٣٤ - سَبَأ
34 - Saba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
46
Tafseer
الرازي
تفسير : ذكر الأصول الثلاثة في هذه الآية بعد ما سبق منه تقريرها بالدلائل فقوله: {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ } إشارة إلى التوحيد وقوله: {مَا بِصَـاحِبِكُمْ مّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ } إشارة إلى الرسالة وقوله: {بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } إشارة إلى اليوم الآخر وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قوله: {إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوٰحِدَةٍ } يقتضي أن لا يكون إلا بالتوحيد، والإيمان لا يتم إلا بالاعتراف بالرسالة والحشر، فكيف يصح الحصر المذكور بقوله: {إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوٰحِدَةٍ } فنقول التوحيد هو المقصود ومن وحد الله حق التوحيد يشرح الله صدره ويرفع في الآخرة قدره فالنبـي صلى الله عليه وسلم أمرهم بما يفتح عليهم أبواب العبادات ويهيء لهم أسباب السعادات، وجواب آخر وهو أن النبـي صلى الله عليه وسلم ما قال إني لا آمركم في جميع عمري إلا بشيء واحد، وإنما قال أعظكم أولاً بالتوحيد ولا آمركم في أول الأمر بغيره لأنه سابق على الكل ويدل عليه قوله تعالى: {ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ } فإن التفكر أيضاً صار مأموراً به وموعوظاً. المسألة الثانية: قوله: {بِوٰحِدَةٍ } قال المفسرون أنثها على أنها صفة خصلة أي أعظكم بخصلة واحدة، ويحتمل أن يقال المراد حسنة واحدة لأن التوحيد حسنة وإحسان وقد ذكرنا في قوله تعالى: {أية : إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ } تفسير : [النحل: 29] أن العدل نفي الإلهية عن غير الله والإحسان إثبات الإلهية له، وقيل في تفسير قوله تعالى: {أية : هَلْ جَزَاء ٱلإحْسَـٰنِ إِلاَّ ٱلإحْسَـٰنُ } تفسير : [الرحمن: 60] أن المراد هل جزاء الإيمان إلا الجنان، وكذلك يدل عليه قوله تعالى: {أية : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مّمَّن دَعَا إِلَى ٱللَّهِ } تفسير : [فصلت: 33]. المسألة الثالثة: قوله: {مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ } إشارة إلى جميع الأحوال فإن الإنسان إما أن يكون مع غيره أو يكون وحده، فإذا كان مع غيره دخل في قوله: {مَثْنَىٰ } وإذا كان وحده دخل في قوله: {فُرَادَىٰ } فكأنه يقول تقوموا لله مجتمعين ومنفردين لا تمنعكم الجمعية من ذكر الله ولا يحوجكم الانفراد إلى معين يعينكم على ذكر الله. المسألة الرابعة: قوله: {ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ } يعني اعترفوا بما هو الأصل والتوحيد ولا حاجة فيه إلى تفكر ونظر بعد ما بان وظهر، ثم تتفكروا فيما أقول بعده من الرسالة والحشر، فإنه يحتاج إلى تفكر، وكلمة ثم تفيد ما ذكرنا، فإنه قال: {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ } ثم بين ما يتفكرون فيه وهو أمر النبـي عليه السلام فقال: {مَا بِصَـاحِبِكُمْ مّن جِنَّةٍ }. المسألة الخامسة: قوله: {مَا بِصَـاحِبِكُمْ مّن جِنَّةٍ } يفيد كونه رسولاً وإن كان لا يلزم في كل من لا يكون به جنة أن يكون رسولاً، وذلك لأن النبـي عليه السلام كان يظهر منه أشياء لا تكون مقدورة للبشر وغير البشر ممن تظهر منه العجائب إما الجن أو الملك، وإذا لم يكن الصادر من النبـي صلى الله عليه وسلم بواسطة الجن يكون بواسطة الملك أو بقدرة الله تعالى من غير واسطة، وعلى التقديرين فهو رسول الله، وهذا من أحسن الطرق، وهو أن يثبت الصفة التي هي أشرف الصفات في البشر بنفي أخس الصفات، فإنه لو قال أولاً هو رسول الله كانوا يقولون فيه النزاع، فإذا قال ما هو مجنون لم يسعهم إنكار ذلك لعلمهم بعلو شأنه وحاله في قوة لسانه وبيانه فإذا ساعدوا على ذلك لزمتهم المسألة. ولهذا قال بعده {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ } يعني إما هو به جنة أو هو رسول لكن تبين أنه ليس به جنة فهو نذير. المسألة السادسة: قوله: {بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } إشارة إلى قرب العذاب كأنه قال ينذركم بعذاب حاضر يمسكم عن قريب بين يدي العذاب أي سوف يأتي العذاب بعده.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ} تمم الحجة على المشركين؛ أي قل لهم يا محمد: {إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ} أي أذكّركم وأحذّركم سوء عاقبة ما أنتم فيه. {بِوَاحِدَةٍ} أي بكلمة واحدة مشتملة على جميع الكلام، تقتضي نفي الشرك وإثبات الإلٰه. قال مجاهد: هي لا إلٰه إلا الله؛ وهذا قول ابن عباس والسّدي. وعن مجاهد أيضاً: بطاعة الله. وقيل: بالقرآن؛ لأنه يجمع كل المواعظ. وقيل: تقديره بخصلة واحدة، ثم بينها بقوله: {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ} فتكون «أَنْ» في موضع خفض على البدل من «وَاحِدَة»، أو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، أي هي أن تقوموا. ومذهب الزجاج أنها في موضع نصب بمعنى لأن تقوموا. وهذا القيام معناه القيام إلى طلب الحق لا القيام الذي هو ضدّ القعود، وهو كما يقال: قام فلان بأمر كذا؛ أي لوجه الله والتقرب إليه. وكما قال تعالى: {أية : وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىٰ بِٱلْقِسْطِ}تفسير : [النساء: 127]. {مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ} أي وُحداناً ومجتمعين؛ قاله السّديّ. وقيل: منفرداً برأيه ومشاوراً لغيره، وهذا قول مأثور. وقال القُتَبِيّ: مناظراً مع غيره ومفكّراً في نفسه، وكله متقارب. ويحتمل رابعاً أن المَثْنَى عمل النهار والفرادى عمل الليل، لأنه في النهار معانٌ وفي الليل وحيد، قاله الماوردي. وقيل: إنما قال: «مَثْنَى وَفُرَادَى» لأن الذهن حجة الله على العباد وهو العقل، فأوفرهم عقلاً أوفرهم حظاً من الله، فإذا كانوا فرادى كانت فكرة واحدة، وإذا كانوا مَثْنَى تقابل الذهنان فتراءى من العلم لهما ما أضعف على الانفراد؛ والله أعلم. {ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ} الوقف عند أبي حاتم وابن الأنباري على «ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا». وقيل: ليس هو بوقف، لأن المعنى؛ ثم تتفكروا هل جرَّبتم على صاحبكم كذباً، أو رأيتم فيه جنة، أو في أحواله من فساد، أو اختلف إلى أحد ممن يدّعي العلم بالسحر؛ أو تعلّم الأقاصيص وقرأ الكتب، أو عرفتموه بالطمع في أموالكم، أو تقدرون على معارضته في سورة واحدة؛ فإذا عرفتم بهذا الفكر صدقه فما بال هذه المعاندة. {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} وفي صحيح مسلم حديث : عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ } «ورَهْطَكَ مِنهمْ المُخْلصِين» خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعِد الصَّفا فهتف: يا صباحاه؟ فقالوا: من هذا الذي يهْتِفٰ؟ قالوا: محمد؛ فاجتمعوا إليه فقال: «يا بني فلان يا بني فلان يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب ـ فاجتمعوا إليه فقال ـ أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مُصَدِّقِيّ»؟ قالوا: ما جربنا عليك كذبا. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذابٍ شديد». قال فقال أبو لهب: تَبًّا لك! أمَا جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قال فنزلت هذه السورة {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ } تفسير : كذا قرأ الأعمش إلى آخر السورة.
ابن كثير
تفسير : يقول تبارك وتعالى: قل يا محمد لهؤلاء الكافرين الزاعمين أنك مجنون: {إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَٰحِدَةٍ} أي: إنما آمركم بواحدة، وهي: {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَـٰحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ} أي: تقوموا قياماً خالصاً لله عز وجل، من غير هوى ولا عصبية، فيسأل بعضكم بعضاً: هل بمحمد من جنون؟ فينصح بعضكم بعضاً، {ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ} أي: ينظر الرجل لنفسه في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ويسأل غيره من الناس عن شأنه إن أشكل عليه، ويتفكر في ذلك، ولهذا قال تعالى: {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَـٰحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ} هذا معنى ما ذكره مجاهد ومحمد بن كعب والسدي وقتاده وغيرهم، وهذا هو المراد من الآية. فأما الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «حديث : أعطيت ثلاثاً لم يعطهن أحد قبلي ولا فخر: أحلت لي الغنائم ولم تحل لمن قبلي، كانوا قبلي يجمعون غنائمهم فيحرقونها، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً أتيمم بالصعيد، وأصلي فيها حيث أدركتني الصلاة، قال الله تعالى: {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ} وأعنت بالرعب مسيرة شهر بين يدي» تفسير : فهو حديث ضعيف الإسناد، وتفسير الآية بالقيام في الصلاة في جماعة وفرادى بعيد، ولعله مقحم في الحديث من بعض الرواة، فإن أصله ثابت في الصحاح وغيرها، والله أعلم. وقوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} قال البخاري عندها: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن خازم، حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما: أنه قال: صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا ذات يوم، فقال: «حديث : يا صباحاه» تفسير : فاجتمعت إليه قريش، فقالوا: مالك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «حديث : أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني؟» تفسير : قالوا: بلى، قال صلى الله عليه وسلم «حديث : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» تفسير : فقال أبو لهب: تباً لك، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله عز وجل: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}تفسير : [المسد: 1] وقد تقدم عند قوله تعالى: {أية : وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ } تفسير : [الشعراء: 214]. وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو نعيم. حدثنا بشير بن المهاجر، حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً، فنادى ثلاث مرات، فقال: «حديث : أيها الناس أتدرون ما مثلي ومثلكم؟» تفسير : قالوا: الله تعالى ورسوله أعلم، قال صلى الله عليه وسلم «حديث : إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدواً يأتيهم، فبعثوا رجلاً يتراءى لهم، فبينما هو كذلك، أبصر العدو، فأقبل لينذرهم، وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه، فأهوى بثوبه، أيها الناس أوتيتم، أيها الناس أوتيتم» تفسير : ثلاث مرات، وبهذا الإسناد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «حديث : بعثت أنا والساعة جميعاً إن كادت لتسبقني» تفسير : تفرد به الإمام أحمد في مسنده.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوٰحِدَةٍ } هي {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ } أي لأجله {مَثْنَىٰ } أي اثنين اثنين {وَفُرٰدَىٰ } واحداً واحداً {ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ } فتعلموا {مَا بِصَاحِبِكُمْ } محمد {مِّن جِنَّةٍ } جنون {إن } ما {هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ } أي قبل {عَذَابٍ شَدِيدٍ } في الآخرة إن عصيتموه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ إنَّمَآ أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ} فيه قولان: أحدهما: يعني بطاعة الله عز وجل، قاله مجاهد. الثاني: بالا إله إلا الله، قاله السدي. ويحتمل ثالثاً: بالقرآن لأنه يجمع كل المواعظ. {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى} يعني أن تقوموا لله بالحق، ولم يُرد القيام على الأرجل كما قال تعالى: {أية : وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسطِ} تفسير : [النساء: 127 ]. وفي قوله: {مَثْنَى وَفُرَادَى} ثلاثة أوجه: أحدها: معناه جماعة وفرادى، قاله السدي. الثاني: منفرداً برأيه ومشاوراً لغيره، وهذا قول مأثور. الثالث: مناظراً مع غيره ومفكراً في نفسه، قاله ابن قتيبة. ويحتمل رابعاً: أن المثنى عمل النهار، والفرادى عمل الليل، لأنه في النهار. مُعانٌ وفي الليل وحيد. {ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ} قال قتادة أي ليس بمحمد جنون. {إنْ هُوَ إلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} يعني في الآخرة، قال مقاتل: وسبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل كفار قريش ألا يؤذوه ويمنعوا منه لقرابته منهم حتى يؤدي رسالة ربه، فسمعوه يذكر اللات والعزى في القرآن فقالوا يسألنا ألا نؤذيه لقرابته منا ويؤذينا بسبب آلهتنا فنزلت هذه الآية.
ابن عبد السلام
تفسير : {بِوَاحِدَةٍ} طاعة الله ـ تعالى ـ، أو قول لا إله إلا الله {أَن تَقُومُواْ} بالحق كقوله {أية : وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىٰ بِٱلْقِسْطِ}تفسير : [النساء: 127] {مَثْنَى وَفُرَادَى} جماعة وفرادى أو منفرداً برأيه ومشاوراً لغيره مأثور، أو مناظراً لغيره ومفكراً في نفسه.
