Verse. 3639 (AR)

٣٤ - سَبَأ

34 - Saba (AR)

وَقَالَ الَّذِيْنَ اسْتُضْعِفُوْا لِلَّذِيْنَ اسْـتَكْبَرُوْا بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَ النَّہَارِ اِذْ تَاْمُرُوْنَــنَاۗ اَنْ نَّكْفُرَ بِاللہِ وَنَجْعَلَ لَہٗۗ اَنْدَادًا۝۰ۭ وَاَسَرُّوا النَّدَامَۃَ لَمَّا رَاَوُا الْعَذَابَ۝۰ۭ وَجَعَلْنَا الْاَغْلٰلَ فِيْۗ اَعْنَاقِ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا۝۰ۭ ہَلْ يُجْزَوْنَ اِلَّا مَا كَانُوْا يَعْمَلُوْنَ۝۳۳
Waqala allatheena istudAAifoo lillatheena istakbaroo bal makru allayli waalnnahari ith tamuroonana an nakfura biAllahi wanajAAala lahu andadan waasarroo alnnadamata lamma raawoo alAAathaba wajaAAalna alaghlala fee aAAnaqi allatheena kafaroo hal yujzawna illa ma kanoo yaAAmaloona

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار» أي مكر فيهما منكم بنا «إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا» شركاء «وأسرُّوا» أي الفريقين «الندامة» على ترك الإيمان به «لما رأوا العذاب» أي أخفاها كل عن رفيقه مخافة التعيير «وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا» في النار «هل» ما «يجزون إلا» جزاء «ما كانوا يعملون» في الدنيا.

33

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً }. لما ذكر المستكبرون أنا ما صددناكم وما صدر منا ما يصلح مانعاً وصارفاً اعترف المستضعفون به وقالوا: {بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } منعنا، ثم قالوا لهم إنكم وإن كنتم ما أتيتم بالصارف القطعي والمانع القوي ولكن انضم أمركم إيانا بالكفر إلى طول الأمد والامتداد في المدد فكفرنا فكان قولكم جزء السبب، ويحتمل وجهاً آخر وهو أن يكون المراد بل مكركم بالليل والنهار فحذف المضاف إليه. وقوله: {إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ } أي ننكره {وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً } هذا يبين أن المشرك بالله مع أنه في الصورة مثبت لكنه في الحقيقة منكر لوجود الله لأن من يساويه المخلوق المنحوت لا يكون إلهاً، وقوله في الأول: {يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ } يقول الذين استضعفوا بلفظ المستقبل، وقوله في الآيتين المتأخرتين {وَقَالَ ٱلَّذِي ٱسْتَكْبَرُواْ، وَقَالَ ٱلَّذِي ٱسْتُضْعِفُواْ } بصيغة الماضي مع أن السؤال والتراجع في القول لم يقع إشارة إلى أن ذلك لا بد وأن يقع، فإن الأمر الواجب الوقوع يوجد كأنه وقع، ألا ترى إلى قوله تعالى: {أية : إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ } تفسير : [الزمر: 30]. ثم قال تعالى: {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلَـٰلَ فِى أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ }. معناه أنهم يتراجعون القول في الأول، ثم إذا جاءهم العذاب الشاغل يسرون ذلك التراجع الدال على الندامة، وقيل معنى الإسرار الإظهار أي أظهروا الندامة، ويحتمل أن يقال بأنهم لما تراجعوا في القول رجعوا إلى الله بقولهم: {أية : رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً } تفسير : [السجدة: 12] ثم أجيبوا وأخبروا بأن لا مرد لكم فأسروا ذلك القول، وقوله: {وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلَـٰلَ فِى أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } إشارة إلى كيفية العذاب وإلى أن مجرد الرؤية ليس كافياً بل لما رأوا العذاب قطعوا بأنهم واقعون فيه فتركوا الندم ووقعوا فيه فجعل الأغلال في أعناقهم، وقوله: {يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } إشارة إلى أن ذلك حقهم عدلاً.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } أي مكر فيهما منكم بنا {إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً } شركاء {وَأَسَرُّواْ } أي الفريقان {ٱلنَّدَامَةَ } على ترك الإيمان به {لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ } أي أخفاها كلٌّ عن رفيقه مخافة التعيير {وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلَٰلَ فِى أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } في النار {هَلُ } ما {يُجْزَوْنَ إِلاَّ } جزاء {مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } في الدنيا.

ابن عطية

تفسير : هذه مراجعة من الأتباع للرؤساء حين قالوا لهم: إنما كفرتم ببصائر أنفسكم قال المستضعفون بل كفرنا بمكركم بنا بالليل والنهار "وأضاف المكر إلى الليل والنهار من حيث هو فيهما" ولتدل هذه الإضافة على الدؤوب والدوام، وهذه الإضافة كما قالوا "ليل نائم ونهار صائم"، وأنشد سيبويه "فنام ليلي وتجلى همي"، وهذه قراءة الجمهور، وقرأ قتادة بن دعامة "بل مكرٌ الليلَ والنهارَ" بتنوين "مكرٌ" ونصب "الليلَ والنهارَ" على الظرف، وقرأ سعيد بن جبير "بل مكَرّ" بفتح الكاف وشد الراء من كر يكر وبالإضافة إلى "الليل والنهار" وذكر عن يحيى بن يعمر وكأن معنى هذه الآية الإحالة على طول الأمل والاغترار بالأيام مع أمر هؤلاء الرؤساء بالكفر بالله، و"الند" المثيل والشبيه، والضمير في قوله {أسروا} عام جميع ما تقدم ذكره من المستضعفين والمستكبرين، {أسروا} معناه اعتقدوها في نفوسهم، ومعتقدات النفس كلها سر لا يعقل غير ذلك، وإنما يظهر ما يصدر عنها من كلام أو قرينة، وقال بعض الناس {أسروا} معناه أظهروا وهي من الأضداد. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا كلام من لم يعتبر المعنى أما نفس الندامة فلا تكون إلا مستسرة ضرورة، وأما الظاهر عنها فغيرها ولم يثبت قط في لغة أن أسر من الأضداد، وقوله تعالى: {لما رأوا العذاب} أي وافوه وتيقنوا حصولهم فيه وباقي الآية بين.

