Verse. 3649 (AR)

٣٤ - سَبَأ

34 - Saba (AR)

وَاِذَا تُتْلٰى عَلَيْہِمْ اٰيٰتُنَا بَيِّنٰتٍ قَالُوْا مَا ھٰذَاۗ اِلَّا رَجُلٌ يُّرِيْدُ اَنْ يَّصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ اٰبَاۗؤُكُمْ۝۰ۚ وَقَالُوْا مَا ھٰذَاۗ اِلَّاۗ اِفْكٌ مُّفْتَرًى۝۰ۭ وَقَالَ الَّذِيْنَ كَفَرُوْا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاۗءَہُمْ۝۰ۙ اِنْ ھٰذَاۗ اِلَّا سِحْرٌ مُّبِيْنٌ۝۴۳
Waitha tutla AAalayhim ayatuna bayyinatin qaloo ma hatha illa rajulun yureedu an yasuddakum AAamma kana yaAAbudu abaokum waqaloo ma hatha illa ifkun muftaran waqala allatheena kafaroo lilhaqqi lamma jaahum in hatha illa sihrun mubeenun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإذا تتلى عليهم آياتنا» القرآن «بيّنات» واضحات بلسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم «قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم» من الأصنام «وقالوا ما هذا» القرآن «إلا إفك» كذب «مفترى» على الله «وقال الذين كفروا للحق» القرآن «لما جاءهم إن» ما «هذا إلا سحرٌ مبين» بيّن.

43

Tafseer

الرازي

تفسير : إظهاراً لفساد اعتقادهم واشتداد عنادهم حيث تبين أن أعلى من يعبدونه وهم الملائكة لا يتأهل للعبادة لذواتهم كما قالوا: {أية : سُبْحَـٰنَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا } تفسير : [سبأ: 41] أي لا أهلية لنا إلا لعبادتك من دونهم أي لا أهلية لنا لأن نكون معبودين لهم ولا لنفع أو ضر كما قال تعالى: {أية : فَٱلْيَوْمَ لاَ يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعاً وَلاَ ضَرّاً } تفسير : [سبأ: 42] ثم مع هذا كله إذا قال لهم النبـي عليه السلام كلاماً من التوحيد وتلا عليهم آيات الله الدالة عليه، فإن لله في كل شيء آيات دالة على وحدانيته أنكروها وقالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم يعني يعارضون البرهان بالتقليد {وَقَالُواْ مَا هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى } وهو يحتمل وجوهاً أحدها: أن يكون المراد أن القول بالوحدانية {إِفْكٌ مُّفْتَرًى } ويدل عليه هو أن الموحد كان يقول في حق المشرك إنه يأفك كما قال تعالى في حقهم: {أية : أَءفْكاً ءالِهَةً دُونَ ٱللَّهِ تُرِيدُونَ } تفسير : [الصافات: 86] وكما قالوا هم للرسول: {أية : أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلهتنا } تفسير : [الأحقاف: 22] وثانيها: أن يكون المراد {مَا هَـٰذَا إِلاَّ إِفْكٌ} أي القرآن إفك وعلى الأول يكون قوله: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقّ لَمَّا جَاءهُمْ إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} إشارة إلى القرآن وعلى الثاني يكون إشارة إلى ما أتى به من المعجزات وعلى الوجهين فقوله تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } بدلاً عن أن يقول وقالوا للحق هو أن إنكار التوحيد كان مختصاً بالمشركين، وأما إنكار القرآن والمعجزات [فقد] كان متفقاً عليه بين المشركين وأهل الكتاب [فقال] تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقّ } على وجه العموم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} يعني القرآن. {قَالُواْ مَا هَـٰذَا إِلاَّ رَجُلٌ} يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم. {يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ} أي أسلافكم من الآلهة التي كانوا يعبدونها. {وَقَالُواْ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى} يعنون القرآن؛ أي ما هو إلا كذب مختلَق. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} فتارةً قالوا سحر، وتارةً قالوا إفك. ويحتمل أن يكون منهم من قال سحر ومنهم من قال إفك.

ابن كثير

تفسير : يخبر الله عن الكفار: أنهم يستحقون منه العقوبة، والأليم من العذاب؛ لأنهم كانوا إذا تتلى عليهم آياته بينات يسمعونها غضة طرية من لسان رسوله صلى الله عليه وسلم {قَالُواْ مَا هَـٰذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُكُمْ} يعنون: أن دين آبائهم هو الحق، وأن ما جاءهم به الرسول عندهم باطل، عليهم وعلى آبائهم لعائن الله تعالى، {وَقَالُواْ مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى} يعنون: القرآن،{وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} قال الله تعالى: {وَمَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ} أي: ما أنزل الله على العرب من كتاب قبل القرآن، وما أرسل إليهم نبياً قبل محمد صلى الله عليه وسلم وقد كانوا يودون ذلك، يقولون: لو جاءنا نذير، أو أنزل علينا كتاب، لكنا أهدى من غيرنا، فلما منّ الله عليهم بذلك، كذبوه وجحدوه وعاندوه. ثم قال تعالى: {وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ} أي: من الأمم، {وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ ءَاتَيْنَـٰهُمْ} قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي: من القوة في الدنيا. وكذلك قال قتادة والسدي وابن زيد؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً وَأَفْئِدَةً فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُمْ مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُواْ يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } تفسير : [الأحقاف: 26] {أية : أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوۤاْ أَكْـثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي ٱلأَرْضِ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونََ} تفسير : [غافر: 82] أي: وما دفع ذلك عنهم عذاب الله، ولا رده، بل دمر الله عليهم لماكذبوا رسله، ولهذا قال: {فَكَذَّبُواْ رُسُلِى فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي: فكيف كان عقابي ونكالي وانتصاري لرسلي؟

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُنَا } القرآن {بَيِّنَٰتٍ } واضحات بلسان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم {قَالُواْ مَا هَٰذآ إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُكُمْ } من الأصنام {وَقَالُواْ مَا هَٰذَآ } أي القرآن {إِلاَّ إِفْكٌ } كذب {مُّفْتَرًى } على الله {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ } القرآن {لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ } ما {هَٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } بيِّن.

