٣٥ - فَاطِر
35 - Fatir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
1
Tafseer
الرازي
تفسير : {ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً } قد ذكرنا فيما تقدم أن الحمد يكون على النعمة في أكثر الأمر، ونعم الله قسمان: عاجلة وآجلة، والعاجلة وجود وبقاء، والآجلة كذلك إيجاد مرة وإبقاء أخرى، وقوله تعالى: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ } تفسير : [الأنعام: 1] إشارة إلى النعمة العاجلة التي هي الإيجاد، واستدللنا عليه بقوله تعالى: {أية : هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمْ مّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً } تفسير : [الأنعام: 2] وقوله في الكهف: {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَـٰبَ } تفسير : [الكهف: 1] إشارة إلى النعمة العاجلة التي هي الإبقاء، فإن البقاء والصلاح بالشرع والكتاب، ولولاه لوقعت المنازعة والمخاصمة بين الناس ولا يفصل بينهم، فكان يفضي ذلك إلى التقاتل والتفاني، فإنزال الكتاب نعمة يتعلق بها البقاء العاجل، وفي قوله في سورة سبأ: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلآخِرَةِ } تفسير : [سبأ: 1] إشارة إلى نعمة الإيجاد الثاني بالحشر، واستدللنا عليه بقوله: {أية : يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِى ٱلأَْرْضِ } تفسير : من الأجسام {أية : وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَاء } تفسير : من الأرواح {أية : وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا } تفسير : [سبأ: 2] وقوله عن الكافرين: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبّي} تفسير : [سبأ: 3] وههنا الحمد إشارة إلى نعمة البقاء في الآخرة، ويدل عليه قوله تعالى: {جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً } أي يجعلهم رسلاً يتلقون عباد الله، كما قال تعالى: {أية : وَتَتَلَقَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ } تفسير : [الأنبياء:103] وعلى هذا فقوله تعالى {فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ } يحتمل وجهين الأول: معناه مبدعها كما نقل عن ابن عباس والثاني: {فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ } أي شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض ويدل عليه قوله تعالى: {جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً } فإن في ذلك اليوم تكون الملائكة رسلاً، وعلى هذا فأول هذه السورة متصل بآخر ما مضى، لأن قوله كما فعل بأشياعهم بيان لانقطاع رجاء من كان في شك مريب وتيقنه بأن لا قبول لتوبته ولا فائدة لقوله آمنت. كما قال تعالى عنهم: {أية : وَقَالُواْ ءَامَنَّا بِهِ وَأَنَّىٰ لَهُمُ ٱلتَّنَاوُشُ } تفسير : [سبأ:52] فلما ذكر حالهم بين حال الموقن وبشره بإرساله الملائكة إليهم مبشرين، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة. وقوله تعالى: {أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ } أقل ما يكون لذي الجناح أن يكون له جناحان وما بعدهما زيادة، وقال قوم فيه إن الجناح إشارة إلى الجهة، وبيانه هو أن الله تعالى ليس فوقه شيء، وكل شيء فهو تحت قدرته ونعمته، والملائكة لهم وجه إلى الله يأخذون منه نعمه ويعطون من دونهم مما يأخذوه بإذن الله، كما قال تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ } تفسير : [الشعراء: 193، 194] وقوله: {أية : عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ } تفسير : [النجم:5] وقال تعالى في حقهم: {أية : فَٱلْمُدَبّرٰتِ أَمْراً } تفسير : [النازعات: 5] فهما جناحان، وفيهم من يفعل ما يفعل من الخير بواسطة، وفيهم من يفعله لا بواسطة، فالفاعل بواسطة فيه ثلاث جهات، ومنهم من له أربع جهات وأكثر، والظاهر ما ذكرناه أولاً وهو الذي عليه إطباق المفسرين. وقوله تعالى: {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَاء } من المفسرين من خصصه وقال المراد الوجه الحسن، ومنهم من قال الصوت الحسن، ومنهم من قال كل وصف محمود، والأولى أن يعمم، ويقال الله تعالى قادر كامل يفعل ما يشاء فيزيد ما يشاء وينقص ما يشاء. وقوله تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } يقرر قوله: {يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَاءُ }.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} يجوز في «فاطر» ثلاثة أوجه: الخفض على النعت، والرفع على إضمار مبتدأ، والنصب على المدح. وحكى سيبويه: الحمد لله أهل الحمد (مثله) وكذا «جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ». والفاطر: الخالق. وقد مضى في «يوسف» وغيرها. والفَطْر. الشق عن الشيء؛ يقال: فطرته فانفطر. ومنه: فَطَر نابُ البعير طلع، فهو بعير فاطر. وتفطّر الشيء تشقق. وسيف فُطار، أي فيه تشقق. قال عنترة:شعر : وسيفي كالعقيقة فهو كِمْعِي سلاحي لا أَفَلّ ولا فُطَارا تفسير : والفطر: الابتداء والاختراع. قال ابن عباس: كنت لا أدري ما «فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ» حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي أنا ابتدأتها. والفَطْر. حلب الناقة بالسبابة والإبهام. والمراد بذكر السموات والأرض العالم كله، ونبّه بهذا على أن من قدر على الابتداء قادر على الإعادة. {جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ} لا يجوز فيه التنوين، لأنه لما مضى. {رُسُلاً} مفعول ثان، ويقال على إضمار فعل؛ لأن «فاعلاً» إذا كان لما مضى لم يعمل فيه شيئاً، وإعماله على أنه مستقبل حذف التنوين منه تخفيفاً. وقرأ الضحاك «الحمد لله فطر السموات والأرض» على الفعل الماضي. «جاعِلِ الملائِكةِ رسلاً» الرسل منهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، صلى الله عليهم أجمعين. وقرأ الحسن: «جَاعِلُ الملائكة» بالرفع. وقرأ خُليد بن نشيط «جعل الملائكة» وكله ظاهر. {أُوْلِي أَجْنِحَةٍ} نعت، أي أصحاب أجنحة. {مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} أي اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة. قال قتادة: بعضهم له جناحان، وبعضهم ثلاثة، وبعضهم أربعة؛ ينزلون بها من السماء إلى الأرض، ويعرجون من الأرض إلى السماء، وهي مسيرة كذا في وقت واحد، أي جعلهم رسلاً. قال يحيـى بن سلام: إلى الأنبياء. وقال السدّي: إلى العباد برحمة أو نقمة. وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام له ستمائة جناح. وعن الزهري أن جبريل عليه السلام قال له: «يا محمد، لو رأيت إسرافيل إن له لاثني عشر ألف جناح منها جناح بالمشرق وجناح بالمغرب وإن العرش لعلى كاهله وإنه في الأحايين ليتضاءل لعظمة الله حتى يعود مثل الوَصْع ـ والوصع عصفور صغير ـ حتى ما يحمل عرش ربك إلا عظمته». و«أُولُو» اسم جمع لذو، كما أن هؤلاء اسم جمع لذا، ونظيرهما في المتمكنة: المخاض والخَلِفة. وقد مضى الكلام في «مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاع» في «النساء» وأنه غير منصرف. {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} أي في خلق الملائكة، في قول أكثر المفسرين؛ ذكره المهدويّ. وقال الحسن: «يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ» أي في أجنحة الملائكة ما يشاء. وقال الزهري وابن جريج: يعني حسن الصوت. وقد مضى القول فيه في مقدّمة الكتاب. وقال الهيثم الفارسي: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في منامي، فقال: «أنت الهيثم الذي تُزيِّن القرآن بصوتك جزاك الله خيراً». وقال قتادة: «يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ» الملاحة في العينين والحسن في الأنف والحلاوة في الفم. وقيل: الخط الحسن. وقال مهاجر الكَلاعِي قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حديث : الخط الحسن يزيد الكلام وضوحاً»تفسير : . وقيل: الوجه الحسن. وقيل في الخبر في هذه الآية: هو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن؛ ذكره القُشَيري. النقاش: هو الشعر الجَعْد. وقيل: العقل والتمييز. وقيل: العلوم والصنائع. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} من النقصان والزيادة. الزمخشري: والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق؛ من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء، وقوة في البطش، وحصافة في العقل، وجزالة في الرأي، وجرأة في القلب، وسماحة في النفس، وذلاقة في اللسان، ولباقة في التكلم، وحسن تأتٍّ في مزاولة الأمور؛ وما أشبه ذلك مما لا يحيط به وصف.
البيضاوي
تفسير : مكية وآيها خمس وأربعون آية بسم الله الرحمن الرحيم {ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ} مبدعهما من الفطر بمعنى الشق كأنه شق العدم بإخراجهما منه، والإِضافة محضة لأنه بمعنى الماضي. {جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً} وسائط بين الله وبين أنبيائه والصالحين من عباده، يبلغون إليهم رسالاته بالوحي والإِلهام والرؤيا الصادقة، أو بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار صنعه. {أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ} ذوي أجنحة متعددة متفاوتة بتفاوت ما لهم من المراتب ينزلون بها ويعرجون، أو يسرعون بها نحو ما وكلهم الله عليه فيتصرفون فيه على أمرهم به، ولعله لم يرد به خصوصية الإِعداد ونفي ما زال عليها، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام رأى جبريل ليلة المعراج وله ستمائة جناح {يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} استئناف للدلالة على أن تفاوتهم في ذلك بمقتضى مشيئته ومؤدى حكمته لا أمر تستدعيه ذواتهم، لأن اختلاف الأصناف، والأنواع بالخواص والفصول إن كان لذواتهم المشتركة لزم تنافي لوازم الأمور المتفقة وهو محال، والآية متناولة زيادات الصور والمعاني كملاحة الوجه وحسن الصوت وحصافة العقل وسماحة النفس. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} وتخصيص بعض الأشياء بالتحصيل دون بعض، إنما هو من جهة الإرادة. {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ} ما يطلق لهم ويرسل وهو من تجوز السبب للمسبب. {مِن رَّحْمَةِ} كنعمة وأمن وصحة وعلم ونبوة. {فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} يحبسها. {وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ} يطلقه، واختلاف الضميرين لأن الموصول الأول مفسر بالرحمة والثاني مطلق بتناولها والغضب، وفي ذلك إشعار بأن رحمته سبقت غضبه. {مِن بَعْدِهِ} من بعد إمساكه. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } الغالب على ما يشاء ليس لأحد أن ينازعه فيه. {ٱلْحَكِيمُ} لا يفعل إلا بعلم وإتقان. ثم لما بين أنه الموجد للملك والملكوت والمتصرف فيهما على الإِطلاق أمر الناس بشكر إنعامه فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} احفظوها بمعرفة حقها والاعتراف بها وطاعة موليها، ثم أنكر أن يكون لغيره في ذلك مدخل فيستحق أن يشرك به بقوله: {هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مّنَ ٱلسَّمَاءِ وَٱلأَرْضِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} فمن أي وجه تصرفون عن التوحيد إلى إشراك غيره به، ورفع {غَيْر} للحمل على محل {مِنْ خَـٰلِقٍ } بأنه وصف أو بدل، فإن الاستفهام بمعنى النفي، أو لأنه فاعل {خَـٰلِقٌ } وجره حمزة والكسائي حملاً على لفظه، وقد نصب على الاستثناء، و {يَرْزُقُكُمْ} صفة لـ {خَـٰلِقٌ} أو استئناف مفسر له أو كلام مبتدأ، وعلى الأخير يكون إطلاق {هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ} مانعاً من إطلاقه على غير الله. {وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ} أي فتأس بهم في الصبر على تكذيبهم، فوضع {فَقَدْ كُذّبَتْ} موضعه استغناء بالسبب عن المسبب، وتنكير رسل للتعظيم المقتضي زيادة التسلية والحث على المصابرة. {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} فيجازيك وإياهم على الصبر والتكذيب. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} بالحشر والجزاء. {حَقٌّ} لا خلف فيه. {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا} فيذهلكم التمتع بها عن طلب الآخرة والسعي لها. {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} الشيطان بأن يمنيكم المغفرة مع الإِصرار على المعصية، فإنها وإن أمكنت لكن الذنب بهذا التوقع كتناول السم اعتماداً على دفع الطبيعة. وقرىء بالضم وهو مصدر أو جمع كقعود. {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ} عداوة عامة قديمة. {فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} في عقائدكم وأفعالكم وكونوا على حذر منه في مجامع أحوالكم. {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ} تقرير لعداوته وبيان لغرضه في دعوة شيعته إلى اتباع الهوى والركون إلى الدنيا.
ابن كثير
تفسير : قال سفيان الثوري عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كنت لا أدري ما فاطر السمٰوات والأرض، حتى أتاني أعربيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها، أي: بدأتها. وقال ابن عباس رضي الله عنهما أيضاً: { فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي: بديع السمٰوات والأرض. وقال الضحاك: كل شيء في القرآن فاطر السمٰوات والأرض، فهو خالق السمٰوات والأرض. وقوله تعالى: {جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً} أي: بينه وبين أنبيائه {أُوْلِىۤ أَجْنِحَةٍ} أي: يطيرون بها ليبلغوا ما أمروا به سريعاً {مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ} أي: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك، كما جاء في الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام ليلة الإسراء، وله ستمائة جناح، بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب، ولهذا قال جل وعلا: {يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ} قال السدي: يزيد في الأجنحة وخلقهم ما يشاء. وقال الزهري وابن جريج في قوله تعالى: {يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} يعني: حسن الصوت، رواه عن الزهري البخاري في "الأدب"، وابن أبي حاتم في تفسيره، وقرىء في الشاذ (يزيد في الحلق) بالحاء المهملة، والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } حَمِدَ الله تعالى نفسه بذلك كما بيَّن في أول سبأ {فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ } خالقهما على غير مثال سبق {جَاعِلِ ٱلْمَلَٰئِكَةِ رُسُلاً } إلى الأنبياء {أُوْلِى أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ } في الملائكة وغيرها {مَا يَشَآءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ }.
الشوكاني
تفسير : الفطر: الشقّ عن الشيء، يقال: فطرته فانفطر، ومنه: فطر ناب البعير إذا طلع، فهو بعير فاطر، وتفطر الشيء: تشقق، والفطر الابتداء والاختراع، وهو: المراد هنا، والمعنى: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } مبدع {ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ }، ومخترعهما، والمقصود من هذا: أن من قدر على ابتداء هذا الخلق العظيم، فهو قادر على الإعادة. قرأ الجمهور: {فاطر} على صيغة اسم الفاعل، وقرأ الزهري، والضحاك: (فطر) على صيغة الفعل الماضي، فعلى القراءة الأولى هو نعت لله؛ لأن إضافته محضة لكونه بمعنى: الماضي، وإن كانت غير محضة كان بدلاً، ومثله: {جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً } يجوز فيه الوجهان، وانتصاب رسلاً بفعل مضمر على الوجه الأوّل، لأن اسم الفاعل إذا كان بمعنى: الماضي لا يعمل، وجوّز الكسائي عمله. وأما على الوجه الثاني، فهو منصوب بجاعل، والرسل من الملائكة هم: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل. وقرأ الحسن: (جاعل) بالرفع، وقرأ خليل بن نشيط، ويحيـى بن يعمر: (جعل) على صيغة الماضي. وقرأ الحسن، وحميد: (رسلاً) بسكون السين، وهي لغة تميم {أُوْلِى أَجْنِحَةٍ } صفة لـ {رسلاً}، والأجنحة جمع جناح {مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ } صفة لأجنحة، وقد تقدّم الكلام في مثنى، وثلاث، ورباع في النساء. قال قتادة: بعضهم له جنحان، وبعضهم ثلاثة، وبعضهم أربعة ينزلون بها من السماء إلى االأض، ويعرجون بها من الأرض إلى السماء. قال يحيـى بن سلام: يرسلهم الله إلى الأنبياء. وقال السدّي: إلى العباد بنعمه، أو نقمه، وجملة {يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَاء } مستأنفة مقرّرة لما قبلها من تفاوت أحوال الملائكة، والمعنى: أنه يزيد في خلق الملائكة ما يشاء، وهو: قول أكثر المفسرين، واختاره الفراء، والزجاج. وقيل: إن هذه الزيادة في الخلق غير خاصة بالملائكة، فقال الزهري، وابن جريج: إنها حسن الصوت. وقال قتادة: الملاحة في العينين، والحسن في الأنف، والحلاوة في الفم. وقيل: الوجه الحسن. وقيل: الخط الحسن. وقيل: الشعر الجعد. وقيل: العقل والتمييز. وقيل: العلوم، والصنائع، ولا وجه لقصر ذلك على نوع خاص بل يتناول كل زيادة. وجملة: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } تعليل لما قبلها من أنه يزيد في الخلق ما يشاء. {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا } أي: ما يأتيهم الله به من مطر ورزق لا يقدر أحد أن يمسكه {وَمَا يُمْسِكْ } من ذلك لا يقدر أحد أن يرسله من بعد إمساكه. وقيل: المعنى: إن الرسل بعثوا رحمة للناس، فلا يقدر على إرسالهم غير الله. وقيل: هو الدعاء. وقيل: التوبة. وقيل: التوفيق، والهداية. ولا وجه لهذا التخصيص بل المعنى: كل ما يفتحه الله للناس من خزائن رحمته، فيشمل كل نعمة ينعم الله بها على خلقه، وهكذا الإمساك يتناول كل شيء يمنعه الله من نعمه، فهو سبحانه المعطي المانع القابض الباسط لا معطي سواه، ولا منعم غيره. ثم أمر الله سبحانه عباده أن يتذكروا نعمه الفائضة عليهم التي لا تعدّ ولا تحصى {أية : وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا } تفسير : [إبراهيم: 34]، ومعنى هذا الأمر لهم بالذكر: هو إرشادهم إلى الشكر لاستدامتها، وطلب المزيد منها {هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ }: "من" زائدة، وخالق مبتدأ، وغير الله صفة له. قال الزجاج: ورفع غير على معنى هل خالق غير الله؛ لأن «من» زيادة مؤكدة، ومن خفض غير جعلها صفة على اللفظ. قرأ الجمهور برفع: "غير"، وقرأ حمزة، والكسائي بخفضها، وقرأ الفضل بن إبراهيم بنصبها على الاستثناء، وجملة: {يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء وٱلأَرْضِ } خبر المبتدأ. أو جملة مستأنفة، أو صفة أخرى لخالق، وخبره محذوف، والرزق من السماء بالمطر، ومن الأرض بالنبات، وغير ذلك، وجملة: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } مستأنفة لتقرير النفي المستفاد من الاستفهام {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } من الأفك بالفتح، وهو الصرف، يقال: ما أفكك عن كذا، أي: ما صرفك، أي: فكيف تصرفون. وقيل: هو مأخوذ من الإفك بالكسر، وهو الكذب؛ لأنه مصروف عن الصدق. قال الزجاج، أي: من أين يقع لكم الإفك والتكذيب بتوحيد الله، والبعث، وأنتم مقرّون بأن الله خلقكم ورزقكم. ثم عزّى الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال: {وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } ليتأسى بمن قبله من الأنبياء، ويتسلى عن تكذيب كفار العرب له {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } لا إلى غيره، فيجازي كلاً بما يستحقه. قرأ الحسن، والأعرج، ويعقوب، وابن عامر، وأبو حيوة، وابن محيصن، وحميد، والأعمش، ويحيـى بن وثاب، وحمزة، والكسائي، وخلف: (ترجع) بفتح الفوقية على البناء للفاعل، وقرأ الباقون بضمها على البناء للمفعول. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ } أي: وعده بالبعث، والنشور، والحساب، والعقاب، والجنة، والنار، كما أشير إليه بقوله: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ }. {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } بزخرفها، ونعيمها. قال سعيد بن جبير: غرور الحياة الدنيا أن يشتغل الإنسان بنعيمها، ولذاتها عن عمل الآخرة حتى يقول: {أية : يَقُولُ يٰلَيْتَنِى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى } تفسير : [الفجر: 24] {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } قرأ الجمهور بفتح الغين، أي: المبالغ في الغرور، وهو: الشيطان. قال ابن السكيت، وأبو حاتم: الغرور الشيطان، ويجوز: أن يكون مصدراً، واستبعده الزجاج، لأن غرر به متعدي، ومصدر المتعدي إنما هو على فعل نحو ضربته ضرباً، إلاّ في أشياء يسيرة معروفة لا يقاس عليها، ومعنى الآية: لا يغرنكم الشيطان بالله، فيقول لكم: إن الله يتجاوز عنكم، ويغفر لكم لفضلكم، أو لسعة رحمته لكم. وقرأ أبو حيوة، وأبو سماك، ومحمد بن السميفع بضم الغين، وهو: الباطل. قال ابن السكيت: والغرور بالضم ما يغرّ من متاع الدنيا. وقال الزجاج: يجوز: أن يكون الغرور جمع غار، مثل قاعد، وقعود. قيل: ويجوز أن يكون مصدر غرّه كاللزوم، والنهوك، وفيه ما تقدّم عن الزجاج من الاستبعاد. ثم حذر سبحانه عباده من الشيطان، فقال: {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً } أي: فعادوه بطاعة الله، ولا تطيعوه في معاصي الله. ثم بيّن لعباده كيفية عداوة الشيطان لهم، فقال: {إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ } أي: إنما يدعو أشياعه، وأتباعه، والمطيعين له إلى معاصي الله سبحانه لأجل أن يكونوا من أهل النار، ومحل الموصول في قوله: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } الرفع على الابتداء، و{لهم عذاب شديد} خبره، أو الرفع على البدل من فاعل {يكونوا}، أو النصب على البدل من {حزبه}، أو النعت له، أو إضمار فعل يدل على الذمّ، والجرّ على البدل من أصحاب، أو النعت له. والرفع على الابتداء أقوى هذه الوجوه، لأنه سبحانه بعد ذكر عداوة الشيطان ودعائه لحزبه، ذكر حال الفريقين من المطيعين له، والعاصين عليه، فالفريق الأوّل قال: {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ }، والفريق الآخر قال فيه: {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } أي يغفر الله لهم بسبب الإيمان والعمل الصالح، ويعطيهم أجراً كبيراً، وهو: الجنة. {أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً } هذه الجملة مستأنفة لتقرير ما سبق من ذكر التفاوت بين الفريقين، و «من» في موضع رفع بالابتداء، وخبره محذوف. قال الكسائي: والتقدير ذهبت نفسك عليهم حسرات. قال: ويدلّ عليه قوله: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰتٍ } قال: وهذا كلام عربيّ ظريف لا يعرفه إلاّ القليل. وقال الزجاج: تقديره كمن هداه، وقدّره غيرهما كمن لم يزين له، وهذا أولى لموافقته لفظاً، ومعنى، وقد وهم صاحب الكشاف، فحكى عن الزجاج ما قاله الكسائي. قال النحاس: والذي قاله الكسائي أحسن ما قيل في الآية لما ذكره من الدلالة على المحذوف، والمعنى: أن الله عزّ وجلّ نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن شدّة الاغتمام بهم، والحزن عليهم كما قال: {أية : فَلَعَلَّكَ بَـٰخِعٌ نَّفْسَكَ } تفسير : [الكهف: 6] وجملة {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء } مقرّرة لما قبلها، أي: يضلّ من يشاء أن يضله، ويهدي من يشاء أن يهديه {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰتٍ } قرأ الجمهور بفتح الفوقية، والهاء مسنداً إلى النفس، فتكون من باب: لا أرينّك ها هنا. وقرأ أبو جعفر، وشيبة، وابن محيصن، والأشهب بضم التاء، وكسر الهاء، ونصب {نفسك}، وانتصاب {حسرات} على أنه علة، أي: للحسرات، ويجوز: أن ينتصب على الحال كأنها صارت كلها حسرات لفرط التحسر كما روي عن سيبويه. وقال المبرد: إنها تمييز. والحسرة شدّة الحزن على ما فات من الأمر {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } لا يخفى عليه من أفعالهم وأقوالهم خافية، والجملة تعليل لما قبلها مع ما تضمنته من الوعيد الشديد. وقد أخرج أبو عبيد في فضائله، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس قال: كنت لا أدري ما {فاطر السماوات والأرض} حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، يقول: ابتدأتها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال: {فَاطِرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ } بديع السمٰوات. وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً في قوله: {يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَاء } قال: الصوت الحسن. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله: {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ } الآية قال: ما يفتح الله للناس من باب توبة {فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا } هم يتوبون إن شاءوا وإن أبوا، وما أمسك من باب توبة {فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ }، وهم لا يتوبون. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم في الآية قال: يقول: ليس لك من الأمر شيء. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: {لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } قال: كل شيء في القرآن لهم مغفرة، وأجر كبير، ورزق كريم، فهو: الجنة. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة، والحسن في قوله: {أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ } قال: الشيطان زين لهم، هي والله الضلالات {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰتٍ } أي: لا تحزن عليهم.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ} والفطر الشق عن الشيء بإظهاره للحسن يقال فطر ناب الناقة إذا طلع، وفطر دمه إذا أخرجه. قال ابن عباس: كنت لا أدري ما فاطر السموات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها. وفي تأويله ههنا وجهان: أحدهما: خالق السموات والأرض، قاله قتادة، والكلبي، ومقاتل. الثاني: أنه شقها لما ينزل منها وما يعرج فيها. {جَاعِلِ الْمَلآَئِكَةِ رُسُلاً} فيه قولان: أحدهما: إلى الأنبياء، قاله يحيى بن سلام. الثاني: إلى العباد رحمة أو نقمة، قاله السدي. {أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} قال قتادة: بعضهم له جناحان، وبعضهم ثلاثة، وبعضهم أربعة. والمثنى والثلاث والرباع ما تكرر فيه الاثنان والثلاثة والأربعة. {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه حسن الصوت، قاله الزهري وابن جريج. الثاني: أنه الشعر الجعد، حكاه النقاش. الثالث: يزيد في أجنحة الملائكة ما يشاء، قاله الحسن. ويحتمل رابعاً: أنه العقل والتمييز. ويحتمل خامساً: أنه العلوم والصنائع. ويكون معناه على هذين التأويلين: كما يزيد في الخلق ما يشاء كذلك يزيد في أجنحة الملائكة ما يشاء.
