم العذاب الشاغل يسرون ذلك التراجع الدال على الندامة، وقيل: معنى الإسرار الإظهار وهو من الأضداد أي أظهروا الندامة ويحتمل أن يقال: بأنهم لما تراجعوا في القول رجعوا إلى الله بقولهم أبْصَرْنا وسَمِعْنَا فارْجِعْنَا نَعْمَلُ صَالِحاً وأجيبوا بأن لا مرد لكم فأسرُّوا ذلك القول، وقوله: {وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي الأتباع والمتبوعين جميعاً في النار، وهذا إشارة إلى كيفية عذابهم {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} من الكفر والمعاصي في الدنيا.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في قوله ‏ {‏وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن‏} ‏ قال‏:‏ هذا قول مشركي العرب كفروا بالقرآن ‏{‏ولا بالذي بين يديه‏}‏ من الكتب والأنبياء‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏{‏ولا بالذي بين يديه‏} ‏ قال‏:‏ التوراة والإِنجيل وفي قوله ‏ {‏يقول الذين استضعفوا‏} قال‏:‏ هم الاتباع ‏{‏للذين استكبروا‏}‏ قال‏:‏ هم القادة وفي قوله ‏{‏بل مكر الليل والنهار‏}‏ يقول‏:‏ غركم اختلاف الليل والنهار‏. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله ‏ {‏بل مكر الليل والنهار‏}‏ قال‏:‏ بل مكركم بما في الليل والنهار‏.‏ وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏{‏بل مكر الليل والنهار‏} قال‏:‏ بل مكركم بالليل والنهار‏.‏ وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏بل مكر الليل والنهار‏}‏ قال‏:‏ بل مكركم بما في الليل والنهار يا أيها العظماء، والرؤساء، حتى أزلتمونا عن عبادة الله تعالى‏. أما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا‏}‏‏ .‏ أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال‏:‏ ما في جهنم دار، ولا مغار، ولا غل، ولا قيد، ولا سلسلة إلا اسم صاحبها عليها مكتوب‏.‏ فحدث به أبو سليمان الداراني رضي الله عنه، فبكى ثم قال‏:‏ فكيف به لو جمع هذا كله عليه، فجعل القيد في رجليه، والغل في يديه، والسلسلة في عنقه، ثم أدخل الدار، وأدخل المغار‏.

ابو السعود

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ وَلاَ بِٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ} أي من الكتبِ القديمةِ الدَّالَّةِ على البعث وقيل: إنَّ كُفَّار مكَّةَ سألُوا أهلَ الكتابِ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فأخبرُوهم أنَّهم يجدون نعتَهُ في كتبهم فغضبُوا فقالُوا ذلكَ وقيل: الذي بـين يديه القيامة {وَلَوْ تَرَى إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ} المنكرون للبعث {مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبّهِمْ} أي في موقفِ المحاسبة {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ} أي يتحاورونَ ويتراجعون القولَ {يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ} بدل من يرجع الخ أي يقول الأتباع {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ} في الدُّنيا واستتبعوهم في الغيِّ والضَّلالِ {لَوْلاَ أَنتُمْ} أي لولا إضلالُكم وصدُّكم لنا عن الإيمانِ {لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} باتباع الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ} استئنافٌ مبنيٌّ على السُّؤال كأنَّه قيل: فماذا قال الذين استكبرُوا في الجواب فقيل قالُوا: {أَنَحْنُ صَدَدنَـٰكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ} مُنكرين لكونهم هم الصَّادِّين لهم عن الإيمانِ مُثبتين أنَّهم هم الصَّادُّون بأنفسهم بسبب كونِهم راسخين في الإجرام {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ} إضراباً على إضرابِهم وإبطالاً له {بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} أي بل صدَّنا مكرُكم بنا باللَّيلِ والنَّهارِ فحُذف المضافُ إليه وأقيم مقامَه الظَّرفُ اتَّساعاً أو جُعل ليلُهم ونهارُهم ماكريْنِ على الإسناد المجازي. وقُرىء بل مكرٌ اللَّيلَ والنَّهارَ بالتَّنوينِ ونصب الظَّرفينِ أي بل صدَّنا مكرُكم في اللَّيلِ والنَّهارِ على أنَّ التَّنوينَ عوضٌ عن المُضافِ إليه أو مكرٌ عظيمٌ على أنَّه للتَّفخيمِ. وقُرىء بل مكرٌ اللَّيلِ والنَّهارِ بالرَّفعِ والنَّصبِ أي تمكرون الاغواء مكراً دائباً لا تفترون عنه فالرفع على الفاعلية أي بل صدَّنا مكركم الإغواء في اللَّيل والنَّهارِ على ما سبق من الاتِّساع في الظَّرفِ بإقامتِه مقامَ المضافِ إليه والنَّصبِ على المصدرية أي بل تمكرون الإغواءِ مكرَ اللَّيلِ والنَّهارِ أي مكراً دائماً قولُه تعالى {إِذْ تَأْمُرُونَنَا} ظرفٌ للمكرِ أي بل مكرُكم الدَّائمُ وقتَ أمرِكم لنا {أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً} على أنَّ المرادَ بمكرِهم إمَّا نفسُ أمرِهم بما ذُكر كما في قولِه تعالى: { أية : يَـٰقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً} تفسير : [سورة المائدة: الآية 20] فإنَّ الجعلينِ المذكورينِ نعمةٌ من الله تعالى وأيُّ نعمةٍ، وإما أمورٌ أُخَرُ مقارنة لأمرهم داعية إلى الامتثال به من التَّرغيب والتَّرهيبِ وغير ذلك {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ}أي أضمرَ الفريقانِ الندامة على ما فَعَلا من الضَّلالِ والإضلالِ وأخفاها كلٌّ منهما عن الآخرِ مخافةَ التَّعيـيرِ أو أظهرُوها فإنَّه من الأضدادِ وهو المناسب لحالِهم {وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلَـٰلَ فِى أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي في أعناقِهم. والإظهارُ في موضعِ الإضمارِ للتَّنويهِ بذمِّهم والتنَّبـيهِ على موجب أغلالِهم {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي لا يُجزون إلاَّ جزاءَ ما كانُوا يعملون أو إلاَّ بما كانُوا يعملونه على نزعِ الجارِّ.

القشيري

تفسير : لو رأيتهم يومذاك لرأيتَ منظراً فظيعاً؛ يرجعُ بعضهم إلى بعض القولَ، ويُحيل بعضهم على بعضٍ الجُرمَ؛ يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا: أَنتم أضللتمونا، ويُنكرُ الذين استكبروا ويقولون: بل أنتم اتبعتمونا... وهكذا أصحابُ الزلاتِ الأخلاءُ في الفساد، قال تعالى: {أية : بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}تفسير : [الزخرف: 67]. وكذلك الجوارحُ والأعضاء غداً يشهد بعضها على بعض؛ فاليدُ تقول للجملة أخذت، والعين تقول أبصرت، والاختلاف في الجملة عقوبة، ومَنْ عمل بالمعاصي أخرج الله عليه كل من هو أطوع له، ولكنهم لا يعلمون ذلك، ولو علموا لاعتبروا، ولو اعتبروا لتابوا ووفّقُوا... ولكن ليقضي اللَّهُ أَمْراً كان مفعولاً.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال الذين كفروا} اى كفار قريش {لن نؤمن بهذا القرآن} الذى ينزل على محمد {ولا بالذى بين يديه} اى ولابما نزل قبله من الكتب القديمة الدالة على البعث كالتوراة والانجيل. قال فى كشف الاسرار [جشمى كه مستعمل شده مملكت شيطان باشد مارا جون شناسد. دلى كه ملوث تصرف ديو بود ازكجا جلال عزت قرآن بداند. دلى بايد بضمان امان وحرم كرم حق بناه يافته تا راه بر رسالت ونبوت ما برد. شمعى بايد كفر بزلال اقبال ازل شسته تاجلال عزت قرآن اورا بخود راه دهد. ديده بايد از رمص خلاص يافته واز خواب شهوت بيدار شده تامعجزات وآيات بيند ودريابد. اى جوانمرد هركه جمالى ندارد كه باسلطان نديمى كند جه كند تا كلخانيانرا حريقى نكند] شعر : در مصطبها هميشه فراشم من شايسته صومعه كجا باشم من هو جند قلندرى وقلاشم من تخمى باميد درد مى باشم من تفسير : {ولو ترى} يا محمد او يا من يليق بالخطاب {اذ الظالمون} المنكرون للبعث لانهم ظلموا بان وضعوا الانكارموضع الاقرار {موقوفون عند ربهم} اى محبوسون فى موقف المحاسبة على اطراف اناملهم وجواب لو محذوف اى لرأيت امرا فظيعا شنيعا تقصر العبارة عن تصويره: يعنى [هرآينه به بينى امرى صعب وكارى دشوار] وانما دخلت لو على المضارع مع انها للشرط فى الماضى لتنزيله منزلة الماضى لان المترقب فى اخبار الله كالماضى المقطوع به فى تحقق وقوعه او لاستحضار صورة الرؤية ليشاهدها المخاطب {يرجع بعضهم} اى يرد من رجع رجعا بمعنى رد {الى بعض القول} اى يتحاورون ويتراجعون القول ويتجاذبون اطراف المجادلة: وبالفارسية [محاوره ميكنند سخن برهم ميكردانند وجواب ميكويند] ثم ابدل منه قوله {يقول الذين استضعفوا} [الاستضعاف: ضعيف شمردن] اى يقول الاتباع الذين عدوا ضعفاء وقهروا: وبالفارسية [زبون وبيجاره كرفتكان] {للذين استكبروا} [سركشى ميكردند دردنيا] اى للرؤساء الذين بالغوا فى الكبر والتعظم عن عبادة الله وقبول قوله المنزل على انبيائه واستتبعوا الضعفاء فى الغى والضلال {لولا انتم} اى لولا اضلالكم وصدكم لنا عن الايمان {لكنا مؤمنين} اى انتم منعتمونا من الايمان واتباع الرسول كأنه قيل فماذا قال الذين استكبروا فقيل

