Verse. 3650 (AR)

٣٤ - سَبَأ

34 - Saba (AR)

وَمَاۗ اٰتَيْنٰہُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَّدْرُسُوْنَہَا وَمَاۗ اَرْسَلْنَاۗ اِلَيْہِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَّذِيْرٍ۝۴۴ۭ
Wama ataynahum min kutubin yadrusoonaha wama arsalna ilayhim qablaka min natheerin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

قال تعالى: «وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير» فمن أين كذبوك.

44

Tafseer

الرازي

تفسير : وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير تأكيد لبيان تقليدهم يعني يقولون عندما تتلى عليهم الآيات البينات هذا رجل كاذب وقولهم: {إِفْكٌ مُّفْتَرًى } من غير برهان ولا كتاب أنزل عليهم ولا رسول أرسل إليهم، فالآيات البينات لا تعارض إلا بالبراهين العقلية، ولم يأتوا بها أو بالتقلبات وما عندهم كتاب ولا رسول غيرك، والنقل المعتبر آيات من كتاب الله أو خبر رسول الله، ثم بين أنهم كالذين من قبلهم كذبوا مثل عاد وثمود، وقوله تعالى: {وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَا ءاتَيْنَـٰهُمْ } قال المفسرون معناه: وما بلغ هؤلاء المشركون معشار ما آتينا المتقدمين من القوة والنعمة وطول العمر، ثم إن الله أخذهم وما نفعتهم قوتهم، فكيف حال هؤلاء الضعفاء، وعندي [أنه] يحتمل ذلك وجهاً آخر وهو أن يقال المراد: {وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَا ءاتَيْنَـٰهُمْ } أي الذين من قبلهم ما بلغوا معشار ما آتينا قوم محمد من البيان والبرهان، وذلك لأن كتاب محمد عليه السلام أكمل من سائر الكتب وأوضح، ومحمد عليه السلام أفضل من جميع الرسل وأفصح، وبرهانه أوفى، وبيانه أشفى، ثم إن المتقدمين لما كذبوا بما جاءهم من الكتب وبمن أتاهم من الرسل أنكر عليهم وكيف لا ينكر عليهم، وقد كذبوا بأفصح الرسل، وأوضح السبل، يؤيد ما ذكرنا من المعنى قوله تعالى: {وَمَا ءاتَيْنَـٰهُمْ مّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا } يعني غير القرآن ما آتيناهم كتاباً وما أرسنا إليهم قبلك من نذير، فلما كان المؤتى في الآية الأولى هو الكتاب، فحمل الإيتاء في الآية الثانية على إيتاء الكتاب أولى.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا} أي لم يقرؤوا في كتاب أوتُوه بطلانَ ما جئتَ به، ولا سمعوه من رسول بُعث إليهم، كما قال: {أية : أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ } تفسير : [الزخرف: 21] فليس لتكذيبهم وجه يتشبّث به ولا شبهة متعلق كما يقول أهل الكتاب وإن كانوا مبطلين: نحن أهل كتاب وشرائع ومستندون إلى رسل من رسل الله، ثم توعّدهم على تكذيبهم بقوله الحق: {وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ} أي كذب قبلهم أقوام كانوا أشدّ من هؤلاء بطشاً وأكثرَ أموالاً وأولاداً وأوسع عيشاً، فأهلكتهم كثمود وعاد. {وَمَا بَلَغُواْ} أي ما بلغ أهل مكة {مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ} تلك الأمم. والمعشار والعُشر سواء، لغتان. وقيل: المعشار عشر العشر. الجوهري: ومعشار الشيء عشره، ولا يقولون هذا في شيء سوى العشر. وقيل: ما بلغ الذين من قبلهم معشار شكر ما أعطيناهم؛ حكاه النقاش. وقيل: ما أعطى الله تعالى من قبلهم معشار ما أعطاهم من العلم والبيان والحجة والبرهان. قال ابن عباس: فليس أمة أعلمَ من أمته، ولا كتاب أبين من كتابه. وقيل: المعشار هو عشر العشير، والعشير هو عشر العشر فيكون جزءاً من ألف جزء. الماوردي: وهو الأظهر، لأن المراد به المبالغة في التقليل. {فَكَذَّبُواْ رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي عقابي في الأمم، وفيه محذوف وتقديره: فأهلكناهم فكيف كان نكيري.

المحلي و السيوطي

تفسير : قال تعالى: {وَمآ ءَاتَيْنَٰهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ } فمن أين كذبوك؟.

