٣٤ - سَبَأ
34 - Saba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
36
Tafseer
الرازي
تفسير : يعني أن الرزق في الدنيا لا تدل سعته وضيقه على حال المحق والمبطل فكم من موسر شقي ومعسر تقي {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } أي أن قلة الرزق وضنك العيش وكثرة المال وخصب العيش بالمشيئة من غير اختصاص بالفاسق والصالح.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ } يوسعه {لِمَن يَشَآءُ } امتحاناً {وَيَقْدِرُ } يضيقه لمن يشاء ابتلاء {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ } أي كفار مكة {لاَّ يَعْلَمُونَ } ذلك.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَبْسُطُ الرِّزْقَ} يوسعه {وَيَقْدِرُ} يقتر عليه يبسط على هذا مكراً به ويقتر على الآخر نظراً له أو لخير له أو ينظر له {لا يَعْلَمُونَ} أن البسط والإقتار بيده.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل} يا محمد ردا عليهم {ان ربى يبسط الرزق} ويوسعه {لمن يشاء} ان يبسطه له ويوسعه من مؤمن وكافر {ويقدر} اى يضيق على من يشاء ان يقدره عليه ويضيقه من مؤمن وكافر حسب اقتضاء مشيئته المبنية على الحكم البالغة فلا ينقاس على ذلك امر الثواب والعقاب اللذين مناطهما الطاعة وعدمها فليس فى التوسيع دلالة على الاكرام كما انه ليس فى التضييق دلالة على الاهانة وفى الحديث "حديث : الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر والآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قاهر" شعر : اديم زمين سفره عام اوست برين خوان يغما جه دشمن جه دوست تفسير : {ولكن اكثر الناس} وهم اهل الغفلة والخذلان {لا يعلمون} حمكة البسط والقدر فيزعمون ان مدار البسط هو الشرف والكرامة ومدار القدر هو الذل والهوان ولا يدرون ان الاول كثيرا ما يكون بطريق الاستدراج والثانى بطريق الابتلاء ورفع الدرجات قال الصائب شعر : نفس را بدخو بناز ونعمت دنيا مكن آب ونان سيركاهل ميكند مزدور را
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة وحده {وهم في الغرفة آمنون} لقوله تعالى {أية : أولئك يجزون الغرفة بما صبروا} تفسير : وفي الجنة غرفات وغرف، غير أن العرب تجتزئ بالواحد عن الجماعة إذا كان اسم جنس كما قالوا: اهلك الناس الدينار والدرهم. الباقون على الجمع {غرفات} على وزن (ظلمة، وظلمات) وحجتهم {أية : لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف}. تفسير : لما حكى الله تعالى عن الكفار أنهم قالوا: إن الله لا يعذبنا على ما تقولونه لانه أغنانا في دار الدنيا، ولم يجعلنا فقراء، فكذلك لا يعذبنا في الآخرة، قال الله رداً عليهم {قل} لهم يا محمد {إن ربي} الذي خلقني {يبسط الرزق} أي يوسع الرزق لمن يشاء على حسب ما يعلم من مصلحته ومصلحة غيره {ويقدر} أي يضيق. وهو مثل قوله {أية : الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر} تفسير : أي يوسع ويضيق، ومنه قوله {أية : ومن قدر عليه رزقه } تفسير : أي ضيق، وعلى هذا: يحتمل قوله {أية : فظن أن لن نقدر عليه}تفسير : أي لن نضيق عليه، فبسط الرزق هو الزيادة فيه على قدر الكفاية، والقدر تضييقه على قدر الكفاية. ثم قال {ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ما قلناه لجهلهم بالله وبحكمته. ثم قال تعالى {وما أموالكم} أي ليس اموالكم التي خولتموها {وأولادكم} التي رزقتموها {بالتي تقربكم عندنا زلفى} قال الفراء: (التي) يجوز أن يقع على الأموال والأولاد، لان الأولاد يعبر عنها بـ (التي)، وقال غيره: جاء الخبر بلفظ احدهما - وإن دخل فيه الآخر، ولو قال بالذي يقربكم لكان جائزاً و {زلفى} قربى، وإنما يقربكم اليه تعالى أفعالكم الجميلة وطاعاته الحسنة. ثم قال {إلا من آمن وعمل صالحاً} معناه، لكن من آمن بالله وعرفه وصدق نبيه وعمل الصالحات التي أمره بها، وانتهى عن القبائح التي نهاه عنها، فان لهؤلاء {جزاء الضعف بما عملوا} ومعناه انه تعالى يجازيهم أضعاف ما عملوا، فانه يعطي بالواحد عشرة، والضعف من الاضعاف، لأنه اسم جنس يدل على القليل والكثير. ويجوز في اعراب {جزاء} أربعة أوجه: الرفع والنصب بالتنوين وتركه. وفي {الضعف} ثلاثة أوجه: الجر والنصب والرفع إلا أن القراءة بوجه واحد وهو رفع {جزاء} على الاضافة بلا تنوين، وجر {الضعف} بالاضافة اليه. ثم قال إن هؤلاء مع أن لهم جزاء الضعف على ما عملوه {هم في الغرفات} جمع غرفة وهي العلية {آمنون} فيها لا يخافون شيئاً مما يخاف مثله في دار الدنيا. ثم قال {والذين يسعون في آياتنا معاجزين} أي مسابقين: في من قرأه بألف. ومثبطين غيرهم عن افعال الخير عند من قرأه بغير ألف {أولئك في العذاب محضرون} أي يحصلون في عذاب النار. ثم قال {قل} يا محمد {إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء} أي يوسعه {ويقدر} أى يضيقه لمن يشاء. وإنما كرر قوله {قل إن ربي يبسط الرزق} لاختلاف الفائدة، لأن الاول على معنى إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر من غير أن يعلم اكثر الناس لم فعل ذلك، والثاني - بمعنى أن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر له على أن ما انفقه في ابواب البر فالله يخلفه عليه وهو قوله {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} أي يعطيكم عوضه، وليس المراد ان يخلف في دار الدنيا على كل حال، لان الله يفعل ذلك بحسب المصلحة، وإنما أراد انه يعوض عليه إما في الدنيا بأن يخلف بدله او يثيب عليه {وهو خير الرازقين} أي الله تعالى خير من يرزق غيره، لأنه يقال: رزق السلطان الجند، ثم قال {ويوم يحشرهم جميعاً} يعني يوم القيامة الذي يبعث الله فيه الخلائق {ثم يقول للملائكة} الذين عبدهم جماعة من الكفار {أهؤلاء} يعني الكفار الذين عبدوهم {إياكم كانوا يعبدون} على وجه التقرير لهم وإن كان بلفظ الاستفهام، كما قال لعيسى {أية : أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} تفسير : وقرأ حفص {ويوم يحشرهم ثم يقول} بالياء ردّاً على قوله {قل إن ربي} الباقون بالنون على الجمع.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} بملاحظة حال نظام الكلّ وليس لكرامة الغنىّ ولا لهوان الفقير {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} ذلك او لا يعلمون سرّ ذلك.
اطفيش
تفسير : {قلْ إنَّ ربي يبسْطُ الرِزْق لمَنْ يشاءُ} بسطه له {ويَقْدر} يضيقه لمن يشاء ضيقه له، وليس البسط دليل الكرامة، ولا القدر دليل الهوان، وإلا خُص البسط بالمطيع يفعل ما يشاء بحسب الحكمة من البسط للمطيع، والقدر للعاصى والعكس، والبسط لهما، والقدر لهما والبسط لواحد تارة، والقَدْر له أخرى، فلا يقاس ثواب الآخرة وعقابها على البسط والقدر. {ولكنَّ أكْثر النَّاس لا يعْلمُون} ذلك، فمن قائل: البسط للشرف والكرامة عند الله تعالى، والقدر للهوان والحقارة ومن متحير معارض له عز وجل كيف بسط لفلان، وقدر على أو على فلان، قال: شعر : كم عالم عالم أعيت مذاهبه وجاهل جاهل تلقــاه مرزوقـــا هذا الذى ترك الأوهام حائرة وصير العـــالم النحرير زنديقـــا تفسير : أراد بالعالم النحرير الجنس أو خصوصا نفسه، فإن أراد التعجب من قضاء الله مؤمناً به فلا