Verse. 3654 (AR)

٣٤ - سَبَأ

34 - Saba (AR)

قُلْ اِنَّ رَبِّيْ يَقْذِفُ بِالْحَـقِّ۝۰ۚ عَلَّامُ الْغُيُوْبِ۝۴۸
Qul inna rabbee yaqthifu bialhaqqi AAallamu alghuyoobi

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل إن ربي يقذف بالحق» يلقيه إلى أنبيائه «علاًم الغيوب» ما غاب عن خلقه في السماوات والأرض.

48

Tafseer

الرازي

تفسير : وفيه وجهان أحدهما: يقذف بالحق في قلوب المحقين، وعلى هذا الوجه للآية بما قبلها تعلق، وذلك من حيث إن الله تعالى لما بين رسالة النبـي صلى الله عليه وسلم بقوله: {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ } وأكده بقوله: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ } وكان من عادة المشركين استبعاد تخصيص واحد من بينهم بإنزال الذكر عليه، كما قال تعالى عنهم: {أية : أأنزل عَلَيْهِ ٱلذّكْرُ مِن بَيْنِنَا بْل } تفسير : [صۤ: 8] ذكر ما يصلح جواباً لهم فقال: {قُلْ إِنَّ رَبّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقّ } أي في القلوب إشارة إلى أن الأمر بيده يفعل ما يريد ويعطي ما يشاء لمن يشاء. ثم قال تعالى: {عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } إشارة إلى جواب سؤال فاسد يذكر عليه وهو أن من يفعل شيئاً كما يريد من غير اختصاص محل الفعل بشيء لا يوجد في غيره لا يكون عالماً وإنما فعل ذلك اتفاقاً، كما إذا أصاب السهم موضعاً دون غيره مع تسوية المواضع في المحاذاة فقال: {يَقْذِفُ بِٱلْحَقّ } كيف يشاء وهو عالم بما يفعله وعالم بعواقب ما يفعله فهو يفعل ما يريد لا كما يفعله الهاجم الغافل عن العواقب إذ هو علام الغيوب الوجه الثاني: أن المراد منه هو أنه يقذف بالحق على الباطل كما قال في سورة الأنبياء: {أية : بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ فَيَدْمَغُهُ } تفسير : [الأنبياء: 18] وعلى هذا تعلق الآية بما قبلها أيضاً ظاهر وذلك من حيث إن براهين التوحيد لما ظهرت ودحضت شبههم قال: {قُلْ إِنَّ رَبّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقّ } أي على باطلكم، وقوله: {عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } على هذا الوجه له معنى لطيف وهو أن البرهان الباهر المعقول الظاهر لم يقم إلا على التوحيد والرسالة، وأما الحشر فعلى وقوعه لا برهان غير إخبار الله تعالى عنه، وعن أحواله وأهواله، ولولا بيان الله بالقول لما بان لأحد بخلاف التوحيد والرسالة، فلما قال: {يَقْذِفُ بِٱلْحَقّ } أي على الباطل، إشارة إلى ظهور البراهين على التوحيد والنبوة قال: {عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } أي ما يخبره عن الغيب وهو قيام الساعة وأحوالها فهو لا خلف فيه فإن الله علام الغيوب، والآية تحتمل تفسيراً آخر وهو أن يقال: {رَبّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقّ } أي ما يقذفه يقذفه بالحق لا بالباطل والباء على الوجهين الأولين متعلق بالمفعول به أي الحق مقذوف وعلى هذا الباء فيه كالباء في قوله: {أية : وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقّ } تفسير : [الزمر: 69] وفي قوله: {أية : فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقّ } تفسير : [صۤ: 26] والمعنى على هذا الوجه هو أن الله تعالى قذف ما قذف في قلب الرسل وهو علام الغيوب يعلم ما في قلوبهم وما في قلوبكم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ} أي يبيّن الحجة ويظهرها. قال قتادة: بالحق بالوحي. وعنه: الحق القرآن. وقال ابن عباس: أي يقذف الباطل بالحق علامُ الغيوبِ. وقرأ عيسى بن عمر «عَلاّمَ الغيوب» على أنه بدل، أي قل إن ربي علام الغيوب يقذف بالحق. قال الزجاج: والرفع من وجهين على الموضع، لأن الموضع موضع رفع، أو على البدل مما في يقذف. النحاس: وفي الرفع وجهان آخران: يكون خبراً بعد خبر، ويكون على إضمار مبتدأ. وزعم الفراء أن الرفع في مثل هذا أكثر في كلام العرب إذا أتى بعد خبر «إنّ» ومثله {أية : إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ } تفسير : [صۤ: 64] وقرىء: «الغُيوبُ» بالحركات الثلاث، فالغُيوب كالبيوت، والغَيوب كالصبور، وهو الأمر الذي غاب وخَفِيَ جدًّا.

