٣٤ - سَبَأ
34 - Saba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
39
Tafseer
الرازي
تفسير : إشارة إلى أن نعيم الآخرة لا ينافي نعمة الدنيا، بل الصالحون قد يحصل لهم في الدنيا النعم مع القطع بحصول النعيم لهم في العقبـى بناءً على الوعد، قطعاً لقول من يقول: إذا كانت العاجلة لنا والآجلة لهم فالنقد أولى، فقال هذا النقد غير مختص بكم فإن كثيراً من الأشقياء مدقعون، وكثير من الأتقياء ممتعون وفيه مسائل: المسألة الأولى: ذكر هذا المعنى مرتين: مرة لبيان أن كثرة أموالهم وأولادهم غير دالة على حسن أحوالهم واعتقادهم، ومرة لبيان أنه غير مختص بهم كأنه قال وجود الترف لا يدل على الشرف، ثم إن سلمنا أنه كذلك لكن المؤمنين سيحصل لهم ذلك، فإن الله يملكهم دياركم وأموالكم، والذي يدل عليه هو أن الله تعالى لم يذكر أولاً لمن يشاء من عباده، بل قال لمن يشاء، وثانياً قال لمن يشاء من عباده، والعباد المضافة يراد بها المؤمن، ثم وعد المؤمن بخلاف ما للكافر، فإن الكافر دابره مقطوع، وماله إلى الزوال، ومآله إلى الوبال. وأما المؤمن فما ينفقه يخلفه الله، ومخلف الله خير، فإن ما في يد الإنسان في معرض البوار والتلف وهما لا يتطرقان إلى ما عند الله من الخلف، ثم أكد ذلك بقوله: {أية : وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلرازِقِينَ } تفسير : [الجمعة: 11] وخيرية الرازق في أمور أحدها: أن لا يؤخر عن وقت الحاجة والثاني: أن لا ينقص عن قدر الحاجة والثالث: أن لا ينكده بالحساب والرابع: أن لا يكدره بطلب الثواب والله تعالى كذلك. أما الأول: فلأنه عالم وقادر والثاني: فلأنه غني واسع والثالث: فلأنه كريم، وقد ذكر ذلك بقوله: {أية : يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ } تفسير : [البقرة: 212] وما ذكرنا هو المراد، أي يرزقه حلالاً لا يحاسبه عليه والرابع: فلأنه علي كبير والثواب يطلبه الأدنى من الأعلى، ألا ترى أن هبة الأعلى من الأدنى لا تقتضي ثواباً. المسألة الثانية: قوله تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ } يحقق معنى قوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان، يقول أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر اللهم اعط ممسكاً تلفاً» تفسير : وذلك لأن الله تعالى ملك علي وهو غني ملي، فإذا قال أنفق وعلى بدله فبحكم الوعد يلزمه، كما إذا قال قائل: ألق متاعك في البحر وعلى ضمانه، فمن أنفق فقد أتى بما هو شرط حصول البدل فيحصل البدل، ومن لم ينفق فالزوال لازم للمال ولم يأت بما يستحق عليه من البدل فيفوت من غير خلف وهو التلف، ثم إن من العجب أن التاجر إذا علم أن مالاً من أمواله في معرض الهلاك يبيعه نسيئة، وإن كان من الفقراء ويقول بأن ذلك أولى من الإمهال إلى الهلاك، فإن لم يبع حتى يهلك ينسب إلى الخطأ، ثم إن حصل به كفيل مليء ولا يبيع ينسب إلى قلة العقل، فإن حصل به رهن وكتب به وثيقة ولا يبيعه ينسب إلى الجنون، ثم إن كل أحد يفعل هذا ولا يعلم أن ذلك قريب من الجنون، فإن أموالنا كلها في معرض الزوال المحقق، والإنفاق على الأهل والولد إقراض، وقد حصل الضامن الملىء وهو الله العلي وقال تعالى: {وَمَا أَنفَقْتُمْ مِّن شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ } ثم رهن عند كل واحد إما أرضاً أو بستاناً أو طاحونة أو حماماً أو منفعة، فإن الإنسان لا بد من أن يكون له صنعة أو جهة يحصل له منها مال وكل ذلك ملك الله وفي يد الإنسان بحكم العارية فكأنه مرهون بما تكفل الله من رزقه ليحصل له الوثوق التام، ومع هذا لا ينفق ويترك ماله ليتلف لا مأجوراً ولا مشكوراً. المسألة الثالثة: قوله: {خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ } ينبـىء عن كثرة في الرازقين ولا رازق إلا الله، فما الجواب عنه؟ فنقول عنه جوابان أحدهما: أن يقال الله خير الرازقين الذين تظنونهم رازقين وكذلك في قوله تعالى: وهو {أية : أَحْسَنُ ٱلْخَـٰلِقِينَ } تفسير : الصافات: 125) وثانيهما: هو أن الصفات منها ما حصل لله وللعبد حقيقة، ومنها ما يقال لله بطريق الحقيقة وللعبد بطريق المجاز، ومنها ما يقال لله بطريق الحقيقة ولا يقال للعبد لا بطريق الحقيقة ولا بطريق المجاز لعدم حصوله للعبد لا حقيقة ولا صورة، مثال الأول العلم، فإن الله يعلم أنه واحد والعبد يعلم أنه واحد بطريق الحقيقة، وكذلك العلم بكون النار حارة، غاية ما في الباب أن علمه قديم وعلمنا حادث، مثال الثاني الرازق والخالق، فإن العبد إذا أعطى غيره شيئاً فإن الله هو المعطي، ولكن لأجل صورة العطاء منه سمي معطياً، كما يقال للصورة المنقوشة على الحائط فرس وإنسان، مثال الثالث الأزلي والله وغيرهما، وقد يقال في أشياء في الإطلاق على العبد حقيقة وعلى الله مجازاً كالاستواء والنزول والمعية ويد الله وجنب الله.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} كرر تأكيداً. {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} أي قل يا محمد لهؤلاء المغترين بالأموال والأولاد إن الله يوسِّع على من يشاء ويضيِّق على من يشاء، فلا تغتروا بالأموال والأولاد بل أنفقوها في طاعة الله، فإن ما أنفقتم في طاعة الله فهو يخلفه. وفيه إضمار، أي فهو يخلفه عليكم؛ يقال: أخلف له وأخلف عليه، أي يعطيكم خلفه وبدله، وذلك البدل إما في الدنيا وإما في الآخرة. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما اللَّهُمَّ أعط منفقاً خلفاً وأعط ممسكاً تلفاً» تفسير : وفيه أيضاً عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : إن الله قال لي أَنفق أنفق عليك...» تفسير : الحديث. وهذه إشارة إلى الخلف في الدنيا بمثل المنفق فيها إذا كانت النفقة في طاعة الله. وقد لا يكون الخلف في الدنيا فيكون كالدعاء ـ كما تقدّم ـ سواء في الإجابة أو التكفير أو الادخار؛ والادخار هاهنا مثله في الأجر. مسألة: روى الدَّارَقُطْنِيّ وأبو أحمد بن عَدِيّ عن عبد الحميد الهلالي عن محمد بن المُنْكَدِر عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حديث : كل معروف صدقة وما أنفق الرجل على نفسه وأهله كتب له صدقة وما وَقَى به الرجل عرضَه فهو صدقة وما أنفق الرجل من نفقة فعلى الله خلَفُها إلا ما كان من نفقة في بنيان أو معصية»تفسير : . قال عبد الحميد: قلت لابن المنكدر: «ما وَقَى الرجل عرضه؟» قال: يعطي الشاعر وذا اللسان. عبد الحميد وثّقه ابن معين. قلت: أما ما أنفق في معصية فلا خلاف أنه غير مثاب عليه ولا مخلوف له. وأما البنيان فما كان منه ضرورياً يكنّ الإنسانَ ويحفظه فذلك مخلوف عليه ومأجور ببنيانه. وكذلك كحفظ بنيته وستر عورته، قال صلى الله عليه وسلم: «حديث : ليس لآبن آدم حق في سِوى هذه الخصال، بيت يسكنه وثوب يوارِي عورته وجِلْفُ الخبز والماء»تفسير : . وقد مضى هذا المعنى في «الأعراف» مستوفى. قوله تعالى: {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} لما كان يقال في الإنسان: إنه يرزق عياله، والأمير جنده؛ قال: «وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» والرازق من الخلق يرزق، لكن ذلك من مال يملك عليهم ثم ينقطع، والله تعالى يرزق من خزائن لا تفنى ولا تتناهى. ومن أخرج من عدم إلى الوجود فهو الرازق على الحقيقة، كما قال: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلرَّزَّاقُ ذُو ٱلْقُوَّةِ ٱلْمَتِينُ }تفسير : [الذاريات: 58].
