٣٤ - سَبَأ
34 - Saba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
49
Tafseer
الرازي
تفسير : لما ذكر الله أنه يقذف بالحق وكان ذلك بصيغة الاستقبال، ذكر أن ذلك الحق قد جاء وفيه وجوه أحدها: أنه القرآن الثاني: أنه بيان التوحيد والحشر وكل ما ظهر على لسان النبـي صلى الله عليه وسلم الثالث: المعجزات الدالة على نبوة محمد عليه السلام، ويحتمل أن يكون المراد من {جَاء ٱلْحَقُّ } ظهر الحق لأن كل ما جاء فقد ظهر والباطل خلاف الحق، وقد بينا أن الحق هو الموجود، ولما كان ما جاء به النبـي صلى الله عليه وسلم لم يمكن انتفاؤه كالتوحيد والرسالة والحشر، كان حقاً لا ينتفي، ولما كان ما يأتون به من الإشراك والتكذيب لا يمكن وجوده كان باطلاً لا يثبت، وهذا المعنى يفهم من قوله: {وَمَا يُبْدِىء ٱلْبَـٰطِلُ } أي الباطل لا يفيد شيئاً في الأولى ولا في الآخرة فلا إمكان لوجوده أصلاً، والحق المأتي به لا عدم له أصلاً، وقيل المراد لا يبدىء الشيطان ولا يعيد، وفيه معنى لطيف وهو أن قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ رَبّى يَقْذِفُ بِٱلْحَقّ } لما كان فيه معنى قوله تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقّ عَلَى ٱلْبَـٰطِلِ فَيَدْمَغُهُ } كان يقع لمتوهم أن الباطل كان فورد عليه الحق فأبطله ودمغه، فقال ههنا ليس للباطل تحقق أولاً وآخراً، وإنما المراد من قوله: {فَيَدْمَغُهُ } أي فيظهر بطلانه الذي لم يزل كذلك وإليه الإشارة بقوله تعالى في موضع آخر: {أية : وَزَهَقَ ٱلْبَـٰطِلُ إِنَّ ٱلْبَـٰطِلَ كَانَ زَهُوقًا } تفسير : [الإسراء: 81] يعني ليس أمراً متجدداً زهوق الباطل، فقوله: {وَمَا يُبْدِىء ٱلْبَـٰطِلُ } أي لا يثبت في الأول شيئاً خلاف الحق {وما يُعِيدُ } أي لا يعيد في الآخرة شيئاً خلاف الحق.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ} قال سعيد عن قتادة: يريد القرآن. النحاس: والتقدير جاء صاحب الحق؛ أي الكتاب الذي فيه البراهين والحجج. {وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ} قال قتادة: الشيطان؛ أي ما يخلق الشيطان أحداً. {وَمَا يُعِيدُ} فـ«ـما» نَفْيٌ. ويجوز أن يكون استفهاماً بمعنى أيّ شيء؛ أي جاء الحق فأيّ شيء بقي للباطل حتى يعيده ويبدئه؛ أي فلم يبق منه شيء، كقوله: {أية : فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ } تفسير : [الحاقة: 8] أي لا ترى.
المحلي و السيوطي
تفسير : {قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ } الإِسلام {وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَٰطِلُ } الكفر {وَمَا يُعِيدُ } أي لم يبق له أثر.
ابن عبد السلام
تفسير : {جَآءَ الْحَقُّ} بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو القرآن، أو الجهاد بالسيف {الْبَاطِلُ} الشيطان، أو إبليس، أو دين الشرك {وَمَا يُبْدِئُ} لا يخلق ولا يبعث، أو لا يحيي ولا يميت، أو لا يثبت إذا بدا ولا يعود إذ زال.
القشيري
تفسير : الباطلُ على مَمَرِّ الأيام لا يزيد إلا زهوقاً، والحقُّ على مَمَرِّ الأيام لا يزداد إلا قوةً وظهوراً.