ابن عجيبة

تفسير : قلت: أتى بالعاطف في قوله: {وقال} الأخيرة، وترَك في الأولى؛ لأن قول الرؤساء جواب لقول المستضعفين، فحسن ترك العاطف، ثم جيء بكلام آخر للمستضعفين، فعطفه على كلامهم الأول. و {مكر الليل}: الإضافة على معنى "في"، وإضافة المكر إلى الليل على الاتساع، بإجراء الثاني مجرى المفعول به، وإضافة المكر إليه، أو: جعل الليل والنهار ماكرين بهم مجازاً. يقول الحق جلّ جلاله: {وقال الذين كفروا} كأبي جهل وأضرابه: {لن نُؤمن بهذا القرآنِ ولا بالذي بين يديه} أي: ما نزل قبل القرآن، من كُتب الله تعالى، الدالة على البعث. وقيل: إن كفار قريش سألوا أهل الكتاب عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فأخبروهم أنهم يجدون نعته في كتبهم، فغضبوا، وقالوا ذلك. وقيل: {الذين بين يديه}: القيامة والجنة والنار، فكأنهم جحدوا أن يكون القرآنُ من عند الله، وأن يكون ما دلّ عليه من الإعادة للجزاء حقيقة. {ولو ترى} يا محمد، أو مَن تصح منه الرؤية، {إِذِ الظالمون موقوفُون} محبوسون {عند ربهم} في موقف الحسابِ {يَرجِعُ} يردّ {بعضُهم إِلى بعضٍ القولَ} في الجدال والمحاورة. أخبر عن عاقبتهم ومآلهم في الآخرة، فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم، أو للمخاطب: ولو ترى في الآخرة موقفهم، وهم يتجاذبُون أطراف المحاورة، ويتراجعونها بينهم، لرأيت أمراً فظيعاً، فحذف الجواب؛ لأن العبارة لا تفي به. ثم بيّن بعض محاورتهم بقوله: {يقول الذين استُضْعِفوا} أي: الأتباع السفلة {للذين استكبروا} أي: الرؤساء المقدّمين: {لولا أنتم لكنا مؤمنين} لولا دعاؤكم إيّانا إلى الكفر لكنا مؤمنين بالله ورسوله. {قال الذين استكبروا للذين استُضْعِفوا أَنحنُ صَدَدْناكم} رددناكم {عن الهُدى بعد إِذ جاءكم بل كنتم مجرمين} أي: بل أنتم صددتم باختباركم، ولم نقهركم على الكفر. أنكروا أنهم كانوا صادّين لهم عن الإيمان، وأثبتوا أنهم هم الذين صدُّوا أنفسهم، حيث أعرضوا عن الهدى، وآثروا التقليد عليه. وإنما وقعت "إذ" مضافاً إليها، وإن كانت "إذ" و "إذا" من الظروف اللازمة للظرفية؛ لأنه قد اتّسع في الزمان ما لم يتَسع في غيره. {وقال الذين استُضعفوا للذين استكبروا بل مكرُ الليلِ والنهارِ} أي: بل مكركم بنا بالليل والنهار هو الذي صدّنا عن الهدى. أو: مَكَرَ بنا الليل والنهار، وطولُ السلامة، حتى ظننا أنكم على حق فقلدناكم. {إِذ تأمروننا أن نكفرَ بالله ونَجْعَلَ له أنداداً} أشباهاً، نعبدها معه. والحاصل: أن المستكبرين لَمَّا أنكروا أن يكونوا هم السبب في كفر المستضعفين، وأثبتوا أن ذلك بسبب اختيارهم، كرّ عليهم المستضعفون بقولهم: {بل مكر الليل والنهار} فأبطلوا إضرابهم بإضرابهم، كأنهم قالوا: ما كان الإجرامُ من جهتنا، بل من جهة مكركم بنا دائماً، ليلاً ونهاراً، وحملُكم إيّانا على الشرك واتخاذ الأنداد. ثم حصل الندم حيث لم ينفع، كما قال تعالى: {وأسَرُّوا الندامةَ لَمَّا رَأَوُا العذابَ} أي: أضمرَ الندم كِلاَ الفريقين، وأخفاه عن رفيقه، مخافة التعيير، لَمّا رأوا العذاب، وتحققوا لحوقه بهم، فندم المستكبرون على إضلالهم وضلالهم، والمستضعفون على ضلالهم واتباعهم. وقيل: معنى أسروا: أظهروا، فهو من الأضداد. {وجعلنا الأغلالَ في أعناق الذين كفروا} أي: في أعناقهم. فأظهر في محل الإضمار؛ للدلالة على ما استوجبوا به الأغلال، وهو كفرهم. {هل يُجزون إِلا ما كانوا يعملون} أي: لا يفعل بهم إلا ما استوجبته أعمالُهم الخبيثة في الدنيا. الإشارة: كل مَن له رئاسة وجاه، عالماً كان أو جاهلاً، وصدّ الناس عن طريق التربية على يد المشايخ، يقع له هذا الخصام، مع مَن صدّهم من ضعفاء الناس، حيث يرتفع المقربون، ويسقط الغافلون من تلك المراتب، فيقع الندم والتحسُّر، ويتبرأ الرؤساء من المرؤوسين من عامة أهل اليمين. قال القشيري: وهكذا أصحابُ الزلاتِ، الأخلاء في الفساد ـ أي: يتبرأ بعضهم من بعض ـ وكذلك الجوارحُ والأعضاء، يشهد بعضها على بعض، اليدُ تقول للجملة: أخذت، العين تقول: أبْصرت، والاختلاف في الجملة عقوبة. ومَنْ عمل بالمعاصي أخرج الله عليه مَن كان أطوع له، ولكنهم لا يعلمون ذلك. ولو علموا لاعتذروا، ولو اعتذروا لتابوا وتوقفوا، ولكن ليقضي الله أمراً كان مفعولاً. هـ. ثم سلّى رسوله فقال: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ...}

