٣٤ - سَبَأ
34 - Saba (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
51
Tafseer
الرازي
تفسير : لما قال: {سَمِيعٌ } قال هو قريب فإن لم يعذب عاجلاً ولا يعين صاحب الحق في الحال فيوم الفزع آت لا فوت، وإنما يستعجل من يخاف الفوت. وقوله: {وَلَوْ تَرَى } جوابه محذوف أي ترى عجباً {وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } لا يهربون وإنما الأخذ قبل تمكنهم من الهرب.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ} ذكر أحوال الكفار في وقت ما يضطرون فيه إلى معرفة الحق. والمعنى: لو ترى إذا فزعوا في الدنيا عند نزول الموت أو غيره من بأس الله تعالى بهم، روي معناه عن ابن عباس. الحسن: هو فزعهم في القبور من الصيحة. وعنه أن ذلك الفزع إنما هو إذا خرجوا من قبورهم؛ وقاله قتادة. وقال ابن مُغَفَّل: إذا عاينوا عقاب الله يوم القيامة. السّدّي: هو فزعهم يوم بدر حين ضربت أعناقهم بسيوف الملائكة فلم يستطيعوا فراراً ولا رجوعاً إلى التوبة. سعيد بن جُبير: هو الجيش الذي يخسف بهم في البيداء فيبقى منهم رجل فيخبر الناس بما لقي أصحابه فيفزعون، فهذا هو فزعهم. {فَلاَ فَوْتَ} فلا نجاة؛ قاله ابن عباس. مجاهد: فلا مهرب. {وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} أي من القبور. وقيل: من حيث كانوا، فهم من الله قريب لا يَعْزُبون عنه ولا يفوتونه. وقال ابن عباس: نزلت في ثمانين ألفاً يغزون في آخر الزمان الكعبة ليَخْرِبوها، وكما يدخلون البيداء يخسف بهم؛ فهو الأخذ من مكان قريب. قلت: وفي هذا المعنى خبر مرفوع عن حذيفة وقد ذكرناه في كتاب التذكِرة، قال: حديث : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ وذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب ـ: «فبيناهم كذلك إذ خرج عليهم السُّفياني من الوادي اليابس في فورة ذلك حتى ينزل دمشق فيبعث جيشين، جيشاً إلى المشرق؛ وجيشاً إلى المدينة، فيسير الجيش نحو المشرق حتى ينزلوا بأرض بابل في المدينة الملعونة والبقعة الخبيثة ـ يعني مدينة بغداد، قال ـ فيقتلون أكثر من ثلاثة آلاف ويفتضون أكثر من مائة امرأة ويقتلون بها ثلاثمائة كبش من ولد العباس، ثم يخرجون متوجهين إلى الشام فتخرج راية هدى من الكوفة فتلحق ذلك الجيش منها على ليلتين فيقتلونهم لا يفلِت منهم مخبر ويستنقذون ما في أيديهم من السبّي والغنائم ويَحُلّ جيشه الثاني بالمدينة فينتهبونها ثلاثة أيام ولياليها ثم يخرجون متوجهين إلى مكة حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله جبريل عليه السلام فيقول يا جبريل اذهب فأبِدْهم فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم، وذلك قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } فلا يبقى منهم إلا رجلان أحدهما بشير والآخر نذير وهما من جُهينة»تفسير : ، ولذلك جاء القول: وعند جهينة الخبر اليقين. وقيل: «أُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ» أي قبضت أرواحهم في أماكنها فلم يمكنهم الفرار من الموت، وهذا على قول من يقول: هذا الفزع عند النزع. ويحتمل أن يكون هذا من الفزع الذي هو بمعنى الإجابة؛ يقال: فزِع الرجل أي أجاب الصارخ الذي يستغيث به إذا نزل به خوف. ومنه الخبر إذا قال للأنصار: «إنكم لتَقِلّون عند الطمع وتكثرون عند الفزع». ومن قال: أراد الخسف أو القتل في الدنيا كيوم بدر قال: أخذوا في الدنيا قبل أن يؤخذوا في الآخرة. ومن قال: هو فزع يوم القيامة قال: أخذوا من بطن الأرض إلى ظهرها. وقيل: «أُخِذُوا مِنْ مَكَان قَرِيبٍ» من جهنم فألقوا فيها.
ابن كثير
تفسير : يقول تبارك وتعالى: ولو ترى يا محمد إذ فزع هؤلاء المكذبون يوم القيامة، فلا فوت، أي: فلا مفر لهم، ولا وزر لهم ولا ملجأ، {وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} أي: لم يمكنوا أن يمعنوا في الهرب، بل أخذوا من أول وهلة. قال الحسن البصري: حين خرجوا من قبورهم. وقال مجاهد وعطية العوفي وقتاده: من تحت أقدامهم. وعن ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك: يعني: عذابهم في الدنيا. وقال عبد الرحمن ابن زيد: يعني: قتلهم يوم بدر، والصحيح أن المراد بذلك يوم القيامة، وهو الطامة العظمى، وإِن كان ما ذكر متصلاً بذلك. وحكى ابن جرير عن بعضهم قال: إن المراد بذلك جيش يخسف بهم بين مكة والمدينة في أيام بني العباس رضي الله عنهم. ثم أورد في ذلك حديثاً موضوعاً بالكلية، ثم لم ينبه على ذلك، وهذا أمر عجيب غريب منه. {وَقَالُوۤاْ ءَامَنَّا بِهِ} أي: يوم القيامة يقولون: آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله؛ كما قال تعالى: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا} تفسير : [السجدة: 12] ولهذا قال تعالى: {وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ} أي: وكيف لهم تعاطي الإيمان، وقد بعدوا عن محل قبوله منهم، وصاروا إلى الدار الآخرة، وهي دار الجزاء لا دار الابتلاء؟ فلو كانوا آمنوا في الدنيا لكان ذلك نافعهم، ولكن بعد مصيرهم إلى الدار الآخرة لا سبيل لهم إلى قبول الإيمان، كما لا سبيل إلى حصول الشيء لمن يتناوله من بعيد. قال مجاهد: {وَأَنَّىٰ وَأَنَّىٰ لَهُ ٱلتَّنَاوُشُ} قال: التناول لذلك. وقال الزهري: التناوش: تناولهم الإيمان وهم في الآخرة وقد انقطعت عنهم الدنيا، وقال الحسن البصري: أما إنهم طلبوا الأمر من حيث لا ينال، تعاطوا الإيمان من مكان بعيد. وقال ابن عباس رضي الله عنهما: طلبوا الرجعة إلى الدنيا، والتوبة مما هم فيه، وليس بحين رجعة ولا توبة، وكذا قال محمد بن كعب القرظي رحمه الله. وقوله تعالى: {وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ مِن قَـبْلُ} أي: كيف يحصل لهم الإيمان في الآخرة، وقد كفروا بالحق في الدنيا، وكذبوا الرسل؟ {وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ} قال مالك عن زيد بن أسلم: {وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ} قال: بالظن، قلت: كما قال تعالى: {أية : رَجْماً بِٱلْغَيْبِ} تفسير : [الكهف: 22] فتارة يقولون: شاعر، وتارة يقولون: كاهن، وتارة يقولون: ساحر، وتارة يقولون: مجنون، إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة، ويكذبون بالبعث والنشور والمعاد، ويقولون {أية : إِن نَّظُنُّ إِلاَّ ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} تفسير : [الجاثية: 32] قال قتادة ومجاهد: يرجمون بالظن؛ لا بعث، ولا جنة، ولانار. وقوله تعالى: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} قال الحسن البصري والضحاك وغيرهما: يعني: الإيمان. وقال السدي: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} وهي التوبة، وهذا اختيار ابن جرير رحمه الله. وقال مجاهد: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} من هذه الدنيا؛ من مال وزهرة وأهل، وروي نحوه عن ابن عمر وابن عباس والربيع بن أنس رضي الله عنهم، وهو قول البخاري وجماعه، والصحيح أنه لا منافاة بين القولين، فإنه قد حيل بينهم وبين شهواتهم في الدنيا، وبين ما طلبوه في الآخرة، فمنعوا منه. وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا أثراً غريباً عجيباً جداً، فنذكره بطوله، فإنه قال: حدثنا محمد بن يحيى حدثنا بشر بن حجر السامي، حدثنا علي بن منصور الأنباري عن الشرقي بن قطامي عن سعد بن طريف عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله عز وجل: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} إلى آخر الآية، قال: كان رجل من بني إسرائيل فاتحاً، أي: فتح الله تعالى له مالاً، فمات، فورثه ابن له تافه، أي: فاسد، فكان يعمل في مال الله تعالى بمعاصي الله تعالى عز وجل، فلما رأى ذلك أخوات أبيه، أتوا الفتى، فعذلوه ولاموه، فضجر الفتى، فباع عقاره بصامت، ثم رحل فأتى عيناً ثجاجة، فسرح فيها ماله، وابتنى قصراً، فبينما هو ذات يوم جالس، إذ شملت عليه ريح بامرأة من أحسن الناس وجهاً، وأطيبهم أرجاً، أي: ريحاً، فقالت: من أنت يا عبد الله؟ فقال: أنا امرؤ من بني إسرائيل، قالت: فلك هذا القصر وهذا المال؟ فقال: نعم. قالت: فهل لك من زوجة؟ قال: لا. قالت: فكيف يهنيك العيش ولا زوجة لك؟ قال: قد كان ذاك، قال: فهل لك من بعل؟ قالت: لا، قال: فهل لك إلى أن أتزوجك؟ قالت: إني امرأة منك على مسيرة ميل، فإذا كان الغد، فتزود زاد يوم وائتني، وإِن رأيت في طريقك هولاً، فلا يهولنك، فلما كان من الغد، تزود زاد يوم وانطلق، فانتهى إلى قصر، فقرع رتاجه، فخرج إليه شاب من أحسن الناس وجهاً، وأطيبهم أرجاً، أي: ريحاً، فقال: من أنت يا عبد الله؟ فقال: أنا الإسرائيلي، قال: فما حاجتك؟ قال: دعتني صاحبة القصر إلى نفسها، قال: صدقت، قال: فهل رأيت في الطريق هولاً؟ قال: نعم، ولولا أنها أخبرتني أن لابأس علي، لهالني الذي رأيت، قال: ما رأيت؟ قال: أقبلت، حتى إذا انفرج بي السبيل، إذا أنا بكلبة فاتحة فاها، ففزعت، فوثبت فإذا أنا من ورائها، وإذا جراؤها ينبحن من بطنها، فقال له الشاب: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان، يقاعد الغلام المشيخة في مجلسهم، ويسرهم حديثه، قال: ثم أقبلت، حتى إذا انفرج بي السبيل، إذا أنا بمائة عنز حفَّل، وإذا فيها جدي يمصها، فإذا أتى عليها، وظن أنه لم يترك شيئاً، فتح فاه يلتمس الزيادة، فقال: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان، ملك يجمع صامت الناس كلهم، حتى إذا ظن أنه لم يترك شيئاً، فتح فاه يلتمس الزيادة، قال: ثم أقبلت، حتى إذا انفرج بي السبيل، إذا أنا بشجر، فأعجبني غصن من شجرة منها ناضرة، فأردت قطعه، فنادتني شجرة أخرى: يا عبد الله مني فخذ، حتى ناداني الشجر أجمع: يا عبد الله مني فخذ، فقال: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان، يقل الرجال ويكثر النساء، حتى إن الرجل ليخطب المرأة، فتدعوه العشر والعشرون إلى أنفسهن، قال: ثم أقبلت، حتى إذا انفرج بي السبيل، فإذا أنا برجل قائم على عين يغرف لكل إنسان من الماء، فإذا تصدعوا عنه، صب في جرته، فلم تعلق جرته من الماء بشيء، قال: لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان، القاص يعلم الناس العلم، ثم يخالفهم إلى معاصي الله تعالى، قال: ثم أقبلت، حتى إذا انفرج بي السبيل، إذا أنا بعنز، وإذا بقوم قد أخذوا بقوائمها، وإذا رجل قد أخذ بقرنيها، وإذا رجل قد أخذ بذنبها، وإذا راكب قد ركبها، وإذا رجل يحتلبها، فقال: أما العنز فهي الدنيا، والذين أخذوا بقوائمها يتساقطون من عيشها، وأما الذي أخذ بقرنيها، فهو يعالج من عيشها ضيقاً، وأما الذي أخذ بذنبها فقد أدبرت عنه، وأما الذي ركبها، فقد تركها، وأما الذي يحلبها، فبخ بخ، ذهب ذلك بها، قال: ثم أقبلت، حتى إذا انفرج بي السبيل، إذا أنا برجل يمتح على قليب، كلما أخرج دلوه، صبه في الحوض، فانساب الماء راجعاً إلى القليب، قال: هذا رجل رد الله عليه صالح عمله فلم يقبله، قال: ثم أقبلت، حتى إذا انفرج بي السبيل، إذا أنا برجل يبذر بذراً، فيستحصد، فإذا حنطة طيبة، قال: هذا رجل قبل الله صالح عمله وأزكاه له. قال: ثم أقبلت، حتى إذا انفرج بي السبيل، إذا أنا