ابن عبد السلام

تفسير : {بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ} بل عملكم في الليل والنهار، أو معصية الليل والنهار، أو غركم اختلافهما، أو مَرُّهما، أو مكركم فيهما. {أَندَاداً} أشباهاً، أو شركاء.

اسماعيل حقي

تفسير : {وقال الذين استضعفوا} مجيبين {للذين استكبروا} عطف على الجملة الاستئنافية واضراب على اضرابهم وابطال له {بل مكر الليل والنهار} المكر صرف الغير عما يقصده بحيلة اى بل صدّنا مكركم بنا فى الليل والنهار وحملكم ايانا على الشرك والاوزار فحذف المضاف اليه واقيم مقامه الظرف اتساعا يعنى اتسع فى الظرف باجرائه مجرى المفعول به كقوله "يا سارق الليلة اهل الدار" او جعل ليلهم ونهارهم ماكرين مجازا {اذ تأمروننا} ظرف للمكر اى بل مكركم الدائم وقت امركم لنا {ان نكفر بالله ونجعل له اندادا} نقول له شركاء على ان المراد بمكرهم اما نفس امرهم بما ذكر كما فى قوله تعالى {أية : يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم اذ جعل فيكم انبياء وجعلكم ملوكا} تفسير : فان الجعلين المذكورين نعمة من الله أى نعمة واما امور اخر مقارنة للامر داعية الى الامتثال به والترغيب والترهيب ونحو ذلك {واسروا الندامة لما رأوا العذاب} الندامة التحسر فى امر فائت اى اضمر الفريقان الندامة على ما فعلا من الضلال والاضلال حين ما نفعتهم الندامة واخفاها كل منهما عن الآخر مخافة التعيير وهو بالفارسية [سرزنش كردن] او اظهروها فانه من الاضداد اذ الهمزة تصلح للاثبات والسلب كما فى اشكيته وهو المناسب لحالهم {وجعلنا الأغلال فى أعناق الذين كفروا} يقال فى رقبته غل من حديد اى قيد وطوق واصل الغل توسط الشئ ومنه الغل للماء الجارى خص بما يقيد به فيجعل الاعضاء وسطه كما فى المفردات والمعنى ونجعل الاغلال يوم القيامة فى اعناق الذين كفروا بالحق لما جاءهم فى الدنيا من التابعين والمتبوعين وايراد المستقبل بلفظ الماضى من جهة تحقق وقوعه والاظهار فى موضع الاضمار حيث لم يقل فى اعناقهم للتنويه بذمهم والتنبيه على موجب اغلالهم {هل يجزون الا ما كانوا يعملون} اى لا يجزون الاجزاء ما كانوا يعملون فى الدنيا من الكفر والمعاصى والا بما كانوا يعملونه على نزع الجار فلما قيدوا انفسهم فى الدنيا ومنعوها عن الايمان بتسويلات الشيطان الجنى والانسى جوزوا فى الآخرة بالقيد. وفى الفروع وكره جعل الغل فى عنق عبده لانه عقوبة اهل النار. قال القهستانى الغل الطوق من حديد الجامع لليد الى العنق المانع عن تحرك الرأس انتهى. وهو معتاد بين الظلمة. وقال الفقيه انه فى زماننا جرت العادة بذلك اذا خيف من الاباق كما فى الكبرى. ولا يكره ان يجعل قيدا فى رجل عبده سنه المسلمين فى السفهاء واهل الفساد فلا يكره فى العبد اذ فيه تحرز عن اباقه وصيانة لماله وحل ربطه بالحبل ونحوه. قال فى نصاب الاحتساب واما ما اعتاده اهل الحسبة فى اطاقة السوقيين بعد تحقق جنايتهم وخيانتهم فاصله ما ذكر فى ادب القاضى للخصاف ان شاهد الزور يطاق به اى يجعل فى عنقه الطوق وهو ما يقال له بالفارسية [تخته كله] ويجوز ان تكون الا طافة بالفاء وذلك للتشهير بين الناس

الجنابذي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلْلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ} بعدما لم يقدروا على جوابهم والمحاجّة معهم وعلى نسبة تقصيرهم الى الرّؤساء نسبوا تقصيرهم الى مكر اللّيل والنّهار كما هو عادة النّساء فى نسبة تقصيرهم الى الغير، او مقصودهم من هذا الكلام الرّدّ على الرّؤساء فى نسبة الضّلال الى اجرامهم، والمعنى ليس ضلالنا باجرامنا بل بتكرار مكركم فى اللّيل والنّهار وهذا المعنى اوفق بقوله {إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً وَأَسَرُّواْ} اى الرّؤساء او الاتباع او الجميع {ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ} حتّى لا يطّلع كلّ على الآخر، وروى انّهم يسرّون النّدامة فى النّار اذا رأوا ولىّ الله، فقيل: يا بن رسول الله (ص) وما يغنيهم اسرارهم وهم فى العذاب؟- قال: يكرهون شماتة الاعداء {وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ} الاتيان بالماضى فى تلك الافعال لتحقّق وقوعها، او للاشارة الى انّها بالنّسبة الى محمّد (ص) قد وقعت {فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} وضع الظّاهر موضع المضمر اشعاراً بعلّة الحكم واظهاراً لذمٍّ آخر لهم {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} اى نفس ما كانوا او جزاء ما كانوا يعملون والجملة حاليّة بتقدير القول او مستأنفة جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: لم يجعل الاغلال فى اعناقهم؟- فقال: ما يجزون الاّ ما كانوا يعملون لكنّه ادّاه بصورة الاستفهام لتأكيد النّفى.