ابن عادل
تفسير : قوله: {قُلْ إنَّمَآ أعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ} أي آمركم وأوصيكم بواحدة أي بخصلة واحدة ثم بين تلك الخصلة فقال: {أنْ تَقُومُواْ لِلَّهِ} أي لأجل الله. قوله: "أن تقوموا" فيه أوجه: أحدها: أنها مجرورة المحل بدلاً من "وَاحِدَةٍ" على سبيل البيان. قاله الفارسي. الثاني: أنها عطف بيان "لواحدة" قاله الزمخشري. وهو مردود لتخالفها تعريفاً وتنكيراً، وقد تقدم هذا عند قوله: {أية : فِيهِ آيَاتٌ بَيِّـنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ} تفسير : [آل عمران: 97]. الثالث: أنها منصوبة بإضمار "أَعْنِي". الرابع: أنها مرفوعة على خبر ابتداء مضمر أي هي أن تقوموا، و "مَثْنَى وفُرَادَى" حال. وتقدم تحقيق القول في "مثنى" وبابه في سورة النّساء، ومضى القول في "فُرَادَى" في الأنعام، ومعنى "مَثْنَى" أي اثنين اثنين، و"فُرادَى" واحداً واحداً. ثم قوله: {ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} عطف على "أَنْ تَقُومُوا" أي قِيَامكُمْ ثم تَفَكُّركُمْ، والوقف عند أبي حاتم على هذه الآية ثم يتبدىء: {مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ} وقال مقاتل: تم الكلام (عند) قوله: {ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} أي في خلق السموات والأرض فتعلموا أن خالقهما واحد لا شريك له. قوله: {مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ} وفي "ما" هذه قولان: أحدهما: أنها نافية. والثاني: أنها استفهامية لكن لا يراد به حقيقة الاستفهام فيعود إلى النفي. وإذا كانت نافية فهل هي معلقة أو مستأنفة أو جواب القسم الذي تضمنه معنى "تَتَفَكَّرُوا" لأنه فعل تحقيق كتَبَيَّنَ وبابه؟ ثلاثة أوجه نَقَل الثَّالِثَ ابنُ عطية. وربما نسبه لِسِيبَويهِ، وإذا كانت استفهامية جاز فيها الوجهان الأولان دون الثالث و "مِنْ جنَّةٍ" يجوز أن يكون فاعلاً بالجار لاعتماده وأن يكون مبتدأ، ويجوز في "ما" إذا كانت نافية أن تكون الحجَازيَّة أو التَّمِيميَّة. قوله: "مَثْنَى وفُرَادَى" إشارة إلى جميع الأحوال فإن الإنسان إما أن يكون مع غيره فيدخل في قوله "مَثْنَى" وإن كان وحده دخل في قوله: "فُرَادَى" فكأنه قال: تَقُومُوا لله مجتَمعِينَ ومُنْفَرِدِين لا يمنعكم الجمعيَّةُ من ذكر الله ولا يحوجكم الانفراد إلى معين يُعينكم على ذكر الله، ثم تتفكروا في حال محمد - صلى الله عليه وسلم - فتعلموا ما بصاحبكم من "جنة" جنون. وليس المراد من القيام القيام ضد الجلوس وإنما هو القيام بالأمر الذي هو طلب الحق كقوله: {أية : وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَىٰ بِٱلْقِسْطِ} تفسير : [النساء:127]. قال ابن الخطيب وقوله: {بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ} يفيد كونه رسولاً وإن كان لا يلزم في كل من لا يكون به جنة أن يكون رسولاً، لأن النبي - عليه السلام - كان يظهر من أشياء لا تكون مقدورة للبشر وغير البشر من يظهر منه العجائب إما الجن وإما الملك فإذا لم يكن الصادر من النبي - عليه السلام - بواسطة الجن بل بقدرة الله من غير واسطة وعلى التقديرين فهو رسول الله وهذا من أحسن الطُّرق، وهو الذي يثبت الصفة التي هي أشرف الصفات في البشر بنفي أخسِّ الصفات فإنه لو قال أولاً هو رسول كانوا يقولون فيه النِّزاع فإذا قال: ما هو مجنون لم يسعهم إنكار ذلك، ليعلمهم بعلو شأنه وحاله في قوة لسانه، فإذا ساعدوا على ذلك لزمتهم المسألة ولهذا قال بعده: {إنْ هُوَ نَذِيرٌ لَكُمْ} يعني إما هو به جِنّة و هو رسول لكن تبين أنه ليس به جنة فهو نذير. وقوله: {بَيْنَ يَدِيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} إشارة إلى قرب العذاب كأنه قال ينذركم بعذاب حاضر يَمَسّكم عن قريبٍ. قوله: {قُلَ مَا سألتُكُمْ مِنْ أجْرٍ} في "ما" وجهان: أحدهما: أنها شرطية فيكون مفعولاً مقدماً و "فَهُوَ لَكُمْ" جوابها. والثاني: أنها موصولة في محل رفع بالابتداء والعائد محذوف أي سأَلْتُكُمُوهُ والخبر: "فَهُوَ لَكُمْ" ودخلت الفاء لشبه الموصول بالشرط والمعنى يحتمل أنه لم يسألهم أجراً البتة كقولك: إن أعْطَيْتَنِي شيئاً فخذه مع عملك أي لم يُعْطِكَ شيئاً وقول القائل: ما لي من هذا فقد وهبته لك يريد ليس لي فيه شيء. ويؤيده: {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} ويحتمل أنه سألهم شيئاً نفعُه عائدٌ عليهم وهو المراد بقوله: {أية : إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} تفسير : [الشورى:23] "إنْ أَجْرِيَ" ما ثوابي {إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ}. قوله: {إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ} يجوز أن يكون "يَقْذِفُ بالْحَقِّ" مفعوله محذوفاً لأن القَذْفَ في الأصل الرمي وعبر عنه هنا عوضاً عن الإلقاء أي يلقي الوحي إلى أنبيائه "بالْحَقِّ" أي بسبب الحق أو ملتبساً بالحق. ويجوز أن يكون التقدير يَقْذِفُ الباطلَ بالحقِّ أي يدفعه ويطرحه، كقوله تعالى: {أية : بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ} تفسير : [الأنبياء:18]. ويجوز أن يكون الباء زائدة أي نُلْقِي الحَقِّ، كقوله: {أية : وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ}تفسير : [البقرة:195] أو تضمن "يقذف" معنى يقضي ويحكم، والقذف الرمي بالسهم أو بالحَصَاةِ أو الكلام. قال المفسرون: معناه نأتي بالحق بالوحي ننزله من السماء فنقذفه إلى الأنبياء. قوله: "عَلاَّم الغُيُوبِ" العامة على رفعه وفيه أوجه: أظهرها: أنه خبر (ثانٍ) لـ "إنّ" أو خبر لمتبدأ مضمر أو بدل من الضمير في "يَقْذِفُ" أو نعت له على رأي الكسائي؛ لأنه يُجيزُ نعت الضمير الغائب. وقد صرح به هنا وقال الزمخشري: رفع على محل إنَّ واسْمِها، أو على المستكِنِّ في "يَقذف" يعني بقوله محمول على محل إنَّ واسْمِهَا يعني به النعت إلا أن ذلك ليس مذهب البصريين لأنهم لم يعتبروا المحل إلا في العطف بالحرف بشروط عند بعضهم. ويريد بالحمل على الضمير في نقذف أنه بدل منه لا أنه نعت له لأن ذلك انفرد به الكسائي، وقرأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وعيسَى بْنُ عُمَرَ وابنُ أبي إسْحَاقَ بالنصب نعتاً لاسم إنَّ أو بدلاً منه على قلة الابدال بالمشتق أو منصوب على المدح. وقرىء الغُيُوب بالحركات الثلاث في الغين. فالضم والكسر تقدما في "بُيُوتٍ" وبابه. وأما الفتح صيغةُ مبالغة كالشَّكُورِ والصَّبُورِ وهو الشيء الغائب الخَفِيُّ. فصل قال ابن الخطيب في يقذف بالحق وجهان: أحدهما: نقذف بالحق في قلوب المحقين. وعلى هذا تُعَلَّقُ الآية بما قبلها من حيث إن الله تعالى لما بين رسالة النبي – عليه (الصلاة و) السلام - بقوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ} وأكده بقوله: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُم} وكان من عادة المشركين استعباد تخصيص واحد من بينهم بإنزال الذكر عليه كما حكى عنهم قولهم: {أية : أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} تفسير : [ص:8] ذكر ما يصلح جواباً لهم فقال: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ} في القلوب (إشارة إلى أن الأمر بيده يفعل ما يريد ويعطي ما يشاء لمن يشاء ثم قال: {عَلاَّم الغُيُوب} إشارة إلى جواب سؤال فاسد يذكر عليه وهو أن من فعل شيئاً كما يريد من غير اختصاص محل الفعل بشيء لا يوجد في غيره لا يكون عالماً وإنما ذلك فعل اتفاقاً، كما يصيب السهم موضعاً دون غيره مع تسوية المواضع في المحاذاة، فقال: "بالْحَقِّ" كيف شاء وهو عالم بما يفعله (دعاكم) بعواقب ما يفعله إذْ هُو عَلاَّم الغُيُوب فهو كما يريد لا كما يفعل الهاجمُ الغافلُ عن العَوَاقب. الوجه الثاني: أن المراد منه أنه يقذف بالحق على الباطل كقوله: {أية : بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ} تفسير : [الأنبياء:18] وعلى هذا تعلق الآية بما قبلها من حيث إن براهين التوحيد لما ظهرت وشبهتهم داحضة قال: "إن ربي يقذف بالحق" أي يُبْلي باطلكم. وعلى هذا الوجه فقوله: "علام الغيوب" هو أنّ البرهان المعقول لم يقع إلا على التوحيد والرسالة وأما الحشر فلا بُرْهَان على وقوعه إلا إخبار الله تعالى عنه وعن أحواله وأهواله ولولا بيان الله بالقول لما بان لأحد بخلاف التوحيد والرسالة فلما قال: "يَقْذِفُ بالْحَقِّ" أي على الباطل أشار به إلى ظهور البراهين على التوحيد والنبوة. ثم قال: "عَلاَّم الغُيُوبِ" أي ما يخبره عن الغيب وهو قيام الساعة وأهوالها فهو لا خُلْف فيه فإن الله علام الغيوب. وتحتمل الآية وجهاً آخر هو أن يقال: {رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ} أي ما يقذفه يقذفه بالحق لا بالباطل. والباء على الوجهين الأولين متعلق بالمفعول به والحق مقذوف على الوجهين الأولين وعلى هذا الباء في قوله: "بالحق" كالباء في قوله تعالى: {أية : فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ} تفسير : [ص:26] والمعنى على هذا الوجه هو أن الله تعالى قذف ما قذف في قلوب الرسل وهو علام الغيوب يعلم ما في قلوبهم وما في قلوبكم. قوله: {قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ} يعني القرآن. وقيل: التوحيد والحشر، وكلّ ما ظهر على لسان النبي - عليه (الصلاة و) السلام. وقيل المعجزات الدالة على نبوة محمد - عليه (الصلاة و) السلام وقيل: المراد من جاء بالحق أي ظهر الحق لأن كلَّ ما جاء فقد ظهر. قوله: {وَمَا يُبْدِيءُ} يجوز في "ما" أن تكون نفياً، وأن تكون استفهاماً، ولكن يَؤُول معناها إلى النفس، ولا مفعول "ليُبْدِىءُ" ولا "لِيُعِيدُ" إذ المراد لا يوقع هذين الفعلين كقوله: شعر : 4142- أقَفَرَ مِنْ أَهْلِهِ عُبَيْدُ أَصْبَحَ لاَ يُبْدِي وَلاَ يُعِيدُ تفسير : وقيل: مفعوله محذوف أي ما يُبْدِىءُ لأهله خبراً ولا يُعِيدُه، وهو تقدير الحسن. والمعنى: ذَهَبَ البَاطِلُ ووَهَن فلم يبق منه بقية يبدي شيئاً أو يعيد. وهو كقوله: {أية : بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ} تفسير : [الأنبياء:18]. وقال قتادة: الباطل هو إبليس أي ما يخلق إبليسُ أحداً ابتداء ولا يبعثه. وهو (قول) مقاتل والكلبِّي، وقيل: الباطل الأصنام. قوله: "إنْ ضَلَلْتُ" العامة على فتح لامه في الماضي وكسرها في المضارع ولكن بنقل الساكن قبلها. وابن وثاب بالعكس وهو لغةُ تميمٍ. وتقدم ذلك. فصل قال المفسرون: إن كفار مكة كانوا يقولون: إنك ضللت حتى تركت دين آبائك، فقال الله تعالى: {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي} أي إثم ضلالي على نفسي {وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} من القرآن والحكمة {إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ}. قوله: "فِبِمَا يُوحِي" يجوز أن تكون "ما" مصدرية أي بسبب إيحاء ربي لي، وأن تكون موصولة أي بسبب الذي يُوحِيه فعائده محذوف. وقوله "سميعٌ" أي يسمع إذا ناديتهُ واستعنت به عليكم قريب يأتيكم من غير تأخير ليس كمن يسمع من بعيد ولا يلحق الدَّاعِي.