ابن عطية

تفسير : معنى هذه الآية أنهم يقولون بآرائهم في كتاب الله فيقول بعضهم سحر، وبعضهم افتراء، وذلك منهم تسور لا يستندون فيه إلى إثارة علم ولا إلى خبر من يقبل خبره، فإنا ما آتيناهم كتباً يدرسونها ولا أرسلنا إليهم نذيراً فيمكنهم أن يدعوا أن أقوالهم تستند إلى أمره، وقرأ جمهور الناس "يدْرسونها" بسكون الدال، وقرأ أبو حيوة "يدَّرِسونها" بفتح الدال وشدها وكسر الراء - والمعنى وما أرسلنا من نذير يشافههم بشيء ولا يباشر أهل عصرهم ولا من قرب من آبائهم، وإلا فقد كانت النذارة في العالم وفي العرب مع شعيب وصالح وهود ودعوة الله وتوحيده قائم لم تخل الأرض من داع إليه، فإنما معنى هذه الآية {من نذير} يختص بهؤلاء الذين بعثناك إليهم، وقد كان عند العرب كثير من نذارة إسماعيل، والله تعالى يقول: إنه كان صادق الوعد وكان رسولاً نبيّاً ولكن لم يتجرد للنذارة وقاتل عليها إلا محمد صلى الله عليه وسلم، ثم مثل لهم بالأمم المكذبة قبلهم، وقوله {وما بلغوا معشار ما آتيناهم} يحتمل ثلاثة معان: أحدها أن يعود الضمير في {بلغوا} على قريش، وفي {آتيناهم} على الأمم {الذين من قبلهم}، والمعنى من القوة والنعم والظهور في الدنيا، قاله ابن عباس وقتادة وابن زيد، والثاني أن يعود الضمير في {بلغوا} على الأمم المتقدمة وفي {آتيناهم} على قريش، والمعنى من الآيات والبينات والنور الذي جئتهم به، والثالث أن يعود الضميران على الأمم المتقدمة، والمعنى من شكر النعمة وجزاء المنة و"المعشار"، ولم يأت هذا البناء إلا في العشرة والأربعة فقالوا: مرباع ومعشار وقال قوم: المعشار عشر العشر. قال القاضي أبو محمد: وهذا ليس بشيء، والنكير مصدر كالإنكار في المعنى وكالعديد في الوزن وسقطت الياء منه تخفيفاً لأنها آخر آية، و {كيف} تعظيم للأمر وليست استفهاماً مجرداً، وفي هذا تهديد لقريش أي أنّهم معرضون لنكير مثله، ثم أمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إلى عبادة الله والنظر في حقيقة نبوته هو ويعظهم بأمر مقرب للأفهام فقوله {بواحدة} معناه بقضية واحدة إيجازاً لكم وتقريباً عليكم، وقوله {أن} مفسرة، ويجوز أن تكون بدلاً من {واحدة}، وقوله {تقوموا لله مثنى وفرادى} يحتمل أن يريد بالطاعة والإخلاص والعبادة فتكون الواحدة التي وعظ بها هذه، ثم عطف عليها أن يتفكروا في أمره هل هو به جنة أو هو بريء من ذلك والوقف عند أبي حاتم {ثم تتفكروا}. قال الفقيه الإمام القاضي: فيجيء {ما بصاحبكم} نفياً مستأنفاً وهو عند سيبويه جواب ما تنزل منزلة القسم لأن تفكر من الأفعال التي تعطي التحقيق كتبين وتكون الفكرة على هذا في آيات الله والإيمان به، ويحتمل أن يريد بقيامهم أن يكون لوجه الله في معنى التفكر في محمد صلى الله عليه وسلم فتكون الواحد التي وعظ بها أن يقوموا لمعنى الفكرة - في أمر صاحبهم، وكأن المعنى أن يفكر الواحدة بينه وبين نفسه ويتناظر الاثنان على جهة طلب التحقيق، هل بمحمد صلى الله عليه وسلم جنة أم لا؟ وعلى هذا لا يوقف على {تتفكروا} وقدم المثنى لأن الحقائق من متعاضدين في النظر أجدى من فكرة واحدة، فإذا انقدح الحق بين الاثنين فكر كل واحد منهما بعد ذلك فيزيد بصيرة وقد قال الشاعر: [الطويل] شعر : إذا اجتمعوا جاءوا بكل غريبة فيزداد بعض القوم من بعضهم علما تفسير : وقرأ يعقوب "ثم تفكروا" بتاء واحدة، وقال مجاهد بواحدة معناه بلا إله إلا الله وقيل غير هذا مما لا تعطيه الآية، وقوله {بين يدي} مرتب على أن محمداً صلى الله عليه وسلم جاء في الزمن من قبل العذاب الشديد الذي توعدوا به.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَمَآ ءَاتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ} ما نُزِّل على مشركي قريش كتاباً قط {يَدْرُسُونَهَا} فيعلمون أن الذي جئت به حق، أو باطل، أو فيعلمون أن لله شركاء كما زعموا {مِن نَّذِيرٍ} ما جاءهم رسول قط غيرك.

