٣٤ - سَبَأ
34 - Saba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
47
Tafseer
الرازي
تفسير : لما ذكر أنه ما به جنة ليلزم منه كونه نبياً ذكر وجهاً آخر يلزم منه أنه نبـي إذا لم يكن مجنوناً لأن من يرتكب العناء الشديد لا لغرض عاجل إذا لم يكن ذلك فيه ثواب أخروي يكون مجنوناً، فالنبـي عليه السلام بدعواه النبوة يجعل نفسه عرضة للهلاك عاجلاً، فإن كل أحد يقصده ويعاديه ولا يطلب أجراً في الدنيا فهو يفعله للآخرة، والكاذب في الآخرة معذب لا مثاب، فلو كان كاذباً لكان مجنوناً لكنه ليس بمجنون فليس بكاذب، فهو نبـي صادق وقوله: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٍ } تقرير آخر للرسالة وذلك لأن الرسالة لا تثبت إلا بالدعوى والبينة، بأن يدعي شخص النبوة ويظهر الله له المعجزة فهي بينة شاهدة والتصديق بالفعل يقوم مقام التصديق بالقول في إفادة العلم بدليل أن من قال لقوم إني مرسل من هذا الملك إليكم ألزمكم قبول قولي والملك حاضر ناظر، ثم قال للملك أيها الملك إن كنت أنا رسولك إليهم فقل لهم إني رسولك فإذا قال إنه رسولي إليكم لا يبقى فيه شك كذلك إذا قال يا أيها الملك إن كنت أنا رسولك إليهم فألبسني قباءك فلو ألبسه قباءه في عقب كلامه يجزم الناس بأنه رسوله، كذلك حال الرسول إذا قال الأنبياء لقومهم نحن رسل الله، ثم قالوا يا إلهنا إن كنا رسلك فأنطق هذه الحجارة أو أنشر هذا الميت ففعله حصل الجزم بأنه صدقه.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ} أي جُعْل على تبليغ الرسالة {فَهُوَ لَكُمْ} أي ذلك الجُعْل لكم إن كنت سألتكموه {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٍ} أي رقيب وعالم وحاضر لأعمالي وأعمالكم، لا يخفى عليه شيء فهو يجازي الجميع.
ابن كثير
تفسير : يقول تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: {مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} أي: لا أريد منكم جعلاً ولا عطاء على أداء رسالة الله عز وجل إليكم ونصحي إياكم وأمركم بعبادة الله، {إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} أي: إنما أطلب ثواب ذلك من عند الله، {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٍ} أي: عالم بجميع الأمور بما أنا عليه من إخباري عنه بإرساله إياي إليكم، وما أنتم عليه. وقوله عز وجل: {قُلْ إِنَّ رَبِّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ} كقوله تعالى: {أية : يُلْقِى ٱلرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ} تفسير : [غافر: 15] أي: يرسل الملك إلى من يشاء من عباده من أهل الأرض، وهو علام الغيوب، فلا تخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض. وقوله تبارك وتعالى: {قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَـٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ} أي: جاء الحق من الله والشرع العظيم، وذهب الباطل وزهق واضمحل؛ كقوله تعالى: {أية : بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} تفسير : [الأنبياء: 18] ولهذا لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الحرام يوم الفتح، ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة، جعل يطعن الصنم منها بسية قوسه، ويقرأ: {أية : وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا} تفسير : [الإسراء: 81] {قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَـٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ} رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وحده عند هذه الآية، كلهم من حديث الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة، عن ابن مسعود رضي الله عنه به، أي: لم يبق للباطل مقالة ولا رياسة ولا كلمة. وزعم قتاده والسدي أن المراد بالباطل ههنا: إبليس، أي: إنه لا يخلق أحداً، ولا يعيده، ولا يقدر على ذلك، وهذا وإن كان حقاً، ولكن ليس هو المراد ههنا، والله أعلم. وقوله تبارك وتعالى: {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} أي: الخير كله من عند الله، وفيما أنزل الله عز وجل من الوحي والحق المبين فيه الهدى والبيان والرشاد، ومن ضل، فإنما يضل من تلقاء نفسه، كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما سئل عن تلك المسألة في المفوضة: أقول فيها برأيي، فإن يكن صواباً، فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه. وقوله تعالى: {إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} أي: سميع لأقوال عباده، قريب يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، وقد روى النسائي هنا حديث أبي موسى في "الصحيحين": «حديث : إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً قريباً مجيباً».
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ } لهم {مَا سَأَلْتُكُم } على الإِنذار والتبليغ {مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ } أي لا أسألكم عليه أجراً {إِنْ أَجْرِىَ } ما ثوابي {إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ} مطَّلع يعلم صدقي.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {قُلْ مَا سأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} فيه قولان: أحدهما: من مودة قاله ابن عباس، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل قريشاً أن يكفوا عن أذيته حتى يبلغ رسالة ربه. الثاني: من جُعْل قاله قتادة، ويشبه أن يكون في الزكاة. ويحتمل ثالثاُ: أن أجر ما دعوتكم إليه من إجابتي فهو لكم دوني. {إنْ أَجْرِيَ إلاَّ عَلَى اللَّهِ} أي ما ثوابي إلا على الله في الآخرة. {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٍ}فيه وجهان: أحدهما: شهيد أن ليس بي جنون. الثاني: شهيد أني لكم نذير بين يدي عذاب شديد. قوله عز وجل: {قُلْ إنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ} فيه تأويلان: أحدهما: بالوحي، قاله قتادة. الثاني: بالقرآن، رواه معمر. وفي قوله: {يَقْذِفُ} ثلاثة أوجه: أحدها: يتكلم. الثاني: يوحي. الثالث: يلقي. {عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} قال الضحاك: الخفيات. قوله عز وجل: {قُلْ جَآءَ الْحَقُّ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن زيد. الثاني: القرآن، قاله قتادة. الثالث: الجهاد بالسيف، قاله ابن مسعود. {وَمَا يُبْدِيءُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن الباطل الشيطان. رواه معمر. الثاني: أنه إبليس. رواه خليد. الثالث: أنه دين الشرك، قاله ابن بحر. وفي إبداء الباطل وإعادته ثلاثة أوجه: أحدها: لا يخلق ولا يبعث، قاله قتادة. الثاني: لا يحيي ولا يميت، قاله الضحاك. الثالث: لا يثبت إذا بدا، ولا يعود إذا زال، قاله ابن بحر.
ابن عطية
تفسير : أمره الله تعالى في هذه الآية بالتبري من طلب الدنيا وطلب الأجر على الرسالة وتسليم كل دنيا إلى أربابها والتوكل على الله في الأجر وجزاء الجد والإقرار بأنه شهيد على كل شيء من أفعال البشر وأقوالهم وغير ذلك، وقوله {يقذف بالحق} يريد بالوحي وآيات القرآن واستعار له القذف من حيث كان الكفار يرمون بآياته وحكمه، وقرأ جمهور القراء "علاّمُ" بالرفع أي هو علام، وقرأ عيسى بن عمر وابن أبي إسحاق "علاّمَ" بالنصب إما على البدل من اسم {إن} وإما على المدح، وقرأ الأعمش "بالحق وهو علام الغيوب"، وقرأ عاصم "الغِيوب" بكسر الغين، وقوله {قل جاء الحق} يريد الشرع وأمر الله ونهيه، وقال قوم يعني السيف، وقوله {وما يبدىء الباطل وما يعيد}، قالت فرقة: {الباطل} هو غير {الحق} من الكذب والكفر ونحوه استعار له الإبداء والإعادة ونفاهما عنه، كأنه قال وما يصنع الباطل شيئاً، وقالت فرقة {الباطل} الشيطان، والمعنى ما يفعل الشيطان شيئاً مفيداً أي ليس يخلق ولا يرزق، وقالت فرقة {ما} استفهام كأنهم قال وأي شيء يصنع الباطل؟ وقرأ جمهور الناس "ضلَلت" بفتح اللام "فإنما أضِل" بكسر الضاد، وقرأ الحسن وابن وثاب "ضلِلت" بكسر اللام "أضَل" بفتح الضاد وهي لغة بني تميم، وقوله {فيما} يحتمل أن تكون "ما" بمعنى الذي، ويحتمل أن تكون مصدرية، و {قريب} معناه بإحاطته وإجابته وقدرته، واختلف المتأولون في قوله تعالى: {لو ترى} الآية، فقال ابن عباس والضحاك: هذا في عذاب الدنيا، وروي أن ابن أبزى قال ذلك في جيش يغزو الكعبة فيخسف بهم في بيداء من الأرض ولا ينجو إلا رجل من جهينة فيخبر الناس بما نال الجيش قالوا بسببه قيل "وعند جهينة الخبر اليقين"، وهذا قول سعيد، وروي في هذا المعنى حديث مطول عن حذيفة وذكر الطبري أنه ضعيف السند مكذوب فيه على داود بن الجراح، وقال قتادة: ذلك في الكفار عند الموت، وقال ابن زيد: ذلك في الكفار في بدر ونحوها، وقال الحسن بن أبي الحسن: ذلك في الكفار عند خروجهم من القبور في القيامة. قال الفقيه الإمام القاضي: وهذا أرجح الأقوال عندي، وأما معنى الآية فهو التعجيب من حالهم إذا فزعوا من أخذ الله إياهم ولم يتمكن لهم أن يفوت منهم أحد، وقوله {من مكان قريب} معناه أنهم للقدرة قريب حيث كانوا قبل من تحت الأقدام، وهذا يتوجه على بعض الأقوال والذي يعم جميعها أن يقال إن الأخذ يجيئهم من قرب في طمأنينتهم ويعقبها بينا الكافر يؤمل ويظن ويترجى إذ غشيه الأخذ، ومن غشيه أخذ من قريب، فلا حيلة له ولا روية، وقرأ الجمهور "وأخذوا"، وقرأ طلحة ابن مصرف "فلا فوت وأخذ"، كأنه قال وجاء لهم أخذ من مكان قريب.
ابن عبد السلام
تفسير : {مِّنْ أَجْرٍ} من مودة لأنه سأل قريشاً أن يكفوا عن أذاه حتى يبلغ الرسالة "ع"، أو جُعْل {شَهِيدٌ} أن ليس بي جنون، أو أني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.
