٣٤ - سَبَأ
34 - Saba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
40
Tafseer
الرازي
تفسير : لما بين أن حال النبـي صلى الله عليه وسلم كحال من تقدمه من الأنبياء، وحال قومه كحال من تقدم من الكفار، وبين بطلان استدلالهم بكثرة أموالهم وأولادهم، بين ما يكون من عاقبة حالهم فقال: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } يعني المكذبين بك وبمن تقدمك، ثم نقول لمن يدعون أنهم يعبدونهم وهم الملائكة، فإن غاية ما ترتقي إليه منزلتهم أنهم يقولون نحن نعبد الملائكة والكواكب، فيسأل الملائكة أهم كانوا يعبدونكم! إهانة لهم، فيقول كل منهم سبحانك ننزهك عن أن يكون غيرك معبوداً وأنت معبودنا ومعبود كل خلق، وقولهم: {أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ } إشارة إلى معنى لطيف وهو أن مذاهب الناس مختلفة؛ بعضهم لا يسكن المواضع المعمورة التي يكون فيها سواد عظيم، لأنه لا يترأس هناك فيرضى الضياع والبلاد الصغيرة، وبعضهم لا يريد البلاد الصغيرة لعدم اجتماعه فيها بالناس وقلة وصوله فيها إلى الأكياس، ثم إن الفريقين جميعاً إذا عرض عليهم خدمة السلطان واستخدام الأرذال الذين لا التفات إليهم أصلاً يختار العاقل خدمة السلطان على استخدام من لا يؤبه به، ولو أن رجلاً سكن جبلاً ووضع بين يديه شيئاً من القاذورات واجتمع عليه الذباب والديدان، وهو يقول هؤلاء أتباعي وأشياعي، ولا أدخل المدينة مخافة أن أحتاج إلى خدمة السلطان العظيم والتردد إليه ينسب إلى الجنون، فكذلك من رضي بأن يترك خدمة الله وعبادته، ورضي باستتباع الهمج الذين هم أضل من البهائم وأقل من الهوام يكون مجنوناً، فقالوا: {أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ } يعني كونك ولينا بالمعبودية أولى، وأحب إلينا من كونهم أولياءنا بالعبادة لنا وقالوا: {بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ } أي كانوا ينقادون لأمر الجن، فهم في الحقيقة كانوا يعبدون الجن، ونحن كنا كالقبلة لهم، لأن العبادة هي الطاعة وقوله تعالى: {أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ } لو قال قائل جميعهم كانوا تابعين للشياطين، فما وجه قوله: {أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ } فإنه ينبـىء أن بعضهم لم يؤمن بهم ولم يطع لهم؟ نقول الجواب عنه من وجهين أحدهما: أن الملائكة احترزوا عن دعوى الإحاطة بهم فقالوا أكثرهم لأن الذين رأوهم واطلعوا على أحوالهم كانوا يعبدون الجن ويؤمنون بهم ولعل في الوجود من لم يطلع الله الملائكة عليه من الكفار الثاني: هو أن العبادة عمل ظاهر والإيمان عمل باطن فقالوا: {بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ } لاطلاعهم على أعمالهم وقالوا: {أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ } عند عمل القلب لئلا يكونوا مدعين اطلاعهم على ما في القلوب فإن القلب لا اطلاع عليه إلا لله، كما قال تعالى: {أية : إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ } تفسير : [الأنفال: 43].
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} هذا متصل بقوله: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ}. أي لو تراهم في هذه الحالة لرأيت أمراً فظيعاً. والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، والمراد هو وأمته. ثم قال: ولو تراهم أيضاً «يَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً» العابدين والمعبودين، أي نجمعهم للحساب {ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ}. قال سعيد عن قتادة: هذا استفهام؛ كقوله عز وجل لعيسى: {أية : أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ} تفسير : [المائدة: 116]. قال النحاس: فالمعنى أن الملائكة صلوات الله عليهم إذا كذبتهم كان في ذلك تبكيت لهم؛ فهو استفهام توبيخ للعابدين. {قَالُواْ سُبْحَانَكَ} أي تنزيهاً لك. {أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ} أي أنت ربنا الذي نتولاه ونطيعه ونعبده ونُخلص في العبادة له. {بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ} أي يطيعون إبليس وأعوانه. وفي التفاسير: أن حَيًّا يقال لهم بنو مُلَيح من خزاعة كانوا يعبدون الجن، ويزعمون أن الجن تتراءى لهم، وأنهم ملائكة، وأنهم بنات الله؛ وهو قوله: {أية : وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً} تفسير : [الصافات: 158].
ابن كثير
تفسير : يخبر تعالى: أنه يقرع المشركين يوم القيامة على رؤوس الخلائق، فيسأل الملائكة الذين كان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الأنداد التي هي على صورهم؛ ليقربوهم إلى الله زلفى، فيقول للملائكة: {أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ}؟ أي: أنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم؛ كما قال تعالى في سورة الفرقان: {أية : ءَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَـٰؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّواْ ٱلسَّبِيلَ} تفسير : [الفرقان: 17] وكما يقول لعيسى عليه الصلاة والسلام: {أية : ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَـٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَـٰنَكَ مَا يَكُونُ لِىۤ أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِى بِحَقٍّ} تفسير : [المائدة: 116] وهكذا تقول الملائكة: {سُبْحَـٰنَكَ} أي: تعاليت وتقدست عن أن يكون معك إله، {أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ} أي: نحن عبيدك، ونبرأ إليك من هؤلاء {بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ} يعنون: الشياطين؛ لأنهم هم الذين زينوا لهم عبادة الأوثان، وأضلوهم {أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} كما قال تبارك وتعالى: {أية : إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَـٰثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَـٰناً مَّرِيداً * لَّعَنَهُ ٱللهُ} تفسير : [النساء: 117 ــــ 118] قال الله عز وجل: {فَٱلْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً} أي: لا يقع لكم نفع ممن كنتم ترجون نفعه اليوم من الأنداد والأوثان التي ادخرتم عبادتها لشدائدكم وكربكم، اليوم لايملكون لكم نفعاً ولا ضراً، {وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} وهم المشركون: {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِى كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} أي: يقال لهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَ} اذكر {يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } أي المشركين {ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَٰئِكَةِ أَهَٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ } بتحقيق الهمزتين وإبدال الأولى ياء وإسقاطها {كَانُواْ يَعْبُدُونَ }.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} يعني المشركين ومن عبدوه من الملائكة. {ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلآَئِكَةِ أَهَؤلآَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} وهذا السؤال للملائكة تقرير وليس باستفهام، وإن خرج مخرج الاستفهام. {قََالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم} فيه وجهان: أحدهما: أنت الذي توالينا بالطاعة دونهم. الثاني: أنت ناصرنا دونهم. {بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الْجِنَّ} يعني أنهم أطاعوا الجن في عبادتنا، وصاروا بطاعتهم عابدين لهم دوننا. {أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} أي جميعهم بهم مؤمنون، وهذا خروج عن الظاهر.
ابن عطية
تفسير : هذه آية وعيد للكفار، والمعنى واذكر يوم نحشرهم، وقرأ جمهور القراء "نحشرهم جميعاً ثم نقول" بالنون فيهما، ورواها أبو بكر عن عاصم، وقرأ حفص عن عاصم "ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول" بالياء فيهما، وذكرها أبو حاتم عن أبي عمرو، والقول للملائكة هو توقيف تقوم منه الحجة على الكفار عبدتهم وهذا نحو قوله تعالى لعيسى عليه السلام {أية : أأنت قلت للناس} تفسير : [المائدة: 116] وإذا قال الله تعالى للملائكة هذه المقالة قالت الملائكة {سبحانك} أي تنزيهاً لك عما فعل هؤلاء الكفرة، ثم برؤوا أنفسهم بقولهم {أنت ولينا من دونهم} يريدون البراءة من أن يكون لهم رضى أو علم أو مشاركة في أن يعبدهم البشر، ثم قرروا أن البشر إنما عبدت الجن برضى الجن وبإغوائها للبشر فلم تنف الملائكة عبادة البشر إياها وإنما قررت أنها لم تكن لها في ذلك مشاركة، ثم ذنبت الجن، وعبادة البشر للجن هي فيما نعرفه نحن بطاعتهم إياهم وسماعهم من وسوستهم وإغوائهم، فهذا نوع من العبادة، وقد يجوز إن كان في الأمم الكافرة من عبد الجن، وفي القرآن آيات يظهر منها أن الجن عبدت في سورة الأنعام وغيرها، ثم قال تعالى: {فاليوم} وفي الكلام حذف تقديره فيقال لهم أي من عبد ومن عبد اليوم {لا يملك بعضكم لبعض نفعاً}، وقوله {وإذا تتلى عليهم آياتنا} ذكر الله تعالى في هذه الآية أقوال الكفرة وأنواع كلامهم عندما يقرأ عليهم القرآن ويسمعون حكمته وبراهينه البينة، فقائل طعن على النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يقدح في الأوثان ودين الآباء، وقائل طعن عليه بأن هذا القرآن مفترى أي مصنوع من قبل محمد صلى الله عليه وسلم ويدعي أنه من عند الله، وقائل طعن عليه بأن ما عنده من الرقة واستجلاب النفوس واستمالة الأسماع إنما هو سحر به يخلب ويستدعى، تعالى الله عن أقوالهم وتقدست شريعته عن طعنهم.