الثعالبي

تفسير : وقولهُ تَعَالَى: {وَمَآ ءَاتَيْنَـٰهُم مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا...} الآية المعنى: أنَّ هَؤلاَءِ الكَفَرَةِ يَقُولُونَ بِآرَائِهِمْ فِي كِتَابِ اللّهِ، فَيَقُولُ بَعْضُهُمْ: سِحْرٌ، وَبَعْضُهُمْ: افْتِرَاءٌ، وَذَلِكَ مِنْهُمْ تَسَوُّرٌ لاَ يَسْتَنِدُونَ فِيهِ إلَى أَثَارَةِ عِلْمٍ؛ فَإنَّا مَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونُها؛ وَمَا أرْسَلْنَا إلَيهم قَبْلَكَ مِن نديرٍ يُبَاشِرُهُمْ ويُشَافِهُهُمْ فَيُمْكِنَهُمْ أَنْ يُسْنِدُوا دَعْوَاهُمْ إلَيْهِ. وقَوْلهُ تَعَالَى: {وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَا ءَاتَيْنَـٰهُمْ} الضَّمِيرُ في: {بَلَغُواْ} يَعُودُ عَلى قُرَيْشٍ، وفِي آتَيْنَاهُمْ عَلَى الأُمَمِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، وَالمَعْنَى: مِن القُوَّةِ والنِّعَمِ والظُّهُورِ في الدُّنْيَا؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وابْنُ زَيْدٍ: والمِعْشَارُ: العُشْرُ وَلَمْ يأتِ هَذا البِنَاءُ إلاَّ فِي العَشَرَةِ والأَرْبَعَةِ، فَقَالُوا: مِرْبَاعٌ وَمِعْشَارٌ؛ و«النَّكِيرُ» مَصْدَرٌ كَالإنْكَارِ فِي المَعْنَى، وكَالعَزيز فِي الوَزْنِ، وَ{كَيْفَ}: تَعْظِيمٌ لِلأَمْرِ وَلَيْسَتْ اسْتِفْهَاماً مُجَرَّداً؛ وَفِي هَذا تَهْدِيدٌ لِقُرَيْشٍ، أي: أنهم مُتَعَرِّضُونَ لِنَكِيرٍ مِثْلِهِ، ثُمَّ أمرَ ـــ تَعَالَى ـــ نَبِيُّهُ عليه السلام أنْ يَدْعُوهُمْ إلَى عِبَادَةِ اللّهِ ـــ تَعَالَى ـــ وَالنَّظَرِ فِي حَقِيقَةِ نُبُوَّتِهِ هُوَ، وَيَعِظُهُمْ بَأَمْرٍ مُقَرَّبٍ لِلأَفْهَامِ، فَقَوْلهُ: {بِوَٰحِدَةٍ} معناه: بِقَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ إيجَازاً لَكُمْ وَتَقْرِيباً عَلَيْكُمْ وَهُوَ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ، أي: لأَجلِ اللّهِ أو لِوَجْهِ اللّهِ مَثْنَى أي: اثنين اثنين مُتَنَاظِرَيْنِ وفُرَادَى، أي: وَاحِداً وَاحِداً، ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا، هَلْ بِصَاحِبِكُمْ، جِنَّةُ أو هُوَ بَرِيءٌ، مِنْ ذَلِكٍ، والوَقْفُ عِنْدَ أَبِي حَاتِمٍ {تَتَفَكَّرُواْ} فَيَجِيء: {مَا بِصَاحِبِكُم} نَفْياً مُسْتَأْنِفاً، وَهُوَ عِنْدَ سِيبَوَيهِ جَوَابُ مَا تَنَزَّلُ مَنْزِلَة القَسَمِ؛ وَقيلَ فِي الآيةِ غَيْرُ هَذَا مِمَّا هُو بَعِيدٌ مِنَ أَلْفَاظِهَا فَتَعَيَّنَ تَرْكُهُ.