النسفي
تفسير : {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ } على إنذاري وتبليغي الرسالة {فَهُوَ لَكُمْ } جزاء الشرط تقديره أي شيء سألتكم من أجر كقوله: {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ }تفسير : [فاطر: 2] ومعناه نفي مسألة الأجر رأساً نحو مالي في هذا فهو لك أي ليس فيه شيء {إِنْ أَجْرِىَ } مدني وشامي وأبو بكر وحفص، وبسكون الياء: غيرهم {إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٍ } فيعلم أني لا أطلب الأجر على نصحيتكم ودعائكم إليه إلا منه. {قُلْ إِنَّ رَبّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقّ } بالوحي. والقذف توجيه السهم ونحوه بدفع واعتماد ويستعار لمعنى الإلقاء ومنه {أية : وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعْبَ }تفسير : [الأحزاب: 26] {أية : أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِى ٱلتَّابُوتِ }تفسير : [طه: 39] ومعنى يقذف بالحق يلقيه وينزله إلى أنبيائه أو يرمي به الباطل فيدمغه ويزهقه {عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } مرفوع على البدل من الضمير في {يَقْذِفُ } أو على أنه خبر مبتدأ محذوف {قُلْ جَاء ٱلْحَقُّ } الإسلام والقرآن {وَمَا يُبْدِىء ٱلْبَـٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ } أي زال الباطل وهلك لأن الإبداء والإعادة من صفات الحي فعدمهما عبارة عن الهلاك، والمعنى جاء الحق وزهق الباطل كقوله {أية : جَاء ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ } تفسير : [الإسراء: 81] وعن ابن مسعود رضي الله عنه: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول الكعبة أصنام فجعل يطعنها بعود معه ويقول «حديث : جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً، جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد»تفسير : وقيل: الباطل الأصنام. وقيل: إبليس لأنه صاحب الباطل أو لأنه هالك كما قيل له الشيطان من شاط إذا هلك أي لا يخلق الشيطان ولا الصنم أحداً ولا يبعثه فالمنشيء والباعث هو الله. ولما قالوا: قد ضللت بترك دين آبائك قال الله تعالى {قُلْ إِن ضَلَلْتُ } عن الحق {فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى } إن ضللت فمني وعليّ {وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِى إِلَىَّ رَبّى } أي فتبسديده بالوحي إلي. وكان قياس التقابل أن يقال وإن اهتديت فإنما أهتدي لها كقوله: {أية : فَـمَنِ ٱهْتَـدَىٰ فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَـلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } تفسير : [الزمر:41]. ولكن هما متقابلان معنى، لأن النفس كل ما عليها وضار لها فهو بها وبسببها لأنها الأمارة بالسوء، وما لها مما ينفعها فبهداية ربها وتوفيقه، وهذا حكم عام لكل مكلف، وإنما أمر رسوله أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به {إِنَّهُ سَمِيعٌ } لما أقوله لكم {قَرِيبٌ } مني ومنكم يجازيني ويجازيكم. {وَلَوْ تَرَى } جوابه محذوف أي لرأيت أمراً عظيماً وحالاً هائلة {إِذْ فَزِعُواْ } عند البعث أو عند الموت أو يوم بدر {فَلاَ فَوْتَ } فلا مهرب أو فلا يفوتون الله ولا يسبونه {وَأُخِذُواْ } عطف على {فَزِعُواْ } أي فزعوا وأخذوا فلا فوت لهم أو على لا فوت على معنى إذ فزعوا فلم يفوتوا وأخذوا {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } من الموقف إلى النار إذا بعثوا أو من ظهر الأرض إلى بطنها إذا ماتوا أو من صحراء بدر إلى القليب {وَقَالُواْ } حين عاينوا العذاب {آمَنَّا بِهِ} بمحمد عليه السلام لمرور ذكره في قوله {أية : مَا بِصَـٰحِبِكُمْ مّن جِنَّةٍ }تفسير : [سبأ: 46] أو بالله {وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ } التناوش: التناول أي كيف يتناولون التوبة وقد بعدت عنهم، يريد أن التوبة كانت تقبل منهم في الدنيا وقد ذهبت الدنيا وبعدت من الآخرة. وقيل: هذا تمثيل لطلبهم ما لا يكون وهو أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت كما نفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا، مثلت حالهم بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة كما يتناول الآخر من قيس ذراع. {التناؤش} بالهمزة: أبو عمرو وكوفي غير حفص همزت الواو لأن كل واو مضمومة ضمتها لازمة إن شئت أبدلتها همزة وإن شئت لم تبدل نحو قولك «أدور وتقاوم»، وإن شئت قلت «أدؤر وتقاؤم». وعن ثعلب: التناؤش بالهمز التناول من بعد، وبغير همز التناول من قرب. {وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ مِن قَـبْلُ} من قبل العذاب أو في الدنيا {وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ } معطوف على {قَدْ كَفَرُواْ} على حكاية الحال الماضية يعني وكانوا يتكلمون بالغيب أو بالشيء الغائب يقولون لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار {مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ } عن الصدق أو عن الحق والصواب، أو هو قولهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم شاعر ساحر كذاب وهذا تكلم بالغيب والأمر الخفي لأنهم لم يشاهدوا منه سحراً ولا شعراً ولا كذباً. وقد أتوا بهذا الغيب من جهة بعيدة من حاله لأن أبعد شيء مما جاء به السحر والشعر وأبعد شيء من عاداته التي عرفت بينهم وجربت الكذب {وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ } عن أبي عمرو على البناء للمفعول أي تأتيهم به شياطينهم ويلقنونهم إياه وإن شئت فعلقه بقوله {وَقَالُواْ ءامَنَّا بِهِ} على أنه مثّلهم في طلبهم تحصيل ما عطلوه من الإيمان في الدنيا بقولهم {آمنا} في الآخرة وذلك مطلب مستبعد بمن يقذف شيئاً من مكان بعيد لا مجال للظن في لحوقه حيث يريد أن يقع فيه لكونه غائباً عنه بعيداً. ويجوز أن يكون الضمير في { آمنا به} للعذاب الشديد في قوله: {أية : بَيْنَ يَدَىْ عَذَابٍ شَدِيدٍ }تفسير : [سبأ: 46]. وكانوا يقولون وما نحن بمعذبين إن كان الأمر كما تصفون من قيام الساعة والعقاب والثواب ونحن أكرم على الله من أن يعذبنا قائسين أمر الآخرة على أمر الدنيا، فهذا كان قذفهم بالغيب وهو غيب ومقذوف به من جهة بعيدة لأن دار الجزاء لا تنقاس على دار التكليف {وَحِيلَ } وحجز {بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } من نفع الإيمان يومئذ والنجاة به من النار والفوز بالجنة أو من الرد إلى الدنيا كما حكي عنهم بقوله {أية : فَٱرْجِعْنَا نَعْمَلْ صَـٰلِحاً }تفسير : [السجدة: 12] والأفعال التي هي {فَزِعُواْ } {وَأُخِذُواْ } {وَحِيلَ } كلها للمضي والمراد بها الاستقبال لتحقق وقوعه {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَـٰعِهِم مّن قَبْلُ } بأشباههم من الكفرة {إِنَّهُمْ كَانُواْ فِى شَكّ } من أمر الرسل والبعث {مُرِيبٍ } موقع في الريبة من أرابه إذا أوقعه في الريبة، هذا رد على من زعم أن الله لا يعذب على الشك والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : وقَوْلُهُ تَعَالَى: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} مَعْنَى الآية بَيِّنٌ وَاضِح لاَ يَفْتَقِرُ إلَى بَيَانٍ. وَقَوْلهُ: {يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ} يريدُ بالوَحْي وَآياتِ القُرآنِ وَاسْتَعَارَ لَه القَذْفَ مِنْ حَيْثُ كَانَ الكُفَّارُ يَرمُوْنَ بآياته وَحِكَمِهِ. وَقَوْلهُ سُبْحَانَه: {قُلْ جَاءَ ٱلْحَقُّ} يُرِيدُ الشَّرْعَ بِجُمْلَتِهِ، {وَمَا يُبْدِئُ ٱلْبَـٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ} قَالَتْ فِرْقَةٌ: البَاطِلُ غَيْرُ الحَقِّ مِنَ الكَذِبِ وَالكُفْرِ وَنَحْوِه، اسْتَعَارَ لَهُ الإبْدَاءَ وَالإعَادَةَ وَنَفَاهُمَا عَنْه، كَأَنَّهُ قَالَ: وَمَا يَصْنَعُ البَاطِلُ شَيْئاً. وَقَوْلهُ: {فَبِمَا يُوحِي} يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ «مَا» بِمَعْنَى الَّذِي أو مَصْدَرِيَّةٌ.