الهواري

تفسير : {وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ} أي: بل مكركم بالليل والنهار، أي: كيدكم وكفركم في تفسير الحسن. وتفسير الكلبي: {بَلْ مَكْرُ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ} أي: بل قولكم لنا بالليل والنهار {إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً} أي: أعدالاً، يعني أوثانهم، عدلوها بالله فعبدوها من دونه. قال الله: {وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ} في أنفسهم يوم القيامة {لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلاَلَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ} على الاستفهام {إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أي: إنهم لا يجزون إلا ما كانوا يعملون. قوله عزّ وجل: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ} أي: من نبيٍّ ينذرهم عذاب الدنيا وعذاب الآخرة {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ} أي: جبابرتها وعظماؤها، في تفسير بعضهم. والمترفون أهل السَّعة والنَّعمة {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ} فاتَّبَعَهم على ذلك السفلة فجحدوا كلهم. {وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً} قالوا ذلك للأنبياء والمؤمنين، أي: يعيّرونهم بالفقر وبقلّة المال {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ}. قال الله: {قُلْ} يا محمد {إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ} أي: يوسّع الرزق لمن يشاء {وَيَقْدِرُ} أي: ويقتّر عليه الرزق. فأما المؤمن فذلك نظر من الله له. قال: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} يعني جماعة المشركين لا يعلمون. قال: {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلآ أَوْلاَدُكُم} يقوله للمشركين {بِالَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى} والزلفى القربة، لقولهم للأنبياء والمؤمنين: نحن أكثر أموالاً وأولاداً منكم. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وإلى أعمالكم . تفسير : قال: {إِلاَّ مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ} في إيمانه {صَالِحاً} [أي: ليس القربة عندنا إلا لمن آمن وعمل صالحاً]. قال: {فَأُوْلَئِكَ} أي: الذين هذه صفتهم {لَهُمْ جَزَآءُ الضِّعْفِ} أي: تضعيف الحسنات. كقوله: (أية : مَن جَآءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) تفسير : [الأنعام: 160] ثم أنزل بعد ذلك في المدينة: (أية : مَّثَلُ الّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ وَاللهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَآءُ) تفسير : [البقرة: 261] ثم صارت بعد في الأعمال الصالحة كلها، الواحدة بسبعمائة. ذكروا عن الحسن وغيره عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لأن أعلم أنه تُقُبِّلَت مني تسبيحة واحدة أحب إليّ من الدنيا وما فيها. قال بعضهم: بلغني عن سعيد بن جبير أنه قال: من كتب الله له حسنة دخل الجنة، و {أية : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ} تفسير : [المائدة: 27]. قال تعالى: {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ} أي: في غرفات الجنة {ءَامِنُونَ} أي: آمنون من النار ومن الموت ومن الخروج منها ومن الأحزان ومن الأسقام والأمراض.

اطفيش

تفسير : {وقال الذين استضعفوا} جواب معطوف على الجواب الأول او على الثاني. {للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار} اضراب عن اضرابهم ومكر فاعل لمحذوف اي لم يكن اجرامنا هو الصاد لنا بل صدنا مكركم في الليل والنهار والمراد بذكرهما الدوام ما زلتم تمكرون بنا حتى اغويتمونا واضيف المكر اليهما اما للملابسة لوقوعه فيهما او على انها فاعلان للمكر فيكون من المجاز الحكمي واسند المكر اليهما لوقوعه فيهما وملابسته لهما ونظير الوجه الاول اضافة الضحى لضمير الشمس في عشية او ضحاها وهو ايضا مجاز والمكر خداعهم اياهم بالتزيين والامر بالكفر ويجوز كون مكر خبر المحذوف اي بل الصاد مكر الليل والنهار او سبب ذلك مكرهما او مبتدأ اي مكرهما صاد لو مكرهما سبب ذلك وقرىء بتنوين مكر ونصب الليل والنهار على الظرفية وقرىء بل مكر الليل والنهار وينصب مكر على المفعولية المطلقة وخفض ما بعده على الاضافة اي مكرتم مكر الليل والنهار وقيل معنى مكر الليل والنهار ومكرهما بطول السلامة والامل فيهما. {إذ} بدل من الليل والنهار كذا زعم من زعم ويرده ان اذ لا يضاف اليه غير الزمان ولما ليل قد اضيف اليه المكر الا ان كان من الاغتفار في الثاني بل متعلق بمكر كقولك اعجبتني قراءة يوم الجمعة وقت الظهر او بتمكرون محذوف او بتصدوننا كذلك او تعليل وعلى قراءة عدم الاضافة يجوز ابداله من الليل والنهار. {تأمروننا أن نكفر} بأن نكفر. {بالله ونجعل له أندادا} شركاء. {وأسروا الندامة} كتموها والواو للمستضعفين والمستكبرين والضلالة والاضلال مخافة التعبير او المعنى اظهر والندامة فان افعل ياتي للسلب ويأتي للاثبات. {لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال} ما يربط به. {في أعناق الذين كفروا} المستضعفين والمستكبرين ولم يعبر بالضمير ليشعر بموجب الاغلال وهو الكفر. {هل يجزون الا ما كانوا يعملون} من كفر ومعصية وما منصوب على نزع الباء او مفعول ثان على تضمين تجزون معنى يعطون او نحوه مما يتعدى لاثنين وزعم بعض انه يتعدى لاثنين بلا تضمين ويتعدى لواحد.