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ إِنَّ رَبِّى يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ } يوسعه {لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ } امتحاناً {وَيَقْدِرُ } يضيقه {لَهُ } بعد البسط أو لمن يشاء ابتلاء {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَىْءٍ } في الخير {فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرّٰزِقِينَ } يقال كل إنسان يرزق عائلته أي برزق الله.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَهُوَ يُخْلِفُهُ} إذا شاء ورآه صلاحاً كإجابة الدعاء، أو يخلفه بالأجر في الآخرة إذا أنفق في الطاعة، أو معناه فهو أخلفه لأن نفقته من خلف الله ـ تعالى ـ ورزقه.
البقاعي
تفسير : ولما أبطل شبهتهم بشعبيتها بالنسبة إلى الأشخاص المختلفة، قرب ذلك بدليل واحد في شخص واحد فقال: {قل} يا أشرف الخلق لهؤلاء الجهلة الذين يظنون أن الرزق بحسب حسن السعي وقبحه أو حسن حال الشخص عند الله وقبحها: {إن ربي} أي المحسن إليّ بهذا البيان المعجز {يبسط الرزق} أي متى شاء {لمن يشاء من عباده} أي على سبيل التجدد المستمر من أيّ طائفة كان {ويقدر له} أي يضيق عليه نفسه في حالتين متعاقبتين، وهو بصفة واحدة على عمل واحد، فلو أن الإكرام والإنعام يوجب الدوام لما تغيرت حاله من السعة إلى الضيق، ولو أن في يده نفع نفسه لما اختلف حاله. ولما بين هذا البسط أن فعله بالاختيار بعد أن بين بالأول كذبهم في أنه سبب للسلامة من النار. دل على أنه الفاعل لا غيره بقوله: {وما أنفقتم من شيء} أي أنتم وأخصامكم وغيرهم {فهو يخلفه} أي لا غيره بدليل أن المنفق قد يجتهد كل الاجتهاد في الإخلاف فلا ينفق، فدل ذلك على أنه المختص بالإخلاف، ولأن هذا هو المعنى لا أنه ضمن الإخلاف لكل من ينفق على أي وجه كان، قال مجاهد كما نقله الرازي في اللوامع: "إذا كان في يد أحدكم شيء فليقتصد ولا يتأول الآية، فإن الرزق مقسوم، وما عال من اقتصد" كما رواه الطبراني عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً، والمعنى أنه قد دل الإخلاف على جميع الأشكال والأضداد على أن الأمر فيه على غير ما ظننتم من الإسعاف به في وقت موجب للإكرام على الدوام، وأن ذلك إنما هو لضمانه الرزق لكل أحد بحسب ما قسمه له من سبق به عمله وقدرته حكمته، وتارة يكون إخلافه حساً وبالفعل، وتارة يكون معنى وبالقوة، بالترضية بتلك الحالة التي أدت إلى العدم، قال القشيري: وهو أتم من السرور بالموجود، ومن ذلك الأنس بالله في الخلوة، ولا يكون ذلك إلا مع التجريد - انتهى. والمنفق بالاقتصاد داخل أن شاء الله تعالى تحت قول صلى الله عليه وسلم فيما رواه الشيخان: البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال الله تعالى: "حديث : أنفق أنفق عليك" تفسير : وما روى الشيخان وابن حبان في صحيحه أيضاً "حديث : ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً" تفسير : فهو خير الموسعين {وهو خير الرازقين *} أي الذين تعدونهم هذا العداد ممن يقيمهم هو سبحانه لكم فتضيفون الرزق إليهم، فإنهم وسائط لا يقدرون إلا على ما قدرهم، وأما هو سبحانه فهو يوجد المعدوم، ويرزق من يطيعه ومن يعصيه، ولا يضيق ترزيقه بأحد، ولا يشغله فيه أحد عن أحد، بل يبعث في كل يوم لكل أحد رزقه في آن واحد كما ينشر عليهم نوره بالشمس في آن واحد من غير توقيف لذلك على شيء من الأشياء غير سبق به العلم في الأزل. ولما أبطل شبهتهم فعلم بذلك أن الأمر كله له، وأنهم في محل الخطر، وكان قد بقي من شبههم أنهم يقولون: نحن نعبد الملائكة فهم يشفعون لنا، وكان الأنبياء عليهم السلام لا ينكرون أن الملائكة مقربون أبطل ما يتعلقون به منهم، وبين أنه لا أمر لهم وأنهم بريئون منهم، فقال عاطفاً على {إذ الظالمون}: {ويوم نحشرهم} أي نجمعهم جمعاً بكره بعد البعث، وعم التابع والمتبرع بقوله: {جميعاً}. ولما كانت مواقف الحشر طويلة وزلازله مهولة قال: {ثم نقول للملائكة} أي توبيخاً للمشركين وإقناطاً مما يرجون منهم من الشفاعة. ولما كانت العبادة لا تنفع إلا إذا كان المعبود راضياً بها وكانت خالصة، قال مبكتاً للمشركين وموبخاً ليكون هناك سؤال وجواب فيكون التقريع أشد والخجل به أعظم، والخوف والهوان أتم وألزم ويكون اقتصاص ذلك عظة للسامعين، وزجراً للجاهلين، وتنبيهاً للغافلين، على طريق {أية : أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله} تفسير : [المائدة: 116] الآيات: {أهؤلاء} أي الضالون؛ وأشار إلى أنه لا ينفع من العبادة إلا ما كان خالصاً فقال: {إياكم} أي خاصة {كانوا يعبدون *} بأفعالهم الاختيارية والقسرية ليعلم أنهم عبيد لكم تستحقون عبادتهم، وفي التعبير بما يدل على الاختصاص تنبيه لقريش على أنه لا يعتد من العبادة إلا بالخالص {قالوا} أي الملائكة متبرئين منهم مفتتحين بالتنزيه تخضعاً بين يدي البراءة خوفاً من حلول السطوة {سبحانك} أي ننزهك تنزيهاً يليق بجلالك عن أن يستحق أحد غيرك أن يعبد. ولما كانوا كارهين جداً لعبادتهم، وكانت فائدة العبادة الوصلة بين العابد والمعبود قالوا: {أنت ولينا} أي معبودنا الذي لا وصلة بيننا وبين أحد إلا بأمره {من دونهم} أي من أقرب منزلة لك من منازلهم منا، فأنت أقرب شيء إلينا في كل معاني الولاية من العلم والقدرة وغيرهما، فكيف نترك الأقرب والأقوى ونتولى الأبعد العاجز، ليس بيننا وبينهم من ولاية، بل عداوة، وكذا كل من تقرب إلى شخص بمعصية الله يقسي الله قلبه عليه ويبغضه فيه فيجافيه ويعاديه. ولما كان من يعمل لأحد عملاً لم يأمر به ولم يرضه إنما عمل في الحقيقة للذي دعاه إلى ذلك العمل قالوا: {بل كانوا} بأفعالهم الاختيارية الموجبة للشرك {يعبدون الجن} أي إبليس وذريته الذين زينوا لهم عبادتنا من غير رضانا بذلك، وكانوا يدخلون في أجواف الأصنام ويخاطبونهم ويستجيرون بهم في الأماكن المخوفة، ومن هذا تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد القطيفة؛ ثم استأنفوا قولهم: {أكثرهم} أي الإنس {بهم} أي الجن {مؤمنون *} أي راسخون في الإشراك لا يقصدون بعبادتهم غيرهم، وقليل منهم من يقصد بعبادته بتزيين الجن وغيرهم وهو راض بها، فهي في الحقيقة لمن زينها لهم من الجن، وهم مع ذلك يصدقون ما يرد عليهم من إخبارات الجن على ألسنة الكهان وغيرهم مع ما يرون فيها من الكذب في كثير من الأوقات. ولما بطلت تمسكاتهم، وتقطعت تعلقاتهم، تسبب عن ذلك تقريعهم الناشئ عنه تنديمهم بقوله بلسان العظمة: {فاليوم} أي يوم مخاطبتهم بهذا التبكيت وهو يوم الحشر {لا يملك} أي شيئاً من الملك {بعضكم لبعض} أي من المقربين والمبعدين. ولما كان المدار على الخلاص والسياق للشفاعة، قدم النفع فقال: {نفعاً} وأكمل الأمر بقوله: {ولا ضراً} تحقيقاً لقطع جميع الأسباب التي كانت في دار التكليف من دار الجزاء التي المقصود فيها تمام إظهار العظمة لله وحده على أتم الوجوه. ولما كان المعنى: فاليوم نسلب الخلائق ما كنا مكناهم منه في الدنيا من التنافع والتضارر. وتلاشى بذلك كل شيء سواه، أثبت لنفسه المقدس ما ينبغي، فقال عاطفاً على هذا الذي قدرته: {ونقول} أي في ذلك الحال من غير إمهال ولا إهمال {للذين ظلموا} أي بوضع العبادة في غير موضعها ولا سيما من ضم إلى ذلك إنكار المعاد عند إدخالنا لهم النار: {ذوقوا عذاب النار} ولما لم يتقدم للعذاب وصف بترديد - كما تقدم في السجدة - ولا غيره، كان المضاف إليه أحق بالوصف لأنه المصوب إليه بالتكذيب فقال: {التي كنتم} أي جبلة وطبعاً {بها تذكبون *}.
