٣٤ - سَبَأ
34 - Saba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
34
Tafseer
الرازي
تفسير : تسلية لقلب النبـي صلى الله عليه وسلم وبياناً لأن إيذاء الكفار الأنبياء الأخيار ليس بدعاً، بل ذلك عادة جرت من قبل وإنما نسب القول إلى المترفين مع أن غيرهم أيضاً قالوا: {إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ } لأن الأغنياء المترفين هم الأصل في ذلك القول، ألا ترى أن الله قال عن الذين استضعفوا إنهم قالوا للمستكبرين لولا أنتم لكانوا مؤمنين، ثم استدلوا على كونهم مصيبين في ذلك بكثرة الأموال والأولاد فقالوا: {نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوٰلاً وَأَوْلَـٰداً } أي بسبب لزومنا لديننا، وقوله: {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } أي في الآخرة كأنهم قالوا حالنا عاجلاً خير من حالكم، وأما آجلاً فلا نعذب إما إنكاراً منهم للعذاب رأساً أو اعتقاداً لحسن حالهم في الآخرة أيضاً قياساً [على حسن حالهم في الدنيا]
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } قال قتادة: أي أغنياؤها ورؤساؤها وجبابرتها وقادة الشر للرسل: {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً} أي فُضّلنا عليكم بالأموال والأولاد، ولو لم يكن ربكم راضياً بما نحن عليه من الدِّين والفضل لم يخوّلنا ذلك. {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} لأن من أحسن إليه فلا يعذبه، فرد الله عليهم قولهم وما احتجوا به من الغنى فقال لنبيّه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ} أي يوسعه {وَيَقْدِرُ} أي يقتّر، أي إن الله هو الذي يفاضل بين عباده في الأرزاق امتحاناً لهم، فلا يدلّ شيء من ذلك على ما في العواقب، فسَعَة الرزق في الدنيا لا تدلّ على سعادة الآخرة، فلا تظنوا أموالكم وأولادكم تغني عنكم غداً شيئاً. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} هذا لأنهم لا يتأملون. ثم قال تأكيداً: {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ} قال مجاهد: أي قُرْبى. والزُّلْفة القربة. وقال الأخفش: أي إزلافاً، وهو اسم المصدر، فيكون موضع «قُرْبَى» نصباً، كأنه قال بالتي تقربكم عندنا تقريباً. وزعم الفراء أن «التي» تكون للأموال والأولاد جميعاً. وله قول آخر وهو مذهب أبي إسحاق الزجاج، يكون المعنى: وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا، ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى، ثم حذف خبر الأوّل لدلالة الثاني عليه وأنشد الفراء:شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأيُ مختلِفُ تفسير : ويجوز في غير القرآن: باللتين وباللاتي وباللواتي وباللَّذَين وبالّذين؛ للأولاد خاصة، أي لا تزيدكم الأموال عندنا رفعة ودرجة، ولا تقرّبكم تقريباً. {إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} قال سعيد بن جبير: المعنى إلا من آمن وعمل صالحاً فلن يضره مالُه وولدُه في الدنيا. وروى ليث عن طاوس أنه كان يقول: اللهم ارزقني الإيمان والعمل، وجنّبني المالَ والولد، فإني سمعت فيما أوْحيتَ {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً}. قلت: قول طاوس فيه نظر، والمعنى والله أعلم: جنّبني المال والولد المطْغِيَيْن أو اللذين لا خير فيهما؛ فأما المال الصالح والولد الصالح للرجل الصالح فنِعم هذاٰ وقد مضى هذا في «آل عمران ومريم، والفرقان». و«مَن» في موضع نصب على الاستثناء المنقطع، أي لكن من آمن وعمل صالحاً فإيمانه وعمله يقرِّبانه مني. وزعم الزجاج أنه في موضع نصب بالاستثناء على البدل من الكاف والميم التي في «تقرّبكم». النحاس: وهذا القول غلط؛ لأن الكاف والميم للمخاطب فلا يجوز البدل، ولو جاز هذا لجاز: رأيتك زيداً. وقول أبي إسحاق هذا هو قول الفراء، إلا أن الفراء لا يقول بدل لأنه ليس من لفظ الكوفيين، ولكن قوله يؤول إلى ذلك، وزعم أن مثله {أية : إِلاَّ مَنْ أَتَى ٱللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } تفسير : [الشعراء: 89] يكون منصوباً عنده بـ«ـينفع». وأجاز الفراء أن يكون «مَن» في موضع رفع بمعنى: ما هو إلا من آمن، كذا قال، ولست أحصِّل معناه. {فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ} يعني قوله: {أية : مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} تفسير : [الأنعام: 160] فالضعف الزيادة، أي لهم جزاء التضعيف، وهو من باب إضافة المصدر إلى المفعول. وقيل: لهم جزاء الأضعاف، فالضعف في معنى الجمع، وإضافة الضعف إلى الجزاء كإضافة الشيء إلى نفسه، نحو: حق اليقين، وصلاة الأولى. أي لهم الجزاء المضعّف، للواحد عشرة إلى ما يريد الله من الزيادة. وبهذه الآية استدلّ من فضّل الغنى على الفقر. وقال محمد بن كعب: إن المؤمن إذا كان غنِيًّا تقيًّا آتاه الله أجره مرتين بهذه الآية. {وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} قراءة العامة «جَزَاءُ الضِّعْفِ» بالإضافة. وقرأ الزهرِي ويعقوب ونصر بن عاصم «جزاءً» منوّناً منصوباً «الضعفُ» رفعاً؛ أي فأولئك لهم الضعف جزاء، على التقديم والتأخير. «وَجَزَاءُ الضِّعْفِ» على أن يجازوا الضعف. و«جزاءٌ الضعفُ» مرفوعان، الضعفُ بدل من جزاء. وقرأ الجمهور أيضاً «في الْغُرُفَات» على الجمع، وهو اختيار أبي عبيد؛ لقوله: {أية : لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً}تفسير : [العنكبوت: 58]. الزمخشري: وقرىء «فِي الغرفاتِ» بضم الراء وفتحها وسكونها. وقرأ الأعمش ويحيـى بن وَثّاب وحمزة وخلف «في الغرفة» على التوحيد؛ لقوله تعالى: {أية : أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ}تفسير : [الفرقان: 75]. والغرفة قد يراد بها اسم الجمع واسم الجنس. قال ابن عباس: هي غرف من ياقوت وزبرجد ودُرّ. وقد مضى بيان ذلك. {آمِنُونَ} أي من العذاب والموت والأسقام والأحزان. {وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِيۤ آيَاتِنَا} في إبطال أدلتنا وحجتنا وكتابنا. {مُعَاجِزِينَ} معانِدين، يحسبون أنهم يفوتوننا بأنفسهم. {أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} أي في جهنم تحضرهم الزبانية فيها.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى مسلياً لنبيه صلى الله عليه وسلم وآمراً بالتأسي بمن قبله من الرسل، ومخبره بأنه ما بعث نبياً في قرية إِلا كذبه مترفوها، واتبعه ضعفاؤهم؛ كما قال قوم نوح عليه الصلاة والسلام: {أية : أَنُؤْمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلأَرْذَلُونَ} تفسير : [الشعراء: 111] {أية : وَمَا نَرَاكَ ٱتَّبَعَكَ إِلاَّ ٱلَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ ٱلرَّأْى} تفسير : [هود: 27] وقال الكبراء من قوم صالح {أية : لِلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُواْ لِمَنْ ءَامَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَـٰلِحاً مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ قَالُوۤاْ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسْتَكْبَرُوۤاْ إِنَّا بِٱلَّذِىۤ ءَامَنتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ } تفسير : [الأعراف: 75 ــــ 76] وقال عز وجل: {أية : وَكَذٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِّيَقُولوۤاْ أَهَـٰؤُلاۤءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَآ أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِأَعْلَمَ بِٱلشَّـٰكِرِينَ}تفسير : ؟ [الأنعام: 53] وقال تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَـٰبِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُواْ فِيهَا} تفسير : [الأنعام: 123] وقال جل وعلا: {أية : وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} تفسير : [الإسراء: 16] وقال جل وعلا ههنا: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ} أي: نبي أو رسول {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ} وهم أولو النعمة والحشمة والثروة والرياسة، قال قتادة: هم جبابرتهم وقادتهم ورؤوسهم في الشر: {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ} أي: لا نؤمن به، ولا نتبعه. قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا هارون بن إِسحاق، حدثنا محمد ابن عبد الوهاب عن سفيان بن عاصم عن أبي رزين قال: كان رجلان شريكان، خرج أحدهما إلى الساحل، وبقي الآخر، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كتب إِلى صاحبه يسأله ما فعل، فكتب إِليه أنه لم يتبعه أحد من قريش، إِنما اتبعه أراذل الناس ومساكينهم، قال: فترك تجارته، ثم أتى صاحبه فقال: دلني عليه، قال: وكان يقرأ الكتب أو بعض الكتب، قال: فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إِلام تدعو؟ قال: «حديث : أدعو إلى كذا وكذا» تفسير : قال: أشهد أنك رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم «حديث : وما علمك بذلك؟» تفسير : قال: إِنه لم يبعث نبي إِلا اتبعه أراذل الناس ومساكينهم، قال: فنزلت هذه الآية: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ} الآية، قال: فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : إِن الله عز وجل قد أنزل تصديق ما قلت» تفسير : وهكذا قال هرقل لأبي سفيان حين سأله عن تلك المسائل، قال فيها: وسألتك أضعفاء الناس اتبعه أم أشرافهم؟ فزعمت: بل ضعفاؤهم، وهم أتباع الرسل. وقال تبارك وتعالى إِخباراً عن المترفين المكذبين: {وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَٰلاً وَأَوْلَـٰداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} أي: افتخروا بكثرة الأموال والأولاد، واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة الله تعالى لهم، واعتنائه بهم، وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا، ثم يعذبهم في الآخرة، وهيهات لهم ذلك، قال الله تعالى: {أية : أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ بَل لاَّ يَشْعُرُونَ} تفسير : [المؤمنون: 55 ــــ 56] وقال تبارك وتعالى: {أية : فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَٰلُهُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَـٰفِرُونَ} تفسير : [التوبة: 55] وقال عز وجل: {أية : ذَرْنِى وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً وَبَنِينَ شُهُوداً وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ كَلاَّ إِنَّهُ كان لأَِيَـٰتِنَا عَنِيداً سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً } تفسير : [المدثر: 11 ــــ 17] وقد أخبر الله عز وجل عن صاحب تينك الجنتين: أنه كان ذا مال وثمر وولد، ثم لم يغن عنه شيئاً، بل سلب ذلك كله في الدنيا قبل الآخرة، ولهذا قال عز وجل ها هنا: {قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} أي: يعطي المال لمن يحب ومن لا يحب، فيفقر من يشاء، ويغني من يشاء، وله الحكمة التامة البالغة، والحجة القاطعة الدامغة، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}. ثم قال تعالى: {وَمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ بِٱلَّتِى تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ} أي: ليست هذه دليلاً على محبتنا لكم، ولا اعتنائنا بكم. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا كثير، حدثنا جعفر، حدثنا يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إِن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن إِنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» تفسير : ورواه مسلم وابن ماجه من حديث كثير بن هشام عن جعفر بن برقان به، ولهذا قال الله تعالى: {إِلاَّ مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحاً} أي: إِنما يقربكم عندنا زلفى الإيمان والعمل الصالح، {فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ} أي: تضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، {وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَـٰتِ ءَامِنُونَ} أي: في منازل الجنة العالية آمنون من كل بأس وخوف وأذى، ومن كل شر يحذر منه. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا فروة بن أبي المغراء الكندي، حدثنا القاسم وعلي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إِسحاق عن النعمان بن سعد عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : إِن في الجنة لغرفاً ترى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها» تفسير : فقال أعرابي: لمن هي؟ قال صلى الله عليه وسلم «حديث : لمن طيب الكلام، وأطعم الطعام، وأدام الصيام، وصلى بالليل والناس نيام»تفسير : .{وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِىۤ ءَايَـٰتِنَا مُعَـٰجِزِينَ} أي: يسعون في الصد عن سبيل الله واتباع رسله والتصديق بآياته {أُوْلَـٰئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} أي: جميعهم مجزيون بأعمالهم فيها بحسبهم. وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} أي: بحسب ماله في ذلك من الحكمة، يبسط على هذا من المال كثيراً، ويضيق على هذا ويقتر على رزقه جداً، وله في ذلك من الحكمة مالا يدركها غيره؛ كما قال تعالى: {أية : ٱنظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَلَلأَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَـٰتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً}تفسير : [الإسراء: 21] أي: كما هم متفاوتون في الدنيا؛ هذا فقير مدقع، وهذا غني موسع عليه، فكذلك هم في الآخرة، هذا في الغرفات في أعلى الدرجات، وهذا في الغمرات في أسفل الدركات، وأطيب الناس في الدنيا كما قال صلى الله عليه وسلم «حديث : قد أفلح من أسلم، ورزق كفافاً، وقنعه الله بما آتاه» تفسير : رواه مسلم من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما. وقوله تعالى: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} أي: مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به، وأباحه لكم، فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبدل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب، كما ثبت في الحديث: «حديث : يقول الله تعالى: أنفق، أنفق عليك» تفسير : وفي الحديث: أن ملكين يصبحان كل يوم يقول أحدهما: اللهم أعط ممسكاً تلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط منفقاً خلفاً، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : أنفق بلالاً، ولا تخش من ذي العرش إِقلالاً»تفسير : . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي عن يزيد بن عبد العزيز الطلاس، حدثنا هشيم عن الكوثر بن حكيم عن مكحول قال: بلغني عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ألا إن بعد زمانكم هذا زمان عضوض، يعض الموسر على ما في يده حذار الإنفاق» تفسير : ثم تلا هذه الآية {وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ}. وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: حدثنا روح بن حاتم، حدثنا هشيم عن الكوثر بن حكيم عن مكحول قال: بلغني عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : ألا إن بعد زمانكم هذا زمان عضوض، يعض الموسر على ما في يده حذار الإنفاق» تفسير : قال الله تعالى: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} وفي الحديث: «حديث : شرار الناس يبايعون كل مضطر، ألا إن بيع المضطرين حرام، ألا إن بيع المضطرين حرام، المسلم، أخو المسلم لايظلمه ولايخذله، إن كان عندك معروف، فعد به على أخيك، وإلا فلا تزده هلاكاً إلى هلاكه» تفسير : هذا حديث غريب من هذا الوجه، وفي إسناده ضعف. وقال سفيان الثوري عن أبي يونس الحسن بن يزيد قال: قال مجاهد: لا يتأولن أحدكم هذه الآية: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} إذا كان عند أحدكم ما يقيمه، فليقصد فيه، فإن الرزق مقسوم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ } رؤساؤها المتنعمون {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَٰفِرُونَ }.