البقاعي
تفسير : ولما أبطل شبههم كلها، وليّن من عريكتهم بالتنبيه على التحذير، فصاروا جديرين بقبول الوعظ، وكان مما رموه به - وحاشاه - الجنون وتعمد الكذب، أمره بالإقبال عليهم به مخففاً له لئلا ينفروا من طوله فقال: {قل} وأكده زيادة في استجلابهم إلى الإقبال عليه فقال: {إنما أعظكم بواحدة} أي فاسمعوا ولا تنفروا خوفاً من أن أملّكم؛ ثم استأنف قوله بياناً لها: {أن تقوموا} أي توجهوا نفوسكم إلى تعرف الحق، وعبر بالقيام إشارة إلى الاجتهاد {لله} أي الذي لا أعظم منه على وجه الإخلاص واستحضار ما له من العظمة بما له لديكم من الإحسان لا لإرادة المغالبة حال كونكم {مثنى} أي اثنين اثنين، وقدمه إشارة ألى أن أغلب الناس ناقص العقل {وفرادى} أي واحداً واحداً، من وثق بنفسه في رصانه عقله وأصالة رأيه قام وحده ليكون أصفى لسره، وأعون على خلوص فكره، ومن خاف عليها ضم إليه آخر ليذكره إن نسي. ويقومه إن زاغ. ولما كان هذا القسم أكثر وجوداً في الناس قدمه ولم يذكر غيرهما من الأقسام، إشارة إلى أنهم إذا كانوا على هاتين الحالتين كان أجدر لهم بأن يعرفوا الحق من غير شائبة حظ مما يكون في الجمع الكثير من الجدال واللفظ المانع من تهذيب الرأي وتثقيف الفكر وتنقية المعاني. ولما كان ما طلب منهم هذا لأجله عظيماً جديراً بأن يهتم له هذا الاهتمام، أشار إليه بأداة التراخي فقال: {ثم تتفكروا} أي تجتهدوا بعد التأني وطول التروي في الفكر فيما وسمتم به صاحبكم من أمر الجنون. ولما كان بعده صلى الله عليه وسلم من هذا آمراً لا يتمارى فيه، استأنف قوله معيناً بالتعبير بالصاحب مؤكداً تكذيباً لهم وتنبيهاً على ظهور مضمون هذا النفي: {ما بصاحبكم} أي الذي دعاكم إلى الله وقد بلوتموه صغيراً ويافعاً وشاباً وكهلاً، وأعرق في النفي بقوله: {من جنة} وخصها لأنها مما يمكن طروءه، ولم يعرّج على الكذب لأنه مما لا يمكن فيمن عاش بين أناس عمراً طويلاً ودهراً دهيراً يصحبهم ليلاً ونهاراً صباحاً ومساءً سراً وعلناً في السراء والضراء، وهو أعلاهم همة وأوفاهم مروءة، وأزكاهم خلائق وأظهرهم شمائل، وأبعدهم عن الأدناس ساحة في مطلق الكذب، فكيف بما يخالف أهواءهم فكيف بما ينسب إلى الله فكيف وكلامه الذي ينسب فيه إلى الكذب معجز بما فيه من الحكم والأحكام، والبلاغة والمعاني التي أعيت الأفهام. ولما ثبت بهذا إعلاماً وإفهاماً براءته مما قذفوه به كله، حصر أمره في النصيحة من الهلاك، فقال منبهاً على أن هذا الذي أتاهم به لا يدعيه إلا أحد رجلين: إما مجنون أو صادق هو أكمل الرجال، وقد انتفى الأول فثبت الثاني: {إن} أي ما {هو} أي المحدث عنه بعينه {إلا نذير لكم} أي خاصاً إنذاره وقصده الخلاص بكم، وهول أمر العذاب بتصويره صورة من له آلة بطش محيطة بمن تقصده فقال: {بين يدي} أي قبل حلول {عذاب شديد *} قاهر لا خلاص منه، إن لم ترجعوا إليه حل بكم سريعاً، روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حديث : صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا ذات يوم فقال: يا صباحاه! فاجتمعت إليه قريش فقالوا: ما لك، فقال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني؟ قالوا: بلى، فقال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تباً لك، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله عز وجل {تبت يدا أبي لهب وتب} . تفسير : ولما انتفى عنه بهذا ما خيلوا به، بقي إمكان أن يكون لغرض أمر دنيوي فنفاه بأمره بقوله: {قل} أي للكفرة: {ما} أي مهما {سألتكم من أجر} أي على دعائي لكم {فهو لكم} لا أريد منه شيئاً، وهو كناية عن أني لا أسألكم على دعائي لكم إلى الله أجراً أصلاً بوجه من الوجوه، فإذا ثبت أن الدعاء ليس لغرض دنيوي، وأن الداعي أرجح الناس عقلاً، ثبت أن الذي حمله على تعريض نفسه لتلك الأخطار العظيمة إنما هو أمر الله الذي له الأمر كله. ولما كانوا يظنون به في بعض ظنونهم أنه يريد أمراً دنيوياً، أكد قوله: {إن} أي ما {أجري إلا على الله} أي الذي لا أعظم منه، فلا ينبغي لذي همة أن يبتغي شيئاً إلا من عنده {وهو} أي والحال أنه {على كل شيء شهيد *} أي بالغ العلم بأحواله، فهو جدير بأن يهلك الظالم ويعلي كعب المطيع. ولما لم يبق شيء يخدش في أمر المبلغ، أتبعه تصحيح النقل جواباً لمن كأنه يقول: برئت ساحتك، فمن لنا بصحة مضامين ما تخبر؟ فقال مؤكداً لإنكارهم أن يكون ما يأتي به حق معيداً الأمر بالقول، إشارة إلى أن كل كلام صدر دليل كاف مستقل بالدلالة على ما سبق له: {قل} لمن أنكر التوحيد والرسالة والحشر معبراً بما يقتضي العناية الموجبة لنصره على كل معاند، {إن ربي} أي المحسن إلي بأنواع الإحسان، المبيض لوجهي عند الامتحان {يقذف بالحق} أي يرمي به في إثبات جميع ذلك وغيره مما يريد رمياً وحياً جداً لأنه غني عن تدبر أو تروِّ أو تفكر في تصحيح المعنى أو إصلاح اللوازم لأنه علام الغيوب، فيفضح من يريد إطفاء نوره فضيحة شديدة، ويرهق باطله كما فعل فيما وسمتموني به وفي التوحيد وغيره لا كما فعلتم أنتم في مبادرتكم إلى نصر الشرك وإلى ما وصفتموني به ووصفتم ما جئت به، فلزمكم على ذلك أمور شنيعة منها الكذب الصريح، ولم تقدروا أن تأتوا في أمري ولا في شيء من ذلك بشيء يقبله ذو عقل أصلاً. ولما وصفه بنهاية العلم، أتبعه بعض آثاره فقال: {قل جاء الحق} أي الأمر الثابت الذي لا يقدر شيء أن يزيله؛ وأكد تكذيباً لهم في ظنهم أنهم يغلبون فقال: {وما} أي والحال أنه ما {يبدئ الباطل} أي الذي أنتم عليه وغيره في كل حال حصل فيه تفريعه على مر الأيام {وما يعيد *} بل هو كالجماد لا حركة به أصلاً، لأنه مهما نطق به صاحبه في أمره بعد هذا البيان افتضح، فإن لم ترجعوا عنه طوعاً رجعتم وأنتم صغره كرهاً، والحاصل أن هذا كناية عن هلاكه بما يهز النفس ويرفض الفكر بتمثيله بمن انقطعت حركته، وذهبت قوته، حتى لا يرجى بوجه.
السيوطي
تفسير : أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه {قل إنما أعظكم بواحدة} قال: بطاعة الله {أن تقوموا لله مثنى وفرادى} قال: واحداً واثنين. وأخرج الفريابي وعبد بن حميد عن مجاهد رضي الله عنه {قل إنما أعظكم بواحدة} قال: بلا إله إلا الله. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {قل إنما أعظكم بواحدة} قال: لا إله إلا الله. وفي قوله {أن تقوموا لله} قال: ليس بالقيام على الأرجل كقوله {أية : كونوا قوامين بالقسط} تفسير : [النساء: 135]. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي رضي الله عنه في الآيه قال: يقوم الرجل مع الرجل أو وحده، فيتفكر ما بصاحبكم من جنة يقول: إنه ليس بمجنون. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول"حديث : أعطيت ثلاثاً لم يعطهن نبي قبلي ولا فخر. أحلت لي الغنائم ولم تحل لمن كان قبلي، كانوا يجمعون غنائمهم فيحرقونها. وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وكان كل نبي يبعث إلى قومه. وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، أتيمم بالصعيد، وأصلي فيها حيث أدركتني الصلاة قال الله تعالى {أن تقوموا لله مثنى وفرادى}. وأعنت بالرعب مسيرة شهر بين يدي ".
التستري
تفسير : قوله: {إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ}[46] قال: يرجع الحساب يوم القيامة إلى أربعة: الصدق في الأقوال، والإخلاص في الأعمال، والاستقامة مع الله في جميع الأحوال، ومراقبة الله على كل حال. والله سبحانه وتعالى أعلم.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ} [الآية: 46]. وقال سهل: يرجع الحساب يوم القيامة إلى أربعة وهو الصدق فى الأقوال والإخلاص فى الأعمال والاستقامة مع الله فى جميع الأحوال ومراقبة الله على كل حال.
القشيري
تفسير : يقول: إذا سوَّلَتْ لكم أنفسُكم تكذيبَ الرسولِ فأنعموا النظرَ... هل تَرَوْنَ فيه آثار ما رميتوه به؟ هذا محمد صلى الله عليه وسلم. قُلْتُم إنه ساحر - فأين آثار السحر على أحواله وأفعاله وأقواله؟ قلتم إنه شاعر - فمن أي قسم من أقسام الشعر كلامه؟ قلتم إنه مجنون - فأيّ جنونٍ ظهر منه؟ وإذ قد عجزتم عن ذلك... فهلاَّ عرفتم أنه صادق؟!
البقلي
تفسير : قوله تعالى {قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ} اى اوصيكم بخصلة واحدة وهى ان تقوموا الله لاجل الله مثنى الشيخ والمريد وفرادى العارف المتمكن القيام لله لا يكون الا بالله ومن يقوم من الحدثان لله وقهارية الازلية افنت الحدوث فى القدم حقيقة فاذا لا يقوم لله الا الله قال سهل يرجع الحساب يوم القيامة الى اربعة هو الصدق فى الاقوال والاخلاص فى الاعمال والاستقامة مع الله فى جميع الاحوال ومراقبتا لله على كل حال.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل انما اعظكم بواحدة} الوعظ زجر يقترن به تخويف. وقال الخليل هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب والعظة والموعظة الاسم اى ما انشدكم وانصح لكم الا بخصلة واحدة هى {ان تقوموا} من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتفرقوا من مجمعكم عنده فالقيام على حقيقته بمعنى القيام على الرجلين ضد الجلوس ويجوز ان يكون بمعنى القيام بالامر والاهتمام بطلب الحق {لله} لاجله تعالى ورضاه لا للمراء والرياء والتقليد حال كونكم متفرقين {مثنى} اثنين اثنين {وفرادى} واحدا واحدا. قال الراغب الفرد الذى لا يختلط به غيره فهو اعم من الوتر واخص من الواحد وجمعه فرادى انتهى. وفى المختار الفرد الوتر وجمعه افراد وفرادى بالضم على غير القياس كأنه جمع فردان {ثم تتفكروا} التفكر طلب المعنى بالقلب: يعنى [تفكر جست وجوى دلست در طلب معنى] اى تتفكروا فى امره صلى الله عليه وسلم فتعلموا {ما} نافية {بصاحبكم} المراد الرسول عليه السلام {من جنة} اى جنون يحمله على دعوى النبوة العامة كما ظننتم وفائدة التقييد بالاثنين والفرادى ان الاثنين اذا التجئا الى الله تعالى وبحثا طلبا للحق مع الانصاف هديا اليه وكذا الواحد اذا تفكر فى نفسه مجردا عن الهوى بخلاف كثرة الجمع فانه يقل فيها الانصاف غالبا ويكثر الخلاف ويثور غبار الغضب ولا يسمع الانصرة المذهب. وفى تقديم مثنى ايذان بانه اوفق واقرب من الاطمئنان فان الاثنين اذا قعدا بطريق المشاورة فى شأن الرسول عليه السلام وصحة نبوته من غير هوى وعصبية وعرض كل منهما محصول فكره على الآخر ادى النظر الصحيح الى التصديق ويحصل العلم على العلم. وفى الفتوحات المكية قدس الله سر صاحبها الواحدة ان يقوم الواعظ من اجل الله اما غيرة واما تعظيما وقوله {مثنى} اى بالله ورسوله فانه من اطاع الرسول فقد اطاع الله فيقوم صاحب هذا المقام بكتاب الله وسنة رسوله لا عن هوى نفس ولا تعظيم كونى ولا غيرة نفسية وقوله {وفرادى} اى بالله خاصة او برسوله خاصة انتهى هذا اذا علقت {ما بصاحبكم} بمحذوف كما قدر فلا يوقف اذا على تتفكروا ويجوز ان يكون الوقف تاما عند تتفكروا على معنى ثم تتفكروا فى امره عليه السلام وما جاء به لتعلموا حقيقته فقوله {ما بصاحبكم من جنة} استئناف مسوق من جهته تعالى للتنبيه على طريقة النظر والتأمل بان مثل هذا الامر العظيم الذى تحته ملك الدنيا والآخرة لا يتصدى لادعائه الا مجنون لا يبالى بافتضاحه عند مطالبته بالبرهان وظهور عجزه او مؤيد من عند الله مرشح للنبوة واثق بحجته وبرهانه واذ قد علمتم انه عليه السلام ارجح العالمين عقلا واصدقهم قولا وانزههم نفسا وافضلهم علما واحسنهم عملا واجمعهم للكمالات البشرية وجب ان تصدقوه فى دعواه فكيف وقد انضم الى ذلك معجزات تخر لها صم الجبال {ان} ما {هو} صاحبكم {الا نذير لكم} مخوف لكم بلسان ينطق بالحق {بين يدى عذاب شديد} اى قدام عذاب الآخرة ان عصيتموه لانه مبعوث فى نسم الساعة اى اولها وقربها وذلك لأن النسم النفس ومن قرب منك يصل اليك نفسه. وفى التأويلات النجمية {بين يدى عذاب شديد} فى الدنيا والآخرة لينجيكم منه والعذاب الشديد الجهل والنكرة والجحود والانكار والطرد واللعن من الله تعالى وفى الآخرة الحسرة والندامة والخجلة عند السؤال. وفى بعض الاخبار انه عذاب من يسألهم الحق فيقع عليهم من الخجل ما يقولون عنده عذبنا يا ربنا بما شئت من انواع العقوبة ولا تعذبنا بهذا السؤال