برجل مستلق على قفاه، قال: يا عبد الله ادن مني فخذ بيدي وأقعدني، فوالله ما قعدت منذ خلقني الله تعالى، فأخذت بيده، فقام يسعى حتى ما أراه، فقال له الفتى: هذا عمر الأبعد نفد، أنا ملك الموت، وأنا المرأة التي أتتك، أمرني الله تعالى بقبض روح الأبعد في هذا المكان، ثم أصيره إلى نار جهنم، قال: ففيه نزلت هذه الآية: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} الآية، هذا أثر غريب، وفي صحته نظر، وتنزيل الآية عليه وفي حقه، بمعنى: أن الكفار كلهم يتوفون وأرواحهم متعلقة بالحياة الدنيا، كما جرى لهذا المغرور المفتون، ذهب يطلب مراده، فجاءه ملك الموت فجأة بغتة، وحيل بينه وبين ما يشتهي. وقوله تعالى: {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَـٰعِهِم مِّن قَبْلُ} أي: كما جرى للأمم الماضية المكذبة بالرسل لما جاءهم بأس الله، تمنوا أن لو آمنوا، فلم يقبل منهم، {أية : فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا سُنَّتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ ٱلْكَافِرُونَ} تفسير : [غافر: 84 ــــ 85]. وقوله تبارك وتعالى: {إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ} أي: كانوا في الدنيا في شك ريبة، فلهذا لم يتقبل منهم الإيمان عند معاينة العذاب، قال قتاده: إياكم والشك والريبة، فإن من مات على شك، بعث عليه، ومن مات على يقين، بعث عليه. آخر تفسير سورة سبأ، ولله الحمد والمنّة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {وَلَوْ تَرَىٰ } يا محمد {إِذْ فَزِعُواْ } عند البعث لرأيت أمراً عظيماً {فَلاَ فَوْتَ } لهم منا أي لا يفوتوننا {وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } أي القبور.
الشوكاني
تفسير : ثم ذكر سبحانه حالاً من أحوال الكفار، فقال: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ }، والخطاب لرسول الله، أو لكل من يصلح له قيل: المراد فزعهم عند نزول الموت بهم. وقال الحسن: هو: فزعهم في القبور من الصيحة، وقال قتادة: هو: فزعهم إذا خرجوا من قبورهم. وقال السدّي: هو: فزعهم يوم بدر حين ضربت أعناقهم بسيوف الملائكة، فلم يستطيعوا فراراً ولا رجوعاً إلى التوبة. وقال ابن مغفل: هو: فزعهم إذا عاينوا عقاب الله يوم القيامة. وقال سعيد بن جبير: هو: الخسف الذي يخسف بهم في البيداء، فيبقى رجل منهم، فيخبر الناس بما لقي أصحابه، فيفزعون. وجواب لو محذوف، أي: لرأيت أمراً هائلاً، ومعنى {فَلاَ فَوْتَ }: فلا يفوتني أحد منهم، ولا ينجو منهم ناجٍ. قال مجاهد: فلا مهرب {وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } من ظهر الأرض، أو من القبور، أو من موقف الحساب. وقيل: من حيث كانوا، فهم من الله قريب لا يبعدون عنه، ولا يفوتونه. قيل: ويجوز أن يكون هذا الفزع هو الفزع الذي بمعنى: الإجابة، يقال: فزع الرجل: إذا أجاب الصارخ الذي يستغيث به كفزعهم إلى الحرب يوم بدر. {وَقَالُواْ ءامَنَّا بِهِ } أي: بمحمد، قاله قتادة، أو بالقرآن. وقال مجاهد: بالله عزّوجلّ. وقال الحسن: بالبعث {وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ } التناوش التناول، وهو تفاعل من التناوش الذي هو: التناول، والمعنى: كيف لهم أن يتناولوا الإيمان من بعد، يعني: في الآخرة، وقد تركوه في الدنيا، وهو معنى {مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ }: وهو تمثيل لحالهم في طلب الخلاص بعد ما فات عنهم. قال ابن السكيت: يقال: للرجل إذا تناول رجلاً ليأخذ برأسه، أو بلحيته ناشه ينوشه نوشاً، وأنشد:شعر : فهي تنوش الحوض نوشاً من علا نوشاً به تقطع أحواز الفلا تفسير : أي: تناول ماء الحوض من فوق، ومنه المناوشة في القتال، وقيل: التناوش الرجعة، أي: وأنى لهم الرجعة إلى الدنيا؛ ليؤمنوا، ومنه قول الشاعر:شعر : تمنى أن تئوب إليّ مي وليس إلى تناوشها سبيل تفسير : وجملة: {وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ مِن قَـبْلُ } في محل نصب على الحال، أي: والحال أن قد كفروا بما آمنوا به الآن من قبل هذا الوقت، وذلك حال كونهم في الدنيا. قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، والأعمش: (التناؤش) بالهمز، وقرأ الباقون بالواو، واستبعد أبو عبيد، والنحاس القراءة الأولى، ولا وجه للاستبعاد، فقد ثبت ذلك في لغة العرب، وأشعارها، ومنه قول الشاعر:شعر : قعدت زماناً عن طلابك للعلا وجئت نئيشاً بعد ما فاتك الخير تفسير : أي: وجئت أخيراً. قال الفراء: الهمز، وترك الهمز متقارب {وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ } أي: يرمون بالظنّ، فيقولون: لا بعث، ولا نشور، ولا جنة، ولا نار {مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ } أي: من جهة بعيدة ليس فيها مستند لظنهم الباطل. وقيل: المعنى: يقولون في القرآن أقوال باطلة: إنه سحر، وشعر، وأساطير الأوّلين. وقيل: يقولون في محمد إنه ساحر شاعر كاهن مجنون. وقرأ أبو حيوة، ومجاهد، ومحبوب عن أبي عمرو: (يقذفون) مبنياً للمفعول، أي: يرجمون بما يسوؤهم من جراء أعمالهم من حيث لا يحتسبون، وفيه تمثيل لحالهم بحال من يرمي شيئاً لا يراه من مكان بعيد لا مجال للوهم في لحوقه، والجملة إما معطوفة على: {وقد كفروا به} على أنها حكاية للحال الماضية، واستحضار لصورتها، أو مستأنفة لبيان تمثيل حالهم. {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } من النجاة من العذاب، ومنعوا من ذلك وقيل: حيل بينهم، وبين ما يشتهون في الدنيا من أموالهم، وأهليهم، أو حيل بينهم، وبين ما يشتهونه من الرجوع إلى الدنيا {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَـٰعِهِم مّن قَبْلُ } أي: بأمثالهم، ونظرائهم من كفار الأمم الماضية، والأشياع جمع شيع، وشيع جمع شيعة، وجملة: {إِنَّهُمْ كَانُواْ فِى شَكّ مُّرِيبِ } تعليل لما قبلها، أي: في شك موقع في الريبة، أو ذي ريبة من أمر الرسل، والبعث، والجنة، والنار، أو في التوحيد، وما جاءتهم به الرسل من الدين، يقال: أراب الرجل إذا صار ذا ريبة، فهو مريب، وقيل: هو من الريب الذي هو الشك، فهو كما يقال عجب عجيب، وشعر شاعر. وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس في قوله: {فَلاَ فَوْتَ } قال: فلا نجاة. وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } قال: هو جيش السفياني قيل: من أين أخذوا؟ قال: من تحت أقدامهم. وقد ثبت في الصحيح: أنه يخسف بجيش في البيداء من حديث حفصة، وعائشة، وخارج الصحيح من حديث أمّ سلمة، وصفية، وأبي هريرة، وابن مسعود، وليس في شيء منها أن ذلك سبب نزول هذه الآية، ولكنه أخرج ابن جرير من حديث حذيفة بن اليمان قصة الخسف هذه مرفوعة، وقال في آخرها: فذلك قوله عزّ وجلّ في سورة سبأ: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ } الآية. وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: {وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ } قال: كيف لهم الردّ؟ {مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ } قال: يسألون الردّ، وليس بحين ردّ. وأخرج ابن المنذر عن التيمي قال: أتيت ابن عباس قلت: ما التناوش؟ قال: تناول الشيء، وليس بحين ذاك.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {وَلَوْ تَرَى إذْ فِزَعُواْ} في فزعهم خمسة أقاويل: أحدها: فزعهم يوم القيامة، قاله مجاهد. الثاني: فزعهم في الدنيا حين رأو بأس الله عز وجل: قاله قتادة. الثالث: هو الجيش الذي يخسف بهم في البيداء فيبقى منهم رجل فيخبر الناس بما لقي أصحابه فيفزعوا فهذا هو فزعهم، قاله سعيد بن جبير. الرابع: هو فزعهم يوم بدر حين ضربت أعناقهم فلم يستطيعوا فراراً من العذاب ولا رجوعاً إلى التوبة، قاله السدي. الخامس: هو فزعهم في القبور من الصيحة، قاله الحسن. وفي قوله تعالى: {فَلاَ فَوْتَ} ثلاثة أوجه: أحدها: فلا نجاة، قاله ابن عباس. الثاني: فلا مهرب، وهو معنى قول مجاهد. الثالث: فلا سبق، قاله قتادة. {وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} فيه ستة أقاويل: أحدها: من تحت أقدامهم، قاله مجاهد. الثاني: يوم بدر، قاله زيد بن أسلم. الثالث: هو جيش السفياني، قاله ابن عباس. الرابع: عذاب الدنيا، قاله الضحاك. الخامس: حين خرجوا من القبور، قاله الحسن. السادس: هو يوم القيامة، قاله القاسم بن نافع. ويحتمل سابعاً: في أسرِّ ما كانوا فيه نفوساً، وأقوى ما كانوا عليه أملاً لأنه أقرب بلاء من نعمه. قوله عز وجل: {وَقَالُوا ءَامَنَّا بِهِ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يعني بالله، قاله مجاهد. الثاني: بالبعث،قاله الحسن. الثالث: بالرسل، قاله قتادة. {وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ} وفي التناوش ثلاثة أقاويل: أحدها: هو الرجعة، قاله ابن عباس ومنه قول الشاعر: شعر : تمنى أن تؤوب إليّ ميٌّ وليس إلى تناوشها سبيل تفسير : الثاني: هو التوبة، قاله السدي. الثالث: هو التناول من قولهم نشته أنوشه نوشاً إذا تناوله من قريب، وقد تناوش القوم إذا دنا بعضهم من بعض ولم يلتحم القتال بينهم، قال الشاعر: شعر : فهي تنوش الحوض نوشاً من علا نوشاً به تقطع أجواز الفلا تفسير : {مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ} فيه ثلاثة أقوايل: أحدها: من الآخرة إلى الدنيا، قاله مجاهد. الثاني: ما بين الآخرة والدنيا، رواه القاسم بن نافع. الثالث: هو طلبهم الأمر من حيث لا ينال، قاله الحسن. ويحتمل قولاً رابعاً: بعيد عليهم لاستحالته عندهم. قوله عز وجل: {وَقَدْ كَفَرُواْ بِهِ مِن قَبْلُ} فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم كفروا بالله تعالى، قاله مجاهد. الثاني: بالبعث، قاله الحسن. الثالث: بالرسول، قاله قتادة. {مِن قَبْلُ} فيه وجهان: أحدهما: في الدنيا، قاله مجاهد. الثاني: من قبل العذاب. {وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: معناه يرجمون بالظن ويقولون في الدنيا لا بعث ولا جنة ولا نار، قاله الحسن. الثاني: أنه طعنهم في القرآن، قاله عبد الرحمن بن زيد. الثالث: هو طعنهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه شاعر أو ساحر، قاله مجاهد، وسماه قذفاً لخروجه عن غير حق. قوله عز وجل: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} يعني بالموت، وفيه خمسة تأويلات: أحدها: حيل بينهم وبين الدنيا، قاله مجاهد. الثاني: بينهم وبين الإيمان، قاله الحسن. الثالث: بينهم وبين التوبة، قاله السدي. الرابع: بينهم وبين طاعة الله تعالى، قاله خليد. الخامس: حيل بين المؤمن وبين العمل، وبين الكافر وبين الإيمان، قاله يزيد بن أبي يزيد. {كَمَا فُعِلَ بِأَشْياعِهِم مّن قَبْلُ} فيهم ثلاثة أقاويل: أحدها: أنهم أوائلهم من الأمم الخالية، قاله مقاتل. الثاني: أنه أصحاب الفيل حين أرادوا خراب الكعبة، قاله الضحاك. الثالث: هم أمثالهم من الكفار الذين لم يقبل الله سبحانه منهم التوبة عند المعاينة. {إنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُّرِيبٍ} فيه وجهان: أحدهما: لا يعرفون نبيهم، قاله مقاتل. الثاني: هو شكهم في وقوع العذاب، قاله الضحاك.