اسماعيل حقي
تفسير : {قل جاء الحق} اى الاسلام والتوحيد {وما يبدئ الباطل وما يعيد} ابدأ الشئ فعله ابتداء [والاعادة: بازكردانيدن] والمعنى زال الشرك وذهب بحيث لم يبق اثره اصلامأ خوذ من هلاك الحى فانه اذاهلك لم يبق له ابداء ولا اعادة فجعل مثلا فى الهلاك بالكلية ـ روى ـ ابن مسعود رضى الله عنه ان النبى عليه السلام دخل مكة وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بعود فى يده ويقول "حديث : جاء الحق وزهق الباطل قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد "
الجنابذي
تفسير : {قُلْ} مستبشراً بمجيء الحقّ وتهديداً لاهل الباطل {جَآءَ ٱلْحَقُّ} يعنى الولاية فانّها حقّ بحقيقة الله كما تكرّر فى ما سلف وكلّ حقٍّ حقّ بحقّيّته {وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} يعنى زهق الباطل بحيث لا يتمشّى منه ابداء ولا اعادة، ويجوز ان يكون لفظة ما استفهاميّة يعنى اىّ شيءٍ يبدئ الباطل فيكون نفياً للابداء مثل الاوّل مع التّأكيد، وقيل: انّ المراد بالباطل ابليس فيكون ردّاً على الثّنويّة المعتقدة لابليس وابدائه واعادته، وقيل: المعنى لا يبدئ الباطل لاهله خيراً فى الدّنيا ولا يعيد خيراً فى الآخرة، او المعنى ما يتكلّم الباطل بكلامٍ مبتدء ولا باعادة كلام الغير كالجبال، روى عن الرّضا (ع) انّه دخل رسول الله (ص) مكّة وحول البيت ثلاثمائةٍ وستّون صنماً فجعل يطعنها بعودٍ فى يده ويقول: {أية : جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} تفسير : [الإسراء:81]، جاء الحقّ وما يبدئ الباطل وما يعيد.
اطفيش
تفسير : {قل جاء الحق} الاسلام وقيل القرآن وقيل السيف. {وما يبدىء} ما يجعل الشيء مبتدأ. {الباطل} الكفر. {ما يعيد} بعد ذهابه وذلك يكون به عن ذهاب الشيء وهلاكه فانه اذا هلك لم يبق له ابدا له ولا اعادة والمراد ان الباطل زاهق لم يبق له اثر ولا يصنع شيئا وقيل الباطل وهو ابليس او الصنم والمعنى لا ينشىء خلقا من عدم ولا يبعثه بعد موت او لا يبديء خيرا لأهله ولا يعيده وقيل لابليس باطل لانه صاحب الباطل او لانه هالك كما يقال شاط يشيط بمعنى هلك فهو شايط وشيطن، وقال الزجاج ان ما استفهامية مفعول لما بعدها وان المعنى اي شيء يسيء ابليس ويعيده.
اطفيش
تفسير : {قُل جَاء الحقُّ} دين الاسلام أو القرآن، لا السيف كما قيل: انه السيف من حيث انه سبب لنشر الدين، وتمكنه لعدم تبادره، والأصل الحقيقة المتبادرة لا غير المتبادرة، ولا المجاز، ولا يعدل اليهما بلا قرينة واضحة {ومَا} نافية {يُبْدىء} لا يفعل شيئا ابتداء {الباطل} الشرك والمعاصى {وما يُعيد} شيئا قد سبق وذهب، وأصل العبارة التفسير بما ذكر، ثم شاع استعمالها فى ذهاب الشىء البتة، بحيث لا يبقى له أثر كما يقال لا يأكل ولا يشرب، أى ميت، أو لا يرد جوابا، أى ميت، وذلك مجاز مرسل لعلاقة اللزوم، أو كناية، وقيل: الباطل ابليس ولا كناية ولا مجاز، سمى باطلا، لأنه منشأ الباطل، وقيل الصنم أى لا ينشىء ابليس أو الصنم خلقا، ولا يعيده، أو لا يبدىء الصنم كلاما ولا يرد جوابا، ويجوز أن تكون استفهامية انكارية، فهى فى معنى النفى، أى أى شىء يبدىء وأى شىء يعيد.