الطوسي

تفسير : حكى الله تعالى عن الكفار أنهم يقولون لن نصدق بهذا القرآن الذي أنزل عليك وتدعيه انه من عند الله ولا بالذي بين يدي القرآن من أمر الآخرة والنشأة الثانية، فجحدوا أن يكون القرآن من الله او أن يكون لما دل عليه من الاعادة للجزاء حقيقة. وقيل: معناه الكتب التي قبله من التوراة والانجيل وغيرهما. ثم قال {ولو ترى} يا محمد {إذ} أي حين {الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول} أي يرد بعضهم على بعض {يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا} قيل: كانوا رؤساء الضلالة يأمرون الاتباع بعبادة الأوثان لضعفهم عن استخراج صواب الرأي عند أنفسهم، فالاستضعاف طلب الضعف فكل من يجاهر غيره بما يقتضي ضعفه يقال قد استضعفه، والاستكبار طلب الكبر بغير حق، وكانوا يتعظمون هؤلاء الكفار بالجهل الذي صمموا عليه وصاروا رؤساء فيه ليحققهم به {لولا أنتم لكنا مؤمنين} لكن بسببكم يمنع، فهؤلاء إذا أخبروا عن ظنهم، فقد صدقوا كأنهم قالوا في ما نظن، لأنه هكذا يقتضي ظاهر خبرهم، كما إذا أخبروا عما يفعلونه في المستقبل، فهو اخبار عن عزمهم، ولو كان كذباً لانكر الله ذلك واتبعه بما يدل على انكاره، كما قال {أية : انظر كيف كذبوا على أنفسهم} تفسير : ثم حكى ما أجابهم به المستكبرون فانهم يقولون في جوابهم {أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم}؟! منكرين عليهم قولهم انهم منعوهم من الايمان بعد تبين الحق فيه، وليس الأمر على ما تقولونه {بل كنتم} أنتم {مجرمين} ثم حكى تعالى ما يقول الذين استضعفوا فانهم يقولون {بل مكر الليل والنهار} معناه مكركم في الليل والنهار - في قول الحسن - كما قال الشاعر: شعر : لقد لمتنا يا ام غيلان في السرى ونمت وما ليل المطي بنائم تفسير : أي بنائم فيه. وقيل: كأن الليل والنهار يمكران بطول السلامة فيهما. و (المترف) المنعم البطر بالنعمة {إذ تأمروننا} أي حين تأمروننا {أن نكفر بالله} أي ان نجحد بالله {ونجعل له أنداداً} أي امثالا في العبادة {وأسروا الندامة} أي اخفوا الندامة بينهم {لما رأوا العذاب} نزل بهم، ولام بعضهم بعضاً. وقال الجبائي: معناه اظهروا الندامة، قال: وهذا مشترك. وهذا غلط، لان لفظة الاخفاء هي المشتركة دون لفظ الاسرار، فحمل أحدهما على الآخر قياس في اللغة {وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا} الاغلال جمع غل والله تعالى يجعل الغل في رقاب الكفار عقوبة لهم. ثم قال موبخاً لهم {هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} أي يجزون على قدر استحقاقهم لا يجازفون، فلفظه لفظ الاستفهام والمراد به النفي، فكأنه قال: لا يجزون إلا على قدر اعمالهم التي عملوها. ثم اخبر تعالى انه ما يرسل في قرية نذيراً أي مخوفاً بالله في ما مضى إلا إذا سمع أهلها المترفون منهم المنعمون {قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون} أي جاحدون، ثم حكى بأنهم {قالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً} منكم {وما نحن بمعذبين} على ما تقولونه، لأنه لو أراد عقابنا لما أنعم علينا في الدنيا وجعلنا أغنياء وجعلهم فقراء، فقال الله تعالى ردا عليهم {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر}.

الأعقم

تفسير : {وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن} قيل: إن قريشاً بعثوا إلى رؤساء اليهود فسألوهم عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنكرت اليهود نبوته وقالوا: لن نؤمن بهذا القرآن فنزلت الآية، وقيل: نزلت في مشركي قريش، وقوله: {لن نؤمن بهذا القرآن} أي لم نصدق أنه من الله وأنه حق {ولا بالذي بين يديه} قيل: من الكتب المنزلة، وقيل: الذي بين يديه الآخرة وما دل عليه البعث والجزاء {ولو ترى} يا محمد {إذ الظالمون} الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وقيل: ظلموا الرسول بالتكذيب، يعني لو ترى حالهم في الآخرة لرأيت العجب {موقوفون عند ربهم} أي محبوسون، ومعنى عند ربهم أي في الموضع الذي يحكم فيه بينهم {يرجع بعضهم إلى بعض القول} يعني يتلاومون ويرد كلّ واحد القول على صاحبه {يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا} للرؤساء والمتبوعين من علماء السوء والقادة {لولا أنتم لكنا مؤمنين} أي لولا مكانكم ودعاءكم إيانا لكنا مؤمنين حين دعوهم إلى الكفر فقبلوا تقليداً، وقيل: بل منعوهم من الايمان بالقهر {قال الذين استكبروا} والمتبوعين مجيبين {للذين استضعفوا} الاتباع {أنحن صددناكم} يعني أنحن منعناكم {عن الهدى} وهو الاسلام {بعد إذ جاءكم} على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) {بل كنتم مجرمين} كافرين لاختياركم لقولنا {وقال الذين استضعفوا} {بل مكر الليل والنهار} قيل: مكركم في الليل والنهار، أو حملكم إيانا على الشرك واتخاذكم الانداد، ثم بيَّن ما دعوهم إليه فقال سبحانه: {إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً وأسروا الندامة} قيل: أخفوا الندامة في أنفسهم خوف الفضيحة، وقيل: أظهروا الندامة وهو يرجع إلى الجميع الاتباع والمتبوعين {لما رأوا العذاب} أي عاينوه {وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا} يعني فغلّ أيديهم إلى أعناقهم {هل يجزون} بما فعل بهم {إلا ما كانوا يعملون} من الكفر والمعاصي {وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها} رؤساؤها وأغنياؤها الذين بطروا {إنا بما أرسلتم به كافرون} {وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً} ولو لم يرض بما نحن عليه من الدين ما أعطانا ذلك {وما نحن بمعذبين} كما يقول البعث، وقيل: لا يعذبنا إذ لو أردنا إلا الآخرة لأعطانا مثل ما أعطانا في الدنيا من النعم {قل} يا محمد مجيباً لهم: {إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر} أي يوسع لمن يشاء ويضيق على من يشاء بحسب المصلحة {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ذلك، وروى (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : اللهم من عصاني فأكثر ماله وولده واجعل رزق محمد الكفاف" تفسير : وقيل: كانوا يتفاخرون بالمال {وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى} أي لا يغرنكم ثواب الله ورضائه كثرة أموالكم وأولادكم، والزلفى القربى {إلا من آمن} إلا بمعنى لكن الذي يقرب من ثوابه من آمن {وعمل صالحاً} وهو استثناء، والمعنى أن الأموال لا تقرب أحد إلا المؤمن الصالح الذي ينفقها في سبيل الله {فأولئك لهم جزاء الضعف} أي جزاء الأضعاف بقوله: {أية : فله عشر أمثالها} تفسير : [الأنعام: 160] {بما عملوا وهم في الغرفات آمنون} قيل: القصور آمنون من زوالها ومن كل ما يخاف {والذين يسعون في آياتنا معاجزين} أي حججنا، قيل: يسعون في منع الناس عن الايمان معاجزين، قرأ ابن كثير وأبو عمرو معجزين بغير ألف وتشديد الجيم، وقرأ الباقون بالألف، قيل: معاجزين للأنبياء والمؤمنين {أولئك في العذاب محضرون} أي يحضرون العذاب، وقيل: أراد الاتباع والمتبوعين.

الهواري

تفسير : قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ} أي: لن نصدّق بهذا القرآن {وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} يعنون التوراة والإِنجيل لأن الله أمر المؤمنين أن يصدّقوا بالقرآن وبالتوراة والإِنجيل أنها من عند الله ولا يُعمَل بما فيهما إلا ما وافق القرآن. قال بعضهم: وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل في القرآ ن شيء مما ذكر في التوراة والإِنجيل عَمِل به، فإِذا نزل في القرآن ما ينسخه تركه. وقد نزل في القرآن شيء مما في التوراة والإِنجيل ولم ينسخ في القرآن، مثل قوله {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ} أي: في التوراة (أية : أَنَّ النَّفْسَ بالنَّفْسِ...)تفسير : إلى آخر الآية [المائدة: 45] فنحن نعمل بها لأنها لم تنسخ. فجحد مشركو العرب القرآن والتوراة والإِنجيل في قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَن نُّؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلاَ بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}. وقال الحسن: قد كان كتاب موسى حجة على مشركي العرب فقالوا: {أية : لَوْلآ أُوتِيَ مِثْلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَى}تفسير : . قال الله: {أية : أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِمَآ أُوتِيَ مُوسَى مِن قَبْلُ قَالُوا سِحْرَانِ تَظَاهَرَا}تفسير : يعنون موسى ومحمداً؛ وقال سعيد بن جبير: يعنون موسى وهارون. {أية : وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ}تفسير : قال الله:{قُلْ} يا محمد (أية : فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِّنْ عِندِ اللهِ هُوَ أَهْدَى مِنْهُمَآ أَتَّبِعْهُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) تفسير : [القصص: 48-49]. قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ} أي: المشركون {مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} أي: يوم القيامة {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} وهم السفلة {لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا} وهم الرؤساء والقادة في الشرك {لَوْلآ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ}. {قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا} وهم الأتباع {أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ} على الاستفهام {عَنِ الهُدَى} أي: عن الإِيمان {بَعْدَ إِذْ جَآءَكُم بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ} أي: مشركين.