ابن عبد السلام
تفسير : {فَزِعُواْ} في القيامة أو في الدنيا عند رؤية بأس الله، أو يُخسف بجيش في البيداء فيبقى منهم حل فيُخبر بما لقي أصحابه فيفزع الناس، أو فزعهم ببدر لما ضُربت أعناقهم فلم يستطيعوا فراراً من العذاب ولا رجوعاً إلى التوبة، أو فزعهم في القبور من الصيحة "ح" {فَلا فَوْتَ} فلا نجاة "ع"، أو لا مهرب، أو لا سبق. {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} من تحت أقدامهم، أو يوم بدر، أو جيش السفياني "ع"، أو عذاب الدنيا، أو حين خرجوا من القبور "ح" أو يوم القيامة.
الثعالبي
تفسير : وقوله ـــ تعالى ـــ: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ...} الآية. قَالَ الحَسَنُ بن أبِي الحَسَنِ: ذَلِكَ فِي الكُفَّارِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ القُبُورِ فِي القِيَامَةِ. قال * ع *: وَهُوَ أرْجَحُ الأَقْوَالِ هُمَا، وَأَمَّا مَعْنَىٰ الآيَةِ فَهُوَ التَّعَجُّبُ مِنْ حَالِهِمْ إذَا فَزِعُوا مِنْ أخْذِ اللّهِ إيَّاهُمْ وَلَمْ يَتَمَكَّنْ لَهُمْ أَنْ يَفُوتَ مِنْهُمْ أَحَد {وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ}، أي: أنَّ الأَخْذَ يَجِيئُهُمْ مِنْ قُرْبٍ فِي طُمَأْنِينَتِهِمْ وَبعَقِبِهَا، بَيْنَمَا الكَافِرُ يُؤَمَّلُ ويُتَرَجَّى إذْ غَشِيَهُ الأَخْذُ، وَمَنْ غَشِيَهُ أُخِذَ مِنْ قَرِيبٍ؛ فَلاَ حِيلةَ لَهُ وَلاَ رَوِيَّةَ، و {قَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ} الضَّمِيرُ في {بِهِ} عَائِدٌ عَلى اللّهِ ـــ تعالى ـــ، وَقِيلَ: عَلى محمدٍ وَشَرْعِه والقُرْآنِ وَقَرَأَ نَافِعٌ وَعَامَّةُ القُرّاءَ: «التناوش» دُونَ هَمْزٍ وَمَعْنَاهُ التَّنَاوُلِ، مِن قَوْلِهِمْ نَاشَ يَنُوشُ إذَا تَنَاوَلَ، وَعِبَارَةَ الوَاحِدِيِّ {وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ} أي: كَيْفَ يَتَنَاوَلُونَ التَّوْبَةَ وَقَدْ بَعُدَتْ عَنْهُمْ. انتهى. وقَرَأ أبُو عمرو وحمزة والكسائي: «التناؤش» بِالهَمْزِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرُه كَالْقِرَاءَةِ الأَولَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الطَّلَبِ؛ تَقُولُ: انْتَأَشْتُ الخَيْرَ إذَا طَلَبْته مِنْ بُعْدٍ. * ت *: وَقَالَ البُخَارِيُّ: التَّنَاوُشُ الرَّدُّ مِنَ الآخِرَة إلَى الدُّنْيَا، انتهى. {وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ} أي: يَرْجُمُوْنَ بِظُنُونِهِمْ وَيَرْمُوْنَ بِهَا الرَّسُولَ وَكِتَابَ اللّهِ، وَذَلِكَ غَيْبٌ عَنْهُمْ فِي قَوْلِهِمْ سِحْرٌ وَافْتِرَاءٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ، قَالَه مُجَاهِدٌ، وَقَالَ قَتَادَةُ: قَدْفُهُمْ بِالْغَيْبِ هُوَ قَوْلُهُمْ لاَ بَعَثٌ وَلاَ جَنَّةٌ وَلا نَارٌ. وَقَوْلُهُ سُبْحَانَه: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ}. قَالَ الحَسَنُ: مَعْنَاهُ مِنَ الإيمَانِ وَالتَّوْبَةِ وَالرُّجُوعِ إلَى الإنَابَةِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَذَلِكَ أنَّهُمْ اشْتَهَوْهُ فِي وَقْتٍ لاَ تَنْفَعُ فِيهِ التَّوْبَةُ وَقَالَهُ أَيْضاً قَتَادَةَ؛ وَقَالَ مُجَاهِدُ: مَعْنَاه: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نَعِيمٍ الدُّنْيَا. وَقِيلَ: مَعَناهُ حِيلَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الجَنَّةِ وَنَعِيمِهَا كَمَا فُعِلَ بَأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ، والأَشْيَاعُ الفِرَقُ المُتَشَابِهَةُ، أَشْيَاعُ هَؤُلاَءِهُمُ الكَفَرَةُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ. * ص *: قَالَ أَبُو حِيَّانٍ: و {مُّرِيبٍ} اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَرَابَ، أي: أتى بِرَيْبَةٍ وَأَرْبَتُهُ وَأَوْقَعَتْهُ فِي رَيْبَةِ، وَنسْبَةُ الإرَابَةِ إلَى الشَّكِّ مَجَازٌ. قَالَ * ع *: والشَّكُّ المُرِيبُ أَقْوَى مَا يَكُونُ مِنَ الشَّكِّ وَأَشَدُّهُ إظْلاَماً، انتهى.