ابن عطية
تفسير : الألف واللام في {الحمد} لاستغراق الجنس على أتم عموم، لأن {الحمد} بالإطلاق على الأفعال الشريفة والكمال هو لله تعالى والشكر مستغرق فيه لأنه فصل من فصوله، و {فاطر} معناه خالق لكن يزيد في المعنى الانفراد بالابتداء لخلقها، ومنه قول الأعرابي المتخاصم في البئر عند ابن عباس: أنا فطرتها، أراد بدأت حفرها. قال ابن عباس ما كنت أفهم معنى {فاطر} حتى سمعت قول الأعرابي، وقرأ الجمهور "الحمد لله فطر"، وقرأ جمهور الناس "جاعلِ" بالخفض، وقرأت فرقة "جاعلُ" بالرفع على قطع الصفة، وقرأ خليد بن نشيط "جعل" على صيغة الماضي "الملائكة" نصباً، فأما على هذه القراءة الأخيرة فنصب قوله {رسلاً} على المفعول الثاني، وأما على القراءتين المتقدمتين فقيل أراد بـ"جاعل" الاستقبال لأن القضاء في الأزل وحذف التنوين تخفيفاً وعمل عمل المستقبل في {رسلاً}، وقالت فرقة {جاعل} بمعنى المضي و {رسلاً} نصب بإضمار فعل، و {رسلاً} معناه بالوحي وغير ذلك من أوامره، فجبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل رسل، والملائكة المتعاقبون رسل، والمسددون لحكام العدل رسل وغير ذلك، وقرأ الحسن "رسْلاً" بسكون السين، و {أولي} جمع واحده ذو، تقول ذو نهية والقوم أولو نهي، وروي عن الحسن أنه قال في تفسير قول مريم {أية : إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً} تفسير : [مريم: 18] قال علمت مريم أن التقي ذو نهية، وقوله {مثنى وثلاث ورباع} ألفاظ معدولة من اثنين وثلاثة وأربعة عدلت في حال التنكير فتعرفت بالعدل، فهي لا تنصرف للعدل والتعريف، وقيل للعدل والصفة، وفائدة العدل الدلالة على التكرار لأن {مثنى} بمنزلة قولك اثنين اثنين، وقال قتادة: إن أنواع الملائكة هي هكذا منها ما له جناحان، ومنها ما له ثلاثة، ومنها ما له أربعة، ويشذ منها ما له أكثر من ذلك، وروي أن لجبريل ستمائة جناح منهِا اثنان تبلغ من المشرق إلى المغرب، وقالت فرقة المعنى أن في كل جانب من الملك جناحين، ولبعضهم ثلاثة في كل جانب، ولبعضهم أربعة، وإلا فلو كانت ثلاثة لكل واحد لما اعتدلت في معتاد ما رأيناه نحن من الأجنحة، وقيل بل هي ثلاثة لكل واحد كالحوت والله أعلم بذلك، وقوله تعالى: {يزيد في الخلق ما يشاء} تقرير لما يقع في النفوس من التعجب والاستغراب عند الخبر بالملائكة أولي الأجنحة، أي ليس هذا ببدع في قدرة الله تعالى فإنه يزيد في خلقه ما يشاء، وروي عن الحسن وابن شهاب أنهما قالا المزيد هو حسن الصوت قال الهيثم الفارسي: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال لي: أنت الهيثم الذي تزين القرآن بصوتك جزاك الله خيراً، وقيل الزيادة الخط الحسن، وقال النبي عليه السلام: "حديث : الخط الحسن يزيد الحق وضوحاً"تفسير : ، وقال قتادة الزيادة ملاحة العينين. قال القاضي أبو محمد: وقيل غير هذا وهذه الإشارة إنما ذكرها من ذكرها على جهة المثال لا أن المقصود هي فقط، وإنما مثل بأشياء هي زيادات خارجة عن الغالب الموجود كثيراً وباقي الآية بين، وقوله {ما يفتح الله} {ما} شرط، و {يفتح} جزم بالشرط، وقوله {من رحمة} عام في كل خير يعطيه الله تعالى للعباد جماعتهم وأفذاذهم، وقوله {من بعده} فيه حذف مضاف أي من بعد إمساكه، ومن هذه الآية سمت الصوفية ما تعطاه من الأموال والمطاعم وغير ذلك الفتوحات، ومنها كان أبو هريرة يقول مطرنا بنوء الفتح، وقرأ الآية، وقوله {يا أيها الناس} خطاب لقريش وهو متجه لكل كافر، ولا سيما لعباد غير الله، وذكرهم تعالى بنعمة الله عليهم في خلقهم وإيجادهم، ثم استفهمهم على جهة التقرير والتوقيف بقوله {هل من خالق غير الله} أي فليس إله إلا الخالق لا ما تعبدون أنتم من الأصنام، وقرأ حمزة والكسائي "غيرِ" بالخفض نعتاً على اللفظ وخبر الابتداء {يرزقكم} وهي قراءة أبي جعفر وشقيق وابن وثاب، وقرأ الباقون غير نافع بالرفع، وهي قراءة شيبة بن نصاح وعيسى والحسن بن أبي الحسن، وذلك يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها النعت على الموضع والخبر مضمر تقديره في الوجود أو في العالم وأن يكون "غيرُ" خبر الابتداء الذي هو في المجرور والرفع على الاستثناء، كأنه قال هل خالق إلا الله، فجرت "غير" مجرى الفاعل بعد {إلا}، وقوله {من السماء} يريد بالمطر ومن {الأرض} يريد بالنبات، وقوله {فأنى تؤفكون} معناه فلأي وجه تصرفون عن الحق، ثم سلى نبيه صلى الله عليه وسلم بما سلف من حال الرسل مع الأمم، و {الأمور} تعم جميع الموجودات المخلوقات إلى الله مصير جميع ذلك على اختلاف أحوالها، وفي هذا وعيد للكفار ووعد للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم وعظ عز وجل جميع العالم وحذرهم غرور الدنيا بنعيمها وزخرفها الشاغلة عن المعاد الذي له يقول الإنسان: {أية : يا ليتني قدمت لحياتي} تفسير : [الفجر: 24] ولا ينفعه ليت يومئذ، وحذر غرور الشيطان، وقوله {إن وعد الله} عبارة عن جميع خبره عز وجل في خير وتنعم أو عذاب أو عقاب، وقرأ جمهور الناس "الغَرور" بفتح الغين وهو الشيطان قاله ابن عباس، وقرأ سماك العبدي وأبو حيوة "الغُرور" بضم الغين وذلك يحتمل أن يكون جمع غار كجالس وجلوس، ويحتمل أن يكون جمع غر وهو مصدر غره يغره غراً، ويحتمل أن يكون مصدراً وإن كان شاذاً في الأفعال المتعدية أن يجيء مصدرها على فعول لكنه قد جاء لزمه لزوماً ونهكه المرض نهوكاً فهذا مثله وكذلك هو مصدر في قوله {أية : فدلاهما بغرور} تفسير : [الأعراف: 22].
ابن عبد السلام
تفسير : الفطر: الشق عن الشيء بإظهاره للحسِّ. قال ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما ـ ما كنت أدري ما فاطر حتى اختصم أعرابيان في بئر فقال: أحدهما أنا فطرتها أي ابتدأتها ففاطر السموات والأرض خالقهما، أو شقها بما ينزل فيها وما يعرج منها. {رُسُلاً} إلى الأنبياء، أو إلى العباد برحمة، أو نقمة {مَّثْنَى} لبعض جناحان ولبعض ثلاثة ولآخرين أربعة {يَزِيدُ فِى} أجنحة الملائكة ما يشاء، أو حسن الصوت، أو الشعر الجعد.
النسفي
تفسير : {ٱلْحَمْدُ للَّهِ } حمد ذاته تعليماً وتعظيماً {فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوٰتِ } مبتدئها ومبتدعها. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما كنت أدري معنى الفاطر حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها. أي ابتدأتها {وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً } إلى عباده {أُوْلِى} ذوي اسم جمع لذو وهو بدل من {رُسُلاً } أو نعت له {أَجْنِحَةٍ } جمع جناح {مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ } صفات لأجنحة، وإنما لم تنصرف لتكرر العدل فيها وذلك أنها عدلت عن ألفاظ الأعداد عن صيغ إلى صيغ أخر كما عدل عمر عن عامر وعن تكرير إلى غير تكرير. وقيل: للعدل والوصف والتعويل عليه، والمعنى أن الملائكة طائفة أجنحتهم اثنان اثنان أي لكل واحد منهم جناحان، وطائفة أجنحتهم ثلاثة ثلاثة، ولعل الثالث يكون في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة، وطائفة أجنحتهم أربعة أربعة {يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ } أي يزيد في خلق الأجنحة وغيره {مَا يَشَآءُ} وقيل: هو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن والخط الحسن والملاحة في العينين، والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق من طول قامة واعتدال صورة وتمام في الأعضاء وقوة في البطش وحصافة في العقل وجزالة في الرأي وذلاقة في اللسان ومحبة في قلوب المؤمنين وما أشبه ذلك {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ } قادر. {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ } نكرت الرحمة للإشاعة والإبهام كأنه قال من أية رحمة رزق أو مطر أو صحة أو غير ذلك {فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا } فلا أحد يقدر على إمساكها وحبسها، واستعير الفتح للإطلاق والإرسال ألا ترى إلى قوله {وَمَا يُمْسِكُ} يمنع ويحبس {فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ } مطلق له {مِن بَعْدِهِ } من بعد إمساكه. وأنث الضمير الراجع إلى الاسم المتضمن معنى الشرط على معنى الرحمة، ثم ذكره حملاً على اللفظ المرجع إليه إذ لا تأنيث فيه لأن الأول فسر بالرحمة فحسن اتباع الضمير التفسير، ولم يفسر الثاني فترك على أصل التذكير. وعن معاذ مرفوعاً «لا تزال يد الله مبسوطة على هذه الأمة ما لم يرفق خيارهم بشرارهم ويعظم برهم فاجرهم وتعن قراؤهم أمراءهم على معصية الله فإذا فعلوا ذلك نزع الله يده عنهم». {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } الغالب القادر على الإرسال والإمساك {ٱلْحَكِيمُ } الذي يرسل ويمسك ما تقتضي الحكمة إرساله وإمساكه. {يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ } باللسان والقلب {نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } وهي التي تقدمت من بسط الأرض كالمهاد، ورفع السماء بلا عماد، وإرسال الرسل لبيان السبيل دعوة إليه وزلفة لديه، والزيادة في الخلق وفتح أبواب الرزق. ثم نبه على رأس النعم وهو اتحاد المنعم بقوله {هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ } برفع {غَيْرُ} على الوصف لأن {خَـٰلِق} مبتدأ خبره محذوف أي لكم. وبالجر: علي وحمزة على الوصف لفظاً {يَرْزُقُكُمْ } يجوز أن يكون مستأنفاً ويجوز أن يكون صفة لـ {خَـٰلِق} {مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} بالمطر {وٱلأَرْضِ} بأنواع النبات {لآ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } جملة مفصولة لا محل لها {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } فبأي وجه تصرفون عن التوحيد إلى الشرك. {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} نعى به على قريش سوء تلقيهم لآيات الله وتكذيبهم بها، وسلى رسوله بأن له في الأنبياء قبله أسوة ولهذا نكر {رُسُل} أي رسل ذوو عدد كبير وأولو آيات ونذر وأهل أعمال طوال وأصحاب صبر وعزم لأنه أسلى له، وتقدير الكلام وإن يكذبوك فتأس بتكذيب الرسل من قبلك لأن الجزاء يتعقب الشرط، ولو أجرى على الظاهر يكون سابقاً عليه. ووضع {فَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } موضع «فتأس» استغناء بالسبب عن المسبب أي بالتذكيب عن التأسي {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} كلام يشتمل على الوعد والوعيد من رجوع الأمور إلى حكمه ومجازاة المكذّب والمكذّب بما يستحقانه، {ترجع} بفتح التاء: شامي وحمزة وعلي ويعقوب وخلف وسهل. {يأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ } بالبعث والجزاء {حَقٌّ} كائن {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } فلا تخدعنكم الدنيا ولا يذهلنكم التمتع بها والتلذذ بمنافعها عن العمل للآخرة وطلب ما عند الله {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } أي الشيطان فإنه يمنِّيكم الأمانيّ الكاذبة ويقول إن الله غني عن عبادتك وعن تكذيبك. {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ } ظاهر العداوة فعل بأبيكم ما فعل وأنتم تعاملونه معاملة من لا علم له بأحواله {فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً } في عقائدكم وأفعالكم ولا يوجَدنّ منكم إلا ما يدل على معاداته في سركم وجهركم. ثم لخص سر أمره وخطأ من اتبعه بأن غرضه الذي يؤمه في دعوة شيعته هو أن يوردهم مورد الهلاك بقوله {إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ }. ثم كشف الغطاء فبنى الأمر كله على الإيمان وتركه فقال {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } أي فمن أجابه حين دعاه فله عذاب شديد لأنه صار من حزبه أي أتباعه {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَاتِ } ولم يجيبوه ولم يصيروا من حزبه بل عادوه {لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } لكبر جهادهم. ولما ذكر الفريقين قال لنبيه عليه السلام {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَءَاهُ حَسَناً } بتزيين الشيطان كمن لم يزين له فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا، فقال {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰتٍ } وذكر الزجاج أن المعنى: أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليه حسرة، فحذف الجواب لدلالة {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ } عليه، أو أفمن له سوء عمله كمن هداه الله فحذف لدلالة {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِى مَن يَشَاء } عليه. {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ }: يزيد أي لا تهلكها {حَسَرٰتٍ } مفعول له يعني فلا تهلك نفسك للحسرات و{عَلَيْهِمْ } صلة {تَذْهَبْ } كما تقول: هلك عليه حباً ومات عليه حزناً. ولا يجوز أن يتعلق بـ{حَسَرٰتٍ } لأن المصدر لا تتقدم عليه صلته {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } وعيد لهم بالعقاب على سوء صنيعهم {وَٱللَّهُ ٱلَّذِى أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ } {ٱلرّيحَ }: مكي وحمزة وعلي {فَتُثِيرُ سَحَـٰباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ } بالتشديد: مدني وحمزة وعلي وحفص، وبالتخفيف: غيرهم. {فَأَحْيَيْنَا بِهِ } بالمطر لتقدم ذكره ضمناً {ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } يبسها. وإنما قيل {فَتُثِيرُ } لتحكي الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب وتستحضر تلك الصورة الدالة على القدرة الربانية، وهكذا يفعلون بفعل فيه نوع تمييز وخصوصية بحال تستغرب، وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها. لما كان من الدليل على القدرة الباهرة قيل فسقنا وأحيينا معدولاً بهما عن لفظ الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدل عليه {كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ } الكاف في محل الرفع أي مثل إحياء الموت نشور الأموات قيل يحيي الله الخلق بما يرسله من تحت العرش كمني الرجال تنبت منه أجساد الخلق.
الخازن
تفسير : قوله عز وجل {الحمد لله فاطر السموات والأرض} أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق {جاعل الملائكة رسلاً} أي إلى الأنبياء {أولي أجنحة} أي ذوي أجنحة {مثنى وثلاث ورباع} أي بعضهم له جناحان وبعضهم له ثلاثة أجنحة وبعضهم له أربعة {يزيد في الخلق ما يشاء} أي يزيد في خلق الأجنحة ما يشاء. قال عبد الله بن مسعود في قوله {أية : لقد رأى من آيات ربه الكبرى}تفسير : [النجم: 18] قال رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح، وقيل في قوله {يزيد في الخلق ما يشاء} هو حسن الصوت وقيل حسن الخلق وتمامه وقيل هو الملاحة في العينين وقيل هو العقل والتمييز {إن الله على كل شيء قدير} أي مما يريد أن يخلقه. قوله تعالى {ما يفتح الله للناس من رحمة} قيل المطر وقيل من خير ورزق {فلا ممسك لها} أي لا يستطيع أحد حبسها {وما يمسك فلا مرسل له من بعده} أي لا يقدر أحد على فتح ما أمسك {وهو العزيز} يعني فيما أمسك {الحكيم} أي فيما أرسل (م) عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في دبر كل صلاة "حديث : لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد"تفسير : والجد الغنى والبخت أي لا ينفع المبخوت والغني حظه وغناه لأنهما منك إنما ينفعه الإخلاص والعمل بطاعتك.
القمي النيسابوري
تفسير : القراءات: {غير الله} بالجر: يزيد وحمزة وعليّ. الآخرون: بالرفع حملاً على المحل {فلا تذهب} من الإذهاب {نفسك} منصوباً: يزيد. الآخرون: بفتح التاء والهاء من الذهاب {نفسك} مرفوعاً: {الريح} على التوحيد: ابن كثير وحمزة وعلي وخلف {ولا ينقص} بفتح الياء وضم القاف: روح وزيد. الباقون: بالعكس. {من عمره} باختلاس الضمة: عباس {والذين يدعون} على الغيبة: قتيبة. الوقوف: {ورباع} ط {يشاء} ط {قدير} ه {لها} ج {بعده} ط {الحكيم} ه {عليكم} ط {والأرض} ط {إلا هو} ز للاستفهام ولفاء التعقيب وإتحاد المعنى {تؤفكون} ه {قبلك} ط {الأمور} ه {الغرور} ه {عدوّاً} ط {السعير} ه ط لأن {الذين} مبتدأ. {شديد} ه {كبير} ه {حسناً} ط لحذف الجواب {حسرات} ط {يصنعون} ه {موتها} ط {النشور} ه {جميعاً} ط {يرفعه} ط {شديد} ه {يبور} ه {أزواجاً} ط {بعلمه} ط {في كتاب} ط {يسير} ه {أجاج} ط {تلبسونها} ج لانقطاع النظم مع اتفاق المعنى {تشكرون} ه {مسمى} ط {الملك} ط {قطمير} ه {دعاءكم} ج للشرط مع العطف {لكم} ط {بشرككم} ط {خبير} ه {إلى الله} ط لاتفاق الجملتين مع حسن الفصل بين وصفي الخالق والمخلوق {الحميد} ه {جديد} ه ج لاحتمال ما بعده الاستئناف والحال {بعزيز} ه {أخرى} ط لاستئناف الشرط {قربى} ط {الصلاة} ط {لنفسه} ط {المصير} ه {والبصير} ه لا {ولا النور} ه لا {ولا الحرور} ه ج للطول والتكرار {الأموات} ط {يشاء} ج للعطف مع الإثبات إلى النفي مع اتفاق الجملتين {القبور} ه {إلا نذير} ه {ونذيراً} ط {نذير} ه {من قبلهم} ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف {المنير} ه {نكير} ه. التفسير: لما بين في آخر السورة المتقدمة انقطاع رجاء الشاك وعدم قبول توبته في الآخرة ذكر في أوّل هذه السورة حال الموفق المؤمن وبشر بإرسال الملائكة إليهم مبشرين، وبين أنه يفتح لهم أبواب الرحمة. و{فاطر السموات والأرض} مبدعهما أو شاقهما لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض يؤيد التفسير الثاني قوله {جاعل الملائكة رسلاً} وقوله {أية : وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون} تفسير : [الأنبياء: 103] و{أولي أجنحة} اي أصحاب أجنحة أراد أن طائفة منهم أجنحة كل منهم اثنان اثنان، وبعضهم أجنحة ثلاثة ثلاثة لعل الثالث منها في وسط الظهر بين الجناحين يمدهما بقوة أو لعله لغير الطيران فلقد رأيت في بعض الكتب أن صنفاً من الملائكة لهم ستة أجنحة، فجناحان يلفون بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما في الأمر من أمور الله عز وجل، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله عز وجل. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جبرائيل عليه السلام ليلة المعراج وله ستمائة جناح. وروي أن إسرافيل له اثنا عشر جناحاً، جناح منها بالمشرق، وجناح بالمغرب، وإن العرش على كاهله وإنه ليتضاءل لعظمة الله سبحانه وتعالى حتى يعود مثل الوصع وهو العصفور الصغير. ويجوز أن يخالف حال الملائكة حال الطيور في الطيران كالحيوان الذي يدب بأرجل كثيرة، ويجوز أن يكون البعض للزينة، ويجوز أن يكون كل جناح ذا شعب. قال الحكيم: الجناحان إشارة إلى جهتين: جهة الأخذ من ا لله، وجهة الإعطاء لمن دونهم بإذن الله كقوله {أية : نزل به الروح الأمين على قلبك}تفسير : [الشعراء: 193 ـ 194] {أية : علمه شديد القوى}تفسير : [النجم: 5] {أية : فالمدبرات أمرا}تفسير : [النازعات: 5] ومنهم من يفعل بواسطة فلهم ثلاث جهات أو أكثر على حسب الوسائط. ثم بين كمال قدرته بقوله {ويزيد في الخلق ما يشاء} والظاهر أنه عام يتناول كل زيادة في كل أمر يعتبر في الصورة كحسن الوجه والخط والصوت ونحوهما، أو في المعنى كحصافة العقل وجزالة الرأي وسماحة النفس وذلاقة اللسان وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة. ثم أكد نفاذ أمره وجريان الأمور على وفق مشيئته بقوله {وما يفتح الله للناس} الآية. وفيها دلالة على أن رحمته سبقت غضبه من جهة تقديم الرحمة ومن جهة بيان الضمير في القرينة الأولى بقوله {من رحمة} والإطلاق في قوله {وما يمسك} فيشمل إمساك الغضب وإمساك الرحمة. ومن جهة قوله {من بعده} أي من بعد إمساكه فيفيد أن الرحمة إذ جاءته لم يكن لها انقطاع وإن ضدّها قد ينقطع وإن كان لا يقطعه إلا الله ولهذا لا يخرج أهل الجنة من الجنة وقد يخرج أهل النار من النار {وهو العزيز} الغالب على إرسال الرحمة وإمساكها {الحكيم} الذي لا يمسك ولا يرسل إلا عن علم كامل وصلاح شامل. وحيث بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة المستدعية للحمد على التفصيل أمر المكلفين بتذكر العمة على الإجمال لساناً وقلباً وعملاً، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: اذكر أياديّ عندك يريد حفظها وشكرها والعمل بموجبها. وعن ابن عباس: أن الناس أهل مكة أسكنهم حرمه ويتخطف الناس من حولهم. وعنه أيضاً أنه اراد بالنعمة العافية، والظاهر تعميم النعمة والمنعم عليهم. ثم اشار إلى نعمة الإيجاد بقوله {هل من خالق غير الله} وإلى نعمة الإبقاء بقوله {يرزقكم} وهو نعت خالق أو مستأنف أو تفسير لمضمر والتقدير: هل يرزقكم خالق يرزقكم؟ قال جار الله: إن جعلت {يرزقكم} كلاماً مستأنفاً ففيه دليل على أن الخالق لا يطلق إلا على الله عز وجل. وأما على الوجهين الآخرين فلا، إذ لا يلزم مننفي خالق رازق غيره نفي خالق غيره مطلقاً. وقوله {لا إله إلا هو} جملة مفصولة لا محل لها مثل {يرزقكم} في غير وجه الوصف إذ لو جعلت وصفاً لزم التناقض لأن قولك "هل من خالق آخر سوى الله" إثبات الله، ولو جعلت المنفية وصفاً صار تقدير الكلام: هل من خالق آخر سوى لا إله إلا ذلك الخالق فلزم نقض الإثبات المذكور مع أن الكلام في نفسه يكون غير مستقيم. {فأنى تؤفكون} أي وكيف تصرفون عن هذا الظاهر فتشركون المنعوت بمالك الملك والملكوت. وحين بينّ الاصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرسالة بقوله {وإن يكذبوك} الآية. والمراد إن يكذبوك فتسل بهذا المعنى. ثم بينت الأصل الثالث وهو الحشر بقوله {يا أيها الناس} وقد مرّ مثل الآية في آخر سورة لقمان. وقد يسبق إلى الظن ههنا أن الغرور وهو الشيطان لأنه عقبه بقوله {إن الشيطان لكم عدّو فاتخذوه عدّواً} لأن الحازم لا يقبل قول العدوّ ولا يعتمد عليه. ثم صرح بوجه اتخاذه وبعاقبة دعوته فقال {إنما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير} ثم فصل مال حال حزبه وحزب الله بقوله {الذين كفروا} إلى قوله {وأجر كبير} عرض على العقول أنه لا سواء بين الحزبين والمعنى {أفمن زين له سوء عمله} من الفريقين كمن لم يزين له. ولا ريب أن المزين لهم عملهم هم أهل الأهواء والبدع الذين لا مستند لهم في مأخذهم سوى التقليد واتباع الهوى. ثم أنتج من ذلك قوله {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} وذلك أن الناس متساوية الأقدام في الإنسانية ومتفاوتة الأحوال في الأعمال، فتبين أنه لا استقلال، وأن أفعال العباد مستندة إلى إزادة مصرف القلوب والأحوال. ثم رتب على عدم الاستقلال قوله {فلا تذهب} أي فلا تهلك {نفسك} و {عليهم} صلة تذهب كما تقول هذك عليه حباً أو هو بيان للمتحسر عليه ولا يتعلق بـ {ـ مجسرات} المفعول لأجله لأن المصدر لا يتقدم عليه صلته. وجوّز جار الله أن يكون حالاً كأن كل نفسه صارت حسرات لفرط التحسر. وعن الزجاج أن تقدير الآية: أمفن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم فحذف لدلالة المذكور وهو فلا تذهب عليه، أو أفمن زين له سوء عمله كمن هداه الله، فحذف لأن قوله {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} يدل عليه. ثم بين أن حزنه إن كان لما بهم من الضلال فالله عالم بهم وبما يصنعون لو أراد منهم الإيمان لآمنوا وإن كان لما بهم منالإيذاء فالله عليم بفعلهم فيجازيهم بذلك. ثم أكد كونه فاعلاً مختاراً قادراً قهاراً مبدئاً معيداً بقوله {والله الذي أرسل} وهو من الالتفات الموجب للتهويل والتعظيم. وقوله {فتثير} بلفظ المستقبل تصوير لتلك الحالة العجيبة الشأن، عرف نفسه بفعل الإرسال ثم قال {فسقناه} كأنه قال: أنا الذي عرفتني بمثل هذه السياقة والصناعة وأنعمت عليك بهذه النعمة الشاملة. ثم شبه البعث والنشور بالصنع المذكور ووجهه ظاهر. وحين بين برهان الإيمان أشار إلى ما كان يمنع الكفار منه وهو العزة الظاهرة الت يكانوا يتوهمونها من حيث إن معبوديهم كانت تحت تسخيرهم والرسول كان يدعوهم إلى الإيمان لطاعة الله وطاعة أنبيائه فكنه قال: إن كنتم تطلبون حقيقة العزة {فلله العزة} خاصة كلها فلتطلبها من عنده ومن عند أوليائه نظيره قولك "من أراد النصيحة فهي عند الأبرار" يريد فليطلبها عندهم فاعتبر في هذه الآية حرف النهاية. وأما في قوله {أية : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} تفسير : [المنافقون: 8] فاعتبر الوسائط فالعزة للمؤمنين بواسطة الرسول وله من رب العزة. ثم إن الكفار كأنهم قالوا: نحن لا نعبد من لا نراه ولا نحضر عنده فإن البعد من الملك ذلة فقال {إليه يصعد} أي إن كنتم لا تصلون إليه فهو يسمع كلامكم ويقبل الطيب منها وذلك آية العزة، وأما هذه الأصنام فلا يتبين عندها الذليل من العزيز إذ لا حياة لها ولا شعور وهكذا العمل الصالح لا تراه هذه الأصنام فلا يمكن لها مجازاة الأنام. وفاعل قوله {يرفعه} إن كان هو الله فظاهر، وإن كان الكلم أعني قوله "لا إله إلا الله" فمعناه أنه لا يقبل عمل إلا من موحد وإن كان هو العمل فالمعنى: أن الكلم وهو كل كلام فيه ذكر الله أو رضاه يريد الصعود إلى الله إلا أنه لا يستطيع الصعود ولا يقع موقع القبول إلا إذا كان مقروناً بالعمل الصالح. عن النبي صلى الله عليه وسلم "حديث : الكلم الطيب هو قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن فإذا لم يكن له عمل صالح لم يقبل منه"تفسير : . وعن ابن المقفع: قول بلا عمل كثريد بلا دسم، وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر. ولا تخفى أن القول هو الأصل والعمل مؤكده فلهذا قدم القول. وحين بيّن حال العمل الصالح ذكر أن المكرات السيئات بائرة كاسدة لا حقيقة لها، ولعله أشار بها إلى مكرات قريش المذكورات في قوله {أية : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} تفسير : [الأنفال: 30] جمع الله مكراتهم فقلبها عليهم حين أوقعهم في قليب بدر. ولما ذكر دليل الآفاق أكده بدليل الأنفس قائلاً {والله خلقكم من تراب} وفيه إشارة إلى خلق آدم {ثمن من نطفة} وفيه إشارة إلى خلق أولاده. ومعنى {أزواجاً} أصنافاً أو ذكراناً وإناثاً. ثم أشار إلى كمال علمه بقوله {وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه} ثم بين نفوذ إرادته بقوله {وما يعمر من معمر} قال جار الله: معناه من أحد ولكنه سماه معمراً باعتبار ما يؤل إليه. وليس المراد تعاقب التعمير وخلافه على شخص واحد وإنما المراد تعاقبهما على شخصين فتسومح في اللفظ تعويلاً على فهم السامع كقول القائل: ما تنعمت بكذا ولا اجتويته إلا قل فيه ثوائي. وتأويل آخر وهو أن يراد لا يطول عمر إنسان ولا ينقص من عمر ذلك الإنسان بعينه {إلا في كتاب} وصورته أن يكتب في اللوح إن حج أو وصل الرحم فعمره أربعون سنة، وإن جمع بين الأمرين فعمره ستون، فإذا جمع بينهما فعمر ستين كان الغاية، وإذا أفرد فعمر أربعين فقد نقص من تلك الغاية. وبهذا التأويل يستبين معنى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "حديث : إن الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان في الأعمار"تفسير : . ويصح ما استفاض على الألسن "أطال الله بقاءك". وعن سعيد بن جبير يكتب في الصحيفة أن عمره كذا سنة، ثم يكتب بعد ذلك في آخرها ذهب يوم ذهب يومان حتى تنقضي المدّة. وعن قتادة: المعمر من بلغ ستين، والمنقوص من عمره من يموت قبل الستين. وذلك في علم الله. {إن ذلك} الذي ذكر من خلق الإنسان من المادة المذكورة أو الزيادة في الأعمار أو النقصان منها {على الله يسير}. ثم ضرب مثلاً للمؤمن والكافر وذكر ليلاً آخر على عظم قدرته فقال {وما يستوي البحران} الآية. على الأوّل يكون قوله {ومن كل تأكلون} إلى آخر الآية تقريراً للنعمة على سبيل اللاستطراد، أو هو من تمام التشبيه كأنه شبه الجنسين بالبحرين. ثم فضل البحر الأجاج على الكافر لأنه شارك العذب في استخراج السمك واللؤلؤ وجرى الفلك فيه، وأما الكافر فلا نفع فيه ألبتة فيكون كقوله في البقرة {أية : ثم قست قلوبكم}تفسير : [البقرة: 74] إلى آخر قوله و{أية : وَإِنَّ مِنهَا لما يهبط من خشية الله} تفسير : [الآية: 74] والأشبه أن الآية تقرير دليل مستأنف كما مرّ في أوّل "النحل" يؤيده تعقيبه بدليل آخر وهو قوله {يولج الليل} إلى قوله {أجل مسمى} قد مرّ في آخر "لقمان" مثله، وفيه ردّ على عبدة الكواكب الذين ينسبون حوادث هذا العالم إلى الكواكب بالذات لا إلى تسخير مبدعها. قوله {ذلكم الله} أي الذي فعل الأشياء المذكورة من فطر السموات والأرض وإرسال الرياح وخلق الإنسان من التراب وغير ذلك هو المعبود الحق. وقوله {ربكم له الملك} خبران آخران، ويجوز أن يكون {الله ربكم} خبرين و {له الملك} جملة مبتدأه واقعة في طبقات. قوله {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير} وذلك أن المشركين كانوا معترفين بأن الأصنام ليسوا خالقين وإنما كانوا يقولون إنه تعالى فوض أمور الأرضيات إلى الكواكب التي هذه الأصنام صورها وطوالعها، فأخبر الله تعالى أنهم لا يملكون قطميراً وهو القشرة الرقيقة للنواة فضلاً عما قوفها. قال جار الله: يجوز في حكم الإعراب إيقاع اسم الله تعالى صفة لاسم الإشارة أو عطف بيان و {ربكم} خبراً لولا أن المعنى يأباه فقيل: لأن ذلك إشارة إلى معلوم سبق ذكره. وكونه صفة أو عطف بيان يقتضي أن يكون فيما سبق ضرب إبهام. قلت: وفيه نظر، أما أولاً فلأن اسم الله من قبيل الأعلام لا من قبيل أسماء الأجناس فكيف يجوز جعله صفة؟ وأما ثانياً فلأنه على تقدير التجويز يكون صفة مدح فلا ينافي كون المشار إليه معلوماً. والوجه الصحيح في إباء المعنى هو أن الوصف إذا كان معرفة كان أمراً متحققاً في الخارج مسلماً عند السامع. مثلاً إذا قلت: الرجل الكاتب جاءني. تريد الرجل الذي تعرفه أيها السامع أنه كاتب جاءني لكن الخطاب ههنا مع الكفار وهم يجحدون المعبود الحق، أو يجحدون أن العبادة لا تصلح إلا له،ن فلا يصح إيقاع اسم الله وصفاً لذلكم والخطاب معهم. ثم زاد في توبيخ الكفرة بقوله {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم} لأنهم جماد ولو فرض سماعهم {ما استجابوا لكم} لما مرّ من أنهم لا يملكون شيئاً {ويوم القيامة} ايضاً {يكفرون بشرككم} قائلين ما كنتم إيانا تعبدون {ولا ينبئك} أي لا يطلعك على حقيقة الحال أيها النبيّ أو أيها السامع {مثل خبير} ببواطن الأمور. والمعنى أن هذا الذي أخبرتكم به من حال الأوثان هو الحق لأني خبير بما أخبرت به ولا يخبرك بالأمر مخبر هو مثل عالم به. وفيه أنه الخبير بالأمر وحده، وفيه ن هذا الخبر مما لا يعرف بمجرد المعقول لولا إخبار الله سبحانه. ثم بين أن نفع العبادة إنما يعود على المكلفين فقال {يأيها الناس أنتم الفقراء} ومعنى تعريف الخبر القصد إلى أنهم جنس الفقراء مبالغة، وذلك أن افتقار الإنسان إلى الله عاجلاً لأمور المعاش وآجلاً لنعيم الآخرة أبين من افتقار سائر المخلوقين إليه. وقيل: إن كون الناس فقراء أمر ظاهر لا يخفى على أحد فلهذا عرف كقول القائل: الله ربنا ومحمد نبينا. ثم بين أن فقرهم ليس إلا إلى الله فقابل الفقراء بقوله {والله هو الغنيّ} وقابل قوله {إلى الله} بقوله {الحميد} لأنه إذا أنعم عليهم استحق الحمد منهم. ثم ذكر أنه غني عن وجودهم أيضاً لا يفتقر في ظهور أثر قدرته إليهم فقال {إن يشأ يذهبكم} وقد مرّ في "النساء" وفي "إبراهيم". وحين بين الحق بالدلائل الباهرة أراد أن يذكر ما يدعوهم إلى النظر فيه فقال {ولا تزر وازرة} يعني أن النفوس الوازرات لا ترى واحدة منهن إلا حاملة وزرها لا وزر غيرها. ولا ينافي في هذا قوله {أية : وليحملن أثقالَهُم وأثقالاً مع أثقالِهِم}تفسير : [العنكبوت: 13] لأن وزر الإضلال هو وزر النفس الوزارة أيضاً، وفيه أن كل نفس وازرة مهمومة بهمّ وزرها متحيرة في أمرها. ثم زاد في التهويل بقوله {وإن تدع مثقلة} أي نفس ذات حمل {لا يحمل منه شيء} فإن عدم قضاء الحاجة بعد السؤال أفظع. ثم زاد التأكيد بقوله {ولو كان} أي المدعوّ {ذا قربى} فإِن عدم القضاء بعد السؤال من القريب من أب وولد أدل على شدّة الأمر فيعلم منه أن لا غياث يومئذ أصلاً. ثم بين أن هذه الإنذارات إنما تفيد أهل الخشية والطاعة حال كونهم غائبين عن العذاب أو حال كون العذاب غائباً عنهم. ثم لما بيّن أن الوزر لا يتعدى إلى الغير بيّن أن التظهر عن الذنوب لا يفيد إلا نفس المتزكي {وإلى الله المصير} لكل فيجزيهم على حسب ذلك. ثم ضرب للكافر والمؤمن مثلاً فقال {وما يستوي الأعمى والبصير} وقيل: إنه مثل للصنم وللمعبود الحق. ثم ذكر للكفر والإيمان مثلاً قائلاً {ولا الظلمات ولا النور} وإذا كان الإيمان نوراً والمؤمن بصيراً فلا يخفى عليه النور، وإذا كان الكفر ظلمة والكافر أعمى فله صادّ فوق صادّ. ثم بيّن لمآلهما ومرجعهما مثلاً وهو الظل والحرور. قال أهل اللغة: السموم يكون بالنهار والحرور أعم. وقال بعضهم: الحرور يكون بالليل فالمؤمن بإيمانه كمن هو في ظل وراحة، والكافر في كفره كمن هو حرّ وتعب. وههنا مسائل. الأولى: ضرب أوّلاً مثلاً للكافر والمؤمن ثم أعاد مثلهما بقوله {وما يستوي الأحياء ولا الأموات} وهذا أبلغ لأن الأعمى والبصير قد يشتركان في إدراك أشياء ولا كذلك الحي والميت ولمكان هذه المبالغة أعاد الفعل. الثانية: كرر "لا" النافية في الأمثال الأخيرة دون الأوّل، لأن المنافاة بين العمى والبصر ليست ذاتية كما في سائرهما وقد يكون شخص واحد بصيراً بإحدى العينين أعمى بالأخرى. الثالثة: قدم الأشرف في مثلين وهو الظل والحيّ، وأخره في الآخرين فهم أهل الظاهر أن ذلك لرعاية الفواصل. والمحققون قالوا: إنهم كانوا قبل البعث في ظلمة الضلال فصاروا إلى نور الإيمان في زمان محمد صلى الله عليه وسلم، فلهذا الترتيب قدّم مثل الكافر وكفره على مثل المؤمن وإيمانه. ولما ذكر المآل والمرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب لأن رحمته سبقت غضبه. ثم إن الكافر المصرّ بعد البعثة صار أضلّ من الأعمى وشابه الأموات في عدم إدراك الحق فقال {وما يستوي الأحياء} أي المؤمن الذي آمن بما أنزل الله. والأموات الذين تليت عليهم الآيات ولم تنجع فيهم البينات فأخرهم عن المؤمنين لوجود حياتهم قبل ممات الكافرين المعاندين. الرابعة: إنما وحد الأعمى والبصير لأن المراد أن أحد الجنسين لا يساوي جنس الآخر من جهة العمى والبصر، ولعل فرداً من أحدهما قد يساوي الفرد الآخر من جهة أخرى وكذا الكلام في إفراد الظل والحرور. وإنما جمع الظلمات ووحّد النور لما مرّ في أوّل "الأنعام" من تحقيق أن الحق واحد والشبهات كثيرة. وإنما جمع الأحياء والأموات لأن المراد أن أحد الصنفين لا يساوي الآخر سواء قابلت الجنس بالجنس أو قابلت الفرد بالفرد. الخامسة: لا يخفى أن هذه الواوات بعضها ضمت شفعاً إلى شفع وبعضها ضمت وتراً إلى وتر. ثم سلى ورسوله بقوله {إن الله يسمع} الآية. فقد مرّ نظيره في قوله {أية : إنك لا تسمع الموتى}تفسير : [النمل: 80] وإنما اقتصر على قوله {إن أنت إلا نذير} وكذا في قوله {إلا خلا فيها نذير} لأن الكلام في معرض التهديد مع أن ذكر البشير يدل عليه بل ذكر النذير يدل على مقابله. والمراد بالنذارة آثارها لثبوت زمان الفترة. ثم زاد في التسلية بقوله {وإن يكذبوك} وقد مر مثله في آخر "آل عمران". وإنما حذف الفاعل هناك لبناء الكلام هنالك على الاقتصار دليله أنه قال {وإن يكذبوك فقد كذب} فاقتصر على لفظ المضيّ ولم يسم الفاعل، ويحتمل أن يكون لفظ الماضي إشارة إلى وقوع التكذيب منهم فإن تلك السورة مدنية والله أعلم.
الثعالبي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِي أَجْنِحَةٍ...} الآية {رُسُلاً} مَعْنَاهُ: بِالْوَحْيِ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَوَامِرِهِ سُبْحَانَهُ، كَجُبْرِيلَ وَمِيكائيل رسلٌ، وَالمَلاَئكَةُ المُتَعَاقِبُونَ رُسُلٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ، و{مَثْنَىٰ وَثَلَـٰثَ وَرُبَـٰعَ} أَلْفَاظٌ مَعْدُولَةٌ عَنْ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وَثَلاَثَةً وَأَرْبَعَةً أَرْبَعَةً, عُدِلَتْ فِي حَالَةِ التَنْكيِرِ فَتَعَرَّفَتْ بِالْعَدْلِ فَهِيَ لاَ تَنْصَرِفُ لِلْعَدْلِ وَالتَّعْرِيفِ، وَقِيلَ: لِلْعَدْلِ وَالصِّفَةِ، وَفَائِدَةُ العَدْلِ الدِّلاَلَةُ عَلَى التَّكْرَارِ لأَنَّ مَثْنَى بِمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ. قَالَ قَتَادَةَ: إنَّ أَنْوَاعَ المَلاَئِكَةِ هُمُ هَكَذَا مِنْهَا مَا لَه جَنَاحَانِ؛ وَمِنْهَا مَالَه ثَلاَثَةٌ، وَمِنْهَا مَا لَهُ أَرْبَعَةٌ، وَيَشُذُّ مِنْها مَا لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ، وَرُوِيَ: أَنَّ لِجِبْرِيلَ ـــ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـــ سِتَّ مِائَةَ جَنَاحٍ مِنْهَا اثْنَانِ يَبْلُغَانِ مِنَ المَشْرِقِ إلَى المَغْرِبِ. وَقَوْلُه تَعَالَى: {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} تَقْرِيرُ لِمَا يَقَعُ فِي النُّفُوسِ مِنَ التَّعَجُّبِ عِنْدَ الخَبَرِ بِالمَلاَئِكَةِ أُولِي الأَجْنِحَةِ، أي: لَيْسَ هَذَا بِبِدْعِ فِي قُدْرَةِ اللّهِ تَعَالَى، فَإنَّهُ يَزِيدُ فِي الخَلْقِ مَا يَشَاءُ؟ وَرُوِيَ عَنْ الحَسَنِ وَٱبْنِ شِهَابٍ أَنَّهُمَا قَالاَ: المَزِيِدُ هُوَ حُسْنُ الصَّوْتِ، قَالَ الهَيْثَمُ الفَارِسِيُّ: رَأَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فِي النَّوْمِ فَقَالَ لِي: أَنْتَ الهَيْثَمُ الَّذِي تُزَيِّنُ القُرْآنَ بِصَوْتِكَ جَزَاكَ اللّهُ خَيْراً. وَقِيلَ: مِنَ الأَقْوَالِ فِي الزِّيَادَةِ غَيْرَ هَذَا وَذَلِكَ عَلَى جِهَة المِثَالِ لاَ أَنَّ المَقْصِدَ هِيَ فَقَطْ. وَقَوْلهُ تَعَالَى: {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ} {ما} شَرْطٌ و {يُفْتَحْ} مَجْزُومٌ بِالشَّرْطِ. وقوله: {مِن رَّحْمَةِ} عَامٌ فِي كُلِّ خَيْرٍ يُعْطِيهِ اللّهُ تَعَالَى لِعِبَادِهِ. وَقَوْلُه: {مِن بَعْدِهِ} فيه حَذْفٌ مُضَافٍ، أي: مِنْ بَعْدِ إمْسَاكِهِ وَمِنْ هَذِهِ الآيةِ سَمَّتِ الصُّوفِيَّةُ مَا تُعْطَاهُ مِنَ الأَمْوَالِ وَالمَطَاعِمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ «الفُتُوحَاتِ».
ابن عادل
تفسير : قوله: {ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وٱلأَرْضِ} قد تقدم أن الحمد يكون على النعمة في أكثر الأمر. ونعم الله على قسمين عاجلة وآجلة والعاجلة وجود وبقاء والآجلة كذلك إيجاد مرة وإبقاء. قوله: "فَاطِرِ" إن جعلت إضافة محضة كان نعتاً "لله" وإن جعلتها غير محضة كان بدلاً. وهو قليل، من حيث إنه مشتق، وهذه قراءة العامة. والزُّهْريّ والضحاك: "فَطَرَ" فعلاً ماضياً وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنها صلة لموصول محذوف أي الَّذِي فطر. كذا قدره أبو (حيان) وأبو الفضل، ولا يليق بمذهب البصريين لأن حذف الموصول الاسمي لا يجوز، وقد تقدم هذا الخلاف متسوفًى في البقرة. الثاني: أنه حال على إضمار "قد". قاله أبو الفضل أيضاً. الثالث: أنه خبر مبتدأ مضمر أي هُوَ فطر. وقد حكى الزمخشري قراءة تؤيد ما ذهب إليه الرّازي فقال: "وقرىء الذي فَطَر وَجَعَل"، فصرح بالموصول. فصل معنى فاطر السموات والأرض أي خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق. قاله ابن عباس. وقيل: فاطر السموات والأرض أي شاقّهما لِنُزُول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض. ويدل عليه قوله تعالى: {جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} فإن في ذلك اليوم تكن الملائكةُ رسلاً. قوله: "جاعل" العامة أيضاً على جره نعتاً أو بدلاً، والحسن بالرفع والإضافة. وروي عن أبي عمرو كذلك إلا أنَّه لم ينون ونصب الملائكة، وذلك على حذف التنوين لالتقاء الساكنين كقوله: شعر : 1451-........................ وَلاَ ذَاكِرِ اللَّهَ إلاَّ قَلِيلا تفسير : وابنُ يعمُر وخُلَيْدُ بن نَشِيطٍ "جَعَلَ" فعلاً ماضياً بعد قراءة فاطر بالجر وهذه كقراءة: {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلْلَّيْلَ} تفسير : [الأنعام:96]. والحَسَنُ وحُمَيْد رُسْلاً بسكون السين وهي لغة تميم. وجاعل يجوز أن يكون بمعنى مصير أوبمعنى خالق فعلى الأولى يجري الخلاف هل نصب الثاني باسم الفاعل أو بإضمار فعل هذا إن اعتقد أن جاعلاً غير ماض أما إذا كان ماضياً تعين أن ينتصب بإضمار فعل. وتقدم تحقيق ذلك في الأنعام وعلى الثاني ينتصب على الحال، و"مَثْنَى وثُلاَثَ ورُبَاعَ" صفة لأجنحة و "أُولي" صفة لرُسُلاً. وتقدم تحقيق الكلام في مَثْنَى وأخْتَيْهَا في سورة النساء. قال أبو حيان وقيل: أولي أجنحة معترض و "مثنى" حال والعامل فعل محذوف يدل عليه رسلاً أي يُرْسَلُون مَثْنَى وثُلاَث ورُبَاع. وهذا لا يسمى اعتراضاً لوجهين: أحدهما: أن "أولي" صفة لرسلاً والصفة لا يقال فيها معترضة. والثاني: أنها ليست حالاً من "رُسُلاً" (بل) من محذوف فكيف يكون ما قبله معترضاً؟ ولو جعله حالاً من الضمير في "رُسُلاً" لأنه مشتق لسهل ذلك بعض شيء ويكون الاعتراض بالصفة مجازاً من حيث إنه فاصل في الصورة. قوله: "يَزِيدُ" مستأنف. و"مَا يَشَاءُ" هو المفعول الثاني للزّيادة. والأول لم يقصد فهو محذوف اقتصاراً لأن قوله في الخلق يُغْنِي عَنْهُ. فصل قول قتادة ومقاتل: أولي أجنحة بعضهم له جناحان وبعضهم له ثلاثةُ أجنحة، وبعضهم له أجنحة يزيد فيها ما يشاء وهو قوله: {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} قال (عبد الله) بنُ مسعود في قوله عزّ وجلّ: {أية : لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ} تفسير : [النجم:18]. قال: رأي جبريل في صورته له ستّمائةِ جَنَاح. "قال ابن شهاب في قوله: {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} قال: حسن الصوت". وعن قتادة: هو المَلاَحَةُ في العينين. وقيل: هو العقل والتمييز {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. قوله: {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} لما بين كمال القدرة ذكر بيان نفوذ المشيئة ونفاذ الأمر وقال: {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ} إن رحم الله فلا مانع له وإن لم يرحم فلا باعثَ له عليها. وفي الآية دليل على سبق الرحمة الغضب من وجوه: أحدها: التقديم حيث قدم بيان فتح أبواب الرحمة في الذكر. وثانيها: أنه أنّث الكناية فقال: {فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} ويجوز من حيث العربية أن يقال: "لَهُ" عَوْداً إلى "ما" ولكن قال الله تعالى ذلك ليعلم أن المفتوح أبواب الرحمة فيه واصلة إلى من رَحِمَتْهُ وقال عند الإمساك: {وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ} بالتذكير ولم يقل "لها" فلم يصرح بأنه لا مرسل للرحمة بل ذكره بلفظ يحتمل أن يكون الذي يرسل هو غير الرحمة، فإن قوله (تعالى): "وَمَا يُمْسِكْ" عامٌّ من غير بيانٍ وتخصيص. وثالثها: قوله من بعْدِه أي من بعد الله فاستثنى ههنا وقال: {لاَ مُرْسِلَ لَهُ إلاَّ اللَّهُ} وعند الإمساك قال: {لاَ مُمْسِكَ لَهَا} ولم يقل غير الله لأن الرحمة إذا جاءت لا ترتفع فإن من رَحِمَهُ الله في الآخرة لا يعذبه بعدها هو ولا غيره ومن يعذبه الله قد يرحمه الله بعد العذاب كالفساق من أهل الإيمان. قوله: "مِنْ رَحْمَةٍ" تبين أو حال من اسم الشرط ولا يكون صفة لـ "ما" لأن اسم الشرط لا يوصف قال الزمخشري: وتنكير الرحمة للإشاعة والإبهام كأنه قيل: أيّ رحمةٍ كانت سماويةً أو أرضية؟ قال أبو حيان: والعموم مفهوم من اسم الشرط و"من رحمة" بيان لذلك العام من أي صنف هو وهو مما اجْتُزِىءَ فيه بالنكرة المفردة عن الجمع المعرف المطابق في العموم لاسم الشرط وتقديره من الرحمات. و"من" في موضع الحال. انتهى. قوله "وَمَا يُمْسِكْ" يجوز أن يكون على عمومه أيْ أيّ شيء أمْسَكَه من رحمة أو غيرها. فعلى هذا التذكير في قوله له ظاهر لأنه عائد على "ما يمسك". ويجوز أن يكون قد حذف المبيَّن من الثاني لدلالة الأول عليه تقديره وما يمسك من رحمة فعلى هذا التذكير في قوله: "له" على لفظ "ما" وفي قوله أولاً: فلا ممسك لها التأنيث فيه حمل على معنى "ما" لأن المراد به الرحمة فحمل أولاً على المعنى وفي الثاني على اللفظ. والفَتْحُ والإمساك استعارة حسنة "وَهُوَ العَزِيزُ" فيما أمسك أي كامل القدرة "الحَكِيمُ" فيما أرسل أي كامل العلم. قال - عليه (الصلاة و) السلام -"حديث : اللَّهُمَّ لاَ مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ وَلاَ مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ وَلاَ يَنْفَعُ ذَا الجدّ مِنْكَ الجِدُّ ". تفسير : قوله: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} لما بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة التي تَسْتَوجبُ الحمد على سبيل التفصيل بين النعمة على سبيل الإجمال فقال: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} وهي مع كونها منحصرة في قسمين نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فقال: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ} إشارة إلى نعمة الإيجاد في الابتداء وقال: "يَرْزُقُكُمْ" إشارة إلى نعمة الإبقاء بالرزق في الانتهاء. قوله: {مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ} قرأ الأخوان "غَيْرٍ" بالجر نعتاً "لِخَالِقٍ" على اللّفظ و "مِنْ خَالِقٍ" مبتدأ مراد فيه "من" وفي خبره قولان: أحدهما: هو الجملة من قوله: "يَرْزُقُكُمْ". والثاني: أنه محذوف تقديره: "لكم" ونحوه، وفي "يرزقكم" على هذا وجهان: أحدهما: أنه صفة أيضاً لخلق فيجوز أن يحكم على مَوْضِعِهِ بالجر اعتباراً باللفظ وبالرفع اعتباراً بالمَوْضِعِ. والثَّانِي: أنه مستأنف. وقرأ الباقون بالرفع وفيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه خبر المبتدأ. والثاني: أنه صفة لخالق على المَوْضِع والخبر إما محذوفٌ وإما "يَرْزُقُكُمْ". والثالث: أنه مرفوع باسم الفاعل على جهة الفاعلية لأن اسمَ الفاعل قد اعتمد على أداة الاستفهام إلاَّ أن أبا حيان توقف في مثل هذا من حيث إن اسم الفاعل وإن اعتمد إلا أنه لم يحفظ (فيه) زيادة "من" قال: فيحتاج مثله إلى سماع. ولا يظهر التوقف فإن شروط الزيادة والعمل موجودة، وعلى هذا الوجه "فَيرْزُقُكُمْ" إما صفة أو مستأنف. وجعل أبو حيان استئنافه أولى، قال: لانتفاء صدق "خالق" على غير الله بخلاف كونه صفة فإن الصفة تُقَيَّد فيكون ثَمَّ خالق غير الله لكنه ليس برازقٍ. وقرأ الفضلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ النحويّ "غَيْرَ" بالنصب على الاستثناء والخبر "يَرزُقُكُمْ" أو محذوف و "يرزقكم" مستأنفةٌ أو صفةٌ. فصل قال المفسرون: هذا استفهام على طريق التنكير كأنه قال: لا خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض أي من السماء المطر ومن الأرض النبات {لاَ إلَه إلاَّ هُوَ} مستأنف "فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ" أي فأنى تُصْرَفُونَ عن هذا الظاهر فكيف تشركون المَنْحُوتَ بمن له الملكوت؟ ثم لما بين الأصل الأول وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني وهو الرِّسالة فقال: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} يسلي نبيه - صلى الله عليه وسلم - ثم بين من حيث الإجمال أن المكذب في العذاب (و) غير المكذب له الثواب بقوله: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} ثم بين الأصل الثالث وهو الحشر فقال: {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} يعني وعد القيامة {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} أي الشيطان. وقرأ العامة بفتح "الغَرُور" وهو صفة مبالغة كالصَّبُور والشَّكُور. وأبو السَّمَّال وأبو حَيْوَة بضمِّها؛ إما جمع غارٍ كَقَاعدٍ وقُعُودٍ وإمَّا مصدر كالجُلُوس.