السيوطي
تفسير : أخرج ابن المنذر عن الضحاك رضي الله عنه أنه سأل عن قوله {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} النفقة في سبيل الله قال: لا. ولكن نفقة الرجل على نفسه، وأهله فالله يخلفه. وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في الأدب المفرد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} قال: في غير إسراف ولا تقتير. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما أنفقتم على اهليكم في غير إسراف ولا تقتير، فهو في سبيل الله ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} قال: من غير إسراف ولا تقتير. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: إذا كان لأحدكم شيء فليقتصد، ولا يتأوّل هذه الآية {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} فإن الرزق مقسوم يقول: لعل رزقه قليل وهو ينفق نفقة الموسع عليه. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} قال: ما كان من خلف فهو منه، وربما أنفق الإِنسان ماله كله في الخير، ولم يخلف حتى يموت. ومثلها {أية : وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} تفسير : [هود: 6] يقول: ما آتاها من رزق فمنه، وربما لم يرزقها حتى تموت. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن جابر بن عبدالله رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : كل ما أنفق العبد نفقة فعلى الله خلفها ضامناً، إلا نفقة في بنيان، أو معصية ". تفسير : وأخرج ابن عدي في الكامل والبيهقي من وجه آخر عن محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل معروف صدقة، وما أنفق المرء على نفسه وأهله كتب له به صدقة، وما وقي به عرضه كتب له به صدقة، وكل نفقة أنفقها مؤمن فعلى الله خلفها ضامن، إلا نفقة في معصية، أو بنيان. قيل لابن المنكدر: وما أراد بما وقي به المرء عرضه كتب له به صدقة؟ قال: ما أعطى الشاعر، وذا اللسان المتقي ". تفسير : وأخرج أبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : ألا إن بعد زمانكم هذا زماناً عضوضاً، يعض الموسر على ما في يده حذر الانفاق، قال الله {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} ". تفسير : وأخرج البخاري وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "حديث : قال الله عز وجل: أنفق يا ابن آدم، أنفق عليك ". تفسير : وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إن لكل يوم نحساً، فادفعوا نحس ذلك اليوم بالصدقة، ثم قال: اقرأوا مواضع الخلف، فإني سمعت الله يقول {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} إذا لم تنفقوا كيف يخلف ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : إن المعونة تنزل من السماء على قدر المؤونة ". تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي عن الزبير بن العوّام رضي الله عنه قال: جئت حتى جلست بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بطرف عمامتي من ورائي. ثم قال: "حديث : يا زبير إني رسول الله إليك خاصة، وإلى الناس عامة، أتدرون ماذا قال ربكم؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: ربكم حين استوى عل عرشه، فنظر خلقه: عبادي أنتم خلقي وأنا ربكم أرزاقكم بيدي، فلا تتعبوا فيما تكفلت لكم، فاطلبوا مني أرزاقكم أتدرون ماذا قال ربكم؟ قال الله تبارك وتعالى: أنفق أنفق عليك، وأوسع أوسع عليك، ولا تُضَيِّقَ أُضَيِّقُ عليك، ولا تُصِرُّ فأصِرُّ عليك، ولا تخزن فأخزن عليك، إن باب الرزق مفتوح من فوق سبع سموات، متواصل إلى العرش، لا يغلق ليلاً ولا نهاراً، ينزل الله منه الرزق على كل امرىء بقدر نيته، وعطيته، وصدقته، ونفقته، فمن أكثر أكثر له، ومن أقل أقل له، ومن أمسك أمسك عليه، يا زبير فكل، واطعم، ولا توك فيوكي عليك، ولا تحص فيحصى عليك، ولا تقتر فيقتر عليك، ولا تعسر فيعسر عليك، يا زبير إن الله يحب الانفاق، ويبغض الاقتار، وإن السخاء من اليقين، والبخل من الشك، فلا يدخل النار من أيقن، ولا يدخل الجنة من شك. يا زبير إن الله يحب السخاوة ولو بفلق تمرة، والشجاعة ولو بقتل عقرب أو حيه. يا زبير إن الله يحب الصبر عند زلزلة الزلازل، واليقين النافذ عند مجيء الشهوات، والعقل الكامل عند نزول الشبهات، والورع الصادق عند الحرام والخبيثات. يا زبير عظم الإِخوان، وجلل الأبرار، ووقر الأخيار، وصل الجار، ولا تماش الفجار. من فعل ذلك دخل الجنة بلا حساب ولا عذاب هذه وصية الله إليّ ووصيتي إليك ".
التستري
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ}[39] قال: الرزق على وجهين: رزق وهو ذكر لنفس الروح والعقل والقلب، مثل عيش الملائكة وحياتهم بالذكر، متى أمسك عنهم ماتوا. والرزق الآخر هو المأكول والمشروب ونحو ذلك لنفع الطبع، وفيه يقع الحلال والحرام؛ فالحلال ما رزقه الله تعالى وأمر بالأخذ منه، والحرام ما رزقه الله تعالى ونهى عنه، وهو قسمة النار؛ ولا أعلم شيئاً أشد من كف الأذى وأكل الحلال. قوله: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ}[39] قال: الخلف عن الإنفاق، والأنس بالعيش مع الله تعالى، والسرور به.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [الآية: 39]. قال سهل: الخلف على الإنفاق والأنس بالعيش مع الله والسرور به.
القشيري
تفسير : منَ الخَلَف في الدنيا الرضا بالعَدَم والفقد، وهو أتمّ من السرور بالموجود؛ ومن ذلك الأنسُ بالله في الخلوة؛ ولا يكون ذلك إلا مع التجريد.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} كل عراف ينفق فى عشقه ومحبته قلبه وروحه فهو بذاته جل جلاله يخلف نفسه مكان قلبه وروحه فيفنى القلب عنه ويبقى الرب معه فاذا فنى صفات العارف فى صفات المعروف صار صفات المعروف صفته الا ترى الى قوله كيف قال الا يزال العبد يتقرب الىّ بالتوافل حتى احبه فاذا احببته كنت سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويده الذى يبطش بها وقلبه الذى يعقل به ولسانه الذى ينطق به قال سهل الخلف على الانفاق الالسن بالعيش مع الله والسرور به.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل ان ربى يبسط الرزق لمن يشاء من عباده} اى يوسعه عليه تارة {ويقدر له} اى يضيقه عليه تارة اخرى ابتلاء وحكمة ابتلاء وحكمة فهذا فى شخص واحد باعتبار وقتين وما سبق فى شخصين فلا تكرار {وما انفقتم من شئ} ما موصولة بمعنى الذى: وبالفارسية [آنجه] مبتدأ خبره قوله {فهو يخلفه} او شرطية بمعنى أى شئ: وبالفارسية [هرجه] نصب بقوله انفقتم ومن شئ بيان له وجواب الشرط قوله فهو يخلفه [والانفاق: نفقه كردن] يقال نفق الشئ مضى اما بالببيع نحو نفق البيع نفاقا وامابالموت نحو نفقت الدابة نفوقا واما بالفناء نحو نفقت الدراهم تنفق وانفقتها [والاخلاف: بدل بازدادن ازمال وفرزند] يقال اخلف الله له وعليه اذا بدل له ما ذهب عنه والمعنى الذى أو اى شئ انفقتم فى طاعة الله وطريق الخير والبر فالله تعالى يعطى خلفا له وعوضا منه اما فى الدنيا بالمال او بالقناعة التى هى كنز لا يفنى واما فى الآخرة بالثواب والنعيم او فيهما جميعا فلا تخشوا الفقر وانفقوا فى سبيل الله وتعرضوا لالطاف الله عاجلا وآجلا. وفى التأويلات النجمية وما انفقتم من شئ من الموجود او الوجود فهو يخلفه من الموجود الفانى بالموجود الباقى ومن الوجود المجازى بالوجود الحقيقى فمن الخلف فى الدنيا الرضى بالعدم والفقر صورة ومعنى وهم اتم من السرور بالموجود والوجود شعر : افتد هماى دولت اكر دركمندما از همت بلند رها ميكنيم