السيوطي
تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتاده رضي الله عنه في قوله {قل ما سألتكم من أجر} أي من جعل {فهو لكم} يقول: لم أسألكم على الإِسلام جعلا وفي قوله {قل إن ربي يقذف بالحق... وما يبدئ الباطل} قال: الشيطان لا يبدئ ولا يعيد إذا هلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {يقذف بالحق} قال: ينزل بالوحي. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {جاء الحق} قال: جاء القرآن {وما يبدئ الباطل وما يعيد} قال: ما يخلق إبليس شيئاً، ولا يبعثه. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عمر بن سعد رضي الله عنه {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي} قال: اؤخذ بخيانتي.
ابو السعود
تفسير : {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ} أي أيُّ شيءٍ سألتُكم من أجرٍ على الرِّسالة {فَهُوَ لَكُمْ} والمرادُ نفيُ السُّؤالِ رأساً كقولِ مَن قال لمن لم يُعطه شيئاً إنْ أعطيتني شيئاً فخُذه وقيل مَا موصولةٌ أُريد بها ما سألهم بقوله تعالى: { أية : مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبّهِ سَبِيلاً} تفسير : [سورة الفرقان: الآية 57] وقولِه تعالى: { أية : لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِي ٱلْقُرْبَىٰ} تفسير : [سورة الشورى: الآية 23] واتخاذ السَّبـيلِ إليه تعالى منفعتهم الكُبرى وقُرباه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قرباهم {إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٍ} مطَّلع يعلمُ صدقي وخلوصَ نيتَّي وقُرىء إن أجريْ بسكونِ الياءِ {قُلْ إِنَّ رَبّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقّ} أي يُلقيه ويُنزله على من يجتبـيهِ من عبادِه أو يرمـي به الباطلَ فيدمغُه أو يرمي به في أقطارِ الآفاقِ فيكون وعداً بإظهارِ الإسلامِ وإعلاءِ كلمةِ الحقِّ {عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ} صفةٌ محمولةٌ على محلِّ إنَّ واسمِها أو بدلٌ من المستكنِّ في يقذفُ أو خبرٌ ثانٍ لأنَّ أو خبرُ مبتدأٍ محذوفٍ. وقُرىء بالنَّصبِ صفة لربِّـي أو مقدَّراً بأعنِي وقُرىء بكسرِ الغَين وبالفتحِ كصبور مبالغةُ غائب {قُلْ جَاء ٱلْحَقُّ} أي الإسلامُ والتَّوحيدُ {وَمَا يُبْدِىء ٱلْبَـٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ} أي زهقَ الشِّركُ بحيث لم يبقَ أثرُه أصلاً مأخوذُ من هلاكِ الحيِّ فإنَّه إذا هلكَ لم يبقَ له إبداءٌ ولا إعادةٌ فجُعل مَثَلاً في الهلاكِ بالمرَّة ومنْهُ قولُ عُبـيْدٍ: [الرجز] شعر : أَقْفرَ مِن أَهْلِه عُبـيد فليسَ يُبدي وَلاَ يُعيدُ تفسير : وقيل الباطلُ إبليسُ أو الصَّنُم والمعنى لا يُنشىء خلقاً ولا يُعيد أو لا يُبدىء خيراً لأهلِه ولا يُعيد وقيل ما استفهاميِّةٌ منصوبةٌ بما بعدَها {قُلْ إِن ضَلَلْتُ} عن الطَّريقِ الحقِّ {فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى} فإنَّ وبالَ ضلالِي عليها لأنَّه بسببها إذ هىَ الجاهلةُ بالذَّاتِ والأمَّارةُ بالسُّوءِ وبهذا الاعتبارِ قُوبل الشَّرطيةُ بقولِه تعالى: {وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِى إِلَىَّ رَبّى} لأنَّ الاهتداءَ بهدايتِه وتوفيقِه. وقُرىء ربِّـيَ بفتح الياء {إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} يعلم قولَ كلَ من المُهتدي والضَّالِّ وفعلَه وإنْ بالغَ في إخفائِهما.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل ما} اى شئ {سألتكم من اجر} جعل على تبليغ الرسالة {فهو لكم} والمراد نفى السؤال رأسا: يعنى [هيج اجرى نخواهم] كقول من قال لمن لم يعطه شيئا ان اعطيتنى شيئا فخذه. وقال بعضهم لما نزل قوله تعالى {أية : قل لا اسألكم عليه اجرا الا المودة فى القربى} حديث : قال عليه السلام لمشركى مكة "لا تؤذونى فى قرابتى" تفسير : فكفوا عن ذلك فلما سب آلهتهم قالوا لن ينصفنا يسألنا ان لا نؤذيه فى قرابته وهو يؤذينا بذكر آلهتنا بسوء فنزل {قل ما سألتكم من اجر فهو لكم} ان شئتم آذوهم وان شئتم امتنعوا {ان اجرى} ا ما اجرى وثوابى {الا على الله} فانما اطلب ثواب الله لا عرض الدنيا {وهو على كل شئ شهيد} مطلع يعلم صدقى وخلوص نيتى. وفيه اشارة الى انه من شرط دعوة الخلق الى الله ان تكون خالصة لوجه الله لا يشوبها طمع فى الدنيا الآخرة: قال الشيخ سعدى قدس سره شعر : زيان ميكند مرد تفسير دان كه علم وادب ميفروشد بنان كجا عقل با شرع فتوى دهد كه اهل خرد دين بدنيا دهد تفسير : قال الامام الزروقى الشهيد هو الحاضر الذى لا يغيب عنه معلوم ولا مرئى ولا مسموع ومنه عرف ان الشهيد عبد حافظ على المراقبة واتقى بعلمه ومشاهدته عن غيره
ابن عجيبة
تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قل ما سألتكم عليه} أي: على إنذاري وتبليغ الرسالة {من أَجْرٍ} إذ لو كنتُ كذلك لاتهمتموني أني أطمع في أموالكم. وما طلبتُ من ذلك {فهو لكم} ومعناه: نفي سؤاله الأجر رأساً. نحو: ما لي في هذا فهو لك، وما تعطني تصدق به على نفسك. {إِنْ أَجْريَ} في ذلك {إِلا على الله وهو على كل شيءٍ شهيدٌ} فيعلم أني لا أطلب الأجر في نصيحتكم، ودعائكم إليه، إلا منه تعالى. الإشارة: تقدم مراراً أن الدعاة إلى الله ينبغي لهم أن يتنزّهوا عن الطمع في الناس جهدهم، ولو اضطروا إلى ذلك؛ إذ لا يقع النفع العام على أيديهم إلا بعد الزهد التام، والتعفُّف التام عما في أيدي الناس، فإذا تحققوا بهذا الأمر جعلهم الله حُجةً، يدمغ بهم على الباطل، كما قال تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ...}
الجنابذي
تفسير : {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ} الّذى هو عائد الىّ ونافع لى {إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٍ} فيعلم انّى صادق فيما اقول وانّ الاجر الّذى اطلبه منكم من المودّة فى القربى نافع لكم، وانّ اجرى الّذى هو نافع لى ليس الاّ على ربّى وليس فى وسعكم القيام بأدائه.
الهواري
تفسير : قوله: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم} أي: على القرآن {مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} كقوله: (أية : قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَا مِنَ المُتَكَلِّفِينَ) تفسير : [سورة ص: 86] وأشباه ذلك. {إِنْ أجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي: شاهد على كل شيء. قوله: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ} أي: ينزل الوحي {عَلاَّمُ الغُيُوبِ} أي: غيب السماوات والأرض؛ غيب السماء ما ينزل منها من المطرَ وغيره، وغيب الأرض ما يخرج منها من النبات وغيره. قوله: {قُلْ جَآءَ الْحَقُّ} أي: القرآن {وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ}. قال بعضهم: الباطل إبليس، أي: وما يخلق إبليس أحداً ولا يبعثه. قوله: {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِى إِلَىَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} أي فأنتم الضالون وأنا على الهدى. وهو كقوله: (أية : وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) تفسير : [سبأ: 24]. وقد فسّرناه قبل هذا. قوله: {وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلاَ فَوْتَ} تفسير عمرو عن الحسن: {إِذْ فَزِعُوا} يعني النفخة الأولى التي يميت الله بها كفار هذه الأمة {فَلاَ فَوْتَ} أي: لا يفوت أحد منهم دون أن يهلك بالعذاب. {وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} أي: النفخة الآخرة. قال الحسن: وأي شيء أقرب من أن كانوا في بطن الأرض فإذا هم على ظهرها. وبعضهم يقول: {وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} أي: من تحت أرجلهم.
اطفيش
تفسير : {قل ما سألتكم} ما شرطية مفعول سالت على الانذار. {من أجر} ثواب وهو ان اتخذوا الى ربهم سبيلا او المودة في القربى. {فهو لكم} نفعه عائد عليكم ادبه تفوزون دنيا واخرى وذلك مثل قوله قل ما سألتكم علي من اجر ان شاء ان يتخذ الى ربه سبيلا وقوله قل ما اسألكم عليه اجرا الا المودة في القربى ويجوز ان يكون المراد نفي سؤال الأجر مع بقاء ما على الشرطية كقولك لانسان ما اعطيتني فخذه وانت تعلم لم يعطك شيئا وقيل ما موصولة زيدت الفاء في خبرها وقيل ما نافية اي ما سألتكم اجرا فانما الانذار نفع لكم والأجر الذي تدعونه او تتوهمونه هو لكم كانهم توهموا انه ادعى النبوة لمجنون فنفاه الله بقوله ما بصاحبكم من جنة او لأجر فنفاهما بقوله ما اسألكم عليه من أجر فهو لكم. {إن أجري إلا على الله} وقرأ ابن كثير وابو بكر وحمزة الكسائي باسكان الياء. {وهو على كل شيء شهيد} فطلع فهو يعلم صدقي وخلوص نيتي.
اطفيش
تفسير : {قل ما سَألتُكم} ما شرطية مفعول مقدم، ولا حاجة الى دعوى أنها موصولة {من أجْر} أجرة مال أو قوة أو غيرهما على التبليغ، كما قال: "أية : قل لا أسألكم عليه أجراً" تفسير : [الشورى: 23] وكذا المراد هنا النفى، كأنه قيل ما سألتكم من أجر على فرض أنى سألتكم {فَهُو لكُم} لا آخذه عنكم، ويجوز أن يكون المراد ثبوت السؤال، وأن منفعته راجعة اليهم، وهو المودة فى القربى، كما قال: "أية : قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى" تفسير : [الشورى: 23] وقرباهم قرباه، وقرباه قرباهم، أو الأجر هذه المودة واتخاذ سبيل الله، قال تعالى: "أية : قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً"تفسير : [الفرقان: 57] واتخاذ السبيل اليه المنفعة الكبرى، والصحيح ما تقدم من أن المراد نفى السؤال، كما يدل له قوله تعالى: {إن أجري إلا على الله} إلا أنه لا يتعين لذلك، لجواز أن يريد أن له الأجر على الله على تلك المنفعة التى يفعلها لهم {وهُو على كُل شىءٍ شهيدٌ} فهو يعلم خلوص نيتى.