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "أن تقوموا": بدل من "واحدة"، أو خبر عن مضمر. يقول الحق جلّ جلاله: {قلْ} لهم: {إِنما أَعِظُكُم بواحدةٍ} بخصلة واحدة، وهي: {أن تقوموا لله} أي: لوجه الله خالصاً، لا لحمية، ولا عصبية، بل لطلب الحق والاسترشاد. فالقيام على هذا معنوي، وهو القصد والتوجُّه بالقلب، وقيل: حسي، وهو قيامهم وتفرقهم عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقوم كل واحد منفرداً بنفسه، يتفكر، أو مع صاحبه. وهذا معنى قوله: {مَثْنَى وفُرَادَى} أي: اثنين اثنين، أو فرداً فرداً. والمعنى: أعظكم بواحدة أن تعملوا ما أصبتم الحق، وتخلصتم من الجهل. وهي أن تقوموا فرداً. والمعنى: أعظكم بواحدة أن تعملوا ما أصبتم الحق، وتخلصتم من الجهل. وهي أن تقوموا وتنهضوا لله، معرضين عن المِراء والتقليد، متفرقين اثنين اثنين، أو واحداً واحداً؛ فإنَّ الازدحام يُشوّش الخاطر، ويخلط القول، ويمنع من الرويّة، ويقلّ فيه الإنصاف، ويكثر الاعتساف. {ثم تتفكروا} في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به، حتى تعلموا أنه حق، أما الاثنان فيتفكران ويعرض كل واحد منهما محصول فكره على صاحبه، وينظران فيه نظر الصدق والإنصاف، حتى يؤديهما النظرُ الصحيح إلى الحق، وكذلك المفرد، يتفكر في نفسه ويعرض فكره على عقله. فإذا تفكرتم بالإنصاف عرفتم أن {ما بصَاحِبِكم} يعني محمداً صلى الله عليه وسلم {مِن جِنَّةٍ} من جنون، وهذا كقوله: {أية : أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ}تفسير : [الأعراف: 184]. ومنهم مَن يقف على "تتفكروا" ثم يستأنف النفي. قال القشيري: يقول: إذا سَوَّلَتْ لكم أنفسكم تكذيبَ الرسل، فأمعنوا النظرَ، هل تَرَوْنَ فيهم آثار ما رميتموهم به ـ هذا محمد صلى الله عليه وسلم قُلْتُم ساحر، فأين آثار السحر في أحواله وأفعاله وأقواله؟ قلتم: فأيّ قسم من أقسام الشعر كلامه؟ قُلْتُم مجنون، فأيُّ جنون ظهر منه؟ وإذا عجزتم فهلاَّ اعترفتم به أنه صادق؟!. هـ. {إِن هو إِلا نذير لكم بين يَديْ عذابٍ شديدٍ} أي: قُدَّام عذاب شديد، وهو عذاب الآخرة، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم: "حديث : بُعثتُ بين يَديِ الساعة ". تفسير : الإشارة: فكرة الاعتبار تشد عروة الإيمان، وفكرة الاستبصار تشد عروة الإحسان، فأول ما يتفكر فيه الإنسان في أمره صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من العلوم اللدنية، والأسرار الربانية، مع ما أخبر به من قصص القرون الماضية، والشرائع المتباينة، مع كونه أُميًّا، لم يقرأ، ولم يطالع كتاباً قط، وما أخبر به من أمر الغيب، فوقع كما أخبر، وما ظهر على يديه من المعجزات، وما اتصف به عليه الصلاة والسلام؛ من الأخلاق الحسنة، والشيم الزكية، وما كان عليه من سياسة الخلق، مع مشاهدة الحق. وهذا لا يطاق إلا بأمر رباني، وتأييد إلهي. فإذا أشرقت على قلبه أنوار النبوة، ترقى بها إلى أنوار الربوبية، فيتفكر في عجائب السموات والأرض، فيعرف عظمة صانعها، فإذا سقط على شيخ عارف بالله أدخله فكرة العيان، فيغيب عن نظرة الأكوان، ويبقى المُكوّن وحده. كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان. ثم بين أنه لا يطلب أجراً على الإنذار إزاحة للتهمة عنه فقال: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ...}
الطوسي
تفسير : هذا امر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله أن يقول للكفار {إنما أعظكم بواحدة..} والمعنى يكفيني منكم أن يقوم الرجل وحده أو هو وغيره ثم تتساءلون هل جربنا على محمد كذباً او هل رأينا به جنة؟! ففي ذلك دلالة على بطلان ما أنتم عليه وما ذكرتم فيه، فالوعظ الدعاء إلى ما ينبغي أن يرغب في ما ينبغي أن يجوز منه مما يلين القلب إلى الاستجابة للحق بالنبي صلى الله عليه وآله والنبي اجل وأعظم واكبر داع بما اعطاه الله من الحكمة. وقوله {مثنى وفرادى} معناه ان تقوموا اثنين اثنين، وواحداً واحداً ليذاكر أحدهما صاحبه، فيستعين برأيه على هذا الأمر. ثم يجول بفكرته حتى يكرره حتى يتبين له الحق من الباطل وبني {مثنى} وإن لم يكن صفة لانه مما يصلح ان يوحد، كما قال تعالى {أية : أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع}تفسير : وهو - ها هنا - في موضع حال، وقال مجاهد في قوله {أعظكم بواحدة} أي بطاعة الله تعالى وقال غيره {بواحدة} بتوحيد الله خصلة واحدة، فقولوا: لا إله إلا الله. وقوله {ثم تتفكروا ما بصاحبكم} في موضع نصب عطفاً على {أن تقوموا لله} وتتفكروا أي وتنظروا وتعتبروا، ليس بصاحبكم يعني محمداً صلى الله عليه وآله {من جنة} أي جنون، لأنهم كانوا ينسبونه إلى الجنون وحاشاه من ذلك. ثم بين انه ليس {إلا نذير} إي مخوف من معاصي الله وترك طاعاته {بين يدي عذاب شديد} يعني عذاب القيامة. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله يا محمد {قل} لهم {ما سألتكم من أجر فهو لكم} وليس {أجري إلا على الله} والمعنى أني ابلغكم الرسالة، ولا اجر إلى نفسي عرضاً من اعراض الدنيا بل ثمرة ذلك لكم، وليس أجري إلا على الله. وقال ابن عباس {من أجر} اي من مودة، لان النبي صلى الله عليه وآله سأل قريشاً أن يكفوا عن أذاه حتى يبلغ رسالات ربه {وهو على كل شيء شهيد} أي عالم به. ثم قال أيضاً {قل} لهم يا محمد {إن ربي يقذف بالحق} أي يلقيه على الباطل، كما قال تعالى {أية : بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه} تفسير : {علام الغيوب} إنما رفع بتقدير هو علام الغيوب، ولو نصب على انه نعت لـ {ربي} لكان جائزاً، لكن هذا اجود، لانه جاء بعد تمام الكلام كقوله {أية : إن ذلك لحق تخاصم أهل النار} تفسير : والمعنى انه عالم بجميع ما غاب عن جميع الخلائق علمه. ثم أمره صلى الله عليه وآله أن يقول لهم قد {جاء الحق} يعني أمر الله بالاسلام والتوحيد {وما يبدئ الباطل وما يعيد} لأن الحق إذا جاء اذهب الباطل فلم يبق له بقية يبدئ بها ولا يعيد. وقال قتادة: الباطل إبليس لا يبدؤ الخلق ولا يعيدهم. وقيل: إن المراد به كل معبود من دون الله بهذه الصفة. وقال الحسن: وما يبدئ الباطل لاهله خيراً ولا يعيد بخير في الآخرة. ثم قال {قل} لهم {إن ضللت} أي ان عدلت عن الحق {فإنما أضل على نفسي} لان ضرره يعود عليّ، لاني أوآخذ به دون غيري {وإن اهتديت} إلى الحق {فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب} أي يسمع دعاء من يدعوه قريب إلى إجابته. وفي الآية دلالة على فساد قول المجبرة، لانه قال {إن ضللت} فأضاف الضلال إلى نفسه، ولم يقل فبقضاء ربي وإرادته. قال الزجاج: وما يبدئ الباطل أى اي شيء يبدئ الباطل؟ وأي شيء يعيد؟ ويجوز ان تكون (ما) نافية، والمعنى وليس يبدئ ابليس ولا يعيد.
الجنابذي
تفسير : {قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ} بكلمةٍ واحدةٍ او خصلة واحدةٍ {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ} عن اعوجاجكم او عن قعودكم عنه {مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ} وهذه بدل من واحدة وقد ورد فى اخبارٍ كثيرةٍ انّ المراد بالواحدة ولاية علىٍّ (ع) وحينئذٍ يكون ان تقوموا بتقدير الّلام او بدلاً منها بدل الاشتمال او بدل الكلّ من الكلّ فانّ الولاية بوجهٍ هى القيام لله وبوجهٍ مستلزمة للقيام لله، روى عن يعقوب بن يزيد انّه قال: سألت ابا عبدالله (ع) عن قول الله عزّ وجلّ: قل انّما اعظكم بواحدة؟- قال: بالولاية، قلت: وكيف ذاك؟- قال: انّه لما نصب النّبىّ (ص) امير المؤمنين (ع) للنّاس، فقال: من كنت مولاه فعلىّ مولاه، اعتبس رجل وقال: انّ محمّداً (ص) ليدعو كلّ يوم الى امرٍ جديدٍ وقد بدأ باهل بيته يملّكهم رقابنا، فأنزل الله عزّ وجلّ على نبيّه قرآناً فقال له: قل انّما اعظكم بواحدةٍ، فقد ادّيت اليكم ما افترض ربّكم عليكم، قلت: فما معنى قوله عزّ وجلّ ان تقوموا لله مثنى وفرادى؟- فقال: امّا مثنى يعنى طاعة رسول الله (ص) وطاعة أمير المؤمنين (ع)، وامّا قوله فرادى يعنى طاعة الامام من ذرّيّتهما من بعدهما، ولا والله يا يعقوب ما عنى غير ذلك، وعلى هذه الرّواية يكون مثنى وفرادى حالين من الله والمعنى قل انّما اعظكم بواحدة يعنى بولاية علىّ (ع) ان تقوموا لطاعة الله فى مظاهره حال كون الله مثنى باعتبار مظاهره كزمان الرّسول (ص) فانّ الرّسول (ص) وامير المؤمنين (ع) كانا مظهرين فى ذلك الزّمان لله وطاعة كلٍّ كان طاعة الآخر وطاعة الله، وفرادى كزمان سائر الائمّة (ع) فان كلاًّ كان فى زمانه مظهراً لطاعة الله وكان فرداً فانّ الامام الآخر كان صامتاً غير داعٍ، او يكونان حالين من فاعل تقوموا يعنى ان تقوموا لله حال كون كلّ منكم ذا وجهين، وجه قبول الرّسالة ووجه قبول الولاية كما فى زمان الرّسول (ص)، او ذا وجهٍ واحدٍ هو وجه قبول الولاية، فانّ احكام الرّسالة مقدّمة لقبول الولاية كما ورد: انّ الله رخّص فيها ولم يرخّص فى الولاية، وعلى التّفاسير السّابقة يكونان حالين عن فاعل تقوموا، والاختصاص بهاتين الحالين لانّ الازدحام يفرّق الخاطر ولا يبقى له حالة الفكر، ويدلّ على تفسير الواحدة بالولاية قوله تعالى: قل ما سألتكم من اجرٍ فهو لكم فانّه ما سأل على رسالته اجراً الاّ المودّة فى القربى يعنى اتّباع اوصيائه وقبول ولايتهم، يعنى ما سألتكم من الاجر على التّبليغ من المودّة فى القربى فانّه نافعٌ لكم لانّكم ان اتبعتموهم نجوتم من عذاب الآخرة وبوركتم فى دنياكم وانعم عليكم فى عقباكم كما قال: {أية : لَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰ آمَنُواْ وَٱتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} تفسير : [الأعراف:96] بحسب الآخرة والارض بحسب الدّنيا وليس الايمان الاّ قبول الولاية كما تكرّر فى مطاوى ما سلف {ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ} يعنى بعد القيام لله وخلوص الوهم والمتفكّرة من حكومة الشّيطان وتصرّفه ينبغى ان تتفكّروا {مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ} جملة معلّق عنها تتفكّروا يعنى ان تتفكّروا فى انّه ما بصاحبكم من جنّةٍ وتعلموا انّه فى كمال العقل والتّدبير {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} عذاب البرازخ او القيامة او الجحيم.