البقاعي
تفسير : ولما أثبت سبحانه في التي قبلها الحشر الذي هو الإيجاد الثاني، ودل عليه بجزئيات من القدرة على أشياء في الكون، إلى أن ختم بأخذ الكفار أخذاً اضطرهم إلى الإيمان بظهور الحمد لهم أتم الظهور، وبالحيلولة بينهم وبين جميع ما يشتهون كما كانوا متعوا في الدنيا بأغلب ما يشتهون من كثرة الأموال والأولاد، وما مع ذلك من الراحة من أكثر الأنكاد، وكان الحمد يكون بالمنع والإعدام، كما يكون بالإعطاء والإنعام، قال تعالى ما هو نتيجة ذلك: {الحمد} أي الإحاطة بأوصاف الكمال إعداماً وإيجاداً {لله} أي وحده. ولما كان الإيجاد من العدم أدل على ذلك، قال دالاً على استحقاقه للمحامد: {فاطر} أي مبتدئ ومبتدع {السماوات والأرض} أي المتقدم أن له ما فيهما بأن شق العدم بإخراجهما منه ابتداء على غير مثال سبق كما تشاهدون ولما كانت الملائكة إفرداً وجمعاً مثل الخافقين في أن كلاًّ منهم مبدع من العدم على غير مثال سبق من غير مادة، وكان قد تقدم أنهم يتبرؤون من عبادة الكفرة يوم القيامة، وكان لا طريق لعامة الناس إلى معرفتهم إلا الخبر، أخبر عنهم بعد ما أخبر عما طريقه المشاهدة بما هو الحق من شأنهم، فقال مبيناً بتفاوتهم في الهيئات تمام قدرته وأنها بالاختيار: {جاعل الملائكة رسلاً} أي لما شاء من مراده وإلى ما شاء من عباده ظاهرين للأنبياء منهم ومن لحق بهم وغير ظاهرين {أولي أجنحة} أي تهيؤهم لما يراد منهم؛ ثم وصف الأجنحة فقال: (مثنى) أي جناحين جناحين لكل واحد لمن لا يحتاج فيما صرف فيه إلى أكثر من ذلك، ولعل ذكره للتنبيه على أن ذلك أقل ما يكون بمنزلة اليدين. ولما كان ذلك زوجاً نبه على أنه لا يتقيد بالزوج فقال: {وثلاث} أي ثلاثة ثلاثة لآخرين منهم. ولما كان لو اقتصر على ذلك لظن الحصر فيه، نبه بذكر زوج الزوج على أن الزيادة لا تنحصر فقال: {ورباع} أي أربعة لكل واحد من صنف آخر منهم. ولما ثبت بهذا أنه فاعل بالاختيار دون الطبيعة وغيرها، وإلا لوجب كون الأشياء غير مختلفة مع اتحاد النسبة إلى الفاعل، كانت نتيجة ذلك: {يزيد في الخلق} أي المخلوقات من أشياء مستقلة ومن هيئات للملائكة وخفة الروح واللطافة والثقالة والكثافة وحسن الصوت والصيت والفصاحة والسذاجة والمكر والسخارة والبخل وعلو الهمة وسفولها - وغير ذلك مما يرجع إلى الكم والكيف مما لا يقدر على الإحاطة به غيره سبحانه، فبطل قول من قال: أنه فرغ من الخلق في اليوم السابع عند ما أتم خلق آدم فلم يبق هناك زيادة، كاليهود وغيرهم على أن لهذا المذهب من الضعف والوهي ما لا يخفى غير أنه سبحانه أوضح جميع السبل, ولم يدع بشيء منها لبساً: {ما يشاء} فلا بدع في أن يوجد داراً أخرى تكون لدينونة العباد، ثم علل ذلك كله بقوله مؤكداً لأجل إنكارهم البعث: {إن الله} أي الجامع لجميع أوصاف الكمال {على كل شيء قدير *} فهو قادر على البعث فاعل له لا محالة. وقال الإمام أبو جعفر بن الزبير: لما أوضحت سورة سبأ أنه سبحانه مالك السماوات والأرض، ومستحق الحمد في الدنيا والآخرة، أوضحت هذه السورة أن ذلك خلقه كما هو ملكه، وأنه الأهل للحمد والمستحق، إذ الكل خلقه وملكه، ولأن السورة الأولى تجردت لتعريف العباد بأن الكل ملكه وخلقه دارت آيها على تعريف عظيم ملكه، فقد أعطي داود وسليمان عليهما السلام ما هو كالنقطة من البحار الزاخرة، فلان الحديد وانقادت الرياح والوحوش والطير والجن والإنس مذللة خاضعة {أية : قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير}تفسير : [سبأ: 22] تعالى ربنا عن الظهير والشريك والند، وتقدس ملكه عن أن تحصره العقول أو تحيط به الأفهام, فتجردت سورة سبأ لتعريف العباد بعظيم ملكه سبحانه، وتجردت هذه الأخرى للتعريف بالاختراع والخلق، ويشهد لهذا استمرار آي سورة فاطر على هذا الغرض من التعريف وتنبيهها على الابتداءات كقوله تعالى {جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى} الآية، وقوله {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها هل من خالق غير الله يرزقكم} وقوله: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً} الآية، وقوله: {الله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً} الآية {والله خلقكم من تراب يولج اليّل في النهار ويولج النهار في اليّل} {ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها} {هو الذي جعلكم خلائف في الأرض} {إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا} فهذه عدة آيات معرفة بابتداء الخلق، والاختراع أو مشيرة ولم يقع من ذلك في سورة سبأ آية واحدة، ثم إن سورة سبأ جرت آيها على نهج تعريف الملك والتصرف فيه والاستبداد بذلك والإبداد، وتأمل افتتاحها وقصة داود وسليمان عليهما السلام، وقوله سبحانه {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثال ذرة} الآيات يتضح لك ما ذكرناه وما انجرّ في السورتين مما ظاهره الخروج من هاذين الغرضين فملتحم ومستدعى بحكم الانجرار بحسب استدعاء مقاصد الآي - رزقنا الله الفهم عنه بمنه وكرمه - انتهى. ولما وصف سبحانه نفسه المقدس بالقدرة الكاملة، دل على ذلك بما يشاهده كل أحد في نفسه من السعة والضيق مع العجز عن دفع شيء من ذلك أو اقتناصه، فقال مستأنفاً أو معللاً مستنتجاً: {ما} أي مهما {يفتح الله} أي الذي لا يكافئه شيء. ولما كان كل شيء من الوجود لأجل الناس قال: {للناس} ولما كان الإنعام مقصوداً بالذات محبوباً، وكانت رحمته سبحانه قد غلبت غضبه، صرح به فقال مبيناً للشرط في موضع الحال من ضميره أي يفتحه كائناً: {من رحمة} أي من الأرزاق الحسية والمعنوية من اللطائف والمعارف التي لا تدخل تحت حصر دقت أو جلت فيرسلها {فلا ممسك لها} أي الرحمة بعد فتحه كما يعلمه كل أحد في نفسه أنه إذا حصل له خير لا يعدم من يود أنه لم يحصل، ولو قدر على إزالته لأزاله، ولا يقدر على تأثير ما فيه. ولما كان حبس النعمة مكروهاً لم يصرح به، وترك الشرط على عمومه بعد أن فسر الشرط الأول بالرحمة دلالة على مزيد الاعتناء بها إيذاناً بأن رحمته سبقت غضبه فقال: {وما يمسك} أي من رحمة أو نعمة بإغلاق باب الخلق عنه {فلا مرسل له} أي الذي أمسكه بمثل البرهان الماضي في الرحمة. ولما كان ربما ادعى فجوراً حال إمساك الرحمة أو النقمة أنه هو الممسك قال: {من بعده} أي بعد إمساكه، فمن كان في يده شيء فليمسك ما أتى به الله حال إيجاده بأن يعدمه. ولما كان هذا ظاهراً في العزة في أمر الناس والحكمة في تدبيرهم عمم فقال: {وهو} أي هو فاعل ذلك والحال أنه وحده {العزيز} أي القادر على الإمساك والإرسال الغالب لكل شيء ولا غالب له {الحكيم *} الذي يفعل في كل من الإمساك والإرسال وغيرهما ما يقتضيه علمه به ويتقن ما أراد على قوانين الحكمة، فلا يستطاع نفض شيء منه. ولما بيّن بما يشاهده كل أحد في نفسه أنه المنعم وحده. أمر بذكر نعمته بالاعتراف أنها منه، فإن الذكر يقود إلى الشكر، وهو قيد الموجود وصيد المعدوم المفقود، فقال: {يا أيها الناس} أي الذين فيهم أهلية الاضطراب عامة {اذكروا} بالقلب واللسان {نعمت الله} أي الذي لا منعم في الحقيقة سواه، ولما كانت نعمة عامة غامرة من كل جانب قال: {عليكم} أي في دفع ما دفع من المحن، وصنع ما صنع من المنن، على ما تقدم في الفتح والإمساك لتشكروه ولا تكفروه، والذي يخص أهل مكة بعد ما شاركوا به الناس - إسكانهم الحرم، وحفظهم من جميع الأمم، وتشريفهم بالبيت، وذلك موجب لأن يكونوا أشكر الناس. ولما أمر بذكر نعمته، أكد التعريف بأنها منه وحده على وجه بين عزته وحكمته، فقال منبهاً لمن غفل، وموبخاً لمن جحد، وراداً على أهل القدر الذين ادعوا أنهم يخلقون أفعالهم، ومنبهاً على نعمة الإيجاد الأول: {هل} ولما كان الاستفهام بمعنى النفي أكده بـ {من} فقال: {من خالق} أي للنعم وغيرها، ولما كانت {من} للتأكيد، فكان {خالق} في موضع رفع، قرأ الجمهور قوله: {غير الله} بالرفع، وجره حمزة والكسائي على اللفظ، وعبر بالجلالة إشارة إلى أنه المختص بصفات الكمال. ولما كان الجواب قطعاً: لا، بل هو الخالق وحده، قال منبهاً على نعمة الإبقاء الأول: {يرزقكم} أي وحده. ولما كانت كثرة الرزق كما هو مشاهد مع وحدة المنبع أدل على العظمة قال: {من السماء والأرض} بالمطر والنبات وغيرهما. ولما بين أنه الرزاق وحده انقطع أمل كل أحد من غيره حتى من نفسه فحصل الإخلاص فتعين أنه سبحانه الإله وحده فقال: {لا إله إلا هو} فتسبب الإنكار على من عبد غيره ظاهراً أو باطناً فقال: {فأنى} أي فمن أيّ وجه وكيف {تؤفكون *} أي تصرفون وتقلبون عن وجه السداد في التوحيد بهذه الوجوه الظاهرة إلى الشرك الذي لا وجه له.
السيوطي
تفسير : أخرج أبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت لا أدري ما {فاطر السماوات والأرض} حتى أتاني اعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها قال: ابتدأتها. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {فاطر السماوات والأرض} قال: بديع السموات والأرض. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: كل شيء في القرآن {فاطر السماوات والأرض} فهو خالق السموات والأرض. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {جاعل الملائكة رسلاً} قال: إلى العباد. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله {فاطر السماوات والأرض} قال: خالق السموات والأرض {جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع} قال: بعضهم له جناحان، وبعضهم له ثلاثة أجنحة، وبعضهم له أربعة أجنحة. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله {أولي أجنحة مثنى} قال: للملائكة الأجنحة من اثنين إلى ثلاثة إلى اثني عشر، وفي ذلك وتر الثلاثة الأجنحة والخمسة، والذين على الموازين فطران، وأصحاب الموازين أجنحتهم عشرة عشرة. وأجنحة الملائكة زغبة، ولجبريل ستة أجنحة: جناح بالمشرق، وجناح بالمغرب، وجناحان. منهم من يقول على ظهره، ومنهم من يقول متسرولاً بهما. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {يزيد في الخلق ما يشاء} يزيد في أجنحتهم وخلقهم ما يشاء. وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس {يزيد في الخلق ما يشاء} قال: الصوت الحسن. وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن الزهري رضي الله عنه في قوله {يزيد في الخلق ما يشاء} قال: حسن الصوت. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن حذيفة، أنه سمع أبا التياح يؤذن فقال: من يرد الله أن يجعل رزقه في صوته فعل. وأخرج البيهقي عن قتادة رضي الله عنه في قوله {يزيد في الخلق ما يشاء} قال: الملاحة في العينين.
ابو السعود
تفسير : (سورة فاطر مكية وهى خمس وأربعون آية) {بِسْمِ ٱللهِ ٱلرَّحْمَنِ ٱلرَّحِيم} {ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضِ} مبدِعهما من غير مثالٍ يحتذيِه ولا قانونٍ ينتحيهِ. من الفَطرِ وهو الشَّقُّ وقيل الشَّقُّ طولاً كأنَّه شقَّ العدمَ بإخراجِهما منه وإضافته محضة لأنَّه بمعنى الماضي فهو نعتٌ للاسمِ الجليلِ ومن جعلها غيرَ محضةٍ جعله بدلاً منه وهو قليلٌ في المشتقِّ. {جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ} الكلامُ في إضافتِه وكونِه نعتاً أو بدلاً كما قبلَه وقوله تعالى: {رُسُلاً} منصوبٌ به على الوجهِ الثَّانِي من الإضافة بالاتِّفاقِ وأمَّا على الوجهِ الأوَّلِ فكذلك عند الكِسائِّي وأمَّا عند البصريـينَ فبمضمرٍ يدلُّ هو عليه لأنَّ اسمَ الفاعلِ إذا كان بمعنى الماضي لا يعملُ عندهم إلا معرَّفاً باللام وقال أبو سعيدٍ السِّيرافيُّ: اسم الفاعلِ المتعدِّي إلى اثنينِ يعملُ في الثَّانِي لإنَّ بإضافتَه إلى الأوَّلِ تعذرتْ إضافتُه إلى الثَّانِي فتعيِّن نصبُه له وعلل بعضُهم ذلك بأنَّه بالإضافة أشبه المعرَّفِ باللامِ فعمِل عملَه. وقُرىء جاعلُ بالرَّفعِ على المدح وقُرىء {ٱلَّذِى فَطَرَ ٱلسَّمَـٰوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلْمَلَـٰئِكَةَ} أي جاعلهم وسائطَ بـينه تعالى وبـين أنبـيائه والصَّالحينَ من عبادِه يبلِّغون إليهم رسالاتِه بالوحيِ والإلهامِ والرُّؤيا الصَّادقةِ أو بـينه تعالى وبـين خلقِه أيضاً حيثُ يوصِّلون إليهم آثارَ قدرتِه وصنعِه هذا على تقديرِ كونِ الجعلِ تصيـيريَّاً أمَّا على تقديرِ كونِه إبداعيَّاً فرُسلاً نُصب على الحاليَّةِ وقُرىء رُسْلاً بسكونِ السِّينِ {أُوْلِى أَجْنِحَةٍ} صفةً لرُسلاً وأولو اسمُ جمعٍ لذُو كما أنَّ أُولاء اسمُ جمعٍ لذا. ونظيرُهما في الأسماءِ المتمكِّنة المخاضُ والخلفةُ وقوله تعالى: {مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ} صفاتٌ لأجنحة أي ذَوي أجنجةٍ متعدِّدةٍ مُتفاوتةٍ في العدد حسب تفاوتِ ما لَهُم من المراتب ينزلون بها ويعرجُون أو يسرعون بها والمعنى أنَّ من الملائكة خَلْقاً لكلِّ واحد منهم جناحانِ وخَلْقاً لكلِّ واحد منهم ثلاثة وخَلْقاً آخر لكلِّ منهم أربعة أجنحة. ويُروى أنَّ صنفاً من الملائكة لهم ستة أجنحة بجناحين منها يُلقون أجسادَهم وبآخرينِ منها يطيرون فيما أُمروا به من جهتِه تعالى وجناحانِ منها مرخيَّانِ على وجوههم حياءً من الله عزَّ وجلَّ (حديث : وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه رأى جبريلَ عليه السَّلامُ ليلةَ المعراجِ وله ستمائةُ جناح) تفسير : ورُوي حديث : أنَّه سألَه عليهما السَّلامُ أنْ يترآى له في صورتِه فقال إنَّك لن تطيقَ ذلك قال إنِّي أحبُّ أنْ تفعلَ فخرج عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ في ليلةٍ مُقمرةٍ فأتاهُ جبريلُ عليهما السَّلامُ في صورتِه فغُشي عليهِ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ثمَّ أفاقَ وجيريلُ مسندُهُ وإحدى يديِه على صدرِه والأخرى بـين كتفيِه فقال: سبحانَ الله ما كنتُ أرى أنَّ شيئاً من الخلقِ هكذا فقال جبريل عليه السَّلامُ فكيف لو رأيتَ إسرافيلَ له اثنا عشرَ جناحاً جناحٌ منها بالمشرقِ وجناحٌ منها بالمغربِ وإنَّ العرشَ على كاهلِه وإنَّه ليتضاءلُ الأحايـينَ لعظمةِ الله عزَّ وجلَّ حتَّى يعودَ مثلَ الوَصَعِ وهو العصفورُ الصَّغيرُ ). تفسير : {يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَاء} استئنافٌ مقررٌ لما قبله من تفاوتِ أحوالِ الملائكةِ في عددِ الأجنحةِ ومؤذنٌ بأنَّ ذلك من أحكام مشيئتِه تعالى لا لأمرٍ راجعٍ إلى ذَواتهم ببـيان حكم كلِّي ناطق بأنَّه تعالى يزيدُ في أيِّ خلقٍ كان كلِّ ما يشاءُ أنْ يزيدَه بموجبِ مشيئتِه ومُقتضى حكمتِه من الأمورِ التي لا يحيطُ بها الوصفُ وما رُوي عن النبـي عليه الصَّلاةُ والسلامُ من تخصيص بعض المعاني بالذِّكرِ من الوجهِ الحسنِ والصَّوتِ الحسنِ والشَّعرِ الحسنِ فبـيانٌ لبعضِ الموادِّ المعهودةِ بطريقِ التَّمثيلِ لا بطريقِ الحصرِ فيها. وقولُه تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ} تعليلٌ بطريقِ التَّحقيق للحُكمِ المذكورِ فإنَّ شمولَ قُدرته تعالى لجميعِ الأشياءِ ممَّا يوجبُ قدرتَه تعالى على أنَّ يزيدَ كلَّ ما يشاؤه إيجاباً بـيِّناً.
السلمي
تفسير : قوله عز وجل: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} [الآية: 1]. قال الجنيد رحمة الله عليه: الذى جعل ما أنعم على عباده من أنواع نعمه دليلاً هاديًا إلى معرفته فقال: {فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} لتستدل بأن من فطرهما هو فاطر ما فيهما فتستغنى بعلمك بفطرته الأشياء أجمع عن الرجوع إلى غيره فى سبب من الأسباب. قوله تعالى: {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} [الآية: 1]. قال ابن عطاء: حسن المعرفة بالله وحسن الإقبال عليه وحسن المراقبة له والمشاهدة إياه. فقال جعفر: صحة النحيرة، وقوة البصيرة. قال أبو عثمان: الفهم عن الله والإقبال عليه. قال بعضهم: {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} محبة فى قلوب المؤمنين، وقيل: {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} التواضع فى الاعتراف والسخاء فى الأغنياء والتعفف فى الفقراء والصدق فى المؤمنين والشوق فى المحبين والوله فى المشتاقين والمعرفة فى الوالهين والفناء فى العارفين.
القشيري
تفسير : قوله جلّ ذكره: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ}. استحق المدحَ والثناءَ على انفراده بالقدرة على خلق السماوات والأَرض. {جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ}: تَعَرَّف إلى العباد بأفعاله، ونَدَبَهم إلى الاعتبار بها، فمنها ما نعلم منه ذلك معاينةً كالسماوات والأرض وغيرها، ومنها ما سبيلُ الإيمانِ به الخبرُ والنقلُ - لا بدليل العقل - والملائكةُ مِنْ ذلك؛ فلا نتحقق كيفيّة صُوَرِهم وأجنحتهم، وكيف يطيرون بأجنحتهم الثلاثة أو الأربعة، ولكن على الجملة نعلم كمال قدرته، وصِدْقَ كلمته. قوله: {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ}: قيل الخُلُقُ الَحَسَنُ، وقيل الصوتُ الحَسَنُ، وقيل الصوتُ الحَسَنُ وقيل مَلاَحَةُ العينين، وقيل الكياسة في الخِيَرَة، وقيل الفصاحة في المنطق، وقيل الفهم عن الله، ويقال السخاء والجود، ويقال الرضا بالتقدير، ويقال علو الهمة، ويقال التواضع، ويقال العفة عند الفقر، ويقال الظرف في الشمائل، ويقال أن تكون مُحَبَّباً إلى القلوب، ويقال خفة الروح، ويقال سلامة الصدر من الشرور، ويقال المعرفة بالله بلا تأمُّل برهان، ويقال الشوق إلى الله، ويقال التعطُّف على الخَلْقِ بجملتهم، ويقال تحرُّر القلوب من رِقِّ الحدثنان بجملته، ويقال ألا يَطْلُبَ لنفسه منزلةً في الدارين.