الشوكاني

تفسير : ثم ذكر سبحانه نوعاً آخر من أنواع كفرهم، فقال: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا } أي: الآيات القرآنية حال كونها {بَيّنَـٰتٍ } واضحات الدلالات ظاهرات المعاني {قَالُواْ مَا هَـٰذَا } يعنون: التالي لها، وهو النبي {إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُم} أي: أسلافكم من الأصنام التي كانوا يعبدونها {وَقَالُواْ } ثانياً {مَا هَـٰذَا } يعنون: القرآن الكريم {إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى } أي: كذب مختلق {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } ثالثاً {لِلْحَقّ لَمَّا جَاءهُمْ } أي: لأمر الدين الذي جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } وهذا الإنكار منهم خاص بالتوحيد، وأما إنكار القرآن، والمعجزة، فكان متفقاً عليه بين أهل الكتاب، والمشركين. وقيل: أريد بالأوّل، وهو قولهم: {إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى } معناه، وبالثاني، وهو قولهم: {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } نظمه المعجز. وقيل: إن طائفة منهم قالوا: إنه إفك، وطائفة قالوا: إنه سحر. وقيل: إنهم جميعاً قالوا: تارة إنه إفك، وتارة إنه سحر، والأوّل أولى. {وَمَا ءاتَيْنَـٰهُمْ مّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا } أي: ما أنزلنا على العرب كتباً سماوية يدرسون فيها {وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مّن نَّذِيرٍ } يدعوهم إلى الحقّ، وينذرهم بالعذاب، فليس لتكذيبهم بالقرآن وبالرسول وجه، ولا شبهة يتشبثون بها. قال قتادة: ما أنزل الله على العرب كتاباً قبل القرآن، ولا بعث إليهم نبياً قبل محمد صلى الله عليه وسلم. قال الفرّاء، أي: من أين كذبوك، ولم يأتهم كتاب، ولا نذير بهذا الذي فعلوه. ثم خوّفهم سبحانه، وأخبر عن عاقبتهم، وعاقبة من كان قبلهم، فقال: {وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ } من القرون الخالية {وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَا ءاتَيْنَـٰهُمْ } أي: ما بلغ أهل مكة من مشركي قريش، وغيرهم من العرب عشر ما آتينا من قبلهم من القوّة، وكثرة المال، وطول العمر، فأهلكهم الله، كعاد، وثمود، وأمثالهم. والمعشار: هو: العشر. قال الجوهري: معشار الشيء عشره. وقيل المعشار: عشر العشر، والأوّل أولى. وقيل: إن المعنى: ما بلغ من قبلهم معشار ما آتينا هؤلاء من البينات والهدى. وقيل: ما بلغ من قبلهم معشار شكر ما أعطيناهم. وقيل: ما أعطى الله من قبلهم معشار ما أعطاهم من العلم، والبيان، والحجة، والبرهان، والأوّل أولى. وقيل: المعشار عشر العشير، والعشير عشر العشر، فيكون جزءاً من ألف جزء. قال الماوردي: وهو الأظهر؛ لأن المراد به المبالغة في التقليل، قلت: مراعاة المبالغة في التقليل لا يسوغ لأجلها الخروج عن المعنى العربي، وقوله: {فَكَذَّبُواْ رُسُلِى } عطف على {كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ } على طريقة التفسير، كقوله: {أية : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا } تفسير : [القمر: 9] الآية، والأولى أن: يكون من عطف الخاص على العام، لأن التكذيب الأول لما حذف منه المتعلق للتكذيب أفاد العموم، فمعناه: كذبوا الكتب المنزلة، والرسل المرسلة، والمعجزات الواضحة، وتكذيب الرسل أخص منه، وإن كان مستلزماً له، فقد روعيت الدلالة اللفظية لا الدلالة الالتزامية {فَكَيْفَ كَانَ} أي: فكيف كان إنكاري لهم بالعذاب، والعقوبة، فليحذر هؤلاء من مثل ذلك. قيل: وفي الكلام حذف. والتقدير: فأهلكناهم، فكيف كان نكير، والنكير اسم بمعنى: الإنكار. ثم أمر سبحانه رسوله: أن يقيم عليهم حجة ينقطعون عندها، فقال: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوٰحِدَةٍ } أي: أحذركم، وأنذركم سوء عاقبة ما أنتم فيه، وأوصيكم بخصلة واحدة، وهي: {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ } هذا تفسير للخصلة الواحدة، أو بدل منها، أي: هي قيامكم وتشميركم في طلب الحقّ بالفكرة الصادقة متفرقين اثنين اثنين، وواحداً واحداً، لأن الاجتماع يشوّش الفكر. وليس المراد القيام على الرجلين، بل المراد القيام بطلب الحقّ، وإصداق الفكر فيه، كما يقال: قام فلان بأمر كذا {ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ } في أمر النبيّ، وما جاء به من الكتاب، فإنكم عند ذلك تعلمون أن {مَا بِصَـٰحِبِكُمْ مّن جِنَّةٍ }، وذلك؛ لأنهم كانوا يقولون: إن محمداً مجنون، فقال الله سبحانه: قل لهم: اعتبروا أمري بواحدة، وهي: أن تقوموا لله، وفي ذاته مجتمعين، فيقول الرجل لصاحبه: هلمّ، فلنتصادق، هل رأينا بهذا الرجل من جنة، أي: جنون، أو جرّبنا عليه كذباً، ثم ينفرد كل واحد عن صاحبه، فيتفكر، وينظر، فإن في ذلك ما يدل على أن محمداً صلى الله عليه وسلم صادق، وأنه رسول من عند الله، وأنه ليس بكاذب، ولا ساحر، ولا مجنون، وهو معنى قوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } أي: ما هو إلاّ نذير لكم بين يدي الساعة. وقيل: إن جملة {مَا بِصَـٰحِبِكُمْ مّن جِنَّةٍ } مستأنفة من جهة الله سبحانه مسوقة للتنبيه على طريقة النظر والتأمل بأن هذا الأمر العظيم، والدعوى الكبيرة لا يعّرض نفسه له إلاّ مجنون لا يبالي بما يقال فيه، وما ينسب إليه من الكذب، وقد علموا: أنه أرجح الناس عقلاً، فوجب: أن يصدّقوه في دعواه، لا سيما مع انضمام المعجزة الواضحة، وإجماعهم على أنه لم يكن ممن يفتري الكذب، ولا قد جرّبوا عليه كذباً مدّة عمره، وعمرهم. وقيل: يجوز أن تكون «ما» في {مَا بِصَـٰحِبِكُمْ } استفهامية، أي: ثم تتفكروا أيّ شيء به من آثار الجنون. وقيل: المراد بقوله: {إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوٰحِدَةٍ } هي: «لا إلٰه إلاّ الله» كذا قال مجاهد، والسدّي. وقيل: القرآن؛ لأنه يجمع المواعظ كلها، والأولى ما ذكرناه أوّلاً. وقال الزجاج: إن «أن» في قوله: {أَن تَقُومُواْ } في موضع نصب بمعنى: لأن تقوموا. و قال السدّي: معنى مثنى وفرادى: منفرداً برأيه، ومشاوراً لغيره. وقال القتيبي: مناظراً مع عشيرته، ومفكراً في نفسه. وقيل: المثنى عمل النهار، والفرادى عمل الليل، قاله الماوردي. وما أبرد هذا القول، وأقلّ جدواه. واختار أبو حاتم، وابن الأنباري الوقف على قوله: {ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ }، وعلى هذا تكون جملة: {مَا بِصَـٰحِبِكُمْ مّن جِنَّةٍ } مستأنفة كما قدّمنا. وقيل: ليس بوقف، لأن المعنى: ثم تتفكروا هل جربتم عليه كذباً، أو رأيتم منه جنة، أو في أحواله من فساد. ثم أمر سبحانه أن يخبرهم: أنه لم يكن له غرض في الدنيا، ولا رغبة فيها حتى تنقطع عندهم الشكوك، ويرتفع الريب، فقال: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ } أي: ما طلبت منكم من جعل تجعلونه لي مقابل الرسالة، فهو لكم إن سألتكموه، والمراد نفي السؤال بالكلية، كما يقول القائل: ما أملكه في هذا، فقد وهبته لك، يريد أنه لا ملك له فيه أصلاً، ومثل هذه الآية قوله: {أية : قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ } تفسير : [الشورى: 23]، وقوله: {أية : مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبّهِ سَبِيلاً } تفسير : [الفرقان: 57]. ثم بين لهم: أن أجره عند الله سبحانه، فقال: {إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ } أي: ما أجري إلاّ على الله لا على غيره {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٍ } أي: مطلع لا يغيب عنه منه شيء. {قُلْ إِنَّ رَبّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقّ } القذف الرمي بالسهم، والحصى، والكلام. قال الكلبي: يرمي على معنى: يأتي به، وقال مقاتل: يتكلم بالحق، وهو: القرآن، والوحي، أي: يلقيه إلى أنبيائه. وقال قتادة {بِٱلْحَقّ } أي: بالوحي، والمعنى: أنه يبين الحجة، ويظهرها للناس على ألسن رسله، وقيل: يرمي الباطل بالحق، فيدمغه {عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } قرأ الجمهور برفع: {علام} على أنه خبر ثانٍ لإنّ، أو خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من الضمير في يقذف، أو معطوف على محل اسم إن. قال الزجاج: الرفع من وجهين على الموضع، لأن الموضع موضع رفع، أو على البدل. وقرأ زيد بن علي، وعيسى بن عمر، وابن أبي إسحاق بالنصب نعتاً لاسم إنّ، أو بدلاً منه، أو على المدح. قال الفراء: والرفع في مثل هذا أكثر كقوله: {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ } تفسير : [صۤ: 64]، وقرىء الغيوب بالحركات الثلاث في الغين، وهو: جمع غيب، والغيب هو: الأمر الذي غاب وخفي جدًّا. {قُلْ جَاء ٱلْحَقُّ } أي: الإسلام، والتوحيد. وقال قتادة: القرآن. وقال النحاس: التقدير صاحب الحقّ، أي: الكتاب الذي فيه البراهين، والحجج. وأقول: لا وجه لتقدير المضاف، فإن القرآن قد جاء كما جاء صاحبه. {وَمَا يُبْدِىء ٱلْبَـٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ } أي: ذهب الباطل ذهاباً لم يبق منه إقبال، ولا إدبار، ولا إبداء، ولا إعادة. قال قتادة: الباطل هو: الشيطان، أي: ما يخلق لشيطان ابتداء، ولا يبعث، وبه قال مقاتل، والكلبي. وقيل: يجوز أن تكون ما استفهامية، أي: أيّ شيء يبديه، وأيّ شيء يعيده؟ والأوّل أولى. {قُلْ إِن ضَلَلْتُ } عن الطريق الحقة الواضحة {فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى } أي: إثم ضلالتي يكون على نفسي، وذلك أن الكفار قالوا له: تركت دين آبائك، فضللت، فأمره الله: أن يقول لهم هذا القول: {وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فِيمَا يُوحِى إِلَىَّ رَبّى } من الحكمة، والموعظة، والبيان بالقرآن {إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ } مني ومنكم يعلم الهدى والضلالة. قرأ الجمهور: {ضللت} بفتح اللام، وقرأ الحسن، ويحيـى بن وثاب بكسر اللام، وهي لغة أهل العالية. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس {وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَا ءاتَيْنَـٰهُمْ } يقول: من القوّة في الدنيا. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج نحوه. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي في الآية قال: يقوم الرجل مع الرجل، أو وحده، فيفكر ما بصاحبه من جنة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة {مَا بِصَـٰحِبِكُمْ مّن جِنَّةٍ } يقول: إنه ليس بمجنون. وأخرج هؤلاء عنه أيضاً في قوله: {مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ } أي: من جعل، فهو لكم، يقول: لم أسألكم على الإسلام جعلاً، وفي قوله: {قُلْ إِنَّ رَبّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقّ } قال: بالوحي، وفي قوله: {وَمَا يُبْدِىء ٱلْبَـٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ } قال: الشيطان لا يبدىء ولا يعيد إذا هلك. وأخرج هؤلاء أيضاً عنه في قوله: {وَمَا يُبْدِىء ٱلْبَـٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ } قال: ما يخلق إبليس شيئاً، ولا يبعثه. وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن عمر بن سعد في قوله: {إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى } قال: إنما أوخذ بجنايتي.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {وََمَآ ءَاتَينَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا} يعني مشركي قريش ما أنزل الله تعالى عليهم كتاباً قط يدرسونه، فيه وجهان: أحدهما: فيعلمون بدرسه أن ما جئت به حق أم باطل، قاله السدي. الثاني: فيعلمون أن الله تعالى شريكاً على ما زعموه، قاله ابن زيد. {وَمَآ أَرْسَلْنَآ إلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ} أي ما بعثنا إليهم رسولاً غيرك. قوله عز وجل: {وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} يعني من قبل أمة محمد صلى الله عليه وسلم. {وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ ءاتَيْنَاهُمْ} فيه أربعة: أحدها: يعني أنهم ما عملوا معشار ما أمروا به، قاله الحسن. الثاني: أنه يعني ما أعطى الله سبحانه قريشاً ومن كذب محمداً صلى الله عليه وسلم من أمته معشار ما أعطى من قبلهم من القوة والمال، قاله ابن زيد. الثالث: ما بلغ الذين من قبلهم معشار شكر ما أعطيناهم، حكاه النقاش. الرابع: ما أعطى الله من قبلهم معشار ما أعطاهم من البيان والحجة والبرهان. قال ابن عباس فليس أمة أعلم من أمته ولا كتاب أبين من كتابه. وفي المعشار ثلاثة أوجه: أحدها: أنه العشر وهما لغتان. الثاني: أنه عشر العشر وهو العشير. الثالث: هو عشير العشير، والعشير عشر العشر، فيكون جزءاً من ألف جزء، وهو الأظهر، لأن المراد به المبالغة في التقليل. {فَكَذَّبُواْ رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي عقابي وفي الكلام إضمار محذوف وتقديره: فأهلكناهم فكيف كان نذير.