اطفيش

تفسير : {وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه} ما تقدمه من الكتب الدالة على البعث ويروى أن كفار مكة سألوا اهل الكتاب فاخبروهم انهم يجدون صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتبهم فاغضبهم ذلك وقرنها إلى القرآن جميع ما تقدمه من كتب الله في الكفر وقيل الذي بين يديه التوراة والانجيل وقيل القيامة ويجوز ان يراد بالذي بين يديه النبي صلى الله عليه وسلم فعليه تكون الهاء والذي له صلى الله عليه وسلم والضمير المستتر في الصلة للقرآن اي ولا بالذي ثبت القرآن بين يديه ولم يظهر الضمير لعدم اللبس وليس القرآن في الآية علما لوقوعه تابعا لاسم الاشارة بل بمعنى المقر وكما لا تقول جاء ذلك الحارث فيمن اسمه الحارث. {ولو ترى} يا محمد وهذا اولى من رد الخطاب الى من يتأهل للروية. {إذ الظالمون} المشركون. {موقوفون} محبوسون. {عند ربهم} اي في موضع المحاسبة واذا استعملت في الاستقبال على خلاف اصل وضعها لان ذلك في يوم القيامة ولما يكن او استعملت في المضي واعتبر ان القيامة كانها قد كانت لانها لا بد منها. {يرجع بعضهم الى بعض القول} يتجابذون باطراف المحاروة ويتراجعونها بينهم وجواب لو لرأيت العجب يقدر هنا او بعد قوله اندادا وعلى كل حال فقد بين مراجعة القول بينهم بقوله. {يقول} الخ وجملة يرجع بعضهم الى بعض القول حال من المستتر في {موقوفون} ويجوز ان تكون للتمنية كانه قيل تمن يا محمد ان ترى ذلك او لتمني على معنى ان لهم حالا عجبة من شانها أن تتمنى رؤيتها. {الذين استضعفوا} اعتقد ضعفهم او عدوا ضعفاء او صبروا ضعفاء هم كذلك والمراد بهم الاتباع فان التابع لك ضعيف ولو كان فيه بعض قوة اذ كان تابعا لا متبوعا. {للذين استكبروا} وهم الرؤساء. {لولا أنتم} الخبر محذوف جواز الاية كون خاص اي لولا انتم مانعون لنا عن الايمان وان قدر مضاف كان الحذف واجبا لكون الخبر عاما حينئذ اي لولا منعكم ايانا عن الايمان موجود وقيل الخبر بعد لولا ابدا محذوف وجوبا. {لكنا مؤمنين} بالله ورسوله.

اطفيش

تفسير : {وقال الَّذين كفروا} مشركو العرب {لَن نُؤمن بهذا القُرآن} إن فسر بالمقروء فنعت، أو بنفسه فبدل أو بيان، وكان كالعلم الشخصى {ولا بالذَّي يبْين يَدَيه} هو النبى صلى الله عليه وسلم، أى ولا بمحمد الذى ذلك القرآن بين يديه، أى عنده، أو محمد الذى ثبت هو، أى القرآن عنده، فتكون الصلة جرت على غير ماله، ولم يظهر لظهور المعنى، وقيل: الذى بين يديه به ما قبله من كتب الله عز وجل، وأن الهاء للقرآن، سأل كفار مكة اليهود والنصارى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبروهم أنهم يجدون صفته فى التوراة والإنجيل وغيرهما فغضبوا فقالوا: لن نؤمن بالقرآن، ولا بالتوراة، ولا بالانجيل، ولا بغيرهما، وفيه أنه لم يتقدم له دليل، ومعنى كون الكتب بين يدى القرآن أو النبى أن ما تقدم من الكتب موجود الذكر عنده وفى القرآن. {ولَوْ تَرى} يا محمد، أو يا من يصلح للرؤية، ولو للتمنى تشفيا مصروفا للمؤمنين، ولا جواب لها، أو شرطية جوابها محذوف تقديره لرأيت ما يسرك عليهم، أو لرأيت أمرا فظيعا عليهم، ومفعول ترى محذوف، أى ترى الواقع، وبهذا المحذوف يتعلق قوله: {إذ} قيل وليس إذ مفعولا لترى إلا إن تضمن معنى تشاهد، وفيه أنه لا يتبادر أن يقال شاهدت الزمان، ولو جائزا بمعنى حضرت {الظالمون} مقتضى الظاهر، إذ هم، ووضع الظاهر موضع الضمير ليصرح بالظلم الموجب لحبسهم وما يسوءهم، أو المراد العموم فلم يضمر لذلك، فيدخل المذكورون أولا وبالذات {موقوفُون} محبوسون {عند ربِّهم} وقف خزى ومحاسبة. {يَرجعُ بعْضهم إلى بعْض القوْل} حال من المستتر فى موقوفون، أى متحاورين {يقُول الَّذين اسْتُضعفُوا} إلخ استئناف لبيان رجع القول، أو بدل من يرجع، والذين استضعفوا بمعنى عدوا ضعفاء، وهم الأتباع {للَّذين اسْتَكبروا} هم الأقوياء الذين أضلوهم {لَولا أنتْم} لولا صدكم لنا {لكنَّا مُؤمنين} بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأنه قيل: فماذا قال الذين استكبروا فأجاب بقوله: {قال الَّذين اسْتَكْبروا للَّذين اسْتُضعفُوا أنَحْن صَدَدناكم} منعناكم {عن الهُدى إذ جاءكم} استفهام إنكار لأن يكون صدوهم، إما أن كذبوا وإما إن أرادوا ما منعناكم بالقهر، وإذ ظرف لا يتصرف إلا أنه جاء مضافا إليه، هنا وفى قوله: "أية : وهم من فَزَع يومئذ" تفسير : [النمل: 89] وهو كثير فى القرآن ومثله حينئذ {بل كُنتُم مُجْرمين} اخترتم الكفر لأنفسكم، وصممتم عليه.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وهم مشركو العرب {لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْءانِ وَلاَ بِٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ } أي من الكتب القديمة كما روي عن قتادة والسدي وابن جريج، ومرادهم نفي الإيمان بجميع ما يدل على البعث من الكتب السماوية المتضمنة لذلك؛ ويروى أن كفار مكة سألوا أهل الكتاب عن الرسول صلى الله عليه وسلم فأخبروهم أنهم يجدون صفته عليه الصلاة والسلام في كتبهم فأغضبهم ذلك فقالوا ما قالوا، وضعف بأنه ليس في السياق والسباق ما يدل عليه، وقيل الذي بين يديه القيامة. وخطأ ابن عطية قائله بأن ما بين اليد في اللغة المتقدم. وتعقب بأنه قد يراد به ما مضى وقد يراد به ما سيأتي. نعم يضعف ذلك أن ما بين يدي الشيء يكون من جنسه لكن محصل كلامهم على هذا أنهم لم يؤمنوا بالقرآن / ولا بما دل عليه، وأما ادعاء أن الأكثر كونه لما مضى فقد قيل أيضاً إنه غير مسلم، وحكى الطبرسي أن المراد بالذين كفروا اليهود وحينئذ يراد بما بين يديه الإنجيل، ولا يخفى أن هذا القول مما لا ينبغي أن يلتفت إليه وليس في السباق والسياق ما يدل عليه. {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبّهِمْ } الخطاب للنبـي صلى الله عليه وسلم أو لكل واقف عليه، ومفعول {تَرَى } إذ أو محذوف و {إِذْ } ظرف له أي أي حال الظالمين و {لَوْ } للتمني مصروفاً إلى غيره تعالى لا جواب لها أو هو مقدر أي لرأيت أمراً فظيعاً أو نحوه، و {ٱلظَّـٰلِمُونَ } ظاهر وضع موضع الضمير للتسجيل وبيان علة استحقاقهم، والأصل ولو ترى إذ هم موقوفون عند ربهم أي في موقف المحاسبة {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ } أي يتحاورون ويتراجعون القول، والجملة في موضع الحال. وقوله تعالى: {يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ } استئناف لبيان تلك المحاورة أو بدل من {يُرْجَعُ } الخ أي يقول الأتباع {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ } في الدنيا واستتبعوهم في الغي والضلال {لَوْلاَ أَنتُمْ } صددتمونا عن الهدى {لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ } بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم.