البقلي
تفسير : {ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} حمد قدمه بما اوجد من العدم بعين صورة لا مثال وجعل حمده ----- للمحامدين له بان الحمد منه له حقيقة ويغنى حمد الحامدين فى حمده نفسه جعل للملائكة اجنحة المعرفة على مراتب المقامات فضل بعضهم على بعض فى ذلك بقوله مثنى وثلاث ورباع وللارواح القدسية اجنحة منها جناح المعرفة ومنها جناح التوحيد ومنها جناح المحبة ومنها جناح الشوق فبجناح المعرفة تطير الى عالم الصفات وبجناح التحيد تطير الى عالم الذات وبجناح المحبة تطير الى المشاهدة وبجناح الشوق تطير الى الوصال قال جعفر اجنحة المؤمنين اربعة اجنحة التوحيد واجنحة الايمان واجنحة المعرفة واجنحة الاسلام والموحد طير باجنحة التوحيد الى الجبروت والمؤمن يطير باجنحة الايمان الى المشاهدة والعارف يطير باجنحة المعرفة الى الملكوت والسلم يطير باجنحة الاسلام الى الجان قيل الاجنحة اربعة اجنحة التعظيم واجنحة التفريد واجنحة الحياة واجنحة الحياء للواصلين قال الجنيد الحمد لله الذى جعل ما انعم على عباده من انواع نعمه دليلا هاديا الى معرفته ثم بين سبحانه انه بفضله يزيد فى حالات العارفين ومعاملات المحبين وحسن العاشقين والمعشوقين بقوله {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} يزيد فى قلوب العارفين المعرفة وفى قلوب المحبين المحبة وفى قلوب المشتاقين الشوق وفى قلوب العاشقين العشق وفى قلوب المريدين لارادة وفى ابدان الصديقين قوة العبادة وصفاء المعالمة وفى وجوه المستحسنين الحسن وفى حلوق الروحانين حسن الصوت وقال ابن عطا حسن المعرفة بالله وحسن الاقبال عليه وحسن المراقبة له والمشاهدة اياه قتال بعضهم يزيد فى الخلق ما يشاء محبة فى قلوب المؤمنين وقيل التواضع فى الاشراف والسخاء فى الاغنياء والتعفف فى الفقراء والصدق فى المؤمنين والشوق فى المحبين والوله فى المشتاقين والمعرفة فى الوالهين والفناء فى العارفين قيل الخلق الحسن وقيل الصوت الحسن قال الاستاذ الفصاحة فى النطق ثم بين سبحانه ان هذه النعم غير مكتسبة ولا لها مانع بدفع عمن اختاره الله بها ولا هى مستجلية يتمنى المتمنين بقوله {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ} الرحمة ها هنا المعرفة بالله والاصطفائية الازلية فاذا فتح على ولى من اوليائه ابواب كنوز لطايف انوار صفاته وذاته وجعله بصير الام الكونين وعالما بمراد الله منه لا يدفع عنه ذرة من ذلك جميع الخلق فانه يختص برحمته من يشاء قال ابو عثمان ما يفتح الله لقلوب اوليائه من القربة والانابة والانس او اجتمع الخلق كلهم على ان يمسكوه عن ذلك لعجزوا عنه وما امسكوا ما ارسل الله ومن اغلق الله قلوبهم عن الانابة اليه والقرب منه فلو اجتمع الناس على ان يفتحوه ما قدروا على ذلك وعجزوا عنه ثم انه تعالى لما بيّن موضع الخاصية فى افتتاح نعمه على الصادقين حثهم على تذكر نعمه وشكر ما انعم عليهم من لطائف جوده بنعت افراد قدمه عن الحدوث بوصف ففى الاتداد عن جلال كبريائه بقوله {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} ذكره معرفته ونعمته وشاهدته فوجب حقوق المعرفة والمشاهدة على من عرفه وشاهده بانه اسقط الاسباب بينه وبين خالقه فيما اولاه من ارزاق وصلته ولطائف قربته قال ابن عطا من علم انه لا رازق للعباد غيره ثم يتعلق قلبه بالاسباب فهو من المبعدين عن طريق الحقائق قال القاسم يرزقكم من السّماء والهداية ومن الارض اسباب الغذاء والحفظ والبقاء وما سخ لى من معنى السماء والارض ها هنا السّماء عالم الربوبية يرزقهم منها لطائف علوم المعارف وانوار جلال الكواشف والرزق هناك التجلى والجذب والكشف بالبديهة وواردات المواجيد وستى المخاطبات والارض عالم العبودية يرزقهم منها بصفاء المقامات ولطيف المعاملات وسنا الحكم والفراسات وايضا السّماء اشارة الى الروح والارض اشارة الى القلب والرزق الذي يبدو من عالم الروح علوم المعرفة وما ينبت من ارض القلب فهى علوم الحكمة.
اسماعيل حقي
تفسير : {الحمد لله} اى كل المحامد مختصة بالله تعالى لا تتجاوز منه الى من سواه وهو وان كان فى الحقيقة حمد الله لذاته بذاته لكنه تعليم للعباد كيف يحمدونه. واعلم ان الحمد يتعلق بالنعمة والمحنة اذ تحت كل محنة منحة فمن النعمة العطاس وذلك لانه سبب لانفتاح المسام اى ثقب الجسد واندفاع الابخرة المحتبسة عن الدماغ الذى فيه قوة التذكر والتفكر فهو بحران الرأس كما ان العرق بحران بدن المريض ولذا اوجب الشارع الحمد للعاطس. قال ابن عباس رضى الله عنهما من سبق العاطس بالحمد لله وقى وجع الرأس والاضراس ومن المحنة التجشى وفى الحديث "حديث : من عطس او تجشا فقال الحمد لله على كل حال دفع الله بها عنه سبعين داء اهونها الجذام " تفسير : والتجشى تنفس المعدة: وبالفارسية [بدروغ شدن] وذلك لان التجشى انما يتولد من امتلاء المعدة من الطعا فهو من المصائب فى الدين خصوصا اذا وقع حال الصلاة ويدل عليه انه عليه السلام كان يقول عند كل مصيبة "حديث : الحمد لله على كل حال" تفسير : ثم رتب الحمد على نعمة الايجاد اولا اذ لا غاية وراءها اذ كل كمال مبنى عليها فقال {فاطر السموات والارض} اضافته محضة لانه بمعنى الماضى فهو نعت للاسم الجليل ومن جعلها غير محضة جعله بدلا منه وهو قليل فى المشتق والمعنى مبدعهما وخالقهما ابتداء من غير مثال سبق من الفطر بالفتح بمعنى الشق او الشق طولا كما ذهب اليه الراغب كأنه شق العدم باخراجهما منه والفطر بالكسر ترك الصوم وعن ابن عباس رضى الله عنهما ما كنت ادرى ما فاطر السموات حتى اختصم الىّ اعرابيان فى بئر فقال احدهما انا فطرتها اى ابتدأت حفرها قال المبرد فاطر خالق مبتدئ. ففيه اشارة الى ان اول كل شئ تعلقت به القدرة سموات الارواح وارض النفوس واما الملائكة فقد خلقت بعد خلق ارواح الانسان ويدل عليه تأخير ذكرهم كما قال {جاعل الملائكة رسلا} اضافته محضة ايضا على انه نعت آخر للاسم الجليل ورسلا منصوب بجاعل واسم الفاعل بمعنى الماضى وان كان لا يعمل عند البصريين الا معرفا باللام الا انه بالاضافة اشبه المعرف باللام فعمل عمله فالجاعل بمعنى المصير والمراد بالملائكة جبرائيل واسرافيل وميكائيل وعزرائيل والحفظة ونحوهم. ويقال لم ينزل اسرافيل على نبى الا على محمد صلى الله عليه وسلم نزل فاخبره بما هو كائن الى يوم القيامة ثم عرج. وفى انسان العيون نزل عليه ستة اشهر قبل نبوته فكان عليه السلام يسمع صوته ولا يرى شخصه. والرسل جمع رسول بمعنى المرسل والمعنى مصير الملائكة وسائط بينه تعالى وبين انبيائه والصالحين من عباده يبلغون اليهم رسالاته بالوحى والالهام والرؤيا الصادقة. قال بعض الكبار الالقاء اما صحيح او فاسد فالصحيح الهىّ ربانى متعلق بالعلوم والمعارف او ملكى روحانى وهو الباعث على الطاعة وعلى كل ما فيه صلاح ويسمى الهاما والفاسد نفسانى وهو ما فيه حظ النفس ويسمى هاجسا او شيطانى وهو ما يدعو الى معصية ويسمى وسواسا {اولى اجنحة} صفة لرسلا واولوا بمعنى اصحاب اسم جمع لذو كما ان اولاء اسم جمع لذا وانما كتبت الواو بعد الالف حالتى الجر والنصب لئلا يلتبس بالى حرف الجر وانما كتبوه فى الرفع حملا عليهما. والاجنحة جمع جناح بالفارسية [بروبال] {مثنى وثلاث ورباع} صفات لاجنحة فهى فى موضع خفض ومعناها اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة واربعة اربعة اى ذوى اجنحة متعددة متفاوتة فى العدد حسب تفاوت مالهم من المراتب ينزلون بها من السماء الى الارض ويعرجون او يسرعون بها فان ما بين السماء والارض وكذا ما بين السموات مسيرة خمسمائة سنة وهم يقطعونها فى بعض الاحيان فى وقت واحد ففى تعدد الاجنحة اشارة الى كمالية استعداد بعض الملائكة على بعض والمعنى ان من الملائكة خلقا لكل منهم جناحان وخلقا لكل منهم ثلاثة وخلقا آخر لكل منهم اربعة. قال الكاشفى [مثنى دو دو براى طيران وثلاث سه سه ورباع جهار جهار براى آرايش] انتهى. ـ وروى ـ ان صنفا من الملائكة له ستة اجنحة بجناحين منها يلفون اجسادهم وبآخرين منها يطيرون فيما امروا به من جهته تعالى وجناحان منها مرخيان على وجوههم حياء من الله تعالى ويفهم من كلام بعضهم ان الطيران بكل الاجنحة كما قال عرف تعالى الى العباد بافعاله وندبهم الى الاعتبار بها فمنها ما يعلمونه معاينة من السماء والارض وغيرهما ومنها ما سبيل اثباته الخبر والنقل لا يعلم بالضرورة ولا بدليل العقل فالملائكة منه ولا يتحقق كيفية صورتهم واجنحتهم وانهم كيف يطيرون باجنحتهم الثلاثة والاربعة لكن على الجملة يعلم كمال قدرته وصدق حكمته انتهى. ـ وروى ـ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه رأى جبريل ليلة المعراج وله ستمائة جناح منها اثنان يبلغان من المشرق الى المغرب ودل هذا وكذا كل ما فيه زيادة على الاربع انه تعالى لم يرد خصوصية الاعداد ونفى ما زاد عليها. وذكر السهيلى ان المراد بالاجنحة فى حق الملائكة صفة ملكية وقوة روحانية وليست كاجنحة الطير ولا ينافى ذلك وصف كل جناح منها بانه يسد ما بين المشرق والمغرب هذا كلامه كما فى انسان العيون. يقول الفقير لا يجوز العدول عن الظاهر مع امكان الحمل على الحقيقة وقد تظاهرت الروايات الدالة على اثبات الاجنحة للملائكة وان لم تكن كاجنحة الطير من حيث ان الله تعالى باين بين صور المخلوقات والملائكة وان كانوا روحانيين لكن لهم اجسام لطيفة فلا يمنع ان يكون للاجسام اجنحة جسمانية كما لا يمنع ان يكون للارواح اجنحة روحانية نورانية كما ثبت لجعفر الطيار رضى الله عنه. والحاصل ان المناسب لحال العلويين ان يكونوا طائرين كما ان المناسب لحال السفليين ان يكونوا سائرين ومن امعن النظر فى خلق الارض والجو عرف ذلك ويؤيد ما قلنا ان البراق وان كان فى صورة البغل فى الجملة لكنه لما كان علويا اثبت له الجناح نعم ان الاجنحة من قبيل الاشارة الى القوة الملكية والاشارة لا تنافى العبارة هذا. وفى كشف الاسرار وردت فى عجائب صور الملائكة اخبار يقال ان حملة العرش لهم قرون وهم فى صورة الاوعال: يعنى [بزان كوهى] وفى الخبر "حديث : ان فى السماء ملائكة نصفهم ثلج ونصفهم نار تسبيحهم يا من يؤلف بين الثلج والنار الف بين قلوب المؤمنين" تفسير : وقيل لم يجمع الله فى الارض لشئ من خلقه بين الاجنحة والقرون والخراطيم والقوائم الا لا ضعف خلقه وهو البعوض وفيه ايضا [هرجندكه فرشتكان مقربان دركاه عزت اند وطاوسان حضرت با اين مرتبت خاكيان مؤمنان برايشان شرف دارند] كما قال عليه السلام "حديث : المؤمن اكرم على الله من الملائكة الذين عنده" تفسير : فالملائكة وان طاروا من الارض الى السماء فى اسرع وقت فاهل الشهود طاروا الى ما فوق السماء فى لمحة بصر فلهم اجنحة من العقول السليمة والالباب الصافية والتوجهات المسرعة والجذبات المعجلة اجتهدوا وسلكوا ثم صاروا ثم طاروا طيرانا عجز عنده الملائكة وحاروا واليه الاشارة بقوله عليه السلام "حديث : لى مع الله وقت لا يسعنى فيه ملك مقرب ولا نبى مرسل" شعر : بربساط بوريا سير دو عالم ميكنيم باوجود نى سوارى برق جولانيم ما جون باوج حق بريم عاجز شوداز ماملك كرد باد لا مكانى طرفه سيرانيم ما تفسير : {يزيد} الله تعالى: يعنى [زياده ميكند ومى افزايد] فان زاد مشترك بين اللازم والمتعدى وليس فى اللغة ازاد {فى الخلق} فى أى خلق كان من الملائكة وغيرهم فاللام للجنس والخلق بمعنى المخلوق {ما يشاء} كل ما يشاء ان يزيده بموجب مشيئته ومقتضى حكمته من الامور التى لا يحيط بها الوصف فليس تفاوت احوال الملائكة فى عدد الاجنحة وكذا تفاوت احوال غيرهم فى بعض الامور تستدعيه ذواتهم بل ذلك من احكام المشيئة ومقتضيات الحكم وذلك لان اختلاف الاصناف بالخواص والفصول بالانواع ان كان لذواتهم المشتركة لزم تنافى لوازم الامور المتفقة وهو محال. والآية متناولة لزيادات الصور والمعانى. فمن الاولى حسن الصورة خصوصا الوجه قيل ما بعث الله نبيا الاحسن الشكل وكان نبينا عليه السلام املح: يعنى [بر يوسف عليه السلام مليحتر وشيرين تر بود] فمن قال كان اسود يقتل كما فى هدية المهديين الا ان لا يريد التقبيح بل الوصف بالسمرة والاسود العرب كما ان الاحمر العجم كما قال عليه السلام "حديث : بعثت الى الاسود والاحمر" شعر : آن سيه جرده كه شير ينئ عالم با اوست تفسير : ومنها ملاحة العينين واعتدال الصورة وسهولة اللسان وطلاقته وقوة البطش والشعر الحسن والصوت الحسن وكان نبينا عليه السلام طيب النغمة وفى الحديث "حديث : لله اشد اذنا للرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب قينة الى قينته" تفسير : اى من استماع مالك جارية مغنية اريد هنا المغنية وفى الحديث "حديث : زينوا القرآن باصواتكم" تفسير : اى اظهروا زينته بحسن اصواتكم والا فجل كلام الخالق ان يزينه صوت مخلوق ورخص تحسين الصوت والتطريب ما لم يتغير المعنى بزيادة او نقصان فى الحروف شعر : جنانكه ميرود ازجاى دل بوقت سماع هم از سماع بمأواى خود كند برواز خدايرا حدئ عاشقانه سركن كه بى حدى نشود قطع راه دور ودراز تفسير : ومنها حسن الخط وفى الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : الخط الحسن يزيد الحق وضحا" تفسير : وهو بالفتح الضوء والبياض وفى الحديث "حديث : عليكم بحسن الخط فانه من مفاتيح الرزق " تفسير : يقول الفقير حسن الخط مما يرغب فيه الناس فى جميع البلاد فاستكمال صنعة الكتابة من الكمالات البشرية وان كانت من الزيادات لا من المقاصد وقد يتعيش بعض الفقراء بمنافع قلمه ولا يحتاج الى الغير فتكون المنة لله على كل حال شعر : برو بحسن خطت دل فراخ كن يارا زتنكدستى مبر شكوه اهل دنيارا تفسير : ومن الثانية كمال العقل وجزالة الرأى وجراءة القلب وسماحة النفس وغير ذلك من الزيادات المحمودة [در حقايق سلمى آورده كه تواضع در اشراف وسخا در اغنيا وتعفف در فقرا وصدق در مؤمنان وشوق در محبان. امام قشيرى فرموده كه علوهمت است همت عالى كسى را دهدكه خود خواهد] فالمراد بعلوا الهمة التعلق بالمولى لا بالدنيا والعقبى شعر : همايى جون تو عالى قدر حرص استخوان حيفست دريغا سايه همت كه برنا اهل افكندى تفسير : ويقال يزيد فى الجمال والكمال والدمامة. يقول الفقير هذا المعنى لا يناسب مقام الامتنان كما لا يخفى على اهل الاذعان {ان الله على كل شئ قدير} بليغ القدرة على كل شئ ممكن وهو تعليل بطريق التحقيق للحكم المذكور فان شمول قدرته تعالى لجميع الاشياء مما يوجب قدرته على ان يزيد كل ما يشاؤه ايجابا بينا فقد ابان سبحانه ان قدرته شاملة لكل شئ ومن الاشياء الانقاذ من الشهوات والاخراج من الغفلات والادخال فى دائرة العلم والشهود الذى هو من باب الزيادات فمن استعجز القدرة الالهية فقد كفر ألا ترى الى حال ابراهيم بن ادهم حيث تجلى الله له بجمال اللطف الصورى اولا واعطاه الجاه والسلطنة ثم منّ له باللطف المعنوى ثانيا حيث انقذه من حبس العلاقات وخلصه من ايدى الكدورات وشرفه بالوصول الى عالم الاطلاق والدخول فى حرم الوفاق ـ حكى ـ انه كان سبب خروج ابراهيم بن ادهم عن اهله وماله وجاهه ورياسته وكان من ابناء الملوك انه خرج يوما يصطاد فاثار ثعلبا ثم ارنبا فبينما هو فى طلبه اذ هتف به هاتف ألهذا خلقت ام بهذا امرت ثم هتف به من قربوس سرجه والله ما لهذا خلقت ولا بهذا امرت فنزل عن مركوبه وصادف راعيا لابيه فاخذ جبة الراعى من صوف فلبسها واعطاه فرسه وما معه ثم دخل البادية وكان من شأنه ما كان ـ وحكى ـ ان الشيخ ابا الفوارس شاهين بن شجاع الكرمانى رضى الله عنه خرج للصيد وهو ملك كرمان فامعن فى الطلب حتى وقع فى برية مقفرة وحده فاذا هو بشاب راكب على سبع وحوله سباع فلما رأته ابتدرت نحوه فزجرها الشاب عنه فلما دنا اليه سلم عليه وقال له يا شاه ما هذه الغفلة عن الله اشتغلت بدنياك عن آخرتك وبلذتك وهواك عن خدمة مولاك انما اعطاك الله الدنيا لتستعين بها على خدمته فجعلتها ذريعة الى الاشتغال عنه فبينما الشاب يحدثه اذ خرجت عجوز بيدها شربة ماء فناولتها الشاب فشرب ودفع باقيها الى الشاه فشربه فقال ما شربت شيئا الذّ منه ولا ابرد ولا اعذب ثم غابت العجوز فقال الشاب هذه الدنيا وكلها الله الى خدمتى فما احتجت الى شىء الا احضرته الىّ حين يخطر ببالى أما بلغك ان الله لما خلق الدنيا قال لها يا دنيا من خدمنى فاخدميه ومن خدمك فاستخدميه فلما رأى ذلك تاب وكان منه ما كان فهذان الملكان بالكسر صارا ملكين بالفتح بقدرة الله تعالى فجاء فى حقهما يزيد فى الخلق ما يشاء والله الموفق
ابن عجيبة
تفسير : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قلت: {أولِي}: اسم جمع، كذُو، وهو بدل من "رسلاً"، أو نعت له، و {مثْنَى وثُلاثَ ورُباع}: نعوت لأجنحة، وهو غير منصرف؛ لأنه معدول عن اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وهو باعتبار الأشخاص، أي: منهم مَن له اثنان، ومنهم مَن له ثلاثة، هذا ظاهر الكشاف. يقول الحق جلّ جلاله: {الحمدُ لله}، حمد نفسه؛ تعليماً وتعظيماً، {فاطرِ السماواتِ والأرض} مبديهما ومبدعهما. قال ابن عباس رضي الله عنه: "ما كنت أدري معنى فاطر حتى اختصم إليّ أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي: ابتدأتها". قال البيضاوي: من الفطر، بمعنى الشق، كأنه شق العدم بإخراجهما منه. قلت: وكأنه شق النور الكثيف من النور اللطيف، فنور السموات والأرض من نوره الأزلي، وسره الخفي. {جاعلِ الملائكةِ رسلاً} إلى عباده، أي: وسائط بين الله وبين أنبيائه والصالحين من عباده، فيُبلغون إليهم رسالاته بالوحي، والإلهام، والرؤيا الصادقة. {أُولي أجنحةٍ} متعددة {مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاع} أي: منهم ملائكة لهم اثنان؛ لكل واحد جناحان، ومنهم مَن له ثلاثة، ومنهم مَن له أربعة، بتفاوت ما لهم من المراتب، ينزلون بها، ويعرجون، أو: يُسرعون نحو ما وكلهم الله عليه، يتصرفون فيه على ما أمرهم به، ولعله تعالى لم يرد الحصر ونفى ما زاد عليها، لِمَا رُوي أنه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل ليلة المعراج، وله ستمائة جناح. وَرُويَ أنه طلب منه أن يريه صورته التي خلقه اللهُ عليها، فلما رآه كذلك خرّ مغشِياً عليه. وقال: ما كنت أرى شيئاً من الخلق هكذا. فقال له: لو رأيت إسرافيل، إِنَّ له لاثني عشر جناحاً بالمشرق، واثني عشر جناحاً بالمغرب، وإنَّ العرش لعلى كاهله، وإنه ليتضاءل لعظمة الله تعالى. هـ. {يَزيدُ في الخلق ما يشاء} أي: يزيد في خَلْق الأجنحة وغيره ما يريد. وقيل: هو الوجه الحسن، والشَعْر الحسن، والصوت الحسن، والحظّ الحسن. والملاحة في العينين. والآية مطلقة تتناول كلَّ زيادة في الخلق، من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء، وقوة في البطش، وحصافة العقل، وجزالة في الرأي، وفصاحة في اللسان، وحُسن خلق في المعاشرة، ومحبة في قلوب المؤمنين وغير ذلك. {إِن الله على كل شيءٍ قدير} فيقدر على ما يشاء، من زيادةٍ في الخلق، ونقصان فيها، على حسب المشيئة السابقة. الإشارة: الحمدُ في القرآن وقع على أربعة أقسام: حمد مطلق، وهو الواقع على عظمة ذاته، من غير أن يكون في مقابلة شيء، وهو قوله: {أية : قُلِ الْحَمْدُ للهِ وَسَلاَمٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى}تفسير : [النمل: 59]، {أية : الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}تفسير : [النحل: 75] وحمدٌ وقع في مقابلة تنزيه ذاته عن النقائص، وهو قوله: {أية : وَقُلِ الْحَمْدُ للهِ الَّذِى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً...}تفسير : [الإسراء: 111] الآية. وحمدٌ وقع في مقابلة نعمة الإيجاد، وهو قوله: {أية : الْحَمْدُ للهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ...}تفسير : [الأنعام: 1]، وحمدٌ وقع في مقابلة نعمة الإمداد الحسي، كقوله: {الحمد لله رب العالمين}، {أية : فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاواتِ وَرَبِّ الأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}تفسير : [الجاثية: 36]، فإن التربية تقتضي وصول ما يحتاج إليه المربّي، أو الإمداد المعنوي، وهو إمداد القلوب والأرواح بالهداية، وهو قوله: {أية : الْحَمْدُ للهِ الَّذِى أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} تفسير : [الكهف: 1] {أية : الْحَمْدُ للهِ الَّذِى هَدَانَا لِهَذَا...}تفسير : [الأعراف: 43] فهذه أربعة: حمد مطلق، أو مقيد بشأن التنزيه، أو بنعمة الإيجاد، أو الإمداد، وما وقع هنا في إظهار تجلياته، من أرضه وسماواته، ولطائف ملائكته، فإن ذلك كله من نور جبروته. وقوله تعالى: {يَزِيدُ في الخلق ما يشاء} قال القشيري: يقال: هو الفهم عن الله، أو السخاء والجود، أو: الرضا بالتقدير، أو: علو الهمة، أو: التواضع في الشرف، أو: العفة في الفقر، أو: الظَرفُ ـ أي: الظرافة ـ في الشمائل، أو: أن يكون مُحَبباً في القلوب، أو: خفة الروح، أو: تحرُّر القلب عن رِقِّ الحرمان ـ أي بالوقوف مع الأكوان ـ أو: ألا يطْلُب لنفسه منزلةً في الدارين ـ أي: بأن يكون عبد الله حقيقة ـ. هـ. ملخصاً. والصواب أن الزيادة تشمل ذلك كله ولك من خصه بشيء فإنما ذلك رحمة منه تعالى كما قال تعالى: {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ...}
الطوسي
تفسير : قرأ حمزة والكسائي {هل من خالق غير الله} جراً على أنه صفة لـ {خالق} الباقون - بالرفع - على تقدير هل من خالق هو غير الله، ويجوز ان يكون التقدير: هل غير الله من خالق، ويجوز أن يكون رفعاً على موضع {من} وتقديره هل خالق غير الله. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله قل يا محمد {الحمد لله} أي الشكر له على جميع نعمه {فاطر السماوات والأرض} أي خالقهما ومخترعهما. والفطر الشق عن الشيء باظهاره للحس، ومعنى فطر السموات والارض أي خلقهما وأظهرهما للحس بعد ان لم تكونا ظاهرتين، وروي عن ابن عباس أنه قال: ما كنت أدري ما معنى فطر السموات حتى احتكم إلي اعرابيان في بئر، فقال أحدهما أنا فطرتها، أي اخترعتها وابتدأتها. ومن كان خالق السموات والأرض لا يفعل إلا ما يستحق به الشكر والحمد، لأنه غني حكيم، فلا يعدل عما يستحق به الحمد إلى ما لا يستحق به ذلك. وقوله {جاعل الملائكة رسلاً} أي جعل الملائكة رسلا بعضهم إلى بعض وبعضهم إلى البشر. ثم ذكر اوصافهم وهو أنهم {أولي اجنحة} أي اصحاب اجنحة {مثنى وثلاث ورباع....} أي اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة واربعة اربعة، فهذه الألفاط معدولة عن الاثنين والثلاث والاربع، مع انها صفات فلذلك ترك صرفها قال الشاعر: شعر : ولكنما اهلي بواد أنيسه ذئاب تبغي الناس مثنى وموحد تفسير : وإنما جعلهم أولي أجنحة، ليتمكنوا بها من العروج إلى السماء ومن النزول إلى الارض، قال قتادة: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة ومنهم من له أربعة، ثم قال {يزيد في الخلق ما يشاء} قيل حسن الصوت وقيل من الأجنحة من حيث خلق للملائكة زيادة عما خلق لسائر الخلق من البشر والامم. فان قيل: الطائر لا يحتاج إلى اكثر من جناحين فما معنى خلق الملائكة أولي ثلاث واربع؟ قيل: يجوز أن يكون كل جناح بعلوه باثنين، ويجوز أن يكون للزينة الزائدة، وقد يكون للسمكة أجنحة في ظهرها. ثم بين {أن الله على كل شيء قدير} أي لا شيء إلا وهو تعالى قادر عليه بعينه او قادر على مثله. ثم قال تعالى {ما يفتح الله للناس من رحمة} معنى (ما) الذي وتقديره الذي يفتح الله للناس من نعمة ورحمة {فلا ممسك لها وما يمسك} من نعمة على خلقه {فلا مرسل له من بعده} أي من بعد الله {وهو العزيز} يعني القادر الذي لا يقهر {الحكيم} في جميع افعاله، إن انعم وإن امسك، لأنه عالم بمصالح خلقه لا يفعل إلا ما لهم فيه مصلحة في دينهم او دنياهم. ثم خاطب المؤمنين فقال {يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم} بأن خلقكم وأوجدكم وأحياكم وأقدركم وشهاكم، وخلق لكم المنافع التي تنتفعون بها {هل من خالق غير الله} تقريراً لهم على انه لا خالق غير الله في السموات والأرض {يرزقكم من السماء} بالمطر ومن {الأرض} بالنبات {لا إله إلا هو} أي لا معبود يستحق العبادة سواه تعالى {فأنى تؤفكون} أي كيف تقلبون عن طريق الحق إلى الضلال. وانما قال {هل من خالق غير الله} وإن كان احدنا يخلق الشيء لأن هذه الصفة لا تطلق إلا عليه تعالى، فاما غيره فانها تقيد له. وايضاً فقد فسر ما أراد وهو أنه هل من خالق رازق للخلق من السموات والأرض غير الله أي لا خالق على هذه الصفة إلا هو. هذا صحيح لأنه لا احد يقدر على ان يرزق غيره من السماء والأرض بالمطر والنبات وأنواع الثمار. ثم قال تعالى تعزية للنبي صلى الله عليه وآله وتسلية له عن تكذيب قومه إياه {وإن يكذبوك} يا محمد هؤلاء الكفار {فقد كذبت رسل من قبلك} أرسلهم الله فكذبوهم ولم يقبلوا منهم فلك اسوة بمن كان قبلك {وإلى الله ترجع الأمور} يعني ترد الأمور إلى حيث لا يملك التصرف فيها مطلقاً غير الله يوم القيامة. ثم خاطب الخلق فقال {يا أيها الناس إن وعد الله حق} يعني ما وعدهم به من البعث والنشور والجنة والنار صحيح كائن لا محالة {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} فتغترون بملاذها وزينتها وتتركون ما امركم الله به وترتكبون ما نهاكم عنه {ولا يغرنكم بالله الغرور} فالغرور هو الذي عادته ان يغر غيره، والدنيا وزينتها بهذه الصفة، لأن الخلق يغترون بها، وقال الحسن الغرور الشيطان الذى هو إبليس، وهو قول مجاهد. والرزق يطلق على وجهين: احدهما - ان الله جعله يصلح للغذاء يتغذى به الحيوان وللملبس يلبسونه فالعباد من هذا الوجه لا يأكلون ولا ينتفعون إلا بما جعله الله رزقاً لهم. والثاني - انه ملكه الله وحكم انه له فهم يتظالمون من هذا الوجه.