البقاعي

تفسير : ولما أخبر أنهم أبوا الإيمان بالقرآن، المخبر بالغيب من أمر الرحمن الذي هدت إليه العقول، وشاهدت آثاره العيون، في هذا الكلام المعجز، فتظافرت على ما أخبرت به أدلة السمع والبصر والعقل، وختم بأنهم آمنوا بالجن غيباً وعبدوهم من دون الله بما لم يدع إليه عقل ولا نفل، وصدقوهم من الإخبار بما إن صدقوا في شيء منه خلطوا معه أكثر من مائة كذبة، وسلب أعظم من ادعوا أنهم استندوا إليه النفع والضر، وأسند تعذيبهم إلى تكذيبهم، أتبعه الإخبار بأنهم لازموا الإصرار على ذلك الكفر والتكذيب بما كله صدق وحكم فقال: {وإذا تتلى} أي في وقت من الأوقات من أيّ تال كان {عليهم} أي خاصة لم يشركهم غيرهم ليقولوا: إنه المقصود بالتلاوة، فلا يلزمهم الاستماع {آياتنا} حال كونها {بينات} ما قالت شيئاً إلا ظهرت حقيته {قالوا} أي على الفور من غير تأمل لما حملهم على ذلك من حظ النفس. ولما كان المستكبرون يرون ما للرسالة من الظهور، وللرسول من القبول، وأن أتباعهم قد ظهر لهم ذلك، فمالوا إليه بكلياتهم، أكده قولهم: {ما هذا} أي التالي لها على ما فيه من السمت المعلم بأنه أصدق الخلق وأعلاهم همة وأبينهم نصيحة {إلا رجل} أي مع كونه واحداً هو مثل واحد من رجالكم، وتزيدون عليه أنتم بالكثرة، ولم يسندوا الفعل إليهم نفياً للغرض عن أنفسهم وإلهاباً للمخاطبين فقالوا: {يريد أن يصدكم} أي بهذا الذي يتلوه {عما كان} دائماً {يعبد آباؤكم} أي لا قصد له إلا ذلك لتكونوا له أتباعاً، وألهبوا السامعين بتصوير آبائهم بذكر "كان" والفعل المضارع ملازمين للعبادة ليثبتوا على كفرهم بما لا دليل عليه ولا شبهة ولا داع سوى التقليد. ولما كانت أدلة الكتاب واضحة، خافوا عاقبتها في قبول الاتباع لها، فجزموا بأنها كذب ليوقفوهم بذلك، فحكى ذلك عنهم سبحانه بقوله: {وقالوا ما هذا} أي القرآن {إلا إفك} أي كذب مصروف عن وجهه {مفترى} أي متعمد ما فيه من الصرف. ولما كان فيه ما لا يشك أحد في حقيته، لبسوا عليهم بأنه خيال يوشك أن ينكشف إيقافاً لهم إلى وقت ما، فقال تعالى إخباراً عنهم: {وقال} ولما كان الحق قد يخفى، ولم يقيده بالبيان كما فعل في الآيات، أظهر موضع الإضمار بياناً للوصف الحامل لهم على ذلك القول وهو التدليس، فقال: {الذين كفروا} أي ستروا ما دلت عليه العقول من حقية القرآن، {للحق} أي الذي لا أثبت منه باعتبار كمال الحقية فيه {لما جاءهم} أي من غير أن يمهلوا النظر ولا تدبر ليقال إن الداعي لهم إلى ما قالوا نوه شبهة عرضت لهم، بل أظهروا بالمسارعة إلى الطعن أنه مما لا يتوقف فيه، وأكدوا لما تقدم من خوفهم على أتباعهم ليخيلوهم فقالوا: {إن} أي ما {هذا} أي الثابت الذي لا يكون شيء أثبت منه {إلا سحر} أي خيال لا حقيقة له {مبين *} أي ظاهر العوار جداً، فهو ينادي على نفسه بذلك، فلا تغتروا بما فيه مما تميل النفوس ويؤثر في القلوب، ولقد انصدّ لعمري بهذا التلبيس - مع أن في نسبتهم له إلى السحر الاعتراف بالعجز - بشر كثير برهة حتى هدى الله بعضهم، وتمادى بالآخرين الأمر حتى ماتوا على ضلالهم، مع أنه كان ينبغي لكل من رأى مبادرتهم وتحرقهم أن يعرف أنهم متغرضون، لم يحملهم على ذلك إلا الحظوظ النفسانية، والعلق الشهوانية، قال الطفيل ابن عمرو الدوسي ذو النور رضي الله عنه: لقد اكثروا عليّ في أمره حتى حشوت في أذنيّ الكرسف خوفاً من أن يخلص إلى شيء من كلامه فيفتنني، ثم أراد الله بي الخير فقلت: واثكل أمي إني والله لبيب عاقل شاعر، ولي معرفة بتمييز غث الكلام من سمينه، فما لي لا أسمع منه، فإن كان حقاً تبعته، وإن كان باطلاً كنت منه على بصيرة - أو كما قال، قال: فقصدت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: اعرض عليّ ما جئت به، فلما عرضه عليّ بأبي هو وأمي ما سمعت قولاً قط أحسن منه, ولا أمراً أعدل منه, فما توقفت في أن أسلمت، ثم سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله له أن يعطيه آية تعينه على قومه، فلما أشرف على حاضر قومه كان له نور في جبهته، فخشي أن يظنوا أنها مثلة، فدعا بتحويله، فتحول في طرف سوطه، فأعانه الله على قومه فأسلموا. ولما بارزوا بهذا القول من غير أثارة من علم ولا خبر من سمع، بين ذلك معجباً من شأنهم، موضحاً لعنادهم، بقوله مؤكداً إشارة إلى أن ما يجترئون عليه من الأقوال التي لا سند لها إلا التقليد لا يكون إلا عن كتاب أو رسول: {وما} أي قالوا ذلك والحال أنا ما {آتيناهم} أي هؤلاء العرب أصلاً لأنه لم ينزل عليهم قط قبل القرآن كتاب، وعبر بمظهر العظمة إشارة إلى أن هذا مقام خطر وموطن وعر جداً لأنه أصل الدين، فلا يقنع فيه إلا بأمر عظيم، وأكد هذا المعنى بقوله: {من كتب} بصيغة الجمع مع تأكيد النفي بالجار قبل كتابك الجامع {يدرسونها} أي يجددون دراستها في كل حين، فهي متظاهرة الدلالة باجتماعها على معنى واحد متواترة عندهم لا شبهة في أمرها ليكون ذلك سبباً للطعن في القرآن إذا خالف تلك الكتب {وما أرسلنا} أي إرسالاً لا شبهة فيه لمناسبته لما لنا من العظمة {إليهم} أي خاصة، بمعنى أن ذلك الرسول مأمور بهم باعيانهم، فهم مقصودون بالذات، لا أنهم داخلون في عموم، أو مصقودون من باب الأمر بالمعروف في جميع الزمان الذي {قبلك} أي من قبل رسالتك الجامعة لكل رسالة ليخرج إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام فإنهما كانا في بعض الزمان الماضي، أو أن المراد في الفترة بعد عيسى عليه السلام كما تقدم في السجدة نقله عن ابن عباس ومقاتل، ويجوز أن يراد بعد إسماعيل عليه السلام لأن عيسى عليه السلام - وإن أرسل إلى العرب رسله - لم يكن مرسلاً إلا إلى قومه، وإرساله إلى غيرهم إنما هو من باب الأمر بالمعروف، وشعيب عليه السلام إنما كانت رسالته إلى طائفة أو أثنتين منهم وقد يقال: الذي يدل عليه استغراق جميع الزمان الماضي بالتجريد عن الخافض أن المراد إنما هو نفي الإرسال بهذا الباطل الذي إدعوه لا مطلق الإرسال، وأكد النفي بقوله: {من نذير *} أي ليكون عندهم قول منه يغبر في وجه القرآن، فيكون حاملاً لهم على الطعن. ولما نفى موجب الطعن، ذكر المانع الموجب للإذعان فقال: {وكذب} أي فعلوا ما فعلوا، الحال أنه قد كذب {الذين من قبلهم} أي من قوم نوح ومن بعدهم بادروا إلى ما بادر إليه هؤلاء، لأن التكذيب كان في طباعهم لما عندهم من الجلافة والكبر {وما بلغوا} أي هؤلاء {معشار ما آتيناهم} أي عشراً صغيراً مما آتينا أولئك من القوة في الأبدان والأموال والمكنة في كل شيء من العقول وطول الأعمار والخلو من الشواغل {فكذبوا} أي بسبب ما طبعوا عليه من العناد، وأفرد الضمير كما هو حقه ونصاً على أن النون فيما مضى للعظمة لا للجمع دفعاً لتعنت متعنت فقال: {رسلي}. ولما كان اجتراؤهم على الرسل سبب إهلاكهم على أوجه عجيبة، صارت مثلاً مضروباً باقياً إلى يوم القيامة ولم يغن عنهم في دفع النقم ما بسط لهم من النعم، كان موضع أن يقال لرائيه أو لسامعه: {فكيف كان نكير *} أي فيما كان له من الشدة التي هي كالجبلة أي إنكاري على المكذبين لرسلي، ليكون السؤال تنبيهاً لهذا المسؤول وداعياً له إلى الإذعان خوفاً من أن يحل به ما حل بهم أن فعل مثل ما فعلهم سواء كان الإنكار في أدنى الوجوه كما أوقعناه سبباً من تعطيل الأسباب، أو أعلاها كما أنزلنا بقوم نوح عليه السلام ومن شاكلهم وصب العذاب والاستئصال الوحيّ بالمصاب على ما أشارت إليه قراءتا حذف الياء وإثباتها.

القشيري

تفسير : الحكماء، والأَولياء - الذين هم الأئمة في هذه الطريقة - إذا دَلوا الناسَ عَلَى الله. قال بعض إخوان السوء - مثل بعض المتنصحين من أهل الغفلة وأبناء الدنيا لمريدٍ: ما هذا؟ من الذي يطيق كل هذا؟ ربما لا تُتمّمُ الطريق! لا بُد من الدنيا ما دُمت تعيش!.. وأمثال ذلك، حَتى يميل هذا المسكينُ عند قبول النصح، وربما كان له هذا من خواطره الدنية... فيهلك ويضلّ.