ابن عاشور

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْءَانِ وَلاَ بِٱلَّذِى بَيْنَ يَدَيْهِ}. كان المشركون لما فاجأتهم دعوة الإِسلام وأخَذ أمره في الظهور قد سلكوا طرائق مختلفة لقمع تلك الدعوة، وقد كانوا قبل ظهور الإِسلام لاَهِينَ عن الخوض فيما سلف من الشرائع فلما قرعت أسماعهم دعوة الإِسلام اضطربت أقوالهم: فقالوا: { أية : ما أنزل الله على بشر من شيء } تفسير : [الأنعام: 91]، وقالوا غيرَ ذلك، فمن ذلك أنهم لجأَوا إلى أهل الكتاب وهم على مقربة منهم بالمدينة وخيبر وقريظة ليَتَلقَّوا منهم ملقَّنَات يفحمون بها النبي صلى الله عليه وسلم فكان أهل الكتب يُمْلُون عليهم كلما لَقُوهم ما عساهم أن يُمَوِّهُوا على الناس عدم صحة الرسالة المحمدية، فمرة يقولون: { أية : لولا أوتي مثل ما أوتي موسى } تفسير : [القصص: 48]، ومرة يقولون: { أية : ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه } تفسير : [الإسراء: 93]، وكثيراً ما كانوا يحسبون مساواته للناس في الأحوال البشرية منافية لكونه رسولاً إليهم مختاراً من عند الله فقالوا: { أية : ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } تفسير : [الفرقان: 7] إلى قوله: { أية : هل كنت إلا بشراً رسولاً } تفسير : [الإسراء: 93]، وهم لا يُحاجُّون بذلك عن اعتقاد بصحة رسالة موسى عليه السلام ولكنهم يجعلونه وسيلة لإِبطال رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فلما دمغتهم حجج القرآن العديدة الناطقة بأن محمداً ما هو بِدْعٌ من الرسل وأنه جاء بمثل ما جاءت به الرسل فحاجَّهم بقوله: { أية : قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين } تفسير : [القصص: 49] الآية. فلما لما يجدوا سبيلاً للمكابرة في مساواة حاله بحال الرسل الأولين وأوَوْا إلى مأْوى الشرك الصريح فلجأُوا إلى إنكار رسالة الرسل كلهم حتى لا تنهض عليهم الحجة بمساواة أحوال الرسول وأحوال الرسل الأقدمين فكان من مستقر أمرهم أن قالوا: {لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه}. وقد كان القرآن حاجَّهم بأنهم كفروا { أية : بما أوتي موسى من قبل } تفسير : كما في سورة القصص (48)، أي كفر أمثالهم من عَبدة الأصنام وهم قِبط مصر بما أوتي موسى وهو من الاستدلال بقياس المساواة والتمثيل. فهذا وجه قولهم: {ولا بالذي بين يديه} لأنهم لم يكونوا مدْعُوِّين لا يؤمنوا بكتاب آخر غير القرآن ولكن جرى ذلك في مجاري الجدال والمناظرة فعدم إيمانهم بالقرآن مشهور معلوم وإنما أرادوا قطع وسائل الإِلزام الجدلي. وهذه الآية انتقال إلى ذكر طعن المشركين في القرآن وهي معطوفة على جملة { أية : ويقولون متى هذا الوعد } تفسير : [سبأ: 29]. والاقتصار على حكاية مقالتهم دون تعقيب بما يبطلها إيماء إلى أن بطلانها بادٍ لكل مَنْ يسمعها حيث جمعت التكذيب بجميع الكتب والشرائع وهذا بهتان واضح. وحكاية مقالتهم هذه بصيغة الماضي تؤذن بأنهم أقلعوا عنها. وجيء بحرف {لن} لتأكيد نفي إيمانهم بالكتب المنزلة على التأبيد تأييساً للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين من الطمع في إيمانهم به. واسم الإِشارة مشار به إلى حاضر في الأذهان لأن الخوض في القرآن شائع بين الناس من مؤيد ومنكر فكأنه مشاهدَ. وليس في اسم الإِشارة معنى التحقير لأنهم ما كانوا ينبزون القرآن بالنقصان، أَلا ترى إلى قول الوليد بن المغيرة: «إن أعلاه لمُثْمِر وإن أسفله لَمُغْدق»، وقول عبد الله بن أُبيّ بعد ذلك: «لاَ أحسن مما تقول أيها المرء»، وأن عتبة بن ربيعة لما قرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن وقال له: « حديث : هل ترى بما أقول بأساً؟ » تفسير : فقال: «لا والدِّماء». وكيف وقد تحداهم الإِتيان بسورة مثله فلم يفعلوا، ولو كانوا ينبزونه بنقص أو سخَف لقالوا: نحن نترفع عن معالجة الإِتيان بمثله. ومعنى {بين يديه} القريب منه سواء كان سابقاً كقوله تعالى: { أية : إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد } تفسير : [سبأ: 46] وقول النبي صلى الله عليه وسلم « حديث : بعثت بين يدي الساعة » تفسير : أم كان جائياً بعده كما حكى الله عن عيسى عليه السّلام {أية : ومصدقاً لما بين يدي من التوراة}تفسير : في سورة آل عمران (50). وليس مراداً هنا لأنه غير مفروض ولا مدّعى. {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ}. أُردفت حكايات أقوالهم وكفرانهم بعد استيفاء أصنافها بذكر جزائهم وتصوير فظاعته بما في قوله: {ولو ترى إذ الظالمون} الآية من الإِبهام المفيد للتهويل. والمناسبة ما تقدم من قوله: { أية : ويقولون متى هذا الوعد } تفسير : [سبأ: 29] فإنه بعد أن ألقمهم الحجر بقوله: { أية : قل لكم ميعاد يوم } تفسير : [سبأ: 30] الخ أتبعَه بتصوير حالهم فيه. والخطاب في {ولو ترى} لكل من يصلح لتلقي الخطاب ممّن تبلغه هذه الآية، أي ولو يرى الرائي هذا الوقت. وجواب {لو} محذوف للتهويل وهو حذف شائع. وتقديره: لرأيت أمراً عجباً. و{إذْ} ظرف متعلق بــــ{ترى} أي لو ترى في الزمان الذي يوقف فيه الظالمون بين يدي ربهم. و{الظالمون}: المشركون، قال تعالى: { أية : إن الشرك لظلم عظيم } تفسير : [لقمان: 13] وتقدم قريب منه قوله تعالى: { أية : ولو ترى إذ وقفوا على النار } تفسير : في سورة الأنعام (27)، وقد وقع التصريح بأنه إيقاف جمَع بين المشركين والذين دَعَوْهم إلى الإِشراك في قوله تعالى: { أية : ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون } تفسير : الآية في سورة يونس (28). والإِتيان بالجملة التي أضيف إليها الظرف إسمية هنا لإِفادة طول وقوفهم بين يدي الله طولاً يستوجب الضجر ويَملأ القلوب رعباً وهو ما أشار له حديث أنس وحديث أبي هريرة في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المحشر: "حديث : تدنو الشمس من رؤوس الخلائق فيشتدّ عليهم حرها فيقولون: لو استشفعنا إلى ربّنا حتى يُرِيحَنا من مكاننا"تفسير : الحديث. وجملة {يرجع بعضهم إلى بعض القول} في موضع الحال من {الظالمون} أو من ضمير {موقوفون}. وجيء بالمضارع في قوله: {يرجع بعضهم إلى بعض القول} لاستحضار الحالة كقوله تعالى: { أية : يجادلنا في قوم لوط } تفسير : [هود: 74]. ورجْع القولِ: الجواب، ورجْع البعضِ إلى البعض: المجاوبة والمحاورة. وهي أن يقول بعضهم كلاماً ويجيبه الآخر عنه وهكذا؛ شبه الجواب عن القول بإرجاع القول كأنَّ المجيب أرجع إلى المتكلم كلامه بعينه إذ كان قد خاطبه بكِفائه وعدْلِه، قال بشار: شعر : وكأنَّ رجْعَ حديثها قِطَع الرياض كُسِينَ زَهْرا تفسير : أي كأنَّ جوابها حيث تجيبه، ومنه قيل للجواب: ردّ. ورجَعْ الرشق في الرمي: ما تَرُدّ عليه من التراشق. {يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَْ}. هذه الجملة وما ذكر بعدها من الجمل المحكية بأفعال القول بيان لجملة {يرجع بعضهم إلى بعض القول}. وجيء بالمضارع فيها على نحو ما جيء في قوله: {يرجع بعضهم إلى بعض القول} ليكون البيان كالمبيَّن بها لاستحضار حالة القول لأنها حالة غريبة لما فيها من جرأة المستضعفين على المستكبِرين ومن تنبه هؤلاء من غفلتهم عما كان المستكبرون يغرُّونهم به حتى أوقعوهم في هذا المأزق. والسين والتاء في {استضعفوا} للعدّ والحسبان، أي الذين يعدّهم الناس ضعفاء لا يؤبه بهم وإنما يعدُّهم الناس كذلك لأنهم كذلك ويُعلم