Verse. 3656 (AR)

٣٤ - سَبَأ

34 - Saba (AR)

قُلْ اِنْ ضَلَلْتُ فَاِنَّمَاۗ اَضِلُّ عَلٰي نَفْسِيْ۝۰ۚ وَاِنِ اہْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوْحِيْۗ اِلَيَّ رَبِّيْ۝۰ۭ اِنَّہٗ سَمِيْعٌ قَرِيْبٌ۝۵۰
Qul in dalaltu fainnama adillu AAala nafsee waini ihtadaytu fabima yoohee ilayya rabbee innahu sameeAAun qareebun

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«قل إن ضللت» عن الحق «فإنما أضل على نفسي» أي إثم ضلالي عليها «وإن اهتديت فيما يوحي إليَّ ربي» من القرآن والحكمة «إنه سميع» للدعاء «قريب».

50

Tafseer

الرازي

تفسير : هذا فيه تقرير الرسالة أيضاً وذلك لأن الله تعالى قال على سبيل العموم: { أية : مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ } تفسير : [الزمر: 41] وقال في حق النبـي صلى الله عليه وسلم: {وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِى إِلَىَّ رَبّى } يعني ضلالي على نفسي كضلالكم، وأما اهتدائي فليس بالنظر والاستدلال كاهتدائكم، وإنما هو بالوحي المبين، وقوله: {إِنَّهُ سَمِيعٌ } أي يسمع إذا ناديته واستعديت به عليكم قريب يأتيكم من غير تأخير، ليس يسمع عن بعد ولا يلحق الداعي.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي} وذلك أن الكفار قالوا تركتَ دين آبائك فضللت. فقال له: قل يا محمد إن ضللت كما تزعمون فإنما أضل على نفسي. وقراءة العامة «ضَللت» بفتح اللام. وقرأ يحيـى بن وَثّاب وغيره: «قُلْ إِنْ ضَلِلت» بكسر اللام وفتح الضاد من «أضَلُّ»، والضلال والضلالة ضدّ الرشاد. وقد ضلَلت (بفتح اللام) أضل (بكسر الضاد)، قال الله تعالى: {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي} فهذه لغة نجد وهي الفصيحة. وأهل العالية يقولون «ضَلِلت» بالكسر «أضِل»، أي إثم ضلالتي على نفسي. {وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} من الحكمة والبيان {إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} أي سميع ممن دعاه قريب الإجابة. وقيل وجه النظم: قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ ويبيّن الحجة، وضلالُ من ضل لا يبطل الحجة، ولو ضللت لأضررت بنفسي، لا أنه يبطل حجة الله، وإذا اهتديت فذلك فضل الله إذ ثبتني على الحجة إنه سمِيع قرِيب.

المحلي و السيوطي

تفسير : {قُلْ إِن ضَلَلْتُ } عن الحق {فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى } أي إثم ضلالي عليها {وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِى إِلَىَّ رَبِّى } من القرآن والحكمة {إِنَّهُ سَمِيعٌ } للدعاء {قَرِيبٌ }.

الخازن

تفسير : {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي} وذلك أن كفار مكة كانوا يقولون له إنك قد ضللت حين تركت دين آبائك فقال الله تعالى قل إن ضللت فيما تزعمون أنتم فإنما أضل على نفسي أي إثم ضلالتى على نفسي {وإن اهتديت فبما يوحي إليَّ ربي} أي في القرآن والحكمة {إنه سميع قريب} قوله عز وجل {ولو ترى} أي يا محمد {إذ فزعوا} أي عند البعث أي حين يخرجون من قبورهم وقيل عند الموت {فلا فوت} أي لا يفوتوننا ولا نجاة لهم {وأخذوا من مكان قريب} قيل من تحت أقدامهم، وقيل أخذوا من بطن الأرض إلى ظهرها حيثما كانوا فإنهم من الله قريب لا يفوتونه، ولا يعجزونه وقيل: من مكان قريب يعني عذاب الدنيا وهو القتل يوم بدر وقيل: هو خسف بالبيداء ومعنى الآية ولو ترى إذ فزعوا لرأيت أمراً تعتبر به {وقالوا آمنا به} أي حين عاينوا العذاب قيل هو عند اليأس وقيل هو عند البعث {وأنى لهم التناوش} أي التناول والمعنى كيف لهم تناول ما بعد عنهم وهو الإيمان والتوبة وقد كان قريباً منهم في الدنيا فضيعوه وقال ابن عباس يسألون الرد إلى الدنيا فيقال وأنى لهم الرد إلى الدنيا {من مكان بعيد} أي من الآخرة إلى الدنيا {وقد كفروا به من قبل} أي القرآن وقيل بمحمد صلى الله عليه وسلم من قبل أن يعاينوا العذاب وأهوال القيامة {ويقذفون بالغيب من مكان بعيد} قيل هو الظن لأن علمه غاب عنهم والمكان البعيد بعدهم عن علم ما يقولون، والمعنى يرمون محمداً صلى الله عليه وسلم بما لا يعلمون من حيث لا يعلمون وهو قولهم إنه شاعر ساحر كاهن لا علم له بذلك وقيل يرجمون بالظن يقولون لا بعث ولا جنة ولا نار {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} أي الإيمان والتوبة والرجوع إلى الدنيا ونعيمها وزهرتها {كما فعل بأشياعهم} أي بنظرائهم ومن كان على مثل حالهم من الكفار {من قبل} أي لم تقبل منهم التوبة في وقت اليأس {إنهم كانوا في شك} أي من البعث ونزول العذاب بهم {مريب} أي موقع الريبة والتهمة، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.