ما تفسير : {وهو خير الرازقين} اى خير من اعطى الرزق فان غيره كالسلطان والسيد والرجل بالنسبة الى جنده وعبده وعياله واسطة فى ايصال رزقه ولا حقيقة لرازقيته والله تعالى يعطى الكل من خزائن لا تفنى. وفى التأويلات النجمية يشير الى انه خير المنفقين لان خيرية المنفق بقدر خيرية النفقة فما ينفق كل منفق فى النفقة فهو فان وما ينفق الله من نفقة ليخلفه بها فهى باقية والباقيات خير من الفانيات انتهى. قال فى بحر العلوم لما كانت اقامة مصالح العباد من اجل الطاعات واشرف العبادات لانها من وظيفة الانبياء والصالحين دلهم الله فى الآية على طرف منها حثا عليها كما قال عليه السلام حثا لامته عليها "حديث : الخلق كلهم عيال الله واحبهم اليه انفعهم لعياله" تفسير : قال العسكرى هذا على التوسع والمجاز كأن الله تعالى لما كان المتضمن لارزاق العباد والكافل بها كان الخلق كالعيال وفى الحديث "حديث : ان لله املاكا خلقهم كيف يشاء وصورهم على ما يشاء تحت عرشه ألهمهم ان ينادوا قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فى كل يوم مرتين ألا من وسع على عياله وجيرانه وسع الله عليه فى الدنيا والآخرة ألا من ضيق ضيق الله عليه ألا ان الله قد اعطاكم لنفقة درهم على عيالكم خير من سبعين قنطارا" تفسير : والقنطار كجبل احد وزنا "حديث : انفقوا ولا تخشوا ولا تضيقوا ولا تقتروا وليكن اكثر نفقتكم يوم الجمعة" تفسير : وفى الحديث "حديث : كل معروف صدقة وكل ما انفق الرجل على نفسه واهله كتب له به صدقة وما وقى الرجل به عرضه كتب له به صدقة" تفسير : ومعنى كل معروف صدقة ان الانفاق لا ينحصر فى المال بل يتناول كل بر من الاموال والاقوال والافعال والعلوم والمعارف وانفاق الواصلين الى التوحيد الحقانى والمعرفة الذاتية افضل واشرف لان نفع الاموال للاجساد ونفع المعارف للقلوب والارواح ومعنى ما وقى به عرضه ما اعطى الشاعر وذا اللسان المتقى وفى الحديث "حديث : ان لكل يوم نحسا فادفعوا نحس ذلك اليوم بالصدقة" تفسير : وفى الحديث "حديث : ينادى مناد كل ليلة لا دواء للموت وينادى آخر ابنوا للخراب وينادى مناد هب للمنفق خلفا وينادى مناد هب للممسك تلفا"تفسير : : قال الحافظ شعر : احوال كنج قارون كايام داد برباد باغنجه باز كوييد تازر نهان ندارد تفسير : وفى المثنوى شعر : آن درم دادن سخى را لا يقست جان سبردن خودسخاى عاشقست نان دهى ازبهر حق نانت دهند جان دهى از بهر حق جانت دهند هركه كارد كردد انبارش تهى ليكش اندر مزرعه باشد بهى وانكه در انبار ماند وصرفه كرد اشبش وموش وحوادثهاش خورد جملة در بازار زان كشـتند بند تاجه سود افتاد مال خود دهند تفسير : وفى الحديث "حديث : يؤجر ابن آدم فى نفقته كلها الا شيئا وضعه فى الماء والطين " تفسير : قال حضرة الشيخ صدر الدين القنوى فى شرح هذا الحديث اعلم ان صور الاعمال اعراض جواهرها مقاصد العمال وعلومهم واعتقاداتهم ومتعلقات هممهم وهذا الحديث وان كان من حيث الصيغة مطلقا فالاحوال والقرائن تخصصه وذلك ان بناء المساجد والرباطات ومواضع العبادات يؤجر البانى لها عليها بلا خلاف فالمراد بالمذكور هنا انما هو البناء الذى لم يقصد صاحبه الا التنزه والانفساح والاستراحة والرياء والسمعة واذا كان كذلك فمطمح همة البانى ومقصده لا يتجاوزه هذا العالم فلا يكون لبنائه ثمرة ونتيجة فى الآخرة لانه لم يقصد بما فعله امرا وراء هذه الدار فافعاله اعراض زائلة لا موجب لتعديها من هنا الى الآخرة فلا اثمار لها فلا اجر انتهى. اعلم ان العلماء تكلموا فى الانفاق والظاهر انه بحسب طبقات الناس. فمنهم من ينفق جميع ما ملكه توكلا على الله تعالى كما فعله الصديق لقوة يقينه. ومنهم من ينفق بعضه ويمسك بعضه لا للتنعيم بل للاتفاق وقت الحاجة. ومنهم من يقتصر على اداء الواجب. قال الغزالى رحمه الله الاكتفاء بمجرد الواجب حد البخلاء فلا بد من زيادة عليه لو شئت يسيرا فبين هذه الطبقات تفاوت فى الدرجات وقد اسلفنا الكلام على الانفاق فى اواخر سورة الفرقان فارجع اليه واعتمد عليه جعلنا الله واياكم من اهل البذل والاحسان بلا امساك وادّخار واخلف خيرا مما انفقنا فان خزائنه لا تفنى وبحر جوده زخار وهو المعطى المفيض كل ليل ونهار
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قل إِن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له} إنما كرره تزهيداً في المال، وحضًّا على إنفاقه في سبيل الله. ولذلك عقبه بقوله: {وما أنفقتم من شيءٍ فهو يُخلفه} إما عاجلاً في الدنيا إذا شاء، أو آجلاً في الآخرة، ما لم يكن إسرافاً، كنزهة لهو، أو في بنيان، أو معصية. وذكر الكواشي هنا أحاديث منها: "حديث : كُلُّ معروفٍ صدقةً، وكل ما أنفق الرجلُ على نفسِه وأهلِه صدقةٌ، وما وَقَى به الرجلُ عِرْضَهُ كُتِبت له بها صدقةً ـ وهو ما أعطى لشاعر، أو لذي اللسان المتَّقَى ـ وما أنفق المؤمنُ صدقة فعلى الله خلفها ضامناً، إلا ما كان من نفقةٍ في بُنيانٍ أو معصيةٍ"تفسير : .قلتُ: يُقيد النفقة في البنيان بما زاد على الحاجة والضرورة، وإلا فهو مأمور به، فيؤجر عليه. والله تعالى أعلم. {وهو خيرُ الرازقين} المطعمين؛ لأن كل مَن رزق غيره من سلطان، أو سيّد، أو زوج، أو غيره، فهو من رزق الله، أجراه على يد هؤلاء، وهو خالقُ الرزق، والأسباب التي بها ينتفع المرزوق بالرزق. وعن بعضهم؛ قال: الحمد لله الذي أوجده، وجعلني ممن يشتهي، فكم من مشتَهٍ لا يجد، وواجد لا يشتهي!. الإشارة: في الآية إشارة إلى منقبة السخاء، وإطلاق اليد بالعطاء، وهو من علامة اليقين، وخروج الدنيا من القلب. وذكر الترمذي الحكيم حديثاً طويلاً عن الزبير رضي الله عنه رأيت أن أذكره لكثرة فوائده مع مناسبته لهذا المعنى. قال: جئتُ حتى جلستُ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بطرف عمامتي من ورائي، ثم قال: "حديث : يا زبير إني رسول الله إليك خاصة، وإلى الناس عامة. أتدرون ما قال ربكم؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: قال ربكم حين استوى على عرشه ونظر إلى خلقه: عبادي أنتم خلقي وأنا ربكم، أرزاقكم بيدي، فلا تتعبوا فيما تكفلتُ لكم به، فاطلبوا مني أرزاقكم، وإليّ فارفعوا حوائجكم، انصُبُوا إليَّ أنفسَكم أصُبُّ عليكم أرزاقكم. أتدرون ما قال ربكم؟ قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم؛ أَنفق أُنفق عليك، وأوسع أُوسع عليك، ولا تضيق فأضيق عليك، ولا تَصُرّ فأصر عليك، ولا تخزُنُ فأخزنُ عليك، إن باب الرزق مفتوح من فوق سبع سماوات، متواصل إلى العرش، لا يغلق ليلاً ولا نهاراً، ينزل الله منه الرزق، على كل امرىء بقدر نيته، وعطيته، وصدقته، ونفقته، مَنْ أكثر أكثر عليه، ومَنْ أقل أقل عليه، ومَنْ أمسك أمسك عليه. يا زبير فكُل وأَطعم، ولا تُوك فيُوك عليك، ولا تحْصِ فيُحصَ عليك، ولا تقترّ فيقترْ عليك، ولا تعسر فيعسرْ عليك. يا زبير، إن الله يحب الإنفاق، ويبغض الإقتار، وإن السخاء من اليقين، والبخل من الشك، فلا يدخل النار مَن أيقن، ولا يدخل الجنة مَن شك. يا زبير؛ إن الله يُحب السخاوة، ولو بفلق تمرة، والشجاعة، ولو بقتل عقرب أو حية. يا زبير؛ إن الله يُحب الصبر عند زلزلة الزلازل، واليقين النفاذ عند مجيء الشهوات، والعقل الكامل عند نزول الشبهات. والورع الصادق عند الحرام والخبيثات. يا زبير؛ عظِّم الإخوان، وأجلّ الأبرار، ووقر الأخيار، وصل الجار، ولا تماشِ الفجار، تدخل الجنة بلا حساب ولا عقاب، هذه وصية الله إليّ، ووصيتي إليك ". تفسير : ثم ذكر توبيخه على الشرك فقال: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ...}.