الجنابذي
تفسير : {ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} خالقهما {جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} الى انبيائه والى اوصيائهم بالوحى والالهام والتّحديث والرّؤيا الصّادقة، والى الصّالحين من عباده بالالهام والتّحديث والرّؤيا، والى جميع خلقه بالالهام والرّؤيا واصلاح امورهم وجبران نقائصهم واخراج نفوسهم من القوى الى الفعليّات {أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ} بحسب العوالم الّتى يسيرون فيها ويطيرون بها لاصلاح امورها {مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} بحسب العوالم الثّلاثة، الملك والملكوت والجبروت، ولا ينافى هذا ما ورد فى اخبارٍ كثيرةٍ انّ عدد جناج جبرئيل ستّ مائة الف جناحٍ، وانّ دردائيل له ستّة عشر الف جناحٍ وغير ذلك فانّ المراد نوع الجناح وانّ انواع جناح الملائكة ثلاثة وان كان لكلّ نوعٍ اعداد عديدة من افراد الجناح، وورد اخبار كثيرة فى اوصاف الملائكة وكثرة عددهم وانّ لله ملكاً ما بين شحمة اذنه الى عينه مسيرة خمس مائة عامٍ بخفقان الطّير، وانّ له ملائكة ما بين منكبى كلّ وشحمة اذنيه سبع مائة عامٍ، وانّ له ملائكة انصافهم من بردٍ انصافهم من نارٍ، وانّ له ملائكة يسدّون الافق بجناح من اجنحتهم دون عظم ابدانهم، وغير ذلك من اوصاف عظمتم، وانّه ليهبط فى كلّ يومٍ او فى كلّ ليلة سبعون الف ملكٍ فيأتون البيت الحرام فيطوفون به ثمّ يصعدون الى السّماء بعدما يأتون رسول الله (ص) وامير المؤمنين (ع) والحسين (ع) ولا يعودون ابداً {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} اشارة الى كثرة عددهم او الى كثرة اجنحتهم وانّ الاقتصار على هذا العدد بحسب النّوع لا بحسب الشّخص، او انّ الاقتصار على هذا العدد لبيان الكثرة لا للانحصار فى هذا العدد، او اشارة الى انّ كثرة الاجنحة جزء من اجزاء جمال خلقه ويزيد فى جمالهم بحسب الصّورة والهيئة والخلق وغير ذلك ما يشاء، وقد ورد عن النّبىّ (ص) انّه الوجه الحسن والصّوت والشّعر الحسن {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} من الزّيادة فى العدد والجمال والاجنحة والاخلاق، وعن الثّمالىّ قال: دخلت على علىّ بن الحسين (ع) فاحتبست فى الدّار ساعة ثمّ دخلت البيت وهو يلتقط شيئاً وادخل يده من وراء السّتر فناوله من كان فى البيت، فقلت: جعلت فداك هذا الّذى أراك تلتقطه اىّ شيءٍ هو؟- قال: فضلةٌ من زغب الملائكة نجمعه اذا خلونا نجعله مسبحاً لاولادنا، فقلت: جعلت فداك فانّهم ليأتونكم؟- فقال: يا با حمزة ليزاحمونا على تُكأتنا وقد ورد اخبار كثيرة انّ الائمّة يرون الملائكة ويصافحونهم وقد ذكرنا فى سورة البقرة عند قوله تعالى: {أية : وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} تفسير : [البقرة:219] فى ذيل بيان مراتب الانسان والفرق بين الرّسول والنّبىّ والمحدّث، وجه ما ورد انّ الرّسول يرى الملائكة فى المنام ويسمع كلامه ويعاينة فى اليقظة، والنّبىّ يرى فى المنام ولا يعاين فى اليقظة ويسمع الصّوت، والمحدّث لا يرى فى المنام ولا يعاين ويسمع الصّوت، وقد ذكرنا هناك وجه عدم منافاة هذه الاخبار لما ورد منهم انّهم يعاينون الملائكة، من اراد فليرجع الى ما هناك.
الأعقم
تفسير : {الحمد لله} أي الثناء الحسن وشكر النعم كلها لله الذي تحق له العبادة، الذي هو {فاطر السماوات والأرض} أي خالقها فأمر بحمد وشكره على نعمه في الدنيا، ثم عف بنعيم الدين فقال سبحانه: {جاعل الملائكة رسلاً} أي الأنبياء ليعرفهم مصالح الخلق أو بعضهم إلى بعض {أولي أجنحة} أي خلق لهم أجنحة ليطيروا بها {مثنى وثلاث ورباع} قيل: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة أجنحة، ومنهم من له أربعة {يزيد في الخلق ما يشاء} أي يزيد في خلق الأجنحة وفي غيره ما تقتضيه مشيئته وحكمته، وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إنه رأى جبريل وله ستمائة جناح، "حديث : وروي أنه سأل جبريل (صلوات الله عليه) أن يتراءى له في صورته فقال: إنك لن تطيق ذلك، فقال: "إني أحب أن تفعل" فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في ليلة مقمرة وأتاه جبريل في صورته فغشي عليه، ثم أفاق وجبريل (عليه السلام) مسنده وإحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه فقال: "سبحان الله ما كنت أرى أن أحداً من الخلق هكذا" قال جبريل: كيف لو رأيت اسرافيل له اثني عشر جناحاً: جناح بالمشرق وجناح بالمغرب والعرش على كاهله"، حديث : وروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قوله: {يزيد في الخلق ما يشاء} "الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن" تفسير : وقيل: الخط، والآية مطلقة فتناول كله زيادة في الخلق من طول قامة واعتدال صورة وتمام في الأعضاء {إن الله على كل شيء قدير} يزيد وينقص {ما يفتح الله للناس} يعني أي شيء يطلق الله {من رحمة} أي من نعمة رزق أو مطر و صحة أو أمن أو غير ذلك {فلا ممسك لها} أي لا يقدر أحد أن يمنعها منه {وما يمسك} عنهم من الأرزاق، وقيل: من العذاب {فلا مرسل له من بعده وهو العزيز} القادر {الحكيم} فيما يعطي ويمسك.
الهواري
تفسير : {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} حمد نفسه، وهو أهل الحمد. {فَاطِرِ} أي: خالق {السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} أي: جعل من شاء منهم لرسالته إلى الأنبياء، وهو قوله: (أية : اللهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ) تفسير : [الحج: 75] قال: {أُوْلِي أَجْنِحَةٍ} أي: ذوي أجنحة {مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ}. قال بعضهم: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة أجنحة، ومنهم من له أربعة أجنحة. ذكروا عن كعب أنه قال: إن أقرب الملائكة إلى الله إسرافيل، وله أربعة أجنحة، جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، وقد تسرول بالثالث، والرابع بينه وبين اللوح المحفوظ؛ فإذا أراد الله أمراً أن يوحيه جاء اللوح المحفوظ حتى يصفق جبهة إسرافيل، فيرفع رأسه فينظر، فإذا الأمر مكتوب؛ فينادي جبريل، فيلبّيه، فيقول: أمرت بكذا، أمرت بكذا. فلا يهبط جبريل من سماء إلى سماء إلا فزع أهلها مخافة الساعة، حتى يقول جبريل: الحق من عند الحق، فيهبط على النبي فيوحي إليه. ذكروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: حديث : إن لله نهراً في الجنة يغتمس فيه جبريل كل يوم، ثم ينتفض، فما من قطرة تقطر من ريشه إلا خلق الله منها ملكاً . تفسير : ذكروا عن مجاهد أنه قال: يدخل جبريل نهر النور سبعين مرة كل يوم فيغتسل فيه، ثم يخرج فينتفض فتسقط منه سبعون ألف قطرة، تعود كل قطرة ملكاً يسبح الله إلى يوم القيامة. ذكروا عن عبد الله بن عمر قال: بلغني أن في السماء ملكاً قد عظّمه الله وشرّفه، فيه ثلاثمائة وستون عيناً، بعضها مثل الشمس، وبعضها مثل القمر، وبعضها مثل الزهرة، يسبّح الله منذ خلق، كل تسبيحة تخرج من فيه ملكاً. قال: وبلغنا أن الله ديكاً براثنه في الأرض السفلى، وعنقه مثنية تحت العرش، إذا بقي الثلث الآخر من الليل خفق بجناحيه ثم قال: سبّوح قدّوس، ربّ الملائكة والرّوح، فتسمعه الديكة فتصرخ لصراخه، أو قال لصوته. ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حديث : أذن لي أن أحدّث عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى، وعلى قرنه العرش، وبين شحمة أذنه إلى عاتقه خفقان الطير مسيرة سبعمائة سنة يقول سبحانك. وبلغنا أن اسمه وزفيل . تفسير : وذكر بعض أهل العلم أن ملكاً نصفه من نور، أو قال: من نار، ونصفه من ثلج، يقول: يا مؤلفاً بين الثلج والنار، أو قال: النور، ألِّف بين قلوب عبادك الصالحين. ذكروا عن عبد الله بن عمرو قال: إن الله خلق الملائكة والجنّ والإِنس فجزأهم عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الملائكة وجزء واحد منهم الجن والإِنس. وجزأ الملائكة عشرة أجزاء تسعة منهم الكروبيون الذين يسبّحون الليل والنهار لا يفترون، وجزء منهم لرسالاته ولخزائنه ولما شاء من أمره. وجزأ الجن والإِنس عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الجن، والإِنس جزء واحد، فلا يولد من الإِنس واحد إلا وله من الجن تسعة. وجزأ الإِنس عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم ياجوج وماجوج وجزء واحد سائر بني آدم. قوله تعالى: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} تفسير الحسن: يزيد في أجنحة الملائكة ما يشاء. {إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}.
اطفيش
تفسير : {الحمد لله فاطر السمٰوات والأرض} منشئهما من العدم ومبتدعهما قال ابن عباس - رضي الله عنهما - ما كنت ادري ما فاطر السماوات والارض حتى اختصم الى رجلان اعرابيان في بئر فقال احدهما انا فطرتها اي ابتدعتها وعن بعض انه من الفطر بمعنى والشق كانه شق العدم باحراجهما منه والوصف هذا بمعنى الماضي كما قرىء الحمد لله الذي فطر السماوات والارض فاضافته محضه فهو نعت لله. {جاعل الملائكة رسلا} الى الانبياء بالوحي والى الصالحين بالالهام وربما تكلموا لغير الانبياء والى الانبياء وغيرهم بالرؤيا والى العصاة بالاهلاك والى غير ذلك كارسالهم بالمطر الى البلاد وقرىء جعل الملائكة بالفعل ونصب الملائكة وجاعل الملائكة بالوصف مضافا مرفوعا وهذا الوصف كالذي سبق ان كان المراد انه قد جعل ذلك وقد يجعل للاستمرار وقرىء رسلا باسكان السين. وعن ابن عمر ان الله خلق الملائكة والثقلين فجزأهم عشرة اجزاء تسعة اجزاء منهم الملائكة وجزء واحد الجن والانس وجزأ الملائكة عشرة، تسعة الكروبيون والذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون وجزء لرسالته وخزانته ولما شاء من امره، وجزأ الثقلين عشرة، تسعة الجن وجزء الانس فلا يولد من الانس واحد الا ولد من الجن تسعة وجزأ الانس عشرة تسعة يأجوج ومأجوج وجزء باقي بني آدم. {أولي أجنحة مثنى} نعت اجنحة معدول عن قولك اثنين اثنين واجنحة جمع جناح والى بمعنى اصحاب اسم جمع مفرده من غير لفظه وهو ذو وانما منع مثنى للعدل عما ذكر والوصف وكذا في قوله. {وثلاث} انه معدول عن ثلاثة ثلات. {ورباع} عن اربعة اربعة والمراد ان من الملائكة نوعا اجنحتهم اثنان اثنان لكل واحد ونوعا اجنحتهم ثلاثة ثلاثة لكل واحد ونوعا اجنحتهم اربعة اربعة لكل واحد، وليس ذلك حصرا لأجنحة الملائكة في تلك الاعداد وقد صح ان رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج وله ستة اجنحة فقوله عز وجل. {يزيد في الخلق ما يشاء} اما ان يكون المراد به انه يزيد في عدد الاجنحة وفي غيره من خلقته ما اقتضت مشيئته وحكمته كزيادة الصور والمعاني كملاحة الوجه وبياضه وحمرته وحسن الصوت والفصاحة وحدة اللسان ورجحان العقل وسخاء النفس كل ذلك للحكمة للذوات المشتركة والالزام تنافي لوازم الامور المتفقه. وعن الحسن المعنى يزيد في اجنحتها ما يشاء واما ان يكون المراد ان الزيادة على الجناح الواحد وعلى الاثنين وعلى الثلاثة فتكون اربعة تصرف له في خلقه كما يشاء وعلى كل حال فالجملة مستأنفة او حال وعلى الوجه الاول يكون ذلك دليلا للزيادة على الاربعة لكن الدليل المحتمل لا يحتج به بل لا يستحق اسم دليل وعلى الثاني يكون دليل الزيادة عليها من خارج قطعا كما ذكروا ان صنفا من الملائكة لهم ستة اجنحة، جناحان يلقون بها اجسادهم وجناحان يطيرون بهما في امر من امور الله صلى الله عليه وسلم قال رأيت جبريل عند سدرة المنتهى وله ستمائة جناح ينتشر من ريشه الدر والياقوت، وكما روي انه صلى الله عليه وسلم سأل جبرائيل عليه السلام ان يترأ له في صورته فقال انك لن تطيق ذلك فقال اني احب ان تفعل فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مقمرة فأتاه جبريل في صورته فغشى على الرسول صلى الله عليه وسلم ثم افاق وجبريل عليه السلام مسدل له احدى يديه على صدره والاخرى بين كتفيه فقال سبحان الله ما كنت ارى شيئا من الخلق هكذا فقال جبريل لو رأيت اسرافيل له اثنا عشر جناحا جناح منها بالمشرق وجناح بالمغرب والعرش على كاهله وانه ليتضاءل الأحايين لعظمة الله حتى يصير مثل الوضع وهو العصفور الصغير الى غير ذلك مما يدل على زيادة اجنحة الملائكة وفي رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله يزيد في الخلق ما يشاء هو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن، وقيل الخط الحسن وقال قتادة الملاحة في العينين والظاهر اطلاق الاية في كل زيادة فتشمل زيادة العقل والتمييز وفي رواية عن الحسن وابن شهاب في الاية حسن الصوت. وذكر الثعالبي ما وري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ان لله نهرا يغتمس فيه جبرائيل كل يوم فينتفض فما من قطرة تقطر من ريشه الا خلق الله منها ملكا. وعن مجاهد: يدخل جبريل نهر النور كل يوم سبعين مرة فيغتسل فيه ثم يخرج فينتفض فتسقط منه سبعون الف قطرة تعود كل قطرة ملكا يسبح الله الى يوم القيامة. وعن عبدالله بن عمر انه قال: بلغنا ان في السماء ملكا قد عظمه الله وشرفه، فيه ثلاثمائة وستون عينا بعضها مثل الشمس وبعضها مثل القمر وبعضها مثل الزهرة يسبح الله منذ خلق كل تسبيحه تخرج من فيه تعود ملكا، قال وبلغنا ان لله ديكا ارجله في الارض السفلى وعنقه تحت العرش اذا بقي الثلث الاخير من الليل خفق بجناحيه وقال سبوح قدوس رب الملائكة والروح فتسمع الديكة فتصرخ لصراخة، أو قال لصوته. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال اذن لي ان احدث عن ملك من حملة العرش رجله في الارض السفلى وعلى عاتقه العرش وبين شحمة اذنيه الى عاتقه خفقان الطير مسيرة سبعمائة سنة يقول سبحانك وذكر بعض العلماء ان ملكا نصفه من نار ونصفه من ثلج يقول يا مؤلف بين الثلج والنار الف بين قلوب عبادك الصالحين، وفي رواية سبحان من الف بين الثلج والنار وكان ملك يقول سبحان من زين الرجال باللحا والنساء بالنواصي. {إن الله على كل شيء قدير} لكن لا يفعل الا ما اراد فما لم يفعله فلعدم الارادة لا لعدم القدرة.
اطفيش
تفسير : {الحمْدُ للهِ فَاطِر السَّمَاواتِ والأرْض} الفاطر الموجد، تخاصم أعرابيان عند ابن عباس على بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، قال ابن عباس: علمت به معنى فاطر السموات والأرض، ولا أعلمه قبل، رواه البيهقى، وذلك على الإطلاق، وهو إيجاد الشىء على صفة يترشح بها لفعل من الأفعال، وقيل: أصله الشق، وقيل: الشق طولا، ثم تجوز به الى الإنشاء مطلقا، ثم صار حقيقة، ولا يشترط أن يكون على غير احتداء مثال، بدليل كلام الأعرابى، وكونه الآية على غير احتداء مثال من خارج لا بالوضع، ومطاوع الفطر انفطر كقوله تعالى: "أية : إذا السماء انفطرت" تفسير : [الانفطار: 1]. ويتعد إبقاؤه على أصله، بأن يكون المعنى شق السماوات يوم القيامة لنزول الأرواح والملائكة، وقبله بنزول الأمطار والأرض بالنبات فى الدنيا، وعن الموتى بالبعث يوم القيامة، وفاطر نعت لله وهو معرفة لإضافته للمعرفة، وإضافته محضة، لأنه بمعنى الماضى على معنى خالق، إذ لا مفعول له، لأنه لا ينصب المفعول فضلا عن أن يقال: إنها لفظية، وإنه فى نية التنوين، وإن ما بعده فى نية النصب على المفعولية، أو لأنه على معنى من شأنه الفطر، كقولك: جاء مالك العبيد، تقول: مَن مِن شانه أن يملكهم، ولم ترد أنه قد مالكهم أو يملكهم، ولو كان قد ملكهم، وبهذا الوجه يقال فى معنى شاق السماوات، وان أريد خصوص الشق الآتى أو الماضى فهو للمضى تقديرا أو تحقيقا وأجيز أن يكون بدلا، وقالوا: البدل بالمشتق ضعيف، وتعليق الحكم بالنعت المشتق، أو البدل المشتق يؤذن بالعلية، كأنه قيل: الله أهل للحمد لفطره، تقول: أقطع عمراً السارق اى أقطعه لسرقته، ومثل ذلك كله فى قوله: {جاعل الملائكة رُسُلاً} الى الأنبياء بالوحى، والى الخلق مطلقا بالأمطار والرياح، وبتلقى المؤمنين بالخير يوم القيامة {أولى} أصحاب نعت لرسلا {أجْنحَةٍ} يطيرون بها من جنس أبدانهم، لا من شعر أو نحوه، وهذا جمع قلة استعمل للكثرة، ويجوز إبقاؤه على القلة باعتبار كل ذلك على حدة، واعتبار الغالب، فلا يشكل أن من الملائكة من كثرت أجنحته {مَثْنى وثُلاثَ ورُباع} نعوت لأجنحة، فتقدر الفتحة فى الأول نائبة عن الكسرة، ومنع الصرف للوصفية والعدل عن اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، وزعم بعض أنه للعدل الى غير صيغ هذه الأعداد، والعدل الى عدم التكرير. {يَزيدُ في الخَلْق ما يشاءُ} يزيد للملائكة أجنحة على أربعة، وكما يزيد فى أبدانهم وصفاتهم وأفعالهم، زادهم الله قوة، ويزيد بخلق ملائكة لم توجد، ويحدث ما شاء من المعدومات حيوان وجماد، وصفات وأفعال، وأجزاء، والخلق الحسن، وملاحة العينين والصوت الحسن، والخط الحسن، والجمال والعقل والعلم، والصنعة وغير ذلك من الاعراض والأجسام والقبح، والأشياء القبيحة، ومن أفرد شيئا من ذلك فتحجير للواسع، ولا نقبله، أو أرد التمثيل، وكل شىء من الله عز وجل حسن. روى البخارى ومسلم فى قوله تعالى: "أية : لقد رأى من آيات ربه الكبرى"تفسير : [النجم: 18] أنه رأى جبريل له ستمائة جناح، وعن عائشة رضى الله عنها رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته مرتين له ستمائة جناح، سعتها الأفق: مرة عند سدرة المنتهى، ومرة فى أجياد، ومن الملائكة طائفة لهم ستة أجنحة: جناحان يلفون بهما أجسادهم، وجناحان يطيرون بهما الى حيث شاء الله عز وجل، وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله سبحانه، والملائكة أجسام نورانية لطيفة، تتشكل بما تشاء أو يشاء الله عز وجل، حتى أن جبريل عليه السلام يصير كالوصع وهو طائر صغير {إنَّ الله عَلى كُلّ شيء قَديرٌ} تعليل جملى، كأنه قيل: لا يعجز عن زيادة ما يشاء، لأنه على كل شىء قدير.