البيضاوي

تفسير : {قُلْ إِنَّ رَبّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقّ} يلقيه وينزله على من يجتبيه من عباده، أو يرمي به الباطل فيدمغه أو يرمي به إلى أقطار الآفاق، فيكون وعداً بإظهار الإِسلام وإفشائه. وقرأ نافع وأبو عمرو بفتح الياء. {عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ} صفة محمولة على محل {إِن} واسمها، أو بدل من المستكن في {يَقْذِفُ} أو خبر ثان أو خبر محذوف. وقرىء بالنصب صفة لـ {رَبّي} أو مقدراً بأعني. وقرأ حمزة وأبو بكر «الغيوب» بالكسر كالبيوت وبالضم كالعشور، وقرىء بالفتح كالصبور على أنه مبالغة غائب. {قُلْ جَاءَ ٱلْحَقُّ} أي الإِسلام. {وَمَا يُبْدِىء ٱلْبَـٰطِلُ وَمَا يُعِيدُ } وزهق الباطل أي الشرك بحيث لم يبق له أثر مأخوذ من هلاك الحي، فإنه إذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة قال:شعر : أَقْفَر مِنْ أَهْلِهِ عبيد فَالْيَوْمَ لاَ يُبْدِي وَلاَ يُعِيد تفسير : وقيل الباطل إبليس أو الصنم، والمعنى لا ينشىء خلقاً ولا يعيده، أو لا يبدىء خيراً لأهله ولا يعيده. وقيل {مَا } استفهامية منتصبة بما بعدها. {قُلْ إِن ضَلَلْتُ} عن الحق. {فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى} فإن وبال ضلالي عليها لأنه بسببها إذ هي الجاهلة بالذات والأمارة بالسوء، وبهذا الاعتبار قابل الشرطية بقوله: {وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَىَّ رَبّي} فإن الاهتداء بهدايته وتوفيقه. {إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} يدرك قول كل ضال ومهتد وفعله وإن أخفاه. {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ} عند الموت أو البعث أو يوم بدر، وجواب {لَوْ} محذوف تقديره لرأيت أمراً فظيعاً. {فَلاَ فَوْتَ} فلا يفوتون الله بهرب أو تحصن. {وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } من ظهر الأرض إلى باطنها، أو من الموقف إلى النار أو من صحراء بدر إلى القليب، والعطف على {فَزِعُواْ} أو لا فوت ويؤيده أنه قرىء «وأخذ» عطفاً على محله أي: فلا فوت هناك وهناك أخذ. {وَقَالُواْ ءَامَنَّا بِهِ} بمحمد عليه الصلاة والسلام، وقد مر ذكره في قوله: {أية : مَا بِصَـٰحِبِكُمْ }تفسير : [سبأ: 46] {وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ} ومن أين لهم أن يتناولوا الإِيمان تناولاً سهلاً. {مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ } فإنه في حيز التكليف وقد بعد عنهم، وهو تمثيل لحالهم في الاستخلاص بالإِيمان بعدما فات عنهم أوانه وبعد عنهم، بحال من يريد أن يتناول الشيء من غلوة تناوله من ذراع في الاستحالة، وقرأ أبو عمرو والكوفيون غير حفص بالهمز على قلب الواو لضمتها. أو أنه من نأشت الشيء إذا طلبته قال رؤبة:شعر : أَقْحَمَنِي جَارُ أَبِي الجَامُوش إِلَيْكَ نَأْشَ القَدَرِ التّؤوشَ تفسير : أو من نأشت إذا تأخرت ومنه قوله:شعر : تَمَنَّى نَشِيْشاً أَن يَكُونَ أَطَاعَنِي وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأُمُورِ أُمُورُ تفسير : فيكون بمعنى التناول من بعد. {وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ} بمحمد عليه الصلاة والسلام أو بالعذاب. {مِن قَبْلُ } من قبل ذلك أوان التكليف. {وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ} ويرجمون بالظن ويتكلمون بما لم يظهر لهم الرسول عليه الصلاة والسلام من المطاعن، أو في العذاب من البث على نفيه. {مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ} من جانب بعيد من أمره، وهو الشبه التي تمحلوها في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، أو حال الآخرة كما حكاه من قبل. ولعله تمثيل لحالهم في ذلك بحال من يرمي شيئاً لا يراه من مكان بعيد لا مجال للظن في لحوقه، وقرىء «وَيَقْذِفُونَ» على أن الشيطان يلقي إليهم ويلقنهم ذلك، والعطف على {وَقَدْ كَفَرُواْ} على حكاية الحال الماضية أو على قالوا فيكون تمثيلاً لحالهم بحال القاذف في تحصيل ما ضيعوه من الإِيمان في الدنيا. {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} من نفع الإِيمان والنجاة به من النار، وقرأ ابن عمر والكسائي بإشمام الضم للحاء. {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَـٰعِهِم مّن قَبْلُ} بأشباههم من كفرة الأمم الدارجة. {إِنَّهُمْ كَانُواْ فِى شَكّ مُّرِيبِ} موقع في الريبة، أو ذي ريبة منقول من المشكك، أو الشك نعت به الشك للمبالغة. عن النبي صلى الله عليه وسلم «حديث : من قرأ سورة سبأ لم يبق رسول ولا نبي إلا كان له يوم القيامة رفيقاً ومصافحاً».