اسماعيل حقي

تفسير : {واذا تتلى} اى تقرأ قراءة متتابعة بلسان الرسول عليه السلام {عليهم} اى على مشركى مكة {آياتنا} القرآنية حال كونها {بينات} واضحات الدلالة على حقية التوحيد وبطلان الشرك {قالوا} مشيرين الى النبى عليه السلام {ما هذا الارجل} تنكيره للتهكم والتلهى والا فرسول الله كان علما مشهورا بينهم {يريد ان يصدكم} اى يمنعكم ويصرفكم {عما كان يعبد آباؤكم} من الاصنام منذ ازمنة متطاولة فيستتبعكم بما يستبدعه من غير ان يكون هناك دين الهى: يعنى [مدعاى او آنست كه شما ازبت برستيدن منع كند وبدين وآيين كه احداث كرده در آورد وتابع خود سازد] واضافة الآباء الى المخاطبين لا الى انفسهم لتحريك عرق العصبية منهم مبالغة فى تقريرهم على الشرك وتنفيرهم عن التوحيد {وقالوا ما هذا} القرآن {الا افك} كلام مصروف عن جهته لعدم مطابقة ما فيه من التوحيد والبعث الواقع {مفترى} باسناده الى الله تعالى والافتراء الكذب عمدا قالوه عنادا ومكابرة والا فقد قال كبيرهم عتبة بن ربيعة والله ما هو شعر ولا كهانة ولا سحر {وقال الذين كفروا للحق} اى للقرآن على ان العطف لاختلاف العنوان بان يراد بالاول معناه وبالثانى نظمه المعجز ووضع المظهر موضع المضمر اظهارا للغضب عليهم ودلالة على ان هذا لا يجترئ عليه الا المتمادون فى الكفر المنهمكون فى الغى والباطل {لما جاءهم} من الله تعالى ومعنى التوقيع فى لما انهم كذبوا به وجحدوه على البديهة ساعة اتاهم واول ما سمعوه قبل التدبر والتأمل {ان} بمعنى ما النافية {هذا الا سحر مبين} ظاهر سحريته لاشبهة فيه. والسحر من سحر يسحر اذا خدع احدا وجعله مدهوشا متحيرا وهذا انما يكون بان يفعل الساحر شيئا يعجز عن فعله وادرا كه المسحور عليه كما فى شرح الامالى. وقال الشيخ الاكبر قدس سره الاطهر فى الفتوحات المكية السحر مأخوذ من السحر وهو ما بين الفجر الاول والفجر الثانى واختلاطته وحقيقته اختلاط الضوء والظلمة فما هو بليل لما خالطه من ضوء الصبح ولا هو بنهار لعدم طلوع الشمس للابصار فكذلك ما فعله السحرة ما هو باطل محقق فيكون عدما فان العين ادركت امرا ما لا تشك فيه ولا هو حق محض فيكون له وجود فى عينه فانه ليس هو فى نفسه كما تشهد العين ويظنه الرائى انتهى. قال الشيخ الشعرانى فى الكبريت الاحمر هو كلام نفيس ما سمعنا مثله قط

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {وإِذا تُتلى عليهم آياتنا} أي: إذا قُرئت عليهم آيات القرآن، {بيناتٍ} واضحات، {قالوا} أي: المشركون {ما هذا}؟ يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم {إِلا رَجُل يُريد أن يَصُدَّكُم}: يصرفكم {عما كان يعبد آباؤُكم} من الأصنام. {وقالوا ما هذا} أي: القرآن {إِلا إِفْكٌ}: كذب {مُّفترىً} بإضافته إلى الله تعالى. {وقال الذين كفروا} أي: وقالوا. والعدول عنه دليلٌ على إنكار عظيم، وغضب شديد، حيث سجّل عليهم بالكفر والجحد، {للحقِّ لَمَّا جاءهم} أي: للقرآن، أو لأمر النبوة كله، لما عجزوا عن معارضته، قالوا: {إِن هذا إِلا سحر مبين} أي: ما هذا إلا سحر ظاهر سِحريتُه. وإنكارهم أولاً باعتبار معناه، وثانياً باعتبار لفظه وإعجازه، ولذلك سمُّوه سحراً. قال تعالى: {وما آتيناهم من كُتُبٍ يَدْرُسُونها} أي: ما أعطينا مشركي مكة كُتباً يدرسونها، فيها برهان على صحة الشكر. {وما أرسلنا إِليهم قبلك من نذيرٍ} أي: ولا أرسلنا إليهم نذيراً يُنذرهم بالعقاب إن لم يشركوا، ويدعوهم إليه، إذ لا وجه له، فمن أين وقع لهم هذه الشبهة؟ وهذا في غاية التجهيل لهم، والتسفيه لرأيهم. ثم هدّدهم بقوله: {وكذّب الذين من قبلهم} أي: وكذّب الذين تقدّموا من الأمم الماضية، والقرون الخالية، الرسل، كما كذّب هؤلاء. {وما بَلَغُوا مِعْشَارَ ما آتيناهم} أي: وما بلغ أهل مكة عُشر ما أُوتي الأولون، من طول الأعمار، وقوة الأجرام، وكثرة الأموال والأولاد، وتوالي النعم، والظهور في البلاد. والمِعشار: مِفعال، من: العشر، ولم يأتِ هذا البناء إلا في العشرة والأربعة. قالوا: معشار ومرباع. وقال في القوت: المعشار: عشر العشر. {فكذَّبوا رسلي} أي: فكذبت تلك الأمم رسلي، {فكيف كان نكيرِ} أي: فانظر كيف كان إنكاري عليهم بالهلاك والتدمير. فالنكير: مصدر، كالإنكار معنى، وكالنذير وزناً. و (كيف) للتعظيم، لا لمجرد الاستفهام، أي: فحين كذبوا رسلي جاءهم إنكاري بالتدمير والاستئصال، ولم تغن عنهم تلك الأموال والأولاد، وما كانوا مستظهرين به من الرئاسة والجاه، فليحذر هؤلاء أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك؛ لمشاركتهم لهم في الكفر والعدوان. الإشارة: تكذيب الصادقين سُنَّة ماضية، وكل مَن ظهر بخصوصية يجذب الناس إلى الله، ويخرجهم من عوائدهم، قالوا: ما هذا إلا سحر مفترى، وما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين، فحين كذَّبوا أولياء زمانهم حُرموا بركتهم، فبقوا في عذاب الحرص والتعب، والهلع والنصب. قال القشيري: إن الحكماء والأولياء ـ الذين هم الأئمة في هذه الطريقة ـ إذا دَلوا الناسَ على الله، قال إخوانهم من إخوان السوء ـ وربما كان من الأقارب وأبناء الدنيا: مَن ذا الذي يطيق هذا؟ ولا بُد من الدنيا ما دمت تعيش!.. وأمثال هذا كثير، حتى يميل ذلك المسكين من قِبل النصح، فيهلك ويضل. هـ. باختصار. وقال في قوله تعالى: {وما آتيناهم من كُتُب يدرسونها..} ما حاصله: إن أرباب القلوب إذا تكلموا بالحقائق، على سبيل الإلهام والفيض، لا يطلب منهم البرهان على ما نطقوا به، فإذا طالبهم أهل القبلة بذلك، فسبيلهم السكوت عنهم، حتى يجيب عنهم الحق تعالى. هـ. وبالله التوفيق. ثم أمر بالتفكر والاعتبار فقال: {قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ...}

الهواري

تفسير : قوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} أي: القرآن {قَالُوا مَا هذَا} يعنون محمدًا صلى الله عليه وسلم {إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءَابَآؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هذَا} أي: القرآن {إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرىً} أي: إلا كذب افتراه محمد. قال الله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ} أي: للقرآن {لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ}. قال الله: {وَمَآ ءَاتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَّدْرُسُونَهَا} أي: يقرأونها، أي: بما هم عليه من الشرك. {وَمَآ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ} كقوله: (أية : لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ) تفسير : [القصص: 46] أي: من نذير من أنفسهم، يعني قريشاً. قال الحسن: كان موسى حجة عليهم. قال: {وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} أي: من قبل قومك يا محمد. {وَمَا بَلَغُوا} أي: وما بلغ هؤلاء {مِعْشَارَ مَآ ءَاتَيْنَاهُمْ} أي: عشر ما آتيناهم من الدنيا، يعني الأمم السالفة. وقال في آية أخرى: {أية : كَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً} تفسير : [التوبة: 69]. [ذكروا عن الحسن قال: {وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَآ ءَاتَيْنَاهُمْ} قال: ما عملوا معشار ما أمروا به]. قال: {فَكَذَّبُوا رُسُلِي} فأهلكتهم {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي: فكيف كان عقابي؛ على الاستفهام. أي: كان شديداً. يحذّرهم أن ينزل بهم مثل ما نزل بهم. قال الله: {قُلْ} يا محمد {إِنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ} أي: بلا إله إلا الله. يقوله للمشركين {أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى} يقول: أن تقوموا واحداً واحداً أو اثنين اثنين {ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم} أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم {مِّن جِنَّةٍ} أي: من جنون {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم} أي: من العذاب {بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} يعني عذاب جهنم. أي: أرسل محمداً بين يدي عذاب شديد. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حديث : إنما مثلي ومثل الساعة كهاتين، فما فضل إحداهما على الأخرى، فجمع بين أصبعه السّبّابة والوسطى .

اطفيش

تفسير : {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} واضحات وهي القرآن قالوا لهذا {ما هذا} اي محمد صلى الله عليه وسلم {إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان} فيه ضمير عائد الى ما {يعبد آباؤكم} اي يعبده ويجوز جعل كان تامة فالرابط للموصول. هاء يعبده ويضعف جعل كان زائدة (ويعبده آياؤكم) صلة ما. {وقالوا ما هذا} أي القرآن. {إلا إفك} اي كذب. {مفترى} على الله. {وقال الذين كفروا للحق} وهو امر النبوة والاسلام والقرآن. {لما جاءهم} قالوا حين المجىء بعجلة من غير تأخير وتفكر وهذا امر عجيب ومنكر عظيم اذ واجهوا ما هو حق واضح كالشمس بالرد فجاءه وقصره على السحر كما قال {إن هذا إلا سحر مبين} وتأكيد السحر بانه مبين وفي تكرير القول والتعبير بالظاهر وهم الذين المستدعي وصفهم بالكفر مثلا وذكر الحق بالاسم الظاهر تأكيد انكار وتعجب فانه كلما زادوا انكارا زاد الانكار عليهم والتعجب من حالهم ونسبة القرآن الى السحر باعتبار اللفظ فانه عزو إلى الكذب والافتراء باعتبار المعنى.