ابو السعود

تفسير : {وَمَا ءاتَيْنَـٰهُمْ مّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا} فيها دليلٌ على صحَّةِ الإشراكِ كما في قولِه تعالى: { أية : أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ} تفسير : [سورة الروم: الآية 35] وقولِه تعالى: { أية : أَمْ ءاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰباً مّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ} تفسير : [سورة الزخرف: الآية 21] وقُرىء يدرسُونها ويدَّرسونها بتشديدِ الدَّالِ يفتعلون من الدَّرسِ. {وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مّن نَّذِيرٍ} يدعُوهم إليه وينذرُهم بالعقابِ إن لم يُشركوا وقد بان من قبلُ أنْ لا وجهَ له بوجهٍ من الوجوهِ فمن أينَ ذهبُوا هذا المذهبَ الزَّائغَ، وهذا غايةُ تجهيلٍ لهم وتسفيهٍ لرأيهم ثمَّ هدَّدهم بقولِه تعالى: {وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ} من الأممِ المتقدِّمة والقُرون الخاليةِ كما كذَّبوا. {وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَا ءاتَيْنَـٰهُمْ} أي ما بلغَ هؤلاءِ عشرَ ما آتينا أولئكَ من القوَّة وطولِ العمر وكثرةِ المالِ أو ما بلغ أولئك عشرَ ما آتينا هؤلاءِ من البـيِّناتِ والهُدى {فَكَذَّبُواْ رُسُلِي} عطف على كذَّب الذينَ الخ بطريقِ التَّفصيلِ والتَّفسيرِ كقولِه تعالى: { أية : كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا} تفسير : [سورة القمر: الآية 54] الخ {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} أي إنكارِي لهم بالتَّدميرِ فليحذَرْ هؤلاء من مثلِ ذلك {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوٰحِدَةٍ} أي ما أُرشدكم وأنصح لكم إلا بخصلة واحدة هي ما دل عليه قوله تعالى: {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ} على أنَّه بدلٌ منها أو بـيانٌ لها أو خبر مبتدأ محذوفٍ أي هي أن تقومُوا من مجلس رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أو تنتصبُوا للأمرِ خالصاً لوجهِ الله تعالى معرضاً عن المُماراةِ والتَّقليدِ {مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ} أي متفرِّقين اثنينِ اثنين وواحداً واحداً فإنَّ الازدحامَ يُشوش الأفهامَ ويخلطُ الأفكار بالأوهامِ وفي تقديمِ مَثْنى إيذانٌ بأنَّه أوثقُ وأقربُ إلى الاطمئنانِ{ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ} في أمرِه عليه الصلاة والسلام وما جاء به لتعلمُوا حقيقتَه وحقِّيتَه وقوله تعالى: {مَا بِصَـٰحِبِكُمْ مّن جِنَّةٍ} استئنافٌ مسوقٌ من جهتِه تعالى للتَّنبـيه على طريقةِ النَّظر والتَّأملِ بأنَّ مثلَ هذا الأمرِ العظيمِ الذي تحتَه ملك الدُّنيا والآخرةِ لا يتصدَّى لادِّعائِه إلا مجنونٌ لا يُبالي بافتضاحِه عند مطالبته بالبُرهان وظهور عجزهِ، أو مؤيَّدٌ من عندِ الله مرشَّح للنُّبوةِ واثق بحجَّتهِ وبرهانه وإذ قد علمتُم أنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أرجحُ العالمين عقلاً وأصدقُهم قولاً وأنزههم نفساً وأفضلُهم علماً وأحسنُهم عملاً وأجمعُهم للكمالاتِ البشريَّةِ وجبَ أنْ تصدِّقُوه في دعواهُ فكيف وقد انضمَّ إلى ذلك معجزاتٌ تخرُّ لها صمُّ الجبالِ. ويجوزُ أن يتعلَّق بما قبلَه على معنى ثم تتفكَّروا فتعلموا ما بصاحِبكم من جنَّةٍ وقد جُوِّز أن تكون ما استفهاميةً على معنى ثم تتفكَّروا أي شيء به من آثارِ الجنونِ {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} هو عذابُ الآخرةِ فإنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ مبعوثٌ في نَسَمِ السَّاعةِ.

القشيري

تفسير : الإشارة من هذا إلى أهل الغفلة؛ يعارضون أصحابَ القلوب فيما يجري من الأمور، بما تشوِّش إليهم نفوسُهم، ويخطر ببالهم من هواجسهم عن مُقْتَضَى تفرقةِ قلوبهم - على قياس ما يقع لهم - مِنْ غيرِ استنادٍ إلى إلهامٍ، أو اعتمادٍ على تقديرٍ من الله وإفهام. وأهلُ الحقائق - الذين هم لسانُ الوقت - إذا قالوا شيئاً أو أطلقوا حديثاً، فلو طولبوا بإقامة البرهان عليه لم يمكنهم؛ لأن الذي يتكلم عن الفراسة أو عن الإلهام، أو كان مُسْتَنْطَقاً فليس يمكن لهؤلاء إقامة الحجة على أقوالهم. وأصحابُ الغفلة ليس لهم إيمان بذلك، فإذا سمعوا شيئاً منه عارضوهم فيهلكون، فسبيلُ هؤلاء الأكابر عند ذلك أن يسكتوا، ثم الأيام تجيب أولئك.