أنهم يستضعفون أنفسهم بالأولى لأنهم أعلم بما في أنفسهم. والضعف هنا الضعف المجازي وهو حالة الاحتياج في المهمات إلى من يضطلع بشؤونهم ويَذُّب عنهم ويصرّفهم كيف يشاء. ومن مشمولاته الضعة والضراعة ولذلك قوبل بــــ «الذين استكبروا»، أي عدُّوا أنفسهم كبراءَ وهم ما عدُّوا أنفسهم كبراء إلا لما يقتضي استكبارهم لأنهم لو لم يكونوا كذلك لوُصِفوا بالغرور والإِعجاب الكاذب. ولهذا عبّر في جانب الذين استضعفوا بالفعل المبنيّ للمجهول وفي جانب الذين استكبروا بالفعل المبني للمعلوم، وقد تقدم في سورة هود. و{لولا} حرف امتناع لوجود، أي حرف يدل على امتناع جوابه (أي انتفائه) لأجل وُجود شرطه فعلم أنها حرف شرط ولكنهم اختصروا العبارة، ومعنى: لأجل وجود شرطه، أي حصوله في الوجود، وهو حرف من الحروف الملازمة الدخول على الجملة الإسمية فيلزم إيلاؤه اسماً هو مبتدأ. وقد كثر حذف خبر ذلك المبتدأ في الكلام غالباً بحيث يبقى من شرطها اسم واحد وذلك اختصار لأن حرف {لولا} يؤذن بتعليق حصول جَوابه على وجود شرطه. فلما كان الاسم بعدها في معنى شيء موجود حذفوا الخبر اختصاراً. ويعلم من المقام أن التعليق في الحقيقة على حالة خاصة من الأحوال التي يكون عليها الوجود مفهومةٍ من السياق لأنه لا يكون الوجود المجردُ لشيءٍ سبباً في وجود غيره وإنما يؤخذ أخصّ أحواله الملازمة لوجوده. وهذا المعنى عبر عنه النحويُّون بالوجود المطلق وهي عبارة غير متقنة ومرادهم أعلق أحوال الوجود به وإلا فإن الوجود المطلق، أي المجرد لا يصلح لأن يعلق عليه شرط. وقد جاء في هذه الآية ربط التعليق بضمير «الذين استكبروا» فاقتضى أن المستضعفين ادَّعَوا أن وجود المستكبرين مانع لهم أن يكونوا مؤمنين. فاقتضى أن جميع أحوال المستكبرين كانت تدندن حول منعهم من الإِيمان فكَأنَّ وجودهم لا أثر له إلا في ذلك مِن انقطاعهم للسعي في ذلك المنع وهو ما دلّ عليه قولهم فيما بعد { أية : بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله } تفسير : [سبأ: 33] من فرط إلحاحهم عليهم بذلك وتكريره في معظم الأوقات، فكأنه استغرق وجودهم، لأن الوجود كونٌ في أزمنة فكَانَ قولهم هنا {لولا أنتم} مبالغةً في شدة حرصهم على كفرهم. وهذا وجه وجيه في الاعتبار البلاغي فمقتضى الحال من هذه الآية هو حذف المشبه. واعلم أن المراد بقولهم: {مؤمنين} بالمعنى اللقبيّ الذي اشتهر به المسلمون فكذلك لا يقدر لِـــ{مؤمنين} متعلِّق.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} إلى قوله: {إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً}. ذكرنا بعض الآيات التي فيها بيان له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِذْ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ} تفسير : [البقرة: 166] وبيّناه في مواضع أخر من هذا الكتاب المبارك. قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}. جاء موضحاً في مواضع أخر كقوله تعالى: {أية : إِذِ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ وٱلسَّلاَسِلُ} تفسير : [غافر: 71] وقوله: {أية : أُوْلَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ ٱلأَغْلاَلُ فِيۤ أَعْنَاقِهِمْ} تفسير : [الرعد: 5] وقوله: {أية : ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ} تفسير : [الحاقة: 32] إلى غير ذلك من الآيات.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: ولا بالذي بين يديه: أي من الكتب السابقة وهي التوراة والإِنجيل. يرجع بعضهم إلى بعض القول: أي يقول الاتباع كذا ويرد عليهم المتبوعون بكذا وهو المبيّن في الآيات. أنحن صددناكم عن الهدى: أي ينكر المستكبرون وهم المتبوعون أن يكونوا صدوا التابعين لهم عن الهدى بعد إذْ جاءهم بواسطة رسوله. بل كنتم مجرمين: أي ظلمة فاسدين مفسدين. بل مكر الليل والنهار: أي ليس الأمر كما ادعيتم بل مكركم بنا بالليل والنهار هو الذي جعلنا نكفر بالله. ونجعل له أنداداً: أي شركاء نعبدهم معه فننادُّه بهم. وأسروا الندامة: أي أخفوها إذ لا فائدة منها أو أظهروها أي أظهروا الندم إذ أسر الندامة له معنيان أخفى وأظهر. وجعلنا الأغلال في أعناق: أي وجعلنا الأغلال جمع غل حديدة تجعل في عنق المجرم. هل يجزون إلا ما كانوا يعملون: أي ما يجزون إلا ما كانوا يعملون. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد والبعث والجزاء فيخبر تعالى فيقول: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي من مشركي مكة قالوا للرسول والمؤمنين لن نؤمن بهذا القرآن الذي أنزل على محمد، ولا بالذي أنزل على من تقدمه من الأنبياء كالتوراة والإِنجيل، وذلك لما احتُجَّ عليهم بتقرير التوراة والإِنجيل للتوحيد والنُّبوات والبعث والجزاء قالوا لن نُؤمن بالجميع عناداً ومكابرة. وجحوداً وظلما. ولازم هذا أنهم ظلمة معاندون ومن باب دعوتهم إلى الهدى ستعرض الآيات لهم حالهم يوم القيامة فيقول تعالى لرسوله وهم يسمعون {وَلَوْ تَرَىٰ} يا رسولنا {إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ} أي يتحاورون متلاومين. يقول الذين استُضعفوا وهم الفقراء المرءوسون الذين كانوا أتباعاً لكبرائهم وأغنيائهم، يقولون للذين استكبروا عليهم في الدنيا: لولا أنتم أي صرفتمونا عن الإِيمان واتباع الرسول لكنا مؤمنين فيرد عليهم الكبراء بما أخبر تعالى عنهم في قوله: {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ} أي ما صددناكم أبداً بل كنتم مجرمين أي أصحاب إجرام وفساد ويرد عليهم المستضعفون قائلين بما أخبر تعالى به عنهم {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ} أي بل مكركم بنا في الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أنداداً. قال تعالى {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ} أي أخفوها لما رأوا العذاب. قال تعالى: {وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي شدت أيديهم إلى أعناقهم بالأغلال وهي جمع غل حديدة يشد بها المجرم، ثم أدخلوا الجحيم إذ كانوا في موقف خارج منهم، وقوله تعالى: {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} أي ما يُجْزَونَ إلا ما كانوا يعملون فالجزاء بحسب العمل إن كان خيراً فخير وإن كان شراً فشر، وكانت أعمالهم كلها شرّاً وظلماً وباطلاً. هذا وجواب لولا في أول السياق محذوف يُقدر بمثل: لرأيت أمراً فظيعاً واكتُفي بالعرض لموقفهم عن ذكره فإنه أتم وأشمل. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تشابه حال الظلمة والمجرمين فالعرب المشركون كانوا يركنون إلى أهل الكتاب يحتجون بما عندهم على الرسول والمؤمنين. ولما وجدوا التوراة والإِنجيل يقرران عقيدة البعث والجزاء والنبوة تبرأوا منهما وقالوا لن نؤمن بالقرآن ولا بالتوراة والإِنجيل. واليهود كانوا يحتجون بالتوراة على المسلمين ولما وجدوا التوراة تقرر ما يقرره القرآن تركوا الاحتجاج بالتوراة وأخذوا يحتجون بالسحر كما تقدم في البقرة في قول الله تعالى {أية : وَلَمَّآ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ} تفسير : [البقرة: 101-102]. 2- تقرير عقيدة البعث والجزاء بعرض كامل لموقف من مواقف يوم القيامة، ومشهد من مشاهده. 3- بطلان احتجاج الناس بعمل العلماء أو الحكماء وأشراف الناس إذا كان غير موافق لشرع الله تعالى وما جاء به رسله من الحق والدين الصحيح.