ابن عبد السلام
تفسير : {يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} المشركون ومن عبدوه من الملائكة {أَهَؤُلآءِ} استفهام تقرير.
الخازن
تفسير : قوله تعالى: {ويوم نحشرهم جميعاً} يعني هؤلاء الكفار {ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون} أي في الدنيا وهذا استفهام تقريع وتقرير للكفار فتتبرأ الملائكة منهم من ذلك وهو قوله تعالى {قالوا سبحانك} أي تنزيها لك {أنت ولينا من دونهم} أي نحن نتولاك ولا نتولاهم فبينوا بإثبات موالاة الله ومعاداة الكفار براءتهم من الرضا بعبادتهم لهم {بل كانوا يعبدون الجن} يعني الشياطين. فإن قلت قد عبدوا الملائكة فكيف وجه قوله بل كانوا يعبدون الجن. قلت أراد أن الشياطين زينوا لهم عبادة الملائكة فأطاعوهم في ذلك فكانت طاعتهم للشياطين عبادة لهم وقيل صوروا لهم صوراً وقالوا لهم هذه صور الملائكة فاعبدوها فعبدوها وقيل كانوا يدخلون في أجواف الأصنام فيعبدون بعبادتها {أكثرهم بهم مؤمنون} يعني مصدقون للشياطين قال الله تعالى {فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعاً} أي شفاعة {ولا ضراً} أي بالعذاب يريد أنهم عاجزون ولا نفع عندهم ولا ضر {ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل} يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم {يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى} يعنون القرآن {وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين وما آتيناهم} يعني هؤلاء المشركين {من كتب يدرسونها} أي يقرؤونها {وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير} أي لم يأت العرب قبلك نبي ولا أنزل إليهم كتاب {وكذب الذين من قبلهم} أي من الأمم السالفة رسلنا {وما بلغوا} يعني هؤلاء المشركين {معشار} أي عشر {ما آتيناهم} أي أعطينا الأمم الخالية من القوة والنعمة وطول الأعمار {فكذبوا رسلي فكيف كان نكير} أي إنكاري عليهم يحذر بذلك كفار هذه الأمة عذاب الأمم الماضية. قوله عز وجل {قل إنما أعظكم} أي آمركم وأوصيكم {بواحدة} أي بخصلة واحدة ثم بين تلك الخصلة فقال تعالى {أن تقوموا لله} أي لأجل الله {مثنى} أي اثنين {وفرادى} أي واحداً واحداً {ثم تتفكروا} أي تجتعوا جميعاً فتنظروا وتتحاوروا وتتفكروا في حال محمد صلى الله عليه وسلم فتعلموا أن {ما بصاحبكم من جنة} ومعنى الآية إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وتخلصتم وهي أن تقوموا لله وليس المراد به القيام على القدمين ولكن هو الانتصاب في الأمر والنهوض فيه بالهمة فتقوموا لوجه الله خالصاً ثم تتفكروا في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به أمان الاثنان فيتفكران، ويعرض كل منهما محصول فكره على صاحبه لينظرا فيه نظر متصادقين متناصفين لا يميل بهما اتباع الهوى وأما الفرد فيفكر في نفسه أيضاً بعدل ونصفة هل رأينا في هذا الرجل جنوناً قط أو جربنا عليه كذباً قط وقد علمتم أن محمداً صلى الله عليه وسلم ما به من جنة بل قد علمتم أنه من أرجح قريش عقلاً وأوزنهم حلماً وأحدهم ذهناً وأرصنهم رأياً وأصدقهم قولاً وأزكاهم نفساً، وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال ويمدحونه به وإذا علمتم ذلك كفاكم أن تطالبوه بآية وإذا جاء بها تبين أنه نبي نذير مبين صادق فيما جاء به وقيل: تم الكلام عند قوله: تتفكروا أي في السموات والأرض فتعلموا أنه خالقها واحد لا شريك له ثم ابتدأ فقال ما بصاحبكم من جنة {إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد قل ما سألتكم} أي على تبليغ الرسالة {من أجر} أي جعل {فهل لكم} أي لم أسألكم شيئاً {إن أجري} أي ثوابي {إلا على الله وهو على كل شيء شهيد قل إن ربي يقذف بالحق} أي يأتي بالوحي من السماء فيقذفه إلى الأنبياء {علام الغيوب} أي خفيات الأمور {قل جاء الحق} أي القرآن والإسلام {وما يبدىء الباطل وما يعيد} أي ذهب الباطل وزهق فلم تبق منه بقية تبدىء شيئاً أو تعيده وقيل الباطل هو إبليس والمعنى لا يخلق إبليس أحداً ابتداء ولا يبعثه إذا مات وقيل الباطل الأصنام.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ} وقد تقدم أنه يقرأ بالنون والياء في الأنعام. قوله: {أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} إياكم منصوب بخبر "كان" قدم لأجل الفواصل والاهتمام. واستدل بل على جواز تقديم خبر "كان" عليها إذا كان خبرها جملة فإن فيه خلافاً جوزه ابنُ السراج، ومنعه غيره. وكذلك اختلفوا في توسطه إذا كان جملة. قال ابن السِّرِّاج: القياس جوازه لكن لم يسمع. قال شهاب الدين: قد تقدم في قوله: {أية : مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ} تفسير : [الأعراف:137] ونحوه أنه يجوز أن يكون من تقديم الخبر وأن لا يكون. ووجه الدلالة هنا أن تقديم المعمول مُؤْذِنٌ بتقديم العامل. وتقدم تحقيق هذا في "هُودٍ" في قوله تعالى: {أية : أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ} تفسير : [هود:8] (و) وضع هذه القاعدة. فصل لما بين أن حال النبي - عليه الصلاة والسلام - كحال من تقدمه من الأنبياء وحال قومه حال من تقدّم من الكفار وبين بطلان استدلالهم بكثرة أموالهم وأولادهم بين ما يكون عاقبة حالهم فقال: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً} يعني المكذبين بك {ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلآئِكَةِ} الذين يدعون أنهم يعبدونهم فإن غاية ما ترتقي إليه منزلتهم أنهم يقولون: نحن نعبد الملائكة والكواكب قال قتادة: هذا استفهام تقرير كقوله تعالى لعيسى {أية : ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـٰهَيْنِ} تفسير : [المائدة:116] فيقول: {أَهَـٰؤُلاَءِ إيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ} فتبرأ منهم الملائكة فيقولون: "سُبْحَانَكَ" تنزيهاً لك {أنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ} أي نحن نتولاك ولا نتولاهم يعني كونك ولي بالعبودية أولى وأحب إلينا من كونهم أولياءنا بالعبادة لنا فقالوا: {بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ} أي الشياطين فهم في الحقيقة كانوا يعبدون الجن ونحن (كنا) كالقِبْلة لهم. فإن قيل: فهم كانوا يعبدون الملائكة فما وجه قولهم يعبدون الجن؟ قيل: أراد أن الشياطين زينوا لهم عبادة الملائكة فهم كانوا يُطيعون الشياطين في عبادة الملائكة فقوله: "يعبدون" أي يطيعون الجن والعبادة هي الطاعة {أكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ} أي مصدِّقون الشياطين. فإن قيل: جميعهم كانوا متابعين للشياطين فما وجه قوله: {أكْثَرُهُمْ بِهِمْ} فإنه يدل على أنَّ بَعْضَهم لم يؤمن بهم ولم يُطِعْهُمْ؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أن الملائكة أحتزوا عن (دَعْوى) الإحاطة بهم فقالوا: أكثرهم لأنَّ الَّذِين رأوهم واطلعوا على أحوالهم كانوا يعبدون الجنَّ ويؤمنون بهم ولعلَ في الوجود من لم يُطْلع الله الملائكة عليه من الكفار. الثاني: هو أن العبادة علم ظاهر والإيمان عمل باطن فقالوا بل يعبدون الجن لاطِّلاعهم على أعمالهم وقالوا أكثرهم بهم مؤمنون عند عمل القلب لئلا يكونوا مدعين اطّلاعهم على ما في القلوب فإن القلب لا يطلع على من فيه إلا الله كما قال: {أية : إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ} تفسير : [هود:5]. ثم بين أن ما كانوا يعبدون لا ينفعهم فقال: {فَٱلْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً} وهذا الخطاب يحتم أن يكون مع الملائكة لسبق قوله: {أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} وعلى هذا يكون تنكيلاً للكافرين حيث بيّن لهم أن معبودهم لا ينفعهم ولا يضر. ويصحح هذا قوله تعالى: "لا يملكون الشّفاعة إلا لمن ارتضى". ولقوله بَعْدَه: {وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا} ولو كان المخاطب هم الكفار لقال: "فَذُوفُوا" ويحتمل أن يكون داخلين في الخطاب حتى يصح معنى قوله: {بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ} أي الملائكة والجن وإذا لم تملكوها لأنفسكم فلا تملكوها لغيرهم، ويحتمل أن يكون الخطاب والمخاطب هم الكفار لأن ذكر اليوم يدل على حضورهم وعلى هذا فقوله {وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} إنما ذكره تأكيداً لبيان حالهم في الظلم. فإن قيل: قوله "نفعاً" مفيد للحسرة فما فائدة ذكر الضرّ مع أنهم لو كانوا يملكون الضر لما نفع الكافرين ذلك؟ فالجواب: لما كان العبادة نفع لدفع ضرر المعبود كما يعبد الجبَّار، ويخدم مخافة شره بين أنهم ليس فيهم ذلك الوجه الذي يحسن لأجله عبادتهم. فإن قيل: قَوْلُه هَهُنَا: "الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا" صفة للنار وفي السجدة وصف العذاب فجعل المكذب هنا النار وجعل المكذب في السجدة العذاب وهم كانوا يكذبون بالكل فما فائدته؟ فالجواب: قيل: لأنهم هناك كانوا مُلْتَبِسِين بالعذاب مترددين فيه بدليل قوله: {أية : كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواُ مِنْهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} تفسير : [السجدة:20] فوصف لهم ما لا بسوه وهنا لم يُلاَبِسُوهُ بعد لأنه عقيب حشرهم وسؤالهم فهو أول ما رأوا النار فقيل لهم: هذه النار التي كنتم بها تكذبون. قوله: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَـٰذَا} يعنون محمداً - صلى الله عليه وسلم - {إلاَّ رَجُلٌ يُريدُ أنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ} فعارضوا البرهانَ بالتقليد {وَقَالُوا مَا هَذَا إلاَّ إفْكٌ مُفْتَرًى} يعنون القرآن وقيل: القول بالوحدانية "إفْكٌ مُفْتَرًى" كقوله تعالى في حقهم: {أية : أَئِفْكاً آلِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ} تفسير : [الصافات: 86] وكقولهم للرسول: {أية : قَالُوۤاْ أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا} تفسير : [الأحقاف:22] وعلى هذا فيكون قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} بدلاً وقالوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ؛ هذا إنكار للتوحيد وكان مختصاً بالمشركين، وأما إنكار القرآن والمُعْجِزة فكان متفقاً عليه بين المشركين وأهل الكتاب فقال تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ} على العموم. قوله: {وَمَا آتَيْنَاهُمْ} يعني المشركين {مِنْ كُتُبٍ يَدرسونَها} العامة على التخفيف مضارع "دَرَسَ" مخففاً أي حفظ وأبو حيوة يُدَرِّسُونَها بفتح الدال مشددة وكسر الراء والأصل "يَدْتَرِسُونَها" من الادّارس على الافتعال فأدغم، وعنه أيضاً بضم الياء وفتح الدال وتشديد الراء نم التَّدْريس. والمعنى يقرأونها وقوله: {وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ} أي إلى هؤلاء المحاضرين لك لم ترسل إليهم أي لم يأت العرب قبْلك نبي ولا نزل عليهم كتاب ولا أتاهم نذير يشافههم بالنّذارة غيرك، فلا تعارض بينه وبين قوله: {أية : وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ} تفسير : [فاطر:24] إذ المراد هناك آثار النذير. ولا شك أن هذا كان موجوداً يذهب النبي وتبقى شريعته، ثم بين أنهم كالذين من قبلهم كَذَّبوا مثلَ عادٍ وثمودٍ وغيرهم. قوله: "وَمَا بَلَغُوا" الظاهر أن الضمير في "بلغوا" وفي "آتيناهم" للَّذِين من قبلهم ليناسق قوله: "فَكَذَّبُوا رُسُلِي" يعني أنهم لم يبلغوا في شكر النعمة وجزاء المِنّة "مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ" من النعم والإحسان إليهم. وقيل: بل ضمير الرفع لقريش والنصب "للذين من قبلهم" وهو قول ابن عباس على معنى أنهم كانوا أكثر أموالاً، وقيل: بالعكس على معنى إنا أعطيْنَا قريشاً من الآيات والبراهين ما لم نُعْطِ من قبلهم. واختلف في المشعار فقيل: هو بمعنى العُشْر بني مِفْعَال من لفظ العُشْر كالمِرْبَاع، ولا ثالث لهما من ألفاظ العدد لا يقال: مِسْدَاس ولا مِخْمَاس، وقيل: هو عُشْرُ العُشْرِ، إلا أن ابن عطية أنكره وقال: ليس بشيء، وقال المَاوَرْدِيُّ: المعشار هنا عُشْر العَشِيرِ، والعَشِيرُ هو عُشْرُ العُشْرِ. فيكون جزءاً من ألف قال: وهو الأظهر لأن المراد به المبالغة في التقليل. فصل المعنى أن هؤلاء المشركين ما بلغوا مِعْشَارَ ما أعطينا الأمم الخالية من النِّعْمَة والقوة وطول العُمْرِ فكذبوا رسلي فكيف كان نكير؟ أي إنكاري وتغييري عليهم يحذر كفار هذه الأمة عذاب الأمم الماضية وقي: المراد وكذَّب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم أي الذين من قبلهم ما بلغوا مِعْشَار ما آتينا قوم محمد من البَيَان والبُرْهان وذلك لأن كتاب محمد - عليه السلام - أكملُ من سائر الكتب وأوضح ومحمد - عليه السلام - أفضل من جميع الرسل وأفصح وبرهانه أوفى، وبيانه أشْفَى، ثم إن المتقدمين لما كذبوا بما جاءهم من الكتب وبما آتاهم من الرسل أنكر عليهم فكيف لا ينكر عليهم وقد كذبوا بأفصح الرُّسل وأوضح السُّبُل ويؤيد هذا قوله تعالى: {وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا} يعني غير القرآن ما آتيناهم كتاباً {وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ} فلما كان المؤتى في الآية الأولى هو الكتاب فحمل الآية الثانية على إيتاء الكتاب أولى. قوله: "فكذبوا" فيه وجهان: أحدهما: أنه معطوف على {كَذَّبَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ}. والثاني: أنه معطوف على "وما بلغوا". وأوْضَحَهُما الزمخشري فقال: "فإن قلت: ما معنى "فكذبوا رسلي" وهو مستغنى عنه بقوله: {وَكَذَّبَ الَّذِين مِنْ قَبْلِهِم}؟ قلتُ: لما كان معنى قوله: {وَكَذَّبَ الِّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} وفعل الذين من قبلهم التكذيب وأقدموا عليه جعل تكذيب الرسل سبباً عنه ونظيره أن يقول القائل: أقْدَمَ فلانٌ على الكفر فكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ويجوز أن يعطف على قوله: "وَمَا بَلَغُوا" كقولك: "مَا بَلَغَ زَيْدٌ مِعْشَارَ فَضْلِ عمرو فَيُضِّلَ عليه" و"نَكِيرِ" مضاف لفاعله أي إنْكاري وتقدم حذف يائه وإثْبَاتُها.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون؟} قال: استفهام كقوله لعيسى عليه السلام {أية : أأنت قلت للناس}تفسير : [المائدة: 116]. وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {بل كانوا يعبدون الجن} قال: الشياطين. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله {وما آتيناهم من كتب يدرسونها} قال: لم يكن عندهم كتاب يدرسونه، فيعلمون أن ما جئت به حق أم باطل. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتاده رضي الله عنه في قوله {وما آتيناهم من كتب يدرسونها} أي يقرأونها {وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير} وقال:{أية : وإن من أمة إلا خلا فيها نذير}تفسير : [فاطر: 24] ولا ينقض هذا هذا، ولكن كلما ذهب نبي فمن بعده في نذارته حتى يخرج النبي الآخر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما {وما بلغوا معشار ما آتيناهم} يقول: من القدرة في الدنيا. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {وكذب الذين من قبلهم} قال: القرون الأولى {وما بلغوا} أي الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم {معشار ما آتيناهم} من القوة، والاجلال، والدنيا، والاموال. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {وكذب الذين من قبلهم} قال: كذب الذين قبل هؤلاء {وما بلغوا معشار ما آتيناهم} قال: يخبركم أنه اعطى القوم ما لم يعطكم من القوة وغير ذلك {فكيف كان نكير} يقول: فقد أهلك الله أولئك وهم أقوى وأخلد.
القشيري
تفسير : قومٌ كانوا يعبدون الملائكة فيختبرهم عنهم؛ فيتبرأون منهم وينزِّهون الله ويسبحونه، فيفتضح هؤلاء - والافتضاحُ عند السؤال من شديد العقوبة، وفي بعض الأخبار: أَنّ غداً منْ يسألهم الحقّ فيقعْ عليهم من الخجل ما يجعلهم يقولون: عذِّبنا ربنا بما شئت من ألوان العقوبة ولا تعذبنا بهذا السؤال!