الالوسي
تفسير : {قُلْ جَاء ٱلْحَقُّ } أي الإسلام والتوحيد أو القرآن، وقيل السيف لأن ظهور الحق به وهو كما ترى {وَمَا يُبْدِىء ٱلْبَـٰطِلُ } أي الكفر والشرك {وَمَا يُعِيدُ } أي ذهب واضمحل بحيث لم يبق له أثر مأخوذ من هلاك الحي فإنه إذا هلك لم يبق له إبداء أي فعل أمر ابتداء ولا إعادة أي فعله ثانياً كما يقال لا يأكل ولا يشرب أي ميت فالكلام كناية عما ذكر أو مجاز متفرع على الكناية، وأنشدوا لعبيد بن الأبرص:شعر : أقفر من أهله عبيد فاليوم لا يبدي ولا يعيد تفسير : وقال جماعة: الباطل إبليس وإطلاقه عليه لأنه مبدؤه ومنشؤه، ولا كناية في الكلام عليه، والمعنى لا ينشىء خلقاً ولا يعيد أو لا يبدىء خيراً لأهله ولا يعيد أي لا ينفعهم في الدنيا والآخرة، وقيل هو الصنم والمعنى ما سمعت، وعن أبـي سليمان أن المعنى إن الصنم لا يبتدىء من عنده كلاماً فيجاب ولا يرد ما جاء من الحق بحجة. و {مَا } على جميع ذلك نافية، وقيل: هي على ما عدا القول الأول للاستفهام الإنكاري منتصبة بما بعدها أي أي شيء يبدىء الباطل وأي شيء يعيد ومآله النفي، والكلام جوز أن يكون تكميلاً لما تقدم وأن يكون من باب العكس والطرد وأن يكون تذييلاً مقرراً لذلك فتأمل.
ابن عاشور
تفسير : أعيد فعل {قل} للاهتمام بالمقول كما تقدم آنفاً. وجملة {قل جاء الحق} تأكيد لجملة { أية : قل إن ربي يقذف بالحق } تفسير : [سبأ: 48] فإن الحق قد جاء بنزول القرآن ودعوة الإِسلام. وعُطف {وما يبدىء الباطل وما يعيد} على {جاء الحق} لأنه إذا جاء الحق انقشع الباطل من الموضع الذي حلّ فيه الحق. و{يبدىء} مضارع أبدأَ بهمزة في أوله وهمزة في آخره والهمزة التي في أوله للزيادة مثل همزة: أجاء، وأسرى. وإسناد الإِبداء والإِعادة إلى الباطل مجاز عقلي أو استعارة. ومعنى {ما يبدىء الباطل وما يعيد} الكناية عن اضمحلاله وزواله وهو ما عبر عنه بالزهوق في قوله تعالى: { أية : إن الباطل كان زهوقاً } تفسير : في سورة الإِسراء (81). وذلك أن الموجود الذي تكون له آثارٌ إمّا أن تكون آثاره مستأنفة أو معادة فإذا لم يكن له إِبداء ولا إعادة فهو معدوم وأصله مأخوذ من تصرف الحي فيكون ما يبدىء وما يعيد} كناية عن الهلاك كما قال عَبيد بن الأبرص: شعر : أفقر من أهله عَبيد فاليوم لا يُبدي ولا يعيد تفسير : (يعني نفسه). ويقولون أيضاً: فلان ما يبدىء وما يعيد، أي ما يتكلم ببادئة ولا عائدة، أي لا يرتجل كلاماً ولا يجيب عن كلام غيره. وأكثر ما يستعمل فعل (أبدأ) المهموز أوله مع فعل (أعاد) مزدوجين في إثبات أو نفي، وقد تقدم قوله تعالى: { أية : أولم يروا كيف يبدىء الله الخلق ثم يعيده } تفسير : في سورة العنكبوت (19).
الشنقيطي
تفسير : قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} تفسير : [الإسراء: 81].
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلْبَاطِلُ} (49) - وَقُلْ: جَاءَ الحَقُّ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَالشَّرْعُ العَظِيمُ (أَي الإِسْلاَمُ)، وَرُفِعَتْ رَايَتُهُ، وَعَلاَ ذِكْرُهُ وَذَهَبَ البَاطِلُ واضْمَحَلَّ، فَلَمْ تَبْقَ مِنْهُ بَقيَّةٌ تَفْعَلُ أَمراً ابْتِدَاءً (يُبدِىءُ) وَلا تَفْعَلُ فِعْلَهُ ثَانِيةً (يُعِيدُ).