فرات الكوفي
تفسير : {قُلْ: إنّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أنْ تقوموا لِلهِ مَثْنَى وَفُرادى46} [قال: حدثنا. أ، ب] فرات بن إبراهيم الكوفي معنعناً: عن أبي حمزة الثمالي قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله تعالى [أ، ب: عز ذكره]: {قل إّنما أعظكم بواحِدة} [قال. أ، ب]: إنما أعظكم بولاية علي [و] هي الواحدة التي قال الله: إنما أعظكم بواحدة. فرات قال: حدثني عبيد بن كثير معنعناً: عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله [تبارك و. أ] تعالى: {قل: إنما أعظكم بواحدة} قال: يعني الولاية [ر: بالولاية]. فقلت: وكيف ذلك؟ قال: أما أنه لما نصبه للناس فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، ارتاب الناس وقالوا: إن محمداً ليدعونا في كل وقت إلى أمرٍ جديد وقد بدأنا بأهل بيته يملكهم رقابنا. فأنزل الله [تعالى. ر] على نبيه [ب: عليه]: يا محمد قل إنما أعظكم بواحدة فقد أديت إليكم ما افترض عليكم ربكم: أما مثنى فيعني [ر: يعنى] طاعة رسول الله وأمير المؤمنين [عليه السلام. ب] وأما قوله {وفرادى} فيعني طاعة الإمام من ذريتهما من بعده [ر: بعدهما]. فرات قال: حدثني الحسين بن سعيد معنعناً: عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبد الله جعفر [بن محمد. ر] عليهما السلام عن قول الله تعالى: {قل إنما أعظكم بواحدة} قال: يعني بالولاية. فقلت: وكيف ذلك؟ قال: إنه لما نصب [النبي (ص) أمير المؤمنين (ع).ع] للناس فقال: حديث : من كنت مولاه فعلي مولاهتفسير : ، ارتاب الناس وقالوا: إن محمداً يدعونا في كل وقت إلى أمر جديد وقد بدأنا بأهل بيته يملكهم رقابنا. فأنزل الله على نبيه بذلك قرآناً فقال: يا محمد {قل إنما أعظكم بواحدة} فقد أديت إليكم ما افترض عليكم ربكم. فقلت: ما يعني بقوله: {أن تقوموا لله مثنى وفرادى}؟ فقال: [قوله. ر] أما {مثنى} فيعني طاعة رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم. أ، ب] وأمير المؤمنين [عليه السلام. أ، ب] وأما [قوله. ر، أ] {وفرادى} فيعني طاعة الإمام من ذريتهما من بعده [ر، ع: بعدهما] لا والله ما عنى غير ذلك. فرات قال: حدثني جعفر بن محمد الفزاري معنعناً: عن عمر بن يزيد بياع السابري قال: سألت [ر، أ (خ ل): سمعت] جعفر بن محمد عليهما السلام عن قول الله تعالى: {قل إنما أعظكم بواحدة} قال: بالولاية {أن تقوموا لله مثنى وفرادى} الأئمة من ذريتهما.
الأعقم
تفسير : {قل إنما أعظكم بواحدة} آمركم وأوصيكم، يعني إنما أعظكم بواحدة إن فعلتموها أصبتم الحق وتخلصتم وهو {أن تقوموا لله} لوجه الله خالصاً متفرقين {مثنى وفرادى} اثنين اثنين أو واحداً واحداً {ثم تتفكروا} في أمر محمد وما جاء به، وقيل: آمركم وأوصيكم بواحدة مقروناً بالزجر والوعيد والوعد وهي كلمة التوحيد، وقيل: فسر الواحدة بما بعده فقال: {أن تقوموا لله} أي بطاعته وطلب مرضاته مسترشدين مناصحين لأنفسهم {مثنى} أي اثنين اثنين مناظرين واحد واحد متفكرين في أحوال النبي وأقواله وأفعاله وما ظهر عليه من المعجزات {ما بصاحبكم من جنةٍ} قيل: تعلموا حينئذ أنه ليس بمجنون {إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد} قيل: عذاب الآخرة {قل ما سألتكم من أجر} يعني على أداء الرسالة وبيان الشريعة {فهو لكم إن أجري} ثوابي {إلا على الله وهو على كل شيء شهيد} أي شاهد بيني وبينكم {قل إن ربي يقذف بالحق} يلقيه وينزله ويرمي به الباطل فيدمغه ويزهقه {علام الغيوب} مبالغة في كونه عالم لذاته ومعلوماته {قل} يا محمد {جاء الحق} وهو القرآن والإِسلام {وما يبدئ الباطل وما يعيد} يعني ذهب الباطل فلم يبق له مع الحق بيان ولا ظهور لزوال شُبَههم، وقيل: الباطل كل معبود دون الله، يعني لا يخلق شيئاً ابتداء ولا يعيد، وعن الحسن وابن مسعود قال: دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مكة وداخل البيت ثلاثمائة وستون صنماً فجعل يطعنها بعود معه ويقول: "حديث : جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقاً {جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد}" تفسير : {قل} يا محمد، إذا نسبوك إلى الضلال وترك دين الآباء {إن ضللت فإنما أضل على نفسي} أي آخذ بذلك {وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} فله المنة دون الخلق {إنه سميع} لأقوالنا {قريب} منا لا يخفى عليه شيء {ولو ترى إذ فزعوا} قيل: هو وقت البعث وقيام الساعة، وقيل: وقت الموت يوم بدر، وعن ابن عباس: نزلت في خسف البيداء، وذلك أتت ثمانون ألفاً يغزون الكعبة ليخربوها، فإذا دخلوا البيداء خسف بهم {فلا فوت} فلا يفوتون الله ولا يسبقونه {وأخذوا من مكان قريب} من الموقف إلى النار إذا بعثوا أو من تحت أقدامهم إذا خسف بهم وقيل: من مكان قريب من بطن الأرض يحشرون على وجهها {وقالوا آمنا به} قيل: بالله، وقيل: بالرسول، وقيل: بالقرآن، وذلك حين لا ينفعهم لأنهم عاينوا العذاب فقالوا: آمنا به، وقيل: هو يوم القيامة، وقيل: عند الموت، وقيل: عند الخسف {وأنّى لهم التناوش} أي تناول النبوّة {من مكان بعيد} أي في الآخرة وهم غير مكلفين، يعني كيف ينفعهم إيمانهم في هذا الوقت، وقيل: كيف لهم أن يتناولوا ما كان قريباً منهم {وقد كفروا به من قبل} في الدنيا ولم يرد بعد المكان وإنما أراد بعد انتفاعهم به وبعدهم من الصواب وقد كفروا بالله وبالرسول وبالقرآن من قبل في الدنيا {ويقذفون بالغيب من مكان بعيد} وهو قولهم في رسول الله شاعر ساحر كذاب، وقيل: هو قولهم لا جنة ولا نار، وقذف الغيب من مكان بعيد عبارة عن الكلام الذي يقوله الجاهل: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} أي منعوا من مشاهيهم، وقيل: الموت الذي حلَّ بهم كما حلَّ بأمثالهم، وقيل: حيل بينهم وبين نعيم الجنة عن أبي علي، وقيل: مشاهيهم التوبة والإِيمان والرد إلى الدنيا {كما فعل بأشياعهم من قبل} أهل دينهم موافقيهم من الأمم الماضية {إنهم كانوا في شك مريب} أي لم يكونوا في دينهم على شيء بل كانوا شاكين.
اطفيش
تفسير : {قل إنما أعظكم بواحدة} خصلة واحدة. {أن تقوموا} المصدر من هذا الفعل معرفة بالاضافة بدل من واحدة وعطف بيان بناء على جواز بناء النكرة بالمعرفة والنكرة بالنكرة ومفعول لمحذوف اي اريد او اعني او اخبر لمحذوف اي هي نظرا لقوله واحدة او هو نظرا لتذكيره الخبر. {لله} لاجل الله. {مثنى} متفرقين اثنين اثنين. {وفرادى} واحدا واحدا فان الازدحام يشوش الخاطر ويخلط القول ويوصل للمراء والتقليد والمراد ان تقوموا من مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم او تنهضوا وتجدوا بالهمة في الامر لله معرضين عن الجدال والمتابعة. {ثم تتفكروا} في امر محمد وما جاء به ليتبين لكم الحق وقوله. {ما بصاحبكم} في محمد. {من جنة} جنون اما تعليل لقوله تتفكروا وما نافية وفي الكلام التفات وهو من جملة المقول أي لآية ليس بي جنة فالتفت عن التكلم الى الغيبة بوضع المظهر موضع المضمر فانكم قد علمتم اني العقل وامين فكيف لا تصدقوني ام كيف ادعي ما لا صحة له فافتضح على رؤوس الملأ ومع ذلك فمعي معجزات مصدقات لي وقوله. {إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد} تابع له في الالتفات واما مستأنف من كلام الله غير داخل في القول ولا التفات فيه اي لا جنون به بل هو كمل عقلا كما قد علمتم بقلوبكم واذا لم يكن به جنون فكيف لا تصدقونه مع انه قد انضم الى كمال عقله دلائل على صحة قوله ومعجزات وهو قول ابي حاتم فالوقف على تتفكروا واما مفعول لمحذوف معطوف على تفكروا أي فتعلموا ما بصاحبكم من جنة فيكن فيه الالتفات المذكور ويكون من جملة للقول واما مفعول لنتفكر على ان ما نافية كما في الاوجه المذكورة كلها وتتفكروا يلوح الى العلم واما مفعول لتتفكروا على ان ما استفهامية مبتدأ مخبر عنها بقوله بصاحبكم وفي الوجهين الالتفات ومن صلة في المبتدأ المخبر عنه بقوله بصاحبكم في الاوجه كلها الا الاخير فبيان للمستر في بصاحبكم وهو ضمير الاستقرار والاستفهام فيه انكاري اي ثم تتفكروا اي شيء به من ايثار الجنون لا اثر فيه من الجنون ومعنى كونه صلى الله عليه وسلم بين يدي عذاب شديد انه قدم العذاب والعذاب متصل به خلفه قريب منهم وهو عذاب الاخرة، قال صلى الله عليه وسلم بعثت انا والساعة كهاتين مشيرا للوسطى والسبابة وقال بعثت في نسم الساعة في تنفسها والمراد اولها.
اطفيش
تفسير : {قُل} يا محمد لهم {إنَّما إعِظُكم بواحِدةٍ} ما أعظكم إلا بعظة واحدة، أو خصلة واحدة {أن تقُومّوا} بدل فى التأويل من واحدة، أو خبر لمحذوف، أى هى أن تقوموا، قيل: أو مفعول لأعنى، وهو مما لا يحسن أن يقال فى حق الله، وجملة هى أن تقومُوا فى الاحتمال الثانى نعت واحدة، وقيل: عطف بيان، ولو تخالف المعطوف عليه والمعطوف تنكيرا وتعريفا، فان الفعل وحرف المصدر معرفة اذا كان المسند اليه معرفة وهو الواو هنا، أى قيامكم، والمراد بقيامهم الجد والاجتهاد، كما قال ابن جريج فى التفكر لا فى العبادة كما قيل، لأنهم ليسوا من أهلها ولا بصددها، وأيضا المقام للتفكر. وأما قوله: {لله} فلا نسلم أنه بمعنى لعبادة الله، بل معناه فى شأن دين الله الذى أدعيه هل صح، وقيل: المراد قيامهم عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم {مَثْنى} اثنين اثنين {وفُرادى} فرداً فرداً، لأن الكثرة بينهما فى الأغلب إذا كانا يدا واحدة على الغير، وقد شاع أن الفتح بين الاثنين، وقدمهما على فرادى لأن رأيهما أقرب الى الاطمئنان من الواحد لتعاضدهما، والواحد اذا قصد الانصاف أدرك الحق، وقد قال غير واحد من قريش: إنا لم نجرب منه كذبا، ولا كلامه كلام شاعر، وانه أرجح عقلا، وما يقول إلا حقا، ثم ان بعضا ينسبه الى الشعر مجازفة وتخليطا، وبعض ينسبه اليه من حيث ان للشاعر حذقة فى الكلام. {ثم تَتَفكَّروا} فى شأنى فتعلموا حقيقته وقوله: {ما بصاحِبكم مِن جنَّة إن هُو إلا نذيرٌ لكُم بَيْن يَدي عذابٌ شَديدٌ} مستأنف كلام الله عز وجل ونصرة منه تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، بما لا يخفى إلا على مجنون مطبق، وهو أنه عاقل، جاء بما جاء من الله عز وجل، وما نافيه،ويجوز أن تكون الجملة مفعول للتفكر معلقا هو عنها بالاستفهام، على أن ما استفهامية، لأن التفكر من أفعال القلوب، والاستفهام انكارى، ويجوز أن تكون ما نافية معلقة للتفكر. ويجوز تقدير أن تتفكروا فتعلموا أنه ليس فيه جنون، ويجوز أن تكون مفعولا لتعلموا المقدر، أى لتعرفوا الجنون الذى هو فيه، وذلك تهكم بهم، يجوز أن تكون من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه فمقتضى الظاهر ما بى من جنة إن أنا إلا نذير. وعلى كل وجه عبَّر بصاحب لأنه يظهر من الصاحب للمخالطة ما لا يظهر من غيره، فان من لم يصاحب يخفى حاله، والمراد بقوله عز وجل: {بين يدي عذاب شديد} قرب الساعة كقرب ما بين يديك اليك، كما قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : بعثت أنا والساعة كهاتين" تفسير : مشيرا الى السبابة والوسطى مضمومتين، وقال صلى الله عليه وسلم: حديث : بعثت في نسم الساعة" تفسير : والباء بمعنى فى ومن للبيان على استفهامية ما وموصوليتها، وصلة على أنها حرف نفى.