اسماعيل حقي
تفسير : {ويوم يحشرهم} اى واذكر يا محمد لقومك يوم يحشر الله اى يجمع المستكبرين والمستضعفين وما كانوا يعبدون من دون الله حال كونهم {جميعا} مجتمعين لا يشذ احد منهم. وقال بعضهم هؤلاء المحشورون بنوا مليح من خزاعة كانوا يعبدون الملائكة ويزعمون انهم بنات الله لذلك سترهم. فان قلت لم لم يقولوا ذلك فى حق الجن مع انهم مستورون ايضا عن اعين الناس. قلت لان الملائكة سماوية والجن ارضية وهم اعتقدوا ان الله تعالى فى السماء {ثم يقول للملائكة} توبيخا للمشركين العابدين واقناطالهم من شفاعتهم كما زعموا {أهولاء} اى الكفار: وبالفارسية [آيا اين كروه اندكه] {اياكم كانوا يعبدون} فى الدنيا واياكم نصب بيعبدون وتخصيص الملائكة لانهم اشرف شركائهم بطريق الاولوية
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {و} اذكر {يوم نحشرهم جميعاً} العابدين والمعبودين، {ثم نقول للملائكة أهؤلاء إِياكم كانوا يعبدون}؟ هو خطاب للملائكة، وتقريع للكفرة، وارد على المثل السائر من قول العامة: الخطاب للسارية وافهمي يا جارية. ونحوه قوله: {أية : ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِى...}تفسير : [المائدة: 116] الآية. وتخصيص الملائكة؛ لأنهم أشرف شركائهم، والصالحون للخطاب منهم. {قالوا سبحانك} تنزيهاً لك أن يعبد معك غيرك. {أنت وليُّنا من دونهم} أنت الذي نُواليه من دونهم، لا موالاة بيننا وبينهم. والموالاة خلاف المعاداة، وهي مفاعلة من الولْي، وهو القرب. والوليّ يقع على المُوالِي والمُوالَى جميعاً. فبينوا بإثبات موالاةِ الله تعالى ومعاداة الكفار: براءتهم من الرضا بعبادتهم لهم؛ فإنَّ مَن كان على هذه الصفة، كانت حالُه منافية لذلك. ثم قالوا: {بل كانوا يعبدون الجنَّ} أي: الشياطين، حيث أطاعوهم في عبادة غير الله، أو: كانوا يدخلون في أجواف الأصنام، إذ عُبِدَت، فيُعْبَدون بعبادتها، أو: صَوَّرت لهم الشياطين صور قوم من الجن، وقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها. {أكثرُهُم بهم مؤمنون} أي: أكثر الإنس، أو: الكفار، {بهم} بالجن {مؤمنون} مصدقون لهم فيما يأمرونهم به. والأكثر هنا بمعنى الكل. قال تعالى: {فاليومَ لا يملكُ بعضُكم لبعضٍ نفعاً ولا ضرًّا} لأن الأمر في ذلك اليوم إليه وحده، لا يملك أحد فيه منفعة ولا مضرة لأحد؛ لأن الدار دار ثواب وعقاب، والمثيب والمعاقبُ هو الله، فكانت حالها خلاف حال الدنيا، التي هي دار تكليف، والناس فيها مخلَّى بينهم، يتضارون، ويتنافعون، وأما يوم القيامة فلا فعل لأحد قط. ثم ذكر معاقبة الظالمين بقوله: {ونقول للذين ظلموا} بوضع العبادة في غير موضعها: {ذُوقوا عذابَ النار التي كنتم بها تُكذِّبون} في الدنيا. الإشارة: ما أحببت شيئاً إلا وكنت له عبداً، ولا يُحب أن تكون لغيره عبداً، فإذا تحققت الحقائق، التحق كل عابد بمعبوده، وكل حبيب بمحبوبه، فيرتفع الحق بأهله، ويهوي الباطلُ بأهله. وكل ما سوى الله باطل، فارفع همتك أيها العبد عن هذه الدار وما فيها، وتعلق بالباقي، دون الفاني، ولا تتعلق بشيء سوى المتكبر المتعالي. قال القشيري: قوله تعالى: {فاليوم لا يملك بعضكم...} الخ، الإشارة في هذا: أنَّ مَن علّقَ قلبه بالأغيار، وظنّ صلاحَ حاله في الاختيار، والاستعانة بالأمثال والأشكال، نزع اللهُ الرحمة من قلوبهم، وتركهم، وتشوش أحوالهم، فلا لهم من الأشكال والأمثال معونة، ولا لهم في عقولهم استبصار، ولا إلى الله رجوع، فإنْ رجعوا لا يرحمهم ولا يحبهم، ويقول: ذوقوا وبالَ ما به استوجبتم هذه العقوبة. هـ. قلت: قوله: "فإن رجعوا لا يرحمهم" يعني أنهم فزعوا أولاً إلى المخلوق، فلما لم ينجح مسعاهم، رجعوا إلى الله، فلم ينفعهم، ولو تابوا في المستقبل لقبل توبتهم. وقال أيضاً: ومن تشديد العقوبة الافتضاح في السؤال. وفي بعض الأخبار: أن عبيداً يسألهم الحق غداً، فيقع عليهم من الخجل ما يقولون: يا ربنا لو عذبتنا بما شئت من ألوان العقوبة، ولا تعذبنا بهذا السؤال. هـ. وبالله التوفيق. ثم ذكر حال أهل الغفلة فقال: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ...}
الجنابذي
تفسير : {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} عطف على محذوفٍ متعلّق بيخلقه او بخير الرّازقين اى فى الدّنيا ويوم نحشرهم او متعلّق بمحذوف عطف على قل اى اذكر يوم نحشرهم {جَمِيعاً} الاتباع والمتبوعين فى الضّلالة {ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ} اختار الملائكة من بين المعبودين بالذّكر لانّهم اشرف المعبودين وابصرهم بحال العابدين واعلمهم بنيّاتهم، وما اجابوا كان ذلك جواب السّائرين سواء كانوا شاعرين او غير شاعرين {أَهَـٰؤُلاَءِ} المدّعون لعبادتكم {إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ} عن شراكة امثالنا {أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ} نزّهوا الله تعالى اوّلاً عن شراكة امثالهم وانكروا الرّضا بعبادتهم ثانياً واضربوا عن ذلك وعن عبادتهم لهم المستفادة من تنزيه الله ومن اظهار عدم الرّضا بفعلهم واثبتوا عبادتهم للجنّ {أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} لا بنا وانّما اشتبه عليهم الجنّة والملائكة ووهموا فى ذلك وعبدوا الجنّة بزعم انّهم الملائكة. بيان للاتّصال بالملكوتين العليا والسّفلى اعلم، انّه قد تكرّر فيما سبق انّ عالم الطّبيعة واقعٌ بين الملكوتين العليا والسّفلى، وانّ عالم الجنّ مثل عالم الملائكة محيط بالدّنيا ومتصرّف فيها، وانّه لا فرق فى ذلك بين الجنّة والملائكة، ولذلك اشتبه على الملائكة حال ابليس فظنّوا انّه منهم، وانّ من راض نفسه بقلّة الطّعام والشّراب والنّوم والكلام والعزلة عن الخلق، فان كان بأمر آمرٍ الهىٍّ يتّصل بعالم الملائكة ويتشبّه بهم فى الاحاطة والاطّلاع على ما لم يطّلع عليه البشر والتّصرّف فى العناصر ومواليدها باىّ تصرّفٍ شاء وتقليب الاعيان عن وجوهها على انّه يخبره الملائكة ويعينونه فيما لم يقدروا على العلم به والتّصرّف فيه وان لم يكن رياضته بأمر آمرٍ الهىٍّ او كان لكنّه خرج عن تحت امره واستبدّ فى رياضته ومشاهدته برأيه سواءٌ كان تحت امر آمرٍ شيطانىٍّ او لم يكن، وسواء كان رياضته بطريق الشّرائع وعلى قانون النّواميس الالهيّة او لم تكن اتّصل لا محالة بعالم الجنّة والشّياطين، وتشبّه بهم فى الاحاطة والتّصرّف، وقدر على ما لم يقدر غيره، وعلم ما لم يعلمه غيره، وعَبَد المتصرّف فى العالم المشهود له بظنّ انّه الله او انّه ملكٌ عظيمٌ من ملائكة الله وسمّى عبادته عبادة الملك ولذلك انكر الملائكة عبادتهم لهم واثبتوا عبادتهم للجنّ، واعلم ايضاً، انّ كلّ عابدٍ غير الله لا يعبده الاّ باطاعة الشّيطان المعنوىّ سواء كان المعبود الّذى هو غير الله ملائكة الله او غيرهم من الجماد والنّبات والحيوان والانسان والجانّ والشّيطان، فالعابد غير الله يعبد اوّلاً الشّيطان وبعبادة الشّيطان يعبد غير الله فهو فى عبادة غير الله عابد للشّيطان حقيقة لا لمعبوده لانّه لولا الشّيطان لم يعبده.