الالوسي
تفسير : {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ } أي مهما سألتكم من نفع على تبليغ الرسالة {فَهُوَ لَكُمْ } والمراد نفي السؤال رأساً كقولك لصاحبك إن أعطيتني شيئاً فخذه وأنت تعلم أنه لم يعطك شيئاً، فما شرطية مفعول {سَأَلْتُكُمْ } وهو المروي عن قتادة، وقيل هي موصولة والعائد محذوف و(من) للبيان، ودخلت الفاء في الخبر لتضمنها معنى الشرط أي الذي سألتكموه من الأجر فهو لكم وثمرته تعود إليكم، وهو على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إشارة إلى المودة في القربـى في قوله تعالى: {أية : قُل لاَّ أَسْـئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ ٱلْمَوَدَّةَ فِى ٱلْقُرْبَىٰ } تفسير : [الشورى: 23] وكون ذلك لهم على القول بأن المراد بالقربـى قرباهم ظاهر، وأما على القول بأن المراد بها قرباه عليه الصلاة والسلام فلأن قرباه صلى الله عليه وسلم قرباهم أيضاً أو هو إشارة إلى ذلك وإلى ما تضمنه قوله تعالى: {أية : مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَىٰ رَبّهِ سَبِيلاً } تفسير : [الفرقان: 57] وظاهر أن اتخاذ السبيل إليه تعالى منفعتهم الكبرى، وجوز كون (ما) نافية و(من) صلة وقوله سبحانه: {فَهُوَ لَكُمْ } جواب شرط مقدر أي فإذا لم أسألكم فهو لكم، وهو خلاف الظاهر. وقوله تعالى: {إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ } يؤيد إرادة نفي السؤال رأساً. وقرىء {إِنْ أَجْرِىَ } بسكون الياء {وَهُوَ عَلَىٰ كُلّ شَىْء شَهِيدٍ } أي مطلع فيعلم سبحانه صدقي وخلوص نيتي.
ابن عاشور
تفسير : هذا استقصاء لبقايا شبه التكذيب لدحضها سواء منها ما تعلقوا به من نحو قولهم: كاهن وشاعر ومجنون وما لم يدعوه ولكنه قد يخطر ببال واحد منهم أن يزعموا أنه يريد بهذه الدعوة نفعاً لنفسه يكون أجراً له على التعليم والإِرشاد. وهم لما ادّعوا أنه ساحر أو أنه شاعر أو أنه كاهن لزم من دعواهم أنه يتعرض لجائزة الشاعر، وحُلوان الكاهن؛ فلما نفيت عنه تلك الخلال لم يبق لهم في الكنانة سهم طعن، إلا أن يزعموا أنه يطلب أجراً على الإِرشاد فقيل لهم: {ما سألتكم من أجر فهو لكم} إن كان بكم ظنّ انتفاعي منكم بما دعوتكم إليه، فما كان لي من أجر عليه فخذوه. وهذه طريقة بديعة في الكناية التهكمية عن عدم انتفاعه بما يدعوهم إليه بأن يفرض كالواقع ثم يرتب عليه الانكفاف عنه ورد ما فات منه ليفضي بذلك إلى البراءة منه ومن التعرض له، فهي كناية رمزية وأنهم يعلمون أنه لم يسألهم أجراً { أية : قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين إن هو إلا ذكر للعالمين } تفسير : [ص: 86، 87] أو إن كنت سألتكم أجراً فلا تعطونيه، وإن كنتم أعطيتم شيئاً فاستردّوه، فكُنِّي بهذا الشرط المحقّق انتفاؤه عند انتفاء أن يكون طالباً أجراً منهم على حدّ قوله تعالى: { أية : إن كنت قلته فقد علمته } تفسير : [المائدة: 116]. وهذا ما صرح به عقبه من قوله {إن أجري إلا على الله}، فجيء بالشرط بصيغة الماضي ليدلّ على انتفاء ذلك في الماضي فيكون انتفاؤه في المستقبل أجدر؛ على أن وقوعه في سياق الشرط يقضي بانتفائه في المستقبل أيضاً. وهذا جار مجرَى التحدِّي لأنه لو كان لجماعتهم أو آحادهم علم بأنه طلب أجراً منهم لجَارُوا حين هذا التحدّي بمكافحته وطالبوه بردّه عليهم. وينتقل من هذا إلى تعين أن ما دعاهم إليه لا ينتفع به غيرهم بالنجاة من العذاب، وقد تكرر في القرآن التبرؤ من أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يريد منهم أجراً أو يتطلب نفعاً لأن انتفاء ذلك ما يلاقيه من العناء في الدعوة دليل أنه مأمور بذلك من الله لا يريد جزاء منهم. و{مَا} يجوز أن تكون شرطية، و{من أجر} بياناً لإِبهام {ما} وجملة {فهو لكم} جواب الشرط. ويجوز أن تكون {ما} نافية. وتكون {من} لتوكيد عموم النكرة في النفي، وتكون الفاء في قوله: {فهو لكم} تفريعاً على نفي الأجر، وضمير «هو» عائداً على القرآن المفهوم من المقام ومن تقدم قوله: { أية : وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات } تفسير : [سبأ: 43] أي فهذا القرآن لفائدتكم لا لفائدتي لأن قوله: {ما سألتكم من أجر} يفيد أن لا فائدة له في هذه الدعوة. ويكون معنى الآية نظيرَ معنى قوله تعالى: { أية : قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين إن هو إلا ذكر للعالمين } تفسير : [ص: 86، 87]. والأجْر تقدم عنه قوله تعالى: { أية : ليجزيك أجر ما سقيت لنا } تفسير : في سورة القصص (25). وجملة {إن أجري إلا على الله} مستأنفة استئنافاً بيانياً جواباً لسؤال مقدر أن يسأل السامع: كيف لا يكون له على ما قام به أجر، فأجيب بأن أجره مضمون وَعَده الله به لأنه إنما يقوم بعمل لمرضاته وامتثال أمره فعليه أجره. وحرف {على} يقتضي أنه حق الله وذلك بالنظر إلى وَعده الصادق، ثم ذيّل ذلك باستشهاد الله تعالى على باطنه ونيته التي هي من جملة الكائنات التي الله شهيد عليها، وعليم بخفاياها فهو من باب: { أية : قل كَفى بالله شهيداً بيني وبينكم } تفسير : [الرعد: 43] أي وهو شاهد على ذلك كله. والأجر: عوض نافع على عمل سواء كان مالاً أو غيره. وقرأ نافع وأبو عَمرو وابن عامر وحفص ياء {أجريَ} مفتوحة. وقرأها ابن كثير وأبو بكر وحمزة والكسائي ساكنة، وهما وجهان من وجوه ياء المتكلم في الإِضافة.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ}. قد قدّمنا الآيات الموضحة له في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَيٰقَوْمِ لاۤ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} تفسير : [هود: 29].