القطان

تفسير : يرجع بعضهم الى بعض القولَ: يتحاورون ويرد بعضهم على بعض. أندادا: نظراء، جمع ند. يقال هو نده ونديده: مماثل له. وأسرّوا: أخفوا. الاغلال: قيود الاعناق. وقال المشركون: لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالكتب التي سبقته. ولو ترى ايها الرسول موقفَ هؤلاء الظالمين يوم القيامة، ففيه يتحاور المشركون ويكذّب بعضهم بعضا، ويتلاومون على ما كان بينهم. يقول الأتباع لسادتِهم وكبرائهم: لولا أنّكم صددتمونا عن الهدى لكنا مؤمنين بما جاء به الرسول. فيرد عليهم الذين استكبروا في الدنيا وكانوا رؤوس الكفر والضلال: أنحنُ منعناكم من اتّباع الحق! بل انتم أجرمتم وآثرتم الكفر على الايمان. ثم يقول المستضعَفون: ما صدَّنا عن الإيمان الا مكركم ايها الرؤساء بالليل والنهار، اذ تأمروننا بالكفر بالله وان نجعل له شركاء وامثالاً. وعند ذلك يندمون على ما عملوا ولا ينفعهم الندم {وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ}، وهذا جزاء الظالمين الجاحدين.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْقُرْآنِ} {ٱلظَّالِمُونَ} (31) - وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ مُشْرِكِي العَرَبِ: لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا القُرْآنِ، وَلاَ بِالكُتُبِ التِي تَقَدَّمَتْهُ، وَلاَ بِمَا اشْتَملَتْ عَليهِ مِنْ أُمورِ الغَيْبِ، وَالبَعْثِ، وَالنُّشُورِ، وَالحِسَابِ، وَالجَزَاءِ. وَيَرُدُّ اللهُ تَعَالى عَليهم، قَائِلاً لرَسُولِهِ الكَرِيمِ: لَوْ تَرَى يَا مُحَمَّدُ حَالَ أُولئِكَ الكُفَّارِ، يَوْمَ القِيَامَةِ، وَهُمْ وُقُوفٌ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ، لِلْحِسَابِ وَالجَزَاءِ، وَقَدْ عَلَتْهُمُ الذِّلَّةُ والمَهَانَةُ.. إذاً لَرَأَيْتَ أَمراً عَجَباً، إِذْ يَقُولُ الأتْبَاعُ المُسْتَضْعَفُونَ لِلسَّادَةِ المُسْتَكْبِرِينَ الذِينَ حَمَلُوهُمْ عَلى اتِّبَاعِ سَبيلِ الغَيِّ والضَّلاَلَةِ: لَوْلا أَنَّكُم صَدَدْتُمُونا عَنِ الهُدَى، وَحَمَلْتُمُونَا عَلى اتِّبَاعِكُمْ حَمْلاً لَكُنّا آمَنَّا بِرَبِّنا، وَبِمَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللهِ. مَوْقُوفُونَ - مَحْبُوسُونَ فِي مَوْقِفِ الحِسَابِ. يَرْجِعُ - يَرُدُّ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : قولهم {لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ ..} [سبأ: 31] يدل على لجلجتهم، ففي موضع آخر حكى القرآن عنهم قولهم: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31] ومعنى هذا أن القرآن لا غُبارَ عليه ولا اعتراضَ، الاعتراض على مَنْ نزل عليه القرآن، كذلك من الغباء قولهم: {أية : إِن نَّتَّبِعِ ٱلْهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ ..} تفسير : [القصص: 57] فاعترفوا أنه جاء بالهدى. ومثله قولهم: {أية : لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ ..} تفسير : [المنافقون: 7]. صحيح، الباطل لجلج، يتخبط هنا وهناك في تفكير مُشوّش ليس له سِيال واحد، وهذا التخبط يكشف ما هم عليه من الباطل، وقلنا: إن المحقق الماهر هو الذي يصل إلى الحقيقة من خلال مناقشة المتهم مناقشة تُوقعه دون أن يدري، ذلك لأن المتكلم بالحق يحكي واقعاً على هيئة واحدة، فمهما أعدْتَ عليه السؤال يُجِب إجابة واحدة. أمّا الكاذب فلا يحكي واقعاً، إنما يحكي كذباً واختلاقاً لا بُدَّ أن ينتهي بتضارب في أقواله، كالكذاب الذي جاء يحكي للناس يقول: رجعت من (البندر) ليلة العيد الصغير، وكانت الدنيا (قمر ظهر). وقديماً، قال العربي: إنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذكوراً. يعني: تذكر ما سبق أنْ قُلْته، ذلك لأنه لا يستند إلى واقع. ومعنى {وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ ..} [سبأ: 31] يعني: الكتب السابقة على القرآن كالتوراة والإنجيل. بعد أن قالوا هذا الكلام أراد الحق سبحانه أن يُفظع الرد عليهم فقال: {وَلَوْ تَرَىٰ ..} [سبأ: 31] يعني: يا محمد {إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ..} [سبأ: 31] يعني: بين يدي الله، ينتظرون الفصل والحساب. تعلمون أن (لَوْ) أداة شرط تحتاج إلى جواب، هذا الجواب حُذِف من سياق الآية ليدلَّ على التهويل والتفظيع. وتقديره: ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم .. لرأيتَ أمراً عظيماً، وهذا الأسلوب تذهب فيه النفس كلَّ مذهب، ونتصور ألوان العذاب والذلة التي يعانيها الكفار في هذا الموقف بين يدي الله عز وجل، فحَذْف الجواب هنا أبلغ من ذِكره. كنا نرى (زمان) الرجل الظالم أو المتجبر أو (البلطجي) الذي يجلس طوال النهار على القهوة، والناس تخدمه، وتقضي له حاجته اتقاء شره، لكن ساعة يقع في أيدي العدالة وتأخذه الشرطة، وأنتم تعلمون ما تفعله الشرطة بالمجرمين، ساعتها يفرح الناس فيه ويتندَّرون به: لو رأيتم ما حدث لفلان؟ يعنى: حدث له أمر عظيم يناقض جبروته الذي كان يمارسه على الناس ويكسر شوكته. إذن: حُذِف الجواب لنأخذه نحن على المحمل المخيف؛ لأنه لو حكى واقعاً لجاء على لون واحد وهيئة واحدة. لذلك؛ وقف المستشرقون معترضين على قوله تعالى في وصف شجرة الزقوم: {أية : طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ ٱلشَّيَاطِينِ} تفسير : [الصافات: 65] يقولون: نحن لم نر شجرة الزقوم، ولم نَرَ رؤوس الشياطين، فكيف يُشبِّه القرآن مجهولاً بمجهول؟ نعم، ينبغي في التشبيه أنْ تُشبِّه المجهول بالمعلوم، والخفي بالجلي، لكن هؤلاء يحاولون تصيُّد أخطاء أو مآخذ على كتاب الله، وهيهات لهم ذلك، وكل اعتراضاتهم على كلام الله تأتي من عدم فَهْم للآيات وعدم وجود المَلَكة العربية وعدم الإلمام بلغة القرآن وأساليب العرب، فهذا النهج في التشبيه نهجه العربي القديم حين قال: شعر : أَيَقْتُلِني والمشْرَفيُّ مُضِاجِعي ومَسنُونة زُرْق كأنيابِ أَغْوالِ تفسير : هكذا رأى العربى القديم أن أسِنَّة الرماح كأنياب الأغوال، فهل رأى أحد الغول؟ إذن: القرآن عربي، وخاطب العربَ بأساليبهم، فيكفي لتبشيع الصورة أن تحاول أنت أنْ تتخيل صورة الغول أو صورة الشيطان لتذهب نفسُك في بشاعتها مذاهب شتَّى مخيفة مُفْزعة، بدليل أننا إذا قلنا لرسامي الكاريكاتير في العالم كله: ارسموا لنا صورة الشيطان، فسوف يرميها كل واحد منهم حَسْب رؤيته هو، وستأتي صورة مختلفة بعضها عن بعض؛ لأن أحداً منهم لم يَرَ الشيطان، إنما تخيَّله. تُرَى، لو حدد القرآن شكل شجرة الزقوم وقال لك: إنها مثل كذا وكذا، أيعطيك هذا التشبيه بشاعة أكثر مما أعطتْكَ رؤوس الشياطين؟ هكذا ربَّبَ الحق سبحانه هذا المعنى. ثم تستمر الآية في وصف موقف هؤلاء الظالمين بين يد الله تعالى، ويا ليتها تنتهي عند الذلة والانكسار، إنما {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ} [سبأ: 31] يعني: يتجادلون ويتناقشون، يرمي كل منهم باللائمة على الآخر، ومعنى (يرجع) من المراجعة، فواحد يقول، والآخر يردُّ كلامه ويُنكِره، وفي القرآن مواضع كثيرة تحكى هذه المراجعة بين الأتباع والمتبوعين، وهنا نموذج منها: {يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ} [سبأ: 31] يعني: الضعفاء والمقلدين {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ} [سبأ: 31] وهم السادة الكبار المتبوعون {لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} [سبأ: 31] فيكفي من عظمة القيامة أنْ يقف المستضعف أمام القوي ويراجعه ويواجهه - مع أن كلاهما خائب خاسر - ذلك لأن الضعف كان في الدنيا والاستكبار والتبعية، أما الآن وفي ساحة الحساب فقد تساوتْ الرؤوس، وها هم الضعفاء يقولون لأسيادهم {لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} [سبأ: 31]. وما دامت المسألة مراجعة، كُلٌّ يُرجِع إلى الآخر قوله، فلا بُدَّ أنْ يرد الذين استكبروا، وأنْ يراجعوا الذين استُضْعِفوا. ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ...}.