اطفيش
تفسير : {ويوم نحشرهم} أي واذكر يوم. {جميعا} المستضعفين والمستكبرين. {ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم} بتحقيق همزة اياكم والتي قبلها وبابدال التي قبلها ياء وباسقاطها. {كانوا يعبدون} قد علم سبحانه ان الملائكة لم يريدوا تلك العبادة وانهم براء منها ولا سبب لهم فيها ولكن وجه اليهم الخطاب لينكروا تاهلهم للعبادة فيكون ذلك اشد تقريعا وتعييرا وتخيلا للكفار العابدين لهم فهذا وجه السؤال التقريري المذكور والجواب بقوله. {قالوا سبحانك} نزهناك عن ان نعبد معك. {أنت ولينا} نواليك ونعبدك فكيف نكون معبودين. {من دونهم} أي لا ولاية بيننا وبينهم ولسنا براضين بعبادتهم لنا. {بل} للانتقال. {كانوا يعبدون الجن} الشياطين اذا طاعوهم في عبادة غير الله فهم ولو عبدونا لم نرض بعبادتهم في الحقيقة ليست لنا اذ لم نقبلها ولم نأمرهم بها فيكونوا مطيعين لأمرنا بل هي عبادة للجن اذ أمروهم بها ففعلوا وقيل كانت الجن تتمثل لهم وتتخيل انهم الملائكة فيعبدونهم وقيل صوروا لهم صور قوم من الجن وقالوا هذه صور الملائكة فاعبدوها وقيل يدخلون في اجواف الاصنام اذا عبد فيعبدون بعبادتها وانما خاطب الله الملائكة بذلك لانهم شرف شركائهم والصالحون للخطاب منهم وادخل في الانكار للتأهل للعبادة ولو كان كل الشركاء التي هي الاصنام منكرة ولان عبادتهم بدء الشرك واصله وقرأ حفص بحشر ويقول بالتحية. {أكثرهم} اي كل المشركين واستعمال الاكثر بمعنى الكل سايغ في العربية او اكثر الانس فالاكثر على اصله. {بهم} بالجن. {مؤمنون} مصدقون لهم فيما يقولون فاليوم.
اطفيش
تفسير : {ويَوْم} مفعول لا ذكر محذوفا أو ظرف لكون محذوف أى ويكون ما يكون من الأهوال التى لا يحيط بها المقال يوم {نَحْشُرهم جَميعاً} من استضعف ومن استكبر، وما يعبدون وفيه بعد إلا أنه أساغه قوله تعالى: {ثم يقُول للملائكة أهؤلاء إيَّاكم كانُو يعْبدُون} فذكر الملائكة من مبعوداتهم، وثم للتراخى فى العظم أو فى الزمان، كما قيل: يقف الخلق سبعة آلاف سنة فى الموقف، لا يكلمون حتى يشفع صلى الله عليه وسلم فى فصل القضاء، وذلك تفريع المشركين، وإقناط من شفاعته الملائكة لهم تفريعا، مثله فى قوله تعالى: "أية : أأنت قلت للنَّاس اتخذوني وأمي إلهين" تفسير : [المائدة: 116] وخص ذكر الملائكة من سائر ما عبدوا لأنهم أشرف. رأى عمرو بن لحى قوما فى الشام يعبدون الأصنام، فسألهم فقالوا: أرباب على صور الهياكل العلوية نستنصر بها، ونستسقى، فجاء بصنم الى العرب، وزين لهم عبادة الأصنام فعبدوها، وعبد عيسى بعد ذلك، فإذا لم تشفع الملائكة فأولى أن لا يشفع سائر معبوداتهم، وقدم إياكم لأنه أنسب بالتفريع، وأولى بالذكر، وكأنه قيل: فما أجابت الملائكة فقال: {قالُوا سُبحانك أنتَ وليُّنا مِن دُونهم} ومقتضى الظاهر يقولون فجىء بالماضى للتحقق كأنه قد حشروا فقالوا سبحانك انت ولينا من دونهم نواليك، ولا ولاية لهم، وما رضيا بعبادتهم لنا، بل نلعنهم عليها {بل كانُوا يعْبُدون الجنَّ} إذا أمروهم بعبادة غير الله عز وجل، وصوروا لهم صور قوم من الجن فقالوا: هذه صور الملائكة فاعبدوها، أو يدخلون فى أجواف الأصنام فهم يعبدون إذا عبدت، وهذا لا تفسر به الآية، لأن الآية على أنهم عبدوا الملائكة، أو تخيلوا شيئا صادقا على الجن لا علينا فعبدوه، فهم لم يعبدونا حقيقة. وفى سورة الأنعام وغيرها، أن قوما عبدوا الجن، ولا تفسر به الآية، لأنها على أنه عبدت الملائكة، إلا أن يقال: الإضراب انتقالى الى كلام آخر لا نفى، لأن عبدتهم الجن، وكذا فى تفسيرها بأنه عبدت الجن إذا عبدت الأصنام، وهم فى جوفها. {أكثرهم} أكثر المشركين {بهم} بالجنِّ {مُؤمنُون} بأنها آلهة كما آمن المسلمون بأن الله هو إله، والقليل يؤمنوا بأنها تعبد بل يعبد الله لا كما قيل: إن القليل لم يؤمنوا بهم، وإنما عبدوهم تبعاً، لأن عبادتهم تبعاً غير خارجة عن الذم، وعن أنهم عبدوا غير الله سبحانه، أو قالوا بالأكثر لأن من الكفار من لم يعلم الملائكة بحاله، وفيه أن العبارة تعطى أن القليل لم يعبدهم إذ لم يقولوا أطلعنا على أكثرهم أنهم بهم مؤمنون. وكذا يبحث أن قيل: أكثر قلب كل واحد مؤمن بالجن، وأيضا كيف يكفر بعض القلب ويؤمن بعضه، إلا أن يقال فيه خصلة إيمان، وخصلة شرك، وأيضا لم يقل أكثر قلوبهم، ويضعف أن الأكثر بمعنى الكل، لأنه خلاف الأصل، وأجيز عود هاء أكثرهم للانسان، صدقوا بأن الجن آلهة، ولا نسلم هذه الأكثرية، وقيل: المشركون مؤمنون بأن الملائكة بنات الله، كما قال الله عز وجل: "أية : وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً"تفسير : [الصافات: 158] وقيل: مؤمنون بأنهم آلهة، والآية من كلام الملائكة، ومن جملة ما قيل للملائكة قوله تعالى: {فاليَوْم لا يمْلكُ بعضُكم لبعضٍ نفْعاً ولا ضَرّاً} خوطبوا مع الجن أو المشركين وهم البعض الثانى، والأول الملائكة إظهاراً لعجزهم عن أن يشفعوا للجن، مع أنهم لا يتعاطون الشفاعة ولا يحبونها لهم، وإظهاراً لخيبة عابدهم من الشفاعة، ويضعف أن الخطاب للمشركين، لأن المقام ليس لأن ينفى أن يملك بعضهم لبعض نفعا أو ضرا، أو ذكر الضر لتعميم العجز، أو لأن المراد لا يملكون نفعكم إن عبدتموهم، أو ضركم إن لم تعبدوهم. {ونقُول للَّذين ظلَمُوا ذوقُوا عذاب النَّار التي كنْتُم بها تُكذِّبون} عطف على نقول، ونعت النار هنا والعذاب فى سورة السجدة، لأن ما هنا قبل ملابسة النار، وما هناك بعدها، ألا ترى الى قوله: "أية : كلما أرادوا أن يخرجوا" تفسير : [السجدة: 20].