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: قل إن ربي يقذف بالحق: أي يلقى بالوحي الحق إلى أنبيائه. ويقذف الباطل بالحق أيضا فيدمغه. وما يبدئ الباطل وما يعيد: أي وما يبدي الباطل الذي هو الكفر، وما يعيد أي إنه لا أثر له. فإنما أضل على نفسي: أي إثم ضلالي على نفسي لا يحاسب ولا يعاقب به غيري. إنه سميع قريب: أي سميع لما أقول لكم قريب غير بعيد فلا يتعذر عليه مجازاة أحد من خلقه. إذ فزعوا فلافوت: أي إذ فزعوا للبعث أي خافوا ونفروا فلا فوت لهم منا بل هم في قبضتنا. وأثنى لهم التناوش من مكان بعيد: أي لما شاهدوا العذاب قالوا آمنا بالقرآن وكيف لهم ذلك وهم بعيدون إنهم في الآخرة والإِيمان في الدنيا. (التناوش) التناول من مكان بعيد. كما فعل بأشياعهم من قبل: أي فعلنا بهم كما فعلنا بمن قبلهم من أمم الكفر والباطل. في شك مريب: أي في شك بالغ من نفوسهم فأصبحوا به مضطربين لا يطمئنون إلى شيء أبداً. معنى الآيات: لما لج المشركون في الخصومة والعناد ودعاهم الله تعالى إلى أمثل حل وهو أن يقوموا متجردين لله تعالى من الهوى والتعصب يقوموا اثنين اثنين أو واحداً واحداً لأن الجماعة من شأنها أن تختلف مع الآراء ثم يتفكروا في حياة الرسول وما دعاهم إليه من الهدى والحق فإنكم تعلمون أنه ليس كما اتهمتموه بالجنون وإنما هو نذير لكم بين يدي عذاب شديد يخاف وقوعه بكم ونزوله عليكم هنا أمره تعالى أن يقول لهم وكوني نذيراً لكم مما أخاف عليكم لا أسألكم على إنذاري لكم أجراً {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} أي مطلع عليّ عالم بصدقي ويجزيني على إنذاري لكم إذ كلفني به فقمت به طاعة له. وقوله تعالى {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ} أي قل لهم يا رسولنا إن ربي يقذف بالحق أن يلقى بالوحي على من يشاء من عباده {عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} أي وهو علام الغيوب يعلم من هو أهل للوحي إليه والإِرسال فيوحى إليه ويرسله كما أوحى إليّ وأرسلني إليكم نذيراً وبشيراً. وقوله تعالى: {قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} أي قل لهم يا رسولنا جاء الحق وهو الإِسلام الدين الحق، فلم يبق للباطل الذي هو الشرك والكفر مكان ولا مجال، وما يبدئ الباطل وما يعيد؟ أي أنه كما لا يبدئ لا يعيد فهو ذاهب لا أثر له أبداً وقوله: {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي} أي أعلمهم بأنك إن ضللت فيما أنت قائم عليه تدعو إليه فإنما عائد ضلالك عليك لا عليهم، وإن اهتديت فهدايتك بفضل ما يوحى إليك من ربك من الهدى والنور {إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} سميع لأقوالك وأقوال غيرك غير بعيد فيتعذر عليه مجازاة عباده صاحب الإِحسان بالإِحسان وصاحب السوء بالسوء. وقوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} اي لرأيت أمراً قطعياً يقول تعالى لرسوله ولو ترى إذ فزع المشركون في ساحات فصل القضاء يوم القيامة فزعوا من شدة الهول والخوف وقد أُخذوا من مكان قريب والقوا في جهنم لرأيت أمراً فظيعاً في غاية الفظاعة. وقوله {فَلاَ فَوْتَ} لهم لا يفوتون الله تعالى ولا يهربون من قبضته. وقوله تعالى: {وَقَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ} أي قالوا بعد ما بُعثوا وفزعوا من هول القيامة قالوا آمنا به أي بالله وكتابه ولقائه ورسوله، قال تعالى {وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ} أي التناول للإِيمان من مكان بعيد إذ هم في الآخرة والإِيمان كان في الدنيا فكيف يتناولونه بهذه السهولة ويقبل منهم وينجون من العذاب هذا بعيد جداً ولن يكون أبداً وقد كفروا به من قبل أي لا سيما وأنهم قد عُرض عليهم الإِيمان وهم قادرون عليه فرفضوه فكيف يمكنون منه الآن. وقوله {وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} أي وها هم اليوم في الدنيا يقذفون بالغيب محمداً صلى الله عليه وسلم بقواصم الظهر مرة يقولون كاذب ومرة ساحر ومرة شاعر وأخرى مجنون وكل هذا رجما بالغيب لا شبهة لهم فيه ولا أدنى ريبة تدعوهم إليه وأخيرا قال تعالى: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} وهو الإِيمان الموجب للنجاة كما فعل بأشياعهم أي أشباههم وأنصارهم من أهل الكفر والتكذيب لما جاءهم العذاب قالوا آمنا ولم ينفعهم إيمانهم وأهلكوا فألقوا في الجحيم، وقوله {إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ} أي مشركو قريش وكفارها أخبر تعالى أنهم كانوا في الدنيا في شك من توحيدنا ونبينا ولقائنا مريب أي موقع لهم في الريب والاضطراب فلم يؤمنوا فماتوا على الكفر والشرك وهذا جزاء من يموت على الشرك والكفر. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- دعوة الله تعالى ينبغي أن لا يأخذ الداعي عليها أجراً، ويحتسب أجره على الله عز وجل. 2- بيان صدق الله تعالى في قوله جاء الحق وما يبدي الباطل وما يعيد إذ ما هو إلاَّ سُنيَّات والإسلام ضارب بجرانه في الجزيرة فلا دين فيها إلا الإِسلام. 3- الإِيمان الاضطراري لا ينفع صاحبه كإِيمان من رأى العذاب. 4- الشك كفر ولا إِيمان مع رؤية العذاب.