البقاعي

تفسير : ولما لم يبق بعد هذ إلا أن يقولوا عناداً: أنت ضال، ليس بك جنون ولا كذب، ولكنك قد عرض لك ما أضلك عن المحجة، قال: {قل} أي لهؤلاء المعاندين على سبيل الاستعطاف بما في قولك من الانصاف وتعليم الأدب: {إن ضللت} أي عن الطريق على سبيل الفرض {فإنما أضل} ولما كان الله تعالى قد جعل العقل عقلاً يمنع من الخطأ وينهى عن الهوى، وكان الغلط لا يأتي إلا من شواغل النفس بشهواتها وحظوظها، فكان التقدير: بما في نفسي من الشواغل العاقلة للعقل، قال مشيراً إلى ذلك: {على نفسي} أي لأن الضلال إذا استعلى على شيء ظهر أمره فيتبين عواره فيلزم عاره، ويصير صاحبه بحيث لا يدري شيئاً ينفع ولا يعيد، ولذلك يصير يفزع إلى السفه والمشاتمة كما وقع في مذاهبكم كلها، لأن الله تعالى جعل العقول الصحيحة معياراً على ذلك، فمهما ذكرت طرق الحق وحُررت ظهر أمر الباطل وافتضح. ولما كانت النفس منقادة بل مترامية نحو الباطل، عبر في الضلال بالمجرد، وفي الهدى بالافتعال إشارة إلى أنه لا بد فيه من هاد وعلاج، وعبر بأداة الشك استعمالاً للأنصاف فقال: {وإن اهتديت فبما} أي فاهتدائي إنما هو بما {يُوحي إليَّ ربي} أي المحسن إليّ لا بغيره، فلا يمكن فيه ضلال لأنه لا حظ فيه للنفس أصلاً، فلا يقدر أحد على شيء من طعن في شيء منه، وهداي لنفسي، فالآية ظاهرها التنزل منه وباطنها إرشادهم إلى تسديدهم النظر وتقويمه وتهذيب الفكر وتثقيفه، وهي من الاحتباك: حذف أولاً كون الضلال من نفسه بما دل عليه ثانياً من أن الهدى من الوحي, وثانياً كون الهدى له بما دل عليه من كون الضلال عليه, ثم علل الضلال والهدى بقوله: {إنَّه} أي ربي {سميع قريب *} أي لا يغيب عنه شيء من حال من يكذب عليه، فهو جدير بأنه يفضحه كما فضحكم في جميع ما تدعونه ولا يبعد عليه شيء ليحتاج في إدراكه إلى تأخير لقطع مسافة أو نحوها، بل هو مدرك لكل ما أراد كلما أراد، والآية إرشاد من الله تعالى إلى أنه وإن كان خلق للآدمي عقلاً لا يضل ولا يزيغ، لكنه حفه بقواطع من الشهوات والحظوظ والكسل والفتور فلا يكاد يسلم منها إلا من عصمه الله، فلما كان كذلك أنزل سبحانه كتباً هي العقل الخالص، وأرسل رسلاً جردهم من تلك القواطع، فجعل أخلاقهم شرائعهم، فعلى كل أحد أن يتبع رسله المتخلفين بكتبه متهماً عقله منابذاً رأيه كما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ليكون مؤمناً بالغيب حق الإيمان فيدخل في قوله تعالى في سورة فاطر {أية : إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب} تفسير : [فاطر: 18] ولا يكون متناوشاً بعد كشف الغطاء من مكان بعيد. ولما أبطل شبههم وختم من صفاته بما يقتضي البطش بمن خالفه، قال عاطفاً على {ولو ترى إذ الظالمون}: {ولو ترى} أي تكون منك رؤية {إذ فزعوا} أي يفزعون بأخذنا في الدنيا والآخرة، ولكنه عبر بالماضي وكذا في الأفعال الآتية بعد هذا لأن ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما قد كان ووجد لتحققه {فلا} أي فتسبب عن ذلك الفزع أنه لا {فوت} أي لهم منا لأنهم في قبضتنا، لرأيت أمراً مهولاً وشأناً فظيعاً، وحقر أمرهم بالبناء للمفعول فقال: {وأخذوا} أي عند الفزع من كل من نأمره بأخذهم سواء كان قبل الموت أو بعده. ولما كان القرب يسهل أخذ ما يراد أخذه قال: {من مكان قريب *} أي أخذاً لا شيء أسهل منه فإن الآخذ سبحانه قادر وليس بينه وبين شيء، مسافة، بل هو أقرب إليه منا الإيمان به وأبيناه، والأقرب أن يكون القرآن الذي قالوا إنه إفك مفترى {وأنّى} أي وكيف ومن أين {لهم التناوش} أي تناول الإيمان أو شيء من ثمراته، وكأنه عبر به لأنه يطلق على الرجوع، فكان المعنى أن ذلك بعد عليهم من جهة أنه لا يمكن إلا برجوعهم إلى الدنيا التي هي دار العمل، وأنى لهم ذلك؟ وهو تمثيل لحالهم - في طلبهم أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت كما نفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا - بحال من يريد أن يتناول شيئاً من علوه كما يتناوله الآخر من قدر ذراع تناولاً سهلاً، لا نصب فيه، ومده أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم لهمزهم إياه فقيل: إن الهمز على الواو المضمونة كما همزت في وجوه ووقتت فيكون لفظه موافقاً لمعناه، والصحيح أنه ليس من هذا، لأن شرط همز الواو المضمونة ضمةً لازمةً أن لا ويكون مدغماً فيها إذا كانت وسطاً كالتعود، وأن لا يصح في الفعل نحو تناول وتعاون، وقد حكى عن أبي عمرو أن معناه بالهمز التناول من بعد، من قولهم نأش - بالهمز - إذا أبطل وتأخر، والنيش حركة في إبطاء، والنأش أيضاً: الأخذ، فيكون الهمز أصلياً، وقرأه الباقون بالواو مثل التناول لفظاً ومعنى، فقراءة الواو المحضة تشير إلى أنهم يريدون تناولاً سهلاً مع بعد المتناول في المكان، وقراءة الهمز إلى أن إرادتهم تأخرت وأبطأت حتى فات وقتها، فجمعت إلى بعد المكان بعد الزمان. ولما كان البعيد لا يمكن الإنسان تناوله مع بعده قال: {من مكان بعيد *} فإنه بعد كشف الغطاء عند مجيء البأس لا ينفع الإيمان {وقد} أي كيف لهم ذلك والحال أنهم قد {كفروا به} أي بالذي طلب منهم أن يؤمنوا به أملاً وجزاءً {من قبل} أي في دار العمل {و} الحال أنهم حين كفرهم {يقذفون} في أمر ما دعوا إليه بما يرمون به من الكلام رمياً سريعاً جداً من غير تمهل ولا تدبر {بالغيب} أي من مرجمات الظنون، وهي الشبهة التي تقدم إبطالها في هذه السورة وغيرها من استبعادهم البعث وغيره مما أخبر الله به. ولما كان الشيء لا يمكن أن يصيب ما يقذفه وهو غائب عنه ولا سيما مع البعد قال معلماً ببعدهم عن علم ما يقولون مع بعده جداً من حال من تكلموا فيه سواء كان القرآن أو النبي صلى الله عليه وسلم أو الحشر والجنة والنار: {من مكان بعيد *} وذلك على الضد من قذف علام الغيوب فإنه من مكان قريب فهو معلوم لازم للحق.