الأعقم
تفسير : {قل} يا محمد {إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر} يضيق بحسب المصلحة {وما أنفقتم من شيء} أي أخرجتم من أموالكم في وجه البر {فهو يخلفه} أي يعطي في الدنيا والآخرة أما في الدنيا زيادة النعم وفي الآخرة ثواب الجنة، واختلفوا فمنهم من قال: هو في النفقة وأعمال البر والمباحات وما كان من غير إسراف، ومنهم من حمله على أعمال البر وهو اختيار أبي علي {وهو خير الرازقين} لأنه يعطي بمنافع عباده {وهو خير الرازقين} وأعلاهم رب العزة لأن كل ما رزق غيره من سلطان يرزق جنده، أو السيد يرزق عبيده، أو رجل يرزق عياله، فهو من رزق الله خالق الرزق وخالق الأسباب {ويوم نحشرهم جميعاً} الكفار الذين تقدم ذكرهم {ثم يقول للملائكة أهؤلاء} الكفار {إياكم كانوا يعبدون} في الدنيا وهو سؤال توبيخ {قالوا} يعني الملائكة {سبحانك} أي تنزيهاً لك عن الشرك {أنت ولينا من دونهم} لأن كلنا عبيد لك، فبيّنوا إثبات موالاة الله ومعادات الكفار {بل كانوا يعبدون الجن} يريدون الشياطين حيث أطاعوهم في عبادة غير الله، وقيل: صوّرت لهم الشياطين صورة قوم من الجن وقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها {أكثرهم بهم مؤمنون} يعني أكثر الغواة يطيعون الشياطين في معصيته {فاليوم لا يملك بعضكم لبعض} أي يجازيهم الله فلا يملك أحد منهم لصاحبه {نفعاً ولا ضرّاً ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار الذي كنتم بها تكذّبون} {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} على هؤلاء الكفار بسائر الحجج، وقيل: القرآن الذي جاء به {قالوا ما هذا} أي محمد {إلاَّ رجل يريد أن يصدكم} يمنعكم {عما كان يعبد آباؤكم} ولذلك فزعوا إلى تقليد الآباء {وقالوا ما هذا} يعني القرآن الذي جاء به {إلا إفك مفترى} قيل: الإِفك الكذب، والمفترى الذي افتراه غيره {وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين} {وما آتيناهم من كتب} ولا حجة في صحة ما رموك به أو ما آتيناهم من كتب {يدرسونها} فيها برهان على صحة الشرك {وما أرسلنا إليهم قبلك} يا محمد {من نذير} يعني ما آتاهم رسول بصحة ما ادعوه من الشرك فهم لا يرجعون في ذلك إلا إلى الجهل وتقليد الآباء {وما بلغوا معشار ما آتيناهم} أي لم يبلغ الكفرة الذين بعث اليهم محمد عشر ما أوتي الأمم من القوة قبلهم {فكذبوا رسلي فكيف كان نكير} نكيري عليهم بالهلاك نحو عاد وثمود.
الهواري
تفسير : {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} وهي مثل الأولى وقد فسّرناها. {وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ} أي: في طاعة الله {فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}. ليس يعني أنه إذا أنفق شيئاً أخلف له مثله، ولكن يقول: الخلف كله من الله أكثر مما أنفق وأقلّ، أي: ليس بخلف النفقةَ ويرزق العبادَ إلا اللهُ. وقال بعضهم: يُخلفه خيراً في الآخرة، أي: يعوّضكم منه الجنّة. وبلغنا عن مجاهد أنه قال: لا ينفقن أحدكم كل ما في يده فيتأول هذه الآية: {وَمَآ أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ}. ذكروا حديث : عن خارجة بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه عن جده أنه لما تِيبَ عليه جاء بماله كله إلى النبي صلى الله عليه وسلم صدقة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك شطره فهو خير لك . تفسير : قوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} يعني المشركين وما عبدوا {ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَؤُلآءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} على الاستفهام، وهو أعلم بذلك منهم {قَالُوا} أي: قالت الملائكة {سُبْحَانَكَ} ينزهون الله عمّا يقول المشركون {أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم} أي: إنا لم نكن نواليهم على عبادتهم إيانا. {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ} أي الشياطين من الجن هي التي دعتهم إلى عبادتنا ولم ندعهم إلى عبادتنا، فهم بطاعتهم الشياطين عابدون لهم. كقوله: (أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ) تفسير : [يس: 60]، وكقوله: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلآ إنَاثًا} أي: شيئاً ليس فيه روح، يعني أوثانهم (أية : وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً) تفسير : [النساء: 117]. قال: {أَكْثَرُهُم} يعني جماعة المشركين {بِهِم} أي: بالشياطين {مُّؤْمِنُونَ} أي: مصدّقون بما وسوسوا إليهم من عبادة من عبدوا فعبدوهم. قال الله: {فَاليَوْمَ} يعني يوم القيامة {لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً} أي: الشياطين والكفار {وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا} أي: أشركوا {ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} وهم جيمعاً قرناء في النار: الشياطين ومن أضلوا يلعن بعضهم بعضاً ويبرأ بعضهم من بعض.
اطفيش
تفسير : {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له} أي لمن يشاء فالانسان الواحد تارة يبسط له وتارة يضيق عليه او الضمير لمن يشاء على طريق الاستخدام فيعود لمن يشاء التضييق عليه غير الذي أراد البسط له والوجه الاول اولى لئلا تتكرر هذه الاية مع ما مر وفي الوجه الثاني تكرير معه للتأكيد وعليه الشيخ هود. {وما أنفقتم من شيء} حال من مفعول انفقتم أي وما أنفقتموه وان جعل ما مفعولا مقدما وهو اولى واصح كان قوله من شيء نعتا لما ولو اشتهر انما لا تكون منعوتة. {فهو يخلفه} لكم في الدنيا وفي الاخرة لكون الانفاق لوجه الله وكثيرا ما يكون الانفاق بغير نية الخير ولا الشر سببا للخلف في الدنيا وتارة ينفق الانسان بنية الخير ويخلف له في الاخرة فقط ومن الخلف عطاء القناعة فانها كنز لا ينفد. وقال مجاهد المراد بهذا الخلف الخلف في الآخرة فلا ينفق احدكم جميع ما بيده اعتمادا على الآية ويبقى طول عمره فقيرا يتكلف فينفق الانسان على قدر ماله ولا يجوز لاحد ان يعطي جميع ماله ويبقى سائلا فان فعل صح للمعطي وقيل يرد له كله وقيل ثلثاه وقيل لا اثم عليه ان يبقى له مالا يستغني عنه في الوقت وقيل ان بقي غداءه وعشاءه ولباسه، وقيل قوت مقدار ما يستفيد فيه من السوق ان كان سوقيا وما يوصله لبلده ان كان مسافرا وما يوصل الى علة ان كان من أهل الاصل وأهل البادية على قدر ذلك. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى حديث : انفق ينفق عليك تفسير : وفي رواية حديث : يا ابن آدم انفق انفق عليك . تفسير : وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : ما من يوم يصبح العباد فيه الا وملكان ينزلان وفي رواية يطلعان مع الشمس فيقول احدهما اللهم اعط منفقا خلفاتفسير : ، وفي رواية حديث : عجل للمنفق خلفا والاخر. اللهم اعط ممسكا تلفا . تفسير : وعن ابي كبشة الانصاري - رضي الله عنه - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث : ثلاث اقسم الله عليهن واحدثكم حديثا فاحفظوه ما نقص مال عبد من صدقة ولا ظلم عبد مظلمة فصبر الا زاده عزا ولا فتح عبد بابا لمسألة الا فتح الله له باب فقر وما تواضع عبد الا رفعه الله ولما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية اذ نزلت جاء رجل بماله صدقة فقال صلى الله عليه وسلم امسك عليك شطره فهو خير لك . تفسير : {وهو خير الرازقين} فان غيره ممن يجري الرزق على يده بان كان ينفق على غيره كولد وزوجة وقريب ولو كان رازقا لكن بمعنى جار الرزق على يده وهو من الله.
اطفيش
تفسير : {قُل إنَّ ربِّي يبْسَط الرِّزق لمَن يشاء مِن عبادِهِ ويقْدر لهُ} يضيق لمن يشاء الضيق له، فلا تخافوا الفقراء، وأنفقوا فى سبيل الله تعالى، وهذا وعظ وتزهيد فى الدنيا، وحَض على التقرب الى الله عز وجل، وما هنالك للرد على الكفرة، وهاء له عائدة لمن يشاء على الاستخدام لا له خصوصا، ويجوز أن تكون له خصوصاً بمعنى يبسط الرزق للشخص تارة، ويقدر له بعينه أخرى فخالف الأول بهذا أيضا، وربما يتقوى هذا لعدم ذكر له فى الأول، أو الأول يعم هذا وغيره كما مر. {وما أنْفقْتُم مِن شيء} فى سبيل الله، ومن البيان على قصد العموم، وحكمته الإشارة الى أنه يجازى ولو على القليل، لا حاجة ولا دليل الى جعل ما اسماً موصولا، لأن الأصل فى الموصول عهد الصلة لا الجنس، وعدم التضمين لا التضمين، وعدم زيادة الفاء، وقس على هذا ما أشبهه من هذا الباب وغيره، وإنما يصار الى ذلك لو وجد دليل، مثل أن يرفع المضارع بعده، ويقرن الخبر بالفاء، بل مع هذا تقرير بعد الفعل، فتكون من الشرطية أولى مثل قوله تعالى: "ومَنْ عَادَ فينتقم الله منه" أى فهو ينتقم الله منه. {فَهُو يخْلِفُه} بجنسه أو غير جنسه فى الدنيا والآخرة، أو فى إحداهما، أو بالقناعة التى هى كنز لا يفنى، وصورة أن ينفق المسلم شيئا فيخلف عليه فى الدنيا فقط، أن يقصد بإنفاقه الخلف فى الدنيا ولم يقصد الآخرة، ومع هذا فإن شاء الله لم يخلف له فى الدنيا، ويخلف له فى الدنيا، ويخلف له فى الآخرة باعتبار الصلاح الذى له، كما ورد فى الدعاء بشىء يخلف الله عز وجل غير الشىء، لأنه الأصلح له، وأما أن يخلف له فى الآخرة لا بذك الاعتبار فلا، لأنه لم ينوها، وقيل: المقصود فى الآية الخلف فى الآخرة. روى البخارى ومسلم، عن أبى هريرة، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيه فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: الله أعط ممسكاً تلفا" تفسير : وروى البيهقى، عن جابر بن عبد الله، عن النبى صلى الله عليه وسلم: "حديث : كل ما أنفق العبد نفقة فعلى الله خلفها ضامنا إلا نفقة في بنيان لا يحتاج إليه أو معصية" تفسير : وروى البخارى، عن أبى هريرة، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : قال الله عز وجل: أنفق يا ابن آدم أنفق عليك ". تفسير : وروى الترمذى عنه مرفوعا: "حديث : إن المعونة تنزل من السماء على قدر المئونة"تفسير : وروى الزبير مرفوعا قال الله تعالى: "حديث : أنفق أنفق عليك، ووسع أوسع عيك، ولا تضيق أضيق عليك، ولا تصر فأصر عليك، ولا تخزن فأخزن عليك إن باب الرزق مفتوح من فوق سبع سماوات متواصل إلى العرش، لا يغلق ليلا ولا نهارا، ينزل الله تعالى منه الرزق على كل امرىء بقدر نيته وعطيته،وصدقته ونفقته، فمن أكثر أكثر له ومن أمسك أمسك عليه، يا زبير فكل وأطعم ولا توكىء عليك، ولا تحص فيحصى عليك، ولا تقتر فيقتر عليك، ولا تعسر فيعسر عليك ".تفسير : وعن مجاهد: اقتصد فى النقة إن قل مالك، ولا تأول هذه الآية فإن الرزق مقسوم، ولعل ما قسم لك قليل وأنت تنفق نفقة الموسع عليه، وربما أنفق الإنسان ماله كله ولم يخلف فى الدنيا حتى يموت، فكأنه أراد قوله تعالى: "أية : ولا تجعل يدك"تفسير : [الإسراء: 29] الخ، وقد اختار بعض الفقير الصالح على الغنى الصالح لقوله تعالى: "أية : إن الإنسان ليطغى * أن رآه اسْتَغنى"تفسير : [العلق: 6 - 7] أخبر أن الغنى يحمله على الطغيان، وقوله تعالى: "أية : وما نراك اتَّبعك إلا الذين هم أراذلنا"تفسير : [هود: 27] فأخبره الله تعالى أن الفقراء هم الذين يتبعون الأنبياء. وعن أبان، عن أنس بن مالك، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : لكل أحد حرفة وحرفتي اثنتان الفقر والجهاد، فمن أحبهما فقد أحبني، ومن أبغضهما فقد أبغضني" تفسير : عن أبى هريرة، عنه صلى الله عليه وسلم: "حديث : اللهم من أحبنى فارزقه العقاف والكفاف، ومن أبغضنى فأكثر ماله وولده" تفسير : وعن مجاهد عن ابن عمر: ما اصاب عبد من الدنيا إلا نقص من درجته عند الله تعالى، ولو كان كريما عند الله، وعن عيسى بن مريم عليه السلام، "الفقر مشقة فى الدنيا، مسرة فى الآخرة، والغنى مسرة فى الدنيا، مشقة فى الآخرة" وعن أنس أنه صلى الله عليه وسلم قال: "حديث : اللهم أحيينى مسكينا وأمتنى مسكيناً واحشرنى فى زمرة المساكين" تفسير : قيل: ولم ذلك يا رسول الله؟ قال: "حديث : لأنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين عاماً" تفسير : ويناسب ذلك أن الغنى يتمنى عند موته أنه فقير، ولا يتمنى الفقير أنه غنى، ولو لم يكن للفقير فضيلة سوى أن حسابه فى الآخرة أخف لكانت حجة قيل: شعر : دليلك أن الفقر خير من الغنى وأن قليل المال خير من المُثْرى لقاءك مخلقاً عصى الله بالغنى ولم تر مخلوقاً عصى الله بالفقر تفسير : أى عصاه لأنه أحب الفقر ولم يجده كما قيل: شعر : يا عائب الفقر الأ تنزجر عيب الغنى أكبر لو تعتبر إنك تعصى لتنال الغنى ولست تعصى الله كى تفتقر تفسير : ووجه تفضيل الفقر مشقة صاحبه، مشقة ليست فى إعطاء الغنى حق المال وزيادة، ولا شك أن الحرام كثر الآن والشبه، فالفقر أفضلُ وقد يكون الخلاف لفظيا {وهُو خَيْر الرَّازقين} يكثره ويجعله بغير حساب، ويطلق لفظ الرازق على غير الله حقيقة، وقيل مجازا.