اسماعيل حقي

تفسير : {وما آتيناهم} اى مشركى مكة {من كتب} اى كتبا فان من الاستغراقية داخلة على المفعول لتأكيد النفى {يدرسونها} يقرأونها فيها دليل على صحة الاشراك كما فى قوله تعالى {أية : ام انزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون} تفسير : وقوله {أية : ام آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون} تفسير : وفى ايراد كتب بصيغة الجمع تنبيه على انه لا بد لمثل تلك الشبهة من نظائر الادلة والدرس قراءة الكتاب بامعان النظر فيه طلبا لدرك معناه والتدريس تكرير الدرس. قال الراغب فى المفردات درس الشئ معناه بقى اثره وبقاء الاثر يقتضى انمحاءه فى نفسه ولذلك فسر الدروس بالانمحاء وكذا درس الكتاب ودرست العلم تناولت اثره بالحفظ ولما كان تناول ذلك بمداومة القراءة عبر عن ادمة القراءة بالدرس {وما ارسلنا اليهم قبلك من نذير} يدعوهم الى الشرك وينذرهم بالعقاب على تركه وقد بان من قبل ان لا وجه له بوجه من الوجوه فمن اين ذهبوا هذا المذهب الزائغ وهو تجهيل لهم وتسفيه لآرائهم ثم هددهم بقوله

اطفيش

تفسير : {وما آتيناهم} أي المشركين. {من كتب يدرسونها} ويجدون فيها جواز الشرك وانك كاذب والقرآن سحر وقرىء بتشديد الراء للمبالغة او هو موافق للتخفيف وقري بتشديد الدال ابدالا لتاء الافتعال دالا وادغام الدال فيها. {وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير} يخبرهم بجواز الشرك وما ذكر فما ذلك الا اتباع لأهوائهم وتقليد فلا اجهل منهم ولا اسفه رأيا فهم اجهل واسفه من أهل الكتاب لانهم لا ربحوا ولا رأوا يوما ابيض يدعون إلى التوراة والانجيل والى نبيين عليهما السلام وكان ذلك شبهة تمسكوا بها لكن لا تنفعهم وقد حرفوا والنبيان امراهم باتباع هذا النبي عليه السلام.

اطفيش

تفسير : {وما آتيناهم} هؤلاء الكفار، أو أهل مكة {من كُتُب يدْرُسُونها} مشتملة على اباحة الشرك، وبطلان ما جئت به، يحتجون بها كقوله تعالى: "أية : أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون" تفسير : [الروم: 35] وقوله تعالى: "أية : آتيناهم كتاباً فهم به مستمسكون"تفسير : [الزخرف: 21] وجمع الكتاب لأن ما يقولون لو كان يصح لاحتاج الى أدلة كثيرة {وما أرْسَلنا إليْهم قَبْلك من نَذيرٍ} يدعوهم الى الاشراك،وتوعدهم بالعقاب على التوحيد، وذلك تهكم بهم، أو هم أمين لم يكونوا على دين قبلك من الله يتمسكون به، ويأبون تركه كما فعلت اليهود والنصارى للتوراة والانجيل، بل التوراة والانجيل آمران باتباعه صلى الله عليه وسلم. {وكذَّب الَّذين من قَبْلِهم} إلخ تهديد بأن يعذبوا كما عذبت الأمم الكافرة قبلهم {وما بَلغُوا} هؤلاء الكفار، أو أهل مكة {مِعْشار} أى عشر، وقيل عشر العشر جزء من مائة، أو ذلك تمثيل للقلة {ما آتيناهم} أى آتينا المكذبين قبلهم من طول الأعمار، وقوة الأجسام، وكثرة الأموال {فكذَّبوا} أى هؤلاء المكذبين {رُسُلي} الأنبياء الذين أرسلت اليهم، ولا يتكرر هذا التكذيب مع التكذيب المذكور قبله، لأن الأول بمنزلة اللازم، كأنه قيل من شأن من قبلهم التكذيب أرسلنا اليهم رسلنا فكذبوهم، فالثانى بيان للأول معطوف عليه {فكَيْف كان نكير} إهلاكى، سمى إهلاكهم باسم الكلام الواعظ الزاجر المضمن عقابا على مخالفته، وذلك مجاز لعلاقة اللزوم، أو بدلنا التبليغ إذ لم يأخذوا به بالاهلاك، أو واو كذبوا لأهل مكة، أو هؤلاء الكفار غير الماضين، أى كذبوا الرسل كلهم بتكذيبهم أفضل الأنبياء وخاتمهم، فقد زادوا فى التكذيب على من هو أقوى منهم. ويجوز عودوا وبلغوا للذين من قبلهم، وهاء آتيناهم لأهل مكة، فما آتيناهم هو البينات، أى زاد أهل مكة أو الكفار على من قبلهم فى الكفر، مع أنا آتيناهم من البينات ما لم نؤت من قبلهم وهذا زيادة ذم، أى ينبغى أن لا يكذوبوا كما كذب من قبلهم، لأن لهم بينات زائدة، وبعض الشر أهون من بعض، وقيل: الضميران للذين من قبلهم، أى كذب الماضون وما بلغوا شكر ما آتيناهم، وفيه أنه لا يلائم التهديد، لأنهم لم يؤتوا من النعم، ما أوتى الماضون، وأنه خلاف الظاهر، إذ لا يتبادر ما قدر من مراعاة الشكر.