ابن عادل
تفسير : قوله: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ} قال قتادة: عند البعث حتى يخرجوا من قبورهم "فَلاَ فَوْتَ" أي فلا تَفُوتُونِي كقوله: {أية : وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ} تفسير : [ص:3] وقيل: إذْ فَرِعُوا عند الموت فلا نجاةَ و"لَوْ تَرَى" جوابه محذوف؛ أي (جوابه) ترى عجباً. قوله: "فَلاَ فَوْتَ" العامة على بنائه على الفتح و"أُخِذُوا" فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول معطوفاً على "فَزِعُوا". وقيل: على معنى: "فَلاَ فَوْتَ" أي فلم يفوتوا وأخذوا وقرأ عبد الرحمن مولى هاشم، وطلحةُ فَلاَ فَوْتٌ وأَخْذٌ مرفوعين منونين، وأُبَيّ يفتح "فوت"، ورفع "أخذ"، فرفع "فوت" على الابتداء أو على اسم لا الليسية، ومن رفع "وأخذ" رفعه بالابتداء والخبر محذوف أي وأَخْذٌ هناك أو على خبر ابتداء مضمر أي وَحالُهُمْ أَخْذٌ. ويكون من عطف الجمل مثبتةً على منفيةٍ. قوله: {وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} قال الكلبي: من تحت أقدامهم. وقيل: أخذوا من بطن الأرض إلى ظهرها. وحيث ما كانوا فهُمْ مِنَ الله قريب لا يفوتونه. وقيل: من مكان قريب يعني عذاب الدنيا. قال الضحاك: هو يوم بَدْر. وقال ابنُ أبْزَى: خَسْفٌ بالبيداء. وجواب "لَوْ تَرَى" محذوف أي لَرَأَيْتَ أَمْراً يُعْتَبَرُ بِهِ. قوله: {وَقَالُوۤاْ آمَنَّا بِه} أي عند اليأس. والضمير في "به" لله أو للرسول، أو للقرآن أو للعذاب أو للبعث و"أَنِّى لَهُمْ" أي من أين لهم أي كيف يقدرون على الظَّفَرِ بالمطلوب وذلك لا يكون إلاَّ من الدنيا وهم في الآخرة والدنيا من الآخرة بعيدة. فإن قيل: فكيف قال في كثير من المواضع: إنَّ الآخِرَةَ من الدنيا قريبة وسمى الله الساعة قريبة فقال: {أية : ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ} تفسير : [القمر:1] {أية : ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ} تفسير : [الأنبياء:1] {أية : لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ قَرِيبٌ} تفسير : [الشورى:17]. فالجواب: أن الماضي كالأمس الدابر وهو أبعد ما يكون؛ إذ لا وصولَ إليه والمستقبل وإن كان بينه وبين الحاضر سنين فإنه آتٍ فيوم القيامة الدنيا بعيدة منه لمضيِّها ويوم القيامة في الدنيا قريب لإتيانه. قوله: "التَّنَاوُشُ" مبتدأ و "أنَّى" خَبَرهُ، أي كيف لهم التناوش و "لَهُم" حال، ويجوز أن يكون "لهم" رافعاً للتناوش لاعتماده على الاستفهام تقديره كيف استقر لهم التناوش؟ وفيه بعد، والتناوش مهموز في قراءة الأخوين وأبي عمرو، وأبي بكر وبالواو في قراءة غيرهم، فيحتمل أن يكونا مادتين مستقلتين مع اتّحاد معناهما، وقيل: الهمزة عن الواو لانضمامها كوُجُوهٍ وأُجُوه، ووُقّتت وأُقِّتَتْ وإليه ذهب جماعة كثيرةٌ كالزَّجّاج والزَّمخْشَري وابن عطية والحَوْفي وأبي البقاء قال الزجاج: كل واو مضمومة ضمة لازمة فأنت فيها بالخيار، وتابعه الباقون قريباً من عبارته. وردَّ أبو حيانَ هذا الإطلاق وقيده بأنه لا بدّ أن تكون الواو غير مدغم فيها تحرزاً من التعوذ وأن تكون غير مصححة في الفعل فإنها متى صحت في الفعل لم تبدل همزة نحو: تَرَهْوَكَ تَرَهْوُكاً، وتَعَاوَنَ تَعَاوُناً. وهذا القيد الآخر يبطل قولهم لأنها صحت في: "تَنَاوَشَ يَتَنَاوَشُ"، ومتى سلم له هذان القيدان أو الأخير منهما ثَبَتَ رده. والتَّنَاوُشُ الرجوعُ، قال: شعر : 4143- تَمَنَّى أَنْ تَئُوبَ إلَيَّ مَيٌّ وَلَيْسَ إلى تَنَاوُشِهَا سَبِيلُ تفسير : أي إلى رجوعها. وقيل: هو التناول يقال: نَاشَ كذا أي تَنَاوَلَهُ ومنه تَنَاوشَ القَوْمُ بالسِّلاح كقوله: شعر : 4144- ظَلَّتْ سُيُوفُ بَنِي أبِيهِ تَنُوشُهُ لِلَّهِ أَرْحَامٌ هُنَاكَ تَشَقَّقُ تفسير : وقال آخر: شعر : 4145- وهي تَنُوشُ الْحَوْضَ نَوْشاً مِنْ عَلاَ نَوْشاً به تقطَع أجْوَازَ الفَلاَ تفسير : وفرق بعضهم بين المهموز وغيره فجعل المهموز بمعنى التأخير. وقال الفراء: من نَأَشْتُ أي تَأَخَّرْتُ. وأنشد: شعر : 4146- تَمَنَّى نَئِيشاً أَنْ يَكُونَ مُطَاعُنَا وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْدَ الأُمُورِ أُمُورُ تفسير : وقال آخر: شعر : 4147- قَعَدْتَ زَمَاناً عَنْ طِلاَبِكَ لْلعُلاَ وَجِئْتَ نَئِيشاً بَعْدَ مَا فَاتَكَ الخَيْرُ تفسير : وقال الفراء أيضاً: هما متقاربان يعني الهمزة وتركها مثل ذِمْتُ الشيء وذَأَمْتُهُ أي عِبْتُهُ وانْتَاشَ انِتْيَاشاً كَتَنَاوَشَ وقال: شعر : 4148- كَانَتْ تَنُوشُ العنق انْتِيَاشا تفسير : وهذا مصدر على غير المصدر، و "مِنْ مَكانٍ" متعلق بالتَّنَاوُشِ. فصل المعنى كيف لهم تناول ما بعد وهم الإيمان والتوبة وقد كان قريباً في الدنيا فضيّعوه وهذا على قراءة من لم يهمز وأما من همز فقيل معناه هذا أيضاً. وقيل: التناوش بالهمز من النَّيْشِ وهي حركة في إبطاء، يقال: جاء نيْشاً أي مُبْطِئاً متأخراً والمعنى من أي لهم الحركة فيما لا حيلة لهم فيه. قال ابن عباس: يسألون الرد فيقال: وأنَّى لهم الردُّ إلى الدنيا "من مكان بعيد" أي من الآخرة إلى الدنيا. قوله: {وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ} جملة حالية. وقوله "به" أي بالقرآن. وقيل: بالله أو محمد - عليه (الصلاة و) السلام -. وقيل: بالعذاب أو البعث. و "من قبل" أي من قبل نزول العذاب. وقيل: من قبل أن عاينوا أهوال القيامة، ويجوز أن تكون الجملة مستأنفة والأول أظهر. قوله: "وَيُقْذَفُونَ" يجوز فيها الاستئنافُ والحال، وفيه بعد. عكس الأول لدخول الواو على مضارع مثبت. وقرأ أبو حيوة ومجاهد ومحبوب عن أبي عمرو: ويُقْذَفُونَ مبنياً للمفعول أي يُرْجَمُونَ بما يسوؤهُمْ من جزاء أعمالهم من حيث لا يحْتسبون. فصل ويقذفون قال مجاهد: يرمون محمداً صلى الله عليه وسلم بالظن لا باليقين وهو قولهم: ساحرٌ وشاعرٌ وكاهنٌ. ومعنى الغيب هو الظن لأنه غاب علمه عنهم والمكان البعيد بعدهم عن علم ما يقولون والمعنى يَرْمُونَ محمداً بما لا يعلمون من حيث لايعلمون. وقال قتادة: "أي يرجمون بالظن يقولون لا بعثَ ولا جنةَ ولانَارَ". قوله: {وَحِيَل} تقدم في الإشمام والكسر أول البقرة. والقائم مقام الفاعل ضمير المصدر أي وحيل هو أي الحَوْلُ ولا تقدره مصدراً مؤكداً بل مختصاً حتى يصح قيامه، وجعل الحَوْفيُّ القائم مقام الفاعل "بينهم". واعترض عليه بأنه كان ينبغي أن يرفع. وأجيب عنهُ بأنه إنما بني على الفتح لإضافته إلى غير متمكِّن. ورده أبو حيان بأنه لا يبنى المضاف إلى غير متمكن مطلقاً، فلا يجوز: قاَمَ غُلاَمَكَ ولا مَرَرْتُ بِغُلاَمكَ بالفتح. قال شهاب الدين: وقد تقدم في قوله: {أية : لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} تفسير : [الأنعام:94] ما يغني عن إعادته. ثم قال أبو حيان: وما يقول قائل ذلك في قول الشاعر: شعر : 4149-...................... وَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الْعَيْرِ والنَّزَوَانِ تفسير : فإنه نصب "بين" مضافة إلى معرب. وخُرِّجَ أيضاً على ذلك قول الآخر: شعر : 4150- وَقَالَتْ مَتَى يُبْخَلْ عَلَيْكَ وَيُعْتَلَلْ يَسُؤْكَ (وَ) إنْ يُكْشَفْ غَرَامُكَ تَدْرَبِ تفسير : أي يتعلل هو أي الاعتلال. قوله: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} يعني الإيمان والتوبة والرجوع إلى الدنيا. وقيل: نعيم الدنيا وزهرتها، {كَمَا فُعِلَ بأَشْيَاعِهِمْ} بنظرائهم ومن كان (على) مثل حالهم من الكفار. "مِنْ قَبْلُ" لم يقبل منهم الإيمان في وقت اليأس {إنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ} من البعث ونزول العذاب بهم، و"مِنْ قَبْلُ" متعلق "بفُعِلَ" أو "بأَشْيَاعِهِمْ" أي (الذين) شايعوهم قبل ذلك الحين. قوله: "مُرِيب" قد تقدم أنه اسم فاعل من أَرابَ أي أتى بالريب أو دخل فيه وأَرَبْتُهُ أوْقَعْتُهُ في الرَّيْبِ. ونسبة الإرابة إلى الشك مجازاً. وقال الزمخشري هنا إلا أن ههنا فُرَيْقاً وهو أن المريب من المتعدي منقول من صحاب الشك إلى الشك كما تقول شعر شاعر.... وهي عبارة حسنة مفيدة وأين هذا من قول بعضهم ويجوز أن يكون أردفه على الشك ليناسق آخر الآية بالتي قبلها من مكان قريب. وقول ابن عطية الشك المريب: أقوى ما يكون من الشك وأشدُّه، وتقدم تحقيق الريب أول البقرة، وتشينع الراغب على من يفسره بالشكّ، والله أعلم. روى أو أمامة عن أبيّ بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. "حديث : مَنْ قَرَأَ سُوَرةَ سَبَأٍ لَمْ يَبْقَ نَبِيُّ وَلاَ رَسُولٌ إلاَّ كَانَ لَهُ رفيقاً وَمُصَافِحاً ". تفسير : (صدق نبي الله وحَبِيبُ الله - صلى الله عليه وسلم -).
السيوطي
تفسير : أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {ولو ترى إذ فزعوا} قال: في الدنيا عند الموت حين عاينوا الملائكة، ورأوا بأس الله {أية : وأنَّى لهم التناوش من مكان بعيد} تفسير : [غافر: 84] قال: لا سبيل لهم إلى الإِيمان كقوله {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وقد كفروا به من قبل} قال: قد كانوا يدعون إليه وهم في دعة ورخاء، فلم يؤمنوا به {ويقذفون بالغيب} يرجمون بالظن يقولون: إنه لا جنة، ولا نار، ولا بعث {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} قال: اشتهوا طاعة الله لو أنهم عملوا فحيل بينهم وبين ذلك. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله {ولو ترى إذ فزعوا} قال: يوم القيامة {فلا فوت} فلم يفوتوا ربك. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله {ولو ترى إذ فزعوا} قال: في القبور من الصيحة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {ولو ترى إذ فزعوا...} قال: هذا يوم بدر حين ضربت أعناقهم فعاينوا العذاب فلم يستطيعوا فراراً من العذاب، ولا رجوعاً إلى التوبة. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه في قوله {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت} قال: هو يوم بدر. وأخرج عبد بن حميد عن زيد بن أسلم، مثله. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت} قال: هم قتلى المشركين من أهل بدر، نزلت فيهم هذه الآيه. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب} قال: هو جيش السفياني قال: من أين أخذ؟ قال: من تحت أقدامهم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية رضي الله عنه في قوله {ولو ترى إذ فزعوا...} قال: قوم خسف بهم أخذوا من تحت أقدامهم. وأخرج ابن مردويه عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حديث : يبعث ناس إلى المدينة، حتى إذا كانوا ببيداء بعث الله عليهم جبريل عليه السلام، فضربهم برجله ضربة، فيخسف الله بهم، فذلك قوله {ولو ترى إذ فزعوا فلا فَوْتَ وأُخذوا من مكان قريب} ". تفسير : وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت} قال: هم الجيش الذين يخسف بهم بالبيداء، يبقى منهم رجل يخبر الناس بما لقي أصحابه. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أبي معقل رضي الله عنه {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت} قال: أخذوا فلم يفوتوا. وأخرج أحمد عن نفيرة امرأة القعقاع بن أبي حدرة رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : إذا سمعتم بجيش قد خسف به، فقد أطلت الساعة ". تفسير : وأخرج أحمد ومسلم والحاكم عن حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : ليؤمنّ هذا البيت جيش يغزونه حتى إذا كانوا بالبيداء خسف أوساطهم، فينادي أولهم آخرهم، فيخسف بهم خسفاً، فلا ينجو إلا الشريد الذي يخبر عنهم ". تفسير : وأخرج أحمد عن حفصة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حديث : يأتي جيش من قبل المشرق يريدون رجلاً من أهل مكة، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم، فيرجع من كان أمامهم لينظر ما فعل القوم، فيصيبهم ما أصابهم. قلت: يا رسول الله فكيف بمن كان مستكرهاً؟ قال: يصيبهم كلهم ذلك ثم يبعث الله كل امرىء على نيته ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عن صفية أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : لا ينتهي الناس عن غزو هذا البيت حتى يغزوه جيش، حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بأولهم وآخرهم، ولم ينج أوسطهم قلت: يا رسول الله أرأيت المكره؟ قال: يبعثهم الله على ما في أنفسهم ". تفسير : وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ وأخرج ابن أبي شيبة والحاكم وصححه عن أم سلمه رضي الله عنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" حديث : يعوذ عائذ بالحرم فيبعث إليه بعث، فإذا كان ببيداء من الأرض خسف بهم قلت: يا رسول الله فكيف بمن يخرج كارهاً؟ قال: يخسف به معهم، ولكنه يبعث على نيته يوم القيامة ". تفسير : وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني عن أم سلمة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : يبايع الرجل من أمتي بين الركن والمقام كعدة أهل بدر، فيأتيه عصب العراق، وابدال الشام، فيأتيهم جيش من الشام حتى إذا كانوا خسف بهم، ثم يسير إليه رجل من قريش أخواله كلب، فيهزمهم الله قال: وكان يقال إن الخائب يومئذ من خاب من غنيمة كلب ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريره رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"حديث : المحروم من حرم غنيمة كلب ولو عقالاً، والذي نفسي بيده لَتُبَاعَنَّ نساؤهم على درج دمشق، حتى ترد المرأة من كسر بساقها ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : لا تنتهي البعوث عن غزو بيت الله حتى يخسف بجيش منهم ". تفسير : وأخرج الحاكم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" حديث : في ذي القعدة تحارب القبائل، وعامئذ ينهب الحاج، فتكون ملحمة بمنى حتى يهرب صاحبهم، فيبايع بين الركن والمقام وهو كاره، يبايعه مثل عدة أهل بدر، يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : يخرج رجل يقال له السفياني في عمق دمشق، وعامة من يتبعه من كلب، فيقتل حتى يبقر بطون النساء، ويقتل الصبيان، فيجمع لهم قيس، فيقتلها حتى لا يمنع ذنب تلعة، ويخرج رجل من أهل بيتي فيبلغ السفياني، فيبعث إليه جنداً من جنده، فيهزمهم فيسير إليه السفياني بمن معه حتى إذا صار ببيداء من الأرض خسف بهم، فلا ينجو منهم إلا المخبر عنهم ". تفسير : وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : أحذركم سبع فتن: فتنة تقبل من المدينة. وفتنة بمكة. وفتنة من اليمن. وفتنة تقبل من الشام. وفتنة تقبل من المشرق. وفتنة تقبل من الغرب. وفتنه من بطن الشام وهي السفياني. فقال ابن مسعود رضي الله عنه: منكم من يدرك أولها، ومن هذه الأمة من يدرك آخرها قال الوليد بن عياش رضي الله عنه: فكانت فتنة المدينة من قبل طلحة والزبير، وفتنة مكة فتنة ابن الزبير، وفتنة الشام من قبل بني أميه، وفتنة المشرق من قبل هؤلاء ".