الثعلبي
تفسير : {قُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ} القرآن والإسلام، وقال الباقر: يعني السيف. {وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} يعني ذهب الباطل وزهق فلم تبقَ له بقية يبدي بها ولا يعيد، وهذا كقوله: {بَلْ نَقْذِفُ بِٱلْحَقِّ عَلَى ٱلْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}. وقال الحسن: و {مَا يُبْدِىءُ} الباطل، وهو كل معبود من دون الله لأهله خيراً في الدنيا و {مَا يُعِيدُ} في الآخرة. وقال قتادة: الباطل إبليس، أي ما يخلق إبليس أحداً ولا يبعثه، وأخبرني الحسين بن محمد بن الحسين عن عبد الله بن إبراهيم بن علي عن محمد بن عمران بن هارون عن سفيان بن وكيع عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة وحول البيت ثلاثمائة وستون صنماً فجعل يطعنها بعود معه ويقول: {وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} {جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ}. {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي} وآخذ بجنايتي {وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ}. {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ} يعني من عذاب الدنيا، فلا نجاة {وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} يعني عذاب الدُّنيا، وقال الضحاك وزيد بن أسلم: هو يوم بدر. الكلبي: من تحت أقدامهم. وأخبرنا محمد بن نعيم عن محمد بن يعقوب عن الحسن بن علي بن عفان عن الحسن بن عطية عن يعقوب الأصفهاني عن ابن أبزي: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْت} قال: خسف بالبيداء. أخبرني عقيل بن محمد أنّ المعافى بن زكريا البغدادي أخبرهم قال: أخبرنا محمد بن جرير قال: حدّثني عصام بن رواد بن الجراح قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا سُفيان بن سعيد قال: حدّثنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن خراش قال: سمعت حذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر فتنة تكون بين أهل الشرق والمغرب:"حديث : فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم السفياني من الوادي اليابس في فورة ذلك حتى ينزل دمشق، فيبعث جيشين: جيشاً إلى المشرق، وجيشاً إلى المدينة حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة، فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف، ويبقرون بها أكثر من مئة امرأة، ويقتلون بها ثلاثمائة كبش من بني العباس، ثم ينحدرون إلى الكوفة فيخربون ما حولها، ثم يخرجون متوجهين إلى الشام، فتخرج راية هدىً من الكوفة، فتلحق ذلك الجيش منها على ليلتين فيقتلونهم ولا يفلت منهم مخبر ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم، ويحل جيشه الثاني بالمدينة فينتهبونها ثلاثة أيام ولياليها. ثم يخرجون متوجهين إلى مكة حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله سبحانه جبرائيل(عليه السلام) فيقول: يا جبرائيل اذهب فأبدهم. فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم، فذلك قوله عز وجل في سورة سبأ: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} فلا ينفلت منهم إلاّ رجلان: أحدهما بشير والآخر نذير وهما من جهينة ". تفسير : فلذلك جاء القول: "وعند جهينة الخبر اليقين". وقال قتادة: ذلك حين يخرجون من قبورهم، وقال ابن معقل: إذا عاينوا عذاب الله يوم القيامة وأُخذوا من مكان قريب؛ لأنهم حيث كانوا فهم من الله قريب لا يبعدون عنه ولا يفوتونه. {وَقَالُوۤاْ } حين عاينوا العذاب في الدنيا والآخرة وقت البأس {آمَنَّا بِهِ وَأَنَّىٰ}: من أين {لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ} تناول التوبة ونيل ما يتمنون؟ قال ابن عباس: يسألون الراد وليس يحين الرد، وقرأ أبو عمرو والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: (التناؤش): بالهمز والمد، وهو الإبطاء والبعد. يُقال: تناشيت الشيء أي أخذته من بعيد، والنيش الشيء البطيء. قال الشاعر: شعر : تمنى نئيشاً أن يكون أطاعني وقد حدثت بعد الأُمور أُمور تفسير : وقال آخر: شعر : وجئت نئيشاً بعدها فاتك الخبر تفسير : وقرأ الباقون: بغير همز، من التناول. يُقال: نشته نوشاً إذا تناولته. قال الراجز: شعر : فهي تنوش الحوض نوشاً من علا نوشاً به تقطع أجواز الفلا تفسير : وتناوش القوم في الحرب إذا تناول بعضهم بعضاً وتدانوا، واختار أبو عبيد: ترك الهمز؛ لأنّ معناه: التناول، وإذا همز كان معناه البعد. فكيف يقول: أنى لهم البعد {مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ}: من الآخرة؟ فكيف يتناولون التوبة، وإنما يقبل التوبة في الدُّنيا وقد ذهبت الدُّنيا فصارت بعيدة من الآخرة؟ {وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ مِن قَـبْلُ}، أي من قبل نزول العذاب {وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيد}، يعني يرمون محمداً صلى الله عليه وسلم بالظنون لا باليقين، وهو قولهم: إنه ساحر، بل شاعر، بل كاهن، هذا قول مجاهد، وقال قتادة: يعني يرجمون بالظن، يقولون: لا بعث ولا جنّة ولا نار. {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ}، يعني التوبة والإيمان والرجوع إلى الدُّنيا {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم} أي أهل دينهم وموافقهم من الأُمم الماضية حين لم يقبل منهم الإيمان والتوبة في وقت البأس {إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ}.