الالوسي

تفسير : {وَمَا ءاتَيْنَـٰهُمْ } أي أهل مكة {مّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا } تقتضي صحة الإشراك ليعذروا فيه فهو كقوله تعالى: {أية : أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَـٰناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ } تفسير : [الروم: 35] وقوله سبحانه: {أية : أَمْ ءاتَيْنَـٰهُمْ كِتَـٰباً مّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ }تفسير : [الزخرف: 21] وإلى هذا ذهب ابن زيد، وقال السدي: المعنى ما آتيناهم كتباً يدرسونها فيعلموا بدراستها بطلان ما جئت به، ويرجع إلى الأول، والمقصود نفي أن يكون لهم دليل على صحة ما هم عليه من الشرك، و(من) صلة، وجمع الكتب إشارة على ما قيل إلى أنه لشدة بطلانه واستحالة إثباته بدليل سمعي أو عقلي يحتاج إلى تكرر الأدلة وقوتها فكيف يدعى ما تواترت الأدلة النيرة على خلافه. وقرأ أبو حيوة {يدرسونها} بفتح الدال وشدها وكسر الراء مضارع ادَّرس افتعل من الدرس ومعناه يتدارسونها، وعنه أيضاً {يَدْرُسُونَهَا } من التدريس وهو تكرير الدرس أو من درس الكتاب مخففاً ودرس الكتب مشدداً التضعيف فيه باعتبار الجمع. {وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مّن نَّذِيرٍ } أي وما أرسلنا إليهم قبلك نذيراً يدعوهم إلى الشرك وينذرهم بالعقاب على تركه وقد بان من قبل أن لا وجه له بوجه من الوجوه فمن أين ذهبوا هذا المذهب الزائغ، وفيه من التهكم والتجهيل ما لا يخفى، ويجوز أن يراد أنهم أميون كانوا في فترة لا عذر لهم في الشرك ولا في عدم الاستجابة لك كأهل الكتاب الذين لهم كتب ودين يأبون تركه ويحتجون على عدم المتابعة بأن نبيهم حذرهم ترك دينه مع أنه بين البطلان لثبوت أمر من قبله باتباعه وتبشير الكتب به، وذكر ابن عطية أن الأرض لم تخل من داع إلى توحيد الله تعالى فالمراد نفي إرسال نذير يختص بهؤلاء ويشافههم، وقد كان عند العرب كثير من نذارة إسماعيل عليه السلام والله تعالى يقول: {أية : إِنَّهُ كَانَ صَـٰدِقَ ٱلْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً } تفسير : [مريم: 54] ولكن لم يتجرد للنذارة وقاتل عليها إلا محمد صلى الله عليه وسلم اهـ.

ابن عاشور

تفسير : الواو للحال، والجملة في موضع الحال من الضمير في قوله: { أية : قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم } تفسير : [سبأ: 43] الآية، تحميقاً لجهالتهم وتعجيباً من حالهم في أمرين: «أحدهما»: أنهم لم يدركوا ما ينالهم من المزية بمجيء الحق إليهم إذ هيأهم الله به لأن يكونوا في عداد الأمم ذوي الكتاب، وفي بدء حال يبلغ بهم مبلغ العلم، إذ هم لم يسبق لهم أن أتاهم كتاب من عند الله أو رسول منه، فيكون معنى الآية: فكيف رفضوا اتّباع الرسول وتلقي القرآن وكان الأجدرُ بهم الاغتباط بذلك. وهذا المعنى هو المناسب لقوله: {يدرسونها} أي لم يكونوا أهل دراسة فكان الشأن أن يسرهم ما جاءهم من الحق. «وثانيهما»: أنهم لم يكونوا على هدى ولا دين منسوب إلى الله تعالى حتى يكون تمسكهم به وخشية الوقوع في الضلالة إن فرَّطوا فيه يحملهم على التردد في الحق الذي جاءهم وصدقِ الرسول الذي أتاهم به فيكون لهم في الصد عنهما بعض العذر: فيكون المعنى: التعجيب من رفضهم الحق حين لا مانع يصدهم، فليس معنى جملة {وما آتيناهم من كتب} الخ على العطف ولا على الإِخبار لأن مضمون ذلك معلوم لا يتعلق الغرض بالإِخبار به، ولكن على الحال لإِفادة التعجيب والتحميق، وعلى هذا المعنى جرى المفسرون. والدراسة: القراءة بتمهّل وتفهّم، وتقدم عند قوله تعالى: {وبما كنتم تدرسون} في آل عمران (79). وإنما لم يقيد إيتاء الكتب بقيد كما قُيّد الإِرسال بقوله: {قبلَك} لأن الإِيتاء هو التمكين من الشيء وهم لم يتمكنوا من القرآن بخلاف إرسال النذير فهو حاصل سواء تقبلوه أم أعرضوا عنه. ومن نحا نحو أن يكون معنى الآية التفرقةَ بين حالهم وحال أهل الكتاب فذلك منحى واهن لأنه يجرّ إلى معذرة أهل الكتاب في عضّهم بالنواجذ على دينهم، على أنه لم يكن في مدة نزول الوحي بمكة علاقة للدعوة الإِسلامية بأهل الكتاب وإنما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وأيضاً لا يكون للتقييد بــــ{قبلَك} فائدة خاصة كما علمت. وهنالك تفسيرات أخرى أشد بعداً وأبعد عن القصد جداً.