ابو السعود
تفسير : {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ} عند الموتِ أو البعثِ أو يومَ بدرٍ وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّ ثمانين ألفاً يغزُون الكعبةَ ليخرِّبوها فإذا دخلُوا البـيداءَ خُسف بهم، وجوابُ لو محذوفٌ أي لرأيتَ أمراً هائلاً {فَلاَ فَوْتَ} فلا يفوتُون الله عزَّ وجلَّ بهربٍ أو تحصُّنٍ. {وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} من ظهرِ الأرضِ أو من الموقفِ إلى النَّارِ أو من صحراء بدرٍ إلى قَليبها أو من تحت أقدامهم إذا خُسف بهم والجملةُ معطوفة على فَزِعوا وقيل على لا فوتَ على معنى إذْ فَزعُوا فلم يفوتُوا وأُخذوا ويؤيده أنه قرىء وأُخذ بالعطف على محلِّه أي فلا فوت هنا وهناك أخذٌ. {وَقَالُواْ ءامَنَّا بِهِ} أي بمحمَّدٍ عليه الصَّلاة والسَّلام وقد مرَّ ذكرُه في قوله تعالى ما بصاحِبكم. {وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ} التَّناوشُ التَّناولُ السَّهلُ أي ومِن أينَ لهم أنْ يتناولُوا الإيمانَ تناولاً سهلاً {مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ} فإنَّه في حيِّزِ التكليف وهُم منه بمعزلٍ بعيدٍ وهو تمثيلُ حالِهم في الاستخلاصِ بالإيمانِ بعد ما فاتَ عنهم وبعُد بحالِ مَنْ يُريدُ أنْ يتناولَ الشَّيءَ من غَلْوةٍ تناوله من ذراعٍ في الاستحالة. وقُرىء بالهمزِ على قلبِ الواوِ لضمِّها وهو من نأشتُ الشَّيءَ إذا طلبتُه، وعن أبـي عمرو: التَّناؤشُ بالهمزِ التَّناولُ من بُعدٍ من قولِهم نأشتُ إذا أبطأتَ وتأخَّرتَ ومنه قولُ مَن قالَ: [الطويل] شعر : تمنَّى نَئيشا أنْ يكون أطاعنِي وقد حدثتْ بعدَ الأمرِ أمورُ تفسير : {وَقَدْ كَـفَرُواْ بِهِ} أي بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أو بالعذابِ الشَّديدِ الذي أنذرهم إياه {مِن قَبْلُ} أي من قبلِ ذلك في أوانِ التَّكليفِ {وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ} ويَرجمون بالظَّنِّ ويتكلَّمون بما لم يظهر لهم في حقِّ الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ من المطاعنِ أو في العذاب المذكورِ من بت القول بنفيه {مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ} من جهةٍ بعيدةٍ من حاله عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ حيث ينسبونَه صلى الله عليه وسلم إلى الشِّعرِ والسِّحرِ والكذب وأنَّ أبعدَ شيءٍ ممَّا جاءَ به الشِّعرُ والسِّحرُ وأبعدُ شيءٍ من عادته المعروفة فيما بـين الدَّاني والقاصِي الكذبُ، ولعله تمثيلٌ لحالِهم في ذلك بحالِ مَن يرمي شيئاً لا يراهُ من مكانٍ بعيدٍ لا مجالَ للوهم في لحوقِه. وقُرىء ويُقذفون على أنَّ الشَّيطانَ يلقي إليهم ويلقِّنهم ذلك وهو معطوفٌ على قد كفروا به على حكاية الحال الماضيةِ أو على قالُوا فيكون تمثيلاً لحالِهم بحال القاذفِ في تحصيل ما ضيِّعُوه من الإيمان في الدُّنيا {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} مع نفعِ الإيمانِ والنَّجاة من النَّارِ. وقُرىء بإشمامِ الضَّمِّ للحاء {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَـٰعِهِم مّن قَبْلُ} أي بأشباهِهم من كفرةِ الأُمم الدَّارجة {إِنَّهُمْ كَانُواْ فِى شَكّ مُّرِيبِ} أي مُوقع في الرِّيبةِ أو ذي ربـيةٍ. والأوَّلُ منقولٌ ممَّن يصحُّ أن يكونَ مُريباً من الأعيانِ إلى المعنى والثاني من صاحبِ الشَّكِّ إلى الشَّكِّ كما يُقال شعرٌ شاعرٌ, والله أعلم. عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: « حديث : مَنْ قرأَ سورةَ سبأٍ لم يبقَ رسولٌ ولا نبيٌّ إلاَّ كان له يومَ القيامة رفيقاً ومُصافحاً«
القشيري
تفسير : أي لو رأيتَ ذلك لرأيتَ فظيعاً، وأَمراً عظيماً؛ إذا أخذهم بعد الإمهال فليس إلا الاستئصال.
اسماعيل حقي
تفسير : {ولو ترى} يا محمد اويا من يفهم الخطاب ويليق به {اذ فزعوا} اى حين يفزع الكفار ويخافون عند الموت او البعث او يوم بدر وجواب لو محذوف اى لرأيت امرا هائلا وجيئ بالماضى لان المستقبل بالنسبة الى الله تعالى كالماضى فى تحققه وعن ابن عباس رضى الله عنهما ان ثمانين الفا وهم السفيانى وقومه يخرجون فى آخر الزمان فيقصدون الكعبة ليخربوها فاذا دخلوا البيداء وهى ارض ملساء بين الحرمين كما فى القاموس خسف بهم فلا ينجو منهم الا السرىّ الذى يخبر عنهم وهو جهينة فلذلك قيل عند جهينة الخبر اليقين. قال الكاشفى [ازتمام لشكر دوكس نجات يابند يكى به بشارت بمكه برود وديكرى كه ناجى جهنى كويند روى او برقفا كشته خبر قوم بسفيانى رساند] {فلا فوت} الفوت بعد الشئ عن الانسان بحيث يتعذر ادراكه اى فلا فوت لهم من عذاب الله ولا نجاة بهرب او تحصين ويدركهم ما فزعوا منه {واخذوا من مكان قريب} اى من ظهر الارض الى بطنها او من الموقف الى النار او من صحراء بدر الى قليبها وهو البئر قبل ان تبنى بالحجارة. وقال ابو عبيدة هى البئر العادية القديمة او من تحت اقدامهم اذا خسف بهم وحيث كانوا فهم قريب من الله والجملة معطوفة على فزعوا
ابن عجيبة
تفسير : قلت: "مُرِيب": اسم فاعل، من أراب، أي: أتى بريبة، وأربته: أوقعته في الريبة. ونسبة الإرابة إلى الشك مجاز. والمراد: وصفه بالشدة والإظلام، بحيث إنه يوقع في شك آخر. يقول الحق جلّ جلاله: {ولو ترى} يا محمد، أو: يا مَن تصح منه الرؤية، الكفرةَ. {إِذ فَزِعُوا} حين فزعوا عند صيحة البعث، لرأيت أمراً فظيعاً هائلاً، {فلا فَوْتَ} أي: لا مهرب لهم، أو: فلا يفوتون الله ولا يسبقونه. {وأُخذوا} إلى النار {من مكان قريبٍ} من المحشر إلى قعر جنهم. أو: ولو ترى إذ فزعوا عند الموت فلا فوت منه، وأُخذوا من ظهر الأرض إلى بطنها، أو: إذا فزعوا يوم بدر، وأُخذوا من صحراء بدر إلى القليب. {وقالوا} حين عاينوا العذاب: {آمنَّا به} أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لمرور ذكره في قوله: {أية : مَا بِصَاحِبِكُمْ مِّنْ جِنَّةٍ}تفسير : [سبأ: 46] أو: بالله، أو: بالقرآن المذكور في قوله: {فبما يُوحي إليَّ ربي} {وأَنَّى لهم التناوشُ} أي: التناول. من قرأه بالواو فوجهه: أنه مصدر: ناش، ينوش، نوشاً، أي: تناول، وهي لغة حجازية، ومنه: تناوش القوم في الحرب: إذا تدانوا، وتناول بعضهم بعضاً، أي: ومن أين لهم تناول التوبة وقد بَعدت عنهم، يعني أن التوبة كانت منهم قريبة، تُقبل منهم في الدنيا، وقد ذهبت الدنيا وبَعُدت عن الآخرة. وقيل: هو تمثيل لطلبهم ما لا يكون، وهو أن ينفعهم إيمانهم في ذلك الوقت، كما نفع المؤمنين إيمانهم في الدنيا، فمُثِّلت حالهم بحال مَن يريد أن يتناول الشيء من غَلْوة كما يتناوله الآخر من ألف ذراع. ووجه مَن قرأه بالهمز: أنه مصدر: تناءش، بمعنى أبطأ، أو: بعُد، يقال: تناءشت الشيء: أخذته من بُعْدٍ. النئيش: الشيء البطيء، كما قال الشاعر: شعر : وجئْتَ نئيشاً بَعْدَما فَاتَكَ الخير تفسير : أي: جئت بطيئاً. وقيل: الهمز بدل الواو، كالصائم، والقائم، وأقتت. والمعنى: ومن أين لهم حصول الإيمان المتعذر بعد حصول البعد عن وقته. {وقد كفروا به من قبل} حصول العذاب، أو: قبل الموت في الدنيا، {ويُقْذَفُون بالغيب من مكان بعيدٍ} هو عطف على "كفروا" على حكاية الحال الماضية، أي: وقد كفروا في الدنيا، ورَموا بظنونهم في الأمور المغيبة، فقالوا: لا بعث ولا حساب، ولا جنة ولا نار. {من مكان بعيد} عن الحق والصواب، أو: هو قولهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم، شاعر، ساحر، كذاب، وهو