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ إِنَّ رَبّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ } يلقيه إلى أنبيائه {عَلَّٰمُ ٱلْغُيُوبِ } ما غاب عن خلقه في السموات والأرض.

ابن عبد السلام

تفسير : {يَقْذِفُ} يتكلم، أو يوحي، أو يلقي {بِالْحَقِّ} الوحي أو القرآن و {الْغُيُوبِ} الخفيّات.

القشيري

تفسير : يقذف بالحقِّ على باطل أهل الغفلة فتزول حِيَلُهم، ويظهر عَجْزُهم. ويقذف بالحقِّ على أحوال أهل الخِلاف فيضمحل اجتراؤهم، ويحيق بهم شؤمُ معاصيهم. ويقذف بالحقِّ - إذا حضر أصحاب المعاني - على ظُلُماتِ أصحاب الدعاوى فيخمد ثائرتَهم، ويفضحهم في الحال، ويْفضح عوارُهم.

اسماعيل حقي

تفسير : {قل ان ربى يقذف بالحق} القذف الرمى البعيد بنحو الحجارة والسهم ويستعار لمعنى الالقاء والباء للتعدية اى يلقى الوحى وينزله على من يجتبيه من عباده فالاجتباء ليس لعلة والاصطفاء ليس لحيلة او يرمى به الباطل فيدمغه ويزيله {علام الغيوب} بالرفع صفة محمولة على محل ان واسمها او بدل من المستكن فى يقذف او خبر ثان لان اى عالم بطريق المبالغة بكل ما غاب عن خلقه فى السموات والارض قولا كان او فعلا او غيرهما. قال بعض الكبار من ادمن ذكر يا علام الغيوب الى ان يغلب عليه منه حال فانه يتكلم بالمغيبات ويكشف ما فى الضمائر وتترقى روحه الى العالم العلوى ويتحدث بامور الكائنات والحوادث. وايضا هو نافع لقوة الحفظ وزوال النسيان. وفى التأويلات انما ذكر الغيوب بلفظ الجمع لانه عالم يغيب كل احد وهو ما فى ضمير كل احد وانه تعالى عالم بما يكون فى ضمير اولاد كل احد الى يوم القيامة وانما قال علام بلفظ المبالغة ليتناول علم معلومات الغيوب فى الحالات المختلفة كما هى بلا تغير فى العلم عند تغير المعلومات من حال الى حال بحيث لا يشغله شأن حال عن حال

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {قُلْ إِنَّ ربي يَقْذِفُ بالحق} أي: بالوحي، فيرمي به على الباطل، من الكفر وشبهه، فيدمغه، أو: يرمي به إلى أقطار الآفاق، فيكون وعداً بإظهار الإسلام، أو: يلقيه وينزله إلى أنبيائه. والقذف: رمي السهم ونحوه بدفع واعتمادٍ، ويستعار لمطلق الإلقاء، ومنه: {أية : وَقَذَفَ فِى قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ} تفسير : [الأحزاب: 26]. تمّ وصف الرب بقوله: {علاّمُ الغيوب} أي: هو علام الغيوب. {قل جاء الحقُّ} أي: الإسلام: أو: القرآن، {وما يُبْدِىءُ الباطلُ وما يُعيدُ} أي: زال الباطل وهلك، لأن الإبداء والإعادة من صفات الحي، فعدمهما عين الهلاك، والمعنى: جاء الحق وهلك الباطل، كقوله: {أية : جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ}تفسير : [الإسراء: 81] قال الكواشي: المعنى: ذهب الباطل لمجيء الحق، فلم يبقَ له بقية حتى يبدىء شيئاً أو يعيده. ثم قال: وهذا مثلٌ، يقال: فلان لا يبدىء ولا يعيد، إذا كان لا يلتفت إليه ولا يعتمد عليه. وقال الهروي: الباطل: إبليس، ما يبدىء ولا يعيد: لا يخلق ولا يبعث، والله تعالى هو المبدىء المعيد، ومعناهما: الخالق الباعث. وقال في الصحاح: وفلان ما يبدىء وما يعيد، أي: ما يتكلم ببادية ولا عائدة، ومثله في القاموس. والحاصل: أنه عبارة عن زهوق الباطل، حتى لا يبقى له ظهور. وعن ابن مسعود رضي الله عنه دخل النبيُّ صلى الله عليه وسلم مكةَ يوم الفتح، وحول الكعبة أصنام، فجعل يطعنُها بعودٍ، فتقطع لقفاها، ويقول: "حديث : {جَآءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} [الإسراء: 81] قل جاء الحق وما يُبدىءُ الباطلُ وما يُعيد ". تفسير : ولما قالوا له صلى الله عليه وسلم: قد ضللت بترك دين آبائك قال الله تعالى: {قل إِن ضللتُ} عن الحق {فإِنما أَضلُّ على نفسي} فإن وبال ضلالي عليها، {وإِن اهتديتُ فبما يُوحي إِليّ ربي} أي: فبتسديده بالوحي إِليّ. وكان قياس المقابلة أن يقال: وإن اهتديتُ فإنما أهتدي لها، كقوله: {أية : فَمِنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا}تفسير : [الزمر: 41]، ولكن هما متقابلان معنًى؛ لأنّ النفس كلّ ما يضرها فهو بسببها، وما لها مما ينفعها، فهو بهداية ربها وتوفيقه، وهذا حكم عمل لكل مكلّف. وإنما أمر رسولَه أن ينسبه إلى نفسه؛ تشريعاً لغيره؛ لأنه إذا كان هذا له مع جلالة قدره فما باله بغيره؟. {إِنه سميع} لما أقوله لكم، {قريبٌ} مني ومنكم، فيجازيني ويجازيكم على ما أخفيتم وما أعلنتم. الإشارة: الحق هو العلم بالله، والباطل الجهل بالله، أو: ما سوى الله، فإذا حصل للعبد العلم بالله غاب عنه كل ما سواه، وما بقي في الوجود إلا الله، وفي ذلك يقول الشاعر: > شعر : فلم يبقَ إلا الله لم يبق كائن فما ثم موصول ولا ثم بائن بذا جاء برهان العيان فما أرى بعيني إلا عينه إذ أعاين تفسير : وفي القوت في تفسير الآية: أي: لما جاء الحق أبطل الباطل وأعاده، فأظهر حقيقة الأمر بدءاً وعوداً، أي: كشف ما يبدىء الباطل للابتداء، وما يعيد على العبد من الأحكام، يعني: أن نور الحق يكشف حقيقةَ الباطل وضررَ عاقبته، وقُبحه في ذاته. والله أعلم. هـ. ومَن رُمي بباطل أو بدعة، وهو محقق بالحق، متمسك بالسنة النبوية، فليقل لمَن رماه: {إِن ضللتُ فإنما أضل على نفسي..} الآية. ثم ذكر حسرة من فاته الإيمان في إبانه فقال: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ...}