الشوكاني
تفسير : لما قصّ سبحانه حال من تقدّم من الكفار أتبعه بما فيه التسلية لرسوله، وبيان أن كفر الأمم السابقة بمن أرسل إليهم من الرسل هو كائن مستمرّ في الأعصر الأوّل، فقال: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ } من القرى {مّن نَّذِيرٍ } ينذرهم، ويحذرهم عقاب الله {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا } أي: رؤساؤها، وأغنياؤها، وجبابرتها، وقادة الشرّ لرسلهم: {إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ } أي: بما أرسلتم به من التوحيد، والإيمان، وجملة: {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا } في محل نصب على الحال. ثم ذكر ما افتخروا به من الأموال، والأولاد، وقاسوا حالهم في الدار الآخرة على حالهم في هذه الدار على تقدير صحة ما أنذرهم به الرسل، فقال: {وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوٰلاً وَأَوْلَـٰداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } والمعنى: أن الله فضلنا عليكم بالأموال والأولاد في الدنيا، وذلك يدلّ على: أنه قد رضي ما نحن عليه من الدين، {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } في الآخرة بعد إحسانه إلينا في الدنيا، ورضاه عنا. فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بأن يجيب عنهم، وقال: {قُلْ إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء } أن يبسطه له {وَيَقْدِرُ } أي: يضيق على من يشاء أن يضيقه عليه، فهو سبحانه قد يرزق الكافر، والعاصي استدراجاً له، وقد يمتحن المؤمن المطيع بالتقتير توفيراً لأجره، وليس مجرّد بسط الرزق لمن بسطه له يدل على أنه قد رضي عنه، ورضي عمله، ولا قبضه عمن قبضه عنه يدل على أنه لم يرضه، ولا رضي عمله، فقياس الدار الآخرة على الدار الأولى في مثل هذا من الغلط البين، أو المغالطة الواضحة {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } هذا، ومن جملة هؤلاء الأكثر من قاس أمر الآخرة على الأولى، ثم زاد هذا الجواب تأييداً، وتأكيداً {وَمَا أَمْوٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ بِٱلَّتِى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ } أي: ليسوا بالخصلة التي تقرّبكم عندنا قربى. قال مجاهد: الزلفى القربى، والزلفة: القربة. قال الأخفش: زلفى اسم مصدر كأنه قال بالتي تقربكم عندنا تقريباً، فتكون زلفى منصوبة المحلّ. قال الفرّاء: إن التي تكون للأموال والأولاد جميعاً. وقال الزجاج: إن المعنى: وما أموالكم بالتي تقرّبكم عندنا زلفى، ولا أولادكم بالشيء يقرّبكم عندنا زلفى، ثم حذف خبر الأول لدلالة الثاني عليه، وأنشد:شعر : نحن بما عندنا وأنت بما عنـ ـدك راض والرأي مختلف تفسير : ويجوز في غير القرآن باللتين، واللاتي، وباللواتي، وبالذي للأولاد خاصة، أي: لا تزيدكم الأموال عندنا درجة ورفعة، ولا تقربكم تقريباً {إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} هو استثناء منقطع، فيكون محله النصب، أي: لكن من آمن، وعمل صالحاً، أو في محل جرّ بدلاً من الضمير في تقرّبكم، كذا قال الزجاج. قال النحاس: وهذا القول غلط، لأن الكاف والميم للمخاطب، فلا يجوز البدل، ولو جاز هذا لجاز رأيتك زيداً. ويجاب عنه بأن الأخفش والكوفيين يجوّزون ذلك، وقد قال بمثل قول الزجاج الفراء، وأجاز الفراء: أن يكون في موضع رفع بمعنى: ما هو إلاّ من آمن، والإشارة بقوله: {فَأُوْلَـئِكَ } إلى من، والجمع باعتبار معناها، وهو مبتدأ، وخبره {لَهُمْ جَزَاء ٱلضّعْفِ } أي: جزاء الزيادة، وهي المرادة بقوله: {أية : مَن جَاء بِٱلْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا } تفسير : [الأنعام: 160]، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أي: جزاء التضعيف للحسنات. وقيل: لهم جزاء الإضعاف؛ لأن الضعف في معنى الجمع، والباء في {بِمَا عَمِلُواْ } للسببية {وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَـٰتِ ءامِنُونَ } من جميع ما يكرهون، والمراد غرفات الجنة، قرأ الجمهور: {جزاء الضعف} بالإضافة، وقرأ الزهري، ويعقوب، ونصر بن عاصم، وقتادة برفعهما على أن الضعف بدل من جزاء. وروي عن يعقوب: أنه قرأ: (جزاء) بالنصب منوناً، و: (الضعف) بالرفع على تقدير: فأولئك لهم الضعف جزاء، أي: حال كونه جزاء. وقرأ الجمهور: {في الغرفات} بالجمع، واختار هذه القراءة أبو عبيد لقوله: {أية : لَنُبَوّئَنَّهُمْ مّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً } تفسير : [العنكبوت: 58]. وقرأ الأعمش، ويحيـى بن وثاب، وحمزة، وخلف: (في الغرفة) بالإفراد لقوله: {أية : أُوْلَـئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ } تفسير : [الفرقان: 75] ولما ذكر سبحانه حال المؤمنين ذكر حال الكافرين، فقال: {وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِى ءايَـٰتِنَا } بالردّ لها، والطعن فيها حال كونهم {مُعَـٰجِزِينَ } مسابقين لنا زاعمين أنهم يفوتوننا بأنفسهم، أو معاندين لنا بكفرهم {أُوْلَـئِكَ فِى ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ } أي: في عذاب جهنم تحضرهم الزبانية إليها لا يجدون عنها محيصاً. ثم كرّر سبحانه ما تقدّم لقصد التأكيد للحجة، والدفع لما قاله الكفرة، فقال: {قُلْ إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ } أي: يوسعه لمن يشاء، ويضيقه على من يشاء، وليس في ذلك دلالة على سعادة، ولا شقاوة {وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ } أي: يخلفه عليكم، يقال: أخلف له، وأخلف عليه: إذا أعطاه عوضه، وبدله، وذلك البدل إما في الدنيا، وإما في الآخرة {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرزِقِينَ } فإن رزق العباد لبعضهم البعض إنما هو بتيسير الله، وتقديره، وليسوا برازقين على الحقيقة بل على طريق المجاز، كما يقال: في الرجل إنه يرزق عياله، وفي الأمير إنه يرزق جنده، والرازق للأمير، والمأمور، والكبير، والصغير هو: الخالق لهم، ومن أخرج من العباد إلى غيره شيئاً مما رزقه الله، فهو إنما تصرّف في رزق الله له، فاستحق بما خرج منه الثواب عليه المضاعف لامتثاله لأمر الله، وإنفاقه فيما أمره الله. {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } الظرف منصوب بفعل مقدّر نحو اذكر، أو هو متصل بقوله: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّـٰلِمُونَ مَوْقُوفُونَ } تفسير : [سبأ: 31] أي: ولو تراهم أيضاً يوم نحشرهم جميعاً للحساب العابد، والمعبود، والمستكبر، والمستضعف، {ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلَـٰئِكَةِ أَهَـؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ } تقريعاً للمشركين، وتوبيخاً لمن عبد غير الله عزّ وجلّ كما في قوله لعيسى: {أية : ءأَنْتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ } تفسير : [المائدة: 116]، وإنما خصص الملائكة بالذكر مع أن بعض الكفار قد عبد غيرهم من الشياطين، والأصنام؛ لأنهم أشرف معبودات المشركين. قال النحاس: والمعنى: أن الملائكة إذا أكذبتهم كان في ذلك تبكيت للمشركين، وجملة {قَالُواْ سُبْحَـٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ } مستأنفة جواب سؤال مقدّر، أي: تنزيهاً لك أنت الذي نتولاه، ونطيعه، ونعبده من دونهم، ما اتخذناهم عابدين، ولا توليناهم، وليس لنا غيرك ولياً، ثم صرّحوا بما كان المشركون يعبدونه، فقالوا: {بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ } أي: الشياطين، وهم: إبليس، وجنوده، ويزعمون: أنهم يرونهم، وأنهم ملائكة، وأنهم بنات الله. وقيل: كانوا يدخلون أجواف الأصنام، ويخاطبونهم منها {أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ } أي: أكثر المشركين بالجنّ مؤمنون بهم مصدّقون لهم. قيل: والأكثر في معنى: الكلّ. {فَٱلْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً } يعني: العابدين، والمعبودين لا يملك بعضهم، وهم: المعبودون لبعض، وهم: العابدون {نَفْعاً } أي: شفاعة، ونجاة {وَلاَ ضَرّا } أي: عذاباً، وهلاكاً، وإنما قيل لهم: هذا القول إظهاراً لعجزهم، وقصورهم، وتبكيتاً لعابديهم، وقولهم: {وَلاَ ضَرّا } هو على حذف مضاف، أي: لا يملكون لهم دفع ضرّ، وقوله: {وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ } عطف على قوله: {نَّقُولُ لِلْمَلَـٰئِكَةِ } أي: للذين ظلموا أنفسهم بعبادة غير الله {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذّبُونَ } في الدنيا. وقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي رزين قال: كان رجلان شريكين، خرج أحدهما إلى الساحل، وبقي الآخر، فلما بعث الله النبيّ صلى الله عليه وسلم كتب إلى صاحبه يسأله ما فعل؟ فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من قريش إلاّ رذالة الناس ومساكينهم، فترك تجارته، ثم أتى صاحبه، فقال: دلني عليه، وكان يقرأ الكتب، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إلى ما تدعو؟ قال: إلى كذا، وكذا، قال: أشهد أنك رسول الله، قال: وما علمك بذلك؟ قال: إنه لم يبعث نبيّ إلاّ اتبعه رذالة الناس، ومساكينهم، فنزلت هذه الآيات {وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا } الآيات، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم: "حديث : إن الله قد أنزل تصديق ما قلت"تفسير : . وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد في قوله: {جَزَاء ٱلضّعْفِ } قال: تضعيف الحسنة. وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب قال: إذا كان الرجل غنياً تقياً آتاه الله أجره مرتين، وتلا هذه الآية {وَمَا أَمْوٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ } إلى قوله: {فَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ جَزَاء ٱلضّعْفِ } قال: تضعيف الحسنة. وأخرج سعيد بن منصور، والبخاري في الأدب المفرد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: {وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ } قال: في غير إسراف، ولا تقتير، وعن مجاهد مثله. وعن الحسن مثله. وأخرج الدارقطني، والبيهقي في الشعب عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كلما أنفق العبد من نفقة، فعلى الله خلفها ضامناً إلاّ نفقة في بيان، أو معصية»تفسير : . وأخرج نحوه ابن عدي في الكامل، والبيهقي من وجه آخر عنه مرفوعاً بأطول منه. وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : قال الله عزّ وجلّ: أنفق يا ابن آدم أنفق عليك» تفسير : وثبت في الصحيح من حديثه أيضاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من يوم يصبح العباد فيه إلاّ وملكان ينزلان؛ فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكاً تلفاً»تفسير : . وأخرج ابن مردويه عن عليّ بن أبي طالب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن لكل يوم نحساً، فادفعوا نحس ذلك اليوم بالصدقة» تفسير : ثم قال: اقرءوا مواضع الخلف، فإني سمعت رسول الله يقول: «حديث : وما أنفقتم من شيء، فهو يخلفه إذا لم تنفقوا كيف يخلف» تفسير : . وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن المعونة تنزل من السماء على قدر المئونة».
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ} يعني من نبي ينذرهم بعذاب الله. {إلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا} فيهم ثلاثة تأويلات: أحدها: يعني جبابرتها، قاله ابن جريج. الثاني: أغنياؤها، قاله يحيى بن سلام. الثالث: ذوو النعم والبطر، قاله ابن عيسى. قوله عز وجل: {نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وأَوْلاَداً} قالوا ذلك للأنبياء والفقراء ويحتمل قولهم ذلك وجهين: أحدهما: أنهم بالغنى والثروة أحق بالنبوة. الثاني: أنهم أولى بما أنعم الله عليهم من الغنى أن يكونوا على طاعة. {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} يحتمل وجهين: أحدهما: أي ما عذبنا بما أنتم فيه من الفقر. الثاني: أي ما أنعم الله علينا بهذه النعمة وهو يريد عذابنا، فرد الله تعالى عليهم ما احتجوا من الغنى فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم. {قُلْ إنَّ رَبِّي يُبْسُطُ الرّزْقَ لِمَن يَشَآءُ} أي يوسعه. {وَيَقْدِرُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أن يقترعليه، قال الحسن يبسط لهذا مكراً به، ويقدر لهذا نظراً له. الثاني: بنظره له، رواه حصين بن أبي الجميل. الثالث: بخير له،رواه حارث بن السائب. {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أن الله يوسع على من يشاء ويقتر على من يشاء. قوله عز وجل: {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلآ أَوْلاَدُكُمْ بالتَّي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى} قال مجاهد: أي قربى والزلفة القربة، ويحتمل وجهين: أحدهما: أن أموالكم في الدنيا لا تدفع عنكم عذاب الآخرة. الثاني: أن إنعامنا بها عليكم في الدنيا لا يقتضي إنعامنا عليكم بالجنة في الآخرة. {إلاَّ مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} روى ليث عن طاووس أنه كان يقول اللهم ارزقني الإيمان والعمل، وجنبني المال والولد، فإني سمعت فيما أوحيْتَ {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بَالَّتِي تُقَرِّبْكْمُ عِندَنَا زُلْفَى إلاَّ مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صالِحاً}. {فَأُوْلئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه أضعاف الحسنة بعشر أمثالها، وأضعاف الدرهم بسبعمائة، قاله ابن زيد. الثاني: أن المؤمن إذا كان غنياً تقياً آتاه الله أجره مرتين بهذه الآية، قاله محمد بن كعب. الثالث: يعني فله جزاء مثل عمله لأن الضعف هو المثل ويقتضي ذلك المضاعفة، قاله بعض المتأخرين. {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ ءَامِنُونَ} يعني غرفات الجنة. {ءَامِنُونَ} فيه أربعة أقاويل: أحدها: آمنون من النار، قاله يحيى ابن سلام. الثاني: من انقطاع النعم، قاله النقاش. الثالث: من الموت، قاله مقاتل. الرابع: من الأحزان والأسقام. قوله عز وجل: {وَمآ أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: فهو يخلفه إن شاء إذا رأى ذلك صلاحاً كإجابة الدعاء، قاله ابن عيسى. الثاني: يخلفه بالأجر في الآخرة إذا أنفقه في طاعة، قاله السدي. الثالث: معناه فهو أخلفه لأنه نفقته من خلف الله ورزقه، قاله سفيان بن الحسين. ويحتمل رابعاً: فهو يعني عنه.