الالوسي
تفسير : {ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلأَرْضِ } أي موجدهما من غير مثال يحتذيه ولا قانون ينتحيه، فالفطر الإبداع، وقال الراغب: هو إيجاده تعالى الشيء وإبداعه على هيئة مترشحة لفعل من الأفعال. وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في «شعب الإيمان» وغيرهما عن ابن عباس قال: كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها يعني ابتدأتها؛ وأصل الفطر الشق، وقال الراغب: الشق طولاً ثم تجوز فيه عما تقدم وشاع فيه حتى صار حقيقة أيضاً. ووجه المناسبة أن السماوات والأرض والمراد بهما العالم بأسره لكونهما ممكنين والأصل في الممكن العدم كما يشير إليه قوله تعالى: {أية : كُلُّ شَىْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ }تفسير : [القصص: 88] وقوله عليه الصلاة والسلام: «حديث : ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن» تفسير : وصرح بذلك فلاسفة الإسلام قال رئيسهم: الممكن في نفسه ليس وهو عن علته أيس كان العدم كامن فيهما وبإيجادهما يشقان ويخرج العدم منهما. وقيل في ذلك: كأنه تعالى شق العدم بإخراجهما منه، وقيل: لا مانع من حمله على أصله هنا ويكون إشارة إلى الأمطار والنبات فكأنه قيل: الحمد لله فاطر السماوات بالأمطار وفاطر الأرض بالنبات وفيه نظر ستأتي الإشارة إليه قريباً. وقوله تعالى: {جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً } على القولين يحتمل أن يكون معناه جاعل الملائكة عليهم السلام وسائط بينه وبين أنبيائه والصالحين من عباده يبلغون إليهم رسالته سبحانه بالوحي والإلهام والرؤيا الصادقة أو جاعلهم وسائط بينه وبين خلقه عز وجل يوصلون إليهم آثار قدرته وصنعه كالأمطار والرياح وغيرهما وهم الملائكة الموكلون بأمور العالم، وهذا أنسب بالقول الثاني لكن يرد عليه أنه لا معنى لكون الأمطار شاقة للسماوات. وقال الإمام: إن الحمد يكون على النعم ونعمه تعالى عاجلة وآجلة، وهو في سورة سبأ إشارة إلى نعمة الإيجاد والحشر ودليله {أية : يَعْلَمُ مَا يَلْجُ فِى ٱلأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ ٱلسَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا }تفسير : [سبأ: 2] وقوله تعالى: {أية : وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا ٱلسَّاعَةُ } تفسير : [سبأ: 3] والحمد في هذه السورة إشارة إلى نعمة البقاء في الآخرة ودليله {جَاعِلِ ٱلْمَلَـٰئِكَةِ رُسُلاً} أي يجعلهم سبحانه رسلاً يتلقون عباد الله تعالى كما قال سبحانه {أية : وَتَتَلَقَّاهُمُ ٱلْمَلاَئِكَةُ} تفسير : [الأنبياء: 103] فيجوز أن يكون المعنى الحمد لله شاق السماوات والأرض يوم القيامة لنزول الأرواح من السماء وخروج الأجساد من الأرض وجاعل الملائكة رسلاً في ذلك اليوم يتلقون عباده، وعليه فأول هذه السورة متصل بآخر ما مضى لأن قوله تعالى: {أية : كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِم}تفسير : [سبأ: 54] بيان لانقطاع رجاء من كان في شك مريب، ولما ذكر سبحانه حالهم ذكر حال المؤمنين وبشرهم بإرسال الملائكة إليهم وأنه تعالى يفتح أبواب الرحمة لهم انتهى، وفيه من البعد ما فيه. و {فَاطِرَ } صفة لله وإضافته / محضة قال أبو البقاء: لأنه للماضي لا غير، وقال غيره: هو معرف بالإضافة إذ لم يجر على الفعل بل أريد به الاستمرار والثبات كما يقال زيد مالك العبيد جاء أي زيد الذي من شأنه أن يملك العبيد جاء، ومن جعل الإضافة غير محضة جعله بدلاً وهو قليل في المشتقات، وكذا الكلام في {جَاعِلِ} و {رُسُلاً} على القول بأن إضافته غير محضة منصوب به بالاتفاق، وأما على القول الآخر فكذلك عند الكسائي، وذهب أبو علي إلى أنه منصوب بمضمر يدل هو عليه لأن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي لا يعمل عنده كسائر البصريين إلا معرفاً باللام، وقال أبو سعيد السيرافي: اسم الفاعل المتعدي إلى اثنين يعمل بالثاني لأنه بإضافته إلى الأول تعذرت إضافته إلى الثاني فتعين نصبه له. وعلل بعضهم ذلك بأنه بالإضافة أشبه المعرف باللام فعمل عمله هذا على تقدير كون الجعل تصييرياً أما على تقدير كونه إبداعياً فرسلاً حال مقدرة. وقرأ الضحاك والزهري {فَطَرَ} {جَعَلَ} فعلاً ماضياً ونصب ما بعده قال أبو الفضل الرازي: يحتمل أن يكون ذلك على إضمار الذي نعتاً لله تعالى أو على تقدير قد فتكون الجملة حالاً. وأنت تعلم أن حذف الموصول الاسمي لا يجوز عند جمهور البصريين، وذهب الكوفيون والأخفش إلى إجازته وتبعهم ابن مالك وشرط في بعض كتبه كونه معطوفاً على موصول آخر ومن حجتهم { أية : آمنا بِٱلَّذِى أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ} تفسير : [العنكبوت: 64] وقول حسان:شعر : أمن يهجو رسول الله منكم وينصره ويمدحه سواء تفسير : وقول آخر:شعر : ما الذي دأبه احتياط وحزم وهواه أطاع يستويان تفسير : واختار أبو حيان كون الجملة خبر مبتدأ محذوف أي هو فطر. وقرأ الحسن {جَاعِلِ } بالرفع على المدح وجر {ٱلْمَلَـٰئِكَةَ } وقرأ عبد الوارث عن أبـي عمرو {جَاعِلِ } بالرفع بلا تنوين ونصب {ٱلْمَلَـٰئِكَةَ } وخرج حذف التنوين على أنه لالتقاء الساكنين ونصب {الملائكة} إذا كان {جاعل} للمضي على مذهب الكسائي وهشام في جواز إعمال الوصف الماضي النصب. وقرأ ابن يعمر وخليد {جَعَلَ} فعلاً ماضياً {ٱلْمَلَـٰئِكَةَ} بالنصب وذلك بعد قراءته {فَاطِرَ } كالجمهور كقراءة من قرأ {أية : فَالِقُ ٱلإِصْبَاحِ وَجَعَلَ ٱلَّيْلَ سَكَناً }تفسير : [الأنعام: 96] وفي «الكشاف» قرىء {فَطَرَ} و {جَعَلَ} كلاهما بلفظ الفعل الماضي. وقرأ الحسن وحميد بن قيس {رُسُلاً } بسكون السين وهي لغة تميم. وقوله تعالى: {أُوْلِى أَجْنِحَةٍ } صفة لرسلاً وأولو اسم جمع لذو كما إن أولاه اسم جمع لذا، ونظير ذلك من الأسماء المتمكنة المخاض، قال الجوهري: هي الحوامل من النوق واحدتها خلفة، و {أَجْنِحَةٍ } جمع جناح صيغة جمع القلة ومقتضى المقام أن المراد به الكثرة. وفي «البحر» قياس جمع الكثرة فيه جنح فإن كان لم يسمع كان أجنحة مستعملاً في القليل والكثير، والظاهر أن الجناح بالمعنى المعروف عند العرب بيد أنا لا نعرف حقيقته وكيفيته ولا نقول إنه من ريش كريش الطائر. نعم أخرج ابن المنذر عن ابن جريج أن أجنحة الملائكة عليهم السلام زغبة، ورأيت في بعض كتب الإمامية أن الملائكة تزدحم في مجالس الأئمة فيقع من ريشها ما يقع وأنهم يلتقطونه ويجعلون منه ثياباً لأولادهم. وهذا عندي حديث خرافة، والكشفية منهم يؤولونه بما لا يخرجه عن ذلك. وقوله تعالى: {مَثْنَىٰ وَثُلَـٰثَ وَرُبَاعَ } الظاهر أنه صفة لأجنحة، والمنع من الصرف على المشهور للصفة والعدل عن / اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة. وقال الزمخشري: إنما لم تنصرف هذه الألفاظ لتكرار العدل فيها وذلك أنها عدلت عن ألفاظ الأعداد من صيغ إلى صيغ آخر كما عدل عمر عن عامر وحذام عن حاذمة وعن تكرير إلى غير تكرير ففيها عدلان وأما الوصفية فلا يفترق الحال فيها بين المعدولة والمعدول عنها ألا تراك تقول مررت بنسوة أربع وبرجال ثلاثة فلا يعرج عليها. وتعقبه أبو حيان بأنه قاس الصفة في هذا المعدول على الصفة في أربع وثلاثة وليس بصحيح لأن مطلق الصفة لم يعدوه علة بل اشترطوا أن تكون الوصفية غير عارضة كما في أربع وأن لا يقبل تاء التأنيث أو تكون فيه كثلاث وثلاثة. وقال صاحب «الكشف» فيه: إن العدول عن التكرار لا يعتبر فيه للصيغة واعتبر في تحقق العدل ذلك ثم العدول عن الصيغة الأصلية لإفادة التكرر فلا عدولين بوجه، وبعد تسليم أن المعتبر في الوصف مقارنته لوضع المعدول فلا يضرب عروضه في المعدول عنه لا اتجاه للمنع ولا معول على السند وهو قول سيبويه على ما نقله الجوهري وهو المنصور على ما نبهت إليه انتهى. وتعقبه أيضاً صاحب «الفرائد» وصاحب «التقريب» بعروض الوصفية في المعدول عنه وعدمه في المعدول، لكن قال الطيبـي: وجدت لبعض المغاربة كلاماً يصلح أن يكون جواباً عنه وهو أن ثلاث مثلاً لا يخلو من أن يكون موضوعاً للصفة من غير اعتبار العدد أو لا يكون فإن كان الأول لم يكن فيه العدد والمقدر خلافه، وإن كان الثاني كان الوصف عارضاً لثلاث كما كان عارضاً لثلاثة فيمكن أن يقال إن هذه الأعداد غير منصرفة للعدل المكرر كالجمع وألفي التأنيث انتهى، وفيه ما لا يخفى. وقال ابن عطية: إن هذه الألفاظ عدلت عن حال التنكير فتعرفت بالعدل فهي لا تنصرف للعدل والتعريف وهذا قول غريب ذُكر في «البحر» لبعض الكوفيين. وفي «الكشاف» هي نكرات يعرفن بلام التعريف تقول فلان ينكح المثنى والثلاث والرباع، وقيل: {مَثْنَىٰ } الخ حال من محذوف والعامل فيه محذوف يدل عليه {رُسُلاً } أي يرسلون مثنى وثلاث ورباع، والمعول عليه ما تقدم. والمراد ذوي أجنحة متعددة متفاوتة في العدد حسب تفاوت ما لهم من المراتب ينزلون بها ويعرجون أو يسرعون بها حين يؤمرون، ويجوز أن تكون كلاً أو بعضاً لأمور أخر كالزينة فيما بينهم وكالإرخاء على الوجه حياء من الله تعالى إلى غير ذلك، والمعنى إن من الملائكة خلقاً لكل واحد منهم جناحان وخلقاً لكل منهم ثلاثة أجنحة وخلقاً لكل منهم أربعة أجنحة، ولا دلالة في الآية على نفي الزائد بل قال بعض المحققين: إن ما ذكر من العدد للدلالة على التكثير والتفاوت لا للتعيين ولا لنفي النقصان عن اثنين. وقد أخرج الشيخان والترمذي عن ابن مسعود في قوله تعالى: {أية : لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ ءايَـٰتِ رَبّهِ ٱلْكُبْرَىٰ } تفسير : [النجم: 18] رأى جبريل له ستمائة جناح، والترمذي عن مسروق عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير جبريل في صورته إلا مرتين مرة عند سدرة المنتهى ومرة في جياد له ستمائة جناح قد سد الأفق، وقال الزمخشري: مر بـي في بعض الكتب أن صنفاً من الملائكة عليهم السلام لهم ستة أجنحة فجناحان يلفون بهما أجسادهم وجناحان يطيرون بهما في أمر من أمور الله تعالى وجناحان مرخيان على وجوههم حياء من الله عز وجل. والبحث عن كيفية وضع الأجنحة - شفعاً كانت أو وتراً فيما أرى - مما لا طائل تحته ولم يصح عندي في ذلك شيء / ولقياس الغائب على الشاهد، قال بعضهم: إن المعنى إن في كل جانب لبعض الملائكة عليهم السلام جناحين ولبعضهم ثلاثة ولبعضهم أربعة وإلا فلو كانت ثلاثة لواحد لما اعتدلت، وهو كما ترى. وقال قوم: إن الجناح إشارة إلى الجهة، وبيانه أن الله تعالى ليس فوقه شيء وكل شيء سواه فهو تحت قدرته سبحانه كما قال تعالى: {أية : نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلأَمِينُ * عَلَىٰ قَلْبِكَ }تفسير : [الشعراء: 193-194] وقال تعالى: {أية : عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ }تفسير : [النجم: 5] وقال تعالى: {أية : فَٱلْمُدَبّرٰتِ أَمْراً } تفسير : [النازعات: 5] وهما جناحان وفيهم من يفعل ما يفعل من الخير بواسطة وفيهم من يفعله لا بواسطة فالفاعل بواسطة منهم من له ثلاث جهات ومنهم من له أربع جهات وأكثر، وهذا خلاف الظاهر جداً ولا يحتاج إليه السني القائل بأن الملائكة عليهم السلام أجسام لطيفة نورية يقدرون على التشكل بالصور المختلفة وعلى الأفعال الشاقة وإنما يحتاج إليه أو إلى نحوه الفلاسفة وأتباعهم فإن الملائكة عندهم هي العقول المجردة ويسميها أهل الإشراق بالأنوار الظاهرة وبعض المتصوفة بالسرادقات النورية، وقد ذكر بعض متأخريهم أن لها ذوات حقيقية وذوات إضافية مضافة إلى ما دونها إضافة النفس إلى البدن فأما ذواتها الحقيقية فإنما هي أمرية قضائية قولية وأما ذواتها الإضافية فإنما هي خلقية قدرية تنشأ منها الملائكة اللوحية وأعظمهم إسرافيل عليهم السلام، وتطلق الملائكة عندهم على غير العقول كالمدبرات العلوية والسفلية من النفوس والطبائع، وأطالوا الكلام في ذلك وظواهر الآيات والأخبار تكذبهم والله تعالى الموفق للصواب. {يَزِيدُ فِى ٱلْخَلْقِ مَا يَشَاء } استئناف مقرر لما قبله من تفاوت الملائكة عليهم السلام في عدد الأجنحة ومؤذن بأن ذلك من أحكام مشيئته تعالى لا لأمر راجع إلى ذواتهم ببيان حكم كلي ناطق بأنه عز وجل يزيد في أي خلق كان كل ما يشاء أن يزيده بموجب مشيئته سبحانه ومقتضى حكمته من الأمور التي لا يحيط بها الوصف، وقال الفراء والزجاج: هذا في الأجنحة التي للملائكة أي يزيد في خلق الأجنحة للملائكة ما يشاء فيجعل لكل ستة أجنحة أو أكثر وروي ذلك عن الحسن، وكأن الجملة لدفع توهم عدم الزيادة على الأربعة. وعن ابن عباس يزيد في خلق الملائكة والأجنحة ما يشاء، وقيل: {ٱلْخَلْقِ } خلق الإنسان و {مَا يَشَاء } الخلق الحسن أو الصوت الحسن أو الحظ الحسن أو الملاحة في العينين أو في الأنف أو في الوجه أو خفة الروح أو جعودة الشعر وحسنه أو العقل أو العلم أو الصنعة أو العفة في الفقراء أو حلاوة النطق، وذكروا في بعض ذلك أخباراً مرفوعة والحق أن ذلك من باب التمثيل لا الحصر، والآية شاملة لجميع ذلك بل شاملة لما يستحسن ظاهراً ولما لا يستحسن وكل شيء من الله عز وجل حسن. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } تعليل بطريق التحقيق للحكم المذكور فإن شمول قدرته تعالى لجميع الأشياء مما يوجب قدرته سبحانه على أن يزيد في كل خلق كل ما يشاؤه تعالى إيجاباً بيناً.
سيد قطب
تفسير : هذه السورة المكّية نسق خاص في موضوعها وفي سياقها. أقرب ما تكون إلى نسق سورة الرعد. فهي تمضي في إيقاعات تتوالى على القلب البشري من بدئها إلى نهايتها. إيقاعات موحية مؤثرة تهزه هزاً، وتوقظه من غفلته ليتأمل عظمة هذا الوجود، وروعة هذا الكون؛ وليتدبر آيات الله المبثوثة في تضاعيفه، المتناثرة في صفحاته؛ وليتذكر آلاء الله، ويشعر برحمته ورعايته؛ وليتصور مصارع الغابرين في الأرض ومشاهدهم يوم القيامة؛ وليخشع ويعنو وهو يواجه بدائع صنع الله، وآثار يده في أطواء الكون، وفي أغوار النفس، وفي حياة البشر، وفي أحداث التاريخ. وهو يرى ويلمس في تلك البدائع وهذه الآثار وحدة الحق ووحدة الناموس، ووحدة اليد الصانعة المبدعة القوية القديرة.. ذلك كله في أسلوب وفي إيقاع لا يتماسك له قلب يحس ويدرك، ويتأثر تأثر الأحياء. والسورة وحدة متماسكة متوالية الحلقات متتالية الإيقاعات. يصعب تقسيمها إل فصول متميزة الموضوعات. فهي كلها موضوع واحد. كلها إيقاعات على أوتار القلب البشري، تستمد من ينابيع الكون والنفس والحياة والتاريخ والبعث. فتأخذ على النفس أقطارها وتهتف بالقلب من كل مطلع، إلى الإيمان والخشوع والإذعان. والسمة البارزة الملحوظة في هذه الإيقاعات هي تجميع الخيوط كلها في يد القدرة المبدعة. وإظهار هذه اليد تحرك الخيوط كلها وتجمعها؛ وتقبضها وتبسطها، وتشدها وترخيها. بلا معقب ولا شريك ولا ظهير. ومنذ ابتداء السورة نلمح هذه السمة البارزة، وتطرد إلى ختامها.. هذا الكون الهائل نلمح اليد القادرة القاهرة تبرزه إلى الوجود وفق ما تريد: {الحمد لله فاطر السماوات والأرض، جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع. يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير}.. وهذه القبضة القوية تنفرج فترسل بالرحمة تتدفق وتفيض، وتنقبض فتغلق ينابيعها وتغيض. بلا معقب ولا شريك: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده، وهو العزيز الحكيم}.. والهدى والضلال رحمة تتدفق أو تغيض: {أية : فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء}.. {أية : إن الله يُسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور. إن أنت إلا نذير }.. تفسير : وهذه اليد تصنع الحياة الأولى وتنشر الموتى في الحياة الآخرة: {أية : والله الذي أرسل الرياح، فتثير سحاباً، فسقناه إلى بلد ميت، فأحيينا به الأرض بعد موتها. كذلك النشور }.. تفسير : والعزة كلها لله ومنه وحده تستمد: {أية : من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً }.. تفسير : والخلق والتكوين والنسل والأجل خيوطها كلها في تلك اليد لا تند عنها: {أية : والله خلقكم من تراب، ثم من نطفة، ثم جعلكم أزواجاً. وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه. وما يعمر من معمر، ولا ينقص من عمره إلا في كتاب. إن ذلك على الله يسير }: تفسير : وفي تلك القبضة تتجمع مقاليد السماوات والأرض وحركات الكواكب والأفلاك: {أية : يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى. ذلكم الله ربكم له الملك. والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير }.. تفسير : ويد الله المبدعة تعمل في هذا الكون بطريقتها المعلمة، وتصبغ وتلون في الجماد والنبات والحيوان والإنسان: {أية : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء، فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها، ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك }. تفسير : وهذه اليد تنقل خطى البشر، وتورث الجيل الجيل: {أية : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا}.. {أية : هو الذي جعلكم خلائف في الأرض }.. تفسير : وهي تمسك بهذا الكون الهائل تحفظه من الزوال. {أية : إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده }.. تفسير : وهي القابضة على أزمة الأمور لا يعجزها شيء على الإطلاق: {أية : وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض }.. تفسير : وهو {على كل شيء قدير}.. وهو {العزيز الحكيم}.. {أية : وإلى الله ترجع الأمور} تفسير : وهو {أية : عليم بما يصنعون}.. {أية : وله الملك}.. تفسير : وهو {أية : الغني الحميد}.. {أية : وإلى الله المصير}.. تفسير : وهو {أية : عزيز غفور}.. تفسير : وهو {أية : غفور شكور}..تفسير : وإنه بعباده {أية : لخبير بصير}.. تفسير : وهو {أية : عالم غيب السماوات والأرض}.. تفسير : وهو {أية : عليم بذات الصدور}.. تفسير : وكان {أية : حليماً غفوراً}.. تفسير : وكان {أية : عليماً قديراً}.. تفسير : وكان {أية : بعباده بصيراً }.. تفسير : ومن تلك الآيات وهذه التعقيبات يرتسم جو السورة، والسمة الغالبة عليها، والظل الذي تلقيه في النفس على وجه العموم. ونظراً لطبيعة السورة فقد اخترنا تقسيمها إلى ستة مقاطع متجانسة المعاني لتيسير تناولها. وإلا فهي شوط واحد متصل الإيقاعات والحلقات من بدئها إلى نهايتها.. {الحمد لله فاطر السموات والأرض، جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير}.. تبدأ السورة بتقديم الحمد لله. فهي سورة قوامها توجيه القلب إلى الله، وإيقاظه لرؤية آلائه، واستشعار رحمته وفضله، وتملي بدائع صنعه في خلقه، وامتلاء الحس بهذه البدائع، وفيضه بالتسبيح والحمد والابتهال: {الحمد لله}.. ويتلو حمد الله ذكر صفته الدالة على الخلق والإبداع: {فاطر السماوات والأرض}.. فهو منشئ هذه الخلائق الهائلة التي نرى بعضها من فوقنا ومن تحتنا حيث كنا، والتي لا نعرف إلا القليل عن أصغرها وأقربها إلينا.. أمنا الأرض.. والتي ينتظمها ناموس واحد يحفظها في تناسق وتوافق، على ما بينها من أبعاد هائلة لا يتصورها خيالنا البشري إلا بمشقة عظيمة؛ والتي تحوي - مع ضخامتها وتباعد أفلاكها ومداراتها - من أسرار التناسب فيما بينها ما لو اختلت فيه نسبة صغيرة لتحطمت كلها وتناثرت بدداً. وإننا لنمر على مثل هذه الإشارة في القرآن الكريم إلى خلق السماوات والأرض، دون أن نقف أمامها طويلاً لتدبر مدلولها الهائل؛ كما نمر على مشاهد السماوات والأرض ذاتها بمثل هذه البلادة، لا نقف أمامها إلا قليلاً. ذلك أن حسنا قد تبلد، فلم تعد تلك المشاهد توقع على أوتاره تلك الإيقاعات الموقظة الموحية، التي توقعها على القلوب الموصولة بذكر الله، المتيقظة لآثار يده المبدعة في هذا الوجود. وذلك أن الألفة قد أفقدتنا الوهلة والروعة التي يحسها القلب وهو ينظر إلى مثل هذه البدائع للمرة الأولى. ولا يحتاج القلب المفتوح الواعي الموصول بالله إلى علم دقيق بمواقع النجوم في السماء، وأحجامها ونسبها، ونسب الفضاء حولها، وطرق سيرها في مداراتها، وعلاقة بعضها ببعض في أحجامها وأوضاعها وحركاتها.. لا يحتاج القلب المفتوح الواعي الموصول بالله إلى علم دقيق بهذا كله ليستشعر الروعة والرهبة أمام هذا الخلق الهائل الجميل العجيب. فحسبه إيقاع هذه المشاهد بذاتها على أوتاره. حسبه مشهد النجوم المتناثرة في الليلة الظلماء. حسبه مشهد النور الفائض في الليلة القمراء. حسبه الفجر المشقشق بالنور الموحي بالتنفس والانطلاق. حسبه الغروب الزاحف بالظلام الموحي بالوداع والانتهاء.. بل حسبه هذه الأرض وما فيها من مشاهد لا تنتهي ولا يستقصيها سائح يقضي عمره في السياحة والتطلع والتملي.. بل حسبه زهرة واحدة لا ينتهي التأمل في ألوانها وأصباغها وتشكيلها وتنسيقها.. والقرآن يشير إشاراته الموحية لتدبُّر هذه الخلائق... الجليل منها والدقيق... وحسب القلب واحدة منها لإدراك عظمة فاطرها، والتوجه إليه بالتسبيح والحمد والابتهال.. {الحمد لله فاطر السماوات والأرض}.. {جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع}. والحديث في هذه السورة يتردد حول الرسل وما أنزل الله من الحق.. والملائكة هم رسل الله بالوحي إلى من يختاره من عباده في الأرض. وهذه الرسالة هي أعظم شيء وأجله. ومن ثم يذكر الله الملائكة بصفتهم رسلاً عقب ذكره لخلق السماوات والأرض. وهم صلة ما بين السماء والأرض. وهم يقومون بين فاطر السماوات والأرض، وأنبيائه ورسله إلى الخلق بأعظم وظيفة وأجلها. ولأول مرة ـ فيما مر بنا من القرآن في هذه الظلال ـ نجد وصفاً للملائكة يختص بهيئتهم. وقد ورد وصفهم من قبل من ناحية طبيعتهم ووظيفتهم، مثل قوله تعالى: {أية : ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون}..