اطفيش

تفسير : {وقال الَّذين اسْتُضعفوا للَّذين اسْتكبروا بل مْكَر الليْل والنَّهار} فاعل لمحذوف، اى صدنا مكر الليل والنهار، أى صددتمونا بمكركم لنا على استمرار فى الليل والنهار، أو خبر أو بمتدأ لمحذوف، أى سبب كفرنا مكرمكم أو مكر الليل والنهار سبب كفرنا، فحذف المضاف اليه، وناب عنه الظرف أو أسند المكر الى وقته على طريق التجوز فى الاسناد، والمجاء العقلى، فالليل والنهار ماكران، وفيه مبالغة ليست فى جعل الاضافة بمعنى فى كما الوجه الأول. {إذْ} قيل بدل من الليل والنهار، وفيه أنه يرجع الى أنه أضيف اليه مكر لأنه بدل مما أضيف اليه مكر، وهو لا يضاف اليه إلا الزمان، إلا أن يختار أن المبدل من ليس فى نية الطرح، وقيل: يجوز أن يكون تعليلا للمكر، ولا وجه له لأنه كقولك مكر بنا الليل والنهار، لأنكم تأمروننا أو مكرتم بنا فى الليل والنهار لأنكم تأمروننا، وقيل أيضا: يجوز أن يكون ظرفا للمكر، وفيه أنه راجعا الى الإبدال سواء قلنا إن قوله: {تأمُروننا أن نكْفُر بالله ونْجْعل له أنْداداً} نفس مكرهم، أو قلنا: مكرهم أمور أخر مقارنة بأمرهم، داعية الى الامتثال من نحو ترغيب وترهيب والأنداد، جمع ند بمعنى شريك مطلقا، وقال ابن العربى: مخصوص بمن يدعى الربوبية، وعلى كل حال سمى لأنه ند عن الله أى شرد عن اللياقة ان كان غير عاقل، وشرد عن العبادة ان كان عاقلا، وقرن القول الثانى بالواو لأنه ليس جواب سؤال، بل معطوف على جوابه، كأنه قيل: فما كان بينهم؟ فقيل: قال الذين استكبروا كذا، وقال الذين استضعفوا كذا. ويحرم تصوير ما فيه روح، وجاز ما لا روح فيه، وعن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم"تفسير : أى صورتم، وعن أبى هريرة عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله تعالى قال: من أظلم ممن يخلق كخلقي" تفسير : وعن مجاهد، عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة" تفسير : فاما أن يقطع رأسها أو تبسط، وروى أنه كان على باب بيت عائشة رضى الله عنها ستر معلق عليه تماثيل، فنزل جبريل عليه السلام فقال: إنا لا ندخل بيتا فيه كلب أو تماثيل، فاما أن تقطعوا رءوسها أو تبسطوها بسطا، قال بعض فقهاء قومنا: نأخذ بأن تبسط الثياب التى عليها تماثيل، وعن عطاء وعكرمة: إنما يكره من التماثيل ما نصب نصبا، وأما ما وطئته الأقدام فلا بأس به قلت لا بد من المصير الى هذا اذا قلنا: الأمر بقطع الرءوس كما هو ظاهر أو بالبسط هو من الحديث، وإلا فالبسط عندى لا يجزى ولو كان فيه اهانة. {وأسرُّوا} المستكبرون والمستضعفون {النَّدامة} على الضلال والاضلال فى جانب المستكبرين، وعلى الضلال فى جانب المستضعفين، ومن الجائز أن تقول: وعلى قبول الاضلال أيضا، والمقام يدل على قبوله ولو لم يذكروه، بل المحاورة، وذكر الأمر صريح فى أنهم قبلوه وندموا، والمراد وأسروا الندامة حين حضر العذاب كما قال: {لمَّا رأوا العَذَاب} وأما قبله فقد أظهروها بالتفاؤل المذكور بينهم، وذلك أنهم قبل حضوره قادرون على الكلام، وبعد حضوره، فشلوا عن أظهار الندم، ولو كانوا قد يتقاولون بعد ذلك فى النَّار، لا يبعد أن يكون المعنى أظهرها قبل حضوره، وأخفوها فى قلوبهم بعده، وقيل: الهمزة للسلب، كأقردت البعير، وأشكيت زيدا بمعنى أزلت شكواه بالسعى فيما يزيل ضره، فيكون المعنى: أظهروا الندامة لما رأوا العذاب، وهو خلاف الظاهر فى لفظ أسر والإظهار هو ندامة ذلك التفاؤل. {وجَعَلنا الأغْلال} القيود {في أعْناق الَّذين كَفَروا} هم الذين استكبروا، والذين استضعفوا أو هم وكل شقى ممن ليس رئيسا متبوعا فى الضلال، ولا مرءوسا فيه تابعا لانسان، بل تبع الشيطان ونفسه، لكن ان عممنا هذا فى الظالمين فى قوله: "أية : إذ الظالمون"تفسير : [سبأ: 31] لم يخلوا عن رئيس ومرءوس، وغلام الخضر ليس من أهل النار، لأنه غير بالغ، وإن كان بالغا فظاهر فيكون سماه غلاما لقربه من الطفولية، وان أريد خصوص من ذكر فى الآية، فالمقام للاضمار، وأظهر للتصريح بما أوجب العذاب وهو الكفر {هَل يُجزون إلا ما كانُوا يعْمَلون} أى لا يجزون إلا شراً اقتضاه عملهم، أو لا يجزون أقل من عملهم ولا أكثر، وما مفعول مطلق على حذف مضاف، أى الأجزاء ما كانوا يعملون، أو يقدر الجار أى إلا بما كانوا، أو على ما كانوا، أو عن ما كانوا، والكل وارد، والباء أظهر، وقال الله تعالى تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم. {ومَا أرْسلنا في قَريةٍ} من القرى {مِن نذير} من النذر {إلا قال مُتْرفُوها} منعَّموها بالأموال والأولاد والجاه، خصوا بالذكر لشدة غفلة قلوبهم، وبعدها عن الحق لشدة قسوتها بالنعم، والاشتغال بأمر الدنيا وأيضا هم السابقون الى التكذيب بالحق، لمخالفته لزخارفهم وشهواتهم، وهم الرؤساء فى ذلك والفقراء، بخلاف ذلك، فكانت أتباع الرسل الفقراء والضعفاء أولا كما قال المقوقس لرسوله صلى الله عليه وسلم إليه لما سأله عن أتباعه فقال الضعفاء: {إنَّا بما أرْسلتْم} على زعمكم أنكم أرسلتم {به كافرون} بما متعلق بكافرون قدم للفاصلة ولسرعتهم الى ذكره، لأنهم يذكرونه على وجه النفى، والمعنى مترفو كل قرية قالوا لنبيها إنا كافرون بما أرسلت به، فجمع رسل القرى فى أرسلتم والمترفون فى إنا وكافرون، وفى إنا جماعات، وكذا كافرون، وفى أرسلتم إفراد الرسل، والخطاب لهم أو فيه أيضا جماعات كل رسول وأتباعه الرسول، كالجماعة وأتباعه جماعة، بل أتباعه جماعات خوطبوا أو قيل: الخطاب لكل رسول تهكماً كأنه جماعة، أو يريد المترفون إذا خاطبوا نبيا ذلك النبى وسائر الأنبياء، إنا بما أرسلتم أيها المدعون للرسالة، أو الآية من مقابلة الجمع بالجمع، والآية من نوح وما بعده، بل من شيث، فيكون اثنان جماعة هو وآدم.