بأس، وإن أراد الجهل والشك فهو كفور، والمؤمن من قال: شعر : ومن الدليل على القضــــاء وكــــــونه بؤس اللبيب وطـــيب عيش الأحمق تفسير : قال محمد بن كعب القرطبى: إن الغنى إذا كان تقيا يضاعف له الأجر مرتين، ثم قرأ قوله تعالى: "أية : وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم"تفسير : [سبأ: 37] إلى قوله: "أية : جزاء الضعف" تفسير : [سبأ: 37] الخ وعنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أحسن الغنى مع التقوى" تفسير : وعن عمرو بن العاص عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : نعم المال الصالح للرجل الصالح" تفسير : وعن هشام عن عمر: كرمكم تقواكم، وشرفكم غناكم، إحسانكم أخلاقكم، قال بعض المتقدمين: المال فى الغربة وطن، والفقر فى الوطن غربة، ومن جعل الفقر لحافاً فهو غريب أينما كان، قلت: هذا غنى إذا أنس به، واطمأن قلبه، قال سعيد بن المسيب: لا خير فيمن لا يجمع المال من حله ليصل به رحمه، ويخرج منه حقه، ويصون به عرضه، قال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضى الله عنها: قسم ميراث الزبير بن العوام أربعين ألف ألف درهم. وكان لعبد الرحمن بن عوف ثلاث نسوة، طلق إحادهن فى مرضه، فصولحت عن ثلث الثمن على ثلاثة وثمانين ألفاً، وعن عمرو بن دينار: غلة طلحة بن عبيد الله كل يوم ألف، وقد فضل قوم الغنى لذلك، ولو حرم لم يتركهم النبى على غناهم، وشرط ذلك إخراج الحقوق منه، والنفع به، وعدم الفخر والكبر به، وقد اختار بعضهم الفقر من الرجل الصالح على الغنى من الغنى الصالح، ويناسب الأول قوله تعالى: "أية : ووجدك عائلاً فأغنى"تفسير : [الضحى: 8] فلو كان الفقر أفضل لم يغنه.
الالوسي
تفسير : {قُلْ } رداً لما زعموه من أن ذلك دليل الكرامة والرضا {إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء } أن يبسطه له {وَيَقْدِرُ } على من يشاء أن يقدره عليه فربما يوسع سبحانه على العاصي ويضيق على المطيع وربما يعكس الأمر وربما يوسع عليهما معاً وقد يضيق عليهما معاً وقد يوسع على شخص مطيع أو عاص تارة ويضيق عليه أخرى يفعل كلاً من ذلك حسبما تقتضيه مشيئته عز وجل / المبنية على الحكم البالغة فلو كان البسط دليل الإكرام والرضا لاختص به المطيع وكذا لو كان التضييق دليل الإهانة والسخط لاختص به العاصي وليس فليس، والحاصل كما قيل منع كون ذلك دليلاً على ما زعموا لاستواء المعادي والموالي فيه. وقال جمع: أريد أنه تعالى يفعل ذلك حسب مشيئته المبنية على الحكم فلا ينقاس عليه أمر الثواب والعقاب اللذين مناطهما الطاعة وعدمها، وقال ناصر الدين: لو كان ذلك لكرامة أو هوان يوجبانه لم يكن بمشيئته تعالى، وهو مبني على أن الإيجاب ينافي الاختيار والمشيئة وقد قال به الخفاجي أخذاً من كلام مولانا جلال الدين ورد به على من رد، ولا يخفى أن دعوى المترفين الإيجاب على الله تعالى فيما هم فيه من بسط الرزق وكذا فيما فيه أعداؤهم من تضييقه غير ظاهرة حتى يرد عليهم بإثبات المشيئة التي لا تجامع الإيجاب، وقرأ الأعمش {ويقدر} مشدد هنا وفيما بعد. {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك فمنهم من يزعم أن مدار البسط الشرف والكرامة ومدار التضييق الهوان والحقارة، ومنهم من تحير واعترض على الله تعالى في البسط على أناس والتضييق على آخرين حتى قال قائلهم:شعر : كم عالم عالم أعيت مذاهبه وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا هذا الذي ترى الأفهام حائرة وصير العالم النحرير زنديقا تفسير : وعنى هذا القائل بالعالم النحرير نفسه، ولعمري أنه بوصف الجاهل البليد أحق منه بهذا الوصف، فالعالم النحرير من يقول:شعر : ومن الدليل على القضاء وحكمه بؤس اللبيب وطيب عيشي الأحمق