القشيري

تفسير : إنْ كنتُ مهتدياً فبربِّي لا بجهدي. وإنْ كنت عندكم من أهل الضلال فوبالُ ضلالتي عائدٌ عليَّ، ولن يضرَّكم ذلك. فانظروا أنتم إلى أنفسكم... أين وقعتم؟ وأي ضرر يعود عليكم لو أطعتموني؟ لا في الحال تخسرون، ولا في أنفسكم تتعبون، ولا في جاهكم تنقصون. وما أخبركم به نَقْصِ أصنامكم فبالضرورة أنتم تعلمون! فما لكم لا تُبْصِرون؟ ولا لأنفسكم تنظرون؟

اسماعيل حقي

تفسير : {قل ان ضللت} عن الطريق الحق كما تزعمون وتقولون لقد ضللت حين تركت دين آبائك {فانما اضل على نفسى} فان وبال ضلالى عليها لانه بسببها اذ هى الحاملة عليه بالذات والامارة وبالسوء وبهذا الاعتبار قوبل الشرطية بقوله {وان اهتديت} الى الطريق الحق {فبما يوحى} فبسبب ما يوحى {الىّ ربى} من الحكمة والبيان فان الاهتداء بتوفيقه وهدايته. وفيه اشارة الى منشأ الضلالة نفس الانسان فاذا وكلت النفس الى طبعها لا يتولد منها الا الضلالة وان الهداية من مواهب الحق تعالى ليست النفس منشأها ولذلك قال تعالى {أية : ووجدك ضالا فهدى} تفسير : {انه} تعالى {سميع قريب} يعلم قول كل من المهتدى والضال وفعله وان بالغ فى اخفائهما. قال بعض الكبار سميع بمنطق كل ناطق قريب لكل شئ وان كان بعيدا منه شعر : دوست نزديكتر از من بمن است وين عجبتر كه من ازوى دورم جه كنم باكه توان كفت كه او در كنار من ومن مهجورم تفسير : قال بعضهم السميع هو الذى انكشف كل موجود لصفة سمعه فكان مدركا لكل مسموع من كلام. وغيره وخاصية هذا الاسم اجابة الدعاء فمن قرأه يوم الخميس خمسمائة مرة كان مجاب الدعوة وقرب الله من العبد بمعنى انه عند ظنه كما قال"حديث : انا عند ظن عبدى بى " تفسير : وقال بعضهم هو قريب من الكل لظهوره على العموم وان لم يره الا اهل الخصوص لانه لا بد للرؤية من ازالة كل شئ معترض وحائل وهى حجب العبد المضافة الى نفسه. وسئل الجنيد عن قرب الله من العبد فقال هو قريب لا بالاجتماع بعيد لا بالافتراق وقال القرب يورث الحياء ولذا قال بعضهم شعر : نعره كمتر زن كه نزديكست يار تفسير : يشير الى حال اهل الشهود فانهم يراعون الادب مع الله فى كل حال فلا يصيحون كما لا يصيح القريب للقريب واما اهل الحجاب فلهم ذلك لا قربهم بالهم لا بالشهود وكم من فرق بينهما. وفى الآية اشارة الى انه لا يصير المرء ضالا بتضليل الآخر اياه فان الضال فى الحقيقة من خلق الله فيه الضلالة بسبب اعراضه عن الهدى كما انه لا يكون كافرا باكفار الغير اياه فان الكافر فى الحقيقة من قبل الكفر واعرض عن الايمان والى انه لا تزر وازرة وزر اخرى وان كل شاة معلقة برجلها اى كل واحد مجزى بعمله لا بعمل غيره فالصالح مجزى باعماله الصالحة واخلاقه الحسنة ولا ضرر له من الاعمال القبيحة لغيره وكذا الفاسق مجزى بعمله السوء ولا نفع له من صالحات غيره شعر : هركه او نيك ميكند يابد نيك وبد هرجه ميكند يابد تفسير : وقيل للنابغة حين اسلم أصبوت يعنى آمنت بمحمد قال بلى غلبنى بثلاث آيات من كتاب الله فاردت ان اقول ثلاثة ابيات من الشعر على قافيتها فلما سمعت هذه الآية تعبت فيها ولم اطق فعلمت انه ليس من كلام البشر وهى هذه {أية : قل ان ربى يقذف بالحق علام الغيوب} تفسير : الى قوله {انه سميع قريب}