اطفيش

تفسير : {وإذا تُتْلى عَليْهم آياتنا بينات} يتلوها عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل: أو من تلقاها منه واضحات فى وجوب التوحيد والاحتجاج له {قالوا ما هذا} محمد صلى الله عليه وسلم التالى لها، قيل: أو ما هذا المتلوة هى عنه، والإشارة للتحقير {إلا رَجُلٌ يُريد أن يصُدَّكم عما كان يعْبُد} يعبده {آباؤكُم} من الأصنام وغيرها ليترأس عليكم، وتكونوا تحته أتباعا، وليس عن الله تعالى، ولم يقولوا عما كان تعبدونه تحريكا الى النشاط على إبطال ما خالف آباءهم بالعصبية. {وقالُوا ما هذا} ما هذا القرآن الحقير المتلو عليكم، وكرر القول هنا وفيما بعد تمييزا لما تقول كل طائفة، وإن اتحد القائلون فى المواضع، فالتكرار لبيان أن كل واحد من الأقوال كفر محض، وعلى الأول قالوا وكل لا كلية {إلا إفْكٌ} كلام مصروف عن وجهه أنه ليس من الله وقال: إنه من الله، أو ليس كما هو {مُفْترىً} مكذوب به عن الله عز وجل {وقال} بلا تدبر ولا تأمل {الَّذين كَفَروا} أى وقالوا: ووضع الظاهر ليصرح بالكفر الذى هو أعظم، لأنه تضمن التكذيب، ودعوى الصد والإفك، وزادوا بادعاء السحر، ويحتمل أن يراد فريق، فالظاهر على ظاهره، وفى تكرير قال على الاحتمال الأول تأكيد، وعلى الثانى إشارة الى مغايرة القائلين {للحقِّ} فى شأن الحق، أو مشيرين للحق، أى الى الحق، وهو النبوَّة ومعجزاتها الخارقة للعادة، أو الإسلام المفرق وبين المرء وزوجه وولده، بترك الشرك، أو القرآن فى القلوب، لا تكرير على أن يراد بالآيات بلاغة الألفاظ، وبالحق معنى القرآن. {لمَّا جاءهُم إنْ هذا إلا سِحُرٌ مُبينٌ} لما رأوه من مخالفة ما اعتادوا.

الالوسي

تفسير : {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا بَيّنَاتٍ} بيان لبعض آخر من كفرهم أي إذا تتلى عليهم بلسان الرسول صلى الله عليه وسلم آياتنا الناطقة بحقية التوحيد وبطلان الشرك {قَالُواْ مَا هَـٰذَا } يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم التالي للآيات، والإشارة للتحقير قاتلهم الله تعالى {إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ} فيجعلكم من أتباعه من غير أن يكون له دين إلهي، وإضافة الآباء إلى المخاطبين لا إلى أنفسهم لتحريك عرق العصبية منهم مبالغة في تقريرهم على الشرك وتنفيرهم عن التوحيد {وَقَالُواْ مَا هَـٰذَا } يعنون القرآن المتلو والإشارة كالإشارة السابقة {إِلاَّ إِفْكٌ } أي كلام مصروف عن وجهه لا مصداق له في الواقع {مُّفْتَرى } بإسناده إلى الله عز وجل. {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقّ } أي لأمر النبوة التي معها من خوارق العادة ما معها أو للإسلام المفرق بين المرء وزوجه وولده أو القرآن الذي تتأثر به النفوس على أن العطف لاختلاف العنوان بأن يراد بالأول معناه وبالثاني نظمه المعجز {لَمَّا جَاءهُمْ } من غير تدبر ولا تأمل فيه {إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } ظاهر سحريته. وفي ذكر {قَالَ } ثانياً والتصريح بذكر الكفرة وما في اللامين من الإشارة إلى القائلين والمقول فيه وما في {لما} من المسارعة إلى البت بهذا القول الباطل إنكار عظيم له وتعجب بليغ منه، وجوز أن تكون كل جملة صدرت / من قوم من الكفرة.