الالوسي
تفسير : { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوٰحِدَةٍ } أي ما أرشدكم وأنصح لكم إلا بخصلة واحدة وهي على ما قال قتادة ما دل عليه قوله تعالى: {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ } على أنه في تأويل مصدر بدل منها أو خبر مبتدأ محذوف أي هي قيامكم أو مفعول لفعل محذوف أي أعني قيامكم، وجوز الزمخشري كونه عطف بيان لواحدة. واعترض بأن {أَن تَقُومُواْ } معرفة لتقديره بقيامكم وعطف البيان يشترط فيه عند البصريين أن يكون معرفة من معرفة وهو عند الكوفيين يتبع ما قبله في التعريف والتنكير والتحالف مما لم يذهب إليه ذاهب. والظاهر أن الزمخشري ذاهب إلى جواز التخالف، وقد صرح ابن مالك في «التسهيل» بنسبة ذلك إليه وهو من مجتهدي علماء العربية، وجوز أن يكون قد عبر بعطف البيان وأراد البدل لتآخيها وهذا إمام الصناعة سيبويه يسمي التوكيد صفة وعطف البيان صفة، ثم إن كون المصدر المسبوك معرفة أو مؤولاً بها دائماً غير مسلم، والقيام مجاز عن الجد والاجتهاد، وقيل هو على حقيقته والمراد القيام عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بذاك، وقد روي نفي إرادته عن ابن جريج أي إن تجدوا وتجتهدوا في الأمر بإخلاص لوجه الله تعالى. {مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ } أي متفرقين اثنين اثنين وواحداً واحداً فإن في الازدحام على الأغلب تهويش الخاطر والمنع من الفكر وتخليط الكلام وقلة الإنصاف كما هو مشاهد في الدروس التي يجتمع فيها الجماعة فإنه لا يكاد يوقف فيها على تحقيق، وفي تقديم (مثنى) إيذان بأنه أوثق وأقرب إلى الاطمئنان، وفي «البحر» قدم لأن طلب الحقائق من متعاضدين في النظر أجدى من فكرة واحدة فإذا انقدح الحق بين الاثنين فكر كل واحد منهما بعد ذلك فيزيد بصيرة وشاع الفتح بين الاثنين {ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ } في أمره صلى الله عليه وسلم وما جاء به لتعلموا حقيته، والوقف عند أبـي حاتم هنا. وقوله تعالى: {مَا بِصَـٰحِبِكُمْ مّن جِنَّةٍ } استئناف مسوق من جهته تعالى للتنبيه على طريقة النظر والتأمل بأن مثل هذا الأمر العظيم الذي تحته ملك الدنيا والآخرة لا يتصدى لادعائه إلا مجنون لا يبالي بافتضاحه عند مطالبته بالبرهان وظهور عجزه أو مؤيد من عند الله تعالى مرشح للنبوة واثق بحجته وبرهانه وإذ قد علمتم أنه عليه الصلاة والسلام أرجح الناس عقلاً وأصدقهم قولاً وأذكاهم نفساً وأفضلهم علماً وأحسنهم / عملاً وأجمعهم للكمالات البشرية وجب أن تصدقوه في دعواه فكيف وقد انضم إلى ذلك معجزات تخر لها صم الجبال. والتعبير عنه عليه الصلاة والسلام بصاحبكم للإيماء إلى أن حاله صلى الله عليه وسلم مشهور بينهم لأنه نشأ بين أظهرهم معروفاً بما ذكرنا، وجوز أن يكون متعلقاً بما قبله والوقف على {جَنَّةُ } على أنه مفعول لفعل علم مقدر لدلالة التفكر عليه لكونه طريق العلم أي ثم تتفكروا فتعلموا ما بصاحبكم من جنة أو معمول لتتفكروا على أن التفكر مجاز عن العلم أو معمول له بدون ارتكاب تجوز بناءً على ما ذهب إليه ابن مالك في «التسهيل» من أن تفكر يعلق حملاً على أفعال القلوب، وجوز أن يكون هناك تضمين أي ثم تتفكروا عالمين ما بصاحبكم من جنة، وقال ابن عطية: هو عند سيبويه جواب ما ينزل منزلة القسم لأن تفكر من الأفعال التي تعطي التمييز كتبين وتكون الفكرة على هذا في آيات الله تعالى والإيمان به اهـ وهو كما ترى، و {مَا } مطلقاً نافية والباء بمعنى في و(من) صلة، وقيل: (ما) للاستفهام الإنكاري و(من) بيانية، وجوز أن تكون صلة أيضاً وفيه تطويل المسافة وطيها أولى. {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } هو عذاب الآخرة فإنه صلى الله عليه وسلم مبعوث في نسم الساعة وجاء حديث : «بعثت أنا والساعة كهاتين» وضم عليه الصلاة والسلام الوسطى والسبابة تفسير : على المشهور.
ابن عاشور
تفسير : افتتح بالأمر بالقول هنا وفي الجُمل الأربع بعده للاهتمام بما احتوت عليه. وهذا استئناف للانتقال من حكاية أحوال كفر المشركين وما تخلل ذلك من النقض والاستدلال والتسلية والتهديد ووصف صدودهم ومكابرتهم إلى دعوتهم للإِنصاف في النظر والتأمل في الحقائق ليتضح لهم خطؤهم فيما ارتكبوه من العسف في تلقي دعوة الإِسلام وما ألصقوا به وبالداعي إليه، وأرشدوا إلى كيفية النظر في شأنهم والاختلاء بأنفسهم لمحاسبتها على سلوكها، استقصاء لهم في الحجة وإعذاراً لهم في المجادلة { أية : ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حَيِي عن بينة } تفسير : [الأنفال: 42]. ولذلك اجتلبت صيغة الحصر بــــ{إنما}، أي ما أعظكم إلا بواحدة، طيّاً لبساط المناظرة وإرساء على الخلاصة من المجادلات الماضية، وتقريباً لشقة الخلاف بيننا وبينكم. وهو قصر إضافي، أي لا بغيرها من المواعظ المفصلة، أي إن استكثرتم الحجج وضجرتم من الردود والمطاعن فأنا أختصر المجادلة في كلمة واحدة فقد كانوا يتذمرون من القرآن لأبي طالب: أمَا ينتهي ابن أخيك عن شتم آلهتنا وآبائنا. وهذا كما يقول المناظر والجدلي بعد بسط الأدلة فيقول: والخلاصة أو والفذلكة كذا. وقد ارتكب في هذه الدعوة تقريب مسالك النظر إليهم باختصاره، فوصف بأنه خصلة واحدة لئلا يتجهّموا الإِقبال على هذا النظر الذي عقدوا نياتهم على رفضه، فأعلموا بأن ذلك لا يكلفهم جهداً ولا يضيع عليهم زمناً فَلْيتأملوا فيه قليلاً ثم يقضوا قضاءهم، والكلام على لسان النبي صلى الله عليه وسلم أمره الله أن يخاطبهم به. والوعظ: كلام فيه تحذير من مكروه وترغيب في ضده. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظةً وتفصيلاً لكل شيء } تفسير : في سورة الأعراف (145)، وقوله: { أية : يعظكم اللَّه } تفسير : في سورة النور (17). و {واحدة} صفة لمحذوف يدل عليه المقام ويفرضه السامع نحو: بخصلة، أو بقضية، أو بكلمة. والمقصود من هذا الوصف تقليلها تقريباً للأفهام واختصاراً في الاستدلال وإيجازاً في نظم الكلام واستنزالاً لطائر نفورهم وإعراضهم. وبنيت هذه الواحدة بقوله: أن تقوموا لله مثنى وفرادى} إلى آخره، فالمصدر المنسبك من {أن} والفعل في موضع البدل من «واحدة»، أو قُل عطف بيان فإن عطف البيان هو البدل المطابق. وإنما اختلف التعبير عنه عند المتقدمِين فلا تَخُضْ في محاولة الفرق بينهما كالذي خاضوا. والقيام في قوله: {أن تقوموا} مراد به المعنى المجازي وهو التأهب للعمل والاجتهاد فيه كقوله تعالى: { أية : وأن تقوموا لليتامى بالقسط } تفسير : [النساء: 127]. واللام للتعليل، أي لأجل الله ولذاته، أي جاعلين عملكم لله لا لمرضاة صاحب ولا عشيرة، وهذا عكس قوله تعالى: { أية : وقال إنما اتخذتم من دون اللَّه أوثاناً مودّةً بينكم } تفسير : [العنكبوت: 25]، أو لأجل معرفة الله والتدبر في صفاته. وكلمة {مثنى} معدول بها عن قولهم: اثنين اثنين، بتكرير كلمة اثنين تكريراً يفيد معنى ترصيف الأشياء المتعددة بجعل كل ما يُعدّ بعدد اثنين منه مرصفاً على نحو عدده. وكلمة {فرادى} معدول بها عن قولهم: فرداً فرداً تكريراً يفيد معنى الترصيف كذلك. وكذلك سائر أسماء العدد إلى تسع أو عشر ومنه قوله تعالى: { أية : فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع }، تفسير : وتقدم في سورة النساء (3). وانتصب {مثنى وفرادى} على الحال من ضمير {تقوموا}، أي أن تكونوا في القيام على هذين الحالين فيجوز أن يكون المعنى: أن تقوموا لحق الله وإظهاره على أي حال من اجتماع وانفراد، فيكون {مثنى} كناية عن التعدد وهو من استعمال معنى التثنية في التكرر لأن التثنية أول التكرير فجعل التكرر لازماً للتثنية ادعاءً كما في قوله تعالى: { أية : ثم ارجع البصر كرّتين ينقلبْ إليك البصرُ خاسئاً وهو حسير } تفسير : [الملك: 4] فإن البصر لا يرجع خاسئاً من إعادة نظرة واحدة بل المراد منه تكرير النظر، ومنه قولهم: لبَّيك وسَعديك، وقولهم: دواليكَ. ويجوز أن يكون المعنى أن تقوموا لحق الله مستعيناً أحدكم بصاحب له أو منفرداً بنفسه فإن من أهل النظر من ينشط إليه بالمدارسة ما لا ينشطه بالخَلوة. ومنهم من حاله بعكس هذا، فلهذا اقتصر على {مثنى وفرادى} لأن ما زاد على ذلك لا اضطرار إليه. وقدم {مثنى} لأن الاستعانة أعون على الفهم فيكون المراد دفع عوائق الوصول إلى الحق بالنظر الصحيح الذي لا يُغالِط فيه صاحبُ هوىً ولا شبهةٍ ولا يخشى فيه الناظر تشنيعاً ولا سمعة، فإن الجماهير إذا اجتمعت لم يخل مجتمعهم من ذي هوى وذي شبهة وذي مكر وذي انتفاع، وهؤلاء ـــ بما يلازم نواياهم من الخبث ــــ تصحبهم جُرأة لا تترك فيهم وازعاً عن الباطل ولا صدًّا عن الاختلاق والتحريف للأقوال بعمد أو خطأٍ، ولا حياء يهذبُ من حِدّتهم في الخصام والأذى، ثم يطيرون بالقالة وأعمال أهل السفالة. فللسلامة من هذه العوائق والتخلص من تلك البوائق الصادة عن طريق الحق قيل هنا {مثنى وفرادى} فإن المرء إذا خلا بنفسه عند التأمل لم يرْضَ لها بغير النصح، وإذا خلا ثاني اثنين فهو إنما يختار ثانيه أعلق أصحابه به وأقربهم منه رَأياً فسلم كلاهما من غش صاحبه. وحرف {ثمّ} للتراخي في الرتبة لأن التفكر في أحوال النبي صلى الله عليه وسلم أهم في إصلاح حال المخاطبين المعرضين عن دعوته، بخلاف القيام لله فإنهم لا يأبَوْنه. والتفكر: تكلف الفكر وهو العلم، وتقدم عند قوله تعالى: { أية : أفلا تتفكرون } تفسير : في الأنعام (50). وقوله: {ما بصاحبكم من جنة} نفي يُعلّق فعلَ {تتفكروا} عن العمل لأجل حرف النفي. والمعنى: ثم تعلَموا نفي الجنون عن صاحبكم، أي تعلموا مضمون هذا. فجملة {ما بصاحبكم من جنة} معمولة لــــ {تتفكروا}. ومن وقف على {تتفكروا} لم يتقن التفكر. والمراد بالصاحب: المخالط مطلقاً بالموافقة وبالمخاصمة، وهو كناية عن التبصر في خُلقه كقول الحجّاج في خطبته للخوارج «ألستُمْ أصحابي بالأهواز حين رمتم الغدْر واستبطنتم الكفر» يعني فلا تخفى عليّ مقاصدكم. وتقدم في قوله تعالى: { أية : أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنّة } تفسير : في سورة الأعراف (184). والتعبير {بصاحبكم} إظهار في مقام الإِضمار لأن مقتضى الظاهر أن يقال: ما بي من جِنّة إذ الكلام جار على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم كما تقدم آنفاً. وفائدته التنبيه على أن حاله معلوم لديهم لا يلتبس عليهم لشدة مخالطته بهم مخالطة لا تَذَر للجهالة مجالاً فهم عرفوه ونشأ بينهم حتى جاءهم بالحق فهذا كقوله: { أية : فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون } تفسير : [يونس: 16]. والاقتصار في التفكر المطلوب على انتفاء الجِنة عن النبي صلى الله عليه وسلم هو أن أصل الكفر هو الطعن في نبوءته وهم لما طعنوا فيه قالوا: مجنون، وقالوا: ساحر، وقالوا: كاذب. فابتدىء في إرجاعهم إلى الحق بنفي الجِنّة عنه حتى إذا أذعنوا إلى أنه من العقلاء انصرف النظر إلى أن مثل ما جاء به لا يأتي به إلا عاقل وهم إنما ابتدأوا اختلاقهم بأنه مجنون كما جاء في القرآن، قال تعالى: { أية : ما أنت بنعمة ربك بمجنون } تفسير : [القلم: 2] في