الجنابذي

تفسير : {قُلْ} بصورة الانصاف معهم {إِن ضَلَلْتُ} فليس ضرر ضلالتى عليكم {فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} فلا مفاخرة لى فيه عليكم {إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} يسمع اقوالى ويعلم احوالى واستعدادى واستحقاقى.

اطفيش

تفسير : {قل إن ضللت} عن الحق. {فإنما أضل على نفسي} فانما اسعى بابال ضلالي عليها لان الضلال بسببها اذ هي الجاهلة بالذات والامارة بالسوء وقرىء بكسر لام الماضي وفتح ضاد المضارع نقلا من لامه المدغمة وقرأ بكسر همزة المضارع وفتح ضاده. {وإن اهتديت فبما يوحي إليّ ربي} أي فاهتدو فانما اهتدى بما يوحي الي ربي فان الاهتداء بتوفيقه وهدايته والضلال بخذلانه بان ينقاد الانسان مثلا إلى نفسه الامارة بالسوء الجاهلة بالذات فكأنه قيل إن ضللت فبنفسي وان اهتديت فبربي ولهذا اصح ان يكون ان اهتديت الخ معادلا لقوله ان ضللت الخ وانما امر رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يسند الضلال إلى نفسه ليدل على غيره بالاولى وذكر بعض ان المشركين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد ضللت حين تركت دين آبائك فنزلت الآية الذي يوحى اليه هو القرآن والحكمة وما موصول اسمي آي بما يوحيه الى اي ينزله الي ويوصله الى آخر وسكن ابن كثير وابو بكر وحمزة والكسائي باء ربي. {إنه سميع قريب} يعلم ما اظهر او اخفي من قول او فعل او عتقاد من خطأ او صواب.

اطفيش

تفسير : {قُل إن ضللتُ} عن الهدى {فإنَّما أضلُّ على نَفْسي} عداه بعلى لأن المراد أن جناية ضلالى علىَّ، أعاقب به، والمراد عموم الضال، وخص صلى الله عليه وسلم بالذكر لأنه القدوة وغيره تبع له، واذا ضل فغيره أولى بالضلال، وكذا خص بالذكر القدوة، لا لأن غيره أولى بالاهتداء فى قوله: {وإنْ اهْتَديتُ} الى الحق {فبما يُوحي إليَّ ربِّي} خبر لمحذوف، وما مصدرية أى فاهتدائى بايحاء الى ربى، أو اسم أى فاهتدائى بما يوحيه الىَّ ربِّى، ومناسب قوله: {فإنما أضل على نفسي} أن يقال: فلها أى لنفسى كقوله تعالى: "أية : من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها"تفسير : [فصلت: 46، الجاثية: 15] لكن بتقديم ما أخر هنا، أو أن يقال إن ضللت فانما أضل بنفسى، بالباء كما قال: "فبما يوحى" لكن لم يقل ذلك لحصول التقابل بالمعنى، إذ كل ضرر من النفس، وعليها وباله، وقد دلت على على معنى اللام فى الباء، والباء على معنى السببية فى على. ويجوز أن يكون المراد فانما أضل على نفسى لا على غيرى يكون لم يؤت بمقابل على نفسى فى قوله: {وإنْ اهتديت} إلخ، وفى جعل على للتعليل مقابلة له بالسببية، لكن فيه اخراج على عن الاستعلاء، ولاتقابل بين على والباء إذ قلنا: المعنى أن ضلالى كضلاكم من النفس الأمارة بالسوء، واهتدائى بالوحى لا كاهتدائكم بالنظر لو اهتديتم، والاهتداء بالوحى أقوى، لأن النظر قد يخطىء فى الجملة، والوحى لا يخطىء، وهو معنى بعيد لا يتبادر، والمقام ليس له {إنَّه سَميعٌ قَريبٌ} لا يخفى عنه شىء، فلا يفوته جزاء على شىء.