ابن عطية
تفسير : هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن فعل قريش وقولها أي هذه يا محمد سيرة الأمم فلا يهمنك أمر قومك، و"القرية" المدينة، و"المترف" المنع البطال الغني القليل تعب النفس والجسم فعادتهم المبادرة بالتكذيب، وقوله {وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً} يحتمل أن يعود الضمير على المترفين ويكون ذلك من قولهم مع تكذيبهم، ثم لما كانت قريش مثلهم أمره الله تعالى بأن يقول {إن ربي} الآية، ويحتمل أن يعود الضمير في {قالوا} لقريش ويكون كلام المترفين قد تم، ثم تطرد الآية بعد، وقولهم {نحن أكثر أموالاً وأولاداً} معناه الاحتجاج أي أن الله لم يعطنا هذا وقدره لنا إلا لرضاء عنا وعن طريقنا ونحن لا نعذب البتة إذ الله الذي تزعم أنت علمه بجميع الأشياء وإحاطته قد قدر علينا النعم، فهو إذن راض عنا، وقال بعض المفسرين معنى قولهم {وما نحن بمعذبين} أي بالفقر. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا ليس كالأول في القوة فأمر الله تعالى نبيه أن يقول: إن الأمر ليس كما ظنوا بل بسط الرزق وقدره معلق بالمشيئة في كافر ومؤمن وليس شيء من ذلك دليلاً على رضى الله تعالى والقرب منه لأنه قد يعطي ذلك إملاء واستدراجاً، وكثير من الناس لا يعلم ذلك كأنتم أيها الكفار، وقرأت فرقة "ويقدر"، وقرأت فرقة "ويُقَدّر" بضم الباء وفتح القاف وشد الدال وهي راجعة إلى معنى التضييق الذي هو ضد البسط، ثم أخبرهم بأن أموالهم وأولادهم ليست بمقربة من الله {زلفى}، والزلفى مصدر بمعنى القرب، وكأنه قال تقربكم عندنا تقريباً، وقرأ الضحاك "زلَفًى" بفتح اللام وتنوين الفاء، وقوله تعالى: {إلا من آمن} استثناء منقطع، و {من} في موضع نصب بالاستثناء، وقال الزجاج {من} بدل من الضمير في {تقربكم}، وقال الفراء {من} في موضع رفع، وتقدير الكلام ما هو المقرب إلا من آمن، وقرأ الجمهور "جزاءُ الضعفِ" بالإضافة، وقرأ قتادة "جزاءُ الضعفُ" برفعها، وحكى عنه الداني "جزاءَ" بالنصب "الضعفَ" بنصب الفاء، و {الضعف} هنا اسم جنس أي بالتضعيف إذ بعضهم يجازى إلى عشرة وبعضهم أكثر إلى سبعمائة بحسب الأعمال. ومشيئة الله تعالى فيها، وقرأ جمهور القراء "في الغرفات" بالجمع، وقرأ حمزة وحده "في الغرفة" على اسم الجنس يراد به الجمع، ورويت عن الأعمش وهما في القراءة حسنتان، قال أبو علي: وقد يجيء هذا الجمع بالألف والتاء "الغرفات" ونحوه للتكثير ومنه قول حسان بن ثابت: شعر : لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى وأسيافنا يقطرن من نجدة دما تفسير : فلم يرد إلا كثرة جفان. قال الفقيه الإمام القاضي: وتأمل نقد الأعشى في هذا البيت، وقرأ الأعمش والحسن وعاصم بخلاف في "الغرْفات" بسكون الراء.
ابن عبد السلام
تفسير : {مُتْرَفُوهَآ} جبّاروها، أو أغنياؤها، أو ذوو التنعم والبطر.
الثعالبي
تفسير : وقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ} هذهِ الآيةُ تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِي صلى الله عليه وسلم عَنْ فِعْلِ قُرَيْشٍ وَقَوْلِها، أي: هَذِهِ يَا مُحَمَّدُ سِيرَةُ الأُمَمِ، فَلاَ يُهِمَّنَّكَ أَمْرُ قَوْمِكَ وَالْقَرْيَةُ: المَدِينَةُ، والمُتْرَف: الغَنِيُّ المُنْعَمُ القَلِيلُ تَعَب النَّفْسِ وَالبَدَنِ، فَعَادَتُهُمُ المبَادَرَةُ بالتَّكْذِيبِ. وقوله: {وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوٰلاً...} الآية: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ فِي {قَالُواْ} عَلى المُتْرِفِينَ؛ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِقُرَيْشٍ، وَيَكُونُ كَلاَمُ المُتْرِفِينَ قَدْ تَمَّ قَبْلَهُ، وَفِي «صحيح مسلمٍ» عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنَّه قَالَ: «حديث : إنَّ اللّهَ لاَ يَنْظُرُ إلَىٰ صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلٰكِنْ يَنْظُرُ إلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»تفسير : . انتهى. وٱعْلَمْ أَنَّ المَالَ الزَّائِدَ عَلَى قَدْرِ الحَاجَةِ قَلَّ أَنْ يَسْلَمَ صَاحِبُهُ مِنَ الآفَاتِ إلاَّ مَنْ عَصَمَه اللّه تَعالى، {أية : وَلَوْ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [الشورى:27]. وَقَدْ جَاءَ فِي «صَحِيحِ البُخَارِيِّ» وَغَيْرِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «حديث : الأَكْثَرُونَ مَالاً هُمُ الأَقَلُّونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إلاَّ مَنْ قَالَ بِالمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا»تفسير : ـــ وأَشَارَ ابنُ شِهَابٍ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ـــ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ اهـــ. وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ فِي «رَقَائِقِهِ» قَالَ: أَخْبَرَنَا حَيْوَةُ بنُ شُرَيْحٍ عَن عقَيْلٍ بْنِ خَالِدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَـٰنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم «حديث : إنَّ الشَّيْطَانَ قَالَ: لَنْ يَنْجُوَ مِنِّي الغَنِيُّ مِنْ إحْدَىٰ ثَلاثٍ: إمَّا أنْ أُزَيِّنَ مَالَهُ فِي عَيْنَيْهِ فَيَمْنَعُهُ مِنْ حَقِّهِ؛ وَإمَّا أنْ أُسَهِّلَ لَهُ سَبِيلَهُ فَيُنْفِقُهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ؛ وَإمَّا أَنْ أُحَبِّبَهُ فَيَكْسِبَهُ بِغَيْرِ حَقِّه»تفسير : ؛ انتهى. و«الزّلْفَى»: مَصْدَرٌ بِمَعْنَى القُرْبِ. وقَوله: {إِلاَّ مَنْ ءَامَنَ} اسْتِثْنَاءَ مُنْقَطِعَ، وَقَرَأَ الجُمْهُورُ: «جزاء الضعف»، بِالإضَافَةِ و{الضعف}: هُنَا اسْمُ جِنْسٍ، أي: بالتَّضْعِيفِ، إذْ بَعْضُهُم يُجَازَى إلَى عَشَرَةٍ وَبَعْضُهُمْ أَكْثَرُ صاعداً إلى سَبْعِ مِائَةٍ بِحَسْبِ الأَعْمَالِ وَمَشِيئَةِ اللّهِ فِيها.
ابن عادل
تفسير : قوله:{وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ} أي أغنياؤها ورؤساؤها، وقوله: {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ} جملة حالية من "قَرْيَةٍ" وإن كانت نكرة لأنها في سياق النفي. قوله: "بِما أُرْسِلْتُمْ" متعلق بخبر "إنّ" و "به" متعلق بأُرْسِلْتُم، والتقدير: إنا كافرون بالذي أرسلتم. وإنما قدم للاهتمام وحسنه تواخي الفواصل. وهذا تسلية لقلب النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن إيذاء الكفار للأنبياء ليس بدعاً بل ذلك عادة جرت من قبل، وإنما نسب القول إلى المترفين مع أن غيرهم أيضاً قالوا ذلك القول لأن المُتْرَفين هم الأصل في ذلك القول كقول المستضعفين للذين استكبروا: {لَوْلاَ أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنينَ} ثم استدلوا على كونهم مصيبين في ذلك بكثرة الأموال والأولاد فقالوا {نَحْنُ أَكْثَرُ أمْوَالاً وَأَوْلاَداً} أي بسبب لزومنا لديننا ولو لم يكن الله راضياً بما نحن عليه من الدين والعمل لم يخولنا الأموال والأولاد "وَمَا نَحْنُ بمُعَذَّبِينَ" أي أن الله أحسن إلينا في الدنيا بالمال فلا يعذبنا. ثم إن الله تعالى بيَّنَ خطأهم بقوله: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} يعني أنّ الرزق في الدنيا لا يدل سَعَتُه وضيقه على حال المحق والمبطل فكم من موسر شقي ومُعْسِر تَقِيّ فقوله: "وَيَقْدِرُ" أي يضيِّق بدليل مقابلته "يَبْسُطُ". وهذا هو الطباق البَدِيعِيّ. وقرأ الأعمش: وَيُقَدِّرُ بالتشديد ثم قال: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أن قلة الرزق وضيق العيش وكثرة المال وسعة العيش بالمشيئة من غير اختصاص بالفاسق والصالح. ثم بين فساد استدلالهم بقوله: {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ} يعني إن قولكم نحن أكثر أموالاً وأولاداً فنحن أحسن حالاً عند الله استدلالاً صحيحاً فإن المال لا يقرب إلى الله وإنما المفيدُ العملُ الصالح بعد الإيمان وذلك أن المال والولد يَشْغِل عند الله فيُبْعِد عنه فكيف يقرب منه والعمل الصالح إقبال على الله واشتغال بالله ومن توجه إلى الله وصل ومن طلب من الله شيئاً حصل؟ قوله: "بِالَّتِي تُقَرِّبُكُم" صفة للأموال والأولاد، لأن جمع التكسير غير العاقل يعامل معاملة المؤنثة الواحدة، وقال الفراء والزجاج إنه حذف من الأول لدلالة الثاني عليه قالا والتقدير: وَمَا أَمْوَالُكُمْ بالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى وَلاَ أوْلاَدُكُمْ بالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ وهذا لا حاجة إليه أيضاً. ونقل عن الفراء ما تقدم من أن "التي" صفة للأموال والأولاد معاً وهو الصحيح وجعل الزمخشري "التي" صفة لموصوف محذوف قال: "ويجوز أن يكون هي التقوى وهي المقربة عند الله زلفى وحدها أي ليستْ أَمْوَالُكُمْ ولا أوْلاَدُكُمْ بتلك الموصوفة عند الله بالتقريب". قال أبو حيان: ولا حاجة إلى هذا الموصوف. قال شهاب الدين: والحاجة إليه بالنسبة إلى المعنى الذي ذكره داعية، و"زُلْفَى" مصدر مِنْ مَعْنى الأول، إذ التقدير تُقَرِّبُكُمْ قُرْبَى، وعن الضحاك زُلَفاً بفتح اللام وتنوين الكلمة على أنها جمع "زُلْفَى" نحو قُرْبَة وقُرَب، جُمع المَصْدَرُ لاختلاف أنواعه وقال الأخفش: "زُلْفَى" اسم مصدر كأنه قال: بالتي تقربكم عندنا تَقْريباً. قَوْلُهُ: "إلاَّ مَنْ" فيه أوجه: أحدهما: أنه استثاء منقطعٌ فهو منصوب المحل والمعنى لكن مَنْ آمَن وعَمِلَ صَالِحاً، قال ابن عباس يريد من آمن إيمانه وعمله يقربه منّي. الثاني: أنه في محل جر بدلاً من الضمير في: "أَمْوَالِكُمْ" قاله الزجاج. وغلَّطَهُ النَّحَّاس بأنه بدل ضمير من ضمير المخاطب قال: ولو جاز هذا لجاز: رَأَيْتُكَ زَيْداً، وقول أبي إسْحَاقَ هذا هو قول الفراء انتهى. قال أبو حيان: ومذهب الأخفش والكوفيين أنه يجوز البدل من ضمير المخاطب والمتكلم إلا أن البدل في الآية لا يصح ألا ترى أنه لا يصح تفريغ الفعل الواقع صلة لما بعد إلا لو قلت: مَا زَيْدٌ بالَّذِي يَضْرِبُ إلا خالداً لم يجز. وتخيل الزجاج أن الصلة وإن كانت من حيث المعنى منفية أنه يجوز البدل وليس بجائز إلا أن يصح التفريغ له. قال شهاب الدين: ومنعه قولك "مَا زَيْدٌ بالَّذِي يَضْرِبُ إلاَّ خَالِداً" فيه نظر لأن النفي إذا كان منسحباً على الجملة أعطى حُكْمَ ما لو باشر ذلك الشيء ألا ترى أن النفي في قولك: "مَا طَنَنْتُ أحَداً يَفْعَلُ ذَلِكَ إلاَّ زيدٌ" سوغ البدل في زيد من ضمير "يَفْعَلُ" وإن لم يكن النفي متسلطاً عليه وقالوا ولكنه لما كان في حَيِّز النفي صح فيه ذلك فهذا مثله والزمخشري أيضاً تَبعَ الزجاج والفراء في ذلك في حيث المعنى إلا أنه لم يجعله بدلاً بل منصوباً على أصل الاستثناء فقال: {إلاَّ مَنْ آمَنَ} استثناء من "كُمْ" في "نُقَرِّبُ" والمعنى أن الأموال لا تقرب أحداً إلا المؤمن الذي يُنْقِقُها في سبيل الله والأولاد لا تقرب أحداً إلا من علَّمهم الخَيْرَ وفَقَّهَهُمْ في الدِّين ورشَّحهم للصَّلاح. ورد عليه أبو حيان بنحو ما تقدم فقال: لا يجوز: "مَا زَيْدٌ بالَّذِي يَخْرُجُ إلاَّ أَخْوهُ" و "مَا زَيْدٌ بالَّذِي يَضْرِبُ إلاَّ عَمْراً" والجواب عنه ما تقدم وأيضاً فالزمخشري لم يجعله بدلاً بل استثناء صريحاً، ولا يشترط في الاستثناء التفريغ اللفظي بل الإسناد المعنوي ألا ترى أنك تقول: قَامَ الْقَومُ إلاَّ زَيْداً ولو فرغته لفظاً لامتنع لأنه مثبت وهذا الذي ذكره الزمخشري هو الوجه الثالث في المسألة. الرابع: أنَّ "مَنْ آمَنَ" في محلِّ رفع على الابتداء والخبر. قوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ} قال الفراء: هو في موضع رفع تقديره ما هو المقرب إلاَّ مَنْ آمَن، وهذا ليس بجيد وعجيب من الفراء كيف يقوله. قوله: {فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ}، قرأ العامة جزاء الضعف مضافاً على أنه مصدر مضاف لمفعوله، أي أنْ يُجَازِيَهُم الضّعْفَ وقدره الزمخشري مبنياً للمفعول أي يُجْزَوْنَ الضّعفَ. ورده أبو حيان بأن الصحيح منعه. وقرأ قتادة برفعها على إبدال الضّعفِ من "جزاء" وعنه أيضاً وعن يعقوب بنصب جزاء على الحال منوناً والعامل فيها الاستقرار. وهذه كقوله: {أية : فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ} تفسير : [الكهف:88]، فيمن قرأه بالنصب نصب جزاء في الكهف. قوله: {وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} قرأ حمزة الغُرْفَةِ بالتوحيد على إرادة الجنس ولعدم اللبس لأنه معلوم أن لكل أحد غرفة تخصه وقد أُجْمِعَ على التوحيد في قوله: {أية : يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ} تفسير : [الفرقان:75]، ولأن لفظ الواحد أخف فوضع موضع الجمع مع أمن اللبس والباقون "الغُرُفَاتِ" جمع سلامة وقد أُجْمِعَ على الجمع في قوله: {أية : لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِّنَ ٱلْجَنَّةِ غُرَفَاً} تفسير : [العنكبوت:58] والرسم محتمل للقراءتين. وقرأ الحسن بضم راء غُرُفات على الإتباع وبعضهم يفتحها وتقدم تحقيق ذلك أول البقرة. وقرأ ابن وثاب الغُرُفَةَ بضم الراء والتوحيد. فصل والمعنى يضعف الله حسناتهم فيجزي بالحسنة الواحدة عشرة إلى سبع مائة لأنه الضعف لا يكون إلا في الحسنة وفي السيئة لا يكون إلا المثل ثم زاد وقال: {وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} إشارة إلى دوامها وتأبيدها. ثم بين حال المسيء فقال: {وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} أي سعون في إبطال حججنا معاجزين معاندين يحسبون أنهم يعجزوننا ويفوتوننا. وقد تقدم تفسير: {أولئك في العذاب محضرون}. وهذا إشارة إلى الدوام أيضاً كقوله: {أية : وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَآئِبِينَ} تفسير : [الإنفطار:16]. ثم قال مرة أخرى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} إشارة إلى أن نعيم الآخرة لا ينافي نعمة الدنيا بل الصالحون قد يحصل لهم في الدنيا النعم في القطع بحصول النعم في العُقْبَى بناء على الوعد قطعاً لقول من يقول: إذا كانت العاجلة والآجلة لهم فالنقد أولى فقال هذا النقد غير مختص بكم فإن كثيراً من الأشقياء مدفوعون وكثيراً من الأتقياء مَمْنُوعُونَ، ولهذا المعنى ذكر هذا الكلام مرتين مرة لبيان أن كثرة أموالهم وأولادهم غير دالةٍ على حسن أحوالهم ومرة لبيان أنه غير مختص بهم كأنه قال وجود القرب لا يدل على الشرف ثم إنْ سَلَّمنا أنه كذلك لكن المؤمنون سيحصل لهم ذلك فإن الله يملكهم دياركم وأموالكم ويدل على ذلك أن الله تعالى لم يذكر أولاً لمن يشاء من عباده بل قال: لمن يشاء. وقال ثانياً: لمن يشاء من عبادة فالكافر أثره مقطوع وماله إلى زوال وماله إلى الهواء وأما المؤمن فما يُنْفِقْه يُخْلِفْه الله. قوله: "وَمَآ أَنفَقْتُم" يجوز أن تكون ما موصولة في محل رفع بالابتداء والخبر قوله: "فَهُوَ يُخْلِفُهُ" ودخلت الفاء لشبهه بالشرط، و "مِنْ شَيْءٍ" بيان كذا قيل. وفيه نظر؛ لإبهام شيء فأي (تَبيين) فيه؟ ويجوز أن تكون "ما" شرطية فيكون في محل نصب مفعولاً مقدماً و"فَهُوَ يُخْلِفُهُ" جواب الشرط. فصل المعنى: وَمَا أَنْقَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ أي يعطي خلقه قال سعيد بن جبير: ما كان في غير إسْرَافٍ ولا تَقْتِير فهْو يُخْلِفُه، وقال الكلبي: ما تصدقتم من صدقة وأنفقتم في الخير من نَفَقَةٍ فهو (ينفقه) ويخلفه على المُنْفِق إما أن يعجَّل له في الدنيا وإما أن يدَّخِرَ له في الآخرة. {وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} خَيْرُ من يعطي ويرزق، رَوَى أبو هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "حديث : إنّ الله قال: أنْفِقْ أُنْفِقْ عليك" تفسير : وقال - عليه (الصلاة و) السلام -: "حديث : مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ فِيهِ العِبَادُ إلاَّ وَيَنْزِلُ (فِيهِ) مَلَكَا (ن) فيقولُ أحدهما: اللَّهُمّ أَعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً ويقول الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً" تفسير : . وإنما جمع الرازقين من حيث الصورة لأن الإنسان يرزق عياله من رزق الله والرازق للكل في الحقيقة إنما هو الله، واعلم أنَّ خير الرازقين يكون لأمور أن لا يؤخر في وقت الحاجة وأن لا يَنْقُصَ من قدر الحاجة وأن لا ينكده بالحساب وأن لا يُكَدِّره بطلب الثواب والله تعالى كذلك. فإن قيل: قوله: "خَيْرُ الرَّازِقِينَ" ينبىء عن كثرة الرّازقين ولا رازق إلاَّ الله. فالجواب: أن يقال: الله خير الرازقين الذين تظنونهم رازقين وكذلك في قوله تعالى: {أية : أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون:14] وأيضاً فإن الصفات منها ما هو لله وللعبد حقيقة كالعلم بأن الله واحد فإن الله يعلم أنه واحد، والعبد يعلم أنه واحدٌ حقيقة ومنها ما يقال للَّهِ حقيقةً وللعبد مجازاً مثل الرزَّاق والخَالِق فإن العبد إذا أعطى غيره شيئاً فالله هو المعطي في الحقيقة ولكن لما وجدت صورة العطاء من العبد سُمّي معطياً وهذا منه.
البقاعي
تفسير : ولما كان في هذا تسلية أخروية، أتبعه التسلية الدنيوية، فقال عطفاً على ما تقديره: وما أرسلنا غيرك إلا إرسالاً خاصاً لأمته، عطفاً على {ما أرسلناك إلا كافة} وساقه مؤكداً لأنه مضمونه - لكونه في غاية الغرابة - مما لا يكاد يصدق: {وما أرسلنا} أي بعظمتنا ولما كان المقصود التعميم، لأنه لم يتقدم قول قريش ليخص التسلية بمن قبلهم، أسقط القبلية بخلاف ما في سورة الزخرف فقال: {في قرية} وأكد النفي بقوله: {من نذير} أي ينذرهم وخامة ما أمامهم من عوقب أفعالهم، ودل بإفراده عن البشارة أن غالب الأمم الماضية من أهل النذارة لنظهر مزية هذه الأمة، ولعله عبر به إشارة إلى الناسخين للشرائع التي قبلهم دون المجددين من أنبياء بني إسرائيل فإن بعضهم لم يكذب {إلا قال مترفوها} أي العظماء الذين لا شغل لهم إلا التنعم بالفاني حتى أكسبهم البغي والطغيان: {إنا بما أرسلتم به} أي أيها المنذرون {كافرون} أي وإذا قال المنعمون ذلك تبعهم المستضعفون فإذا وقفوا عندنا تقاولوا بما تقدم ثم لم ينفعهم ذلك {وقالوا} مفاخرين ودالين على أنهم فائزون كما قال لك هؤلاء كأنهم تواصلوا به: {نحن أكثر}. ولما كانت الأموال في الأغلب سبباً لكثرة الأولاد بالاستكثار من النساء الحرائر والإماء، قدمها فقال: {أموالاً وأولاداً} أي في هذه الدنيا، ولو لم يرض منا ما نحن عليه ما رزقنا ذلك {وما نحن} أي الآن {بمعذبين *} أي بثابت عذابنا، وإنما تعرض لنا أحوال خفيفة من مرض وشدائد هي أخف من أحوالكم، وحالياً الآن دليل على حالنا فيما يستقبل من الزمان كائناً ما كان، فإن الحال نموذج المآل، والأول دليل الآخر، فإن كان ثَم آخرة كما تقولون فنحن أسعد منكم فيها كما نحن أسعد منكم الآن، ولم تنفعهم قصة سبأ في ذلك فإنهم لو تأملوا لكفتهم، وأنارت أبصار بصائرهم، وصححت أمراض قلوبهم وشفتهم، فإنهم كانوا أحسن الناس حالاً، فصاروا أقبحهم مآلاً. ولما كانت لشبهتهم هذه شعبتان تتعلق إحداهما بالذات والأخرى بالثمرات، بدأ بالأولى لأنها أهم، فقال مؤكداً تكذيباً لمن يظن أن سعيه يفيد في الرزق شيئاً لولا السعي ما كان: {قل} يا أكرم الخلق على الله! مؤكداً لأجل إنكارهم لأن يوسع في الدنيا على من لا يرضى فعله: {إن ربي} أي المحسن إليّ بالإنعام بالسعادة الباقية {يبسط الرزق} أي يجدده في كل وقت أراده بالأموال والأولاد وغيرها {لمن يشاء ويقدر} أي يضيق على من يشاء منكم أن يكون جميع الموسع عليهم على ما هو حق عنده ومرضى له، لاختلافهم في الأصول وتكفير بعضهم لبعض، فإن الله معذب بعضهم لا محالة، فبطلت شبهتهم، وثبت أنه يفعل ما يشاء ابتلاء وامتحاناً، فلا يدل البسط على الرضى ولا القبض على السخط - على ما عرف من سنته في هذه الدار {ولكن أكثر الناس} أي الذين لم يرتفعوا عن حد النوس والاضطراب {لا يعلمون *} أي ليس لهم علم ليتدبروا به ما ذكرنا من الأمر فيعلموا أنه ليس كل موسع عليه في دنياه سعيداً في عقباه. ولما هدم ما بالذات، أتبعه ما بالثمرات، فقال مؤكداً تكذيباً لدعواهم: {وما أموالكم} أي أيها الخلق الذين أنتم من جملتهم وإن كثرت، وكرر النافي تصريحاً بإبطال كل على حياله فقال: {ولا أولادكم} كذلك، وأثبت الجار تاكيداً للنفي فقال واصفاً الجمع المكسر بما هو حقه من التأنيث: {بالتي} أي بالأموال والأولاد التي {تقربكم عندنا} أي على ما لنا من العظمة بتصرفاتكم فيها بما يكسب المعالي {زلفى} أي درجة علية وقربة مكينة قال البغوي: قال الأخفش: هي اسم مصدر كأنه قال: تقريباً، ثم استثنى من ضمير الجمع الذي هو قائم مقام أحد، فكأنه قيل: لا تقرب أحداً {إلا من} أو يكون المعنى على حذف مضاف, أي إلا أموال وأولاد من {آمن} أي منكم {وعمل} تصديقاً لإيمانه على ذلك الأساس {صالحاً} أي في ماله بإنفاقه في سبيل الله وفي ولده بتعليمه الخير. ولما منّ على المصلحين من المؤمنين في أموالهم وأولادهم بأن جعلها سبباً لمزيد قربهم، دل على ذلك بالفاء في قوله: {فأولئك} أي العالو الرتبة {لهم جزاء الضعف} أي بأن يأخذوا جزاءهم مضاعفاً في نفسه من عشرة أمثال إلى ما لا نهاية له، ومضاعفاً بالنسبة إلى جزاء من تقدمهم من الأمم، والضعف: الزيادة {بما عملوا} فإن أعمالهم ثابتة محفوظة بأساس الإيمان {وهم في الغرفات} أي العلالي المبنية فوق البيوت في الجنان، زيادة على ذلك {آمنون *} أي ثابت أمنهم دائماً، لا خوف عليهم من شيء من الأشياء أصلاً، وأما غيرهم وهم المرادون بما بعده فأموالهم وأولادهم وبال عليهم. ولما كان في سياق الترغيب في الإيمان بعد الإخبار بأنه بشير ونذير, قال معبراً بالمضارع بياناً لحال من يبعده ماله وولده من الله: {والذين يسعون} أي يجددون السعي من غير توبة بأموالهم وأولادهم {في آياتنا} على ما لها من عظمة الانتساب إلينا {معاجزين} أي طالبين تعجيزها أي تعجيز الآتين بها عن إنفاذ مراداتهم بها بما يلقونه من الشبه فيضلون غيرهم بما أوسعنا عليهم وأعززناهم به من الأموال والأولاد. ولما كان سبحانه قد بت الحكم بشقاوتهم، وأنفذ القضاء بخسارتهم، أسقط فاء السبب إعراضاً عن أعمالهم وقال: {أولئك} أي البعداء البغضاء {في العذاب} أي المزيل للعدوية {محضرون *} أي يحضرهم فيه الموكلون بهم من جندنا على أهون وجه وأسهله وهم داخرون، قال القشيري: إن هؤلاء هم الذين لا يحترمون الأولياء ولا يراعون حق الله في السر، فهم في عذاب الاعتراض على أولياء الله وعذاب الوقوع بشؤم ذلك في ارتكاب محارم الله ثم في عذاب السقوط من عين الله.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: "حديث : كان رجلان شريكان خرج أحدهما إلى الساحل وبقي الآخر، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى صاحبه يسأله. ما فعل؟ فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من قريش إلا رذالة الناس ومساكينهم، فترك تجارته وأتى صاحبه فقال له: دلني عليه وكان يقرأ الكتب، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إلاَمَ تدعو؟ قال "إلى كذا وكذا.. قال: أشهد أنك رسول الله قال: ما علمك بذلك؟ قال: إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه رذالة الناس ومساكينهم. فنزلت هذه الآيات {وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها..} الآيات. فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد أنزل تصديق ما قلت" ". تفسير : وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله {إلا قال مترفوها} قال: هم جبابرتهم، ورؤوسهم، وأشرافهم، وقادتهم في الشر. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله {إلا قال مترفوها} قال: جبابرتها.