الالوسي

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ} إضراباً عن إضرابهم وإبطالاً له {بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ } أي بل صدنا مكركم بنا في الليل والنهار فحذف المضاف إليه وأقيم مقامه الظرف اتساعاً أو جعل الليل والنهار ماكرين على الإسناد المجازي، وقيل لا حاجة إلى ذلك فإن الإضافة على معنى في. وتعقب بأنها مع أن المحققين لم يقولوا بها يفوت باعتبارها المبالغة، ويعلم مما أشرنا إليه أن {مكر} فاعل لفعل محذوف، وجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره محذوف أي سبب كفرنا مكر الليل والنهار أو مكر الليل والنهار سبب كفرنا. وقرأ قتادة ويحيـى بن يعمر {بل مكر ٱلليل وٱلنهار} بالتنوين ونصب الظرفين، أي بل صدنا مكركم أو مكر عظيم في الليل والنهار. وقرأ محمد بن جعفر وسعيد بن جبير وأبو رزين وابن يعمر أيضاً {مكر ٱلليل وٱلنهار} بفتح الميم والكاف وتشديد الراء والرفع مع الإضافة أي بل صدنا كرور الليل والنهار واختلافهما، وأرادوا على ما قيل الإحالة على طول الأمل والاغترار بالأيام مع هؤلاء الرؤساء بالكفر بالله عز وجل. وقرأ ابن جبير أيضاً وراشد القاري وطلحة كذلك إلا أنهم نصبوا {مكر} على الظرف أي بل صددتمونا مكر الليل والنهار أي في مكرهما أي دائماً، وجوز أن يكون مفعولاً مطلقاً أي تكرون الإغراء مكراً دائماً لا تفترون عنه، وجوز صاحب «اللوامح» كونه ظرفاً لتأمروننا بعد. وتعقبه أبو حيان بأنه وهم لأن ما بعد (إذ) لا يعمل / فيما قبلها. وقوله تعالى: {إِذْ تَأْمُرُونَنَا } بدل من الليل والنهار أو تعليل للمكر، وجعله في «الإرشاد» ظرفاً له أي بل مكركم الدائم وقت أمركم لنا {أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً } على أن مكرهم إما نفس أمرهم بما ذكر وأما أمور أُخر مقارنة لأمرهم داعية إلى الامتثال به من الترغيب والترهيب وغير ذلك. وجملة {قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ } الخ عطف على جملة {أية : يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ }تفسير : [سبأ: 31] الخ وإن تغايرتا مضياً واستقبالاً. ولما كان هذا القول رجوعاً منهم إلى الكلام دون قول المستكبرين{ أية : أَنَحْنُ صَدَدنَـٰكُمْ}تفسير : [سبأ: 32] فإنه ابتداء كلام وقع جواباً للاعتراض عليهم جيء بالعاطف هٰهنا ولم يجيء به هناك على ما اختاره بعضهم، وقيل: إن النكتة في ذلك أنه لما حكى قول المستضعفين بعد قوله تعالى: {أية : يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ ٱلْقَوْلَ }تفسير : [سبأ: 31] كان مظنة أن يقال: فماذا قال الذين استكبروا للذين استضعفوا وهل كان بين الفريقين تراجع؟ فقيل: قال الذين استكبروا كذا، وقال الذين استضعفوا كذا فأخرج مجموع القولين مخرج الجواب وعطف بعض الجواب على بعض فتدبر. والأنداد جمع ند هو شائع فيمن يدعي أنه شريك مطلقاً لكن ذكر الشيخ الأكبر قدس سره في تفسيره الجاري فيه على مسلك المفسرين «إيجاز البيان في الترجمة عن القرآن» وبخطه الشريف النوراني رأيته أنه مخصوص بمن يدعي الألوهية كفرعون وأضرابه لأن بذلك ندعن الله تعالى وشرد عن رحمته سبحانه، وقال الشيخ: لأنه شرد عن العبودية له جل شأنه. {وَأَسَرُّواْ } أي أضمر الظالمون من الفريقين المستكبرين والمستضعفين {ٱلنَّدَامَةَ } على ما كان منهم في الدنيا من الضلال والإضلال نظراً للمستكبرين ومن الضلال فقط نظرا للمستضعفين، والقول بحصول ندامتهم على الإضلال أيضاً باعتبار قبوله تكلف، ولم يظهروا ما يدل عليها من المحاورة وغيرها {لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ} لأنهم بهتوا لما عاينوه فلم يقدروا على النطق واشتغلوا عن إظهارها بشغل شاغل، وقيل: أخفاها كل عن صاحبه مخافة التعيير، وتعقب بأنه كيف يتأتى هذا مع قول المستضعفين لرؤساهم {أية : لَوْلاَ أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ} تفسير : [سبأ: 31] وأي ندامة أشد من هذا، وأيضاً مخافة التعيير في ذلك المقام بعيدة، وقيل: أسروا الندامة بمعنى اظهروها فإن أسر من الأضداد إذ الهمزة تصلح للإثبات وللسلب فمعنى أسره جعله سراً أو أزال سره ونظيره أشكيت؛ وأنشد الزمخشري لنفسه:شعر : شكوت إلى الإيام سوء صنيعها ومن عجب باك فشكى إلى المبكي فما زادت الأيام إلا شكاية وما زالت الأيام نشكى ولا تشكي تفسير : وتعقب ابن عطية هذا القول بأنه لم يثبت قط في لغة ان أسر من الأضداد، وأنت تعلم أن المثبت مقدم على النافي فلا تغفل. {وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلَـٰلَ} أي القيود {فِى أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } وهم المستكبرون والمستضعفون والأصل في أعناقهم إلا أنه أظهر في مقام الإضمار للتنويه بذمهم والتنبيه على موجب إغلالهم، واستظهر أبو حيان عموم الموصول فيدخل فيه الفريقان المذكوران وغيرهم لأن من الكفار من لا يكون له أتباع تراجعه القول في الآخرة ولا يكون هو تابعاً لرئيس له كالغلام الذي قتله الخضر عليه السلام. {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي لا يجزون إلا مثل الذي كانوا يعملونه من الشر، وحاصله لا يجزون إلا شراً، وجزى قد يتعدى إلى مفعولين بنفسه كما يشير إليه قول الراغب يقال جزيته كذا وبكذا، وجوز كون (ما) في محل النصب بنزع الخافض وهو إما الباء أو عن أو على فإنه ورد تعدية جزي بها جميعاً، وقيل: إن هذا التعدي لتضمينه معنى القضاء ومتى صح ما سمعت / عن الراغب لم يحتج إلى هذا.