الالوسي

تفسير : {قُلْ إِن ضَلَلْتُ } عن الحق {فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى } أي عائداً ضرر ذلك ووباله عليها فإنها الكاسبة للشرور والأمارة بالسوء {وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ } إلى الحق {فَبِمَا يُوحِى إِلَىَّ رَبّى } فإن الاهتداء بهدايته تعالى وتوفيقه عز وجل، و(ما) موصولة أو مصدرية، وكان الظاهر وإن اهتديت فلها كقوله تعالى: {أية : مَّنْ عَمِلَ صَـٰلِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا }تفسير : [فصلت: 46] أو إن ضللت فإنما أضل بنفسي ليظهر التقابل لكنه عدل عن ذلك اكتفاء بالتقابل بحسب المعنى لأن الكلام عليه أجمع فإن كل ضرر فهو من النفس وبسببها وعليها وباله، وقد دل لفظ على في القرينة الأولى على معنى اللام في الثانية والباء في الثانية على معنى السببية في الأولى فكأنه قيل: قل إن ضللت فإنما أضل بسبب نفسي على نفسي وإن اهتديت فإنما أهتدى لنفسي بهداية الله تعالى وتوفيقه سبحانه، وعبر عن هذا {بِمَا يُوحِىَ إِلَىَّ رَبّى } لأنه لازمه، وجعل على للتعليل وإن ظهر عليه التقابل ارتكاب لخلاف الظاهر من غير نكتة. وجوز أن يكون معنى القرينة الأولى قل إن ضللت فإنما أضل علي لا على غيري، ولا يظهر عليه أمر التقابل مطلقاً، والحكم على ما قال الزمخشري عام وإنما أمر صلى الله عليه وسلم أن يسنده إلى نفسه لأن الرسول إذا دخل / تحته مع جلالة محله وسداد طريقته كان غيره أولى به، وقال الإمام: أي إن ضلال نفسي كضلالكم لأنه صادر من نفسي ووباله عليها وأما اهتدائي فليس كاهتدائكم بالنظر والاستدلال وإنما هو بالوحي المنير فيكون مجموع الحكمين عنده مختصاً به عليه الصلاة والسلام، وفيما ذكره دلالة على ما قال الطيبـي على أن دليل النقل أعلى وأفخم من دليل العقل وفيه بحث. وقرأ الحسن وابن وثاب وعبد الرحمن المقري {ضللت} بكسر اللام و {أضل} بفتح الضاد وهي لغة تميم، وكسر عبد الرحمن همزة {أضل} وقرىء {ربى} بفتح الياء. {إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ } فلا يخفى عليه سبحانه قول كل من المهتدي والضال وفعله وإن بالغ في إخفائهما فيجازي كلاً بما يليق.

ابن عاشور

تفسير : لما جرى ذكر الحق والباطل وكانوا يزعمون من مجموع أقوالهم أن النبي عليه الصلاة والسلام غير صادق في دعوى الرسالة من الله كانت أقوالهم تقتضي زعمهم إياه على ضلال وكان الردّ عليهم قاطعاً بأنه على هدى بقوله: { أية : قل جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد } تفسير : [سبأ: 49] انتُقل هنا إلى متاركة جِدالهم وتركهم وشأنَهم لقلة جدوى مراجعتهم. وهذا مَحْضَر خاص وطَيّ بساط مجلس واحد، فلا يقتضي أنه يستمر على ترك مجادلتهم لأن الواقع ينافي ذلك فقد نزل القرآن بعد ذلك طويلاً مشتملاً على دعوتهم وتحذيرهم وإنذارهم. وصيغة القصر التي في قوله: {فإنما أضل على نفسي} لقصر الضلال المفروض، أي على نفسي لاَ عليكم لأنهم كانوا يحاولون أن يقلعَ عمَّا دعاهم إليه ولم يقتصروا على صدودهم. وتعدية {أَضل} بحرف {على} تتضمن استعارة مكنية إذ شُبه الضلال بجريرة عليه فعدّاه بالحرف الشائع استعماله في الأشياء المكرَه عليها غير الملائمة، عكس اللام، وذكر حرف الاستعلاء تخييل للمكنية ولا يُقال: ضُمِّن {أَضِلّ} معنى أَجنِي، لأن {ضللت} الذي هو فعل الشرط المفروض غير مضمن معنى فعل آخر. وأما قوله: {وإن اهتديت فبما يوحي إليّ ربي} فكالاحتراس من أن يكون حاله مقتصراً على فرض كونه مظنة الضلال مع ما فيه من الاعتراف لله بنعمته بأن ما يناله من خير فهو بإرشاد الله لا من نفسه لأنه ما كان يصِل لذلك وهو مغمور بأمة جاهلية لولا إرشاد الله إياه كما قال تعالى: { أية : وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان } تفسير : [الشورى: 52]. واختير في جانب الهدى فعل {اهتديت} الذي هو مطاوع (هَدَى) لما فيه من الإِيماء إلى أن له هادياً، وبيَّنه بقوله: {فبما يوحي إلي ربي} ليحصل شكره لله إجمالاً ثم تفصيلاً، وفي قوله: {فبما يوحي إلي ربي} إيماء إلى أنه على هدى لأنه أثبت أن وحياً من الله وارِد إليه. وقد استفيد أن الضلال المفروض إن حصل فسببه من قبل نفسه، من إسناد فعل {أَضِلّ} إلى ضمير المتكلم ثم مما عقبه من قصر الضلال على الحصول من المتكلم، وهو أغرق في التعلق به، وليس الغرض من ذلك الكلامِ بيانَ التسبب ولكن عدم مجاوزة الضلال المفروض إليهم إذ هم يتبعوه فيما تلبس به، ولم يُرتكب مثل هذا في جانب فرض اهتدائه لأن اهتداءه كان هو الحاصل في الواقع وكان شاملاً له ولغيره من الذين اتبعوه لأن اهتداءه ملابس لدعوته الناسَ إلى اتّباعه، ولأن الغرض من الشرطين مختلف وإن كان يُعلم من المقابلة أن سبب الضلال والاهتداء مختلف من جهة المعنى ولا سيما حين رجَّح جانب اهتدائه بقوله: {فبما يوحي إلي ربي}. على أن المقابلة بين الشرطين ينقدح بها في ذهن السامع أن الضلال من تسويل النفس ولو حصل لكان جناية من النفس عليه وأن الاهتداء من الله وأنه نفع ساقه إليه بوحيه. وجملة {إنه سميع قريب} تذييل لما أفادته الجملتان المقولتان قبله من الترديد في نسبة الاهتداء والضلال، أي أن الله يعلم أني على هدى أو ضده ويحصل من ذلك علم مقابله من أحوال خصومه لأنه سميع لما يقوله الفريقان قريب مما يضمرونه فلا يخفى عليه. والقرب هنا كناية عن العلم والإِحاطة فيه فهو قرب مجازي. وهذا تعريض بالتهديد.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي}. قد قدمنا الآيات التي بمعناه في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ} تفسير : [الأنبياء: 78] في معرض بيان حجج الظاهرية في دعواهم منع الاجتهاد.