الشنقيطي

تفسير : قد قدمنا الآيات التي بمعناه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً} تفسير : [الإسراء: 15].

د. أسعد حومد

تفسير : {آتَيْنَاهُمْ} (44) - وَرَدَّ اللهُ تَعَالى عَلَى هؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ القَائِلينَ: إِنَّ دِينَهُمْ هُوَ الدِّينَ الصَّحِيحُ، فَقَالَ: إِنَّ الدِّينَ الصَّحِيحَ لاَ يَكُونَ إِلا بِوَحْيٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَبِكِتَابٍ يَنْزِلُ عَلَى الرَّسُولِ لِيُبَلِّغَهُ لِلنَّاسِ، وَيُبَيِّنَ لَهُمْ فِيهِ الشَّرائعَ والأَحْكَامَ. وهؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مِنْ أُمَّةٍ لَمْ يَأْتِها كِتَابٌ قَبْلَ القُرآنِ، وَلَمْ يُرْسِلِ اللهِ إليهِمْ رَسُولاً قَبْلَ مُحَمَّدٍ، فَمِنْ أَيْنَ جَاءَهُمْ أَنَّ مَا هُمْ عَلَيهِ مِنْ شِرْكٍ هُوَ الدِّينَ الصَّحِيحُ؟

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : كأن الحق سبحانه يسأل: من أين جاءوا بهذا الكلام، وبهذه الاتهامات، هل آتيناهم كُتباً يدرسونها، ويعلمون منها ذلك؟ ويجيب سبحانه {وَمَآ آتَيْنَاهُمْ مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا} [سبأ: 44] كذلك {وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ} [سبأ: 44] يعني: رسول يخبرهم بهذا. إذن: من أين جاءوا به؟ يقول سبحانه: {وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ وَمَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ...}.