الالوسي
تفسير : {قُلْ إِنَّ رَبّى يَبْسُطُ ٱلرّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ } أي يوسعه سبحانه عليه تارة ويضيقه عليه أخرى فلا تخشوا الفقر وأنفقوا في سبيل الله تعالى وتقربوا لديه عز وجل بأموالكم / وتعرضوا لنفحاته جل وعلا، فمساق الآية للوعظ والتزهيد في الدنيا والحض على التقرب إليه تعالى بالإنفاق وهذا بخلاف مساق نظيرها المتقدم فإنه للرد على الكفرة كما سمعت، وأيضاً ما سبق عام وما هنا خاص في البسط والتضييق لشخص واحد باعتبار وقتين كما يشعر به قوله تعالى هنا {لَهُ } وعدم قوله هناك، والضمير وإن كان في موضع من المبهم إلا أن سبق النظير خالياً عن ذلك وذكر هذا بعده مشتملاً عليه كالقرينة على إرادة ما ذكر فلا تغفل. {وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْء } يحتمل أن تكون (ما) شرطية في موضع نصب بأنفقتم وقوله تعالى: {فَهُوَ يُخْلِفُهُ } جواب الشرط، ويحتمل أن تكون بمعنى الذي في موضع رفع بالابتداء والجملة بعد خبره ودخلت الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، و {مِن شَىْء } تبيين على الاحتمالين، ومعنى {يُخْلِفُهُ } يعطي بدله وما يقوم مقامه عوضاً عنه وذلك إما في الدنيا بالمال كما هو الظاهر أو بالقناعة التي هي كنز لا يفنى كما قيل، وإما في الآخرة بالثواب الذي كل خلف دونه وخصه بعضهم بالآخرة، أخرج الفريابـي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبـي حاتم عن مجاهد قال: إذا كان لأحدكم شيء فليقتصد ولا يتأول هذه الآية {وَمَا أَنفَقْتُمْ مّن شَىْء فَهُوَ يُخْلِفُهُ } فإن الرزق مقسوم ولعل ما قسم له قليل وهو ينفق نفقة الموسع عليه، وأخرج من عدا الفريابـي من المذكورين عنه أنه قال في الآية: أي ما كان من خلف فهو منه تعالى وربما أنفق الإنسان ماله كله في الخير ولم يخلف حتى يموت، ومثلها {أية : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا }تفسير : [هود: 6] يقول ما آتاها من رزق فمنه تعالى وربما لم يرزقها حتى تموت، والأول أظهر لأن الآية في الحث على الإنفاق وأن البسط والقدر إذا كانا من عنده عز وجل فلا ينبغي لمن وسع عليه أن يخاف الضيعة بالاتفاق ولا لمن قدر عليه زيادتها. وقوله تعالى: {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرٰزِقِينَ } تذييل يؤيد ذلك كأنه قيل: فيرزقه من حيث لا يحتسب. وقد أخرج الشيخان عن أبـي هريرة قال: «حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر اللهم أعط ممسكاً تلفاً»تفسير : وأخرج البيهقي في «شعب الإيمان» عن جابر بن عبد الله عن النبـي صلى الله عليه وسلم قال: «حديث : كل ما أنفق العبد نفقة فعلى الله تعالى خلفها ضامناً إلا نفقة في بنيان أو معصية»تفسير : . وأخرج البخاري وابن مردويه عن أبـي هريرة أن رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: «حديث : قال الله عز وجل أنفق يا ابن آدم أنفق عليك»تفسير : وأخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» عنه قال: «حديث : قال عليه الصلاة والسلام إن المعونة تنزل من السماء على قدر المؤونة»تفسير : وفي حديث طويل عن الزبير قال الله تبارك وتعالى: «حديث : أنفق أنفق عليك وأوسع أوسع عليك ولا تضيق أضيق عليك ولا تصر فأصر عليك ولا تخزن فأخزن عليك إن باب الرزق مفتوح من فوق سبع سماوات متواصل إلى العرش لا يغلق ليلاً ولا نهاراً ينزل الله تعالى منه الرزق على كل امرىء بقدر نيته وعطيته وصدقته ونفقته فمن أكثر أكثر له ومن أقل أقل له ومن أمسك أمسك عليه يا زبير فكل وأطعم ولا توكي فيوكى عليك ولا تحصي فيحصى عليك ولا تقتر فيقتر عليك ولا تعسر فيعسر عليك»تفسير : الحديث. ومعنى الرازقين الموصلين للرزق والموهبين له فيطلق الرازق حقيقة على الله عز وجل وعلى غيره ويشعر بذلك {أية : فَٱرْزُقُوهُمْ مّنْهُ} تفسير : [النساء: 8] نعم لا يقال لغيره سبحانه رازق فلا إشكال في قوله تعالى: {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرٰزِقِينَ } ووجه الأخيرية في غاية الظهور؛ وقيل إطلاق الرازق على غيره تعالى مجاز باعتبار أنه واسطة في إيصال رزقه تعالى فهو رازق صورة فاستشكل أمر التفضيل بأنه لا بد من مشاركة المفضل للمفضل عليه في أصل الفعل حقيقة لا صورة. / وأجاب الآمدي بأن المعنى خير من تسمى بهذا الاسم، وأطلق عليه حقيقة أو مجازاً وهو ضرب من عموم المجاز.
ابن عاشور
تفسير : أتبع إبطال أن تكون الأموال والأولاد بذاتهما وسيلة قرب لدى الله تعالى ردّاً على مزاعم المشركين بما يشبه معنى الاستدراك على ذلك الإِبطال من إثبات انتفاع بالمال للتقرب إلى رضَى الله إن استعمل في طلب مرضاة الله تفضيلاً لما أشير إليه إجمالاً من أن ذلك قد يكون فيه قربة إلى الله بقوله: { أية : إلا من آمن وعمل صالحاً } تفسير : [سبأ: 37] كما تقدم. وقوله: {قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له} تقدم نظيره قريباً تأكيداً لذلك وليبنَى عليه قوله: {وما أنفقتم من شيء} الآية. فالذي تقدم ردٌّ على المشركين، والمذكور هنا ترغيب للمؤمنين، والعبارات واحدة والمقاصد مختلفة. وهذا من وجوه الإِعجاز أن يكون الكلام الواحد صالحاً لغرضين وأن يتوجه إلى طائفتين. ولما كان هذا الثاني موجهاً إلى المؤمنين أشير إلى تشريفهم بزيادة قوله: {من عباده} أي المؤمنين، وضمير {له} عائد إلى {من}، أي ويقدر لمن يشاء من عباده. ومفعول {يقدر} محذوف دلّ عليه مفعول {يبسط}. وكان ما تقدم حديثاً عن بسط الرزق لغير المؤمنين فلم ينعموا بوصف {من عباده} لأن في الإِضافة تشريفاً للمؤمنين، وفي هذا امتنان على الذين يبسط عليهم الرزق بأن جمع الله لهم فضل الإِيمان وفضل سعة الرزق، وتسلية للذين قدر عليهم رزقهم بأنهم نالوا فضل الإِيمان وفضل الصبر على ضيق الحياة. وفي تعليق {له} بــــ{يقْدر} إيماء إلى أن ذلك القَدْر لا يخلو من فائدة للمقدور عليه رزقُه، وهي فائدة الثواب على الرضى من قسم له والسلامة من الحساب عليه يوم القيامة. وفي الحديث « حديث : ما من مصيبة تصيب المؤمن إلا كُفِّر بها عنه حتى الشوكةُ يُشاكُها » تفسير : . ولولا هذا الإِيماء لقيل: ويقدر عليه، كما قال: { أية : ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه اللَّه } تفسير : [الطلاق: 7]. وأما حال الكافرين فإنهم ينعم على بعضهم برزق يحاسبون عليه أشد الحساب يوم القيامة إذ لم يشكروا رازقهم، ويُقدر على بعضهم فلا يناله إلا الشقاء. وهذا توطئة لقوله: {وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه} حثاً على الإِنفاق. والمراد الإِنفاق فيما أذن فيه الشرع. وهذا تعليم للمسلمين بأن نعيم الآخرة لا ينافي نعيم الدنيا، قال تعالى: { أية : ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا } تفسير : [البقرة: 201 - 202]. فأما نعيم الدنيا فهو مسبب عن أحوال دنيوية رتبها الله تعالى ويسّرها لمن يسّرها في علمه بغيبه، وأما نعيم الآخرة فهو مسبب عن أعمال مبينة في الشريعة وكثير من الصالحين يحصل لهم النعيم في الدنيا مع العلم بأنهم منعَّمون في الآخرة كما أنعم على داود وسليمان وعلى كثير من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وكثير من أيمة الدين مثل مالك بن أنس والشافعي والشيخ عبد الله بن أبي زيد وسحنون. فأما اختيار الله لنبيئه محمد صلى الله عليه وسلم حالة الزهادة في الدنيا فلتحصل له غايات الكمال من التمحّض لتلقي الوحي وجميل الخصال ومن مساواة جمهور أصحابه في أحوالهم، وقد بسطناه بياناً في رسالة طعام رسول الله عليه السلام. وأعقب ذلك بترغيب الأغنياء في الإِنفاق في سبيل الله فجعل الوعد بإخلاف ما ينفقه المرء كناية عن الترغيب في الإِنفاق لأن وعد الله بإِخلافه معَ تأكيد الوعد يقتضي أنه يحب ذلك من المنفقين. وأكد ذلك الوعد بصيغة الشرط وبجعل جملة الجواب اسمية وبتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي بقوله: {فهو يخلفه}، ففي هذا الوعد ثلاثة مؤكدات دالة على مزيد العناية بتحقيقه لينتقل من ذلك إلى الكناية عن كونه مرغوبه تعالى. و{من شيء} بيان لما في {ما} من العموم، وجملة {وهو خير الرازقين} تذييل للترغيب والوعد بزيادة، لبيان أن ما يخلفه أفضل مما أنفقه المنفق. {خير} بمعنى أخير لأن الرزق الواصل من غيره تعالى إنما هو من فضله أجراه على يد بعض مخلوقاته فإذا كان تيسيره برضى من الله على المرزوق ووعد به كان ذلك أخلق بالبركة والدوام، وظاهر الآية أن إخلاف الرزق يقع في الدنيا وفي الآخرة. والمراد بالإِنفاق: الإِنفاق المرغب فيه في الدين كالإِنفاق على الفقراء والإِنفاق في سبيل الله بنصر الدين. رَوى مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: « حديث : يقول الله تعالى: يا بن آدم أَنفق أُنفق عليك »تفسير : . قال ابن العربي: قد يعوّض مثله أو أزيد، وقد يعوض ثواباً، وقد يدخر له وهو كالدعاء في وعد الإِجابة» ا هــــ. قلت: وقد يعوّض صحة وقد يعوّض تعميراً. ولله في خلقه أسرار.