د. أسعد حومد

تفسير : (50) - وَقُلَ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ: إِنْ ضَلَلْتُ عَنِ الهُدَى، وَسَلَكْتُ غَيرَ طَرِيقِ الحَقِّ، فَإِنِّما ضَرَرُ ذلِكَ يَعُودُ عَليَّ أَنا وَحْدِي، وَإِنِ اسْتَقَمْتُ عَلَى الحَقِّ فَبِوَحْيٍ مِنَ اللهِ إِليَّ، وَبِتَوفيقٍ مِنْهُ لِي، للاسْتِقَامَةِ عَلَى مَحَجَةِ الحَقِّ، وطريقِ الهُدَى، إِنهُ سَميعٌ لأقوالِ، العِبادِ، قَريبٌ يُجِيبُ دَعْوَة الدَّاعِي إِذا دَعَاهُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نلحظ أنه صلى الله عليه وسلم نسب الضلال إنْ حدث إلى النفس، ولكنه صلى الله عليه وسلم نسب الهداية إلى الله وإلى الوحي المنزَّل عليه؛ لأن الله إذا أنزل منهجاً هادياً لإنسان مختار، ومجال الاختيار أنْ تُوجد بدائل يختار العقل منها؛ لأن العقل لا مهمة له في الأمر الواحد الذي ليس له بديل، فمثلاً: تقول أريد أنْ أسافر إلى الفيوم، فلا تجد إلا طريقاً واحداً، فلا عملَ للعقل والاختيار هنا، لكن تقول: أريد أنْ أسافر إلى الإسكندرية، فتجد طريقين: الزراعي وصفته كذا وكذا ومميزاته كذا وكذا، والصحراوي وصفته كذا ومميزاته كذا. والله تعالى خلق كونه كله مختاراً، إلا في الأمور القضائية القدرية، فقد جعلها الله قهريةً لا اختيارَ للإنسان فيها؛ لأن تدخُّلَه فيها يفسدها. ولا تظن أنك وحدك مختار في الكون، فكُلُّ ما حولك من السماء والأرض مختار أيضاً، إلا أن السماء والأرض والجبال اختاروا مرة واحدة، ثم سحبوا اختيارهم الكليّ على كل الجزئيات التي تأتي بعد، واقرأ في ذلك قوله تعالى: {أية : إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً} تفسير : [الأحزاب: 72]. فالجمادات اختارت من البداية أنْ تكون مقهورة لله عز وجل، وأبَتْ تحمُّل هذه الأمانة، أما الإنسان فتحملها وقال: أستطيع بعقلي أن أختار بين البدائل، وفاته أنه أدرك وقت التحمُّل، ولم يدرك وقت الأداء، وما يطرأ عليه من عوارض وشهوات ووسوسة شيطان .. إلخ؛ لذلك وصفه الحق سبحانه بأنه كان ظلوماً جهولاً، يعني: ظلُوماً لنفسه، جهولاً بالعواقب. والمنهج الذي وضعه الحق سبحانه منهج عام، وُضع للمؤمن وللكافر، فالله هدى ودلَّ الجميع إلى طريق الخير، وترك الجميع مختاراً، فمنهم مَن اختار شهوات نفسه في الدنيا، ورأى أنْ يتمتع بها، ويحدث ما يحدث بعد ذلك، ومنهم مَنْ تأمل هذا المنهج، فوجده من مُطاع بمعجزة، وهذه المعجزة خرقت نواميس الكون، فهو - إذن - منهج من عليم قادر وإله أعلى، اختار هذا المنهج لصلاح الخَلْق. والإنسان عموماً يحب الخير لنفسه، لكن يختلف الناس في فهمهم للخير؛ لذلك يقول سبحانه: {أية : وَيَدْعُ ٱلإِنْسَانُ بِٱلشَّرِّ دُعَآءَهُ بِٱلْخَيْرِ وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ عَجُولاً} تفسير : [الإسراء: 11]. ويقول سبحانه: {أية : سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ} تفسير : [الأنبياء: 37]. وكأن الحق سبحانه يقول للإنسان: لا تعجل في دعائك، وارْضَ بما اختاره لك؛ لأن حكمك وفَهْمك للخير على قَدْر علمك بالخير، لكن أعلم منك به، وأعلم منك باستقبالك لهذا الخير وأثره فيك. لذلك قلنا: إننا نسمع كثيراً مَنْ يقول: أنا أصلي وأسير على منهج الله، ومع ذلك دعوتُ فلم يُسْتَجب لي، نقول: لأنك دعوتَ بالخير بفهمك أنت للخير، لكن ربك أعلم منك بالخير لك؛ لذلك لم يُجِبْ دعاءك. وكثيراً أيضاً ما نسمع أمَّا تدعو على ولدها الوحيد في ساعة غضب تقول: (إلهي أشرب نارك، إلهي يجيينى خبرك) بالله، لو أن الله أجاب دعاءها، ماذا كانت تقول في ربها؟ إذن: عدم إجابة الله لك فيما تدعو أحياناً هو عين الخير لك، لأنه يعلم حمق دعائك، وهو رب لا يرضى لك بآثار هذا الحمق؛ لذلك يُعدِّل لك ما أخطأتَ فيه. أمر آخر في هذه المسألة، فقد يكون الدعاء بخير حقيقي، لكن جاء هذا الدعاء من غير مضطر، إنما جاء كما نقول (بغددة)، والحق تبارك وتعالى وعد بإجابة المضطر إذا دعاه، فقال سبحانه: {أية : أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ} تفسير : [النمل: 62] فلو كنتَ مضطراً لأجابك؛ لأن المضطر استنفد كل الأسباب الموهوبة له من الله، وعجزَتْ قوته، فلجأ إلى الله المسبِّب سبحانه، وأغلبنا يدعو الله عن غير اضطرار. إذن: حين لا يُجاب دعاؤك، فاعلم أنه دعاء بشرٍّ تظنه أنت خيراً، والخير في ألاَّ يجيبك الله، أو أن دعاءك عن غير اضطرار. نعود إلى كلامنا عن المنهج الذي وضعه الله لهداية الناس جميعاً، ونقول: الذي آمن بهذا المنهج واهتدى به يعينه الله ويزيده هداية، كما قال سبحانه: {أية : وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} تفسير : [محمد: 17] والذي انصرف عنه وضلَّ كذلك يزيده الله من الضلال، ويختم على قلبه، بحيث لا يدخله إيمان، ولا يخرج منه كفر، ذلك لأنه تعالى رب يعين عبده على ما أحب، ويزيده مما يريد. إذن: طالما هناك اختيار في قبول المنهج فلا بُدَّ أن توجد هداية، ويوجد ضلال، الهداية تجلب الخير والثواب، والضلال يجلب الشر والعقاب، هنا الحق سبحانه يُوضِّح لنا أن الضلال يُنسب إلى النفس، أما الهداية فتُنسب إلى الله وإلى منهجه، وقد قال سبحانه في موضع آخر: {أية : مَّآ أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ} تفسير : [النساء: 79]. وقال سبحانه قبلها: {أية : قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ} تفسير : [النساء: 78] لماذا؟ لأنه سبحانه جعل الطريقين ودلَّ الجميع، فإنْ نظرتَ إلى الفعل فالله هو الذي أمدَّك، كما قال سبحانه: {أية : كُلاًّ نُّمِدُّ هَـٰؤُلاۤءِ وَهَـٰؤُلاۤءِ مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} تفسير : [الإسراء: 20]. فالله أعطاك مثلاً اللسان تنطق به كلمة التوحيد، أو تنطق به كلمة الكفر والعياذ بالله، فاللسان لم يَعْصِك، لا في هذه ولا في تلك، فمَنِ الذي أعطاك حرية الاختيار؟ الله، لذلك قلنا: لم يكفر كافر قهراً عن الله، أما عدم رضائه عنه، فهذا موضوع آخر. لذلك قلنا: الرجل الذي أعطى لابنه جنيهاً مثلاً - وهو قوة شرائية - وقال له: اذهب إلى السوق واشترِ به ما تريد، لكن يُرضينى أنْ تنفقه في شيء نافع، فالذي أعطاه القوة الشرائية أبوه، والذي ترك له الخيار أبوه، وهو قادر أنْ يحجر عليه ويسلبه هذه القوة، وهذا هو الاختيار. كذلك الحق - تبار ك وتعالى - يريد أن يذهب الإنسانُ إليه وهو مختار، وهو قادر ألاَّ يذهب، يريد أن يذهب العباد إليه عن حب، وعن رغبة، وعن إيمان، لا عن قهر وجبروت؛ لأنه سبحانه - كما سبق أنْ قُلْنا - يريد قلوباً تخشع، لا قوالب تخضع. فقوله تعالى: {قُلْ إِن ضَلَلْتُ} [سبأ: 50] يعني: أنا وأنتم سواء في هذه المسألة؛ لأن الضلال نتيجة للسيئات التي تقترفها النفس، فهي سبب الضلال {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي} [سبأ: 50] أما الهداية فمن الله؛ لأنها بسبب منهج الله {وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} [سبأ: 50]. لكن النبي صلى الله عليه وسلم متفق وأمته في نسبة الضلال إلى النفس، لكن يختلف عنهم في الهداية {وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} [سبأ: 50] فالهداية جاءته صلى الله عليه وسلم من الله مباشرة قبل أنْ يبعث له رسولاً بالرسالة، وقبل أنْ ينزل عليه وحتى السماء، أما هداية الأمة فبواسطة الرسول الذي يُبلِّغ منهج الله ويأتي بالمعجزة. فهداية رسول الله كانت بداية لما اختاره الله رسولاً على هذا الوضع من الهداية، ثم أنزل عليه المنهج لهداية الأمة. وقوله تعالى: {إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [سبأ: 50] سميع أي: يعرف مطلوبي، ويسمع مني كل نَفَس، وهو سبحانه مع سمعه قريب مني لا يبطىء عليّ في الإجابة؛ لأن الفعل من الله تعالى لا يحتاج إلى علاج ومزاولة، إنما الفعل من الله بكُنْ. ثم يرجع الحق سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم ليُسلِّيه: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ...}.