الجيلاني

تفسير : ثم أشار سبحانه إلى غاية تجهيل المشركين ونهاية تسفيههم، فقال: {وَمَآ آتَيْنَاهُمْ} وأنزلنا عليهم {مِّنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا} وفيها دليل الإشراك وإثبات الآلهة، بل كل الكتب منزلة على التوحيد وبيان طريقه {وَ} كذلك {مَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ} يا أكمل الرسل {مِّن نَّذِيرٍ} [سبأ: 44] ينذرهم عن التوحيد، ويدعوهم إلى الشرك، بل كل من أرسل من الرسل، فإنما هو على إرشاد التحيد والإنذار عن الشرك المنافي له. ثم أشار سبحانه إلى تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديدهم بالأخذ والبطش، فقال: {وَ} كما كذب هؤلاء المكذبون بك أكمل الرسل وبكتابك {كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبلِهِمْ} من الأمم رسلهم والكتب المنزل عليهم {وَ} هم؛ أي: هؤلاء الغواة المكذبون لك يا أكمل الرسل {مَا بَلَغُواْ مِعْشَارَ مَآ آتَيْنَاهُمْ} أي: عشر ما أعطينا لأولئك المكذبين الماضين من الجاه والثروة والأمتعة الدنيوية وطول العمر، ومع ذلك {فَكَذَّبُواْ رُسُلِي} فأخذناهم مع كمال قوتهم وشوكتهم {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} [سبأ: 45] أي: إنكاري وانتقامي إياهم بالتدمير والهلاك، مع إنكارهم على رسلي وكتبي بالتكذيب والاستخفاف. {قُلْ} يا أكمل الرسل بعدما بلغ إلزامهم وتهديدهم غايته: {إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ} أي: ما أذكر لكم وأنبه عليكم إلا بخصلة واحدة كريمة، وهي: {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ} وحده، وتوحدوه عن وصمة الكثرة مطلقاً، وتواظبوا على أداء الأعمال الصالحة المقربة إليه، المقبولة عنده سبحانه، وتخلصوها لوجهه الكريم بلا شوب شركة ولوث كثرة وخباثة، رياء ورعونة، سمعة وعجب، واسترشدوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم {مَثْنَىٰ} أي: اثنين اثنين {وَفُرَادَىٰ} أي: واحد واحد؛ يعني: متفرقين بلا زخام مشوش للخاطر، مخلط للأقوال، حتى يظهر لكم شأنه صلى الله عليه وسلم ويتبين دونكم برهانه {ثُمَّ} بعدما ترددتم عليه صلى الله عليه وسلم على وجه التعاقب والتفريق {تَتَفَكَّرُواْ} فيما لاح عنكم منه صلى الله عليه وسلم، وتأملوا فيه حق التأمل والتدبر على وجه الإنصاف، معرضين عن الجدل والاعتساف؛ لينكشف لكم أنه {مَا بِصَاحِبِكُمْ} يعني: محمد صلى الله عليه وسلم {مِّن جِنَّةٍ} أي: جنون وخبط يعرضه ويحمله على ادعاء الرسالة بلا برهان واضح يتضح له وينكشف دونه، كما زعم في حقه صلى الله عليه وسلم مشركوا مكة - لعنهم الله - كي يفتضح على رءوس الأشهاد، كما نشاهد من متشيخة زماننا - خذلهم الله - أمثال هذه الخرافات بلا سند صحيح. وبعدما لم يساعدهم البرهان والكرامة افتُضحوا، وهو صلى الله عليه وسلم مع كمال عقله ورزانة رأيه ومتانة حكمته، كيف يختار ما هو سبب الشنعة والافتضاح؟! تعالى شأنه صلى الله عليه وسلم عما يقول الظالمون علواً كبيراً. والمعنى: ثم بعدما جلستم عنده صلى الله عليهم وسلم على الوجه المذكور، تكلمتم معه على طريق الإنصاف، تتفكرون وتتأملون، هل تجدونه صلى الله عليه وسلم معروضاً للخبط والجنون، أم للأمر السماوي الباعث له صلى الله عليه وسلم على أمثال هذه الحكم والأحكام والعبر والأمثال التي عجزت دونها فحول العقلاء وجماهير الفصحاء والبلغاء، البالغون أقصى نهاية الإدراك، مع وفور دعاويهم، وبمعارضتها والتحدي معها؟! بل {إِنْ هُوَ} أي: ما هذا الرسول المرسل إليكم المؤيد بالبراهين الواضحة والمعجزات اللائحة المثبتة لرسالته {إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ} من قبل الحق {بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ: 46] أي: قبيل الساعة، وقدام يوم القيامة المعدة لأنواع العذاب والنكال على عصاة العباد. وإن اتهموك يا أكمل الرسل بأخذ الأجر والجعل على أداء الرسالة وتبليغ الأحكام، بل حصروا ادعاءك الرسالة ودعوتك على هذا فقط {قُلْ} لهم على طريق الإسكات والإلزام: ما سألت منكم شيئاً من الجعل أصلاً، وإن فرض أني سألت منكم شيئاً، فاعلموا أن {مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ} على إرشادكم وتكميلكم {فَهُوَ لَكُمْ} أي: هبة لكم، مردود عليكم {إِنْ أَجْرِيَ} أي: ما أجري وجعلي على تحمل هذه المشاق والمتاعب الورادة في تبليغ الرسالة وإظهار الدعوة {إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} الذي أرسلني بالحق، وبعثني بالصدق، وهو المراقب المطلع على جميع أحوالي، الحكيم بإفاضة ما ينبغي ويليق بي وبشأني {وَ} كيف لا يطلع سبحانه على أحوال عباده؛ إذ {هُوَ} بذاته {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} ظهر من الموجودات ولاح عليه لمعة الوجود {شَهِيدٌ} [سبأ: 47] حاضر دونه، غير بعيد عنه ومغيب عليه. {قُلْ} يا أكمل الرسل بعدما تمادى مراءة أهل الضلال وتطاول جدالهم: لا أبالي باساتهدائكم واسترشادكم، ولا أبالغ في تمكيلكم، بل {إِنَّ رَبِّي} العليم باسعتدادات عباده، الحكيم بإفاضة الإيمان والعرفان على من أراد هدايته وإرشاده {يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ} أي: يلقيه وينزله على قلوب عباده الذين جبلهم على فطرة الإسلام واستعدادات التوحيد والعرفان، إذ هو سبحانه {عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} [سبأ: 48] يعرف استعدادات عباده وقابلياتهم على قبول الحق، ويميزهم عن أهل الزيغ والضلال، المجبولين على الغواية الفطرية، والجهل الجبلي.