ابو السعود
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ} من القُرى {مّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَـٰفِرُونَ} تسليةً لرَّسولِ الله صلى الله عليه وسلم ممَّا مُنِّيَ به من قومِه من التَّكذيبِ والكُفرِ بما جاء به والمنافسة بكثرةِ الأموالِ والأولادِ والمفاخرةِ بحظوظِ الدُّنيا وزخارفِها والتَّكبرِ بذلك على المُؤمنين والاستهانةِ بهم من أجلِه وقولهم: {أية : أي الفريقين خيرٌ مقاماً وأحسنُ نَديَّاً} تفسير : [سورة مريم: الآية 73] بأنَّه لم يُرسلْ قط إلى أهل قريةٍ من نذيرٍ إلاَّ قال مُترفوهم مثلَ ما قال مُترفو أهلِ مكَّةَ في حقِّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وكادُوا به نحوَ ما كادُوا به عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ وقاسوا أمورَ الآخرةِ الموهومةِ والمفروضةِ عندهم على أمورِ الدُّنيا وزعموا أنَّهم لو لم يَكْرُموا على الله تعالى لمَا رَزَقهم طيـيِّاتِ الدُّنيا ولولا أنَّ المؤمنينَ هانُوا عليهِ تعالى لمَا حرُمهموها وعلى ذلك الرأيِّ الرَّكيكِ بنَوَا أحكامَهم. {وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوٰلاً وَأَوْلَـٰداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} إمَّا بناءً على انتفاءِ العذابِ الأُخرويِّ رأساً أو على اعتقادِ أنَّه تعالى أكرمَهم في الدُّنيا فلا يُهينهم في الآخرةِ على تقديرِ وقوعِها {قُلْ} رَدَّاً عليهم وحسماً لمادَّةِ طمعِهم الفارغِ وتحقيقاً للحقِّ الذي عليه يدورُ أمرُ التَّكوين {إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء} أنْ يبسطَه له {وَيَقْدِرُ} على مَن يشاءُ أنْ يقدرَه عليه من غيرِ أنْ يكونَ لأحدِ الفريقينِ داعٍ إلى ما فُعل به من البسطِ والقَدْرِ فربُّما يُوسِّعُ على العاصِي ويُضيِّقُ على المطيعِ وربَّما يُعكس الأمرُ ورُبَّما يُوسِّع عليهما معاً وقد يُضيَّق عليهما وقد يُوسِّع على شخصٍ تارةً ويُضيِّق عليه أخرى يفعلُ كُلاًّ من ذلك حسبما تقتضيهِ مشيئته المبنيّة على الحِكَمِ البالغةِ فلا يُقاس على ذلك أمرُ الثَّوابِ والعذابِ اللَّذينِ مناطُهما الطَّاعةُ وعدمُها وقُرىء ويُقدِّر بالتَّشديدِ {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} ذلك فيزعمون أنَّ مدارَ البسطِ هو الشَّرفُ والكرامةُ ومدارَ القَدْرِ هو الهوانُ ولا يدرون أنَّ الأوَّلَ كثيراً ما يكونُ بطريقِ الاستدراجِ والثَّاني بطريقِ الابتلاءِ ورفعِ الدَّرجاتِ {وَمَا أَمْوٰلُكُمْ وَلاَ أَوْلَـٰدُكُمْ بِٱلَّتِى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ} كلام مستأنفٌ من جهته عزَّ وعلا خُوطب به النَّاسُ بطريقِ التَّلوينِ والالتفاتِ مبالغةً في تحقيقِ الحقِّ وتقريرِ ما سبق أي وما جماعةُ أموالِكم وأولادِكم بالجماعةِ التي تُقربكم عندنا قُربةً فإنَّ الجمعَ المكسَّر عقلاؤُه وغير عقلائه سواء في حكم التأنيث أو بالخصلة التي تقرِّبكم. وقُرىء بالذَّي أيْ بالشِّيءِ الذَّي {إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} استثناءٌ من مفعول تقربكم أي وما الأموالُ والأولادُ تقرِّبُ أحداً إلا المؤمنَ الصَّالحَ الذي أنفقَ أموالَه في سبـيلِ الله تعالى وعلَّم أولادَه الخيرَ ورَبَّاهم على الصَّلاح ورشَّحهم للطَّاعةِ وقيل: من أموالِكم وأولادِكم على حذفِ المضافِ أي إلاَّ أموالَ من الخ {فَأُوْلَـئِكَ} إشارةٌ إلى مَن والجمعُ باعتبارِ معناها كما أنَّ الإفرادَ في الفعلينِ باعتبارِ لفظِها، وما فيه من معنى البُعد مع قُرب العهد بالمشارِ إليه للإيذانِ بعلوِّ رتبتِهم وبُعد منزلتِهم في الفضلِ أي فأولئكَ المنعوتُون بالإيمانِ والعملِ الصَّالحِ {لَهُمْ جَزَاء ٱلضّعْفِ} أي ثابتٌ لهم ذلك على أنَّ الجارَّ والمجرورَ خبرٌ لما بعده والجملةَ خبرٌ لأولئك وفيه تأكيدٌ لتكررِ الإسنادِ أو يثبت لهم ذلك على أنَّ الجارَّ والمجرورَ خبرٌ لأولئك وما بعدَهُ مرتفعٌ على الفاعليةِ وإضافة الجزاءِ إلى الضِّعفِ من إضافة المصدرِ إلى المفعولِ أصله فأولئك لهم أنْ يجازوا الضِّعفَ ثم جزاءَ الضِّعفِ ثمَّ جزاءَ الضِّعفِ ومعناه أنَّ تضاعفَ لهم حسناتُهم الواحدةُ عشراً فما فوقَها وقُرىء جزاءً الضِّعفُ أي فأولئك لهم الضِّعفُ جزاءً وجزاءٌ الضِّعفَ على أنْ يجازوا الضِّعفَ وجزاءٌ الضِّعفُ بالرفع على أنَّ الضِّعفُ بدلٌ من جزاءٌ {بِمَا عَمِلُواْ} من الصَّالحاتِ {وَهُمْ فِى ٱلْغُرُفَـٰتِ} أي غرفات الجنَّة {ءامِنُونَ} من جميع المكارِه. وقُرىء بفتح الرَّاءِ وسكونِها. وقُرىء في الغُرفةِ على إرادةِ الجنسِ.
القشيري
تفسير : أي قابلوا رُسُلَنا بالتكذيب، وصَبَر رُسُلُنا... وماذا على هؤلاء الكفار لو آمنوا بهم؟ فهم لنجاتهم أُرسلوا، ولصلاحِهم دَعَوا وبلغَّوا، ولو وافقوهُم لسعدوا... ولكنّ أقساماً سبقت، وأحكاماً حقت،والله غالبٌ على أمره.
اسماعيل حقي
تفسير : {وما ارسلنا فى قرية} من القرى: وبالفارسية [نفر ستاديم درهيج ديهى وشهرى]. قال فى كشف الاسرار القرية المصر تقى اهلها وتجمعهم {من نذير} نبى ينذر اهلها بالعذاب {الا قال مترفوها} المترف كمكرم المتنعم والموسع العيش والنعمة من الترفة بالضم وهو التوسع فى النعمة يقال اترفه نعمه واترفته النعمة اطغته اى قال رؤساء تلك القرية التكبرون المتنعمون بالدنيا لرسلهم {انا بما ارسلتم به} على زعمكم من التوحيد والايمان {كافرون} منكرون على مقابلة الجمع بالجمع. هذه الآية جاءت لتسلية النبى عليه السلام اى يا محمد هذه سيرة اغنياء الامم الماضية فلا يهمك امر اكابر قومك فتخصيص المتنعيمن بالتكذيب مع اشتراك الكل فيه اما لانهم المتبوعون او لان الداعى المعظم الى التكذيب والانكار هو التنعم المستتبع للاستكبار
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وما أرسلنا في قريةٍ من نذيرٍ} رسول {إِلا قال مُتْرَفُوهَا}: متنعّموها، ورؤساؤها: {إِنا بما أُرسلتم به كافرون} فهذه تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما لقي من رؤساء قومه من التكذيب، والكفر بما جاء به، وأنه لم يرسل قطّ إلى أهل قرية من نذير إلا قالوا له مثل ما قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أهلُ مكة. وتخصيص المتنعمين بالتكذيب؛ لأن الداعي إلى التكبُّر، وعدم الخضوع للغير؛ هو الانهماك في الشهوات، والاستهانة بمَن لم يحظَ بها، جهلاً، ولذلك افتخروا بالأموال الفانية، كما قال تعالى: {وقالوا نحن أكثرُ أموالاً وأولاداً وما نحن بمعذَّبين} رأوا ـ من فرط جهلهم ـ أنهم أكرم على الله من أن يعذّبهم. نظروا إلى أحوالهم في الدنيا، وظنوا أنهم لو لم يُكرموا على الله لَمَا رزقهم ذلك. ولولا أن المؤمنين هانوا عليه لما حرمهم ذلك، فأبطل الله رأيهم الفاسد بقوله: {قل إِن ربي يَبْسُطُ الرزقَ لمن يشاءُ ويقدرُ} أي: يُضيقه على مَن يشاء، فإن الرزق بيد الله، يقسمه كيف يشاء. فربما وسّع على العاصي، استدراجاً، وضيَّق على المطيع، تمحيصاً وتطهيراً، فيوسع على المطيع، ويضيق على العاصي، وربما وسّع عليهما على حسب مشيئته، فلا يُقاسُ عليهما أمر الثواب، ولو كان ذلك لكرامة وهوان يُوجبانه لم يكن بمشيئته. {ولكن أكثرَ الناس لا يعلمون} فيظنون أن كثرة الأموال والأولاد للشرف والكرامة عند الله. وقد تكون للاستدراج، وصاحبها لا يشعر. الإشارة: ما حاز الخصوصية وتبع أهلها إلا ضعفاء المال والجاه، الذين هم أتباع الرسل، فهم الذين حَطُّوا رؤوسهم، وباعوا نفوسهم وأموالهم لله، وبذلوها لمن يُعرّفهم به، فعوّضهم جنة المعارف، يتبوؤون منها حيث شاؤوا، وأما مَن له جاه أو مال فقلّ مَن يحط رأسه منهم، إلا مَن سبقت له العناية الكبرى. قال القشيري: بعد كلام: ولكنها أقسام سبقت، وأحكامُ حقت، ثم الله غالبٌ على أمره. {وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً} وليس هذا بكثرة الأموال والأولاد، وإنما هي ببصائر مفتوحة لقوم، ومسدودة لقوم. هـ. ثم قال تعالى: {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي...}
الجنابذي
تفسير : {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ} اى متنعّموها {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} لانّ كلّ الفساد يفشو من المتنعّمين وامّا الاتباع فليس لهم شأنٌ الاّ النّظر الى الرّؤساء ومن كان مثرياً فى الدّنيا لعدم العقل الانسانىّ وعدم استعمال العقل الجزئىّ الّذى يكون لهم.
اطفيش
تفسير : {وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها} رؤساها المتنعمون القليلو تعب النفس والبدن لأن تنعمهم واستكمال الشهوات داع الى التعظم والتكبر واهانة الفقير والتكذيب. {إنا بما أرسلتم به} الجمع نظر لمعنى نذير لوقوعه في سياق النفي او على التوزيع وقد مر مثله. {كافرون} وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما بلى به من قومه بان كل مرسل قد بلى بقومه.
الالوسي
تفسير : {وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ } من القرى {مّن نَّذِيرٍ } أي نذيراً من النذر {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا } أي المتوسعون في النعم فيها، والجملة في موضع الحال {إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ } بزعمكم من التوحيد وغيره، والجار الثاني متعلق بما عنده والأول متعلق بقوله تعالى: {كَـٰفِرُونَ } وهو خبر إن، وظاهر الآية أن مترفي كل قرية قالوا لرسولهم ذلك وعليه فالجمع في {أرسلتم} للتهكم، وقيل: لتغليب المخاطب على جنس الرسل أو على أتباعه المؤمنين به، وقال بعض الأجلة: الكلام من باب مقابلة الجمع بالجمع فقيل الجمع الأول الرسل المدلول عليه بقوله تعالى: {أرسلتم} والثاني {كافرون} فقد كفر كل برسوله وخاطبه بمثله فلا تغليب في الخطاب في {أرسلتم}، وقيل: الجمع الأول {نذير} لأنه يفيد العموم في الحكاية لا المحكي لوقوعه في سياق النفي، وليس كل قوم منكراً لجميع الرسل فحمل على المقابلة. والكلام مسوق لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم مما ابتلي به من مخالفة مترفي قومه وعداوتهم له عليه الصلاة والسلام، وتخصيص المترفين بالتكذيب لأنهم في الأغلب أول المكذبين للرسل عليهم السلام لما شغلوا به من زخرفة الدنيا وما غلب على قلوبهم منها فهم منهمكون في الشهوات والاستهانة بمن لم يحظ منها بخلاف الفقراء فإن قلوبهم لخلوها من ذلك أقبل للخير ولذلك تراهم أكثر أتباع الأنبياء عليهم السلام كما جاء في حديث هرقل.
ابن عاشور
تفسير : اعتراض للانتقال إلى تسلية النبي صلى الله عليه وسلم مما مُنيَ به من المشركين من أهل مكة وبخاصة مَا قابله به سادتهم وكبراؤهم من التأليب عليْه بتذكيره أن تلك سنة الرسل من قبله فليس في ذلك غضاضة عليه، ولذلك قال في الآية في الزخرف {أية : وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة}تفسير : (23) الخ، أي وكذلك التكذيب الذي كذبك أهل هذه القرية. والتعريض بقومه الذين عادَوه بتذكيرهم عاقبة أمثالهم من أهل القرى التي كذَّب أهلها برسلهم وأغراهم بذلك زعماؤهم. والمترَفون: الذين أُعطُوا التَرَف، والترف: النعيم وسعة العيش، وهو مبني للمفعول بتقدير: إن الله أترفهم كما في قوله تعالى: { أية : وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا } تفسير : في سورة المؤمنون (33). وفي بنائه للمفعول تعريض بالتذكير بنعمة الله عليهم لعلّهم يشكرونها ويقلعون عن الإِشراك به، وبعض أهل اللغة يقول تقديره: أترفتهم النعمة، أي أبطرتهم. و{إنا بما أرسلتم} حكاية للقول بالمعنى: أي قال مترفو كل قرية لرسولهم: إنا بما أرسلتَ به كافرون. وهذا من مقابلة الجمع بالجمع التي يراد منها التوزيع على آحاد الجمع. وقولهم: {أرسلتم به} تهكم بقرينة قولهم: {كافرون} وهو كقوله تعالى: { أية : وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون } تفسير : [الحجر: 6]؛ أو المعنى: إنّا بما ادّعيتم أنكم أرسلتم به.