ابن عاشور

تفسير : {وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُواْ بَلْ مَكْرُ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً}. لم تَجر حكاية هذا القول على طريقة حكاية المقاولات التي تحكى بدون عطف على حسن الاستعمال في حكاية المقاولات كما استقريناه من استعمال الكتاب المجيد وقدمناه في قوله: { أية : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } تفسير : [البقرة: 30] الآية، فجِيء بحرف العطف في حكاية هذه المقالة مع أن المستضعفين جاوبوا بها قول الذين استكبروا { أية : أنحن صددناكم } تفسير : [سبأ: 32] الآية لنكتة دقيقة، وهي التنبيه على أن مقالة المستضعفين هذه هي في المعنى تكملة لمقالتهم المحكية بقوله: { أية : يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين } تفسير : [سبأ: 31] تنبيهاً على أن مقالتهم تلقَّفها الذين استكبروا فابتدروها بالجواب للوجه الذي ذكرناه هنالك بحيث لو انتظروا تمام كلامهم وأبلعوهم ريقَهم لحصل ما فيه إبطال كلامهم ولكنهم قاطعوا كلامهم من فرط الجَزع أن يؤاخذوا بما يقوله المستضعفون. وحكي قولهم هذا بفعل الماضي لمزاوجة كلام الذين استكبروا لأن قول الذين استضعفوا هذا بعد أن كان تكملة لقولهم الذي قاطعه المستكبرون، انقلبَ جواباً عن تبرُّؤ المستكبِرين من أن يكونوا صدُّوا المستضعَفين عن الهدى، فصار لقول المستضعفين موقعان يقتضي أحد الموقعين عطفه بالواو، ويقتضي الموقع الآخر قرنه بحرف {بل} وبزيادة {مكر الليل والنهار}. وأصل الكلام: يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين إذ تأمروننا بالليل والنهار أن نكفر بالله الخ. فلما قاطعه المستكبرون بكلامهم أقحم في كلام المستضعفين حرف {بل} إبطالاً لقول المستكبرين { أية : بل كنتم مجرمين } تفسير : [سبأ: 32]. وبذلك أفاد تكملةَ الكلام السابق والجواب عن تبرؤ المستكبرين، ولو لم يعطف بالواو لما أفاد إلا أنه جواب عن كلام المستكبِرين فقط، وهذا من أبدع الإِيجاز. و{بل} للإِضراب الإِبطالي أيضاً إبطالاً لمقتضَى القصر في قولهم: { أية : أنحن صددناكم عن الهدى } تفسير : [سبأ: 32] فإنه واقع في حيّز نفي لأن الاستفهام الإِنكاري له معنى النفي. و{مكر الليل والنهار} من الإِضافة على معنى (في). وهنالك مضاف إليه ومجرور محذوفان دل عليهما السياق، أي مكركم بنا. وارتفع {مكر} على الابتداء. والخبر محذوف دل عليه مقابلة هذا الكلام بكلام المستكبرين إذ هو جواب عنه. فالتقدير: بل مكركم صَدَّنا، فيفيد القصر، أي ما صدَّنا إلاّ مكركم، وهو نقض تام لقولهم: { أية : أنحن صددناكم عن الهدى } تفسير : [سبأ: 32] وقولِهم: { أية : بل كنتم مجرمين } تفسير : [سبأ: 32]. والمكر: الاحتيال بإظهار الماكر فعل ما ليس بفاعله ليَغُرّ المحتال عليه، وتقدم في قوله تعالى: { أية : ومكروا ومكر الله } تفسير : في آل عمران (54). وإطلاق المكر على تسويلهم لهم البقاء على الشرك، باعتبار أنهم يموهون عليهم ويوهمونهم أشياء كقولهم: إنه دين آبائكم وكيف تأمنون غضب الآلهة عليكم إذا تركتم دينكم ونحو ذلك. والاحتيال لا يقتضي أن المحتَال غيرُ مستحسن الفعل الذي يحتال لتحصيله. والمعنى: ملازمتهم المكر ليلاً ونهاراً، وهو كناية عن دوام الإِلحاح عليهم في التمسك بالشرك. و{إذ تأمروننا} ظرف لما في {مكر الليل والنهار} من معنى (صدّنا) أي حين تأمروننا أن نكفر بالله. والأنداد: جمع نِدّ، وهو المماثل، أي نجعل لله أمثالاً في الإِلهية. وهذا تطاولٌ من المستضعفين على مستكبريهم لما رأوا قلة غنائهم عنهم واحتقروهم حين علموا كذبهم وبهتانهم. وقد حكى نظير ذلك في قوله تعالى: { أية : إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا } تفسير : الآيتين في سورة البقرة (166). {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱْلَعَذَابَ}. يجوز أن يكون عطفاً على جملة { أية : يرجع بعضهم إلى بعض القول } تفسير : [سبأ: 31] فتكون حالاً. ويجوز أن تعطف على جملة { أية : إذ الظالمون موقوفون عند ربهم } تفسير : [سبأ: 31]. وضمير الجمع عائد إلى جميع المذكورين قبلُ وهم الذين استضعفوا والذين استكبروا. والمعنى: أنهم كشف لهم عن العذاب المعدّ لهم، وذلك عقب المحاورة التي جرت بينهم، فعلموا أن ذلك الترامي الواقع بينهم لم يُغن عن أحد من الفريقين شيئاً، فحينئذٍ أيقنوا بالخيبة وندِموا على ما فات منهم في الحياة الدنيا وأسرُّوا الندامة في أنفسهم، وكأنهم أسَرُّوا الندامة استبقاء للطمع في صرف ذلك عنهم أو اتقاء للفضيحة بين أهل الموقف، وقد أعلنوا بها من بعدُ كما في قوله تعالى: { أية : قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها } تفسير : في سورة الأنعام (31)، وقوله: { أية : لو أن لي كرة فأكون من المحسنين } تفسير : في سورة الزمر (58). وذكر الزمخشري وابن عطية: أن من المفسرين مَن فسّر {أسَرّوا} هنا بمعنى أظهروا، وزعم أن (أسرّ) مشترك بين ضدين. فأما الزمخشري فسلمه ولم يتعقبه وقد فسر الزوزني الإِسرار بالمعنيين في قول امرىء القيس: شعر : تجاوزتُ أحراساً إليها ومعشراً عليّ حِراصاً لو يُسِرّون مقتلي تفسير : وأما ابن عطية فأنكره، وقال: «ولم يثبت قط في اللغة أن (أسرّ) من الأضداد». قلت: وفيه نظر. وقد عد هذه الكلمة في الأضداد كثير من أهل اللغة وأنشد أبو عبيدة قول الفرزدق: شعر : ولما رأى الحجاجَ جرَّد سيفه أسرّ الحَروريُّ الذي كان أضمرا تفسير : وفي كتاب «الأضداد» لأبي الطيب الحلبي قال أبو حاتم: ولا أثق بقول أبي عبيدة في القرآن ولا بقول الفرزدق والفرزدق كثير التخليط في شعره. وذكر أبو الطيب عن التَّوزي أن غير أبي عبيدة أنشد بيت الفرزدق والذي جرَّ على تفسير «أسرّوا» بمعنى أظهروا هنا هو ما يقتضي إعلانهم بالندامة من قولهم: { أية : لولا أنتم لكنا مؤمنين } تفسير : [سبأ: 31]. وفي آيات أخرى مثل قوله تعالى: { أية : ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا } تفسير : [الفرقان: 27] الآية. والندامة: التحسُّر من عمل فات تداركه. وقد تقدمت عند قوله تعالى: {فأصبح من النادمين} في سورة المائدة (31). {وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. عطف على جملة { أية : إذ الظالمون موقوفون } تفسير : [سبأ: 31]. والتقدير: ولو ترى إذ جعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا. وجواب (لو) المحذوفُ جواب للشرطين. و{الأغلال}: جمع غُلّ بضم الغين، وهو دائرة من حديد أو جلد على سعة الرقبة توضع في رقبة المأسور ونحوه ويشد إليها بسلسلة أو سير من جلد أو حبل، وتقدم في أول سورة الرعد. وجعل الأغلال في الأعناق شعار على أنهم يساقون إلى ما يحاولون الفرار والانفلات منه. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : وأولئك الأغلال في أعناقهم } تفسير : في الرعد (5). و{الذين كفروا} هم هؤلاء الذين جرت عليهم الضمائر المتقدمة فالإِتيان بالاسم الظاهر وكونِه موصولاً للإِيماء إلى أن ذلك جزاء الكفر، ولذلك عقب بجملة {هل يجزون إلا ما كانوا يعملون} مستأنفة استئنافاً بيانياً، كأن سائلاً استعظم هذا العذاب وهو تعريض بهم. والاستفهام بــــ{هل} مستعمل في الإِنكار باعتبار ما يعقبه من الاستثناء، فتقدير المعنى: هل جُزوا بغير ما كانوا يعملون، والاستثناء مفرّغ. و{ما كانوا يعملون} هو المفعول الثاني لفعل {يجزون} لأن (جَزى) يتعدّى إلى مفعول ثان بنفسه لأنه من باب أعطى، كما يتعدى إليه بالباء على تضمينه معنى: عَوَّضه. وجعل جزاؤهم ما كانوا يعملون على معنى التشبيه البليغ، أي مثل ما كانوا يعملون، وهذه المماثلة كناية عن المعادلة فيما يجاوزونه بمساواة الجزاء للأعمال التي جوزوا عليها حتى كأنه نفسها كقوله تعالى: { أية : جزاءً وفاقاً } تفسير : [النبأ: 26]. واعلم أن كونه مماثلاً في المقدار أمر لا يعلمه إلا مُقَدِّرُ الحقائق والنيات، وأما كونه {وفاقاً} في النوع فلأن وضع الأغلال في الأعناق منع من حرية التصرف في أنفسهم فناسب نوعه أن يكون جزاء على ما عبَّدوا به أنفسهم لأصنامهم كما قال تعالى: { أية : أتعبدون ما تنحتون } تفسير : [الصافات: 95] وما تقبلوه من استعباد زعمائهم وكبرائهم إياهم قال تعالى: { أية : وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا } تفسير : [الأحزاب: 67]. ومن غُرَر المسائل أن الشيخ ابن عرفة لما كان عرض عليه في درس التفسير عند قوله تعالى: { أية : إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل } تفسير : [غافر: 71] فسأله بعض الحاضرين: هل يستقيم أن نأخذ من هذه الآية ما يؤيد فعل الأمراء أصلحهم الله من الإِتيان بالمحاربين ونحوهم مغلولين من أعناقهم مع قول مالك رحمه الله بجواز القياس في العقوبات على فعل الله تعالى (في حد الفاحشة) فأجابه الشيخ بأن لا دلالة فيها لأن مالكاً إنما أجاز القياس على فعل الله في الدنيا، وهذا من تصرفات الله في الآخرة فلا بُدَّ لِجوازه من دليل.