الالوسي
تفسير : {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً } أي المستكبرين والمستضعفين أو الفريقين وما كانوا يعبدون من دون الله عز وجل، و {يَوْمٍ } ظرف لمضمر متقدم أي واذكر يوم أو متأخر أي ويوم نحشرهم جميعاً {ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَـٰئِكَةِ } إلى آخرة يكون من الأحوال والأهوال ما لا يحيط به نطاق المقال، وظاهر العطف بثم يقتضي أن القول للملائكة متراخ عن الحشر وفي الآثار ما يشهد له، فقد روي أن الخلق بعد أن يحشروا يبقون قياماً في الموقف سبع آلاف سنة لا يكلمون حتى يشفع في فصل القضاء نبينا صلى الله عليه وسلم فلعله عند ذلك يقول سبحانه للملائكة عليهم السلام: {أَهَـؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ } تقريعاً للمشركين وتبكيتاً وإقناطاً لهم عما علقوا به أطماعهم الفارغة من شفاعة الملائكة عليهم السلام لعلمه سبحانه بما تجيب به على نهج قوله تعالى لعيسى عليه السلام {أية : أأنت قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلَـٰهَيْنِ}تفسير : [المائدة: 116] وتخصيصهم بالذكر لأنهم أشرف شركاء المشركين الذين لا كتاب لهم والصالحون عادة للخطاب وعبادتهم مبدأ الشرك - بناء على ما نقل ابن الوردي في «تاريخه» في أن سبب حدوث عبادة الأصنام في العرب أن عمرو بن لحي مر بقوم بالشام فرآهم يعبدون الأصنام فسألهم فقالوا له هذه أرباب نتخذها على شكل الهياكل العلوية فنستنصر بها ونستسقي فتبعهم وأتى بصنم معه إلى الحجاز وسول للعرب فعبدوه واستمرت عبادة الأصنام فيهم إلى أن جاء الإسلام وحدثت عبادة عيسى عليه السلام بعد ذلك بزمان كثير - فبظهور قصورهم عن رتبة المعبودية وتنزههم عن عبادتهم يظهر حال سائر الشركاء بطريق الأولوية. و {هَـؤُلاء } مبتدأ و {كَانُواْ يَعْبُدُونَ } خبره و {إِيَّاكُمْ } مفعول {يَعْبُدُونَ } قدم للفاصلة مع أنه أهم لأمر التقريع واستدل بتقديمه على جواز تقديم خبر كان إذا كان جملة عليها كما ذهب إليه ابن السراج فإن تقديم المعمول مؤذن بجواز تقديم العامل. وتعقبه أبو حيان بأن هذه القاعدة ليست مطردة ثم قال: والأولى منع ذلك إلا أن يدل على جوازه سماع من العرب، وقرأ جمهور القراء {نحشرهم. ثم نقول} بالنون في الفعلين.
ابن عاشور
تفسير : عطف على جملة { أية : ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم } تفسير : [سبأ: 31] الآية استكمالاً لتصوير فظاعة حالهم يوم الوعد الذي أنكروه تبعاً لما وصف من حال مراجعة المستكبرين منهم والمستضعفين؛ فوصف هنا افتضاحهم بتبرؤ الملائكة منهم وشهادتهم عليهم بأنهم يعبدون الجن. وضمير الغيبة من {نحشرهم} عائد إلى ما عاد عليه ضمير { أية : وقالوا نحن أكثر أموالاً وأولاداً }تفسير : [سبأ: 35] الذي هو عائد إلى {الذين كفروا} من قوله: { أية : وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن } تفسير : [سبأ: 31]. والكلام كله منتظم في أحوال المشركين، وجميع: فعيل بمعنى مفعول، أي مجموع وكثر استعماله وصفاً لإِفادة شمول أفراد ما أجري هو عليه من ذوات وأحوال، أي يجمعهم المتكلم، قال لبيد: شعر : عريت وكان بها الجميعُ فأبكروا منها وغودر نُؤيها وثُمامها تفسير : وتقدم عند قوله تعالى: { أية : فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون } تفسير : في سورة هود (55). فلفظ {جميعاً} يعم أصناف المشركين على اختلاف نحلهم واعتقادهم في شركهم فقد كان مشركو العرب نِحَلا شتّى يأخذ بعضهم من بعض وما كانوا يحققون مذهباً منتظم العقائد والأقوال غير مخلوط بما ينافي بعضه بعضاً. والمقصد من هذه الآية إبطال قولهم في الملائكة إنهم بنات الله، وقولهم: { أية : لو شاء الرحمن ما عبدناهم } تفسير : كما في سورة الزخرف (20). وكانوا يخلطون بين الملائكة والجن ويجعلون بينهم نسباً، فكانوا يقولون: الملائكة بنات الله من سَروات الجن. وقد كان حَيّ من خزاعة يقال لهم: بنو مُليح، بضم الميم وفتح اللام وسكون التحتية، يعبدون الجن والملائكة، والاقتصار على تقرير الملائكة واستشهادهم على المشركين لأن إبطال إلٰهية الملائكة يفيد إبطال إلٰهية ما هو دونها ممن أُعيد من دون الله بدلالة الفحوى، أي بطريق الأولى فإن ذلك التقرير من أهم ما جعل الحشر لأجله. وتوجيه الخطاب إلى الملائكة بهذا الاستفهام مستعمل في التعريض بالمشركين على طريقة المَثل إياك أعنِي واسمَعِي يا جارة. والإِشارة بـ{هؤلاء} إلى فريق كانوا عبدوا الملائكة والجن ومن شايعهم على أقوالهم من بقية المشركين. وتقديم المفعول على {يعبدون} للاهتمام والرعاية على الفاصلة. وحكي قول الملائكة بدون عاطف لوقوعه في المحاورة كما تقدم غير مرة ولذلك جيء فيه بصيغة الماضي لأن ذلك هو الغالب في الحكاية. وجواب الملائكة يتضمن إقراراً مع التنزه عن لفظ كونهم معبودين كما يتنزه من يَحكي كفر أحد فيقول قال: هُو مشرك بالله، وإنما القائل قال: أنا مشرك بالله. فمورد التنزيه في قول الملائكة {سبحانك} هو أن يكون غير الله مستحقاً أن يعبد، مع لازم الفائدة وهو أنهم يعلمون ذلك فلا يضرون بأن يكونوا مَعبودين. والولي: الناصر والحَليف والصديق، مشتق من الوَلْي مصدر وَلِيَ بوزن عَلِم. وكلٌّ من فاعل الوَلْي ومفعوله وليّ لأن الوَلاية نسبة تستدعي طرفين ولذلك كان الولي فعيلاً صالحاً لمعنى فاعل ولمعنى مفعول. فيقع اسم الولِيّ على المُوالِي بكسر اللام وعلى المُوالَى بفتحها وقد ورد بالمعنيين في القرآن وكلام العرب كثيراً. فمعنى {أنت ولينا} لا نوالي غيرك، أي لا نرضى به وليّاً، والعبادةُ ولاية بين العابد والمعبود، ورضَى المعبود بعبادة عابده إياه ولايةٌ بين المعبود وعابده، فقول الملائكة {سبحانك} تبرؤ من الرضى بأن يعبدهم المشركون لأن الملائكة لما جعلوا أنفسهم موالين لله فقد كذبوا المشركين الذين زعموا لهم الإِلهية، لأن العابد لا يكون معبوداً. وقد تقدم الكلام على لفظ (ولي) عند قوله تعالى: { أية : قل أغير اللَّه أتخذ ولياً } تفسير : في سورة الأنعام (14) وفي آخر سورة الرعد. و{مِن} زائدة للتوكيد و (دون) اسم لمعنى غير، أي أنت ولينا وهم ليسوا أولياء لنا ولا نرضى بهم لكفرهم فــــ{من دونهم} تأكيد لما أفادته جملة {أنت ولينا} من الحَصر لتعريف الجزأين. و{بل} للإِضراب الانتقالي انتقالاً من التبرؤ منهم إلى الشهادة عليهم وعلى الذين سَوّلوا لهم عبادة غير الله تعالى، وليس إضراب إبطال لأن المشركين المتحدث عنهم كانوا يعبدون الملائكة، والمعنى: بل كان أكثر هؤلاء يعبدون الجن وكان الجنّ راضين بعبادتهم إياهم. وحاصل المعنى: أنا منكرون عبادتهم إياناً ولم نأمرهم بها ولكن الجن سوّلت لهم عبادة غير الله فعبدوا الجن وعبدوا الملائكة. وجملة {أكثرهم} للمشركين وضمير {بهم} للجن، والمقام يردّ كل ضمير إلى معاده ولو تماثلت الضمائر كما في قول عباس بن مرداس يوم حنين: شعر : عُدنا ولولا نحن أحدق جمعهم بالمسلمين وأحرزوا ما جَمَّعوا تفسير : أي أحرز جَمْع المشركين ما جَمَّعه المسلمون من مغانم. وقرأ الجمهور {نحشرهم} و{نقول} بنون العظمة. وقرأ حفص عن عاصم بياء الغائب فيهما، والضمير عائد إلى {ربي} من قوله: { أية : قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له } تفسير : [سبأ: 39].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ} الآية. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا ٱلسَّبِيلَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ وَلَـٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ} تفسير : [الفرقان: 17ـ18] الآية.