السورة الثانية نزولاً. وقال: { أية : وما صاحبكم بمجنون } تفسير : في السورة السابعة [التكوير: 22] وذلك هو الذي استمرّوا عليه قال تعالى: { أية : ثم تولّوا عنه وقالوا معلّم مجنون } تفسير : [الدخان: 14] إذ دعوى الجنون أروج بين أهل مكة لأن الجنون يطرأ على الإِنسان دفعة فلم يجدوا تعلة أقرب للقبول من دعوى أنه اعتراه جنون كما قالت عاد لهود { أية : إِن نقول إلاّ اعتراك بعض آلهتنا بسوء } تفسير : [هود: 54]، وقالت ثمود لصالح { أية : قد كنت فينا مَرجُوًّا قبل هذا } تفسير : [هود: 62]. فبقيت دعواهم أنه ساحر وأنه كاهن وأنه شاعر وأنه كاذب (حاشاه). فأما السحر والكهانة فسهل نفيهما بنفي خصائصهما؛ فأما انتفاء السحر فبيّن لأنه يحتاج إلى معالجة تعلّم ومزاولة طويلة والنبي صلى الله عليه وسلم بين ظهرانيهم لا يَخفى عليهم أمره، وأما الشعر فمسحته منفية عن القرآن كما قال الوليد بن المغيرة، فلم يبق في كنانة مطاعنهم إلا زعمهم أنه كاذب على الله، وهذا يزيفه قوله: {بصاحبكم} فإنهم عرفوه برجاحة العقل والصدق والأمانة في شبيبته وكهولته فكيف يصبح بعد ذلك كاذباً كما قال النضر بن الحارث: فلما رأيتم الشَيْب في صدغيه قلتُم شاعر وقلتم كاهن وقلتم مجنون، ووالله ما هو بأولئكم. وإذا كان لا يكذب على الناس فكيف يكذب على الله، كما قال هرقل لأبي سفيان وقد سأله: هل جربتم عليه كذباً قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: لا. قال: فقد علمت أنه لم يكن ليترك الكذب على الناس ويكذب على الله. ومن أجل هذا التدرج الذي طُوي تحت جملة {ما بصاحبكم من جنة} أعقب ذلك بحصر أمره في النذراة بقرب عذاب واقع، أي في النذارة والرسالة الصادقة. قال في «الكشاف»: أي مثل هذه الدعوى لا يتصدى لها إلا رجلان: إما مجنون لا يبالي بافتضاحه إذا طولب بالبرهان، وإما عاقل راجح العقل لا يدعي مثله إلا بعد صحته بالحجة، وإلا فما يجدي العاقل دعوى شيء لا بينة عليه وقد علمتم أن محمداً صلى الله عليه وسلم ما به من جِنّة بل علمتموه أرجح قريش عقلاً وأرزنَهم حِلماً وأثقبهم ذهناً وآصلهم رأياً وأصدقهم قولاً وأجمعهم لما يُحمد عليه الرجال فكان مظنة لأن تظنّوا به الخير وترجحوا فيه جانب الصدق على الكذب» ا هــــ. فالقصر المستفاد من {إن هو إلا نذير لكم} قصر موصوف على صفة قصراً إضافياً، أي هو مقصور على صفة النذارة لا تحوم حوله الأوصاف التي لمزتموه بها. ومعنى {بين يدي عذاب} القرب، أي قرب الحصول فيقتضي القبلية، أي قبل عذاب، وقد تقدم آنفاً في هذه السورة، والمراد عذاب الآخرة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة المؤمنون في الكلام على قوله تعالى: {أية : أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَآءَهُمْ بِٱلْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ} تفسير : [المؤمنون: 70].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 46- قل لهم: إنما آمركم بخصلة واحدة هى: أن تقوموا - مخلصين لله بعيدين عن التقليد - فى البحث بإخلاص لله، ومتفرقين اثنين اثنين يتعاونان فى التأمل، وواحداً واحداً ينظر بعدل وإنصاف، ثم تتفكروا فى أمر صاحبكم - محمد - الذى عاشرتموه وعرفتم سلامة عقله. ما به من جنون حين تصدى لهذا الأمر. إن هو إلا نذير لكم بعذاب شديد مقبل أمامكم. 47- قل للكفار: أى شئ من أجر طلبته منكم على تبليغ الرسالة فهو لكم، ما أجرى الذى انتظره إلا على الله، وهو على كل شئ رقيب مطلع. 48- قل لهم: إن ربى يرمى بالحق فى وجه الباطل فيمحقه، وهو علام الغيوب لا يخفى عليه سر. 49- قل لهم: ظهر الإسلام، وما يصلح الباطل أن يكون وسيلة لدفع الحق، ولا أن يفيد وسائله السابقة. 50- قل لهم: إن انحرفتُ عن الحق فإنما ضرر ذلك عائد على نفسى، وإن اهتديت فبإرشاد ربى، إنه سميع لقولى وقولكم، قريب منى ومنكم. 51- ولو ترى - أيها المبصر - حين فزع الكفار عند ظهور الحق فلا مهرب لهم، وأخذوا إلى النار من مكان قريب.
د. أسعد حومد
تفسير : {بِوَاحِدَةٍ} {َفُرَادَىٰ} (46) - وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، الزَّاعِمِينَ أَنَّكَ مَجْنُونٌ: إِنَّنِي أَنْصَحُ لَكُمْ أَلاَّ تُبَادِرُوا إِلى التَّكْذِيبِ عِنَاداً واسْتِكْبَاراً، بَلِ اتَّئِدُوا، وَتَفَكَّروا مَلِيّاً فيمَا دَعَوْتُكُمْ إِليهِ، وَابحَثوا عَنِ الحَقِّ وَالحَقيقةِ، إِمَا وَاحِداً واحِداً، وَإِما اثْنَينِ اثْنَينِ (لأَنَّ الازْدِحَامِ يَكُونُ سَبَباً لِتَخْلِيطِ الكَلامِ، وقِلَّةِ الإِنْصَافِ) فَإِنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، وَتَرَوَّوْا فِي أَمْرِهِمْ، وَصَلُوا إِلَى أَنَّ مُحَمَّداً ليسَ مَجْنُوناً، لأَِنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَرْجَحُ النَّاسِ عَقْلاً، وَأَصْدَقُهُمْ قَوْلاً، وَأَجْمَعُهُمْ لِلْكَمَالِ النَّفْسِيِّ وَالعَقْلِيِّ، وَهذا يُوجِبُ عَلَيهِمْ أَنْ يُصَدِّقُوهُ، وَأَنْ يُؤْمِنُوا بِرِسَالَتِهِ، وَأَنْ يَتَّبِعُوهُ فِيما يَدْعُوهُم إِليهِ، وَأَنَّهُ ليسَ إِلا نَذِيراً لِهؤلاءِ بينَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ، يَحِلُّ بِهِمْ يَومَ القَيَامَةِ، إِنْ قَدِمُواعَلَى رَبِّهِمْ وَهُمْ مُصِرُّونَ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَإِشْرَاكِهِمْ، وَلَمْ يُؤْمِنُوا بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ، وَلَمْ يُحْدِثُوا تَوْبَةً. مِنْ جِنَّةٍ - مِنْ جُنُونٍ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أنْ أعطاهم الحق سبحانه درساً وعبرة بمَنْ سبقهم من المكذبين يعود ليخاطبهم من جديد، فيقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ} يعني: لهم {إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ} [سبأ: 46] الوعظ ليس إنشاءَ حكم، إنما هو تذكير بحكم سبق ونسيه الناس، فالواعظ يُبيِّن للناس أموراً يعرفونها ويؤمنون بها من الدين، لكم أَنْستهم الشهوات والغفلة هذه الأمور، فهو مُذكِّر بها، والعِظَة لا تكون إلا من مُحبٍّ لك حريص على مصلحتك. لذلك فالحق - تبارك وتعالى - يعطينا نموذجاً للوعظ في قصة لقمان حين يعِظ ولده: {أية : وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يٰبُنَيَّ لاَ تُشْرِكْ بِٱللَّهِ ..} تفسير : [لقمان: 13]. ومعنى {بِوَاحِدَةٍ} [سبأ: 46] يعني: موعظة واحدة فيها كل الآحاد، واستخدم السياق {إِنَّمَآ} [سبأ: 46] الدالة على القصر يعني: لا أعظكم إلا بواحدة، ما هي؟ {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ} [سبأ: 46] يعني: إياك أنْ تقوم لشهوة نفسك، أو لسيادة تحافظ عليها، إياك أنْ تقوم وأنت تريد الاستعلاء على هذا النبي، إنما يكون قيامك لله، يعني: تتجرد عن هواك، وتتجرَّد عن شهواتك وعن تعصُّبك. وما دُمْتَ تتودد إليهم أنْ يقوموا لله فلا بُدَّ أن لله تعالى مكانة في قلوبهم، وهو سبحانه في بالهم بدليل: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ} تفسير : [لقمان: 25]. {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [الزخرف: 87]. إذن: كانوا يؤمنون بأن الله تعالى هو خالقهم، وهو خالق السماوات والأرض؛ لأن هذه المسألة من الوضوح بحيث لا ينكرها منكر، مهما بلغ من الكفر والإلحاد، لماذا؟ لأن مسألة الخَلْق لم يدَّعها أحد لنفسه؛ لأن الدعوى إنما تكون عند وقوع ليس بباطل يمكن أن يكون له رواج، لكن هذه المسألة واضحة، لا لَبْسَ فيها، ومهما بحثوا فلن يجدوا خالقاً لهم وللكون من حولهم إلا الله؛ لذلك يجادلهم بالمنطق في هذه المسألة فيقول: أنتم أمام أمرين: إما إنكم خلقتم هذا الخَلْق، أو أنكم خُلِقْتم من غير خالق. فالأولى مردودة؛ لأن أحداً لم يَدَّع الخَلْق، والأخرى مردودة؛ لأن أتفه من السماء والأرض، وأتفه من الإنسان لا بُدَّ له من صانع يصنعه، فالحذاء الذي تلبسه في قدميك، أليس له صانع؟ إذن: السماء والأرض والإنسان لا بُدَّ أن لهم صانعاً على قدر عِظمهم، وكيف ينكرون هذه المسألة وهم يعترفون بعضهم لبعض بأبسط الأمور، ويعرفون صاحبها ويفخرون به، ففلان كان يئد البنات، وفلان كان عنده جفنة طعام يأكل منها كذا وكذا من الضِّيفان، وفلان كان أشجع العرب .. إلخ وكَثُر في شعرهم قولهم: أنا ابن فلان، وأنا ابن فلان. إذن: مسألة الخَلْق هذه لا يجرؤ أحد منهم على أنْ ينكرها، وما داموا يعترفون لله تعالى بالخَلْق، فعليهم أنْ يقوموا لهذا الإله الذي أقروا له بالخلق، وأنْ يُخلِصوا في قيامهم له، فلا يكون في بالهم أحد سواه، وعندها ثِقُوا تماماً أنكم ستصلون بهذا القيام إلى الحق؛ لأنه لا يُضَبِّبُ الحق في عقول الباحثين فيه إلا هوى النفس، كما قاله سبحانه: {أية : وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلأَرْضُ} تفسير : [المؤمنون: 71]. والقيام المراد هنا لا يشترط فيه الجماعة ولا الجماهيرية؛ لأنه قيام للتفكُّر، فينبغي أنْ يكون {مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ..} [سبأ: 46] مثنى: يعنى: اثنين اثنين، وفرادى: واحداً واحداً. بحيث يختلي كُلٌّ مع نفسه ليفكر في أمر محمد بواقعية وتجرُّد: كيف كان بينكم، وكيف كانت سيرته وأخلاقه، وهل جرَّبتم عليه كذباً، أو سحراً، أو كهانة؟ وهل سبق له أنْ ادَّعَى ما ليس له؟ هل رأيتم عليه قبل بعثته علامة من علامات الجنون؟ {ثُمَّ تَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّن جِنَّةٍ} [سبأ: 46]. وهذا التفكُّر في حال رسول الله يحتاج إلى موضوعية؛ لذلك اختار أنْ ينفردوا به، إما مثنى مثنى، وإما فرادى، فالإنسان حين يكون بمفرده، فلا يوجد له نظير ينهزم أمامه، ولا نظير يهيجه على غير الحق، فرأيه في هذه الحالة يكون أقرب للصواب. والمنفرد إنْ تفكَّر وصل إلى الحق؛ لأنه لن يغشَّ نفسه، ولن يخدعها، ولن يستكبر أنْ يعود للحق، إما أن كانوا جماعة فلا بُدَّ أن يحاول كل منهم أنْ يثبت حجته، ولو اضطر للكذب وللخداع كما نراهم في مثل هذه المواقف، كُلٌّ يحلف أنه على الحق وغيره على الباطل. فكأن الحق بهذه الطريقة في التفكير يحمينا ويعصمنا من غوغائية الجماهيرية في الحكم، هذه الغوغائية التي نشاهدها مثلاً في المظاهرات، حيث يهتف كُلٌّ بما يريد، فتختلط الأصوات، وتتداخل الهتافات، فلا تستطيع أنْ تميزها. لذلك لما تكلم شوقي رحمه الله عن موقعة (اكتيوم) بين كليوباترا وخصومها وقد هُزِمَتْ فيها، إلا أن أبواقهم صوَّرَتْ الهزيمة على أنها نصر، وأخذتْ الجماهير الغوغائية تُردِّد ما يقولون، فقال شوقي: شعر : اسْمِعِ الشعْبَ دُيُونُ كَيْفَ يُوحُون إليْه مَلأَ الجوَّ هِتَافاً بحياتَىْ قَاتِلَيْه أَثَّر البهتانُ فيهِ وانطَلى الزُّور عليْه يَا لَهُ من بَبْغاءٍ عقلُه في أُذُنيْه!! تفسير : فالحق يُعلِّمنا كيفية التفكُّر مثنى أو فرادى، ويحمينا من الغوغائية. وهذه المسألة تأخذنا إلى اعتراض المستشرقين على قوله تعالى: {أية : يَعْلَمُ ٱلْجَهْرَ مِنَ ٱلْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} تفسير : [الأنبياء: 110]. ووجه اعتراضهم: إذا كان الله تعالى يمتنُّ علينا بعلم ما نكتم، فما الميزة في علم الجهر، وكلنا يعلم الجهر؟ ونقول: الخطاب هنا للجماعة، فالحق سبحانه يعلم ما تكتمون جميعاً وما تعلنون، إنِ اختلطت أصواتكم وتداخلت فهو يعلمها، ويرد كلَّ صوتٍ إلى صاحبه، وعِلْم الجهر المختلط أعظم من علم المكتوم؛ لأن المكتوم يمكن أنْ تكونَ له أمارات تدل عليه، أمّا علم الجهر المختلط، فيصعب أنْ تُميِّز بعضه من بعض. كذلك إنْ كانوا مثنى مثنى، فالاثنان كما نقول: الرأي والرأي الآخر، ولو انهزم أحدهما أمام الآخر فهزيمته مستورة؛ لذلك دائماً ما نسمع من يقول لخصمه: أريد أن أجلس أنا وأنت على انفراد؟ لأنكما طرفا المسألة ولا يوجد طرف ثالث يُسبِّب لواحد منكما إحراجاً، أو إذلالاً، يتسبب في تغيُّر مسلكك أمامه. ومعنى {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ} [سبأ: 46] ليس القيام الذي يقابله القعود، إنما مَنْ قام بالأمر يعني: فعله وأدَّاه، وإنْ كان قاعداً، ومن ذلك نقول: فلان يقوم بأمر فلان، أو فلان يؤدي وظيفة فلان. أي: يقوم بها. ومعنى {مَا بِصَاحِبِكُمْ} [سبأ: 46] يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم {مِّن جِنَّةٍ} [سبأ: 46] جنون؛ لأنهم قالوا على رسول الله أنه مجنون، وعجيب منهم وهم أعرف الناس به، أنْ يصفوه بالجنون، وهم لم يَرواْ عليه علامة من علامات الجنون، ولم يصنع شيئاً مخالفاً لمجتمعه الذي عاش فيه، بل كانوا قبل البعثة يقولون عنه: الصادق الأمين، فكما ظهر كذبهم في قولهم (ساحر)، كذلك ظهر كذبهم في قولهم (مجنون). ولو خَلاَ الواحد منهم إلى نفسه، ثم تفكَّر في شخص رسول الله لوصل بنفسه إلى الحق، ولو أدار في عقله هذه الاتهامات لوجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم برئ منها، وما دام منفرداً في هذا التفكُّر، فلن يخجل أبداً أنْ يعود إلى الحق؛ لأنه لن ينهزم أمام أحد. وقد تناول القرآن الكريم كل افتراءاتهم على رسول الله، وأظهر بطلانها، فقال تعالى: {أية : إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} تفسير : [الحاقة: 40-42]. وقال: {أية : وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ} تفسير : [التكوير: 22]. والحق - سبحانه وتعالى - هنا لم يذكر لنا نتيجة التفكُّر والبحث مثنى وفرادى؛ لأنه معلوم وواضح، إلا أنه قال عنه صلى الله عليه وسلم: {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ: 46]. شيء آخر: هل آمن الناس كلهم برسول الله بعد أن سمعوا منه قرآناً مُعْجزاً لنقول: إن القرآن هو المعجزة التي تثبت صِدْق الرسول؟ نقول: لا، إنما منهم مَنْ لم يؤمن بعد أن سمع القرآن، ومنهم مَنْ آمن قبل نزول القرآن، وبمجرد أنْ قال محمد: إني رسول الله. وأولهم السيدة خديجة، والصِّدِّيق أبو بكر، فما حيثية إيمانهم برسول الله؟ وما المعجزة التي عرفوا بها صِدْقه؟ حيثيته ومعجزته عند هؤلاء سيرته صلى الله عليه وسلم فيهم أولاً، فهي كافية لأنْ يؤمنوا به إنْ قال: أنا رسول الله إليكم. أما القرآن فهو معجزة وتحدٍّ لمن جحد. لذلك نرى سيدنا رسول الله يُذكِّر قومه بهذه السيرة بينهم ويتخذها حجة له، حديث : فلما بُعِث صعد إلى الصفا، ونادى في القوم، فلما اجتمعوا حوله قال: "أرأيتم لو حدثتكم أن خيلاً وراء هذا الوادي جاءت لتُغير عليكم، أكنتم مُصَدِّقي؟" قالوا: ما جرَّبنا عليك مِنْ كذب، فقال: "أنا رسول الله إليكم" فقالوا لِتَوِّهم: أنت كذاب تباً لك، أَلهذا جمعتنا؟ . حديث : ورُوِي في إسلام سيدنا عبد الله بن سلام، وكان أحد أحبار اليهود أنه لما اطمأنَّ قلبه للإيمان بعد ما رأى من أوصاف رسول الله التي ذُكِرت في كتبهم، وتأكَّد أنه رسول الله ذهب إليه وقال: يا رسول الله لقد شرح الله صدري للإيمان، وتعلم يا رسول الله أن اليهود قوم بُهْتٌ، فإذا أسلمتُ قالوا فيَّ ما ليس فيَّ، فادْعُهُمْ يا رسول الله، واسألهم عني، وسوف أعلن إسلامي أمامهم بعد أنْ تسمع رأيهم فيَّ، وفعلاً دعاهم سيدنا رسول الله وسألهم: ما تقولون في ابن سلام؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا، وحَبْرنا وابن حَبْرنا، وجمعوا له كل أوصاف المدح، عندها قال ابن سلام: أما وقد قالوا فيَّ ما قالوا: أشهد أنك رسول الله، فقالوا: بل أنت شرُّنا وابن شرِّنا. فقال: ألم أَقُلْ لك يا رسول الله أنهم قوم بُهْت؟ . تفسير : وتلحظ أن الذين صادموا رسول الله في أول البعثة، والذين اتهموه بالكذب من أهله وأقرب للناس إليه، وعمه هو الذي قال له: تباً لك ألهذا جمعتنا؟ وهنا موطن حكمة وحجة في بعثة سيدنا رسول الله، جعلها الله ليعلم الناس أن مكانة قريش وسيادتها في الجزيرة العربية لم تكن هي التي صنعت رسالة محمد ليسودوا بها العالم، فأعدى أعدائه كانوا من قريش، ولم يجد رسول الله نُصْرة في مكة، إنما كانت نصرته في يثرب. لذلك سبق أن قلنا: إن الإيمان بمحمد هو الذي خلق العصبية لمحمد، لا أن العصبية لمحمد هي التي خلقتْ الإيمان به صلى الله عليه وسلم. ثم يقول الحق سبحانه: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ} معناه بقولِ لا إله إِلاَّ الله. وقوله تعالى: {مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ} معناه اثنين اثنين، وفُرادى فُرادى.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : أي { قُلْ } يا أيها الرسول، لهؤلاء المكذبين المعاندين، المتصدين لرد الحق وتكذيبه، والقدح بمن جاء به: { إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ } أي: بخصلة واحدة، أشير عليكم بها، وأنصح لكم في سلوكها، وهي طريق نصف، لست أدعوكم بها إلى اتباع قولي، ولا إلى ترك قولكم، من دون موجب لذلك، وهي: { أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى } أي: تنهضوا بهمة، ونشاط، وقصد لاتباع الصواب، وإخلاص للّه، مجتمعين، ومتباحثين في ذلك، ومتناظرين، وفرادى، كل واحد يخاطب نفسه بذلك. فإذا قمتم للّه، مثنى وفرادى، استعملتم فكركم، وأجلتموه، وتدبرتم أحوال رسولكم، هل هو مجنون، فيه صفات المجانين من كلامه، وهيئته، وصفته؟ أم هو نبي صادق، منذر لكم ما يضركم، مما أمامكم من العذاب الشديد؟ فلو قبلوا هذه الموعظة، واستعملوها، لتبين لهم أكثر من غيرهم، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ليس بمجنون، لأن هيئاته ليست كهيئات المجانين، في خنقهم، واختلاجهم، ونظرهم، بل هيئته أحسن الهيئات، وحركاته أجل الحركات، وهو أكمل الخلق، أدبا، وسكينة، وتواضعا، ووقارا، لا يكون [إلا] لأرزن الرجال عقلا. ثم [إذا] تأملوا كلامه الفصيح، ولفظه المليح، وكلماته التي تملأ القلوب، أمنا، وإيمانا، وتزكى النفوس، وتطهر القلوب، وتبعث على مكارم الأخلاق، وتحث على محاسن الشيم، وترهب عن مساوئ الأخلاق ورذائلها، إذا تكلم رمقته العيون، هيبة وإجلالا وتعظيما. فهل هذا يشبه هذيان المجانين، وعربدتهم، وكلامهم الذي يشبه أحوالهم؟!! فكل من تدبر أحواله ومقصده استعلام هل هو رسول اللّه أم لا؟ سواء تفكر وحده، أو مع غيره، جزم بأنه رسول اللّه حقا، ونبيه صدقا، خصوصا المخاطبين، الذي هو صاحبهم يعرفون أول أمره وآخره. وثَمَّ مانع للنفوس آخر عن اتباع الداعي إلى الحق، وهو أنه يأخذ أموال من يستجيب له، ويأخذ أجرة على دعوته. فبين اللّه تعالى نزاهة رسوله صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر فقال: { قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ } أي: على اتباعكم للحق { فَهُوَ لَكُمْ } أي: فأشهدكم أن ذلك الأجر - على التقدير - أنه لكم، { إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } أي: محيط علمه بما أدعو إليه، فلو كنت كاذبا، لأخذني بعقوبته، وشهيد أيضا على أعمالكم، سيحفظها عليكم، ثم يجازيكم بها. ولما بين البراهين الدالة على صحة الحق، وبطلان الباطل، أخبر تعالى أن هذه سنته وعادته أن { يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ } لأنه بين من الحق في هذا الموضع، ورد به أقوال المكذبين، ما كان عبرة للمعتبرين، وآية للمتأملين. فإنك كما ترى، كيف اضمحلت أقوال المكذبين، وتبين كذبهم وعنادهم، وظهر الحق وسطع، وبطل الباطل وانقمع، وذلك بسبب بيان { عَلامُ الْغُيُوبِ } الذي يعلم ما تنطوي عليه القلوب، من الوساوس والشبه، ويعلم ما يقابل ذلك، ويدفعه من الحجج. فيعلم بها عباده، ويبينها لهم، ولهذا قال: { قُلْ جَاءَ الْحَقُّ } أي: ظهر وبان، وصار بمنزلة الشمس، وظهر سلطانه، { وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ } أي: اضمحل وبطل أمره، وذهب سلطانه، فلا يبدئ ولا يعيد. ولما تبين الحق بما دعا إليه الرسول، وكان المكذبون له، يرمونه بالضلال، أخبرهم بالحق، ووضحه لهم، وبين لهم عجزهم عن مقاومته، وأخبرهم أن رميهم له بالضلال، ليس بضائر الحق شيئا، ولا دافع ما جاء به. وأنه إن ضل - وحاشاه من ذلك، لكن على سبيل التنزل في المجادلة - فإنما يضل على نفسه، أي: ضلاله قاصر على نفسه، غير متعد إلى غيره. { وَإِنِ اهْتَدَيْتُ } فليس ذلك من نفسي، وحولي، وقوتي، وإنما هدايتي بما { يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي } فهو مادة هدايتي، كما هو مادة هداية غيري. إن ربي { سَمِيعٌ } للأقوال والأصوات كلها { قَرِيبٌ } ممن دعاه وسأله وعبده.
النسائي
تفسير : بسم الله الرحمن الرحيم سورة سبأ قوله تعالى: {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [46] 446 - أخبرني إبراهيمُ بن يعقوب، قال: حدَّثني عمرُ بن حفصٍ بن غياثٍ قال حدَّثنا أبي، قال حدَّثنا الأعمش، قال حدَّثني عمرو بن مُرة، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: حديث : لمَّا نزلت {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ ٱلأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214] صعدَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على الصَّفا، فجعل يُنادي: "يا بني فِهرٍ، يا بني عَدِيٍّ، يا بني فُلانٍ" - لبطونِ قريشٍ، حتى اجتمعوا، فجعل الرَّجلُ إذا لم يستطع أن يخرج، أرسل رسولاً [ينظر]، وجاء أبو لهبٍ وقريشٌ، فاجتمعوا، فقال: "أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي، تُريدُ أن تُغير عليكم، أكنتم مُصدِّقيَّ؟" قالوا: نعم، ما جرَّبنا عليك إلا صِدقاً، قال: "فَإِنِّي نذيرٌ لكم بين يدي عذابٍ شديدٍ" قال أبو لهبٍ: تبَّاً لك سائر اليومِ، ألِهذا جمعتنا؟، فنزلت {تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ} [المسد: 1] .
همام الصنعاني
تفسير : 2426- حدّثنا معمر، عن قتادة، في قوله: {إِنَّمَآ أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ}: [الآية: 46]، يقول: بواحدة، {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ}: [الآية: 46]، فهذه واحدة وَعَظَهُم بِهَا. 2427- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {أية : بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ}تفسير : : [الأنبياء: 18]، قال: بالقرآن.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):