الإمام أحمد بن عمر

تفسير : وبقوله: {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِي} [سبأ: 50] يشير إلى أن الضلالة منشؤها نفس الإنسان، فإذا وكلت النفس إلى طبعها لا يتولد منها إلا الضلالة وبقوله: {وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} [سبأ: 50] يشير إلى أن الهداية من مواهب الحق تعالى ليس نفسي منشؤها، ولذلك قال الله تعالى فيه {أية : وَوَجَدَكَ ضَآلاًّ فَهَدَىٰ}تفسير : [الضحى: 7] {إِنَّهُ سَمِيعٌ} [سبأ: 50] من الأزل بمنطق كل ناطق وتسبيح كل مسبح من الناطقين والجمادات إلى الأبد، وهم في كتم العدم وفي حال وجودهم بحيث لا يشغله شأن من الناطقين والجمادات إلى الأبد، وهم في كتم العدم وفي حال وجودهم بحيث لا يشغله شأن سمع مسموع عن شأن سمع مسموع آخر بلا تغير سمعه عند تغير المسموعات {قَرِيبٌ} [سبأ: 50] بكل شيء وإن كان بعيداً منه، وقرب من ليس يقربه قرب {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ} [سبأ: 51] أي: لو رأيت ذلك لرأيت منظراً فظيعاً {وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} [سبأ: 51] إذا أخذهم بعد الإمهال فليس إلا الاشتغال. {وَقَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ} [سبأ: 52] إذا تابوا وقد أغلقت الأبواب وندموا وقد تقطعت الأسباب فليس إلا الخسران والندم، ولات حين ندامة، كذلك من استهان بتفاصيل فترته، ولم يَسْتَفِقْ من غَفْلَتِه يُتَجَاوَزُ عنه مرةً، ويَعْفَى عنه كَرَّةً، فإذا استمكنت منه القسوةُ وتَجَاوَزَ سوءُ الأدبِ حَدَّ الغفلة، وزاد على مقدار الكثرة؛ يحصل له من الحقِّ رَدٌ، ويستقبله حجاب، وبعد ذلك لا يُسْمَعُ له دعاء، ولا يُرْحَمُ له بكاء، كم قيل: شعر : فَخَلِّ سبيلَ العينِ بعدك للبُكَا فليس لأيام الصفاءِ رجوعُ تفسير : وبقوله {وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ مِن قَـبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} [سبأ: 53] يشير إلى خواصه يتمنون معارف الأسرار ومراتب الأحرار وهم بعد في أيدي كفار الأوصاف مأسورون وبقيود الحواس مقيدون، ولا يرمون الظنون الكاذبة ويردفون المعاني الصادقة {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} [سبأ: 54] قال: "الدين ليس بالتمني" {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ} أي: كما فعل بطريق الحرمان باتكالهم من المتمنين المتقدمين الذين {إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ} في حقيقة هذا الأمر {مُّرِيبٍ} لغير موقع في الريبة.

النسائي

تفسير : قوله تعالى: {إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [50] 447 - أخبرنا عبدةُ بنُ عبد اللهِ، عن سويدٍ، عن زُهيرٍ، قال حدَّثنا عاصمٌ، عن أبي عُثمانَ، قال حدَّثني أبو موسى، قال: حديث : كُنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفرٍ، فأشرف الناس على وادٍ، فجهروا بالتكبيرِ والتهليلِ؛ اللهُ أكبرُ، اللهُ أكبرُ لا إله إلاَّ اللهُ، - ورفع عاصمٌ صوتهُ - فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناسُ، أربعوا أنفسكم، إنَّ الذي تدعون ليس بأصمَّ، إنهُ سميعٌ قريبٌ، إنهُ معكم - أعادها ثلاث مراتٍ، قال [أبو مُوسى]، فسمعني أقولُ - وأنا خلفهُ - لا حول ولا قوة إلاَّ باللهِ، فقال: "يا عبد اللهِ بن قيسٍ، ألا أدُلُّكَ على كلمةٍ من كنوزِ/ الجنةِ" قُلتُ: بَلَى - فِدَالَ أبي وأُمي - قال: "لا حول ولا قُوة إلاَّ باللهِ ". تفسير : ذيل التفسير قوله تعالى: [{إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [50]] 20/ 755- أخبرنا عمرو بن علي، وبشر بن هِلا - واللفظ له - قالا: ثنا يحيى، عن سليمان، عن أبي عثمان، (عن) أبي موسى الأشعري (حدثني) ... حديث : أخذ الناس في عَقَبَه وثَنيَّة فكلما علا منهما رجل نادى بأعلا صوته: لا إله إلا الله والله أكبر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنكم لا تدعون (أصم) ولا غائبا" ثم قال: "يا أبا موسى ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟" قلت: بلى، قال: "تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله ".