Verse. 3660 (AR)

٣٤ - سَبَأ

34 - Saba (AR)

وَحِيْلَ بَيْنَہُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَہُوْنَ كَـمَا فُعِلَ بِاَشْـيَاعِہِمْ مِّنْ قَبْلُ۝۰ۭ اِنَّہُمْ كَانُوْا فِيْ شَكٍّ مُّرِيْبٍ۝۵۴ۧ
Waheela baynahum wabayna ma yashtahoona kama fuAAila biashyaAAihim min qablu innahum kanoo fee shakkin mureebin

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وحيلَ بينهم وبين ما يشتهون» من الإيمان، أي قبوله «كما فُعل بأشياعهم» أشباههم في الكفر «من قبل» أي قبلهم «إنهم كانوا في شك مريب» موقع في الريبة لهم فيما آمنوا به الآن ولم يعتدوّا بدلائله في الدنيا.

54

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } من العود إلى الدنيا أو بين لذات الدنيا، فإن قيل: كيف يصح قولك ما يشتهون من العود مع أنه تعالى قال: {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَـاعِهِم مّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُواْ فِى شَكّ مُّرِيبٍ } وما حيل بينهم وبين العود؟ قلنا لم قلتم إنه ما حيل بينهم، بل كل من جاءه الملك طلب التأخير ولم يعط وأرادوا أن يؤمنوا عند ظهور اليأس ولم يقبل، وقوله: {مُرِيبٍ } يحتمل وجهين أحدهما: ذي ريب والثاني: موقف في الريب، وسنذكره في موضع آخر إن شاء الله تعالى، والله أعلم بالصواب، والحمد لله رب العالمين وصلاته على خير خلقه محمد النبـي وآله وصحبه وأزواجه أجمعين.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} قيل: حيل بينهم وبين النجاة من العذاب. وقيل: حيل بينهم وبين ما يشتهون في الدنيا من أموالهم وأهليهم. ومذهب قتادة أن المعنى أنهم كانوا يشتهون لما رأوا العذاب أن يقبل منهم أن يطيعوا الله جل وعز وينتهوا إلى ما يأمرهم به الله فحيل بينهم وبين ذلك؛ لأن ذلك إنما كان في الدنيا وقد زالت في ذلك الوقت. والأصل «حُوِل» فقلبت حركة الواو على الحاء فانقلبت ياء ثم حذفت حركتها لثقلها. {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم} الأشياع جمع شِيَع، وشِيَع جمعه شيعة. {مِّن قَبْلُ} أي بمن مضى من القرون السالفة الكافرة. {إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ} أي من أمر الرسل والبعث والجنة والنار. وقيل: في الدين والتوحيد، والمعنى واحد. {مُّرِيبِ } أي يستراب به، يقال: أراب الرجل أي صار ذا ريبة، فهو مريب. ومن قال هو من الريب الذي هو الشك والتهمة قال: يقال شكٌّ مريب؛ كما يقال: عجبٌ عجيب وشعر شاعر؛ في التأكيد. ختمت السورة، والحمد لله رب العالمين.

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } من الإِيمان أي قبوله {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم } أشباههم في الكفر {مِن قَبْلُ } أي قبلهم {إِنَّهُمْ كَانُواْ فِى شَكٍّ مُّرِيبٍ } موقع في الريبة لهم فيما آمنوا به الآن ولم يعتدّوا بدلائله في الدنيا.

ابن عبد السلام

تفسير : {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ} وبين الدنيا، أو بينهم وبين الإيمان "ح"، أو التوبة أو طاعة الله ـ تعالى ـ أو بين المؤمن وبين العمل وبين الكافر وبين الإيمان. قاله ابن زيد {بِأَشْيَاعِهِم} أوائلهم من الأمم الخالية أو أصحاب الفيل لما أرادوا هدم الكعبة، أو أمثالهم من الكفار لم يقبل لهم توبة عند المعاينة {فِى شَكٍّ} من نبيهم فلا يعرفونه أو من نزول العذاب بهم.

البقاعي

تفسير : ولما أشار إلى بعد الإيمان منهم عند إرادتهم تناوله عند فوات أمره وعلوه عنهم عند طعنهم فيه في دار العمل، ترجم حالتيهم في ذلك على وجه يعم ثمرات الإيمان من دخول الجنان ورضى الرحمن بقوله: {وحيل} معبراً بصيغة المجهول مشيراً إلى أن حصول الحيلولة بأسهل ما يكون ولأن المنكي لهم نفس الحيلولة لا كونها من شخص معين: {بينهم وبين ما يشتهون} أي يميلون إليه ميلاً عظيماً من تأثير طعنهم وقبول إيمانهم عند رؤية، البأس ومن حصول شيء من ثمراته لهم من حسن الثواب كما يرى الإنسان منهم - وهو في غمرات النار - مقعده في الجنة، الذي كان يكون له لو آمن ولا يقدر على الوصول إليه بوجه، وإن خيل إليه الوصول فقصده فمنع منه كان أنكى {كما فعل} أي بأيسر وجه {بأشياعهم} أي الذين كفروا مثلهم {من قبل} أي قبل زمانهم فإن حالهم كان كحالهم في الكفران والإيمان، والسعادة والخسران، ولم يختل أمرنا في أمة من الأمم، بل كان كلما كذبت أمة رسولها أخذناها، فإن أذقناهم بأسنا أذعنوا وخضعوا، فلم نقبل منهم ذلك، ولا نفعهم شيئاً لا بالكف عن إهلاكهم ولا بإدراكهم لشيء من الخير بعد إهلاكهم {أية : إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} تفسير : [ق: 37]. ثم علل عدم الوصول إلى قصد في كل من الحالتين بقوله مؤكداً لإنكارهم أن يكون عندهم شيء من شك في شيء من أمرهم: {إنهم كانوا} أي في دار القبول كوناً هو كالجبلة لهم {في شك} أي في جميع ما يخبرهم به رسلنا عنا من الجزاء أو غير ذلك {مريب *} أي موقع في الريبة، فهو بليغ في بابه كما يقال: عجب عجيب، أو هو واقع في الريب كما يقال: شعر شاعر، أي - ذو شعر، فكيف يقبلون أو ينفذ طعنهم أو تحصل لهم تمرة طيبة وهو على غير بصيرة في شيء من أمرهم بل كانوا يشكون في قدرتنا وعظمتنا، فاللائق بالحكمة أن نبين لهم العظمة بالعذاب لهم والثواب لأحبابنا الذين عادوهم فينا فتبين أنهم يؤمنون به عند ظهور الحمد أتم الظهور إما في الآخرة أو في مقدماتها، فظهر سر الإفصاح بقوله "وله الحمد في الآخرة" وأنه حال سبحانه بينهم وبين ما يريدون فتبين أنه مالك كل شيء فصح أن له الحمد في الأولى وفي كل حالة - وقد تعانق آخرها مع أولها، والتحم مقطعها بموصلها - والله سبحانه وتعالى هو المستعان إليه والمرجع والمآب.