الجنابذي

تفسير : {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ} على الباطل فيدمغه، او يقذف بالحقّ الى انبيائه (ع) او يقذف بالحقّ الىّ على الاستمرار {عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} فيعلم الباطل ولو كان مكموناً فى قلوبكم ونفوسكم فيدمغه ويعلم محالّ الحقّ فيلقيه اليها، رضيتم ام لم ترضوا.

اطفيش

تفسير : {قل إن ربي يقذف بالحق} يدفع الباطل بالوحي او المراد مجرد انزال الوحي من السماء او المراد يرمي به الى الاوفاق وعلى هذا فهو وعد باظهار الدين. {علام الغيوب} هو علام الخفيات عن خلقه في السماوات والارضين من ماء ونبات وغيرهما او خبر ثاني لان او بدل من ضمير يقذف قيل او نعت على محل ان واسمها وقرىء بالنصب بامدح او اعني او على انه نعت لاسم ان وقرأ ابو بكر وحمزة بكسر الغين كما يقال بيوت بضم الباء وكسرها وقرىء بفتح الغين وعلى الفتح فهو مفرد للمبالغة كصبور.

اطفيش

تفسير : {قُل إنَّ ربِّي يقْذِفُ} يرمى رميا شديدا استعارة تبعية للايحاء المتقن، والايحاء القاء على قلب النبى، فالباء فى قوله: {بالحقِّ} صلة فى المفعول به، والمفعول به محذوف، أى يلقى القرآن أو الحكم بالحق لا بالباطل، أو يرمى الباطل بالحق فيزيله، فالباء غير صلة، أو يرمى الحق الى أطراف الأرض وينشره، فالباء صلة، وذلك وعد بنشر الاسلام {علام الغُيُوب} خبر ثان، لأن الأصل تقديم الخبر المفرد، ولذلك قيل هو خبر لمحذوف، أى هو علام الغيوب، وقيل بدل من ضمير يقذف بدل كل على جواز الابدال بالمشتق، فاذا طرحت المبدل منه كان علام فاعل يقذف من وضع الظاهر موضع المضمر، كقولك زيد قام زيد، مع أن صلوح المبدل منه للسوط أغلبى لا لازم.