لجنة القرآن و السنة

تفسير : 33- وقال المستضعفون للمستكبرين: بل تدبيركم ووسوستكم لنا فى الليل والنهار أوقعنا فى التهلكة حين كنتم تطلبون منا أن نكفر بالله، ونجعل له شركاء، وأسر الفريقان الحسرة لما رأوا العذاب واقعاً بهم، فعلموا أن لا فائدة من إظهار هذه الحسرة، وجعلنا الأغلال فى أعناق الذين لم يؤمنوا. هل يستحق هؤلاء إلا جزاء ما كانوا يعملون؟! 34- وما أرسلنا فى قرية من رسول يدعوهم إلى الحق إلا قال المترفون من أهلها: إنا بما جئتم به مكذبون. 35- وقالوا - متباهين -: نحن أكثر أموالاً وأولاداً، وما نحن بمعذبين فى الآخرة. 36- قل لهم - أيها النبى -: إن خالقى يُوسِّع الرزق لمن يشاء من العاصين والمطيعين ويُضيِّق على من يشاء، وليس ذلك دليل رضاه أو سخطه، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. 37- وليست أموالكم وأولادكم بالمزية التى تقربكم عندنا قربة، لكن من ثبت له الإيمان وعمل صالحاً فأولئك لهم الثواب المضاعف بما عملوا، وهم فى أعالى الجنات آمنون. 38- والذين يسْعَون فى معارضة آياتنا - محاولين إبطالها وتعجيز أنبيائنا عن تبليغها - أولئك فى العذاب محضرون لا يفلتون. 39- قل - أيها النبى -: إن ربى يُوسِّع الرزق لمن يشاء من عباده ويُضيِّق عليه، وما أنفقتم من شئ فهو يعوضه، وهو - سبحانه - خير الرازقين.

د. أسعد حومد

تفسير : {ٱلْلَّيْلِ} {ٱلأَغْلاَلَ} (33) - فَقَالَ الأَتباعُ المُسْتَضْعَفُونَ لِلسَّادَةِ: بَلْ أَنْتُمُ الذِينَ كُنْتُمْ تُوَسْوِسُونَ لَنَا بِالكُفْرِ لَيلاً وَنَهَاراً، وَتُغْرُونَنَا بِالّّثَّبَاتِ عَلَى الكُفْرِ، وَالإِقَامَةِ عَلَيهِ، وَتُخْبِرُونَنا أَنَّنا عَلَى هُدىً فِيمَا نَعْبُدُهُ مِنْ أَصْنَامٍ وَأَوْثَانٍ وَأَندَادٍ. وَيَتَوَقَّفُ الحِوَارُ بَيْنَ الأَتْبَاعِ المُسْتَضْعَفِينَ وَبَينَ السَّادَةِ المَتْبُوعِينَ، وَيُسِرُّ كُلُّ فَرِيقٍ في نَفْسِهِ ما يَشْعُرُ بِهِ مِنْ حَسْرَةٍ وَنَدَمٍ عَلَى ما فَرَّطَ في جَنْبِ اللهِ، وَمَا قَصَّرَ في طَاعَتِهِ، حِينَ يَرَى العَذابَ الذِي أَعَدَّهُ اللهُ لِلْكَفَرةِ المُجْرِمينَ. ثُمَّ تُوضَعُ الأَغْلالُ وَسِلاسِلُ الحَدِيدِ فِي أَعْنَاقِ هؤلاءِ، وَهُمْ في النَّارِ. والعَذَابُ الذِي يَلْقَوْنَهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ إِنَّما هُوَ الجَزَاءُ الذِي يَسْتَحِقُّونَهُ عَلى مَا اجْتَرَحُوا مِنَ الكُفْرِ وَالآثامِ والسَّيِّئَاتِ فِي الدُّنيا. مَكْرُ اللَيْلِ والنَّهَارِ - صَدَّنا مَكرُكُمْ بِنَا فِيهِمَا. أَنْدَاداً - أمْثَالاً مِنْ مَخْلُوقَاتٍ نَعْبُدُهَا. أَسَرُّوا النَّدَامَةَ - أَخْفَوا النَّدَمَ أَوْ أَظْهَرُوهُ. الأَغْلاَلَ - القُيُودَ التِي تَجْمَعُ الأَيدِي إِلى الأَعْنَاقِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذا استمرار في المراجعة والحوار، كُلٌّ يلقى بالمسئولية على الآخر، فلما اتهموهم بالإجرام، وأنهم انساقوا خلفهم طمعاً في تدين خفيف، لا تكاليف فيه، ولا منهج يقيد شهواتهم ردَّ المستضعفون {بَلْ مَكْرُ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ} [سبأ: 33] يعني: المكر الذي ينشأ في الليل، والمكر الذي ينشأ في النهار، حيث قضيتم الليل والنهار تُلِحُّون علينا وتلعبون في آذاننا حتى اتبعناكم. {إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بِٱللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً} [سبأ: 33] يعني: شركاء {وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلْعَذَابَ} [سبأ: 33] فالندامة تعتصرهم، ومع ذلك لا يجهرون بها ولا يُبْدونها حتى لا يشمت بهم الآخرون، وفَرْق بين أنْ يندم الإنسان وبين أنْ تُلجِئه الظروف، لأنْ يعلن الندم. ثم يقول سبحانه: {وَجَعَلْنَا ٱلأَغْلاَلَ فِيۤ أَعْنَاقِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [سبأ: 33] الأغلال: القيود، ومعنى {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [سبأ: 33] تنبيه للمؤمنين الذين يسمعون هذا الكلام وهذا الجزاء: إياكم أنْ تأخذكم بهؤلاء رِقَّة على حالهم في الآخرة، وانظروا إلى ما فعلوه في الدنيا من إجرام؛ لتعلموا أن الله تعالى عادل لا يظلم الناس، ولكنَ أنفسهم يظلمون. ومثال ذلك قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱلَّذِينَ أَجْرَمُواْ كَانُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ يَضْحَكُونَ} تفسير : [المطففين: 29] إلى أنْ قال سبحانه: {أية : هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [المطففين: 36]. ذلك لأن الجريمة حين ينتهي وقتها، وتهدأ آثارها ينسى الناسُ بشاعتها، ولا يذكرون إلا بشاعةَ العقاب عليها، أو ترقّ للمجرم قلوب الذين لم يشهدوا جريمته؛ لذلك يُذكِّرنا الحق سبحانه بعدله، وأنَّ هذا الجزاء جزاء وفاق، فلا تأخذكم بالمجرمين رأفة، ولا ترحموهم في هذا الموقف المخزي الذليل، وضَعُوا عقوبتهم أمام جريمتهم يوم كذَّبوا الرسل. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {بَلْ مَكْرُ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ} معناهُ منهما، وقال: بل مكرُهُم بالليلِ والنَّهارِ. وقوله تعالى: {وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً} معناه أشباهٌ وأمثالٌ.

همام الصنعاني

تفسير : 2424- حدّثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {بَلْ مَكْرُ ٱلَّيلِ وَٱلنَّهَارِ}: [الآية: 33]، قال: بل مكركم في الليل والنَّهار.