د. أسعد حومد
تفسير : (36) - فَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إِنَّ رَبِي يُعْطِي المَالَ مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لاَ يُحِبُّ وَإِنَّهُ تَعَالى يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ لاَ لِمَحَبَّةٍ فِيهِ، وَلاَ لِزُلْفَى اسْتَحَقَّ بِهَا ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَهُوَ يُضَيِّقُ الرِّزْقَ (يَقْدِرُ) عَلَى مَنْ يَشَاءُ لاَ لِبُغْضٍ مِنْهُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيهِ رِزْقَهُ، وَلاَ لَمَقْتٍ، وَإِنَّما يَفْعَلُ ذَلِكَ لِحِكَمٍ لاَ يَعْلَمُها إِلاَّ هُوَ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ هذِهِ الحَقِيقَةَ. يَقْدِرُ - يُضَيِّقُ الرِّزْقَ عَلى مَنْ يَشَاءُ لِحِكْمَةٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : أي (قُلْ) ردًّا عليهم في اغترارهم بكثرة الأموال والأولاد: {إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ} [سبأ: 36] يبسط: يُوسع الرزق بكرمه، ويقدر: يعني: يضيقه على مَنْ يشاء بحكمته تعالى. والرزق لازمة من لوازم الربوبية التي خَلَقَتْ، والتي استدعت الإنسان للوجود، فلا بُدَّ أن تضمن له مقومات حياته. لكن الرازق سبحانه لا يرزق الناس جميعاً (بمسطرة) يعني بالتساوي؛ لأن الله تعالى يريد أن تكون المجتمعات متعاونة متكافلة، ولو أن كل إنسان كان عنده ما يكفيه ما احتاج أحد إلى أحد، وما حدث في المجتمع هذا الترابط وهذا الاتصال الجماعي. وسبق أنْ أوضحنا أن ترابط المجتمع لا بُدَّ أنْ يكون ترابط حاجة، لا ترابط تفضّل، فلو فرضنا أننا جميعاً تخرّجنا في الجامعة، أو أخذنا الدكتوراة، فمن (يكنس) الشوارع، ومن يمسح الأحذية؟ لو جعلنا هذه الأعمال تفضّلاً من بعضنا ما قَبِلها أحد. وقلنا: إن الرجل المتعجرف أو المتكبر أو الباشا لو عاد إلى بيته فوجد به رائحة كريهة فسأل فقالوا: المجاري بها كذا وكذا لا شكّ أنه لن يهدأ له بال حتى تنتهي هذه المشكلة، وربما ركب سيارته، وذهب بنفسه إلى السباك ليُخلِّصه من هذه المشكلة. نقول في هذه الحالة: إن السباك فاضل على الباشا في هذا الوقت، لأن الله أعطاه قدرة على نفسه لا يملكها الباشا أو حامل الدكتوراة، وهذا السباك ما تحمَّل مثل هذا العمل إلا لحاجته إليه وإلا ما قَبِلَه. لذلك أحسن الشاعر حين قال: شعر : النَّاس للنَّاسِ من بَدْوٍ وحَاضِرةٍ بَعْضٌ لبعْضٍ وإنْ لم يَشْعُروا خَدَمُ تفسير : وهذه الخدمة تقوم على التداول، فالحق سبحانه لم يجعل ذرية كلها خادمة، وذرية مخدومة، إنما أنت خادم في شيء ومخدوم في شيء آخر، وهكذا كلنا خادم، وكلنا مخدوم، ليعلم الإنسان أياً كان أنه ابن أغيار، وأن سيادته ليست ذاتية فيه، فإنْ كان هو الأعلى عليه أنْ يُقدر هذا العلو ويعمل له ليظل على عُلُوه، فإنْ رأى الأدنى منه فلا يحقره، بل يُقدِّر له مهمته في خدمته، وأنه سيحتاج إليه في يوم ما في عمل لا يقدر هو عليه. لذلك يقول تعالى: {أية : وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ..} تفسير : [النحل: 71] كثيرون يظنون أن الرزق هو المال، إنما الرزق كلمة عامة يُراد بها كل ما ينتفع به الإنسان، والحق سبحانه فضَّل بعضنا على بعض في هذه الأشياء، لكن أيُّ بعض فضَّل؟ وأيُّ بعض فضَّل عليه؟ أنت مُفضَّل فيما لك فيه موهبة، ومفضَّل عليه فيما لا موهبةَ لك فيه، وهكذا يتكاتف المجتمع ويتكامل، ويرتبط ارتباطَ حاجة لا ارتباطَ تفضُّل. وتأمل قوله تعالى: {أية : فَأَمَّا ٱلإِنسَانُ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَكْرَمَنِ} تفسير : [الفجر: 15] وشكراً، وكثَّر الله خيرك أنْ نسبتَ الإكرام لربك {أية : وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيۤ أَهَانَنِ} تفسير : [الفجر: 16] فيقول الحق (كَلاَّ) يعني: أنت كذاب في هذا القول؛ لأن بَسْط الرزق ليس دليلاً على التكرم، ولا تضييقه دليل إهانة. وإلا كيف يكون بَسْط الرزق دليلَ التكريم، والناس فيما يُرْزَقون لا يكرمون به اليتيم، ولا المسكين، ويأكلون التراث أكلاً لماً. {أية : كَلاَّ بَل لاَّ تُكْرِمُونَ ٱلْيَتِيمَ * وَلاَ تَحَآضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلْمِسْكِينِ * وَتَأْكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكْلاً لَّمّاً * وَتُحِبُّونَ ٱلْمَالَ حُبّاً جَمّاً} تفسير : [الفجر: 18-20]. إذن: على الإنسان أنْ يتأدب مع الله فيما صنع؛ لأن الله يعلم كيف يرزق، وهو سبحانه يريد أنْ يجعل من الناس أُسْوة للناس، فالغني الذي افترى بماله يُبقيه الله حتى يرى فيه الفقير المفْترَى عليه، يرى فيه عقاب الله ليعلم أن لله تعالى ألوهية، ولله تعالى قيومية، لا يفلت الظالم من عقابها في الدنيا قبل الآخرة. وهذا المعنى خاطب الله به نبيه فقال: {أية : فَـإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} تفسير : [غافر: 77]. ثم إن مسألة الرزق لا تتوقف على مهارة، أو شطارة، أو علم، فهناك مَنْ سعى للرزق وزرع واجتهد، لكن عند الحصاد جاءتْه جائحة اجتاحت زرعه فأهلكتْه، وكأن الحق سبحانه يقول لنا: إياك أنْ تفطن إلى ألوهية الأسباب، وتغفل ألوهية المسبب. والرزق مقسوم لصاحبه، وإنْ حمله غيره، فالجنين في بطن أمه غذاؤه من تكوينها ومن دمها، لكن هذا الدم وإنْ حملتْه الأم ليس رزقها، بدليل أنه إذا حدث الحمل توافر هذا الدم لغذاء الجنين، فإنْ لم يحدث الحمل نزل منها هذا الدم في عملية الحيض، ولم تنتفع به الأم، لماذا؟ لأنه ليس رزقها هي، وهذا يساعدنا في فهم قوله تعالى: {أية : نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم} تفسير : [الإسراء: 31]. لذلك قالوا: ليس كل ما تملك رِزْقاً لك، إنما رزقك ما انتفعتَ به، فالشيء يكون في ملكك وفي حوزتك تظن أنه لك، ثم يضيع منك، أو يُسرق أو يُؤمَّم أو تُصيبه جائحة .. إلخ بل أكثر من ذلك قد يكون طعاماً وتأكله بالفعل، ويتمثل في جسمك دماً يجري في عروقك، ثم يسيل منك بسبب جرح، أو عملية جراحية مثلاً: إذن: هذا الدم ليس رزقاً لك. فالمؤمن ينبغي أنْ يظمئن إذن إلى عملية الرزق، ويعلم أنها بقيومية الله التي ترزق المؤمن والكافر، وأن الرزق مقسوم لك، مُسمّى باسمك، فلا يأخذه غيرك مهما كان، فإنْ بُسِط لك فاحمد الله، وإن قُتِّر وضُيِّق عليك فاعلم أنها بحكمة الله، واقرأ: {أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} تفسير : [الحجر 21]. ثم تُختم الآية بقوله تعالى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [سبأ: 36] فالأكثرية لا يعلمون حكمة الله في تفاوت الأرزاق، وهذا يعني أن قلة منهم هم الذين يعلمون، فاللهم اجعلْنَا من هذه الأقلية. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلاَ أَوْلاَدُكُمْ بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَىٰ إِلاَّ مَنْ آمَنَ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ} معناه يوسِّعُ عليه ويكثِّرُ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):