الالوسي

تفسير : {قُلْ إِنَّ رَبّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقّ } قال السدي وقتادة: بالوحي، وفي رواية أخرى عن قتادة بالقرآن، والمآل واحد؛ وأصل القذف الرمي بدفع شديد وهو هنا مجاز عن الإلقاء، والباء زائدة أي إن ربـي يلقي الوحي وينزله على قلب من يجتبيه من عباده سبحانه، وقيل القذف مضمن معنى الرمي فالباء ليست زائدة، وجوز أن يراد بالحق مقابل الباطل والباء للملابسة والمقذوف محذوف، والمعنى إن ربـي يلقي ما يلقي إلى أنبيائه عليهم السلام من الوحي بالحق لا بالباطل. وعن ابن عباس إن المعنى يقذف الباطل بالحق أي يورده عليه حتى يبطله عز وجل ويزيله، والحق مقابل الباطل والباء مثلها في قولك قتلته بالضرب، وفي الكلام استعارة مصرحة تبعية والمستعار منه حسي والمستعار له عقلي، وجوز أن تكون الاستعارة مكنية، وقيل: المعنى يرمي بالحق إلى أقطار الآفاق على أن ذلك / مجاز عن إشاعته فيكون الكلام وعداً بإظهار الإسلام وإفشائه، وفيه من الاستعارة ما فيه. {عَلَّـٰمُ ٱلْغُيُوبِ } خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف أي هو سبحانه علام الغيوب أو صفة محمولة على محل {إن} مع اسمها كما جوزه الكثير من النحاة وإن منعه سيبويه أو بدل من ضمير {يَقْذِفُ } ولا يلزم خلو جملة الخبر من العائد لأن المبدل منه ليس في نية الطرح من كل الوجوه، وقال الكسائي: هو نعت لذلك الضمير ومذهبه جواز نعت المضمر الغائب. وقرأ عيسى وزيد بن علي وابن أبـي إسحاق وابن أبـي عبلة وأبو حيوة وحرب عن طلحة {علام} بالنصب فقال الزمخشري: صفة لربـي، وقال أبو الفضل الرازي: وابن عطية: بدل، وقال الحوفي: بدل أو صفة، وقيل نصب على المدح. وقرأ ابن ذكوان وأبو بكر وحمزة والكسائي {ٱلغيوب} بالكسر كالبيوت، والباقون بالضم كالعشور وهو فيهما جمع، وقرىء بالفتح كصبور على أنه مفرد للمبالغة.

ابن عاشور

تفسير : لا جرم إذ انتهى الاستدلال والمجادلة أن يُنتقل إلى النداء بين ظهرانيهم بظهور الحق فيستغنى عن مجادلتهم. وأعيد فعل {قل} للاهتمام بالمقول كما أشرنا إليه آنفاً. والتأكيد لتحقيق هذا الخبر. والتعبير عن اسم الله بلفظ الرب وإضافته إلى ضمير المتكلم للإِشارة أن الحق في جانبه وأنه تأييد من ربه فإن الرب ينصر مربوبه ويؤيده. فالمراد بالربوبية هنا ربوبية الولاء والاختصاص لا مطلق الربوبية لأنها تعمّ الناس كلهم. وتقديم المسند إليه على المسند الفعلي للدلالة على الاختصاص دون التقوِّي لأن تقوِّي الجملة حصل بحرف التأكيد. وهذا الاختصاص باعتبار ما في {يقذف بالحق} من معنى: الناصر لي دونَكم فماذا ينفعكم اعتزازكم بأموالكم وأولادكم وقوتكم. والقذف: إلقاء شيء من اليد، وأطلق على إظهار الحق قذف على سبيل الاستعارة، شبه إعلان الحق بإلقاء الحجر ونحوه. والمعنى: أن ربي يقذفكم بالحق. أو هو إشارة إلى قوله: { أية : بل نقذف بالحق على الباطل } تفسير : [الأنبياء: 18] وعلى كل فهو تعريض بالتهديد والتخويف من نصر الله المؤمنين على المشركين. وتخصيص وصف {علام الغيوب} من بين الأوصاف الإِلهية للإِشارة إلى أنه عالم بالنوايا، وأن القائِل يعلم ذلك فالذي يعلم هذا لا يجترىء على الله بادعائه باطلاً أنه أرسله إليكم، فالإِعلام بهذه الصفة هنا يشبه استعمال الخبر في لازم فائدتِه وهو العِلم بالحكم الخبري. ويجوز أن يكون معنى: {يقذف بالحق} يرسل الوحي، أي على من يشاء من عباده كقوله تعالى: { أية : يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده } تفسير : [غافر: 15] ويكون قوله {علام الغيوب} إشارة إلى أنه أعلم حيث يجعل رسالاته لأن المشركين كانوا يقولون: لولا أنزلت علينا الملائكة دون محمد. وارتفع {علام} على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هو علاّم الغيوب، أو على أنه نعت لاسم {إنّ} إما مقطوع، وإما لمراعاة محل اسم {إنّ} حيث إنها استوفت خبرها لأن حكم الصفة حكم عطف النسق عند أكثر النحاة وهو الحق. وقال الفراء: رفع الاسم في مثل هذا هو غالب كلام العرب. ومثَّله بالبدل في قوله تعالى: { أية : إن ذلك لحق تخاصم أهل النار } تفسير : [ص: 64]. وقرأ الجهور {الغيوب} بضم الغين. وقرأه أبو بكر وحمزة والكسائي بكسر الغين كما جاء الوجهان في بَاء «بيوت».