السيوطي

تفسير : أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه في قوله ‏{‏وحيل بينهم وبين ما يشتهون‏} ‏ قال‏: ‏حيل بينهم وبين الايمان‏.‏ وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏وحيل بينهم وبين ما يشتهون‏} ‏ قال‏:‏ من مال، أو ولد، أو زهرة، أو أهل ‏ {‏كما فعل بأشياعهم من قبل‏} ‏ قال‏:‏ كما فعل بالكفار من قبلهم‏.‏ وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن السدي رضي الله عنه في قوله ‏{‏وحيل بينهم وبين ما يشتهون‏}‏ قال‏:‏ التوبة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏وحيل بينهم وبين ما يشتهون‏}‏ قال‏:‏ كان رجل من بني إسرائيل فاتحاً: أي الله فتح له مالاً، فورثه ابن له تافه - أي فاسد - فكان يعمل في مال أبيه بمعاصي الله، فلما رأى ذلك اخوان أبيه، أتوا الفتى فعذلوه ولاموه، فضجر الفتى، فباع عقاره بصامت ثم رحل، فأتى عيناً تجاهه، فسرح فيها ماله وابتنى قصرا‏ً.‏ فبينما هو ذات يوم جالس إذ شملت عليه ريح بامرأة من أحسن الناس وجهاً، وأطيبهم ريحاً فقالت‏:‏ من أنت يا عبد الله‏؟‏ قال‏:‏ أنا امرؤ من بني إسرائيل قالت‏:‏ فلك هذا القصر وهذا المال‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ ‏قالت‏:‏ فهل لك من زوجة‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قالت‏:‏ فكيف يهنيك العيش ولا زوجة لك‏؟‏ قال‏:‏ قد كان ذاك، فهل لكِ من بعل‏؟‏ قالت‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فهل لك أن أتزوجك‏؟‏ قالت‏:‏ إني امرأة منك على مسيرة ميل، فإذا كان غذ فتزود زاد يوم وأئتني، وإن رأيت في طريقك هولاً قال‏:‏ نعم‏.‏ قالت‏:‏ إنه لا بأس عليك فلا يهولنك‏.‏ فلما كان من الغد تزود زاد يوم وانطلق إلى قصر، فقرع بابه، فخرج إليه شاب من أحسن الناس وجهاً، وأطيبهم ريحاً فقال‏:‏ من أنت يا عبد الله‏؟‏ قال‏:‏ أنا الاسرائيلي قال‏:‏ فما حاجتك‏؟‏ قال‏:‏ دعتني صاحبة هذا القصر إلى نفسها قال‏:‏ صدقت فهل رأيت في طريقك هولا‏ً؟‏ قال‏:‏ نعم، ولولا أنها أخبرتني أن لا بأس عليَّ لهالني الذي رأيت، أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذ أنا بكلبة فاتحة فاها، ففزعت، فوثبت فإذا أنا من ورائها، وإذا جروها ينحر على صدرها قال‏:‏ لست تدرك هذا، هذا يكون آخر الزمان يقاعد الغلام المشيخة فيغلبهم على مجلسهم، ويأسرهم حديثهم‏.‏ ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل وإذا بمائة اعنز حفل، وإذا فيها جدي يمصها، فإذا أتى عليها فظن أنه لم يترك شيئاً، فتح فاه يلتمس الزيادة قال‏:‏ لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان ملك يجمع صامت الناس كلهم، حتى إذا ظن أنه لم يترك شيئاً، فتح فاه يلتمس الزيادة قال‏:‏ ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بشجر، فاعجبني غصن من شجرة منها ناضر، فأردت برجل معه منجل يحصد ما بلغ وما لم يبلغ قال له‏:‏ لو حصدت ما بلغ، وتركت ما لم يبلغ قال له‏:‏ امض‏.‏‏.‏ لا تكونن مكلفاً، سوف يأتيك خبر هذا‏.‏ قطعه، فنادتني شجرة أخرى‏:‏ يا عبدالله مني فخذ‏.‏ حتى ناداني الشجر‏:‏ يا عبدالله منا فخذ‏.‏ قال‏:‏ لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان يقل الرجال، ويكثر النساء، حتى إن الرجل ليخطب المرأة فتدعوه العشرة والعشرون إلى أنفسهن‏.‏ قال‏:‏ ثم أقبلت حتى انفرج بي السبيل، فإذا أنا برجل قائم على عين يغرف لكل انسان من الماء، فإذا تصدعوا عنه صب الماء في جرته، فلم تعلق جرته من الماء بشيء قال‏:‏ لست تدرك هذا، هذا يكون في آخر الزمان القاضي يعلم الناس العلم، ثم يخالفهم إلى معاصي الله، ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل، إذا أنا برجل يميح على قليب، كلما أخرج دلوه صبه في الحوض، فانساب الماء راجعاً إلى القليب قال‏:‏ هذا رجل رد الله عليه صالح عمله فلم يقبله‏.‏ ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل، إذا أنا برجل يبذر بذراً فيستحصد، فإذا حنطة طبية قال‏:‏ هذا رجل قبل الله صالح عمله وأزكاه له‏.‏ قال‏:‏ ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل، إذا أنا بعنز، وإذا قوم قد أخذوا بقوائمها، وإذا رجل آخذ بقرنيها، وإذا رجل آخذ بذنبها، وإذا رجل قد ركبها، وإذا رجل يحلبها فقال‏:‏ أما العنز فهي الدنيا، والذين أخذوا بقوائمها فهم يتساقطون من عليتها، وأما الذي قد أخذ بقرنيها فهو يعالج من عيشها ضيقاً، وأما الذي قد أخذ بذنبها فقد أدبرت عنه، وأما الذي ركبها فقد تركها، وأما الذي يتحلبها‏.‏ فبخ‏.‏ بخ ذهب ذاك بها قال‏:‏ ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل، إذا أنا برجل مستلق على قفاه فقال‏:‏ يا عبد الله أدن مني، فخذ بيدي واقعدني، فوالله ما قعدت منذ خلقني الله، فاخذت بيده فقام يسعى حتى ما أراه فقال له الفتى‏:‏ هذا عمرك فقد، وأنا ملك الموت، وأنا المرأة التي أتيتك، أمرني الله بقبض روحك. في هذا المكان، ثم أصيرك إلى جهنم‏.‏ قال ففيه نزلت هذه الآيه ‏ {‏وحيل بينهم وبين ما يشتهون‏}‏ ‏. وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات بسند ضعيف من طريق عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال‏:‏ لا تهتكوا ستراً فإنه كان رجل في بني إسرائيل، وكان له امرأة، وكانت إذا قدمت إليه الطعام ثم قامت على رأسه ثم تقول‏:‏ هتك الله ستر امرأة تخون زوجها بالغيب، فبعث إليها يوم بسمكة، ثم قامت على رأسه فقالت‏:‏ هتك الله ستر امرأة تخون زوجها بالغيب، فقهقهت السمكة حتى سقطت من القصعة‏، ثم قال لها أعيدي مقالتك، فعادت ... فقهقهت السمكة حتى سقطت من القصعة.‏ فعل ذلك ثلاث مرات، كل ذلك تقهقه السمكة، وتضطرب حتى تسقط من الخوان‏. فأتى عالم بني إسرائيل فأخبره، فقال‏:‏ انطلق فاذكر ربك، وكل طعامك، واخسا الشيطان عنك، فقال له‏:‏ اخف الناس انطلق إلى ابنه فإنه أعلم منه، فانطلق فاخبره فقال‏:‏ ائتني بكل من في دارك ممن لم تر عورته، فأتاه فنظر في وجوههم ثم قال‏:‏ اكشف عن هذه الحبشية، فكشف عنها، فإذا مثل ذراع البكر فقال‏:‏ من هذا أتيت‏.‏ فمات أبو الفتى العالم، وهتك بهتكه ذلك الستر، واحتاج إليه الناس، فاتاه بنو إسرائيل فقالوا، ويحك‏.‏‏.‏‏!‏ أنت كنت أعلمنا،وأميننا‏.‏ فلما أن أكثروا عليه هرب منهم، إلى أن بلغ إلى أقصى موضع بني إسرائيل من أرض البلقاء، فاتيح له امرأة جميلة تستفتيه فقال لها‏:‏ هل لك أن تمكنيني من نفسك واهب لك مائة دينار‏؟‏ قالت‏:‏ أو خير من ذلك تجيء إلى أهلي تتزوّجني، وأكون لك حلالاً أبداً‏.‏ قال‏:‏ فأين منزلك فوصفت له، فطابت عليه تلك الليلة‏. فمضى فإذا هو بكلبة تنبح، في بطنها جراؤها قال‏:‏ ما أعجب هذا‏!‏ قيل له‏:‏ إمضِ‏.‏‏.‏ لا تكونن مكلفاً، فسوف يأتيك خبر هذا. فمضى فإذا هو برجل يحمل حجارة كلما ثقلت عليه وسقطت منه زاد عليها فقال له‏:‏ أنت لا تستطيع تحمل هذا تزيد عليه قال‏:‏ امض‏ِ.‏‏.‏ لا تكونن مكلفاً، سوف يأتيك خبر هذا‏.‏ فمضى فإذا هو برجل يستقي من بئر، ويصبه في حوض إلى جنب البئر، وفي الحوض ثقب، فالماء يرجع إلى البئر قال له‏:‏ لو سددت الحجر استمسك لك الماء قال‏:‏ امض‏.‏‏.‏ لا تكونن مكلفاً، سوف يأتيك خبر هذا، فمضى فإذا هو بظبية، ورجل راكب عليها، وآخر يحلبها، وآخر يمسك بقرنيها، وآخرون يمسكون بقوائمها، قال‏:‏ ما أعجب هذا‏؟‏ قال له‏:‏ امضِ‏.‏‏.‏ لا تكونن مكلفاً، سوف يأتيك خبر هذا. فمضى فإذا هو برجل يبذر بذراً فلا يقع على الأرض حتى ينبت. فمضى فإذا هو بالقصر الذي وعدته، وإذا دونه نهر، وإذا رجل جالس على سرير فقال له‏:‏ كيف الطريق إلى هذا القصر‏؟‏ ولقد رأيت في ليلتي أعاجيب قال‏:‏ ما هي؟ فذكر الكلبة‏.‏ قال‏:‏ يأتي على الناس زمان يثب الصغير على الكبير، والوضيع على الشريف، والسفيه على الحليم‏.‏ وذكر له الذي يحمل الحجارة قال‏:‏ يأتي على الناس زمان يكون عند الرجل الأمانه فلا يقدر يؤديها، ويزيد عليها‏.‏ وذكر له الذي يستقي قال‏:‏ يأتي على الناس زمان يتزوج الرجل المرأة لا يتزوجها لدين، ولا حسب، ولا جمال، إنما يريد مالها، وتكون لا تلد، فيكون كل شيء منه يرجع فيها‏.‏ وذكر له الظبيه قال‏:‏ هي الدنيا‏.‏ أما الراكب عليها، فالملك‏.‏ وأما الذين يحلبها، فهو أطيب الناس عيشاً‏.‏ وأما الذي يمسك بقرنيها، فمن أيبس الناس عيشا‏ً.‏ واما الذي يمسك بذنبها، فالذي لا يأتيه رزقه إلا قوتا‏ً.‏ والذين يمسكون بقوائمها، فسفلة الناس‏.‏ وذكر له البذر قال‏:‏ يأتي على الناس زمان لا يدري متى يتزوّج الرجل، ومتى يولد المولود، ومتى قد بلغ‏.‏ وذكر له الذي يحصد قال‏:‏ ذاك ملك الموت يحصد الصغير، والكبير، وأنا هو بعثني الله إليك لأقبض روحك على أسوأ أحوالك‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم رضي الله عنه قال: ما قرأت هذه الآية إلا ذكرت برد الشراب {وحيل بينهم وبين ما يشتهون}. وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عمر رضي الله عنه‏؛‏ أنه شرب ماء بارداً فبكى، فقيل له‏:‏ ما يبكيك‏؟‏ فقال‏:‏ ذكرت آية في كتاب الله ‏{‏وحيل بينهم وبين ما يشتهون‏} ‏ فعرفت أن أهل النار لا يشتهون إلا الماء البارد وقد قال الله ‏{أية : ‏أفيضوا علينا من الماء‏}‏تفسير : ‏[‏الأعراف: 50‏]‏. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ‏ {‏إنهم كانوا في شك مريب‏} ‏ قال‏:‏ إياكم والشك والريبة، فإنه من مات على شك بعث عليه، ومن مات على يقين بعث عليه‏.‏ والله أعلم.

القشيري

تفسير : التوبة يشتهونها في آخرالأمر وقد فات الوقت، والخَصْمُ يريد إرضاءه فيستحيي أن يذكر في ذلك الوقت، وينسدُّ لسانه ويعتقل؛ فلا يمكنه أَن يُفْصِح بما في قلبه، ويودُّ أَنْ لو كان بينه وبين ما أسلفه بُعْدٌ بعيد، ويتمنى أن يُطِيعَ فلا تساعده القوةُ، ويتمنى أن يكون له - قبل خروجه من الدنيا - نَفَسٌ... ثم لا يتفق.

اسماعيل حقي

تفسير : {وحيل بينهم} اى اوقعت الحيلولة والمنع بين هؤلاء الكفار {وبين ما يشتهون} من نفع الايمان والنجاة من النار {كما فعل باشياعهم من قبل} اى باشياعهم من كفرة الامم الماضية {انهم كانوا} فى الدنيا {فى شك} مما وجب به الايمان واليقين كالتوحيد والبعث ونزول العذاب على تقدير الاصرار {مريب} [بتهمت افكنده ودلرا مضطرب سازنده وشوراننده]. قال اهل التفسير مريب موقع لهم فى الريبة والتهمة من ارابه اذا اوقعه فى الريبة او ذى ريبة من اراب الرجل اذا صار ذا ريبة ودخل فيها وكلاهما مجاز فى الاسناد الا ان بينهما فرقا وهو ان المريب من الاول منقول ممن يصلح ان يكون مريبا من الاشخاص والاعيان الى المعنى وهو الشك اى يكون صفة من اوقع فى الريب حقيقة وقد جعل فى الآية صفة نفس الشك الذى هو معنى من المعانى. والمريب من الثانى منقول من صاحب الشك الى الشك اى انهم كانوا فى شك ذى شك كما تقول شعر شاعر وانما الشاعر فى الحقيقة صاحب الشعر وانما اسند الشاعرية الى الشعر للمبالغة واذا كان حال الكفرة الشك فى الدنيا فلا ينفعهم اليقين فى الآخرة لانه حاصل بعد معاينة العذاب والخروج من موطن التكليف وقد ذموا فى هذه الآيات بالشك والكفر والرجم بالغيب فليس للمرء ان يبادر الى انكار شئ الا بعد العلم اما بالدليل او بالشهود. قال فى الفتوحات المكية لا يجوز لاحد المبادرة الى الانكار اذا رأى رجلا ينظر الى امرأة فى الطريق مثلا فربما يكون قاصدا خطبتها او طبيبا فلا ينبغى المبادرة للانكار الا فيما لا يتطرق اليه احتمال وهذا يغلط فيه كثير من المذنبين لا من اصحاب الدين لان صاحب الدين اول ما يحتفظ على نفسه ولا سيما فى الانكار خاصة وقد ندبنا الحق الى حسن الظن بالناس لا الى سوء الظن فصاحب الدين لا ينكر قط مع الظن لانه يعلم ان بعض الظن اثم ويقول لعل هذا من ذلك البعض واثمه ان ينطق به وان وافق العلم فى نفس الامر وذلك انه ظن وما علم فنطق فيه بامر محتمل وما كان له ذلك فمعلوم ان سوء الظن بنفس الانسان اولى من سوء ظنه بالغير وذلك لانه من نفسه على بصيرة وليس هو من غيره على بصيرة فلا يقال فى حقه ان فلانا اساء الظن بنفسه بل انه عالم بنفسه وانما عبرنا بسوء الظن بنفسه اتباعا لتعبيرنا بسوء الظن بغيره فهو من تناسب الكلام والى الآن ما رأيت احدا من العلماء استبرأ لدينه هذا الاستبراء فالحمد لله الذى وفقنا لاستعماله انتهى كلام الشيخ فى الفتوحات شعر : هميشه در صدد عيب جوئى خويشيم نبوده ايم بى عيب ديكران هركز تفسير : والله الموفق لصالحات الاعمال وحسنات الاخلاق

الجنابذي

تفسير : {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} بانفسهم الحيوانيّة عند الموت، او فى القيامة، او فى كليهما {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم} اى اسناخهم {مِّن قَبْلُ} اى من قبلهم او كما فعل باتباعهم من قبل بسبب متابعتهم فانّهم باتّباعهم للرّؤساء قد حرّموا على انفسهم بعض المشتهيات وحُرِّموا عن جملة المشتهيات الاخرويّة {إِنَّهُمْ} اى الاشياع او الرّؤساء او المجموع {كَانُواْ فِي شَكٍّ مُّرِيبِ} حديث : عن النّبىّ (ص) انّه ذكر فتنة تكون بين اهل - المشرق والمغرب، قال: فبيناهم كذلك يخرج عليهم السّفيانىّ من الوادى اليابس فى فور ذلك حتّى ينزل دمشق فيبعث جيشين، جيشاً الى المشرق وآخر الى المدينة حتّى ينزلوا بارض بابل من المدينة الملعونة يعنى بغداد فيقتلون فيها اكثر من ثلاثة آلاف، ويفضحون اكثر من مائة امرئةٍ، ويقتلون بها ثلاث مائة كبشٍ من بنى العبّاس، ثمّ ينحدرون الى الكوفة فيخرّبون ما حولها ثمّ يخرجون متوجّهين الى الشّام فيخرج راية هدًى من الكوفة فتلحق ذلك الجيش فيقتلونهم لا يفلت منهم مخبر، ويستنقذون ما فى ايديهم من السّبى والغنائم، ويحلّ الجيش الثّانى بالمدينة فينهبونها ثلاثة ايّام بلياليها، ثمّ يخرجون متوجّهين الى مكّة حتّى اذا كانوا بالبيداء بعث الله جبرئيل، فيقول: يا جبرئيل اذهب فأبدِهِم، فيضربها برجله ضربةً يخسف الله بهم عندها ولا يفلت منهم الاّ رجلان من جهينة تفسير : فلذلك جاء القول: وعند جهينة الخبر اليقين، فذلك قوله ولو ترى اذ فزعوا (الآية)، وورد اخبار كثيرة فى تفسير الآية بخروج المهدىّ وجيش السّفيانىّ نظير ما ذكر عن النّبىّ (ص).

اطفيش

تفسير : {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} من ان ينفعهم ايمانهم في ذلك الوقت والنجاة من النار ودخول الجنة او من الرجوع الى الدنيا للايمان والاعمال وهو وقول الحسن وقتادة او من ان يكونوا ترابا. وقال مجاهد: من نعيم الدنيا من مال وولد وزهرة وقيل نعيم الجنة واتم ابن عامر والكسائي حيل هنا وسيق في الزمر والباقون يخلصون الكسرة والغيب ضمير الحول المعهود من قوله فلا فوت ومن قوله اني لهم التناوش وانما احتجت الى هذا ترجيحا لمنع نيابة المصدر المفهوم من الفعل بلا تقدم ما يدل له وبينهم متعلق بحيل او النائب محذوف نابت عنه صفته وهي بينهم اي حيل بينهم واجاز الاخفش. نيابة الظرف الذي لا يتصرف مع بقاء نصبه كبين وعند فيكون في محل رفع. {كما فعل بأشياعهم} وهو ما ذكر من عدم نفع الايمان في ذلك الوقت وغير ذلك مما مر والاشياع نظراءهم من الامم قبلهم الذين ماتوا كفارا. {من قبل} قبلهم. {إنهم كانوا} الضمير ان للاشياع او الكفار المحول بينهم وبين ما يشتهون او للكل {في شك} من امر الدين والبعث والجزاء. {مريب} موقع لهم في الريبة مما امنوا به الان فهو من اراب بهمزة التعدية او ذا ريبة كقولك اراب الرجل صار ذا ريبة والنعت بهذا للمبالغة كقولك شعر شاعر يتنوين شعر اشار الى الوجهين، ابو حيان قال اجار الله وكلاهما مجاز اللهم بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم والسورة اخز النصارى واهنهم واكسر وغلب المسلمين والموحدين عليهم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.

اطفيش

تفسير : {وحِيل} حال الله، ونائب الفاعل ضمير الحول، أى وحيل الحول أى أوقع الحول {بيْنهم وبين ما يشْتهون} هو الرجوع الى الدنيا، أو الايمان المقبول، أو التوبة أو طاعة الله عز وجل، ومرجع الثلاثة واحدا، والأهل والمال والولد، أو أن يغلبوا المهدى وجنده، أو أن يخربوا الكعبة أو النجاة، أو نعيم الدنيا ولذاتها {كما فُعِلَ} فعل الله {بأشْياعِهم} أشباهَهُم فى الكفر من الأمم قبلهم، فإن الكفار بعض شيعة لبعض بالكفر الجامع لهم، وقيل: المراد أصحاب الفيل، والآية فى السفيانى وجنده، يفعل بالسفيانى مثل ما فعل بأصحاب الفيل {مِن قَبْل} فى الزمان قبلهم متعلق بفعل، والحيلولة، فى الدنيا، وعلقه بعض المحققين بأشياع، على أن المراد من اتصف بصفتهم قبل، ورجح بأن ما يفعل بجميعهم فى الآخرة إنما هو فى وقت واحد. {إنَّهم} أى الأشياع، وقيل المحدث عنهم {كانُوا في شك مُريبٍ} موقع غيره من الناس فى ريبة، فهو متعد لمحذوف، أو هو للنسب، فهو لازم أى صار ذا ربية، شبه الشك بانسان يصح أن يكون مريبا لغيره، أو ذا ريبة، ورمز الى ذلك بذكر الإرابة، فالتثبيه استعارة بالكتابة، والارابة قرينة واثباتها تخييلية، ففى مريب استعارة تبعية.

الالوسي

تفسير : {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ } قال ابن عباس: هو الرجوع إلى الدنيا، وقال الحسن: هو الإيمان المقبول، وقال قتادة: طاعة الله تعالى، وقال السدي: التوبة، وقال مجاهد: الأهل والمال والولد. وقيل أي حيل بين الجيش والمؤمنين بالخسف بالجيش أو بينهم وبين تخريب الكعبة أو بينهم وبين النجاة من العذاب أو بينهم وبين نعيم الدنيا ولذتها وروي ذلك عن مجاهد أيضاً و {حيل} مبني للمجهول ونائب الفاعل كما قال أبو حيان ضمير المصدر أي وحيل هو أي الحول؛ وحاصله وقعت الحيلولة ولإضماره لم يكن مصدراً مؤكداً فناب مناب الفاعل، وعلى ذلك يخرج قوله:شعر : وقالت متى يبخل عليك ويعتلل يسؤك وإن يكشف غرامك تدرب تفسير : أي يعتلل هو أي الاعتلال، وقال الحوفي: قام الظرف مقام الفاعل، وتعقبه في «البحر» بأنه لو كان كذلك لكان مرفوعاً والإضافة إلى الضمير لا تسوغ البناء وإلا لساغ جاء غلامك بالفتح ولا يقوله أحد، نعم للبناء للإضافة إلى المبنى مواضع أحكمت في النحو، وماذا يقول الحوفي في قوله:شعر : وقد حيل بين العير والنزوان تفسير : فإنه نصب بين مع إضافتها إلى معرب. وقرأ ابن عامر والكسائي بإشمام الضم للحاء. {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَـٰعِهِم مّن قَبْلُ } أي بأشباههم من كفرة الأمم الدارجة، و {مِن قَبْلُ } متعلق بأشياعهم على أن المراد من اتصف بصفتهم من قبل أي في الزمان الأول، ويرجحه أن ما يفعل بجميعهم في الآخرة إنما هو في وقت واحد أو متعلق بفعل إذا كانت الحيلولة في الدنيا، وعن الضحاك أن المراد بأشياعهم أصحاب الفيل، والظاهر أنه جعل الآية في السفياني ومن معه. / {إِنَّهُمْ كَانُواْ فِى شَكّ مُّرِيبِ } أي موقع في ريبة على أنه من أرابه أوقعه في ريبة وتهمة أو ذي ريبة من أراب الرجل صار ذا ريبة فإما أن يكون قد شبه الشك بإنسان يصح أن يكون مريباً على وجه الاستعارة المكنية التخييلية أو يكون الإسناد مجازياً أسند فيه ما لصاحب الشك للشك مبالغة كما يقال شعر شاعر، وكأنه من هنا قال ابن عطية: الشك المريب أقوى ما يكون من الشك، وضمير الجمع للإشباع وقيل: لأولئك المحدث عنهم والله تعالى أعلم. ومن باب الإشارة في بعض آيات السورة ما قيل: {وَلَقَدْ ءاتَيْنَا دَاوُودُ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوّبِى مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ } أشير بالجبال إلى عالم الملك وبالطير إلى عالم الملكوت، وقد ذكروا أنه إذا تمكن الذكر سرى في جميع أجزاء البدن فيسمع الذاكر كل جزء منه ذاكراً فإذا ترقى حاله يسمع كل ما في عالم الملك كذلك فإذا ترقى يسمع كل ما في الوجود كذلك{أية : وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ}تفسير : [الإسراء: 44] {أية : وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ }تفسير : [سبأ: 10] القلب {أية : أَنِ ٱعْمَلْ سَـٰبِغَـٰتٍ } تفسير : وهي الحكم البالغة التي تظهر من القلب على اللسان {أية : وَقَدّرْ فِى ٱلسَّرْدِ }تفسير : [سبأ: 11] أي في سرد الحديث بأن تتكلم بالحكمة على قدر ما يتحمله عقل مخاطبك، وقد ورد (حديث : كلموا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم)تفسير : . ومن هنا يصعب الجواب عمن تكلم من المتصوفة بما ينكره أكثر من يسمعه من العلماء وبه ضل كثير من الناس {وَلِسُلَيْمَـٰنَ ٱلرّيحَ } ريح العناية {غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ } فكان يتصرف بالهمة وقذف الأنوار في قلوب متبعيه من مسافة شهر {أية : وَمِنَ ٱلْجِنّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبّهِ } تفسير : [سبأ: 12] إشارة إلى قوة باطنه حيث انقاد له من جبل على المخالفة وفعل الشرور {أية : وَقَلِيلٌ مّنْ عِبَادِىَ ٱلشَّكُورُ }تفسير : [سبأ: 13] وهو من شكره بالأحوال أعني التخلق بأخلاق الله تعالى {أية : فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ ٱلْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ } تفسير : [سبأ: 14] فيه إشارة إلى أن الضعيف قد يفيد القوي علماً {وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ٱلْقُرَى ٱلَّتِى بَارَكْنَا فِيهَا } وهي مقامات أهل الباطن من العارفين {قُرًى ظَـٰهِرَةً } وهي مقامات أهل الظاهر من الناسكين {سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِىَ } في ليالي البشرية {وأَياماً} في أيام الروحانية {أية : ءامِنِينَ}تفسير : [سبأ: 18] في خفارة الشريعة. وقال بعض الفرقة الجديدة الكشفية: القرى المبارك فيها الأئمة رضي الله تعالى عنهم والقرى الظاهرة الدعاة إليهم والسفراء بينهم وبين شيعتهم {وَظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بميلهم إلى الدنيا وترك السير لسوء استعدادهم {أية : حَتَّىٰ إِذَا فُزّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُواْ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ } تفسير : [سبأ: 23] فيه إشارة إلى أن الهيبة تمنع الفهم {وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ } أي ما أخرجناك من العدم إلى الوجود {إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ } الأولين والآخرين {بَشِيراً وَنَذِيراً } وهذا حاله عليه الصلاة والسلام في عالم الأرواح وفي عالم الأجساد {أية : وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }تفسير : [سبأ: 28] إذ لا نور لهم يهتدون به {أية : وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ ءايَـٰتُنَا بَيّنَاتٍ قَالُواْ مَا هَـٰذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ ءابَاؤُكُمْ }تفسير : [سبأ: 43] هؤلاء قطاع الطريق على عباد الله تعالى ومثلهم المنكرون على أولياء الله تعالى الذين ينفرون الناس عن الاعتقاد بهم واتباعهم {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَىٰ نَفْسِى } إن النفس لأمارة بالسوء {أية : وَإِنِ ٱهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِى إِلَىَّ رَبّى } تفسير : [سبأ: 50] من القرآن وفيه إشارة إلى أنه نور لا يبقى معه ديجور أو مراتب الاهتداء به متفاوتة حسب تفاوت الفهم الناشىء من تفاوت صفاء الباطن وطهارته، وقد ورد أن للقرآن ظاهراً وباطناً ولا يكاد يصل الشخص إلى باطنه لا بتطهير باطنه كما يرمز إليه قوله تعالى: {أية : لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ ٱلْمُطَهَّرُونَ } تفسير : [الواقعة: 79] نسأل الله تعالى أن يوفقنا لفهم ظاهره وباطنه إلى ما شاء من البطون فإنه جل وعلا القادر الذي يقول للشيء كن فيكون.

ابن عاشور

تفسير : عطف على الجمل الفعلية نظائر هذه وهي جُمل "فَزِعوا وأُخذوا وقالوا" [سبأ: 51، 52] أي وحَال زَجُّهم في النار بينهم وبين ما يأملُونه من النجاة بقولهم: { أية : آمنا به } تفسير : [سبأ: 52]. وما يشتهونه هو النجاة من العذاب أَوْ عودتهم إلى الدنيا؛ فقد حُكي عنهم في آيات أُخرى أنهم تمنَّوه { أية : فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين } تفسير : [الأنعام: 27]، «ربنا أرجعنا نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل». والتشبيه في قوله: {كما فعل بأشياعهم من قبل} تشبيه للحيلولة بحيلولة أخرى وهي الحيلولة بين بعض الأمم وبين الإِمهال حين حلّ بهم عذاب الدنيا، مثل فرعون وقومه إذ قال: { أية : آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين } تفسير : [يونس: 90]، وكذلك قوم نوح حين رأوا الطوفان، وما من أمة حلّ بها عذاب إلا وتمنّت الإِيمان حينئذٍ فلم ينفعهم إلاّ قوم يونس. والأشياع: المشابهون في النحلة وإن كانوا سالفين. وأصل المشايعة المتابعة في العمل والحلف ونحوه، ثم أطلقت هنا على مطلق المماثلة على سبيل المجاز المرسل بقرينة قوله: {من قبل}، أي كما فعل بأمثالهم في الدنيا من قبل، وأما يوم الحشر فإنما يحال بينهم وبين ما يشتهون وكذلك أشياعهم في وقت واحد. وفائدة هذا التشبيه تذكير الأحياء منهم وهم مشركو أهل مكة بما حل بالأمم من قبلهم ليُوقنوا أن سنة الله واحدة وأنهم لا تنفعهم أصنامهم التي زعموها شفعاء عند الله. وجملة {إنهم كانوا في شك مريب} مسوقة لتعليل الجمل التي قبلها. وفُعِل بهم جميع ما سمعت لأنهم كانوا في حياتهم في شك من ذلك اليوم وما وُصف لهم من أهواله. وإنما جعلت حالتهم شكاً لأنهم كانوا في بعض الأمور شاكّين وفي بعضها موقنين، ألا ترى قوله تعالى: { أية : قلتم ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين } تفسير : [الجاثية: 32]. وإذا كان الشك مفضياً إلى تلك العقوبة فاليقين أولى بذلك، ومآل الشك واليقين بالانتفاء واحد إذ ترتب عليهما عدم الإِيمان به وعدم النظر في دليله. ويجوز أن تكون جملة {إنهم كانوا في شك مريب} مستأنفة استئنافاً بيانياً ناشئة عن سؤال يثيره قولُه: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} كأن سائلاً سأل هل كانوا طامعين في حصول ما تمنّوه؟ فأجيب بأنهم كانوا يتمنون ذلك ويشكون في استجابته فلما حيل بينهم وبينه غشِيَهم اليأس، واليأس بعد الشك أوقع في الحزن من اليأس المتأصل. والمريب: المُوقع في الريب. والريب: الشك، فوصفُ الشك به وصفٌ له بما هو مشتق من مادته لإِفادة المبالغة كقولهم: شِعْر شاعر، وليْل أَليل، أو ليلٌ داج. ومحاولة غير هذا تعسف.

د. أسعد حومد

تفسير : (54) - وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرُّجُوعِ إِلى الدُّنيا لِيُؤْمِنُوا، وَلِيَعْمَلُوا صَالِحاً وَهذِهِ هِيَ سُنَّةُ اللهِ فِي أَمثَالِهِمْ مِنَ الكَفَرةِ الذينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ قَبْلَهُم فَتَمَنُّوْا، حِينَ رَأَوا العَذَابَ، أَنْ لَوْ كَانُوا آمنوُا. وَلكِنْ لا يُقْبلُ مِنْهُمْ ذَلِكَ لأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الدَّارِ الدُّنيا مُتَشَكِّكِينَ مُرْتَابِينَ فِيمَا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ مِنَ البَعْثِ وَالحِسَابِ وَالجَزَاءِ. بِأَشْيَاعِهِمْ - بِأَمْثَالِهِمْ مِنَ الكُفَّارِ. مُرِيبٍ - مُوقِعٍ فِي الرِّيبَةِ وَالقَلَقِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : نقول: حُلْتُ بين الخصمين يعني: فصلْتُ بينهما، وجعلتُ بينهما حائلاً ومانعاً من الاشتباك حتى لا يبلغ كل منهم أشُدَّه في المعركة، أو ينال مراده من خَصْمه، فالحق - سبحانه وتعالى - جعل حائلاً ومانعاً بين هؤلاء وبين ما يشتهون. والاشتهاء طلب شهوة النفس من غير ارتباط بمنهج، لكن ما الذي كان يشتهيه الكفار؟ كانوا يشتهون أنْ يطمسوا دعوة الحق، فلم يُمكِّنهم الله من طمسها، كما قال سبحانه: {أية : يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَىٰ ٱللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ} تفسير : [التوبة: 32]. وقال سبحانه: {أية : هُوَ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِٱلْهُدَىٰ وَدِينِ ٱلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْمُشْرِكُونَ} تفسير : [الصف: 9]. وهم يشتهون انطماس الدعوة؛ لتبقى لهم سيادتهم التي نهبوها على حساب الضعفاء، ولتظل لهم المكانة والتصرُّف، كذلك يَشْتهون انطماس الدعوة حتى لا تقف مناهج الله عقبة أمام شهوات نفوسهم. ومعلوم أن الإنسان تحاربه نفسه قبل أن يحاربه الشطيان، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان: "حديث : إذا جاء رمضان فُتِحت أبواب الجنة، وغُلِّقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين" تفسير : ومع ذلك تحدث في رمضان ذنوب وجرائم. إذن: هذه الذنوب وهذه الجرائم ليست عن طريق الشيطان، إنما من طريق النفس، كأن الله تعالى يريد أنْ يفضح العاصين الذين يتهمون الشيطان، ويُلْقون عليه تبعة كل ذنوبهم. إذن: ليس الشيطان وحده هو وسيلة الضلال والغواية، إنما هناك النفس الأمَّارة بالسوء. وسبق أنْ أوضحنا كيفية التفريق بين المعصية من طريق الشيطان والمعصية من طريق النفس، وقلنا: إذا وقفْتَ أمام معصية بعينها لا تتحول عنها مهما عَزَّتْ عليك أسبابها، فاعلم أنها من شهوات النفس؛ لأن النفس تريد شيئاً بعينه، أما الشيطان فإنْ عزَّت عليك معصية أخذك إلى أخرى، المهم أن تعصي الله على أيِّ وجه، وبأية طريقة. فقوله تعالى: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ} [سبأ: 54] دلَّ على أن المسألة بالنسبة لهم كانت شهوةَ نفس، لا مدخلَ للشيطان فيها، لماذا؟ لأنهم كفروا بالله وفرغ الشيطان منهم، وإلا ماذا يريد منهم بعد ذلك، فلم تَبْقَ إلا شهوات النفس فاشتهوا أنْ يطمسوا الدعوة، وأنْ يذلوا مَنْ آمن ويجعلوه عبرةً لمن يفكر في الإيمان، لكن حال الله بينهم وبين ما أحبوا، وسارت الدعوة على خلاف ما اشتهوا، فمن ذُلَّ وضُرب وأُهين من المؤمنين ثبت على إيمانه، ومَنْ كان يفكر في الإيمان لم يَرْهَبَهُم، ولم يخف مما فعلوه بإخوانه المؤمنين. فإنْ قلت: كيف أسلم اللهُ المؤمنين الأوائل لأنْ يعذبهم الكفار، وأنْ يُهينوهم ويُخرجوهم من أرضهم؟ نقول: كان هذا لحكمة عالية أرادها الحق سبحانه، وهي أنْ يُمحِّص إيمان المؤمنين، بحيث لا يثبت على إيمانه إلا قوى العزيمة الذي يصبر على تحمل الشدائد، فهؤلاء هم الذين سيحملون منهج السماء ودعوة الحق إلى العالم أجمع، فلا بد أن يكونوا صفوة تختار دين الله وتضحي في سبيله بكل غالٍ ونفيس. لذلك أراد سبحانه أنْ تتزلزل هذه الدعوة في بدايتها عدة مرات، وأن ترى بعض الفتن التي تُغربل الناس، وتُخرِج المؤمنين في جانب، والمنافقين في الجانب الآخر، وهذا ما حدث بالفعل في مسألة الإسراء والمعراج مثلاً، وفي رحلة الطائف، كلها فِتن تُمحِّص المؤمنين. لقد ضيَّق الكفارُ على المؤمنين الخناقَ، حتى جلس رسول الله يفكر في أمرهم ويفتش في رقعة الأرض المعاصرة له، أيها تناسب أصحابه، ويأمنون فيها على أرواحهم وعلى دينهم، فلم يجد صلى الله عليه وسلم إلا الحبشة، فقال لأصحابه: "حديث : اذهبوا إلى الحبشة، فإن بها ملكاً لا يُظْلم أحد عنده ". تفسير : وفعلاً كان النجاشي عند ظن رسول الله، فأكرم المؤمنين، ورفض أنْ يُسَلِّمهم إلى وفد قريش؛ لذلك كافأه رسول الله بأنْ وكله في أن يُزوِّجه من أم حبيبة، وكانت لهذه الزيجة حكمة، فالسيدة أم حبيبة هاجرت مع زوجها إلى الحبشة، لكنه تنصَّر هناك، وظلَّتْ أم حبيبة على إيمانها، فدلَّ ذلك على صدْق إيمانها، وأنها ما هاجرت لأجل زوجها، إنما هاجرت لله ورسوله، فكافأها رسول الله هذه المكافأة. فالكفار اشتهوا إيذاء رسول الله وإيذاء المؤمنين مجاهرةً، فلم يصلوا من ذلك إلى شيء، فاشتهوا التآمر على رسول الله وقَتْله، ودبروا له مؤامرة لقتله {أية : وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 30] فخيَّب الله سَعْيهم، حديث : وخرج رسول الله من بين شبابهم وفتيانهم، وهو يحثُو التراب على وجوههم، ويقول: "شاهت الوجوه" . تفسير : والله يقول: {أية : فَأغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ} تفسير : [يس: 9]. وهكذا حالَ الله بينهم وبين ما يشتهون من المجاهرة ومن المؤامرة، فحاولوا أنْ يسحروا رسول الله، بأن يكيدوا له بطريقة خفية فَسَحره لبيد بن الأعصم، واستعانوا في ذلك بإخوانهم من شياطين الجن، كما قاله سبحانه: {أية : وَإِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىۤ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَٰدِلُوكُمْ} تفسير : [الأنعام: 121] لكن خيَّب الله مَسْعاهم في السحر أيضاً، ولم ينالوا من رسول الله، ولا من منهج الله، وكأن الله تعالى يقول لهم: وفِّروا على أنفسكم، فرسول الله معصوم من الله، كما خاطبه سبحانه بقوله: {أية : وَٱللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [المائدة: 67]. وقوله سبحانه: {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ} [سبأ: 54] يعني هذه القضية ليست خاصة بكفار مكة، إنما هي سنة مُتبعة في الأمم السابقة، ومعنى {بِأَشْيَاعِهِم} [سبأ: 54] بأمثالهم من الكفار في الأُمم السابقة. والأشياع: جمع شيعة، وهم الجماعة المجتمعة على رأي ينتفعون به، ويدافعون عنه، سواء أكان حقاً أم كان باطلاً، فقوله تعالى هنا: {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ} [سبأ: 54] دلَّ على أنهم كانوا على باطل، أما قوله تعالى: {أية : وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ} تفسير : [الصافات: 83] فهذه على الحق. والمعنى: أنهم أُخِذوا كما أُخِذ أمثالهم من الكافرين مع الفارق بين الحالتين، فقبل رسول الله كانت السماء تتدخل مباشرة لتدافع عن دين الله وعن نبي الله؛ لذلك حدثتْ فيهم الزلازل والخسْف والصيحة والمسخ .. إلخ. فالأمم السابقة لم تكُنْ مأمونة على أنْ تدفع عن دين الله بسيفها، أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقد استأمنها الله على هذه المهمة، فحملتْ السيف ودافعتْ عن دينها؛ لذلك أكرم الله هذه الأمة، فلم يحدث فها خَسْف، ولا مَسْخ ولا إغراق. مما حدث لسابقيهم. لذلك لما يئس نوح عليه السلام من هداية قومه دعا عليهم: {أية : رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى ٱلأَرْضِ مِنَ ٱلْكَافِرِينَ دَيَّاراً * إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوۤاْ إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً} تفسير : [نوح: 26-27]. أما سيدنا رسول الله فجاءه الملَك يعرض عليه الانتقام من كفار قومه، فيقول: لا، لعل الله يُخرِج من أصلابهم مَنْ يقول لا إله إلا الله. وفعلاً آمن منهم كثيرون أمثال: خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل، كما كانوا ألدَّ أعداء الإسلام صاروا قادته الفاتحين. وقد تألم المسلمون كثيراً؛ لأن هؤلاء نجوْا من القتل، وهم لا يدرون أن الله تعالى كان يدخرهم للإسلام، فصار خالد سيف الله المسلول، وعمرو أعظم القادة الفاتحين، ويكفي شهادة لعكرمة أنه ابن أبي جهل، وأنه لما ضُرِب ضربة قوية في موقعة اليرموك احتضنه خالد وهو يعاني سكرات الموت، فقال: يا خالد، أهذه ميتة تُرضي عني الله ورسوله؟ حتى الذين ظلُّوا على كفرهم من قوم رسول الله كانوا في صالح الإسلام، فمثلاً أبو لهب وهو عم رسول الله، وهو الذي قال له: تباً لك، ألهذا جمعتنا، وهو الذي قال عن رسول الله لما مات ولده إنه أبتر يعني مقطوع الذرية، لأن أولاد البنات يُنسَبون إلى آبائهم، كما قال الشاعر: شعر : فَإِنَّمَا أُمَّهَاتُ القَومِ أَوْعِيَةٌ مُسْتَوْدَعَاتٌ وللأَحْسَابِ آبَاءُ تفسير : ومن العجيب أن أبا لهب قدَّم للإسلام كما قدَّم خالد وعمرو وربما أكثر، كيف؟ لأن الله جعله حجة على صِدْق كلام الله، وعلى صِدْق رسول الله فيما بلَّغ عن ربه، فلما قال لرسول الله: تباً لك، ألهذا جمعتنا؟ ردَّ الله عليه: {أية : تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَآ أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَىٰ نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ * وَٱمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ ٱلْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ} تفسير : [المسد: 1-5]. فحكم الله عليه وهو ما يزال في سَعَة الدنيا، وما يزال مختاراً حراً قادراً على إعلان إيمانه ولو نفاقاً، ومع ذلك لم يجرؤ أنْ ينطق بكلمة التوحيد، ولو نطق بها لَكَان له أن يقول: إن القرآن كاذب، وها أنا أشهد ألا إله إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله. وهكذا أقام الله من هذا الكافر المعاند دليلاً على صِدْق كلامه، وصِدْق رسوله. ثم تُختم السورة بقوله تعالى: {إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ} [سبأ: 54] كانوا في شك من أمر رسول الله، ونُصْرته عليهم، وعدم تخلِّي ربه عنه، مع أنهم كانوا على اتصال بأهل الكتاب، وأهل الكتاب يقرأون كتبهم على هؤلاء الكفار ويستفتحون بها عليهم، وقد علموا منها أن عاقبة الصراع بين الرسل وأقوامهم على مَرِّ موكب الرسالة كانت للرسل؛ لأن الله تعالى ما كان ليرسل رسولاً ثم يُسلمه أو يتخلى عنه. وهذه قضية ذُكِرت في الكتب السابقة كما ذُكِرت في القرآن في أكثر من موضع، وإن كانت الكتب السابقة قد ضاعت أو حُرِّفت فالقرآن هو كتاب الله الباقي الذى تكفَّل الله بحفظه، فهو يُتلَى كما أُنْزِل إلى يوم القيامة، وفيه يقول الله تعالى: {أية : إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا} تفسير : [غافر: 51]. وقال سبحانه: {أية : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ * وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلْغَالِبُونَ} تفسير : [الصافات: 171-172]. لذلك سبق أنْ قلنا: إنْ هُزِم الإسلام في معركة مع غيره فاعلم أن شرط الجندية الإيمانية قد اختلَّ، ولو نصرهم الله مع اختلال شرط الجندية الإيمانية قد اختلَّ، ولو نصرهم الله مع اختلال شرط الجندية فيهم ما قامتْ للإسلام قائمة بعدها، وهذا الدرس تعلمناه في أُحُد، لما خالف الرماة أمر رسول الله ونزلوا من على الجبل يريدون الغنائم، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حذَّرهم من هذا، وقال لهم: لا تتركوا أماكنكم مهما حدث، فلما تركوا أماكنهم التفَّ عليهم الكفار، وكادوا يهزمونهم. وإنْ كان التحقيق أن الكفار لم ينتصروا في أُحُد؛ لأن المعركة (ماعت)، ولو انتصر المسلمون مع هذه المخالفة لهَانَ عليهم أمر رسول الله بعد ذلك، ولقالوا: لقد خالفنا أمره في أُحد وانتصرنا، إذن: نقول: الذي هُزِم في أُحد هو مَنِ انخذل عن جندية الإيمان، أمَّا الإسلام في حدِّ ذاته فقد انتصر. إذن: كانوا في شكٍّ من الغاية التي ينتهي إليها رسول الله، والشك هنا في رسول الله لأن لديهم قضية عقدية هي الإيمان بوجود الله، وأنه سبحانه الخالق لكل شيء، بدليل قوله تعالى: {أية : وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ} تفسير : [الزخرف: 87]. والشك يعني عدم الجزم وعدم اليقين، وبيَّنا ذلك بأن نسَبَ الكلام في الكون ست، لكل ثلاث منها اتجاه، فالكلام بداية علَّمَ الله سبحانه آدم الأسماء كلها ليتفاهم بها مع غيره، فالكلام يقتضي متكلماً ومُخاطباً، ولا بُدَّ أن يكون المخاطب على علم بمدلول الكلام، بدليل أن العربي لا يفهم الإنجليزي، ولا الإنجليزي يفهم العربي، لا بُدَّ من علم بالتواضع في اللغة ليفهم كل منهما عن الآخر. والكلام المفيد هو الجملة التي يحسُن السكوت عليها، بأن تعطي معنى مفيداً، فلو قُلْت مثلاً (محمد) فهي مفردة من مفردات اللغة لا تعطي معنى إلا بنسبة، فتقول: محمد كريم، فأسندتَ الكرم إلى محمد، وهذا معنى تام، يحسُن السكوت عليه. وإسناد الكرم لمحمد هو مُعتقد المتكلّم به، فإنْ كان لهذا الكلام وجود بالفعل بأنْ وُجد شخص اسمه محمد، وصفته الكرم، فهذا الكلام المعتقد جازم بالحكم والحكم واقع، فإنْ كان المتكلم غير جازم بالحكم، متردداً فيه فهذا شك، فالشك فيه نسبة متأرجحة بين النفي والإثبات بحيث تتساوى الكفتان، فإنْ رجحت واحدة فهي ظن، والأخرى المرجوحة وهم. إذن: كم نسبة للكلام غير المجزوم به؟ ثلاث: الشك والظن والوهم. أما الكلام المجزوم به فإنْ كان له واقع، وتستطيع أنْ تدلل عليه فهو علم، وإنْ لم تستطع أنْ تُدلل عليه فهو تقليد، وإن جزمتَ به وليس له واقع فهذا جهل، وهذه الثلاث نِسَب الكلام المجزوم به: علم، وتقليد، وجهل. إذن: الكفار جازمون معتقدون في أن الله هو الخالق، لكنهم شاكُّون في مسألة البلاغ عن الله، وأنها جاءت على لسان محمد صلى الله عليه وسلم {إِنَّهُمْ كَانُواْ فِي شَكٍّ مَّرِيبٍ} [سبأ: 54] الشك ذاته يُوقِع في الارتياب والقلق.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم مِّن قَبْلُ} معناه بأعوانِهِم وأصحابِهم. وقال: بالأُمم الذي كانوا على منهاجِهم ومَذهبِهم.

همام الصنعاني

تفسير : 2433- حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرني الثَّوْريّ، عَمَّن حَدَّثه، عن الحسن، في قوله: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ}: [الآية: 54]، قال: حِيلَ بينهم وبين الإيمان.