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلرَّازِقِينَ} (39) - وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلنَّاسِ: إِنَّ اللهَ تَعَالى هُوَ الذِي يُقَسِّمُ الرِّزْقَ بَيْنَ النَّاسِ، فَيُوسِّعُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ حِيناً، وَيُضَيِّقُ عَلَيهِ حِيناً آخَرَ لِحِكْمَةٍ يَراها، فَلاَ تَخْشَوا الفَقْرَ، وَأَنفِقُوا فِي سِبيلِ اللهِ، وَتَقَرَّبُوا إِليهِ بِأَمْوَالِكُمْ لتَنَالُوا رِضَاهُ. وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفقةٍ في وَجهٍ، أَمَرَكُمُ اللهُ بِالإِنْفَاقِ فيهِ، أَوْ أَباَحَهُ لَكُمْ، فَهُوَ يُعَوِّضُها عَلَيكُمْ بَدَلاً مِنْهَا مَالاً فِي الدنيا، وثَوَاباً فِي الآخِرَةِ، وَاللهُ تَعَالى خَيْرُ الرَّازِقِينَ، فَيَرزُقُكُمْ مِنْ حَيثُ لاَ تَحْتَسِبُونَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قلنا: يبسط يعني يُوسِّع. ويقدر يعني: يُضيق، وقد ورد هذا المعنى قبل عدة آيات، لكن هنا يضيف لفتة جديدة، فيقول سبحانه بعدها مباشرة {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} [سبأ: 39] وكأن الحق سبحانه يلفت أنظارنا إلى أن الخَلْق جميعاً خَلْقه وعباده، وهو قادر سبحانه أنْ يعطي الجميع، وأنْ يُوسِّع على الجميع، لكن يريد أنْ يتحابَّ الخَلْق، وأنْ يتكافل الناس؛ لذلك وسَّع على بعضهم، وضَيَّق على بعضهم، ثم أشار لمن وسَّع عليه ولوَّح له بجزاء الإنفاق، لينفق على أخيه الذي ضُيَّق عليه. وهذه الآية تعطينا ملخصاً لاقتصاد العالم كله؛ لأن معنى الاقتصاد موازنة المصروفات بالواردات، فالمصروفات لمصروف له، والواردات لوارد عليه، إذن: لا بُدَّ أن يكون في المكان الواحد فئة تعطي وفئة تأخذ، لا بُدَّ أن يكون فيها فقراء وأغنياء، لذلك الحق سبحانه لم يترك بَسْطة الغنى هكذا حرة، كذلك لم يترك تقتير الفقير، بل جعل لهذا مَبْذلاً، ولهذا مصدراً. فبعد أن أخبر سبحانه: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ} [سبأ: 39] حكمها فقال: {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [سبأ: 39] فالحق سبحانه يراعي مبدأ النفعية لصاحب المال، ويراعب حب الأغنياء للمال؛ لذلك يطمئنهم على أموالهم، ويتكفَّل هو سبحانه بأنْ يخلفها لهم. والحق سبحانه بسط الرزق للأغنياء وهم يحبون المال ولكنه يقول لهم: إذا أُحِلْت على غنى فاتبع، يعني: إنْ كان لك دَيْن عند فقير فأحالك بدينك إلى غنى قادر على السداد فتحوَّل؛ لأنك لا تضمن متى سيُوسِّع الله على الفقير ليُسدِّد ما عليه. وهكذا طمأن اللهُ الأغنياءَ بأنّ أموالهم لن تنقص بالإنفاق؛ لأنها أحيلت إلى الله وتكفَّل هو بالسداد. لذلك يعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول: "حديث : ليس لك من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبستَ فأبليتَ، أو تصدقْتَ فأبقيْتَ ". حديث : ولما أُهديَتْ لرسول الله صلى الله عليه وسلم شاة تصدَّقَتْ بها السيدة عائشة، وأبقَتْ لرسول الله كتفها؛ لأنها تعلم أنه يحب الكتف، فلما عاد رسول الله سألها: ماذا صنعت بالشاة يا عائشة؟ قالت: ذهبتْ كلُّها إلا كتفها، فقال صلى الله عليه وسلم: "بل بقيَتْ كلها إلا كتفها" ". تفسير : لماذا؟ لأنه مال تحوَّل إلى ذمة الله، وقد تعهد الله بأنْ يُخلفه، وما بالك إنْ كان الإخلاف من الله القائل: {أية : وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ} تفسير : [النساء: 86]. وأنت حييْتَ الله في الفقير بتحية فلا بُدَّ أن يردَّها لك بأحسن منها، بل ويُضاعفها لك أضعافاً كثيرة بما يفوق الحَصْر والعَدَّ، ومثَّلْنا لذلك بالحبة يزرعها الفلاح، فتُعطي سبع سنابل، في كل سنبلة مائة حبة، فإذا كان هذا عطاء الأرض المخلوقة لله تعالى، فما بالك بعطاء الخالق عز وجل؟ فقوله تعالى: {فَهُوَ يُخْلِفُهُ} [سبأ: 39] يريد سبحانه أنْ يُطمئن الغنيَّ بأن ماله لن ينقص، ويُطمئن الفقير بأنه لن يتخلَّى عنه، ولن يتركه للفقر، بدليل أنه سبحانه اقترض من أجله، فقال تعالى: {أية : مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقْرِضُ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً} تفسير : [البقرة: 245] فالله يقترض من الخَلْق للخَلْق، وهو قادر سبحانه أن يُوسِّع على الجميع، إنما الهدف أنْ يتعايش الناس بوداد المعونة، وأنْ يحب الغنيُّ الفقيرَ، ولا يحقد الفقير على الغني. لذلك تُختم الآية بقوله تعالى: {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} [سبأ: 39] قال سبحانه خير الرازقين؛ لأن الرازق: كل مَنْ يمدُّ لك يده بما تنتفع به، وعليه فأبوك بالنسبة لك رازق، والذي يعولك ويتكفَّل بك رازق، كذلك ربُّك عز وجل رازق، لكن فَرْق بينهما، فأبوك رازق؛ لأنه يأتي لك بالرزق، لكن إنْ سألته من أين هذا الرزق يقول: من عند الله، فهو سبب ومناول، أما الحق سبحانه فهو خالق الرزق؛ لذلك قال {وَهُوَ خَيْرُ ٱلرَّازِقِينَ} [سبأ: 39]. وسبق أنْ أوضحنا: إذا رأيتَ صفة مشتركة بين الخَلْق والخالق فاعلم أن الجهة مُنفكّة، فلكلٍّ ما يناسبه. إذن: حيثية الخيرية هنا أنه تعالى هو الرازق، وهو خالق الرزق، وهو الذى يُيسِّر لك أسبابه حتى يصل إليك. وقالوا: خيرية الله في الرزق ناشئة من ثلاث مسائل: الأولى: أنه سبحانه لا يُؤجِّل الرزق لوقت الحاجة إليه، إنما خلقه لك قبل أنْ يخلقك، وأعدَّ لك مُقوِّمات الحياة قبل أنْ يستدعيك إليها. الثانية: أنه لا يحاسبك على ما رزقك. الثالثة: لا يطلب منك ثواباً على ما وهبك. لهذا كله كان الحق سبحانه وما يزال خير الرازقين، وتأمل مثلاً فرعون لما ربَّى موسى عليه السلام امتنَّ عليه، فقال: {أية : أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 18]. والمعنى: كان ينبغي عليك يا موسى أنْ تُجاملنا، وتحفظ جميلنا عليك، وألاَّ تصادمنا هذا الصدام. ومثل ذلك قول الحق سبحانه وتعالى: {أية : حَتَّىٰ يَحْكُمَ ٱللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ ٱلْحَاكِمِينَ} تفسير : [يونس: 109]. وقوله تعالى: {أية : .. فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ} تفسير : [المؤمنون: 14]. في هذه الآيات كلها، الحق - تبارك وتعالى - راعَى مواهب الخَلْق وقدَّر حركتهم الإيجابية في الحياة؛ لذلك أثبتَ لهم صفة من صفاته وهي الخَلْق، ومعنى الخَلْق إيجاد شيء لم يكُنْ موجوداً، فالإنسان يُعَدُّ خالقاً حين يصنع من الرمل (الكريستال) مثلاً: والحق سبحانه لا يضنّ عليه فيسميه خالقاً، لكن إنْ كان الإنسان خالقاً، فالحق - سبحانه وتعالى - أحسن الخالقين، لماذا؟ قالوا: حيثيات هذه الخيرية في عملية الخَلْق من عدة وجوه: منها: أولاً: أن الإنسان يَخلق من مادة موجودة، أما الخالق سبحانه فيخلق من لا شيء من العدم. ثانياً: صنعة الإنسان تظل على حالة واحدة، فلا تنمو ولا تتكاثر، أما خَلْق الله ففيه حياة، فهو يتغذَّى وينمو ويتكاثر .. الخ. ثم يقول الحق سبحانه: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {وَيَقْدِرُ} معناه وَيقْدِرُ من قولهِ: {أية : وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} تفسير : [الطلاق: 7].
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير : 783 : 5 : 6 - سفين عن عمرو بن قيس الملائي عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير في قوله {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} قال، في غير إسراف ولا تقتير. [الآية 39]. 784 : 6 : 7 - سفين عن أبي يونس عن مجاهد قال، لا يتأول أحدكم هذه الآية {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} يعني أن يسرف في ماله فينفقه، فإِن الرزق مقسوم.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):