الجيلاني

تفسير : {وَ} من كمال غيظ المشتركين معك يا أكمل الرسل وشدة إنكارهم على كتباك؛ بسبب اشتماله على الأوامر والنواهي الشاقة والتكاليف الشديدة، وبما أخبر فيه من قيام الساعة وأهوال الفزع الأكبر والطامة الكبرى {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: ستروا الحق وأعرضوا عن مقتضاه: {لَن نُّؤْمِنَ} ونصدق أبداً {بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ} وبما فيه من الإنذارات والتخويفات، سيما حشر الأجساد وإعادة المعدوم بعينه {وَلاَ} نصدق أيضاً {بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب السالفة المشتملة على ذكر القيامة. وذلك أنهم فتشوا عن أخبار اليهود والنصارى، وجميع من أنزل إليهم الكتب، فسمعوا منهم أنه ذكر في كتباهم نعت محمد صلى الله عليه وسلم ووصف كتابه، وذكر الحشر والنشر، وجميع المعتقدات الأخروية؛ لذلك بالغوا في تكذيب الكتب رأساً، وصرفوا الناس أيضاً عن تصديقها والإيمان بها وبمن أنزل إليهم، سيما بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم {وَلَوْ تَرَىٰ} أيها الرائي لرأيت أمراً فظيعاً فجيعاً {إِذِ ٱلظَّالِمُونَ} الخارجون عن ربقة العبودية بتكذيب الرسل وإنكار الكتب وما فيها من أحوال النشأة الأخرى، سيما بالقرآن وبمحمد صلى الله عليه وسلم {مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} محبوسون يوم العرض للسحاب {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ} أي: يتجاورون فيما بينهم ويتراجعون في الأقوال، ويتلاومون ويتلاعنون فيها، حيث {يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ} من الأتباع المتسمين بذل التبعية {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ} من المتبوعين المتعززين بعز الرئاسة: {لَوْلاَ أَنتُمْ} موجودون مقتدون بيننا {لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} [سبأ: 31] موقنين بتوحيد الله، مصدقين لرسله وكتبه، وبجمي ما جرى على ألسنة الرسل والكتب. ثم {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ} أي: المتبوعون المتعظمون بعز الرئاسة والثورة والسيادة {لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ} أي: الأتباع السفلة: {أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ} أي: لم نكن صادِّين، صارفين لكم عن الإيمان بالرسل والكتب {بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ} الرسل بالكتب المشتملة على الهدى والبينات، وعودم إلى الإيمان، ونحن ما صددنا إلا نفوسنا بلا تغرير وتضعيف منا إياكم {بَلْ كُنتُمْ} حينئذ {مُّجْرِمِينَ} [سبأ: 32] تاركين الإيمان والهداية تقليداً علينا لا صد منَّا. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ} الضعفاء {بَلْ مَكْرُ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ}: لم يكن إضلالكم إيَّانا وتغريركم علينا وحيلتكم في تضليلنا دائماً مستوعباً للأيام والليالي، ليس مخصوصاً بوقت دون وقت؛ لأنكم رؤساء بيننا، أصحاب الثروة فينا، فتخدعون بنا قولاً وفعلاً، وتميل قلوبنا إلى ما أنتم عليه {إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ} وتوحيده وننكر رسله وكتبه {وَنَجْعَلَ لَهُ} أي: نثبت ونعتقد لله الواحد الأحد، المنزه عن الشريك {أَندَاداً} شركاء معه في استحقاق العبادة والإطاعة والتوجه والرجوع في مطلق المهام. {وَ} بالجملة: {أَسَرُّواْ} أي: أظهروا وأخفوا {ٱلنَّدَامَةَ} على ما فات عنهم {لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} النازل عليهم بما صدره عنهم في النشأة الأخرى، أظهروا الندامة؛ تحسراً وتحزناً، أو أخفوها؛ مخافة التعيير والتقريع {وَ} بعدما أردنا تعذيبهم {جَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ} الممثلة لهم من تعديهم وظلمهم بالخروج عن مقتضى الحدود الإلهية {فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بتوحيد الله، وأثبتوا له أنداداً، وأنكروا لكتبه ورسله تابعاً ومتبوعاً، ضالاً ومضلاً، وقلنا لهم توبيخاً وتعييراً: {هَلْ يُجْزَوْنَ} هؤلاء البعداء عن ساحة عز القبول {إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [سبأ: 33] أي: ما يجازون إلا بمقتضى أعمالهم وأفعالهم، وعلى طبقها على مقتضى العدل الإلهي.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وقوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤْمِنَ بِهَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ وَلاَ بِٱلَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ} يشير إلى كفار النفس وصفاتها وكفرهم بحقائق القرآن والكتب المنزلة {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ} وهم النفوس الكفرة والقلوب الظالمة صرفت استعدادها من غير موضعها {مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} [سبأ: 31] بحجب صفاتهم {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ} [سبأ: 31] وهم النفوس المستكبرة {إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ} وهم القلوب المستضعفة {يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} [سبأ: 31]. {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوۤاْ} [سبأ: 32] من النفوس للقلوب {أَنَحْنُ صَدَدنَاكُمْ عَنِ ٱلْهُدَىٰ} عن طريق الحق {بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ} يُشير إلى أن الله عز وجل هداكم للإيمان، ولو كان هدى الله قد جاءكم كيف نقدر أن نصد عنكم هدى الله {بَعْدَ إِذْ جَآءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُّجْرِمِينَ} [سبأ: 32] في إفشاء استعداد قبول الإيمان وصرفه في غير موضعه {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ} [سبأ: 33] من القلوب مجيبين {لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ} [سبأ: 33] من النفوس المتمردة {بَلْ مَكْرُ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ} [سبأ: 33] يعني مكرتم بالليل والنهار على الدوام مكراً إذ كنتم تأمروننا بالهواجس النفسانية أن نتبع الهور، ونتخذها إلهاً ونكفر بالله بترك أوامره ونواهيه ونجعل له أنداد من الشهوات الدنيوية، فبهذا المكر قطعتم علينا طريق الحق تعالى: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ} [سبأ: 33] الفريقان أي: أظهرها {لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} [سبأ: 33] حين ما نفعهم الإيمان والندامة {وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [سبأ: 33] التي اتخذوها من الأعناق ما يفلح لغل الأعناق. وقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ} [سبأ: 34] يشير إلى إرسال نذير إلهام رباني في قربة الشخص الإنساني {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ} أي: النفس وصفاتها الأغنياء والنتقمون بالدنيا { إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ} [سبأ: 34] من أعمال الخير والأخلاق الحميدة {كَافِرُونَ} [سبأ: 34] جاحدون.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : لما ذكر تعالى أن ميعاد المستعجلين بالعذاب، لا بد من وقوعه عند حلول أجله، ذكر هنا حالهم في ذلك اليوم، وأنك لو رأيت حالهم إذا وقفوا عند ربهم، واجتمع الرؤساء والأتباع في الكفر والضلال، لرأيت أمرا عظيما وهولا جسيما، ورأيت كيف يتراجع، ويرجع بعضهم إلى بعض القول، فـ { يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا } وهم الأتباع { لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا } وهم القادة: { لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ } ولكنكم حُلْتُم بيننا وبين الإيمان، وزينتم لنا الكفر[ان]، فتبعناكم على ذلك، ومقصودهم بذلك أن يكون العذاب على الرؤساء دونهم. { قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا } مستفهمين لهم ومخبرين أن الجميع مشتركون في الجرم: { أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ } أي: بقوتنا وقهرنا لكم. { بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ } أي: مختارين للإجرام، لستم مقهورين عليه، وإن كنا قد زينا لكم، فما كان لنا عليكم من سلطان. { وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا } أي: بل الذي دهانا منكم، ووصل إلينا من إضلالكم، ما دبرتموه من المكر، في الليل والنهار، إذ تُحَسِّنون لنا الكفر، وتدعوننا إليه، وتقولون: إنه الحق، وتقدحون في الحق وتهجنونه، وتزعمون أنه الباطل، فما زال مكركم بنا، وكيدكم إيانا، حتى أغويتمونا وفتنتمونا. فلم تفد تلك المراجعة بينهم شيئا إلا تبري بعضهم من بعض، والندامة العظيمة، ولهذا قال: { وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ } أي: زال عنهم ذلك الاحتجاج الذي احتج به بعضهم على بعض لينجو من العذاب، وعلم أنه ظالم مستحق له، فندم كل منهم غاية الندم، وتمنى أن لو كان على الحق، [وأنه] ترك الباطل الذي أوصله إلى هذا العذاب، سرا في أنفسهم، لخوفهم من الفضيحة في إقرارهم على أنفسهم. وفي بعض مواقف القيامة، وعند دخولهم النار، يظهرون ذلك الندم جهرا. {أية : وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا } تفسير : الآيات. {أية : وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ * فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأصْحَابِ السَّعِيرِ }. تفسير : { وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا } يغلون كما يغل المسجون الذي سيهان في سجنه كما قال تعالى { إِذِ الأغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ } الآيات { هَلْ يُجْزَوْنَ } في هذا العذاب والنكال وتلك الأغلال الثقال { إِلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } من الكفر والفسوق والعصيان.