د. أسعد حومد

تفسير : {عَلاَّمُ} (48) - وَقُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إِنْ رَبِّي يَقْذِفُ البَاطِلَ بِالحَقِّ، وَيَرْمِيهِ بِهِ حَتَّى يُبْطِلَهُ، وَيُزِيلَ آثارَهُ، وَيُشِيعَ الحَقَّ فِي الآفَاقِ، واللهُ تَعَالى هُوَ عَلاَّمُ الغُيوبِ فَلاَ تَخْفَى عَليهِ خَافِيةٌ فِي الأَرْضِ وَلا في السَّمَاءِ. يَقْذِفُ بِالحَقِّ - يَرْمي بِهِ البَاطِلَ فَيَدْمَغُهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : لك أنْ تلحظ هنا حدة الأسلوب، خلافاً للآيات السابقة التي كانت تعظهم وتتودد إليهم، وكأن الحق سبحانه يقول لهم: لا تظنّوا أننا سنظل نتودد إليكم، أو أنكم الذين ستسيِّرون المراكب، فالدين سيُظهِره الله رغم عنادكم، والحق سيعلو رغم كفركم. فقال سبحانه: {قُلْ} أي: ردًّا عليهم {إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ} [سبأ: 48] فبعد أنْ أعطاكم الفرصة، وبعد أنْ طال تمردكم، فالآن ربي سيقذف بالحق، كما قال سبحانه في موضع آخر {أية : بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ ٱلْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} تفسير : [الأنبياء: 18]. والقذف: الرمي بشدة، وهي كلمة تُوحِي بالعنف والقوة، إنْ جاءت من البشر، فما بالك إنْ كان القذف من الله، والمقذوف من الله هو الحق، والحق كما قلنا هو الشيء الثابت الذي لا يتغير. والقذف لا بُدَّ أنْ له غرضاً وغاية، ومَنْ أراد أنْ يقذف شيئاً عليه أنْ يُحدِّد المسافة لقريب أم لبعيد، فإن كان لقريب فقلَّما يخطىء القاذفُ المقذوفَ، وإنْ كان القذف لهدف بعيد فاحتمال الخطأ أكثر، وهكذا كلما بَعُدَتْ المسافة؛ لأن معنى القذف تحديد موضع لتصل القذيفةُ إليه، وتصيب الغايةَ المقصودة منها. وعندما يكون الموضع قريباً، فالتغيرات التي ستطرأ عليه قليلة؛ لأن زمن وصول القذيفة إليه قصير، على خلاف الهدف إنْ كان بعيداً فهو عُرْضة لأنْ يتغير، فتختلف مثلاً زاويته بسبب الريح، أو الأعاصير أو خلافه؛ لذلك نحتاج في هذه الحالة إلى أجهزة وحسابات دقيقة تحسب بُعْد الهدف وقوة المقذوف، وقوة الريح أي: تتصادم معه وغير ذلك من حسابات السرعة والزمن، كالذي يرمي الطير مثلاً وهو في الهواء، لا بُدَّ أنْ يغير نقطة التنشين لتناسب حركةَ واتجاه الطائر. ولا أَقْدَر على هذه العملية من علاَّم الغيوب سبحانه، الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض؛ لذلك جاء الحق سبحانه بالصفة التي تناسب الدقة في هذه العملية، فقال: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلاَّمُ ٱلْغُيُوبِ} [سبأ: 48] فهو سبحانه أولاً يقذف بالحق، وقذيفته سبحانه لا تخطىء هدفاً؛ لأنه تعالى علاَّم الغيوب. والحق الذي يقذف الله به هو المنهج الذي أنزله من السماء يقذفه لغاية وهي الرسالة، كما قال سبحانه: {أية : ٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} تفسير : [الأنعام: 124]. إذن: القاذف هو الله، والمقذوف الحق، وهو الشيء الثابت الذي لا يتغير، والغاية المقصودة هي وصول الرسالة إلى مَن اختاره الله لها، وهذه العملية لا تخطىء؛ لأن القاذف عالم بكلِّ غيب يؤثر على مسار المقذوف، فالحق لا بُدَّ أنْ يصل إلى صاحبه المختار له والمصطفى لحمله، لا إلى سواه. لذلك هذه الآية تردُّ على هؤلاء الذين يقولون: إن الرسالة أو الوحي أخطأ، فنزل على محمد بدل أنْ ينزل على فلان، فهذا تخبُّط لا سند له. وكلمة {ٱلْغُيُوبِ} [سبأ: 48] هنا تدل على كثرة المؤثرات التي يمكن أن تعترض القذيفة، فتُحول بينها وبين هدفها، وهذه المؤثرات لا يعلمها إلا الله. فإنْ قلت: الفعل يقذف جاء في صيغة المضارع الدال على الحال والاستقبال، يعني: أن الحق سبحانه عمله أنه يقذف بالحق إلى الرسل، فهل قذفه إلى رسول الله؟ تأتي الإجابة في قوله تعالى في الآية بعدها: {قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ ..} [سبأ: 49] يعني: قذفه بالفعل في صورة القرآن الذي نزل على محمد الذي اختاره الله للرسالة ولحمل منهجه إلى خَلْقه لينظم به حركة حياتهم، وإذا كان الحق الواضح الثابت قد جاء وظهر، والذي قذفه علام الغيوب، فما موقف الباطل المقابل له؟ لا بُدَّ أنه يتراجع، ولا يستطيع الصمود أمام قوة الحق. {وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [سبأ: 49] فلا يبدىء في الأولى، ولا يعيد في الأخرى، يعنى: كما نقول: لا في العير ولا في النفير (لا يهش ولا ينش)، هذا إذا كان للباطل وجود أو ثبات، إنما الباطل ما هو إلا خيال بعيد في أذهان أصحابه لا وجودَ له. والحق - سبحانه وتعالى - يعطينا صورة حسِّية للحق والباطل، فيقول سبحانه: {أية : أَنَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ..} تفسير : [الرعد: 17] يعني: كل وادٍ يحوي من الماء على قدر اتساعه {أية : فَٱحْتَمَلَ ٱلسَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً} تفسير : [الرعد: 17]. والزَّبَد هو القشّ والفتات الذي يحمله الماء، وهو تافه لا نفعَ فيه، يأتي الهواء فيزيحه هنا وهناك، وتبقى صفحة الماء نقية لينتفع الناس به. ومعنى رابياً: طافياً على السطح، وفي هذا إشارة إلى أن الباطل لا نفعَ فيه، ولا بقاءَ له مهما علا، وأن وجوده كوجود هذا الغثاء، الذي لا قيمةَ له، ولا فائدة منه. ثم يقول الحق سبحانه: {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ} معناه يَأتي بالحقِّ.