د. أسعد حومد
تفسير : (47) - وَقُلْ لَهُمْ: إِنِّي لاَ أُرِيدُ مِنْكُمْ جُعْلاً وَلاَ أَجْراً، وَلاَ عَطَاءَ عَلَى أَدَاءِ الرِّسَالةِ التِي أَمَرني اللهُ بِإِبْلاَغِها إِليكُمْ، وَإِنَّما أَطْلُبُ ثَوَابَ ذَلِكَ مِنَ اللهِ، وَهُوَ العَلِيمُ بِجَمِيعِ الأُمُورِ، المُشَاهِدُ لَها، فَيَعلَمُ صِدْقي وإِخْلاصِي فِيما دَعَوْتُكُمْ إِليهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الأجر: هو الجُعل مقابل عمل، وهذه العبارة قالها كل الرسل، فقد علَّمهم الله أنْ يقول الواحد منهم لقومه: {أية : وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَىٰ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الشعراء: 109] كأنه في طيّ هذا الأسلوب، أنه لو كان هناك تقييم منصف لكنتُ أستحق أجراً على رسالتي ودعوتي؛ لأنني أجلب لكم بالهداية نفعاً كبيرا؛ لأنه ليس صفقة في هذه الدنيا الفانية، إنما نفعاً باقياً في حياة خالدة باقية. لكن الواقع أنني لا آخذ أجري منكم، إنما آخذه من الله؛ لأن العمل الذي أقوم به أكبر من أنْ تُقوِّموه بثمن، والحق - سبحانه وتعالى - هو الذي يُقوِّم عملي، وأنا واثق أنه سبحانه سيعطيني {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ} [سبأ: 47]. ومعنى: {فَهُوَ لَكُمْ} [سبأ: 47] يعني: إنْ كنتُ أخذتُ منكم أجراً، فسوف أعمل لكم بهذا الأجر، أو سيعود جزاؤه عليكم. وسبق أنْ قلنا: إن كل الرسل قالوا هذه العبارة إلا رسولين اثنين لم تَأْتِ هذه العبارة في سياق كَلامهما، هما: سيدنا إبراهيم، وسيدنا موسى عليهما السلام، مما يدل على أن هذه المسألة مبنية بحكمة كبيرة عالية، فلماذا إبراهيم وموسى بالذات من بين كل الرسل؟ قالوا: لأن سيدنا إبراهيم عليه السلام أول ما واجه المخالفين واجههم في عمه، فلما صادمه عمه، ورفض دعوته اعتزله، واكتفى بأن يدعو له، وليس من المعقول أنْ ينتظر أجراً من عمه؛ لذلك لم تأْتِ في كلامه مسألة الأجر هذه. كذلك موسى - عليه السلام - كانت أول دعوته لفرعون، الذي قال له: {أية : أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 18] يعني: إنْ كان يستحق أجراً على دعوته لفرعون، فسوف يستحي أن يطلب منه الأجر، وقد تربَّى في بيته، وفي رعايته. وكلمة {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ} [سبأ: 47] تحتمل معنيين: أنني أخذتُ أجراً وأعطيته لكم، أو أنا من الأصل لم أسألكم أجراً، ثم تختم الآية بقوله تعالى: {وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [سبأ: 47] يعني شاهد علينا جميعاً، ويعلم ما قاسيته في سبيل دعوتكم إلى الحق، ويعلم ما فعلتموه معي من عناد وتعنُّت، وهو سبحانه سيُغلى أجري على قدر معاناتي وما تحملتُه في سبيل هدايتكم، والأخذ بأيديكم إلى ساحته. وإذا كان الإنسان إنْ عمل عملاً لا بُدَّ أنْ يكون له حَظٌّ منه ومَغْنم ومنفعة، فرسول الله لم يسألكم حتى الأجر على العمل، فبأيِّ شيء تتهمونه بعد ذلك؟ بعد ذلك أراد الحق سبحانه أنْ يُوضِّح لنا أمراً يتعلق بالحق الذي جاء به رسول الله، فالكفار كانوا يعترضون على شخص رسول الله، بدليل قولهم: {أية : أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا ..} تفسير : [ص: 8]، وقالوا: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. فهم يعترفون بالقرآن ويعلمون أنه ذِكْر، وأنه لا غبارَ عليه، المشكلة أنه نزل على هذا الرجل بالذات، ولم ينزل على واحد منهم من عظماء القوم؛ لذلك أراد الحق سبحانه أنْ يقول إن إنزال مناهج الله للأرض لا بُدَّ أن تنزل على مصطفًى يصطفيه الله، لا مصطفًى يصطفيه الخَلْق، فلا معنى لقولهم: {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. لذلك يردُّ الحق سبحانه عليهم بالحجة: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ} تفسير : [الزخرف: 32]. وقال سبحانه: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام: 124]. ورحمة الله هي ما ينتفع به الناس، إما في الدنيا، وهذه رحمة تشمل المؤمن والكافر، وإما رحمة في الآخرة، وهذه للمؤمن دون الكافر، وهذه الرحمة الأخروية دائمة باقية في نعيم لا يفوتك ولا تفوته، فإذا كنتُ أقسم لكم أرزاقكم ومعيشتكم في الحياة الدنيا، فكيف أَكِلُ إليكم اختيار مَنْ يرحمكم في الآخرة؟ هل أقسم لكم الرحمة الموقوتة. وأترك لكم الرحمة الباقية؟ ثم ينحو القرآن معهم منحىً آخر بعد أنْ وعظهم وتودَّد إليهم، فيقول سبحانه: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):