سيد قطب

تفسير : هذا الشوط الأخير في السورة يبدأ بالحديث عن المشركين، ومقولاتهم عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعن القرآن الذي جاء به؛ ويذكرهم بما وقع لأمثالهم، ويريهم مصرع الغابرين الذين أخذهم النكير في الدنيا، وهم كانوا أقوى منهم وأعلم وأغنى.. ويعقب هذا عدة إيقاعات عنيفة كأنما هي مطارق متوالية. يدعوهم في أول إيقاع منها إلى أن يقوموا لله متجردين ثم يتفكروا غير متأثرين بالحواجز التي تمنعهم من الهدى ومن النظر الصحيح. وفي الإيقاع الثاني يدعوهم إلى التفكير في حقيقة البواعث التي تجعل الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يلاحقهم بالدعوة، وليس له من وراء ذلك نفع، ولا هو يطلب على ذلك أجراً، فما لهم يتشككون في دعوته ويعرضون؟ ثم تتوالى الإيقاعات: قل. قل. قل. وكل منها يهز القلب هزاً ولا يتماسك له قلب به بقية من حياة وشعور! ويختم الشوط وتختم معه السورة بمشهد من مشاهد القيامة حافل بالحركة العنيفة، يناسب إيقاعه تلك الإيقاعات السريعة العنيفة. {وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا: ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم. وقالوا: ما هذا إلا إفك مفترى. وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم: إن هذا إلا سحر مبين. وما آتيناهم من كتب يدرسونها، وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير. وكذب الذين من قبلهم ـ وما بلغوا معشار ما آتيناهم ـ فكذبوا رسلي، فكيف كان نكير؟}.. لقد قابلوا الحق الواضح البين الذي يتلوه عليهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ برواسب غامضة من آثار الماضي، وتقاليد لا تقوم على أساس واضح، وليس لها قوام متماسك. ولقد أحسوا خطورة ما يواجههم به القرآن الكريم من الحق البسيط المستقيم المتماسك. أحسوا خطورته على ذلك الخليط المشوش من العقائد والعادات والتقاليد التي وجدوا عليها آباءهم فقالوا قولتهم تلك: {ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم}.. ولكن هذا وحده لا يكفي. فإن مجرد أنه يخالف ما كان عليه الآباء ليس مطعناً مقنعاً لجميع العقول والنفوس. ومن ثم اتبعوا الادعاء الأول بادعاء آخر يمس أمانة المبلغ، ويرد قوله أنه جاء بما جاء به من عند الله: {وقالوا: ما هذا إلا إفك مفترى}.. والإفك هو الكذب والافتراء؛ ولكنهم يزيدونه توكيداً: {ما هذا إلا إفك مفترى}.. ذلك ليشككوا في قيمته ابتداء، متى أوقعوا الشك في مصدره الإلهي. ثم مضوا يصفون القرآن ذاته: {وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم: إن هذا إلا سحر مبين}.. فهو كلام مؤثر يزلزل القلوب، فلا يكفي أن يقولوا: إنه مفترى. فحاولوا إذن أن يعللوا وقعه القاهر في القلوب. فقالوا: إنه سحر مبين! فهي سلسلة من الاتهامات، حلقة بعد حلقة، يواجهون بها الآيات البينات كي يحولوا بينها وبين القلوب. ولا دليل لهم على دعواهم. ولكنها جملة من الأكاذيب لتضليل العامة والجماهير. أما الذين كانوا يقولون هذا القول ـ وهم الكبراء والسادة ـ فقد كانوا على يقين أنه قرآن كريم، فوق مقدور البشر، وفوق طاقة المتكلمين! وقد سبق في الظلال ما حدث به بعض هؤلاء الكبراء بعضاً في أمر محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأمر القرآن؛ وما دبروا بينهم من كيد ليصدوا به الجماهير عن هذا القرآن الذي يغلب القلوب ويأسر النفوس! وقد كشف القرآن أمرهم، وهو يقرر أنهم أميون لم يؤتوا من قبل كتاباً يقيسون به الكتب؛ ويعرفون به الوحي؛ فيفتوا بأن ما جاءهم اليوم ليس كتاباً وليس وحياً، وليس من عند الله. ولم يرسل إليهم من قبل رسول. فهم يهرفون إذن بما لا علم لهم به ويدعون ما ليس يعلمون: {وما آتيناهم من كتب يدرسونها، وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير}! ويلمس قلوبهم بتذكيرهم بمصارع الذين كذبوا من قبل. وهم لم يؤتوا معشار ما أوتي أولئك الغابرون. من علم، ومن مال، ومن قوة، ومن تعمير.. فلما كذبوا الرسل أخذهم النكير. أي الهجوم المدوي المنكر الشديد: {وكذب الذين من قبلهم ـ وما بلغوا معشار ما آتيناهم ـ فكذبوا رسلي. فكيف كان نكير؟}.. ولقد كان النكير عليهم مدمراً مهلكاً. وكانت قريش تعرف مصارع بعضهم في الجزيرة. فهذا التذكير يكفي. وهذا السؤال التهكمي {فكيف كان نكير؟} سؤال موح يلمس المخاطبين. وهم يعرفون كيف كان ذلك النكير! وهنا يدعوهم دعوة خالصة إلى منهج البحث عن الحق، ومعرفة الافتراء من الصدق، وتقدير الواقع الذي يواجهونه من غير زيف ولا دخل: {قل: إنما أعظكم بواحدة.. أن تقوموا لله مثنى وفرادى، ثم تتفكروا. ما بصاحبكم من جنة. إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد}.. إنها دعوة إلى القيام لله. بعيداً عن الهوى. بعيداً عن المصلحة. بعيداً عن ملابسات الأرض. بعيداً عن الهواتف والدوافع التي تشتجر في القلب، فتبعد به عن الله. بعيداً عن التأثر بالتيارات السائدة في البيئة. والمؤثرات الشائعة في الجماعة. دعوة إلى التعامل مع الواقع البسيط، لا مع القضايا والدعاوى الرائجة؛ ولا مع العبارات المطاطة، التي تبعد القلب والعقل من مواجهة الحقيقة في بساطتها. دعوة إلى منطق الفطرة الهادئ الصافي، بعيداً عن الضجيج والخلط واللبس؛ والرؤية المضطربة والغبش الذي يحجب صفاء الحقيقة. وهي في الوقت ذاته منهج في البحث عن الحقيقة. منهج بسيط يعتمد على التجرد من الرواسب والغواشي والمؤثرات. وعلى مراقبة الله وتقواه. وهي "واحدة".. إن تحققت صح المنهج واستقام الطريق. القيام لله.. لا لغرض ولا لهوى ولا لمصلحة ولا لنتيجة.. التجرد.. الخلوص.. ثم التفكر والتدبر بلا مؤثر خارج عن الواقع الذي يواجهه القائمون لله المتجردون. {أن تقوموا لله. مثنى وفرادى}.. مثنى ليراجع أحدهما الآخر، ويأخذ معه ويعطي في غير تأثر بعقلية الجماهير التي تتبع الانفعال الطارئ، ولا تتلبث لتتبع الحجة في هدوء.. وفرادى مع النفس وجهاً لوجه في تمحيص هادئ عميق. {ثم تتفكروا. ما بصاحبكم من جنة}.. فما عرفتم عنه إلا العقل والتدبر والرزانة. وما يقول شيئاً يدعو إلى التظنن بعقله ورشده. إن هو إلا القول المحكم القوي المبين. {إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد}.. لمسة تصور العذاب الشديد وشيكاً أن يقع، وقد سبقه النذير بخطوة. لينقذ من يستمع. كالهاتف المحذر من حريق في دار يوشك أن يلتهم من لا يفر من الحريق. وهو تصوير ـ فوق أنه صادق ـ بارع موح مثير.. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم بشير ابن المهاجر، حدثني عبدالله بن بريرة عن أبيه ـ رضي الله عنه ـ قال: خرج علينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوماً، فنادى ثلاث مرات: "حديث : أيها الناس أتدرون ما مثلي ومثلكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال ـ صلى الله عليه وسلم: إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدواً يأتيهم. فبعثوا رجلاً يتراءى لهم، فبينما هو كذلك أبصر العدو، فأقبل لينذرهم، وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه. أيها الناس أتيتم. أيها الناس أتيتم. أيها الناس أتيتم ".. تفسير : وروي بهذا الإسناد قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ "حديث : بعثت أنا والساعة جميعاً. إن كادت لتسبقني ".. تفسير : ذلك هو الإيقاع الأول المؤثر الموحي. يتبعه الإيقاع الثاني: {قل: ما سألتكم من أجر فهو لكم. إن أجري إلا على الله. وهو على كل شيء شهيد}.. دعاهم في المرة الأولى إلى التفكر الهادئ البريء.. ما بصاحبكم من جنة.. ويدعوهم هنا أن يفكروا ويسألوا أنفسهم عما يدعوه إلى القيام بإنذارهم بين يدي عذاب شديد. ما مصلحته؟ ما بواعثه؟ ماذا يعود عليه؟ ويأمره أن يلمس منطقهم ويوقظ وجدانهم إلى هذه الحقيقة في صورة موحية: {قل: ما سألتكم من أجر فهو لكم}! خذوا أنتم الأجر الذي طلبته منكم! وهو أسلوب فيه تهكم. وفيه توجيه. وفيه تنبيه. {إن أجري إلا على الله}.. هو الذي كلفني. وهو الذي يأجرني. وأجره هو الذي أتطلع إليه. ومن يتطلع إلى ما عند الله فكل ما عند الناس هين عنده هزيل زهيد لا يستحق التفكير. {وهو على كل شيء شهيد}.. يعلم ويرى ولا يخفى عليه شيء. وهو عليّ شهيد. فيما أفعل وفيما أنوي وفيما أقول. ويشتد الإيقاع الثالث وتقصر خطاه: {قل: إن ربي يقذف بالحق علاّم الغيوب}.. وهذا الذي جئتكم به هو الحق. الحق القوي الذي يقذف به الله. فمن ذا يقف للحق الذي يقذف به الله؟ إنه تعبير مصور مجسم متحرك. وكأنما الحق قذيفة تصدع وتخرق وتنفذ ولا يقف لها أحد في طريق.. يقذف بها الله {علاّم الغيوب} فهو يقذف بها عن علم، ويوجهها على علم، ولا يخفى عليه هدف، ولا تغيب عنه غاية، ولا يقف للحق الذي يقذف به معترض ولا سد يعوق. فالطريق أمامه مكشوف ليس فيه مستور! ويتلوه الإيقاع الرابع في مثل عنفه وسرعته: {قل: جاء الحق، وما يبدئ الباطل وما يعيد}.. جاء هذا الحق في صورة من صوره، في الرسالة، وفي قرآنها، وفي منهجها المستقيم. قل: جاء الحق. أعلن هذا الإعلان. وقرر هذا الحدث. واصدع بهذا النبأ. جاء الحق. جاء بقوته. جاء بدفعته. جاء باستعلائه وسيطرته {وما يبدئ الباطل وما يعيد}.. فقد انتهى أمره. وما عادت له حياة، وما عاد له مجال، وقد تقرر مصيره وعرف أنه إلى زوال. إنه الإيقاع المزلزل، الذي يشعر من يسمعه أن القضاء المبرم قد قضى، وأنه لم يعد هناك مجال لشيء آخر يقال. وإنه لكذلك. فمنذ جاء القرآن استقر منهج الحق واتضح. ولم يعد الباطل إلا مماحكة ومماحلة أمام الحق الواضح الحاسم الجازم. ومهما يقع من غلبة مادية للباطل في بعض الأحوال والظروف، إلا أنها ليست غلبة على الحق. إنما هي غلبة على المنتمين إلى الحق. غلبة الناس لا المبادئ. وهذه موقوتة ثم تزول. أما الحق فواضح بين صريح. والإيقاع الأخير: {قل: إن ضللت فإنما أضل على نفسي. وإن اهتديت فبما يوحي إليَّ ربي. إنه سميع قريب}.. فلا عليكم إذن إن ضللت. فإنما أضل على نفسي. وإن كنت مهتدياً فإن الله هو الذي هداني بوحيه، لا املك لنفسي منه شيئاً إلا بإذنه. وأنا تحت مشيئته أسير فضله. {إنه سميع قريب}.. وهكذا كانوا يجدون الله. هكذا كانوا يجدون صفاته هذه في نفوسهم. كانوا يجدونها رطبة بالحياة الحقيقية. كانوا يحسون أن الله يسمع لهم وهو قريب منهم. وأنه معنى بأمرهم عناية مباشرة؛ وأن شكواهم ونجواهم تصل إليه بلا واسطة. وأنه لا يهملها ولا يكلها إلى سواه. ومن ثم كانوا يعيشون في أنس بربهم. في كنفه. في جواره. في عطفه. في رعايته. ويجدون هذا كله في نفوسهم حياً، واقعاً، بسيطاً، وليس معنى ولا فكرة ولا مجرد تمثيل وتقريب. {إنه سميع قريب}.. وأخيراً يجيء الختام في مشهد من مشاهد القيامة حافل بالحركة العنيفة المترددة بين الدنيا والأخرى. كأنما هو مجال واحد، وهم كرة يتقاذفها السياق في المشهد السريع العنيف: {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب. وقالوا: آمنا به. وأنّى لهم التناوش من مكان بعيد؟ وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد. وحيل بينهم وبين ما يشتهون، كما فعل بأشياعهم من قبل، إنهم كانوا في شك مريب}.. {ولو ترى}.. فالمشهد معروض للأنظار. {إذ فزعوا}.. من الهول الذي فوجئوا به. وكأنما أرادوا الإفلات {فلا فوت} ولا إفلات {وأخذوا من مكان قريب}.. ولم يبعدوا في محاولتهم البائسة وحركتهم المذهولة. {وقالوا: آمنا به}.. الآن بعد فوات الأوان.. {وأنّى لهم التناوش من مكان بعيد؟} وكيف يتناولون الإيمان من مكانهم هذا. ومكان الإيمان بعيد عنهم فقد كان ذلك في الدنيا، فضيعوه! {وقد كفروا به من قبل}.. فانتهى الأمر، ولم يعد لهم أن يحاولوه اليوم! {ويقذفون بالغيب من مكان بعيد}.. ذلك حين أنكروا هذا اليوم، وهو غيب كان، فلم يكن لهم على إنكاره من دليل، إنما كانوا يقذفون بالغيب من مكان بعيد. واليوم يحاولون تناول الإيمان به من مكان كذلك بعيد! {وحيل بينهم وبين ما يشتهون}.. من الإيمان في غير موعده، والإفلات من العذاب الذي يشهدونه، والنجاة من الخطر الذي يواجهونه. {كما فعل بأشياعهم من قبل}.. ممن أخذهم الله، فطلبوا النجاة بعد نفاذ الأمر، وبعد أن لم يعد منه مفر. {إنهم كانوا في شك مريب}.. فها هو ذا اليقين بعد الشك المريب! وهكذا تختم السورة في هذا الإيقاع السريع العنيف الشديد. وتختم بمشهد من مشاهد القيامة؛ يثبت القضية التي عليها التركيز والتوكيد في السورة. كما مضى في نهاية كل شوط فيها وفي ثناياها. وقد بدأت السورة بهذه القضية وختمت بها هذا الختام العنيف.