رجم بالغيب؛ إذ لم يشاهدوا منه سحراً ولا شعراً ولا كذباً. وقد أتوا بهذا الأمر من جهة بعيدة من حاله صلى الله عليه وسلم؛ إذ لم يعرفوه إلا بالصدق، والأمانة، ورجاحة العقل. {وحِيلَ بينهم وبين ما يشتهون} من نفع الإيمان يومئذ، والنجاة به من النيران، والفوز بنعيم الجنان، أو بين الرد إلى الدنيا، كما حُكِيَ عنهم بقوله: {أية : فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً}تفسير : [السجدة: 12] {كما فُعل بأشياعهم من قبلُ} أي: بأشباههم من الكفرة الدارجة مِن قبلهم، فإنه قد حيل بينهم وبين ما يشتهون من الإيمان والعمل الصالح بالموت، وهذه الأفعال كلها تقع في المستقبل، عبَّر عنها بالماضي لتحقُّق وقوعها. {إِنهم كانوا في شكٍّ} في أمر الرسول والبعث، {مُريب} موقع للريبة، أو: ذي ريبة، نعت به للمبالغة. وفيه رد على مَن زعم أن الله لا يُعذّب على الشك، قاله النسفي. الإشارة: قوم غفلوا عن تحقيق الإيمان، وتربيته، بصحبة أهل الإيقان، حتى إذا كُشف ـ بعد الموت ـ عن مقامهم القصير، ومكانهم البعيد، قالوا: آمنا وتيقَّنَّا، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد. وقوم اشتغلوا بالبطالة والتقصير، وصرفوا في الشهوات والحظوظ عمرهم القصير، وتوغلوا في أشغال الدنيا وزخارفها، فذهلوا عن الجد والتشمير، فإذا انقضت عنهم أيام الدنيا حيل بينهم وبين ما يشتهون، من اغتنام الأوقات، وتعمير الساعات، لنيل المراتب والدرجات، وهنالك يقع الندم حين لم ينفع، ويُطلب الرجوع فلا يُسْمَع. قال القشيري: إذا تابوا ـ وقد أُغْلِقَت الأبواب، وندمُوا ـ وقد تقطعت بهم الأسباب، فليس إلا الحسرات مع الندم، ولات حين ندامة! كذلك مَن استهان بتفاصيل فترته، ولم يَسْتَفِقْ من غَفْلَتِه فتجاوز حده، ويُعْفَى عنه كَرَّه. فإذا استمكن في القسوة، وتجاوز في سوء الأدب حدَّ القلة، وزاد على مقدار الكثرة، فيحصل لهم من الحق رَدّ، ويستقبلهم حجاب البُعد. فعند ذلك لا يُسمع لهم دعاء، ولا يُرْحَمُ لهم بكاء، كما قيل، وأنشد: شعر : سبيلَ العينِ بعدك للبُكَا فليس لأيام الصفاءِ رجوعُ هـ. تفسير : وقوم شمروا عن سابق الجد والتشمير، ولم يقنعوا من مولاهم بقليل ولا كثير، قد انتهزوا فرصة الأعمار، ولم يشغلهم عن الله ربع ولا ديار، عمّروا أوقاتهم بالذكر والتذكار، وفكرة الاعتبار والاستبصار، حتى وردوا دار القرار، أولئك المصطفون الأخيار، يدفع الله تعالى بهم عن أهل الدنيا الأنكاد والأغيار، ويكشف عن قلوبهم الحُجب والأستار. وقوم حققوا مقام الإيمان، واشتغلوا بتربيته، بصحبة أهل الإيقان، حتى أفضوا إلى مقام العيان، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين. جعلنا الله من خواصهم بمنِّه وكرمه، وبمحمد نبيه وحبه صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه.
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي وابو عمرو {التناؤش} بالهمز. الباقون بغير همز. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله {ولو ترى} يا محمد {إذ فزعوا} من العذاب يوم القيامة {فلا فوت} أى لا مهرب ولا يفوتونه. فالفوت خروج وقت الشيء كفوت الصلاة، وفوت وقت التوبة وفوت عمل اليوم بانقضائه. والفزع والجزع والخوف والرعب واحد. والفزع يتعاظم في الشدة بحسب اسبابه وقوله {وأخذوا من مكان قريب} قال ابن عباس والضحاك: أخذوا من عذاب الدنيا. وقال الحسن: حين يخرجون من قبورهم. وقيل: من بطن الارض إلى ظهرها. والمعنى انهم اذا بعثوا من قبورهم، ولو ترى فزعهم يا محمد حين لا فوت ولا ملجأ. وجواب (لو) محذوف، والتقدير لرأيت ما تعتبر به عبرة عظيمة. وقوله {وقالوا آمنا به} أى يقولون ذلك الوقت آمنا به وصدقنا به. فقال تعالى {وأنى لهم التناوش من مكان بعيد} قيل: معناه بفوتهم تناول التوبة في الآخرة إلى الدنيا، والتناوش التناول من قولهم نشته أنوشه اذا تناولته من قريب قال الشاعر: شعر : فهي تنوش الحوض نوشاً من علا نوشا به تقطع اجواز الفلا تفسير : وتناوش القوم اذا دنا بعضهم إلى بعض، ولم يلتحم بينهم قتال، وقد همز بعضهم، فيجوز أن يكون من هذا، لأن الواو اذا انضمت همزت كقوله {أقتت} ويجوز أن يكون من النش وهو الابطاء، وانتاشه اخذ به من مكان بعيد، ومثله نأشه قال الشاعر: شعر : تمنى نئيشاً أن يكون اطاعني وقد حدثت بعد الأمور امور تفسير : وقال رؤبة: شعر : اقحمني جار ابي الجاموش اليك نأش القدر المنؤش تفسير : {وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد} معناه كيف تقبل توبتهم أو يردون إلى الدنيا، وقد كفروا بالله ورسله من قبل ذلك، وهو قوله {بالغيب من مكان بعيد} يعني قولهم هو ساحر وهو شاعر وهو مجنون. وقيل: هو قولهم لا بعث ولا جنة ولا نار - ذكره قتادة - وقال البلخي: يجوز ان يكون اراد انهم يفعلون ذلك بحجة داحضة وأمر بعيد. وقال قوم: يقذفون بالظن ان التوبة تنفعهم يوم القيامة عن مكان بعيد الا ان في العقل انها لا تقبل. ثم قال {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} أى فرق بينهم وبين شهواتهم، من قبول توبتهم وايصالهم إلى ثواب الجنة أو ردهم إلى دار الدنيا {كما فعل} مثل ذلك {باشياعهم من قبل} وهو جمع الجمع تقول شيعة وشيع واشياع، ولان أشياعهم تمنوا أيضاً مثل ذلك فحيل بينهم وبين تمنيهم، ثم اخبر {إنهم كانوا في شك من ذلك} في الدنيا {مريب} والريب أقبح الشك الذى يرتاب به الناس. وقال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير قوله {ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت} نزلت في الجيش الذى يخسف بهم بالبيداء فيبقى رجل يخبر الناس بما رآه، ورواه حذيفة عن النبي صلى الله عليه وآله.
الجنابذي
تفسير : {وَلَوْ تَرَىٰ} لو للتّمنّى او للشّرط والجواب محذوفٌ {إِذْ فَزِعُواْ} من الهول او من الصّيحة {فَلاَ فَوْتَ} لهم من بأسنا واخذ ملائكتنا {وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} من تحت اقدامهم بالخسف كما فى الخبر عن الباقر (ع): لكأنّى انظر الى القائم (ع) وقد اسند ظهره الى الحجر (الى ان قال) فاذا جاء الى البيداء يخرج اليه جيش السّفيانىّ فيأمر الله عزّ وجلّ الارض فتأخذ باقدامهم وهو قوله عزّ وجلّ: ولو ترى اذ فزعوا فلا فوت واخذوا من مكانٍ قريبٍ.
اطفيش
تفسير : {ولو ترى} يا محمد والمفعول محذوف أي ولو تراهم اولا يعتبر له مفعول. {إذ فزعوا} وهو وقت الموت او يوم بدر او وقت البعث. وقال الحسن: وقت النفخة الاولى وحكي عنه بعض قومنا انه قال هو وقت البعث ورجح عياض التفسير بوقت البعث وجواب لو محذوف تقديمه لرأيت امرا فظيعا او نحو هذا واذ في ذلك مستعملة للاستقبال والماضي مستعمل له ايضا او نزل الامر المستقبل منزلة الماضي. وقال ابن عباس نزلت الآية في خسف البهداء وذلك ان ثمانين الفا يغزون الكعبة ليخربوها فاذا دخلوا البداء خسف بهم. {فلا فوت} لم يفوتوا بهرب ولا تحصين. {وأخذوا من مكان قريب} من الموقف الى النار او من ظهر الارض الى بطنها اذا ماتوا او من تحت اقدامهم اذا خسف بهم او من صحراء بدر الى القليب او من تحت اقدامهم اذا سمعوا النفخة لانهم قيل يسمعونها من تحت اقدامهم والعطف على فزعوا او على فوت اذا المعنى فلم يفوتونا ويؤيده قراءة بعض واخذ بفتح الهمزة وسكون الخاء والتنوين على انه لا فوت هناك وهناك اخذ فهو مبتدأ محذوف الخبر وقيل معطوف على لا واسمها عطف توهم باعتبار معنى قولك هناك عدم فوت واخذ برفع اخذ.