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 40- واذكر - أيها النبى - يوم يحشرهم الله جميعاً. ثم يقول - سبحانه - للملائكة أمام من كانوا يعبدونهم: أهؤلاء خصُّوكم بالعبادة دونى؟! 41- قالت الملائكة: نُنزهك - تنزيها - عن أن يكون لك شريك، أنت الذى نواليه من دونهم، وهم واهمون فى زعمهم أنهم كانوا يعبدوننا، بل كانوا خاضعين لتأثير الشياطين الذين زينوا لهم الشرك أكثرهم بهم مصدقون. 42- فيوم الحشر لا يملك بعضكم لبعض جلب نفع ولا دفع ضر، ونقول للظالمين أنفسهم: ذوقوا عذاب النار التى كنتم بها فى الدنيا تكذبون. 43- وإذا تتلى على الكفار آياتنا واضحات الدلالة على الحق، قال الكافرون: ما هذا إلا رجل يُريد أن يمنعكم عمَّا كان يعبد آباؤكم، وقالوا: ما هذا القرآن إلا كذب مختلق، وقال الذين كفروا للقرآن لمَّا جاءهم: ما هذا إلا سحر واضح. 44- وما أنزل الله على العرب من كتب سماوية يدرسونها، وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير يخوفهم عاقبة جحودهم. 45- وكَذَّب الذين سبقوا من الأمم أنبياءهم، وما بلغ مشركو قومك عُشْر ما آتينا هؤلاء السابقين من قوة وتمكين، فكذَّبوا رسلى، فكيف كان إنكارى عليهم بعقابى لهم؟.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: ويوم نحشرهم جميعا: أي واذكر يوم نحشرهم جميعاً أي جميع المشركين. أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون؟: أي يقول تعالى هذا للملائكة تقريعاً للمشركين وتوبيخاً لهم. قالوا سبحانك: أي قالت الملائكة سبحانك أي تقديساً لك عن الشرك وتنزيهاً. أنت ولينا من دونهم: أي لا موالاة بيننا وبينهم أي يتبرأوا منهم. بل كانوا يعبدون الجن: أي الشياطين التي كانت تتمثل لهم فيحسبونها ملائكة فيطيعونها فتلك عبادتهم لها. فاليوم لا يملك بعضكم لبعض: أي لا يملك المعبودون للعابدين. نفعاً ولا ضراً: أي لا يملكون نفعهم فينفعونهم ولا ضرهم فيضرونهم. ونقول للذين ظلموا: أي أشركوا غير الله في عبادته من الملائكة والأنبياء أو الأولياء والصالحين. عذاب النار التي كنتم بها تكذبون: أي كنتم في الدنيا تكذبون بالبعث والجزاء وهو الجنة أو النار. معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير عقيدة البعث والجزاء والتوحيد. قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم واذكر {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} أي المشركين {جَمِيعاً} فلم نبق منهم أحداً، ثم نقول للملائكة وهم أمامهم تقريراً للمشركين وتأنيباً: {أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} فتتبرأ الملائكة من ذلك وينزهون الله تعالى عنه الشرك فيقولون: {سُبْحَانَكَ} أي تنزيهاً لك عن الشرك وتقديساً {أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ} أما هم فلا ولاية بيننا وبينهم {بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ} أي الشياطين {أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} أي مصدقون فأطاعوهم في عبادة الأصنام وعصوك وعصوا رسلك فلم يعبدوك ولم يطيعوا رسلك. وقوله تعالى {فَٱلْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً} أي يقال لهم هذا القول تيئيساً وإبلاساً أي قطعاً لرجائهم في أن يشفعوا لهم. وقوله تعالى {وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} وهم المشركون {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} أي كنتم تكذبون بها في الدنيا فذوقوا اليوم عذابها. والعياذ بالله من عذاب النار. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تقرير لعقيدة البعث والجزاء بذكر بعض أحوالها. 2- أن من كانوا يعبدون الملائكة والأنبياء والصالحين إنما كانوا يعبدون الشياطين إذ هي التي زينت لهم الشرك. أما الملائكة والأنبياء والأولياء فلم يرضوا بذلك منهم فضلا عن أن يأمروهم به. 3- بيان توبيخ أهل النار بتكذيبهم في الدنيا بالآخرة وكفرهم بوجود نار يعذبون بها يوم القيامة.
د. أسعد حومد
تفسير : {لِلْمَلاَئِكَةِ} (40) - وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ ذَلِكَ اليومَ الذِي يَحْشُرُ اللهُ فِيهِ المُسْتَكْبِرينَ مِنْهُمْ والمُسْتَضْعَفينَ مَعَ المَلائِكةِ، الذينَ كَانَ المُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَهُمْ طَمَعاً فِي شَفَاعَتِهِمْ، وَلِيُقرِّبُوهُمْ إِلى اللهِ زُلْفَى، ثُمَّ يَسْأَلُ اللهُ تَعَالَى المَلاَئِكَةَ قَائلاً: هَلْ أَنْتُمْ أَمَرْتُمْ هُؤلاءِ بِعِبَادَتِكُمْ؟
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : المعنى: واذكر يوم يحشرهم جميعاً، واليوم ظرف للحشر وللجمع يوم القيامة، لكن لماذا يذكر رسول الله هذا اليوم؟ قالوا: هنا إشارة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله لم يَنْسَه وما تركه، ولا تخلى عنه، بدليل أنه سينتقم له من أعدائه ومكذِّبيه في هذا اليوم، وكأن الله يقول له: سترى ماذا سنفعل بهم، كما قال سبحانه في آخر المطففين: {أية : هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [المطففين: 36]. وقوله تعالى: {ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} [سبأ: 40] معلوم أن الكفار عبدوا آلهة كثيرة، فلماذا خَصَّ الملائكة هنا بهذا السؤال؟ قالوا: لأنهم أعلى الأجناس التي عُبدَتْ من دون الله وأقربهم إلى الله؛ لذلك قالوا عنهم: بنات الله، فهم يظنون أنَّ الملائكة لهم كلمة عند الله، ويمكن أنْ يشفعوا لهم أو يدافعوا عنهم إنْ عبدوهم؛ لذلك ذكر هنا الملائكة، ولم يذكر الشجر والحجر الذي عُبِد من دونه سبحانه. لكن، لماذا وُجِّه السؤالُ للملائكة المعبودين، ولم يُوجَّه للعابدين الذين أشركوا؟ لماذا لم يُوبِّخهم الله ويُقرِّعهم على عبادتهم دون الله؟ قالوا: لأن الحق سبحانه أراد أنْ يسمع المشركون من الملائكة أنفسهم الردّ: لتكون الحجة عليهم أبلغ. يقول سبحانه للملائكة: {أَهَـٰؤُلاَءِ} [سبأ: 40] المشركون {إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} [سبأ: 40] فأول ردِّهم {قَالُواْ سُبْحَانَكَ} [سبأ: 41] يعني: تنزيه لك يا رب أنْ يُعبد سواك {أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ} [سبأ: 41] يعني: نحن في ذُلِّية عبوديتنا لك يا رب أعزُّ وأكرم من كونهم يعبدوننا {بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ} [سبأ: 41] يعني: ما عبدونا، إنما عبدوا الجن {أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} [سبأ: 41] فلماذا عبدوا الجن؟ ولماذا كان أكثرهم يؤمن بالجن؟ الجن هو الجنس الذي يقابل الإنس، وسُمِّي الجن؛ لأنه مستور عنَّا، يرانا ونحن لا نراه، كما قال تعالى: {أية : إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} تفسير : [الأعراف: 27]. والذين عبدوا الجن لم يعبدوهم جميعاً، إنما عبدوا الشياطين منهم، وعبدوهم لأنهم يطيعونهم، وأكثرهم كانوا بالجن مؤمنين، لماذا؟ لأن الجن كانوا يَسْترقون السمع، فيلتقطون بعض الأخبار والحقائق، ثم يُوحُونها إلى أوليائهم من شياطين الإنس فيأخذها هؤلاء ويخبرون الناس بها على سبيل أنهم يعلمون الغيب، إلا أنهم كانوا يدسُّون في هذه الحقائق الكثير من الباطل، ثم تأتي بعض الأحداث موافقة لما أخبروا به، فيُفْتَن الناس بهم، ويظنون أنهم يعلمون الغيب. ثم يقول الحق سبحانه: {فَٱلْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً...}.