ابن عاشور

تفسير : انتقال من حكاية كفرهم وغرورهم وازدهائهم بأنفسهم وتكذيبهم بأصول الديانة إلى حكاية تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأتبع ذلك بحكاية تكذيبهم الكتابَ والدين الذي جاء به فكان كالفذلكة لما تقدم من كفرهم. وجملة {إذا تتلى} معطوفة على جملة { أية : ويوم نحشرهم جميعاً } تفسير : [سبأ: 40] عطف القصة على القصة. وضمير {عليهم} عائد إلى { أية : الذين كفروا } تفسير : [سبأ: 31] وهم المشركون من أهل مكة. وإيراد حكاية تكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم مقيدةً بالزمن الذي تتلى عليهم فيه آيات الله البينات تعجيب من وقاحتهم حيث كذبوه في أجدر الأوقات بأن يصدقوه عندها لأنه وقت ظهور حجة صدقه لكل عاقل متبصر. وللاهتمام بهذا الظرف والتعجيب من متعلقه قُدّم الظرف على عامله والتشوق إلى الخبر الآتي بعده وأنه من قبل البهتان والكفر البواح. والمراد بالآيات البينات آيات القرآن، ووصفها بالبيّنات لأجل ظهور أنها من عند الله لإِعجازها إياهم عن معارضتها، ولِما اشتملت عليه معانيها من الدلائل الواضحة على صدق ما تدعو إليه، فهي محفوفة بالبيان بألفاظها ومعَانيها. وحذف فاعل التلاوة لظهور أنه الرسول صلى الله عليه وسلم إذ هو تالي آيات الله، فالإِشارة في قولهم: {ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم} إلى الرسول صلى الله عليه وسلم. واستحضروه بطريق الإِشارة دون الاسم إفادة لحضوره مجلس التلاوة وذلك من تمام وقاحتهم فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ عليهم القرآن في مجالسهم كما ورد في حديث قراءته على عتبة بن ربيعة سورة فُصلت وقراءِته على عبد الله بن أُبَيّ ابن سَلول للقرآن بالمدينة في القصة التي تشاجر فيها المسلمون والمشركون. وابتدأوا بالطعن في التالي لأنه الغرض الذي يرمون إليه، وأثبتوا له إرادة صدّهم عن دين آبائهم قصد أن يثير بعضُهم حميةَ بعض لأنهم يجعلون آباءهم أهل الرأي فيما ارتأوا والتسديد فيما فعلوا فلا يرون إلا حَقّاً ولا يفعلون إلا صواباً وحكمة، فلا جرم أن يكون مريد الصدّ عنها محاولاً الباطل وكاذباً في قوله لأن الحق مطابق الواقع فإبطال ما هو حق في زعمهم قولٌ غير مطابق للواقع فهو الكذب. وفعل {كان} في قولهم: {عمّا كان يعبد آباؤكم} إشارة إلى أنهم عنوا أن تلك عبادة قديمة ثابتة. وفي ذلك إلهاب لقلوب قومهم وإيغار لصدورهم ليتألبوا على الرسول صلى الله عليه وسلم ويزدادوا تمسكاً بدينهم وقد قصروا الرسول عليه الصلاة والسلام على صفة إرادة صدهم قصراً إضافياً، أي إلا رجل صادق فما هو برسول. وأتبعوا وصف التالي بوصف المتلوّ بأنه كذب مفترىً وإعادة فعل القول للاهتمام بحكاية قولهم لفظاعته وكذلك إعادة فعل القول إعادة ثابتة للاهتمام بكل قول من القولين الغريبين تشنيعاً لهما في نفس السامعين فجملة {وقالوا ما هذا إلا إفك} عطف على جملة {قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم}، فالفعلان مشتركان في الظرف. والإِشارة الثانية إلى القرآن الذي تضمنه {تتلى} لتعيُّنه لذلك. والإِفك: الكذب، ووصفه بالمفترَى إما أن يتوجّه إلى نسبته إلى الله تعالى أو أريد أنه في ذاته إفك وزادوا فجعلوه مخترعاً من النبي صلى الله عليه وسلم ليس مسبوقاً به. فكونه إفكاً يرجع إلى جميع ما في القرآن، وكونه مفترىً يُرجعونه إلى ما فيه من قصص الأولين. وهذا القول من بهتانهم لأنهم كثيراً ما يقولون: { أية : أساطير الأولين } تفسير : [الأنعام: 25] فليس {مفترى} تأكيداً لــــ{إفك}. ثم حُكي تكذيبهم الذي يعم جميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من وحي يتلى أو دعوة إلى التوحيد وغيره أو استدلال عليه أو معجزة بقولهم: {إن هذا إلا سحر مبين}، فهذا المقال الثالث يشمل ما تقدم وغيره، فحكاية مقالهم هذا تقوم مقام التذييل. وأُظهر للقائلين دون إضمار ما تقدم ما يصح أن يكون معاداً للضمير فقيل: {وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم} ولم يَقُل: وقالوا للحق لما جاءهم، للدلالة على أن الكفر هو باعث قولهم هذا. وأُظهر المشار إليه قبل اسم الإِشارة في قوله: {للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين} لأنه لا دليل عليه في الكلام السابق، أي إذ ظهر لهم ما هُو حق من إثبات للتوحيد أو إخبار عن الغيب أو البعث قالوا: ما هذا إلا سحر مبين. فالمراد من الحق: ما هو أعم من آيات القرآن لأن السحر له أسلوبان: أحدهما شعوذة الأقوال التي لا تفهم مدلولاتها يختلقها السحرة ليوهموا الناس أن فيها مناجاة مع الجن ليمكنوهم من عمل ما يريدون فيسترهبوهم بذلك، وثانيهما أفعال لها أسباب خفية مستورة بحِيل وخفة أيدٍ تحركها فيوهمون بها الناس أنها من تمكين الجن إياهم التصرف في الخفيات، فإذا سمعوا القرآن ألحقوه بالأسلوب الأول، وإذا رأوا المعجزات ألحقوها بالأسلوب الثاني كما قالت المرأة التي شاهدتْ معجزةَ تكثير الماء في بعض غزوات النبي صلى الله عليه وسلم فقالت لقومها «أتيتُ أسحرَ الناس، أو هو نبيء كما زعموه». ومعنى {مبين} أنه يظهر منه أنه سحر فتبيينه كنهه من نفسه، يعنون أن من سمعه يعلم أنه سحر. وجملة {وقال الذين كفروا} معطوفة على جملة {وإذا تتلى}.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَـٰذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ إِلاَّ أَن قَالُوۤاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً} تفسير : [الإسراء: 94].

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: آياتنا بيّنات: أي آيات القرآن الكريم واضحات ظاهرة المعنى بيّنة الدلالة. قالوا ما هذا إلا رجل: أي ما محمد إلا رجل من الرجال. يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم: أي يريد أن يصرفكم عن عبادتكم لآلهتكم التي كان يعبدها آباؤكم من قبل. إلا إفك مفترى: أي إلا كذب مختلق مزور. وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم: أي قالوا للقرآن لما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم. إن هذا إلا سحر مبين: أي ما هذا أي القرآن إلا سحر مبين أي محمد ساحر والقرآن سحر. من كتب يدرسونها: أي يقرأونها فأباحت لهم الشرك وأذنت لهم فيه. وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير: أي ولم نرسل إليهم قبلك من رسول فدعاهم إلى الشرك. وما بلغوا معشار ما آتيناهم: أي ولم يبلغ أولئك الأمم الذين أهلكناهم معشار ما آتينا هؤلاء من الحجج والبينات. فكيف كان نكير: أي فكيف كان إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك والجواب كان واقعاً موقعه لم يخطئه بحال. معنى الآيات: ما زال السياق في عرض مواقف المشركين المخزية والتنديد بهم والوعيد الشديد لهم. قال تعالى {وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ} أي مشركي قريش وكفارها {آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ} أي يتلوها رسولنا واضحات الدلالة بينات المعاني فيما تدعو إليه من الحق وتندد به من الباطل، كان جوابهم أن قالوا: ما هذا إلا رجلٌ يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم. أي ما محمد إلا رجل أي ليس بملكٍ يريد أن يصدكم أي يصرفكم عما كان آباؤكم من الأوثان والأحجار. فسبحان الله أين يذهب بعقول المشركين أما يخجلون لما يقولون عما كان يعبد آباؤكم من الأصنام والأوثان، إنه يصدكم حقاً عن عبادة الأوثان ولكن إلى عبادة الرحمن. وقالوا أيضا ما أخبر تعالى به عنهم في قوله: {مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ} أو كذب {مُّفْتَرًى} أي اختلقه وتخرصه من نفسه أي قالوا في القرآن وما يحمل من تشريع وهدى ونور قالوا فيه إنه كذبه محمد صلى الله عليه وسلم سبحان الله ما أشد سخف هؤلاء المشركين: وقالوا أيضا ما أخبر تعالى به عنهم في قوله {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} أي قالوا في الرسول وما جاءهم به من الدعوة إلى التوحيد والإِصلاح {إِنْ هَـٰذَآ} أي ما هذا إلا سحر مبين، وذلك لما رأوا من تاثير الرسول والقرآن في نفوسهم إذ كان يحرك نفوسهم ويهزها هزاً. بعد هذا العرض لمواقف المشركين قال تعالى: {وَمَآ آتَيْنَاهُمْ} أي مشركي قريش {مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا} أي أصروا على الشرك وما أعطيناهم من كتب يقرأونها فوجدوا فيها الإِذن بالشرك أو مشروعيته فتمسكوا به، {وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ} أي رسول فأجاز لهم الشرك أو سنة لهم فهم على سنته، اللهم لا ذا ولا ذاك. فكيف إذاً هذا الإِصرار على الشرك وهو باطل لم ينزل به كتاب ولم يبعث به رسول. وقوله تعالى: {وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ} أي من الأمم البائدة {وَمَا بَلَغُواْ} أي ولم يبلغ هؤلاء من القوة معشار ما كان لأولئك الأقوام الهالكين، ومع ذلك أهلكناهم، فكيف كان نكيري أي كيف كان إنكاري عليهم الشرك وتكذيب رسلي بإبادتهم واستئصالهم. أما يخاف هؤلاء الضعفاء أن تحل بهم عقوبتنا فنهلكهم عن آخرهم كما أهلكنا من قبلهم ولما لم يرد الله إبادتهم بعد أن استوجبوها بالتكذيب لرسوله والإِصرار على الشرك والكفر قال لرسوله قل لهم {إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ} أي بخصله واحدة وهي أن تقوموا لله أي متجردين من الهوى والتعصب {مَثْنَىٰ}، أي اثنين اثنين، {وَفُرَادَىٰ} أي واحداً واحداً، ثم تتفكروا في حياة محمد صلى الله عليه وسلم ومواقفه الخيِّرة معكم وبعده عن كل أذى وشر وفساد فإنكم تعلمون يقيناً أنه ما بصاحبكم محمد من جنّة ولا جنون إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد، أي ما هو صلى الله عليه وسلم إلا نذير لكم أمام عذاب شديد قد ينزل بكم وهو مشفق عليكم في ذلك خائف لا يريده لكم. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- بيان عناد المشركين وسخف عقولهم وهبوطهم الفكري. 2- ضعف كفار قريش وتشددهم وعتوهم إذا قيسوا بالأمم السابقة فإنهم لا يملكون من القوة نسبة واحد إلى ألف إذ المعشار هو عشر عشر العشر. 3- تقرير النبوة المحمدية وإثباتها وذلك ينفي الجنّة عنه صلى الله عليه وسلم وإثبات أنه نذير.