اطفيش
تفسير : {ولوْ تَرى} يا محمد وهو الأصل، وأجيز عموم الخطاب للصالح له على البدلية، ولا مفعول له على معنى لو صدرت منك رؤية، أو المفعول به محذوف، أى ولو ترى الكفار، أو لو ترى فزعهم وهو إذ من قوله عز وجل: {إذ فَزعُوا} على التجوز، إذ رؤية الزمان رؤية ما فيه، كما أن نفس الفزع لا يرى، إنما يرى جسد من تأثر به، ووقت الفزع يوم القيامة، كما يتبادر، وهو قول مجاهد، والمراد كما قال بعض المحققين فزع البعث، كما قال الحسن، وعن قتادة: فزع الدنيا عند الموت إذا عاينوا ملائكة الموت، وعن الضحاك: يوم بدر، فالمراد فزع الحرب، وعن السدى وابن زيد فزع ضرب أعناقهم يوم بدر، وقيل: فزع جنود السفيانى مع السفيانى، إذ تخسف بهم البيداء، إذ يهزمهم المهدى، فلا ينجو منهم إلا المخبر عنهم، وجواب لو محذوف مقدر بعد قوله عز وعلا: "أية : وقالوا آمنا به" تفسير : [سبأ: 52] على أنه عطف على أخذوا أى لرأيت أمراً مهولا. {فَلاَ فَوت} لا يفوتون عذاب الله بهرب أو موت أو نصر ناصر، أو شفاعة شافع، والخبر محذوف أى لا فوت لهم {وأخِذوا} أخذتهم الملائكة {مِنْ مكانٍ قَريبٍ} من الموقف الى النار، وأخذهم الله، أو الأرض من تحت أقدامهم من البيداء، أو من بدر، لأن القليب المطروح فيه قتلى بدر فى بدر، أو أخذهم المسلمون من مواضع قتلهم فى بدر الى القليب، ولا قرب ولا بعد بالنسبة الى الله عز وجل، والعطف فى الموضعين على فزعوا، إلا أن الأول عطف اسمية على فعلية، وقدمت على الفعلية للفاصلة، أو يقدر مثلها بعد قريب تأكيدا، أو لأن الأخذ غير عدم الفوت، بل مسبب له، وسبب لتحقق عدم الفوت وجودا، أو تعطف الفعلية على لافوت لهم، بمعنى فلم يفوتوا وأخذوا، والفاء لترتيب بلا تسبب، ويجوز التعليل أى فزعوا لأنه فوت، فان فزعهم فشل يترتب عليه عدم الفوت فى الجملة، وعدم الفوت بمعنى الحصر، والضبط ليس نفس الأخذ، بل سبب له، وفاء السببية داخلة على المسبب، لأن عدم فوتهم من فزعهم وحيرتهم، والتعليلية داخلة على السبب.
الالوسي
تفسير : {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ } أي اعتراهم انقباض ونفار من الأمر المهول المخيف، والخطاب في {ترى} للنبـي صلى الله عليه وسلم أو لكل من تصح منه الرؤية، ومفعول {تَرَى } محذوف أي الكفار أو فزعهم أو هو {إِذْ } على التجوز إذ المراد برؤية الزمان رؤية ما فيه أو هو متروك لتنزيل الفعل منزلة اللازم أي لو تقع منك رؤية وجواب {لَوْ } محذوف أي لرأيت أمراً هائلاً، وهذا الفزع على ما أخرج ابن أبـي حاتم عن مجاهد يوم القيامة، والظاهر عليه أنه فزع البعث وهو مروي عن الحسن وأخرج ابن المنذر وغيره عن قتادة أنه في الدنيا عند الموت حين عاينوا الملائكة عليهم السلام. وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك أنه يوم بدر فقيل هو فزع الحرب، وعن السدي وابن زيد فزع ضرب أعناقهم ومعاينة العذاب، وقيل في آخر الزمان حين يظهر المهدي ويبعث إلى السفياني جنداً فيهزمهم ثم يسير السفياني إليه حتى إذا كان ببيداء من الأرض خسف به وبمن معه فلا ينجو منهم إلا المخبر عنهم فالفزع فزع ما يصيبهم يومئذٍ. {فَلاَ فَوْتَ } فلا يفوتون الله عز وجل بهرب أو نحوه عما يريد سبحانه بهم {وَأُخِذُواْ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ } من الموقف إلى النار أو من ظهر الأرض إلى بطنها أو من صحراء بدر إلى القليب أو من تحت أقدامهم إذا خسف بهم، والمراد بذكر قرب المكان سرعة نزول العذاب بهم والاستهانة بهم وبهلاكهم وإلا فلا قرب ولا بعد بالنسبة إلى الله عز وجل، والجملة عطف على {فَزِعُواْ } على ما ذهب إليه جماعة قال في «الكشف»: وكأن فائدة التأخير أن يقدر فلا فوت ثانياً إما تأكيداً وإما أن أحدهما غير الآخر تنبيهاً على أن عدم الفوت سبب للأخذ وأن الأخذ سبب لتحققه وجوداً، وفيه مبالغة حسنة، وقيل على {لا فَوْتَ } على معنى فلم يفوتوا وأخذوا، واختاره ابن جني معترضاً على ما تقدم بأنه لا يراد: ولو ترى وقت فزعهم وأخذهم وإنما المراد: ولو ترى إذ فزعوا ولم يفوتوا وأخذوا، وبما نقل عن «الكشف» يتحصل الجواب عنه. وجوز كونها حالاً من فاعل {فَزِعُواْ } أو من خبر (لا) المقدر وهو لهم بتقدير قد أو بدونه، والفاء في {فَلاَ فَوْتَ } قيل إن كانت سببية فهي داخلة على المسبب لأن عدم فوتهم من فزعهم وتحيرهم وإن كانت تعليلية فهي تدخل على السبب لترتب ذكره على ذكر المسبب، وإذا عطف {أُخِذُواْ } عليه أو جعل حالاً من الخبر يكون هو المقصود بالتفريع. وقرأ عبد الرحمن مولى بني هاشم عن أبيه وطلحة {فَلاَ فَوْتَ وَأُخِذُواْ } مصدرين منونين. وقرأ أبـي {فلا فوت} مبنياً {وأخذ } مصدراً منوناً، وإذا رفع {أخذ} كان خبر مبتدأ محذوف أي وحالهم أخذ أو مبتدأ خبره محذوف أي وهناك أخذ وإلى ذلك ذهب أبو حيان، وقال الزمخشري: قرىء {وأخذ} بالرفع على أنه معطوف على محل {لا فَوْتَ } ومعناه فلا فوت هناك وهناك أخذ.
ابن عاشور
تفسير : لما جاءهم التعريض بالتهديد من لازم المتاركة المدلول عليها بقوله: { أية : فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إليّ ربي } تفسير : [سبأ: 50] للعلم بأن الضال يستحق العقاب أتبع حالهم حين يحلّ بهم الفزع من مشاهدة ما هدّدوا به. والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم تسلية له أو لكل مخاطب. وحذف جواب {لو} للتهويل. والتقدير: لرأيت أمراً فظيعاً. ومفعول {ترى} يجوز أن يكون محذوفاً، أي لو تراهم، أو ترى عذابهم ويكونَ {إذ فزعوا} ظرفاً لـــ{ترى} ويجوز أن يكون {إذ} هو المفعول به وهو مجرد عن الظرفية، أي لو ترى ذلك الزمان، أي ترى ما يشتمل عليه. والفزع: الخوف المفاجىء، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: « حديث : إنكم لَتَكْثُرون عند الفَزَع وتَقِلُّون عند الطمع »تفسير : . وهذا الفزع عند البعث يشعر بأنهم كانوا غير مهيِّئين لهذا الوقت أسبابَ النجاة من هوله. والأخذ: حقيقته التناول وهو هنا مجاز في الغلب والتمكن بهم كقوله تعالى: { أية : فأخذهم أخذة رابية } تفسير : [الحاقة: 10]. والمعنى: أُمسِكُوا وقَبض عليهم لملاقاة ما أعد لهم من العقاب. وجملة {فلا فوت} معترضة بين المتعاطفات. والفوت: التفلت والخلاص من العقاب، قال رويشد الطائي: شعر : إن تذنبوا ثم تأتيني بقيتكم مما علي بذنب منكم فوت تفسير : أي إذا أذنبتم فجاءت جماعة منكم معتذرين فذلك لا يدفع عنكم جزاءكم على ذنبكم. وفي «الكشاف»: «ولو، وإذْ، والأفعال التي هي فَزِعوا، وأُخذوا، وحيل بينهم، كلها للمضيّ، والمراد بها الاستقبال لأن ما الله فاعله في المستقبل بمنزلة ما كان ووُجد لتحققه» ا هــــ. ويزداد عليها فعل {وقالوا}. والمكان القريب: المحشر، أي أخذوا منه إلى النار، فاستغني بذكر {مِن} الابتدائية عن ذكر الغاية لأن كل مبدأ له غاية، ومعنى قرب المكان أنه قريب إلى جهنم بحيث لا يجدون مهلة لتأخير العذاب. وليس بين كلمتي {قريب} هنا والذي في قوله: { أية : إنه سميع قريب } تفسير : [سبأ: 50] ما يشبه الإِيطاء في الفواصل لاختلاف الكلمتين بالحقيقة والمجاز فصار في الجمع بينهما محسِّن الجناس التام. وعطف {وقالوا} على {وأخذوا} أي يقولون حينئذٍ: آمنّا به. وضمير {به} للوعيد أو ليوم البعث أو للنبي صلى الله عليه وسلم أو القرآن، إذا كان الضمير مَحكياً من كلامهم لأن جميع ما يصحّ مَعاداً للضمير مشاهد لهم وللملائكة، فأُجملوا فيما يراد الإِيمان به لأنهم ضاق عليهم الوقت فاستعجلوه بما يحسبونه مُنجياً لهم من العذاب، وإن كان الضمير من الحكاية فهو عائد إلى الحق من قوله: { أية : قل إن ربي يقذف بالحق } تفسير : [سبأ: 48] لأن الحقّ يتضمن ذلك كله. ثم استطرد الكلام بمناسبة قولهم {آمنّا به} إلى إضاعتهم وقت الإِيمان بجملة {وأنى لهم التناوش} إلى آخرها. و{أنَّى} استفهام عن المكان وهو مستعمل في الإِنكار. و{التناوش} قرأه الجمهور بواو مضمومة بعد الألف وهو التناول السهل أو الخفيف وأكثر وروده في شرب الإِبل شرباً خفيفاً من الحوض ونحوه، قال غَيلان بن حُريْث: شعر : باتتْ تنُوش الحوضَ نَوْشاً من عَلا نَوْشاً به تقطع أجْواز الفَلا تفسير : يتحدث عن راحلته، أي تتناول الماء من أعلاه ولا تغوص مشافرها فيه. وجملة {وأنى لهم التناوش من مكان بعيد} مركب تمثيلي يفيد تشبيه حالهم إذ فرطوا في أسباب النجاة وقت المِكْنَة منها حين كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم ويحرضهم ويحذرهم وقد عمرهم الله ما يتذكر فيه من تذكر ثم جاؤوا يطلبون النجاة بعد فوات وقتها بحالهم كحال من يريد تناوشها وهو في مكان بعيد عن مراده الذي يجب تناوله. وهذا التمثيل قابل لتفريق أجزائه بأن يشبه السعي بما يحصل بسرعة بالتناوش ويشبه فوات المطلوب بالمكان البعيد كالحوض. وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلفٌ بالهمزة في موقع الواو فقال الزجاج: وهو من إبدال الواو المضمومة همزة لقصد التخفيف في نطق الضمة كقوله تعالى: { أية : أقتت } تفسير : [المرسلات: 11] وقولهم: أَجُوهٌ: جمع وجه. وبحث فيه أبو حيان، وقال الفراء والزجاج أيضاً: هو من نَأش بالهمز إذا أبطأ وتأخر في عمل. ومنه قول نهشل بن حَرِي النهشلي: شعر : تمنّى نَئِيشاً أن يكون أطاعني وقد حدثت بعد الأمور أمور تفسير : أي تمنّى أخيراً. وفسر المعري في «رسالة الغفران» نئيشاً بمعنى: بعد ما فات. وعلى كلا التفسيرين فالمراد بالتناوش وصف قولهم: {آمنا به} بأنه إيمان تأخر وقته أو فات وقته. وفي الجمع بين {مكان قريب} و{مكان بعيد} محسن الطباق. وجملة {وقد كفروا به من قبل} في موضع الحال، أي كيف يقولون آمنّا به في وقت الفوات والحال أنهم كفروا به من قبلُ في وقت التمكن فهو كقوله تعالى: { أية : وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون } تفسير : [القلم: 43]. {ويقذفون} عطف على {كفروا} فهي حال ثانية. والتقدير: وكانوا يقذفون بالغيب. واختيار صيغة المضارع لحكاية الحالة كقوله تعالى: { أية : ويصنع الفلك } تفسير : [هود: 38]. والقذف: الرمي باليد من بعد. وهو هنا مستعار للقول بدون تروِّ ولا دليل، أي يتكلمون فيما غاب عن القياس من أمور الآخرة بما لا علم لهم به إذ أحالوا البعث والجزاء وقالوا لشركائهم: هم شفعاؤنا عند الله. ولك أن تجعل {ويقذفون بالغيب من مكان بعيد} تمثيلاً مثل ما في قوله {وأنى لهم التناوش من مكان بعيد}، شبهوا بحال من يقذف شيئاً وهو غائب عنه لا يراه فهو لا يصيبه البتة. وحُذف مفعول {يقذفون} لدلالة فعل {وقد كفروا به من قبل} عليه، أي يقذفون أشياء من الكفر يرمون بها جزافاً. والغيب: المغيَّب. والباء للملابسة، والمجرور بها في موضع الحال من ضمير {يقذفون}، أي يقذفون وهم غائبون عن المقذوف من مكان بعيد. و{مكان بعيد} هنا مستعمل في حقيقته يعني من الدنيا، وهي مكان بعيد عن الآخرة للاستغناء عن استعارته لِما لا يشاهد منه بقوله: {بالغيب} كما علمت فتعين للحقيقة لأنها الأصل، وبذلك فليس بين لفظ {بعيد} المذكور هنا والذي في قوله: {وأنى لهم التناوش من مكان بعيد} ما يشبه الإِيطاء لاختلاف الكلمتين بالمجاز والحقيقة.