الجيلاني
تفسير : {وَ} اذكر يا أكمل الرسل لمن عبد الملائكة واتخذوهم أرباباً من دون الله مستحقين للعبادة والرجوع في الملمات مثله سبحانه، وسموهم شفعاء {يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} في المحشر {جَمِيعاً} العبادون والمعبودون {ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ} على رءوس الأشهاد، وتفضيحاً للعابدين، وتقريعاً لهم: {أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} [سبأ: 40] يعني: أهؤلاء المسرفون المشركون ي يعبدون إياكم كعبادتي، بل يخصونكم بالعبادة ويهتمون بشأنكم، هل تستبعدونهم وتسترضون عبادتهم وتوالون معهم، أم يعبدونكم من تلقاء نفوسهم؟!. {قَالُواْ} أي: الملائكة خائفين من بطشه سبحانه، مستحيين، متضرعين نحو جنابه: {سُبْحَانَكَ} ننزهل يا مولانا عما لا يليق بشأنك {أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ} وأنت المراقب علينا، المطلع على سرائرنا وضمائرنا، المتولي لجميع ما صدر عنا، وأنت تعلم يا مولانا ألاَّ موالاة بيننا وبينهم؛ إذ لا يخفى عليك خافية، ومن أين يسع لنا ويتأتى من الرضا بأمثال هذه الجرأة والجرائم العظيمة، وأنت أعلم يا مولانا بمعبوداتهم التي اتخذوها هؤلاء الغواة الطغاة، الهالكون في تيه الجهل والغفلة؛ لعلو شأنك وشأن ألوهيتك وربوبيتك {بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ٱلْجِنَّ} أي: الشياطين الداعين لهم إلى عبادتهم، الراضين بها؛ لأنهم يتمثلون بصور الملائكة، ويدعون الألوهية والربوبية لأنفسهم، ويأمرونهم بالعبادة لأنفسهم، بل {أَكْـثَرُهُم} أي: كل المشركين، وجملة المتخذين أنداداً لله {بِهِم مُّؤْمِنُونَ} [سبأ: 41] أي: بالشياطين، عابدون لهم، متوجهون نحوهم في عموم مهامهم. {فَٱلْيَوْمَ} تبلى السرائر، وظهر ما في الضمائر، ولا سلطان الوحدة الذاتية، وانقهر الأظلال الأغيار، وظهر أن الأمور كلها مفوضة إليه سبحانه، وإن كان قبل ذلك أيضاً، كذلك {لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ} أيها الأظلال المستهلكة في شمس الذات {لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً} لا جلباً ولا دفعاً، ولا لطفاً ولا قهراً {وَ} بعدما انقطع عنهم التصرف مطلقاً، لا معنى ولا صورة، ولا مجازاً ولا حقيقة {نَقُولُ} على مقتضى قهرنا وجلالنا {لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} وخرجوا عن ربقة عبوديتنا ومقتضيات حدودنا الموضوعة لإصلاح أحوال عبادنا: {ذُوقُواْ} أيها الضالون المنهمكون في بحر العدوان والطغيان {عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} [سبأ: 42] في نشأتكم الأولى بعدما أُخبرتم على ألسنة الرسل والكتب. {وَ} كيف لا نقول لهم ما نقول؛ إذ هم كانوا من غاية عدوانهم وظملهم على الله وعلى رسله وكتبه {إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا} الدالة على إصلاح أحوالهم المتعقلة بالنشأتين مع كونها {بَيِّنَاتٍ} واضحات في الدلالة على أهل مقاصدهم ومطالبهم {قَالُواْ} من شدة شكيمتهم وغيظهم على رسول الله: {مَا هَـٰذَا} المدعي للرسالة والنبوة - يعنون الرسول صلى الله عليه وسلم - {إِلاَّ رَجُلٌ} حقير مستبد برأيه، مستبدع أمراً من تلقاء نفسه {يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ} ويصرفكم {عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ} ويستتبعكم؛ أي: يجعلكم تابعين له، بل يستبعدكم بأمثال هذا التلبيس والتقرير {وَقَالُواْ} أيضاً في حق القرآن: {مَا هَـٰذَآ} الذي جاء به {إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى} أي: كذب مختلق غير مطابق للواقع، افتراه على الله؛ تلبيساً وتقريراً على ضعفاء الأنام {وَ} بالجملة: {قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ} الصريح، وستروه بالباطل عدواناً وعناداً {لَمَّا جَآءَهُمْ} أي: حين عاينوا به وعلموا أنه من الخوارق العجيبة، واضطروا خائبين حائرين عن جميع طرق الرد والمنع، غير أنهم نسبوه إلى السحر وقالوا: {إِنْ هَـٰذَآ} أي: ما هذا الذي سماه قرآناً {إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} [سبأ: 43] ظاهر سحريته، عظيم إعجازه.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : ثم أخبر عن حال النشر والحشر بقوله: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} [سبأ: 40] يشير إلى أنه كما يعبد قوم الملائكة يقول الشيطان وإذا سأل الملائكة {أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ} [سبأ: 40] يبشرون الملائكة منهم وينزهون الله ويقولون سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن كذلك من يعبد الله بقول الوالدين والأستاذين أو أهل بلده أو بالتعصب والهوى كما يعبدون اليهود والنصارى والصابئون والمجوس وأهل البدع والأهواء يتبرأ منه ويقول: أنا منزه من أن أعبد، يقول: من يعبدني بالهوى أو أعبد بالهوى فإن من عبدني بالهوى فقد عبد الهوى ومن عبدني بإعانة أهل الهوى إياه على تعبدي فقد عبد أهل الهوى لأنه ما عبدني مخلصاً كما أمرته {أية : وَمَآ أُمِرُوۤاْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ} تفسير : [البينة: 5] ولهذا المعنى أمرنا الله عز وجل أن نقول في عبادته في الصلاة {أية : إِيَّاكَ نَعْبُدُ}تفسير : [الفاتحة: 5] أي: لم نعبد غيرك {أية : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}تفسير : [الفاتحة: 5] على عبادتك لنعبدك بإعانتك لا بإعانة غيرك. وبقوله: {أَكْـثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ} [سبأ: 41] يشير إلى أن أكثر مدعي الإسلام بأهل الهوى يؤمنون أي: بتقليدهم وتصديقهم فيما يقيمون إليه من البدع والاعتقاد السوء وبقوله: {فَٱلْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً} [سبأ: 42] يشير إلى أن من علق قلبه بالأغيار وظن صلاح حاله من الاحتيال والاستعانة بالأمثال والأشكال نزع الله الرحمة من قلوبهم ويتركهم ويشوش أحوالهم، فلا لهم من الأشكال والأمثال معونة ولا لهم من عقولهم في أمورهم استبصار ولا إلى الله رجوع إلا في الدنيا، فإن رجعوا إليه في الآخرة لا يرحمهم ولا يجيبهم كما قال: {وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ} [سبأ: 42] عبدوا غير الله {ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ} [سبأ: 42] نار البعد والقطيعة {ٱلَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ} [سبأ: 42]. وبقوله: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَـٰذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ} [سبأ: 43] يشير إلى أن صاحب نظر من أرباب الولاية إذا دل الناس على الله ودعاهم إليه قال إخوانهم السوء وإخوانهم الجهلة، والمهجرون من أهل الغفلة من الأقارب ومن أبناء الدنيا، وربما كان من العلماء السوء الذين أسكرتهم محبة الدنيا وقال صلى الله عليه وسلم فيهم: "حديث : أولئك قطاع الطريقة على عبادي"تفسير : هذا رجل يريد اصطيادكم واستتباعكم لتكونوا من أتباعه وأعوانه ومريديه، ويصدكم عن مذاهبكم ويطمع في أموالكم ومن ذا الذي يطيق أن يترك الدنيا بالكلية ويقطع عن أقاربه وأهاليه ويضيع أولاده ويعق والديه، وليس هذا طريق الحق وإنك لا تتم هذا الأمر ولا بد لك من الدنيا ما دمت تعيش وأمثال هذا حتى يميل ذلك المسكين من مدلول النصح في الإقبال على الله والإعراض عن الدنيا، وربما كان له هذا من خواطره الذميمة نية وهواجس نفسه الردية فيهلك ويضل {وَقَالُواْ مَا هَـٰذَآ} [سبأ: 43] يعني نصح هذا الناصح {إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى} [سبأ: 43] لأغراض فاسدة {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} [سبأ: 43] وجحدوا وأنكروا {لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ} [سبأ: 43] على لسان أولياء الله وأهل الحق {إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} [سبأ: 43]. وبقوله: {وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا} [سبأ: 44] يشير إلى أنهم يعني هؤلاء المنكرين ما قرءوا في كتب أنزلناها هذا الإنكار والاعتراض وصد الطالبين عن سبيل الرشاد {وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ} [سبأ: 44] يعني: وما صحبوا شيخاً كاملاً قبل هذا ليميز بنور صحبته كذلك وافتراءك.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا } أي: العابدين لغير اللّه والمعبودين من دونه، من الملائكة. { ثُمَّ يَقُولُ } الله { لِلْمَلائِكَةِ } على وجه التوبيخ لمن عبدهم { أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ } فتبرأوا من عبادتهم. و { قَالُوا سُبْحَانَكَ } أي: تنزيها لك وتقديسا، أن يكون لك شريك، أو ند { أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ } فنحن مفتقرون إلى ولايتك، مضطرون إليها، فكيف ندعو غيرنا إلى عبادتنا؟ أم كيف نصلح لأن نتخذ من دونك أولياء وشركاء؟!! ولكن هؤلاء المشركون { كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ } أي: الشياطين، يأمرون بعبادتنا أو عبادة غيرنا، فيطيعونهم بذلك. وطاعتهم هي عبادتهم، لأن العبادة الطاعة، كما قال تعالى مخاطبا لكل من اتخذ معه آلهة {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ }. تفسير : { أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ } أي مصدقون للجن منقادون لهم لأن الإيمان هو التصديق الموجب للانقياد. فلما تبرأوا منهم قال تعالى مخاطبا لهم { فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا } تقطعت بينكم الأسباب وانقطع بعضكم من بعض { وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا } بالكفر والمعاصي - بعد ما ندخلهم النار - { ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ } فاليوم عاينتموها ودخلتموها جزاء لتكذيبكم وعقوبة لما أحدثه ذلك التكذيب من عدم الهرب من أسبابها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):