القطان

تفسير : تتلى: تقرأ. بينات: واضحات. يصدكم: يمنعكم. افك: كذب، واختلاق. معشار: عشر. نكيري: انكاري. مثنى: اثنين اثنين. فرادى: واحدا واحدا. ما بصاحبكم من جنة: ليس صاحبكم مجنونا. بين يدي عذاب: امام عذاب. يقذف بالحق: يلقي بالحق. ما يبدىء الباطل: ما يبتدىء الباطل. وما يعيد: وما يكرره. بعد ان ذكر الله ان المشركين هم أهل النار يوم القيامة حيث قال لهم: ذوقوا عذابها الذي كنتم به تكذّبون - أعقب ذلك بذكرِ ما لأجله استحقوا العذاب، وهو صدّهم الناس عن دعوة الرسول الكريم، وأنهم إذا قرأ الرسول عليهم آياتنا واضحات، قالوا: هذا رجل يريد ان يمنعكم عبادة ما كان يعبد آباؤكم من الاصنام، فقولُه كذبٌ مفترى، وسحر مبين، وخِداع ظاهر، واننا لم نؤتهم كتبا قبل القرآن يدرسونها، وما ارسلنا اليهم قبلك من نذير. {وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُواْ رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ}. لقد كذّب الرسلَ قبلكم كثير من الأمم، وكانوا اكثر منكم قوة ومالا، ولم تبلُغوا أيها المشركون معشار ما منحنا أولئك من القوة والمنعة، ومع ذلك أخذهم الله بظُلْمِهم وتمردهم، وأهلكهم أجمعين. {قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} قل لهم ايها الرسول: إنما أعظُكم بخصلة واحدة هي: ان تقوموا مخلِصين لله بعيدين عن التقاليد والأهواء، وفكِّروا بجِدٍّ مجتمعين ومتفرقين بأن صاحبكم ليس مجنونا، وما هو الا نذير لكم أما عذابٍ شديد قادم عليكم. وقل ايها الرسول: ما سألتكم أجراً على هذه الرسالة التي أحملها اليكم لإصلاح أمركم، خذوا انتم الأجر، وما أجريَ الا على الله وهو على كل شيء رقيب مطلع. {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} قل ايها الرسول: ان - الله يلقي بالحق على من يصطفيه، وهو يرمي بهذا الحق في وجه الباطل فيمحقه. إنه هو علام الغيوب، لا يخفى عليه هدف، ولا تغيب عنه غاية. {قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} قل ايها الرسول: لقد جاء هذا الحق في الرسالة والقرآن وفي منهجهما المستقيم، وقد انتهى أمرُ الباطل، وهلك الشِرك وما عادت له حياة ولم تبقَ منه بقية تبدي شيئاً او تعيده. {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} قل ايها الرسول: ان ضلَلتُ وانحرفت عن الهدى فإنما ضرر ذلك يعود على نفسي، وان اهتديتُ فبإرشاد ربي، وبوحيه وتوفيقه، إنه سميع لقولي وقولكم، قريبٌ مني ومنكم، والخير كله منه.

د. أسعد حومد

تفسير : {آيَاتُنَا} {بَيِّنَاتٍ} {آبَآؤُكُمْ} (43) - وَقَدِ اسْتَحَقَّ هؤُلاءِ المُشْرِكُونَ العَذَابَ الأَلِيمَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ لأَنَّهُمْ كَانُوا إِذا تُلِيَتْ عَلَيهم آيَاتُ كِتَابِ اللهِ، الدَّالَّةُ عَلى التّوحِيدِ، وَبُطلاَنِ الشِّرْكِ يَقُولُونَ: إِنَّ هذا الرَّجلَ يريدُ أَنْ يَصْرِفَكُمْ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ، دِينِ الآباءِ والأجدادِ لِيجْعَلَكُمْ مِنْ أتباعِهِ، دُونَ أَنْ يكُونَ لهُ حُجَّةٌ وبُرْهَانٌ عَلى صِحَّةِ مَا يَقُولُ. وَقَالُوا: إِنَّ القُرآنَ الذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، وَقَالَ إِنَّهُ نَزَلَ عَلَيهِ مِنَ السَّمَاءِ، إِنْ هُوَ إِلا كَذِبٌ افْتَرَاهُ وَصَنَعُهُ وَنَسَبَهُ إِلى اللهِ، تَرْوِيجاً لِدَعْوَتِهِ. وَقَالَ المُشْرِكُونَ عَنِ الذِي جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ مُشْتَمِلاً عَلَى الشَّرائِعِ وَالهُدَى: إِنْ هذا إلاَّ سِحْرٌ بَيِّنٌ لاَ خَفَاءَ فِيهِ. وَقَدْ أَثَّرَ هذا السِّحْرُ عَلَى عُقُولِنا وَقُلُوبِنَا. إِفْكٌ مُفْتَرىً - كَذِبٌ مُخْتَلَقٌ وَمَنْسُوبٌ إِلى اللهِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : معنى {يَصُدَّكُمْ} [سبأ: 43] أي: يصرفكم {عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَآؤُكُمْ} [سبأ: 43] وهذا دليل على أن عبادتهم ما دون الله كان مجرد تقليد للآباء، وهم بقولهم هذا لم يأتوا بجديد، فقد أخبر الله عنهم بهذا، وهم ما يزالون في عالم الذرِّ يوم أخذ عليهم العهد والميثاق: {أية : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ} تفسير : [الأعراف: 172-173]. بعد أنْ قالوا في رسول الله قالوا في القرآن: {مَا هَـٰذَآ إِلاَّ إِفْكٌ مُّفْتَرًى} [سبأ: 43] الإفك: قَلْب الشيء عن موضعه أو قلب الحقائق، ومن هنا سُمِّي الكذب إفكاً؛ لأن الكذب أن تقول قضية يناقضها الواقع، والصدق أن تقول قضية يؤيدها الواقع، فحين تقلب الحقيقة فإنك تُغيِّر الواقع. ومن ذلك قوله تعالى: {أية : وَٱلْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَىٰ} تفسير : [النجم: 53] فالمؤتفكة هي القرى التي قلبها الله، وجعل عاليها سافلها، ومنه أيضاً قوله تعالى: {أية : فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} تفسير : [الأنعام: 95] يعني: كيف تُصرفون عن الحق، وتقلبونه إلى الباطل. ولَيْتهم وقفوا في وصف القرآن عند هذا الوصف، إنما زادوا {مُّفْتَرًى} [سبأ: 43] أي: متعمد. ثم يقول تعالى: {وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمْ إِنْ هَـٰذَآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} [سبأ: 43] معنى {إِنْ هَـٰذَآ} [سبأ: 43] ما هذا الذي جاء به محمد {إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ} [سبأ: 43] وعجيب أن يصفوا ما جاء به محمد بالسحر؛ لأن السحر تخييل لأعين الناس، وليس ما يفعله الساحر حقيقة، إنما هو توهم؛ لذلك قُلْنا: هناك فَرْق بين السحر الذي جاء به السحرة وعصا موسى عليه السلام. كان سحرهم كما قال تعالى: {أية : سَحَرُوۤاْ أَعْيُنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الأعراف: 116] وقال {أية : يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَىٰ} تفسير : [طه: 66] مجرد تخيُّلات لا حقيقة. إنما لَمَّا ألقى موسى عصاه صارت حيَّة حقيقية، ولو لم تنقلب حية حقيقية ما خاف منها موسى، كما قال تعالى: {أية : فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَىٰ} تفسير : [طه: 67]. ولو لم تكن حية حقيقية ما آمن لموسى كبار السحرة، فالقرآن يحكى عنهم أنهم بمجرد رؤيتهم لها قالوا: {أية : آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ} تفسير : [طه: 70] يعني المسألة ليست من موسى، إنما من الله. إذن: فأين ما جاء به محمد من السحر؟ وإذا كان محمد ساحراً سحر المؤمنين به كما تقولون، فلماذا لم يسحركم أيضاً وتنتهي هذه المسألة؟ ومعلوم أنه لا خيار للمسحور مع الساحر. إذن: هذا القول منهم كذب على سيدنا رسول الله وعناد ومكابرة لعدم قبول الحق الذي جاء به. ثم يقول الحق سبحانه: {وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَا...}.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يخبر تعالى عن حالة المشركين، عندما تتلى عليهم آيات اللّه البينات، وحججه الظاهرات، وبراهينه القاطعات، الدالة على كل خير، الناهية عن كل شر، التي هي أعظم نعمة جاءتهم، ومِنَّةٍ وصلت إليهم، الموجبة لمقابلتها بالإيمان والتصديق، والانقياد، والتسليم، أنهم يقابلونها بضد ما ينبغي، ويكذبون من جاءهم بها ويقولون: { مَا هَذَا إِلا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ } أي: هذا قصده، حين يأمركم بالإخلاص للّه، لتتركوا عوائد آبائكم، الذين تعظمون وتمشون خلفهم، فردوا الحق، بقول الضالين، ولم يوردوا برهانا، ولا شبهة. فأي شبهة إذا أمرت الرسل بعض الضالين، باتباع الحق، فادَّعوا أن إخوانهم، الذين على طريقتهم، لم يزالوا عليه؟ وهذه السفاهة، ورد الحق، بأقوال الضالين، إذا تأملت كل حق رد، فإذا هذا مآله لا يرد إلا بأقوال الضالين من المشركين، والدهريين، والفلاسفة، والصابئين، والملحدين في دين اللّه، المارقين، فهم أسوة كل من رد الحق إلى يوم القيامة. ولما احتجوا بفعل آبائهم، وجعلوها دافعة لما جاءت به الرسل، طعنوا بعد هذا بالحق، { وَقَالُوا مَا هَذَا إِلا إِفْكٌ مُفْتَرًى } أي: كذب افتراه هذا الرجل، الذي جاء به. { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ } أي: سحر ظاهر بيِّن لكل أحد، تكذيبا بالحق، وترويجا على السفهاء. ولما بيَّن ما ردوا به الحق، وأنها أقوال دون مرتبة الشبهة، فضلا أن تكون حجة، ذكر أنهم وإن أراد أحد أن يحتج لهم، فإنهم لا مستند لهم، ولا لهم شيء يعتمدون عليه أصلا فقال: { وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا } حتى تكون عمدة لهم { وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ } حتى يكون عندهم من أقواله وأحواله، ما يدفعون به، ما جئتهم به، فليس عندهم علم، ولا أثارة من علم. ثم خوفهم ما فعل بالأمم المكذبين [قبلهم] فقال: { وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا } أي: ما بلغ هؤلاء المخاطبون { مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ } { فَكَذَّبُوا } أي: الأمم الذين من قبلهم { رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ } أي: إنكاري عليهم، وعقوبتي إياهم. قد أعلمنا ما فعل بهم من النكال، وأن منهم من أغرقه، ومنهم من أهلكه بالريح العقيم، وبالصيحة، وبالرجفة، وبالخسف بالأرض، وبإرسال الحاصب من السماء، فاحذروا يا هؤلاء المكذبون، أن تدوموا على التكذيب، فيأخذكم كما أخذ من قبلكم، ويصيبكم ما أصابهم.