القطان
تفسير : اذ فزعوا: اذ خافوا. فلا فوت: فلا مهرب. ويقذفون بالغيب: ويرجّحون بالظنون. أنى لهم التناوش: من اين لهم التناول، يقال ناشه: تناوله. بأشياعهم: بأشباههم وأمثالهم من كفرة الأمم. مريبٍ: مُوقعٍ في الريبة. في ختام السورة يبين الله حالة الجاحدين وكيف يتولاهم الفزعُ والخوف الرهيب في ذلك اليوم العصيب. ولو ترى ايها الرسول هؤلاء المكذّبين اذ تملَّكهم الفزعُ يوم القيامة عندما يرون العذاب الشديد - لرأيتَ ما يعجز القول عن وصفه، فلا مهربَ لهم من العذاب، وأُخذوا الى النار من مكان قريب. وقالوا عندما شاهدوا العذاب: آمنا بالحق، لكنْ أنى لهم تناولُ الايمان بسهولة من مكان بعيد هو الدنيا، وقد خرجوا منها وانقضى وقتها! لقد كفروا بالله ورسوله وملائكته من قبل. {وَيَقْذِفُونَ بِٱلْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} ذلك حين أنكروا هذا اليومَ، وكذّبوا بالبعث والنشور والحساب والجزاء، واليوم يحاولون تناول الايمان، وذلك بعيد عنهم. {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} فلا رجوعَ الى الدنيا، ولا ينفع إيمانُهم، كما قال تعالى ايضا: {أية : فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوۤاْ آمَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُ وَكَـفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا}تفسير : [غافر:84، 85]. {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مُّرِيبِ} لقد كان لهم أشباهٌ ونظائر من الأمم السابقة، أعرضوا عن ربهم في الحياة الدنيا فتمنَّوا الرجوع الى الدنيا حين رأوا بأس الله: لأنهم كانوا في حياتهم السابقة شاكّين فيما أخبرتْ به الرسلُ من البعث والجزاء. وهكذا ختمت هذه السورة الكريمة بهذا العنف، وبتصويرٍ حيّ لمشهد من مشاهد القيامة، وعندها يظهر اليقينُ بعد الشك المريب.
د. أسعد حومد
تفسير : (51) - وَلَوْ رَأَيتَ يَا مُحَمَّدُ هَؤُلاءِ المُكَذِّبينَ، حِينَ يَعْتَرِيهِمُ الفَزَعُ مِنْ رُؤيةِ العذابِ المَهُولِ يومَ القِيامَةِ، إِذاً لَرَأَيْتَ شَيْئاً يَعْجَزُ القَوْلُ عَنْ وَصْفِهِ، فَهُمْ لاَ يَسْتَطِيعُونَ الهَرَبَ والنَّجَاةَ، وَلا مَهْرَبَ لَهُمْ وَلاَ مَلْجَأَ (فَوْتَ)، بَلْ يُؤْخَذُونَ مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ (رَأْساً) مِنَ المَوْقِفِ إِلى النَّارِ. فَزِعُوا - خَافُوا عِنْدَ المَوتِ أَوْ عِنْدَ البَعْثِ. فَلا فَوْتَ - فَلاَ مَهْرَبَ، وَلاَ نَجَاةَ مِنَ العَذَابِ. مَكَانٍ قَرِيبٍ - مَوْقِفِ الحِسَابِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ} [سبأ: 51] أسلوب شرط ورد عدة مرات في القرآن الكريم، وتلحظ أن السياق لم يذكر له جواباً، واقرأ: {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ ٱلظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} تفسير : [سبأ: 31]. {أية : وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يٰلَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَٰتِ رَبِّنَا ..} تفسير : [الأنعام: 27]. فالجواب هنا محذوف؛ لأنه معلوم من السياق، فالتقدير هنا: ولو ترى يا محمد إذ فزعوا يوم القيامة أرأيتَ شيئاً عظيماً وأمراً عجيباً يريح قلبك، وينتقم لك جزاءَ ما كذَّبوك وعاندوك، وقد ورد هذا المعنى أيضاً في قوله تعالى: {أية : هَلْ ثُوِّبَ ٱلْكُفَّارُ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ} تفسير : [المطففين: 36]. فالذين طغَوْا وتجبَّروا في الدنيا، وصادموا كلمة الحق، وكانوا عُتَاة وفراعنة تراهم في الآخرة حين يصيبهم فزعها (بسابس) قططاً وأرانب. ومعنى {فَلاَ فَوْتَ} [سبأ: 51] لا مهربَ ولا نجاةَ لهم؛ لأن الإنسان قد يفزع ويخاف من شيء، لكن يستطيع الهرب منه، أو ربما ينقذه أحد، أما هؤلاء فسوف يفزعون دون منقذ ودون مهرب ولا مفر، وهذا يشفي صدرك وصدور المؤمنين الذين أوذوا معك في سبيل نشر دعوة الحق. فكما وقفوا في وجه دعوة الله سيقفون يوم القيامة موقفَ الذلة والمهانة، وتأمل: {أية : مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ} تفسير : [سبأ: 31] {أية : وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ} تفسير : [الأنعام: 27] {أية : وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمْ} تفسير : [الأنعام: 30] يعني: ينتظرون أنْ يُؤذَن لهم ليرَوْا ماذا سيقول شفعاؤهم الذين عبدوهم من دون الله، لكن يُفاجأون بأن شفعاءهم وكبراءهم يسبقونهم إلى النار، ويتقدمونهم إلى العذاب كما تقدَّموهم في الضلال. لذلك يقول سبحانه: {أية : ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى ٱلرَّحْمَـٰنِ عِتِيّاً} تفسير : [مريم: 69] وقال عن فرعون: {أية : يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ ٱلنَّارَ وَبِئْسَ ٱلْوِرْدُ ٱلْمَوْرُودُ} تفسير : [هود: 98]. وهكذا يُيئِّسهم الله من النجاة؛ لأنهم كانوا ينتظرون هؤلاء الشفعاء وهؤلاء الرؤساء ليدافعوا عنهم، فإذا بهم يتقدمونهم إلى العذاب. وهذه الوقفات التي ذكرناها للكفار يوم القيامة، كل وَقْفة منها لها ذلة، وكل وَقْفة لها فزعة، وكل وقفة عذابٌ في حدِّ ذاتها، وكأن الحق سبحانه يقول لنبيه: لو رأيت وقفاتهم وفزعهم لَشَفى غليلك، ولعلمتَ أننا استطعنا أنْ نجازيهم بما يستحقون. وسبق أنْ مثَّلْنا لهذا الموقف بواحد (فتوة) أو (فاقد) يُذِل أهل بلده ويُخيفهم، فالكل يخافه ويجامله ويتقي شرَّه، وفي إحدى المرات قبضتْ عليه الشرطة وساقوه في السلاسل، فترى أهل البلدة فرحين يتغامزون به، ونسمع فعلاً في مثل هذا الموقف مَنْ يقول (لو شفتْ اللي حصل لفلان)، والمعنى: رأيتَ أمراً عجيباً لا يُتخيَّل في الذهن. ومعنى: {وَأُخِذُواْ} [سبأ: 51] أُهْلِكوا {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} [سبأ: 51] هو موقف القيامة ومكان الحساب، يعني: لم يترك لهم الحق سبحانه بحبوحة، إنما أخذهم من الحساب إلى النار. ثم يقول الحق سبحانه: {وَقَالُوۤاْ آمَنَّا بِهِ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ...}.
زيد بن علي
تفسير : وقوله تعالى: {فَلاَ فَوْتَ} معناه فلا هَربَ.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يقول تعالى { وَلَوْ تَرَى } أيها الرسول، ومن قام مقامك، حال هؤلاء المكذبين، { إِذْ فَزِعُوا } حين رأوا العذاب، وما أخبرتهم به الرسل، وما كذبوا به، لرأيت أمرا هائلا ومنظرا مفظعا، وحالة منكرة، وشدة شديدة، وذلك حين يحق عليهم العذاب. فليس لهم عنه مهرب ولا فوت { وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ } أي: ليس بعيدا عن محل العذاب، بل يؤخذون، ثم يقذفون في النار. { وَقَالُوا } في تلك الحال: { آمَنَّا } بالله وصدقنا ما به كذبنا { و } لكن { أَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ } أي: تناول الإيمان { مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } قد حيل بينهم وبينه، وصار من الأمور المحالة في هذه الحالة، فلو أنهم آمنوا وقت الإمكان، لكان إيمانهم مقبولا ولكنهم { كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ } أي: يرمون { بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ } بقذفهم الباطل، ليدحضوا به الحق، ولكن لا سبيل إلى ذلك، كما لا سبيل للرامي، من مكان بعيد إلى إصابة الغرض، فكذلك الباطل، من المحال أن يغلب الحق أو يدفعه، وإنما يكون له صولة، وقت غفلة الحق عنه، فإذا برز الحق، وقاوم الباطل، قمعه. { وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } من الشهوات واللذات، والأولاد، والأموال، والخدم، والجنود، قد انفردوا بأعمالهم، وجاءوا فرادى، كما خلقوا، وتركوا ما خولوا، وراء ظهورهم، { كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ } من الأمم السابقين، حين جاءهم الهلاك، حيل بينهم وبين ما يشتهون، { إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ } أي: محدث الريبة وقلق القلب فلذلك، لم يؤمنوا، ولم يعتبوا حين استعتبوا. تم تفسير سورة سبأ - وللّه الحمد والمنة، والفضل، ومنه العون، وعليه التوكل، وبه الثقة.
همام الصنعاني
تفسير : 2429- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ فَزِعُواْ فَلاَ فَوْتَ}: [الآية: 51]، قال: فَزِعُوا في الدنيا، حين رأوا بأس الله فلا فوت. 2430- قال معمر، وقال الحسن: فَزِعوا مِنْ قبورهم يَوْمَ القيامة.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):