الجيلاني
تفسير : {قُلْ} يا أكمل الرسل بعدما بينت لهم طريق الحق كلاماً ناشئاً عن محض الحكمة، خالياً عن وصمة الكذب مطلقاً: {جَآءَ ٱلْحَقُّ} الحقيق بالاتباع، وظهر الإسلام الجدير بالإطاعة والاستسلام، فلكم أن تغتنموا الفرصة وتنقادوا له مخلصين {وَ} نبههم ويا أكمل الرسل أيضاً أنه بعدما ظهر نور الإسلام، وعلا قدره، وارتفع شأنه {مَا يُبْدِىءُ} ويحدث {ٱلْبَاطِلُ} الذي زق واضمحل ظلمته بنور الإسلام، وغار مناره في مهاوي الجهل وأغوار الخذلان {وَ} صار إلى حيث {مَا يُعِيدُ} [سبأ: 49] أصلاً في حين من الأحيان. سبحان من أظهر أنوار الإسلام ورفع أعلامه، وقمع الكفر وأخفض أصنامه. ثم لما طعن المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعيَّروه بأن تركت دين آبائك واخترعت ديناً من تلقاء نفسك، فقد ضللت باختيارك هذا، بتركك ذاك عن منهج الرشاد، ورد الله سبحانه عليهم قولهم هذا وتعييرهم، آمراً لنبيه على وجه الامتنان: {قُلْ} لهم يا أكمل الرسل بعدما عيروك وطعنوا في شأنك ودينك: {إِن ضَلَلْتُ} وانحرفت عن سبيل السلامة وجادة الاستقامة {فَإِنَّمَآ أَضِلُّ} وأنحرف {عَلَىٰ نَفْسِي} وبمقتضى أهويتها ومشتهياتها، وشؤم لذاتها وشهواتها {وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ} إلى التوحيد والعرفان، ونلت إلى أسباب درجات الجنان {فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} أي: بسبب وحيه وإلهامه إليّ، وامتنانه عليّ بالهداية إلى أنواع الكرامات وأصناف اللذات الروحانية {إِنَّهُ} سبحانه {سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [سبأ: 50] يسمع مناجاتي، ويقضي جميع حاجاتي على وجهها إن تعلق إرادته ومشيئته بها بعدما جرى وثبت في حضرة علمه، ومضى عليها قضاؤه في لوحه بحيث لا يفوته شيء. {وَ} من كمال قرب الله سبحانه لعباده {لَوْ تَرَىٰ} أيها الرائي وقت {إِذْ فَزِعُواْ} أي: الكفرة والمشركون وقت حلول الأجل ونزول العذاب عليهم في يوم الساعة، لرأيت أمراً فظيعاً {فَلاَ فَوْتَ} أي: حين لا فوت لهم عن الله، لا منهم ولا من أعمالهم و أحوالهم شيء {وَ} إن تحصنوا بالحصون الحصينة والقلاع المنيعة والبروج المشيدة، بل {أُخِذُواْ} حيثما كانوا {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} [سبأ: 51] من الله، ولو كانوا في قعر الأرض، أو قلل الجبال، أو في قلب الصخرة، أو فوق السماء، أو في أي مكان من الأماكن المخفية، وبالجملة: أُخذوا من مكان قريب بالنسبة إليه سبحانه؛ إذ هو سبحانه منزه عن الأمكنة، شهيد حاضر في جميعها، غير مغيب عنها. {وَ} بعدما اضطروا إلى الهلاك أو العذاب في يوم الجزاء {قَالُوۤاْ} بعدما انقرض وقت الإيمان ومضى أوانه: {آمَنَّا بِهِ} أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم {وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ} أي: من أين يتأتى ويحصل لهم تناول الإيمان وتلافيه {مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} [سبا: 52] بمراحل عن الإيمان؛ إذ قد انقرض مدة التكليف والاختيار. وحين كانوا قريبين، قادرين على تناوله وتعاطيه، لم يختاروه ولم يتصفوا بهن بل {وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ} صلى الله عليه وسلم وأنكروا عليه على كتابه ودينه {مِن قَـبْلُ} في النشأة الأولى، أو في زان الصحة؛ أي: قبل ما عاينوا بالعذاب والهلاك {وَ} هم قد كانوا في زمان الإيمان به صلى الله عليه وسلم وبكتابه {يَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ} أي: يرمونه ويرجمونه رجماً بالغيب، ويقولون في حقه على سبيل التخمين والحسبان عدواناً وظلماً: إنه كاهن، شاعر، مجنون، وكتابه أساطير الأولين، بلا كلام المجانين، مع أن أمثال هذه الخرافات بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم وعلى كتابه {مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} [سبأ: 53] بمراحل عن شأنه العلي العظيم، وكتابه الجلي الكريم، وإيمانهم في حالة اضطرارهم أبعد عن محل القبول بمراحل أيضاً. {وَ} بعدما آيسوا عن قبول الإيمن وقت الاضطرار {حِيلَ} وحجب {بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} من الإيمان والنجاة المترتبة عليه، ففعل بهم حينئذ {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم} وأشباههم {مِّن قَبْلُ} من الكفرة المضاين الهالكين، الملتجئين إلى الإيمان وقت اضطرارهم وهجوم العذاب عليهم، كفرعون وقارون وغيرهما {إِنَّهُمْ} قد {كَانُواْ} أمثال هؤلاء الغواة المنهمكين {فِي شَكٍّ} أي: غفلة وتردد {مُّرِيبٍ} [سبأ: 54] موقع أصحابه في ريب عظيم، وكفر شديد، وإنكار غليظ. أعاذنا الله وجميع عباده عن أمثاله بمنِّه وجوده. خاتمة السورة عليك أيها السالك، المتدرج في درجات اليقين من العلم إلى العين إلى الحق - وفقك الله إلى أعلى مطالبك، وأعانك في إنجائه - أن تتمكن في مقعد الصدق الذي هو مرتبة الرضا، معرضاً عن الشك والتردد في مقتضيات القضاء، ومبرمات الأحكام المثبتة في حضرة العلم الإلهي، وأن تتوجه نحوه سبحانه في جميع حالاتك بذيل كرم نبيه المؤيد من عنده الذي أرشدك إلى توحيده، مسترشداً من آيات كتاب الله المنزنل على رسوله، المبين لسلوك طريق التوحيد واليقين، وأحاديث النبي الموضح لمغلقات الكتاب، المشير إلى رموزه وإشاراته. فلك في كل الأحوال التبتل إلى الله، والتوكل نحوه، والتفويض إليه، فاتخذه سبحانه وكيلك في جميع حوائجك، وحسيبك في جميع مهماتك، يكفيك معيناً، وكيف عنك شرور أعدائك مطلقاً. وإياك إياك أن تختلط مع أصحاب الغفلة وأرباب الثروة، المفتخرين بما عندهم من المال الجاه، والنسب العلي والحسب الذي يباهي صاحبه ويتفوق على أقرانه ويطلب الرئاسة والسيادة بسببه. وإن أردت أن تجلس مع بني نوعك وتصاحب معهم، فاختر منهم من انقطع عن الدنيا وأمنايها، وتزهد عنها وما فيها، سوى سد جوعة وستر عورة وكنِّ يحفظه عن البرد والحر، وصاحب معه مصاحبة الحائر التائه في بيداء، لا يدري أين طرفاها، متفكرين متدبرين للخروج منها، والنجاة عن أهوالها وأغوالها. فلك أن تتذكر في عموم أوقاتك قوله صلى الله عليه وسلم، واجعله نصب عينيك في جميع حالاتك وهو: "حديث : كن في الدنيا كأنك غريب أو كعابر سبيل، وعد نفسك من أصحاب القبور ". تفسير : جعلنا الله ممن امتثل به، وتذكر وعمل بمقتضاه، ووجد في نفسه حلاوة معناه بفضله ولطفه.
النسائي
تفسير : قوله تعالى: {جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} [49] 448 - أخبرنا محمدُ بنُ المُثنَّي، عن سُفيان، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، عن أبي معمرٍ، عن عبد الله بن مسعودٍ، قال: حديث : دَخَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم المسجد وحول الكعبةِ سِتُّونَ وثلاثُمائةِ نُصُبٍ، فجعل يطعنُها بعودٍ في يدهِ، و[جعل] يقولُ: {جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} [الإسراء: 81] وَ {جَآءَ ٱلْحَقُّ وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} .
همام الصنعاني
تفسير : 2428- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله: {وَمَا يُبْدِىءُ ٱلْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ}: [الآية: 49]، قال: {ٱلْبَاطِلُ} الشيطان قال: لا يبدئ ولا يعيد إذا هَلَكَ.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):