الشنقيطي
تفسير : قد بيّنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَكَذٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجَرِمِيهَا} تفسير : [الأنعام: 123] وأوضحنا ذلك في سورة قد أفْلَحَ المُؤْمِنْونَ في الكلام على قوله تعالى: {أية : ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ} تفسير : [المؤمنون: 44] الآية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: إلا قال مترفوها: أي رؤساؤها المنعمون فيها من أهل المال والجاه. نحن أكثر أموالاً وأولاداً: أي من المؤمنين. يبسط الرزق لمن يشاء: امتحاناً أيشكر العبد أم يكفر. ويقدر: أي يضيق ابتلاء أيصبر المرء أم يسخط. ولكن أكثر الناس لا يعلمون: أي الحكمة في التوسعة على البعض والتضييق على البعض. تقربكم عندنا زلفى: أي قربى بمعنى تقريباً. إلا من آمن وعمل صالحا: أي لكن من آمن وعمل صالحاً هو الذي تقربه تقريباً. وهم في الغرفات آمنون: أي من المرض والموت وكل مكروه. والذين سعوا في آياتنا: أي عملوا على إبطال القرآن والإِيمان به وتحكيمه. معاجزين: أي مقدرين عجزنا وأنهم يفوقوننا فلم نعاقبهم. وما أنفقتم من شيء: أي من مال في الخير. وهو خير الرازقين: أي المعطين الرزق. أما خلق الرزق فهو لله تعالى وحده. معنى الآيات: قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ} هذا شروع في تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ببيان حال من سبق من الأمم وما واجهت به رسلها فقال تعالى {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ} أي مدينة من المدن {مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ} أي أهل المال والثروة المتنعمون بألوان المطاعم والمشارب والملابس والمراكب. قالوا لرسل الله {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} فردوا بذلك دعوتهم. {وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً} فاعتزوا بقوتهم، {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} كذبوا بالبعث والجزاء كما أن كلامهم مُشعر بأنهم مغترون بأن ما أعطاهم الله من مال وولد كان لرضاه عنهم وعدم سخطه عليهم. وقوله تعالى {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} أي قل يا نبينا لأولئك المغترين بأن ما لديهم من مال وولد ناجم عن رضا الله عنهم قل لهم إن ربي جل جلاله يبسط الرزق لمن يشاء امتحاناً له لا لرضى عنه ولا لبغض له، كما أنه يضيق الرزق على من يشاء ابتلاء له لا لبغضه ولا لمحبته، {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} ومن بينهم مشركو قريش لا يعلمون أن بسط الرزق كتضييقه عائد إلى تربية الناس بالسراء والضراء امتحاناً وابتلاء. وقوله تعالى: {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ} يخبر تعالى المشركين المغترين بالمال والولد يقول لهم وما أموالكم ولا أولادكم بالحال التي تقربكم منا وتجعلنا نرضى عنكم وندنيكم منا زلفى أي قربى. {إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} أي لكن من فعلوا الواجبات والمندوبات {فَأُوْلَـٰئِكَ} أي المذكورون لهم جزاء الضعف، أي جزاء تضاعف لهم حسناتهم فيه، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة، وذلك بسبب عملهم الصالحات {وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ} أي غرفات الجنة آمنون من الموت ومن كل مكروه ومنغص لسعادتهم. وقوله تعالى: {وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} يخبر تعالى أن الذين يعملون بجد وحرص في إبطال آياتنا وإطفاء نور هدايتنا في كتابنا وقلوب عبادنا المؤمنين ويظنون أنهم معجزون لنا أي فائتوننا لا ندركهم ولا نعاقبهم هؤلاء المغرورون في العذاب محضرون أي كأنك بهم وهم محضرون في جهنم يعذبون فيها أبداً. فقوله تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي} أي قل يا رسولنا مرة أخرى تقريراً لهذه الحقيقة العلمية التي خفيت على الناس وجهلها قومك وهي أن الله يبسط الرزق لمن يشاء امتحاناً لا حباً فيه ولا بغضاً له. وإنما امتحاناً له هل يشكر أو يكفر فإن شكر زدناه وأكرمناه وإن كفر سلبناه ما أعطيناه وعذبناه، {وَيَقْدِرُ لَهُ} أي لمن شاء من عباده ابتلاء له لا بغضا له ولا حبا فيه. وإنما لننظر هل يصبر على الابتلاء أو يسخط ويضجر فنزيد في بلائه وشقائه.. وقوله تعالى: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} في هذا دعوة إلى الإِنفاق في سبيل الله وتشجيع عليه بإِعلام الناس أن الإِنفاق لا ينقص المال والبخل به لا يزيده فان التوسعة كالتضييق لحكمة فلا البخل يزيد في المال ولا الإنفاق في سبيل الله ينقص منه. وختم هذا بوعده الصادق وهو أن من أنفق في سبيل الله شيئاً أخلفه الله عليه وهو تعالى خير من قيل إنه يرزق ووصف به. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان سنة الله في الأُمم والشعوب وأنهم ما أتاهم من رسول إلا كفر به الأغنياء والكبراء. 2- بيان اغترار المترفين بما آتاهم الله من مال وولد ظانين أن ذلك من رضا الله تعالى عليهم. 3- بيان الحكمة في التوسعة على بعض والتضييق على بعض، وانها الامتحان والابتلاء فلا تدل على حبِّ الله ولا على بغضه للعبد. 4- بيان ما يقرب إلى الله ويدنى منه وهو الإِيمان والعمل الصالح ومن ذلك الإِنفاق في سبيل الله لا كثرة المال والولد كما يظن المغرورون المفتنون بالمال والولد. 5- بيان حكم الله فيمن يحارب الإِسلام ويريد إِبطاله وأنه محضر في جهنم لا محالة. 6- بيان وعد الله تعالى بالخلف لكل من أنفق في سبيله مالاً.
القطان
تفسير : مترفوها: المتنعمون الذين أبطرتهم النعمة. يبسط الرزق: يوسعه. ويقدر: يضيق. زُلفى: قربى، زلف يزلف زلفا: تقرب. فأولئك لهم جزاء الضعفِ: الجزاء المضاعف. الغرفات: جمع غرفة في أعالي الجنان. معاجزين: جمع معاجز وهو الذي يحاول تعجيز الانبياء. يسلّي الله تعالى رسوله الكريم على ما ابتلي به من مخالفة مترفي قومه له، وعداوتهم إياه، بالتأسي بمن قبله من الرسل، فهو ليس بدعاً من بينهم، فما من نبيّ بُعث في مكانٍ الا كذّبه المتنعمون واتَّبعه ضعفاؤهم. وهو هنا يبيِّن حجتهم وتبجّحهم بقولهم إنهم لا حاجة لهم الى الايمان بالله، فما هم فيه من مال وما عندهم من اولاد برهانٌ على محبة الله لهم. فيرد عليهم بأن بَسْطَ الرزق وتقتيره ليس دليلا على رضا الله او غضبه، وان ذلك مرتبط بسننٍ قدّرها الله في هذه الحياة، فمن احسنَ استعمالها استفاد منها.... وأن كثرة الأموال والاولاد لا تقربهم الى الله اذا لم يؤمنوا، وان الذين آمنوا وعملوا الصالحات يضاعَفُ لهم الجزاء ويمتّعون بغُرف الجنان، {وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}. أما الذين يصدّون عن سبيل الله فإنهم {أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ}. ثم يحثّ المؤمنين على الانفاق وبذل المال واللهُ يخلُفه عليهم ويعوضهم بأكثر منه {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ}. روى البخاري ومسلم عن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : ما من يومٍ يصبح العباد فيه الا مَلَكان ينزلان، فيقول احدهما: اللهمّ أعطِ منِفقاً خَلَفا، ويقول الآخر اللهم أعطِ ممسِكاً تلفا ". تفسير : ثم بين بعد ذلك كيف يسأل الله الملائكة يوم القيامة ويقول لهم: {أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ؟ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} فيتنصل الملائكة من ذلك ويقولون: إننا برآء من عبادتهم والرضا بهم، بل كانوا يعبدون الجن وكانوا لتأثيرهم خاضعين. ثم بين بعد ذلك أنهم لا ناصرَ لهم ولا ينفع بعضهم بعضا، إذ يقال للظالمين {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} في الدنيا. قراءات: قرأ حمزة وحده: في الغرفة بالافراد، والباقون: في الغرفات بالجمع.
د. أسعد حومد
تفسير : {كَافِرُونَ} (34) - ثُمَّ يَقُولُ تَعَالى لِرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّهُ لَيْسَ أَوَّلَ رَسُولٍ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، فَكُلُّ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللهُ إِلَى الأَقوَامِ كَذَّبَهُ أُولُو النِّعْمَةِ وَالمَالِ وَالجَاهِ فِيها (مُتْرَفُوهَا)، وَأَعْلَنُوا لَهُ أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ دَعوَةٍ إِلى تَوْحِيدِ اللهِ تَعَالى، وَالبَرَاءَةِ مِنَ الشِّرْكِ وَالأَوْثَانِ وَالأَنْدَادِ. مُتْرَفُوهَا - مُنَعَّمُوهَا وَقَادَةُ الشَّرِّ فِيها.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : نلحظ في هذه الآية أنها ذكرتْ النذارة، ولم تذكر البشارة، لماذا؟ قالوا: لأن الحديث عن قرية استشرى فيها الفساد بحيث لم يَعُدْ لها إلا النذارة، فهؤلاء قوم كذَّبوا الرسل، ووقفوا من الدعوة موقفَ العداء والمكابرة. أما البشارة فتكون في عموم الدعوة، والحديث هنا عن دعوة خاصة بهؤلاء المكذبين. ومعنى {فِي قَرْيَةٍ} [سبأ: 34] أي: في أهل قرية، والقرية اسم للمكان، أو أن الله سبحانه جاء بالمكان وإنْ كان يريد المكين؛ لأن المكان كجماد مُسبِّح لله، فيفرح بالمؤمن المسبِّح فيه، ويحزن ويضيق بالكافر الذي يقيم فيه؛ لذلك يقول العربي القديم؛ فلان نبا به المكان يعني: المكان كرهه، ولما قالوا لرجل حكيم: أدريتَ أن فلاناً باع أرضه؟ قال: بل باعَتْه أرضه. وقوله {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ} [سبأ: 34] جمع مُتْرف وترف يترف أي: تنعَّم. أما أترف فتعني أن النعمة أطغَتْه وفتنته، فالحق سبحانه لم يمنع عبده أنْ يتمتع بنعمه، المهم ألاَّ تُطغيه النعمة. وقد يكون الترف والتنعُّم استدراجاً من الله للعبد، وإملاءً له، ومَدًّا له في النعمة حتى يَطْغى بها، وتأمل مثلاً قول الله تعالى: {أية : فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ} تفسير : [الأنعام: 44] ولم يقُلْ لهم يعني ليس هذا الفتح في صالحهم مع أنه في ظاهرة نعمة {أية : أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوۤاْ} تفسير : [الأنعام: 44] وتعوَّدوا النعمة وأَلِفوها {أية : أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ..} تفسير : [الأنعام: 44]. لذلك، ليس من الصواب قولُكَ لأخيك: فتح الله عليم والصواب: فتح الله لك. واقرأ: {أية : إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً} تفسير : [الفتح: 1] {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا ..} تفسير : [فاطر: 2] وحكوْا لنا عن سياسي كبير كان له خصم، ففوجئوا بأنه أصدر قراراً بترقية هذا الخَصْم إلى منصب كبير، فتعجبوا: كيف يُرقى خصمه؟ فقال: أرفعه إلى منزلة عالية، حتى إذا سقط منها كان السقوط مؤلماً، وسبق أنْ قُلْنا: إذا أردتَ أنْ تُوقِع عدوك لا توقعه من فوق الحصيرة مثلاً. ومن الاستدراج بالنعمة والترف قوله تعالى: {أية : وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً} تفسير : [الإسراء: 16]. البعض يخطىء فَهْم هذه الآية، فيقول: {أية : أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا} تفسير : [الإسراء: 16] أن الفسق مترتب على الأمر. والله سبحانه لا يأمر بالفسق، ولا يأمر بالفحشاء، وإنما يأمر بالطاعة والعبادة، كما قال سبحانه: {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ ..} تفسير : [البينة: 5] وقال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإحْسَانِ ..} تفسير : [النحل: 90] فالمعنى: أمرنا مترفيها بما يأمر الله به، فما كان منهم إلا أنْ فسقوا فيها أي: فسقوا في الأمر، إذن: الفسق ليس مترتباً على الأمر، وإنما على مخالفة الأمر. الحق - سبحانه وتعالى - حين يعرض قضية الترف والإتراف يقول: أنا أنعمتُ على عبادي نعماً يتنعَّمون بها، إنما كنتُ أريد أنْ يستقبلوا هذه النعم بالشكر، وأنْ يُعدوا النعمة إلى غير المنعِّمين ليحصل في المجتمع المسلم التكافل الاجتماعي المطلوب، ولينزع هذا التكافل الغِلَّ والحقد من قلوب الفقراء على الأغنياء. فالفقير إذا رأى الغنى ينتفع بآثار النعمة، ويتمتع بها دونه، يحقد عليه، ويتمنى زوال نعمته، فإنْ نال منها شيء أحبَّ الغنى، وسأل الله له المزيد، هذا من ناحية الفقير. أما من ناحية الغنيِّ، فالحق سبحانه يعلم أن الإنسان عامة مطبوعٌ على النفعية لذاته وحب الخير لها؛ لذلك عامله الحق سبحانه بهذا المنطق، منطق النفعية حين يعطيه جزاءَ ما أنفق، ويثيبه على ما يفعل من الخير، قال له: الحسنة بعشر أمثالها، غُض طرفك عن المحارم في الدنيا أمتعك بالحور العين يوم القيامة .. الخ. لذلك يقولون: إن التدين نفعية عالية، فأنت مثلاً ما آثرتَ الفقير على نفسك، وما أعطيتَهُ ما في جيبك إلا لأنك تريد من الله تعالى أضعاف ما أعطيت. إذن: أنت حتى في تجارتك مع الله تحب النفع لنفسك. والحق سبحانه يعطي الغني وصاحب الهمة العالية الذي يكدح ويتعب ويُكوِّن الثروة، يعطيه حقه، ويحترم جهده وعرقه، ويحترم مشاعره النفعية، فحين يسـأله يسأله جزءاً من ماله، لا ماله كله، واقرأ قوله تعالى: {أية : إِنَّمَا ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أَمْوَٰلَكُمْ * إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} تفسير : [محمد: 36-37]. ويُحبِّبهم في الإنفاق بنفس هذا المنطق: {أية : هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلاَءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَٱللَّهُ ٱلْغَنِيُّ وَأَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ ..} تفسير : [محمد: 38]. إذن: مسألة الإنفاق هذه تُخرِج ضِغْن الغني، كما أخرجتْ ضِغِن الفقير، فهي تُحدِث استطراقاً إيمانياً، واستطراقاً اقتصادياً في المجتمع، فصاحب المال يحمد الله على النعمة، ولا يبخل بها على الفقير، والفقير يحمد الله أنْ جعل النعمة في يد مَنْ يجود بها عليه، وهكذا يحدث التوازن في المجتمع. نعود إلى ما كُنَّا بصدده من قوله تعالى: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [سبأ: 34] لماذا أنتم كافرون بما جاء به الرسل؟ الحق - تبارك وتعالى - يريد من العباد ألاَّ يستعلي قوي على ضعيف، وألاَّ يستعلي غني على فقير، وألاَّ يستعلي عالم على جاهل، إنما يريد أن يعمَّ الخير، فمَنْ كانت عنده خَصْلة من خصال الخير عَدَّاها إلى غيره. أما هؤلاء فقد اختاروا الكفر، واطمأنوا إليه؛ لأن النعمة أطغتهم وأترفتهم، فمالوا إلى البذخ وإلى المظالم حتى عَشِقوا هذا كله، فلما جاء الدين ليُعدِّل من سلوكهم صادموه، وحاولوا طمسه والقضاء على دعوته؛ لأنهم ألفوا السيادة، وألِفُوا الطغيان، ولا يريدون أنْ تُسلب منهم هذه السيادة. وإلا لو أن العالم كان مستقيماً متوازناً ما كانت هناك حاجة للرسل، إذن: ما جاء رسول إلا بعد أنْ عَمَّ الفساد وطَمّ. وسبق أنْ قُلْنا: إن الحق سبحانه خلق في النفس الإنسانية مناعة إيمانية نتيجة الفطرة الأولية، لكن الشهوات وتقاليد الظالمين تطمس هذه الفطرة، فتحتاج إلى مُذكِّر يعيدها إلى الطبيعة والفطرة التي خلقها الله، لذلك قال سبحانه: {أية : إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ} تفسير : [الغاشية: 21] يعني: ليس بادئاً. والحق سبحانه يُبين أن الناس أمام الخير والشر أنواع ثلاثة، فقال الحق سبحانه وتعالى: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِٱلْخَيْرَاتِ بِإِذُنِ ٱللَّهِ ذَلِكَ هُوَ ٱلْفَضْلُ ٱلْكَبِيرُ} تفسير : [فاطر: 32]. فالظالم لنفسه هو الذي يفعل السيئة، ولا يلوم نفسه، ولا يندم على سيئته، ولا يتوب منها، فهو يظلم نفسه؛ لأنه يحرمها الجزاء والنعيم الأبدي. والمقتصد هو الذي يتردد بين الحسنة والسيئة، فإنْ فعل سيئة تذكَّر ولام نفسه وتاب، ثم يفعل الحسنة لتُكفِّر السيئة، وهؤلاء قال الله فيهم: {أية : خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} تفسير : [التوبة: 102]. وقوله سبحانه: {أية : ثُمَّ أَوْرَثْنَا ٱلْكِتَابَ ٱلَّذِينَ ٱصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا} تفسير : [فاطر: 32] يُراد به أمة محمد صلى الله عليه وسلم: لأن الميراث يعني أن الموروث ينتقل من السابق إلى اللاحق، فأمة محمد ورثتْ الرسل جميعاً في كل أمورهم الخيرية، وتكفَّلَتْ بأن تردع الشر في كل نواحيه، وبذلك ورثوا الرسالات كلها؛ لأنهم يأمرون بالمعروف وينهوْن عن المنكر، كما قال سبحانه: {أية : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ} تفسير : [آل عمران: 110]. وقال تعالى أيضاً: {أية : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} تفسير : [البقرة: 143]. فالرسول يشهد أنه بلَّغكم، وأنتم تشهدون أنكم بلَّغتم مَنْ بعدكم، رسولكم فوَّضه الله في أنْ يُشرِّع لكم، وفوَّضكم أنتم في أنْ تحملوا منهجه من بعده؛ لذلك انقطعتْ الرسالات بعده صلى الله عليه وسلم؛ لأن أمته ستقوم بمهمة الرسالة، وهذا دليل على أنها أمة، الخيرية فيها باقية إلى قيام الساعة. وقولهم: {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} [سبأ: 34] بم أُرسِل الرسلُ؟ أُرسِلوا أولاً بقضية التوحيد، وأنه لا إله إلا الله، أرسلوا بالبلاغ عن الله، أرسلوا بمعجزات، أُرسلوا بأحكام ومناهج تحكم حركة الحياة. فهؤلاء كفروا بهذا كله لأنهم يريدون أنْ يعيشوا في ترفهم وظلمهم، وأنْ يستبدوا كما يشاؤون. لكن قولهم {بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ} [سبأ: 34] دلَّ على غبائهم؛ لأنهم لم يقولوا مثلاً بما جئتم به، أو بما ادعيتموه، إنما بما أُرسِلتم به، فهم يعترفون بأنهم مُرسَلُون، فهذه كلمة الحق ساقها الله على ألسنتهم، كما ساقه على ألسنتهم في قولهم: {أية : لاَ تُنفِقُواْ عَلَىٰ مَنْ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ} تفسير : [المنافقون: 7] وقولهم لما فتر الوحي عن رسول الله: إن رب محمد قلاه. إذن: هم يعترفون لرسول الله بالرسالة، والمرسل لا يُرسَل من مثله، إنما من جهة أعلى، فالرسالة ليست من عند محمد؛ {أية : قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} تفسير : [يونس: 16] لكن، ما علة هذا الكفر؟
الصابوني
تفسير : المنَاسَبَة: لمّا ذكر تعالى قصة أهل سبأ وكفرهم بنعم الله، وما أعقب ذلك من تبديل النعمة إلى النقمة، ذكر هنا اغترار المشركين بالمال والبنين، وتكذيبهم لرسول الله عليه السلام، وختم السورة الكريمة ببيان مصرع الغابرين، تسليةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتخويفاً وتحذيراً للمشركين. اللغَة: {مُتْرَفُوهَآ} المترف: المنعَّم المتقلب في الغنى والعز والجاه {يَبْسُطُ} يوسّع {وَيَقْدِرُ} يقتّر {زُلْفَىٰ} قربى {إِفْكٌ} كذب مختلق {مِعْشَارَ} المعشار: العُشر، قال الجوهري: ومعشار الشيء عشره، فهما لغتان {نَكِيرِ} أصلها نكيري حذفت الياء لمراعاة الفواصل قال الزجاج: النكير: اسم بمعنى الإِنكار {جِنَّةٍ} بكسر الجيم أي جنون {فَوْتَ} نجاة ومهرب {ٱلتَّنَاوُشُ} التناول قال الزمخشري: والتناوش والتناول أخوان، إِلا أن التناوش تناولٌ سهلٌ لشيء قريب، ومنه المناوشة في القتال وذلك عند تداني الفريقين، قال ابن السكيت: يقال للرجل إِذا تناول رجلاً ليأخذه ناشَه. التفسِير: {وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ} أي لم نبعث في أهل قريةٍ رسولاً من الرسل ينذرهم عذابنا {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ} أي إِلا قال أهل الغنى والتنعم في الدنيا {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} أي لا نؤمن برسالتكم ولا نصدقكم بما جئتم به، قال قتادة: المترفون هم جبابرتهم وقادتهم ورؤساؤهم في الشر، وهم الذين يبادرون إِلى تكذيب الأنبياء، والقصد بالآية تسلية النبي صلى الله عليه وسلم على تكذيب أكابر قريش له {وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً} أي وقال مشركو مكة: نحن أكثر أموالاً وأولاداً من هؤلاء الضعفاء المؤمنين {وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} أي إِن الله لا يعذبنا لأنه راضٍ عنا، ولو لم يكن راضياً عنا لما بسط لنا في الرزق، قاسوا أمر الدنيا على الآخرة، وظنوا أن الله كما أعطاهم الأموال والأولاد في الدنيا لا يعذبهم في الآخرة، قال أبو حيان: نصَّ تعالى على المترفين لأنهم أول المكذبين للرسل، لما شُغلوا به من زخرف الدنيا، وما غلب على عقولهم منها، فقلوبهم أبداً مشغولة منهمكة، بخلاف الفقراء فإِنهم خالون من مستلذات الدنيا، فقلوبهُم أقبل للخير ولذلك كانوا أكثر أتباع الأنبياء {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} أي قل لهم يا محمد: إِن توسعة الرزق وتضييقه ليس دليلاً على رضى الله، فقد يوسّع الله على الكافر والعاصي، ويضيق على المؤمن والمطيع ابتلاءً وامتحاناً، فلا تظنوا أن كثرة الأموال والأولاد دليل المحبة والسعادة، بل هي تابعة للحكمة والمشيئة {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} أي ولكنَّ أكثر هؤلاء الكفرة لا يعلمون الحقيقة، فيظنون أن كثرة الأموال والأولاد للشرف والكرامة، وكثيراً ما يكون للاستدراج كما قال تعالى: {أية : سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [الأعراف: 182] ولهذا أكَّد ذلك بقوله: {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ} أي ليست أموالكم ولا أولادكم التي تفتخرون بها وتكاثرون هي التي تقربكم من الله قربى، وإِنما يقرّب الإِيمان والعمل الصالح، قال الطبري: الزلفى: القربى، ولا يعتبر الناس بكثرة المال والولد، ولهذا قال تعالى بعده {إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً} أي إِلا المؤمن الصالح الذي ينفق ماله في سبيل الله، ويعلّم ولده الخير ويربيه على الصلاح فإِن هذا الذي يقرّب من الله {فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ} أي تضاعف حسناتهم، الحسنة بعشر أمثالها وبأكثر إلى سبعمائة ضعف {وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} أي وهم في منازل الجنة العالية آمنون من كل عذاب ومكروه، ولما ذكر جزاء المؤمنين، ذكر عقاب الكافرين، ليظهر التباين بين الجزاءين فقال {وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ} أي يسعون في الصدِّ عن سبيل الله، واتباع آياته ورسله، معاندين لنا يظنون أنهم يفوتوننا بأنفسهم {أُوْلَـٰئِكَ فِي ٱلْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} أي فهم مقيمون في العذاب، محضرون يوم القيامة للحساب {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} أي قل يا محمد: إِن ربي يوسّع الرزق لمن يشاء من خلقه، ويقتّر على من يشاء، فلا تغتروا بالأموال التي رزقكم الله إِيَّاها، قال في التسهيل: كررت الآية لاختلاف القصد، فإِنَّ القصد بالأول الكفار، والقصد هنا ترغيب المؤمنين بالإِنفاق {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} أي وما أنفقتم في سبيل الله قليلاً أو كثيراً فإِن الله تعالى يعوّضه عليكم إِما عاجلاً أو آجلاً {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} أي هو تعالى خير المعطين، فإِنَّ عطاء غيره بحساب، وعطاؤه تعالى بغير حساب، قال المفسرون: لما بيَّن أنَّ الإِيمان والعمل الصالح هو الذي يقرب البعد إِلى ربه، ويكون مؤدياً إِلى تضعيف حسناته، بيَّن أن نعيم الآخرة لا ينافي سعة الرزق في الدنيا، بل الصالحون قد يبسط لهم الرزق في الدنيا، مع ما لهم في الآخرة من الجزاء الأوفى والمثوبة الحسنى بمقتضى الوعد الإِلهي {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} أي واذكر يوم يحشر الله المشركين جيمعاً من تقدم ومن تأخر للحساب والجزاء {ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ}؟ الاستفهام للتقريع والتوبيخ للمشركين أي أهؤلاء عبدوكم من دوني وأنتم أمرتموهم بذلك؟ قال الزمخشري: هذا الكلام خطاب للملائكة وتقريع للكفار، وارد على المثل السائر "إِيَّاك أعني واسمعي يا جارة" ونحوه قوله تعالى {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ}تفسير : [المائدة: 116]؟ وقد علم سبحانه أن الملائكة وعيسى منزهون عما نُسب إليهم، والغرض من السؤال والجواب أن يكون تقريع للمشركين أشد، وخجلهم أعظم {قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ} أي تعاليت وتقدست يا ربنا عن أن يكون معك إِله، أنت ربنا ومعبودنا الذي نتولاه ونعبده ونخلص له العبادة، ونحن نتبرأ إِليك منهم {بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ} أي بل كانوا يعبدون الشياطين لأنهم هم الذي زينوا لهم عبادة غير الله فأطاعوهم {أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} قال الطبري: أي أكثرهم بالجنّ مصدقون يزعمون أنهم بنات الله، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً قال تعالى رداً على مزاعم المشركين {فَٱلْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً} أي ففي هذا اليوم - يوم الحساب - لا ينفع العابدون ولا المعبودون بعضهم لبعضٍ، لا بشفاعة ونجاة، ولا بدفع عذاب وهلاك، قال أبو السعود: يخاطبون بذلك على رءوس الأشهاد إِظهاراً لعجزهم وقصورهم عن نفع عابديهم، وإِظهاراً لخيبة رجائهم بالكلية، ونسبة عدم النفع والضر إِلى البعض للمبالغة في المقصود، كأن نفع الملائكة لعبدتهم في الاستحالة كنفع العبدة لهم {وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} أي ونقول للظالمين الذين عبدوا غير الله {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} أي ذوقوا عذاب جهنم التي كذبتم بها في الدنيا فها قد وردتموها، ثم بيَّن تعالى لوناً آخر من كفرهم وضلالهم فقال: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} أي وإِذا تُليت على هؤلاء المشركين آيات القرآن واضحات المعاني، بينات الإِعجاز، وسمعوها غضة طريةً من لسان رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم {قَالُواْ مَا هَـٰذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ} أي ما هذا الذي يزعم الرسالة إِلا رجلٌ مثلكم يريد أن يمنعكم عمَّا كان يعبد أسلافكم من الأوثان والأصنام {وَقَالُواْ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى} أي ما هذا القرآن إِلا كذبٌ مختلق على الله {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي وقال أولئك الكفرة المتمردون بجراءتهم على الله ومكابرتهم للحقِّ النيّر: ما هذا القرآن إِلا سحرٌ واضح ظاهر لا يخفى على لبيب، قال الزمخشري: وفيه تعجيب من أمرهم بليغ، حيث بتّوا القضاء على أنه سحر، ثم بتّوه على أنه بيِّن ظاهر، كل عاقلٍ تأمله سمَّاه سحراً وفي قوله: {لَمَّا جَآءَهُمْ} المبادهة بالكفر من غير تأمل، ثم بيَّن تعالىأنهم لم يقولوا ذلك عن بينة، ولم يكذبوا محمداً عن يقين، بل عن ظنٍّ وتخمين فقال: {وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا} أي وما أنزلنا على أهل مكة كتاباً قبل القرآن يقرءون فيه ويتدارسونه {وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ} أي وما بعثنا إِليهم قبلك يا محمد رسولاً ينذرهم عذاب الله، فمن أين كذبوك؟ قال الطبري: أي ما أنزل الله على العرب كتاباً قبل القرآن، ولا بعث إِليهم نبياً قبل محمد صلى الله عليه وسلم {وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ} أي وكذَّب قبلهم أقوام من الأمم السابقين وما بلغ كفار مكة عشر ما آتينا الأمم التي كانت قبلهم من القوة والمال وطول العمر قال ابن عباس: {مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ} أي من القوة في الدنيا {فَكَذَّبُواْ رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي وحيث كذبوا رسلي جاءهم إِنكاري بالتدمير والاستئصال، ولم يُغن عنهم ما كانوا فيه من القوة، فكيف حال هؤلاء إِذا جاءهم العذاب والهلاك؟ وفيه تهديدٌ لقريش {قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين إِنما أنصحكم وأوصيكم بخصلةٍ واحدة ثم فسرها بقوله: {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ} أي هي أن تتحرَّوا الحق لوجه الله والتقرب له مجتمعين ووحداناً، أو اثنين اثنين وواحداً واحداً، قال القرطبي: وهذا القيام معناه القيام إِلى طلب الحق، لا القيام الذي هو ضدُّ القعود {ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ} أي ثم تتفكروا في أمر محمد لتعلموا أن من ظهر على يديه هذا الكتاب المعجز لا يمكن أن يكون مسٌّ من الجنون أو يكون مجنوناً، قال أبو حيان: ومعنى الآية: إِنما أعظكم بواحدة فيها إِصابتكم الحقَّ وهي أن تقوموا لوجه الله متفرقين اثنين اثنين، وواحداً واحداً، ثم تتفكروا في أمر محمد وما جاء به، وإِنما قال {مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ} لأن الجماعة يكون مع اجتماعهم تشويش الخاطر والمنع من التفكر، كما يكون في الدروس التي يجتمع بها الجماعة، وأما الاثنان إِذا نظرا نظر إِنصاف وعرض كل واحدٍ منهما على صاحبه ما ظهر له فلا يكاد الحقُّ أن يعدوهما، وإِذا كان الواحد جيّد الفكر عرف الحق، فإذا تفكروا عرفوا أن نسبته عليه السلام للجنون لا يمكن، ولا يذهب إلى ذلك عاقل {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} أي ما هو إِلا رسول منذر لكم إِن كفرتم من عذاب شديدٍ في الآخرة {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} أي لا أسألكم على تبليغ الرسالة أجراً قال الطبري: المعنى إني لم أسألكم على ذلك جُعلاً فتتهموني وتظنوا أني إِنما دعوتكم إِلى اتباعي لمالٍ آخذه منكم {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} أي ما أجري وثوابي إِلا على الله رب العالمين {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي هو تعالى رقيب وحاضر على أعمالي وأعمالكم، لا يخفى عليه شيء وسيجازي الجميع، قال أبو السعود: أي هو مطلع يعلم صدقي وخلوص نيتي {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ} أي يبيِّن الحجة ويظهرها قال ابن عباس: يقذف الباطل بالحق كقوله: {أية : بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}تفسير : [الأنبياء: 18] {عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} أي هو تعالى الذي أحاط علماً بجميع الغيوب التي غابت وخفيت عن الخلق {قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ} أي جاء نور الحق وسطع ضياؤه وهو الإِسلام {وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} أي ذهب الباطل بالمرَّة فليس له بدءٌ ولا عودٌ، قال الزمخشري: إِذا هلك الإِنسان لم يبقَ له إبداءٌ ولا إعادة، فجعلوا قولهم لا يبدىء ولا يعيد مثلاً في الهلاك والمعنى: جاء الحق وهلك الباطل كقوله تعالى: {أية : وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ}تفسير : [الإِسراء: 81] {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين إِن حصل لي ضلالٌ - كما زعمتم - فإِن إِثم ضلالي على نفسي لا يضر غيري {وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} أي وإِن اهتديتُ إِلى الحق فبهداية الله وتوفيقه {إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} أي سميعٌ لمن دعاه، قريب الإِجابة لمن رجاه، قال أبو السعود: يعلم قول كلٍ من المهتدي والضال وفعله وإِن بالغ في إِخفائهما {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ} أي ولو ترى يا محمد حال المشركين عند فزعهم إِذا خرجوا من قبورهم {فَلاَ فَوْتَ} أي فلا مخلص لهم ولا مهرب {وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} أي أخذوا من الموقف - أرض المحشر - إِلى النار، وجواب {لَوْ} محذوف تقديره: لرأيت أمراً عيظماً وخطباً جسيماً ترتعد له الفرائص {وَقَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ} أي وقالوا عندما عاينوا العذاب آمنا بالقرآن وبالرسول {وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} أي ومن أين لهم تناول الإِيمان وهم الآن في الآخرة ومحل الإِيمان في الدنيا، وقد ذهبت الدنيا فصارت منهم بمكان بعيد؟ قال أبو حيان: مثَّل حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من بعدٍ كما يتناوله الآخر من قرب {وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ مِن قَـبْلُ} أي والحال أنهم قد كفروا بالقرآن وبالرسول من قبل ذلك في الدنيا، فكيف يحصل لهم الإِيمان بهما في الآخرة! {وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} أي يرمون بظنونهم في الأمور المغيبة فيقولون: لا بعث ولا حساب، ولا جنة ولا نار قال القرطبي: والعربُ تقول لكل من تكلم بما لا يعرف هو يقذف ويرجم بالغيب، وعلى جهة التمثيل لمن يرمي ولا يصيب {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} أي وحيل بينهم وبين الإِيمان ودخول الجنان {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ} أي كما فعل بأشباههم في الكفر من الأمم السابقة {إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ} أي كانوا في الدنيا في شك وارتياب من أمر الحساب والعذاب، وقوله: {مَّرِيبٍ} من باب التأكيد كقولهم: عجبٌ عجيب. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي: 1- الطباق بين {يَبْسُطُ ..و.. يَقْدِرُ} وبين {نَّفْعاً ..و.. ضَرّاً} وبين {مَثْنَىٰ ..و.. فُرَادَىٰ}. 2- المقابلة بين عاقبة الأبرار والفجار {إِلاَّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً .. وَٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ}. 3- الالتفات من الغائب إلى المخاطب {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ} والغرض المبالغة في تحقيق الحق. 4- أسلوب التقريع والتوبيخ {أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ}؟ الخطاب للملائكة تقريعاً للمشركين. 5- وضع الظاهر موضع الضمير لتسجيل جريمة الكفر عليهم {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ} والأصل وقالوا. 6- الإِيجاز بالحذف لدلالة السياق عليه {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ} حذف خبر الأول لدلالة الثاني عليه أي ما أموالكم بالتي تقربكم ولا أولادكم بالذين يقربونكم عندنا. 7- الاستعارة {بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} استعار لفظ اليدين لما يكون من الأهوال والشدائد أمام الإِنسان. 8- الكناية اللطيفة {وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} كناية عن زهوق الباطل ومحو أثره. 9- الاستعارة التصريحية {وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} شبّه الذي يقول بغير علم، ويظن ولا يتحقق، بالإِنسان يرمي غرضاً وبينه وبينه مسافة بعيدة فلا يكون سهمه صائباً واستعار لفظ القذف للقول. 10- توافق الفواصل لما له من جميل الوقع على السمع مثل {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}، {أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}، {وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ} معناه متكبِرُوهَا من الكُفَّارِ.
الجيلاني
تفسير : {وَ} كيف لا نأخذهم بشؤم أعمالهم وأفعالهم؛ إذ {مَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ} من القرى الهالكة {مِّن نَّذِيرٍ} من النذر المبعوثين لإصلاح مفسادهم {إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ} أي: متنعموها، للرسل من فرط عتوهم وعنادهم، اتكاءً على ما عندهم من الجاه والثروة على سبيل التأكيد والمبالغة: {إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ} أي: بجميع ما أرسلتم أيها المدعون للرسالة والهداية والدعوة العامة، وإقامة الحدود بين الأنام {كَافِرُونَ} [سبأ: 34] جاحدون منكرون، لا نقبل منكم أمثال هذه الخرافات. {وَقَالُواْ} مفتخرين بما عندهم من الجاه والثروة: نحن أولى بما أدعيتم من النبوة والرسالة؛ إذ {نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً} إذ بالأموال تنال كل مطلوب، وبالأولاد يظاهر على كل مملة ومكروه {وَ} بالجملة: {مَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} [سبأ: 35] لا في الدنيا لما سمعت من كرامة الأموال والأولاد، ولا في الآخرة أيضاً إن فرض وقوعها؛ لأنَّا قوم أكرمنا الله بها في الدنيا، فكذا يكرمنا في الآخرة. {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل بعدما بالغوا في الافتخار والمباهاة بما عندهم من حطام الدنيا ومتاعها: {إِنَّ رَبِّي} القادر المقتدر على الإنعام والانتقام {يَبْسُطُ} ويكثر {ٱلرِّزْقَ} الصوري الدنيوي {لِمَن يَشَآءُ} من عباده؛ اختباراً لهم وابتلاءً {وَيَقْدِرُ} أي: يقل ويقبض على من يشاء؛ تيسيراً له وتسهيلاً عليه حسابه {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ} المجبولين على السهوا والنسيان {لاَ يَعْلَمُونَ} [سبأ: 36] حكمة قبضه وبسطه؛ لذلك يفرحون بوجوده ويحزنون بعدمه، ولم يتفطنوا أن وجوده يورث حزناً طويلاً وعذاباً أليماً، وعدمه يوجب أنواع الكرمات ونيل المثوبات. ثم قال سبحانه تقريعاً على المفتخرين بالأموال والأولاد: {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ} أيها المغرورون بهما، المحرومون عن اللذات الأخروية بسببهما، إلا وسيلة وواسطة {بِٱلَّتِي} أي: بالخلصة الحسنة التي {تُقَرِّبُكُمْ} أيها المأمورون بالتقرب إلينا بالأعمال المقبولة {عِندَنَا زُلْفَىٰ} أي: تقريباً مطلوباً لكم، مصلحاً لأحوالكم وأعمالكم ومواجيدكم {إِلاَّ مَنْ آمَنَ} منكم أيها المتمولون المتكثرون للأولاد، وأيقن بتوحيده سبحانه وصدق رسله وكتبه {وَعَمِلَ} عملاً {صَالِحاً} مقبولاً عند الله، متقرباً إليه سبحانه، بأن أنفق ماله في سبيل الله طلباً لمرضاته، وعلَّم أولاده علم التوحيد والأحكام والعقائد المتعلقة بدين الإسلام {فَأُوْلَـٰئِكَ} السعداء المقبولون عند الله، المبسوطون من عنده بالرزق الصوري في هذه النشأة {لَهُمْ} في النشأة الأخرى {جَزَآءُ ٱلضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ} أي: جزاؤهم من الرزق المعنوي أضعاف ما استحقوا بأعمالهم إلى العشرة، بل إلى ما شاء الله من الكثرة، بل {وَهُمْ فِي ٱلْغُرُفَاتِ} المعدة لأهل الجنة في الجنة {آمِنُونَ} [سبأ: 37] مصونون عن جميع المؤذيات والمكروهات. ثم قال سبحانه: {وَ} الكافرون المنكرون المكذبون رسلنا وكتبنا {ٱلَّذِينَ يَسْعَوْنَ} ويجتهدون {فِيۤ} قدح {آيَاتِنَا} الدالة عظلمة ذاتنا، وكمال أسمائنا وصفاتنا، وعلى الأحكام الجارية بين عبادنا، المتعلقة لأحوالهم في النشأتين حال كونهم {مُعَاجِزِينَ} قاصدين عجزنا عن إقامة الحدود بين العباد، واتخاذ العهود منهم، ووضع التكاليف والأحكام والآداب بينهم {أُوْلَـٰئِكَ} البعداء، الطاعنون لآياتنا الكبرى، الغافلون عن فوائدها العظمى {فِي ٱلْعَذَابِ} المؤبد المخلد {مُحْضَرُونَ} [سبأ: 38] لا يتحولون عنها ولا يغيرون. {قُلْ} يا أكمل الرسل للمسرفين المنحرفين عن جادة العدالة الإلهية، متكئين بما عندهم من الأموال والأولاد الفانية الزائلة، مفتخرين بها تفوقاً وتبجحاً: {إِنَّ رَبِّي} العليم، المطلع على جميع استعدادات العباد، الحكيم في إفاضة ما يليق لهم {يَبْسُطُ} يزيد ويفيض {ٱلرِّزْقَ} الصوري {لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} تارة على مقتضى مشيئته ومراده {وَيَقْدِرُ لَهُ} أي: ينقص ويقبض الرزق عنه مرة أخرى إرادةً واختياراً على مقتضى حكمته ومصلحته التي استأثر الله بها في غيبه وحضرة علمه {وَ} بعدما سمعتم هذا اعلما أيها المبسوطون المنعمون {مَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ} استخلفكم الله سبحانه عليه من الرزق، وأمركم بإنفاقه على فقرائه {فَهُوَ} سبحانه {يُخْلِفُهُ} ويعوض عنه بأضعافه وآلافه، إن صدر عنكم الإنفاق بالاعتدال بلا تبذير وتقتير {وَ} كيف لا يخلف سبحانه الرزق الصوري لخلَّص عباده مع أنه {هُوَ} سبحانه {خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} [سبأ: 39] بالرزق الصوري المعنوي، المخلص لهم عن مقتضيات بشريتهم ومشتيهات أهويتهم البهيمية.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يخبر تعالى عن حالة الأمم الماضية المكذبة للرسل، أنها كحال هؤلاء الحاضرين المكذبين لرسولهم محمد صلى اللّه عليه وسلم، وأن اللّه إذا أرسل رسولا في قرية من القرى، كفر به مترفوها، وأبطرتهم نعمتهم وفخروا بها. { وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالا وَأَوْلادًا } أي: ممن اتبع الحق { وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ } أي: أولا لسنا بمبعوثين، فإن بعثنا، فالذي أعطانا الأموال والأولاد في الدنيا، سيعطينا أكثر من ذلك في الآخرة ولا يعذبنا. فأجابهم اللّه تعالى، بأن بسط الرزق وتضييقه، ليس دليلا على ما زعمتم، فإن الرزق تحت مشيئة اللّه، إن شاء بسطه لعبده، وإن شاء ضيقه. وليست الأموال والأولاد بالتي تقرب إلى الله زلفى وتدني إليه، وإنما الذي يقرب منه زلفى، الإيمان بما جاء به المرسلون، والعمل الصالح الذي هو من لوازم الإيمان، فأولئك لهم الجزاء عند اللّه تعالى مضاعفا الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، لا يعلمها إلا اللّه، { وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ } أي: في المنازل العاليات المرتفعات جدا، ساكنين فيها مطمئنين، آمنون من المكدرات والمنغصات، لما هم فيه من اللذات، وأنواع المشتهيات، وآمنون من الخروج منها والحزن فيها. وأما الذين سعوا في آياتنا على وجه التعجيز لنا ولرسلنا والتكذيب فـ { أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ }. ثم أعاد تعالى أنه { يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ } ليرتب عليه قوله: { وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ } نفقة واجبة، أو مستحبة، على قريب، أو جار، أو مسكين، أو يتيم، أو غير ذلك، { فَهُوَ } تعالى { يُخْلِفُهُ } فلا تتوهموا أن الإنفاق مما ينقص الرزق، بل وعد بالخلف للمنفق، الذي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر { وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } فاطلبوا الرزق منه، واسعوا في الأسباب التي أمركم بها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):