تفسير : وقوله: {أية : إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون}.. تفسير : أما هنا فنجد شيئاً يختص بتكوينهم الخلقي: {أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع}.. وهو وصف لا يمثلهم للتصور. لأننا لا نعرف كيف هم ولا كيف أجنحتهم هذه. ولا نملك إلا الوقوف عند هذا الوصف، دون تصور معين له. فكل تصور قد يخطئ. ولم يرد إلينا وصف محدد للشكل والهيئة من طريق معتمد. والذي ورد في القرآن هو هذا؛ وهو قوله تعالى في وصف جهنم: {أية : عليها ملائكة غلاظ شداد، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون}.. تفسير : وهو كذلك لا يحدد شكلاً ولا هيئة. والذي ورد في الأثر: "حديث : أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رأى جبريل في صورته مرتين وفي رواية: له ستمائة جناح"تفسير : .. وهو كذلك لا يعين شكلاً ولا هيئة. فالأمر إذن مطلق. والعلم لله وحده في هذه الغيبيات. وبمناسبة ذكر الأجنحة مثنى وثلاث ورباع. حيث لا يعرف الإنسان إلا شكل الجناحين للطائر. يذكر أن الله {يزيد في الخلق ما يشاء}.. فيقرر طلاقة المشيئة، وعدم تقيدها بشكل من أشكال الخلق.. وفيما نشهده نحن ونعلمه أشكال لا تحصى من الخلق. ووراء ما نعلم أكثر وأكثر.. {إن الله على كل شيء قدير}.. وهذا التعقيب أوسع من سابقه وأشمل. فلا تبقى وراءه صورة لا يتناولها مدلوله، من صور الخلق والإنشاء والتغيير والتبديل. {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده، وهو العزيز الحكيم}.. في هذه الآية الثانية من السورة صورة من صور قدرة الله التي ختم بها الآية الأولى. وحين تستقر هذه الصورة في قلب بشري يتم فيه تحول كامل في تصوراته ومشاعره واتجاهاته وموازينه وقيمه في هذه الحياة جميعاً. إنها تقطعه عن شبهة كل قوة في السماوات والأرض وتصله بقوة الله. وتيئسه من مظنة كل رحمة في السماوات والأرض وتصله برحمة الله. وتوصد أمامه كل باب في السماوات والأرض وتفتح أمامه باب الله. وتغلق في وجهه كل طريق في السماوات والأرض وتشرع له طريقه إلى الله. ورحمة الله تتمثل في مظاهر لا يحصيها العد؛ ويعجز الإنسان عن مجرد ملاحقتها وتسجيلها في ذات نفسه وتكوينه، وتكريمه بما كرمه؛ وفيما سخر له من حوله ومن فوقه ومن تحته؛ وفيما أنعم به عليه مما يعلمه ومما لا يعلمه وهو كثير. ورحمة الله تتمثل في الممنوع تمثلها في الممنوح. ويجدها من يفتحها الله له في كل شيء، وفي كل وضع، وفي كل حال، وفي كل مكان.. يجدها في نفسه، وفي مشاعره؛ ويجدها فيما حوله، وحيثما كان، وكيفما كان. ولو فقد كل شيء مما يعد الناس فقده هو الحرمان.. ويفتقدها من يمسكها الله عنه في كل شيء، وفي كل وضع، وفي كل حالة، وفي كل مكان. ولو وجد كل شيء مما يعده الناس علامة الوجدان والرضوان! وما من نعمة ـ يمسك الله معها رحمته ـ حتى تنقلب هي بذاتها نقمة. وما من محنة ـ تحفها رحمة الله ـ حتى تكون هي بذاتها نعمة.. ينام الإنسان على الشوك ـ مع رحمة الله ـ فإذا هو مهاد. وينام على الحرير -وقد أمسكت عنه ـ فإذا هو شوك القتاد. ويعالج أعسر الأمور ـ برحمة الله ـ فإذا هي هوادة ويسر. ويعالج أيسر الأمور ـ وقد تخلت رحمة الله ـ فإذا هي مشقة وعسر. ويخوض بها المخاوف والأخطار فإذا هي أمن وسلام. ويعبر بدونها المناهج والمسالك فإذا هي مهلكة وبوار! ولا ضيق مع رحمة الله. إنما الضيق في إمساكها دون سواه. لا ضيق ولو كان صاحبها في غياهب السجن، أو في جحيم العذاب أو في شعاب الهلاك. ولا وسعة مع إمساكها ولو تقلب الإنسان في أعطاف النعيم، وفي مراتع الرخاء. فمن داخل النفس برحمة الله تتفجَّر ينابيع السعادة والرضا والطمأنينة. ومن داخل النفس مع إمساكها تدب عقارب القلق والتعب والنصب والكد والمعاناة! هذا الباب وحده يفتح وتغلق جميع الأبواب، وتوصد جميع النوافذ، وتسد جميع المسالك.. فلا عليك. فهو الفرج والفسحة واليسر والرخاء.. وهذا الباب وحده يغلق وتفتح جميع الأبواب والنوافذ والمسالك فما هو بنافع. وهو الضيق والكرب والشدة والقلق والعناء! هذا الفيض يفتح، ثم يضيق الرزق. ويضيق السكن. ويضيق العيش، وتخشن الحياة، ويشوك المضجع.. فلا عليك. فهو الرخاء والراحة والطمأنينة والسعادة. وهذا الفيض يمسك. ثم يفيض الرزق ويقبل كل شيء. فلا جدوى. وإنما هو الضنك والحرج والشقاوة والبلاء! المال والولد، والصحة والقوة، والجاه والسلطان.. تصبح مصادر قلق وتعب ونكد وجهد إذا أمسكت عنها رحمة الله. فإذا فتح الله أبواب رحمته كان فيها السكن والراحة والسعادة والاطمئنان. يبسط الله الرزق ـ مع رحمته ـ فإذا هو متاع طيب ورخاء؛ وإذا هو رغد في الدنيا وزاد إلى الآخرة. ويمسك رحمته، فإذا هو مثار قلق وخوف، وإذا هو مثار حسد وبغض، وقد يكون معه الحرمان ببخل أو مرض، وقد يكون معه التلف بإفراط أو استهتار. ويمنح الله الذرية ـ مع رحمته ـ فإذا هي زينة في الحياة ومصدر فرح واستمتاع، ومضاعفة للأجر في الآخرة بالخلف الصالح الذي يذكر الله. ويمسك رحمته فإذا الذرية بلاء ونكد وعنت وشقاء، وسهر بالليل وتعب بالنهار! ويهب الله الصحة والقوة ـ مع رحمته ـ فإذا هي نعمة وحياة طيبة، والتذاذ بالحياة. ويمسك نعمته فإذا الصحة والقوة بلاء يسلطه الله على الصحيح القوي، فينفق الصحة والقوة فيما يحطم الجسم ويفسد الروح، ويدخر السوء ليوم الحساب! ويعطي الله السلطان والجاه ـ مع رحمته ـ فإذا هي أداة إصلاح، ومصدر أمن، ووسيلة لادخار الطيب الصالح من العمل والأثر. ويمسك الله رحمته فإذا الجاه والسلطان مصدر قلق على فوتهما، ومصدر طغيان وبغي بهما، ومثار حقد وموجدة على صاحبهما لا يقر له معهما قرار، ولا يستمتع بجاه ولا سلطان، ويدخر بهما للآخرة رصيداً ضخماً من النار! والعلم الغزير. والعمر الطويل. والمقام الطيب. كلها تتغير وتتبدل من حال إلى حال.. مع الإمساك ومع الإرسال.. وقليل من المعرفة يثمر وينفع، وقليل من العمر يبارك الله فيه. وزهيد من المتاع يجعل الله فيه السعادة. والجماعات كالآحاد. والأمم كالأفراد. في كل أمر وفي كل وضع، وفي كل حال.. ولا يصعب القياس على هذه الأمثال! ومن رحمة الله أن تحس برحمة الله! فرحمة الله تضمك وتغمرك وتفيض عليك. ولكن شعورك بوجودها هو الرحمة. ورجاؤك فيها وتطلعك إليها هو الرحمة. وثقتك بها وتوقعها في كل أمر هو الرحمة. والعذاب هو العذاب في احتجابك عنها أو يأسك منها أو شكك فيها. وهو عذاب لا يصبه الله على مؤمن أبداً: {أية : إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون}. تفسير : ورحمة الله لا تعز على طالب في أي مكان ولا في أي حال. وجدها إبراهيم ـ عليه السلام ـ في النار. ووجدها يوسف ـ عليه السلام ـ في الجب كما وجدها في السجن. ووجدها يونس ـ عليه السلام ـ في بطن الحوت في ظلمات ثلاث. ووجدها موسى ـ عليه السلام ـ في اليم وهو طفل مجرد من كل قوة ومن كل حراسة، كما وجدها في قصر فرعون وهو عدو له متربص به ويبحث عنه. ووجدها أصحاب الكهف في الكهف حين افتقدوها في القصور والدور. فقال بعضهم لبعض: {أية : فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته}..تفسير : ووحدها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه في الغار والقوم يتعقبونهما ويقصون الآثار.. ووجدها كل من آوى إليها يأساً من كل ما سواها. منقطعاً عن كل شبهة في قوة، وعن كل مظنة في رحمة، قاصداً باب الله وحده دون الأبواب. ثم إنه متى فتح الله أبواب رحمته فلا ممسك لها. ومتى أمسكها فلا مرسل لها. ومن ثم فلا مخافة من أحد. ولا رجاء في أحد. ولا مخافة من شيء، ولا رجاء في شيء. ولا خوف من فوت وسيلة، ولا رجاء مع الوسيلة. إنما هي مشيئة الله. ما يفتح الله فلا ممسك. وما يمسك الله فلا مرسل. والأمر مباشرة إلى الله.. {وهو العزيز الحكيم}.. يقدر بلا معقب على الإرسال والإمساك. ويرسل ويمسك وفق حكمة تكمن وراء الإرسال والإمساك. {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها}.. وما بين الناس ورحمة الله إلا أن يطلبوها مباشرة منه، بلا وساطة وبلا وسيلة إلا التوجه إليه في طاعة وفي رجاء وفي ثقة وفي استسلام. {وما يمسك فلا مرسل له من بعده}. فلا رجاء في أحد من خلقه، ولا خوف لأحد من خلقه. فما أحد بمرسل من رحمة الله ما أمسكه الله. أية طمأنينة؟ وأي قرار؟ وأي وضوح في التصورات والمشاعر والقيم والموازين تقره هذه الآية في الضمير؟! آية واحدة ترسم للحياة صورة جديدة؛ وتنشئ في الشعور قيماً لهذه الحياة ثابتة؛ وموازين لا تهتز ولا تتأرجح ولا تتأثر بالمؤثرات كلها. ذهبت أم جاءت. كبرت أم صغرت. جلت أم هانت. كان مصدرها الناس أو الأحداث أو الأشياء! صورة واحدة لو استقرت في قلب إنسان لصمد كالطود للأحداث والأشياء والأشخاص والقوى والقيم والاعتبارات. ولو تضافر عليها الإنس والجن. وهم لا يفتحون رحمة الله حين يمسكها، ولا يمسكونها حين يفتحها.. {وهو العزيز الحكيم}.. وهكذا أنشأ القرآن بمثل هذه الآية وهذه الصورة تلك الفئة العجيبة من البشر في صدر الإسلام. الفئة التي صنعت على عين الله بقرآنه هذا لتكون أداة من أدوات القدرة، تنشئ في الأرض ما شاء الله أن ينشئ من عقيدة وتصور، وقيم وموازين، ونظم وأوضاع. وتقر في الأرض ما شاء الله أن يقر من نماذج الحياة الواقعة التي تبدو لنا اليوم كالأساطير والأحلام. الفئة التي كانت قدراً من قدر الله يسلطه على من يشاء في الأرض فيمحو ويثبت في واقع الحياة والناس ما شاء الله من محو ومن إثبات. ذلك أنها لم تكن تتعامل مع ألفاظ هذا القرآن، ولا مع المعاني الجميلة التي تصورها.. وكفى.. ولكنها كانت تتعامل مع الحقيقة التي تمثلها آيات القرآن، وتعيش في واقعها بها، ولها.. وما يزال هذا القرآن بين أيدي الناس، قادراً على أن ينشئ بآياته تلك أفراداً وفئات تمحو وتثبت في الأرض ـ بإذن الله ـ ما يشاء الله.. ذلك حين تستقر هذه الصور في القلوب، فتأخذها جداً، وتتمثلها حقاً. حقاً تحسه، كأنها تلمسه بالأيدي وتراه بالأبصار.. ويبقى أن أتوجه أنا بالحمد لله على رحمة منه خاصة عرفتها منه في هذه الآية.. لقد واجهتني هذه الآية في هذه اللحظة وأنا في عسر وجهد وضيق ومشقة. واجهتني في لحظة جفاف روحي، وشقاء نفسي، وضيق بضائقة، وعسر من مشقة.. واجهتني في ذات اللحظة. ويسر الله لي أن أطلع منها على حقيقتها. وأن تسكب حقيقتها في روحي؛ كأنما هي رحيق أرشفه وأحس سريانه ودبيبه في كياني. حقيقة أذوقها لا معنى أدركه. فكانت رحمة بذاتها. تقدم نفسها لي تفسيراً واقعياً لحقيقة الآية التي تفتحت لي تفتحها هذا. وقد قرأتها من قبل كثيراً. ومررت بها من قبل كثيراً. ولكنها اللحظة تسكب رحيقها وتحقق معناها، وتنزل بحقيقتها المجردة، وتقول: هأنذا.. نموذجاً من رحمة الله حين يفتحها. فانظر كيف تكون! إنه لم يتغير شيء مما حولي. ولكن لقد تغير كل شيء في حسي! إنها نعمة ضخمة أن يتفتح القلب لحقيقة كبرى من حقائق هذا الوجود، كالحقيقة الكبرى التي تتضمنها هذه الآية. نعمة يتذوقها الإنسان ويعيشها؛ ولكنه قلما يقدر على تصويرها، أو نقلها للآخرين عن طريق الكتابة. وقد عشتها وتذوقتها وعرفتها. وتم هذا كله في أشد لحظات الضيق والجفاف التي مرت بي في حياتي. وهأنذا أجد الفرج والفرح والري والاسترواح والانطلاق من كل قيد ومن كل كرب ومن كل ضيق. وأنا في مكاني! إنها رحمة الله يفتح الله بابها ويسكب فيضها في آية من آياته. أية من القرآن تفتح كوة من النور. وتفجر ينبوعاً من الرحمة. وتشق طريقاً ممهوداً إلى الرضا والثقة والطمأنينة والراحة في ومضة عين وفي نبضة قلب وفي خفقة جنان. اللهم حمداً لك. اللهم منزل هذا القرآن. هدى ورحمة للمؤمنين.. ونعود بعد تسجيل هذه الومضة إلى سياق السورة.. فنجده يؤكد في الآية الثالثة إيحاء الآيتين الأولى والثانية؛ فيذكر الناس بنعمة الله عليهم؛ وهو وحده الخالق وهو وحده الرازق. الذي لا إله إلا هو؛ ويعجب كيف يصرفون عن هذا الحق الواضح المبين: {يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم. هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض؟ لا إله إلا هو. فأنى تؤفكون؟}.. ونعمة الله على الناس لا تتطلب إلا مجرد الذكر؛ فإذا هي واضحة بينة، يرونها ويحسونها ويلمسونها، ولكنهم ينسون فلا يذكرون. وحولهم السماء والأرض تفيضان عليهم بالنعم، وتفيضان عليهم بالرزق؛ وفي كل خطوة، وفي كل لحظة فيض ينسكب من خيرات الله ونعمه من السماء والأرض. يفيضها الخالق على خلقه. فهل من خالق غيره يرزقهم بما في أيديهم من هذا الفيض العميم؟ إنهم لا يملكون أن يقولوا هذا، وما كانوا يدعونه وهم في أغلظ شركهم وأضله. فإذا لم يكن هنالك خالق رازق غير الله، فما لهم لا يذكرون ولا يشكرون؟ وما لهم ينصرفون عن حمد الله والتوجه إليه وحده بالحمد والابتهال؟ إنه {لا إله إلا هو} فكيف يصرفون عن الإيمان بهذا الحق الذي لا مراء فيه.. {فأنى تؤفكون؟}.. وإنه لعجيب أن ينصرف منصرف عن مثل هذا الحق، الذي يواجههم به ما بين أيديهم من الرزق. وإنه لعجيب أن ينصرف عن حمد الله وشكره من لا يجد مفراً من الاعتراف بذلك الحق المبين! هذه الإيقاعات الثلاثة القوية العميقة هي المقطع الأول في السورة. وفي كل منها صورة تخلق الإنسان خلقاً جديداً حين تستقر في ضميره على حقيقتها العميقة. وهي في مجموعها متكاملة متناسقة في شتى الاتجاهات..
ابن عاشور
تفسير : افتتاحها بـــ{الحمد لله} مؤذن بأن صفات من عظمة الله ستذكر فيها، وإجراء صفات الأفعال على اسم الجلالة مِن خلقِهِ السماوات والأرض وأفضلِ ما فيها من الملائكة والمرسلين مؤذن بأن السورة جاءت لإِثبات التوحيد وتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم. وإيذان {الحمد لله} باستحقاق الله إياه دون غيره تقدم في أول سورة الفاتحة. والفاطر: فاعل الفَطْر، وهو الخلق، وفيه معنى التكون سريعاً لأنه مشتق من الفطر وهو الشق، ومنه {أية : تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن}تفسير : [الشورى: 5] {أية : إذا السماء انفطرت}تفسير : [الانفطار: 1]. وعن ابن عباس «كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض (أي لعدم جريان هذا اللفظ بينهم في زمانه) حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي أنا ابتدأتُها. وأحسب أن وصف الله بــــ{فاطر السماوات والأرض} مما سبق به القرآن، وقد تقدم عند قوله تعالى {أية : فاطر السماوات والأرض} تفسير : في سورة الأنعام (14)، وقوله: {أية : وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض}تفسير : في آخر سورة يوسف (101) فضُمَّه إلى ما هنا. وأما {جاعل} فيطلق بمعنى مكوِّن، وبمعنى مُصَيِّر، وعلى الاعتبارين يختلف موقع قوله: {رسلاً} بين أن يكون مفعولاً ثانياً لــــ{جاعل} أي جعل الله من الملائكة، أي ليكونوا رسلاً منه تعالى لما يريد أن يفعلوه بقوتهم الذاتية، وبين أن يكون حالاً من {الملائكة}، أي يجعل من أحوالهم أن يُرسَلوا. ولصلاحية المعنيين أُوثرت مادة الجعل دون أن يعطف على معمول {فاطر}. وتخصيص ذكر الملائكة من بين مخلوقات السماوات والأرض لشرفهم بأنهم سكان السماوات وعظيم خلقهم. وأجري عليهم صفة أنهم رُسل لمناسبة المقصود من إثبات الرسالة، أي جاعلهم رسلاً منه إلى المرسلين من البشر للوحي بما يراد تبليغهم إياه للناس. وقوله {أولي أجنحة} يجوز أن يكون حالاً من {الملائكة}، فتكون الأجنحة ذاتيةً لهم من مقومات خلقتهم، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في {رسلاً} فيكون خاصة بحالة مَرسوليتهم. و{أجنحة} جمع جَناح بفتح الجيم وهو ما يكون للطائر في موضع اليد للإِنسان فيحتمل أن إثبات الأجنحة للملائكة في هذه الآية وفي بعض الأحاديث المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة، ويحتمل أنه استعارة للقوة التي يخترقون بها الآفاق السماوية صعوداً ونزولاً لا يعلم كنهها إلا الله تعالى. و{مثنى} وأخواتُه كلمات دالّة على معنى التكرير لاسم العدد التي تشتق منه ابتداء من الاثنين بصيغة مَثنى ثم الثلاثة والأربعة بصيغة ثُلاث ورُباع. والأكثر أنهم لا يتجاوزون بهذه الصيغة مادة الأربعة، وقيل: يجوز إلى العشرة. والمعنى: اثنين اثنين الخ. وتقدم قوله: {أية : أن تقوموا لله مثنى وفرادى} تفسير : في سورة سبأ (46). والكلام على {أولي} تقدم. والمعنى: أنهم ذوو أجنحة بعضها مصففة جناحين جناحين في الصف، وبعضها ثلاثةً ثلاثة، وبعضها أربعةً أربعةً، وذلك قد تتعدد صفوفه فتبلغ أعداداً كثيرة فلا ينافي هذا ما ورد في الحديث عن عبد الله بن مسعود: «حديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح»تفسير : . ويجوز أن تكون أعداد الأجنحة متغيرة لكل ملك في أوقات متغيرة على حسب المسافات التي يؤمرون باختراقها من السماوات والأرضين. والأظهر أن الأجنحة للملائكة من أحوال التشكل الذي يتشكلون به. وفي رواية الزهري أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم «لو رأيت إسرافيل إنّ له لاَثنَيْ عشرَ ألفَ جناح وإن العرش لعلى كاهله». واعلم أن ماهية الملائكة تتحصل فيما ذكره سعد الدين في كتاب «المقاصد» «إنهم أجسام لطيفة نورانية قادرة على التشكلات بأشكال مختلفة، شأنهم الخير والطاعة، والعلم، والقدرة على الأعمال الشاقة، ومسكنُهم السماوات، وقال: هذا ظاهر الكتاب والسنة وهو قول أكثر الأمة». ا هــــ. ومعنى الأجسام اللطيفة أنها من قبيل الجوهر لا العرض وأنها جواهر مما يسمى عند الحكماء بالمجردات. وعندي: أن تعريف صاحب «المقاصد» لحقيقة الملائكة لا يخلو عن تخليطٍ في ترتيب التعريف لأنه خلط في التعريف بين الذاتيات والعرضيات. والوجه عندي في ترتيب التعريف أن يقال: أجسام لطيفة نورانية أخيار ذوو قوة عظيمة، ومن خصائصهم القدرة على التشكل بأشكال مختلفة، والعلم بما تتوقف عليه أعمالهم، ومقرهم السماوات ما لم يرسلوا إلى جهة من الأرض. وهذا التشكل انكماش وتقبض في ذرات نورانيتهم وإعطاء صورة من صور الجسمانيات الكثيفة لذواتهم. دل على تشكلهم قوله تعالى لهم يوم بدر {أية : فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان}تفسير : [الأنفال: 12]، وحديث : ثبت تشكل جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم في صورة دِحْية الكلبي، وتشكله له ولعمر بن الخطاب في حديث السؤال عن الإِيمان والإِسلام والإِحسان والساعة في صورة «رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفَر، ولا يَعرفه منا أحد (أي من أهل المدينة) حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه» الحديث، وقول النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن فارقهم الرجل «هل تدرون من السائل؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم» تفسير : كما في «الصحيحين» عن عمر بن الخطاب. وثبت حلول جبريل في غار حراء في بدء الوحي، وظهورهُ للنبي صلى الله عليه وسلم على كرسي بين السماء والأرض بصورته التي رآه فيها في غار حراء كما ذلك في حديث نزول سورة المدثر، ورأى كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَ بدر ناساً لا يعرفونهم على خيل يقاتلون معهم. وجملة {يزيد في الخلق ما يشاء} مستأنفة استئنافاً بيانياً لأن ما ذكر من صفات الملائكة يثير تعجب السامع أن يتساءل عن هذه الصفة العجيبة، فأجيب بهذا الاستئناف بأن مشيئة الله تعالى لا تنحصر ولا تُوقَّت. ولكل جنس من أجناس المخلوقات مقوماته وخواصه. فالمراد بالخلق: المخلوقات كُلّها، أي يزيد الله في بعضها ما ليس في خَلقٍ آخر. فيشمل زيادة قوة بعض الملائكة على بعض، وكل زيادة في شيء بين المخلوقات من المحاسن والفضائل من حصافة عقل وجمال صورة وشجاعة وذلقة لسان ولياقة كلام. ويجوز أن تكون جملة {يزيد في الخلق ما يشاء} صفة ثانية للملائكة، أي أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في خلقهم ما يشاء كأنه قيل: مثنى وثلاث ورباع وأكثر، فما في بعض الأحاديث من كثرة أجنحة جبريل يبين معنى {يزيد في الخلق ما يشاء}. وعليه فالمراد بالخلق ما خُلق عليه الملائكة من أن لبعضهم أجنحة زائدة على ما لبعض آخر. وجملة {إن الله على كل شيء قدير} تعليل لجملة {يزيد في الخلق ما يشاء}، وفي هذا تعريض بتسفيه عقول الذين أنكروا الرسالة وقالوا: {أية : إن أنتم إلا بشر مثلنا}تفسير : [إبراهيم: 10]، فأجيبوا بقول الرسل {أية : إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على ما يشاء من عباده}تفسير : [إبراهيم: 11].
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} الآية. الألف واللام في قوله: الحمد لله للاستغراق: أي جميع المحامد ثابت لله جل وعلا، وقد أثنى جل وعلا على نفسه بهذا الحمد العظيم، معلماً خلقه في كتابه: أن يثنوا عليه بذلك، مقترناً بكونه فاطر السموات والأرض، جاعل الملائكة رسلاً، وذلك يدل على أنّ خلقه للسماوات والأرض، وما ذكر معه يدلّ على عظمته، وكمال قدرته، واستحقاقه للحمد لذاته لعظمته وجلاله وكمال قدرته مع ما في خلق السماوات والأرض، من النعم على بني آدم فهو يخلقهما مستحق للحمد للذاته، ولإنعامه على الخلق بهما، وكون خلقهما جامعاً بين استحقاق الحمدين المذكورين، جاءت آيات من كتاب الله تدل عليه أمّا كون ذلك يستوجب حمد الله لعظمته وكماله، واستحقاقه لكلّ ثناء جميل فقد جاء في آيات من كتاب الله تعالى كقوله تعالى في أول سورة الأنعام: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَاتِ وَٱلنُّورَ} تفسير : [الأنعام: 1] الآية. وقوله في أول سورة سبأ {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ ٱلَّذِي لَهُ مَا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ} تفسير : [سبأ: 1] الآية. وقوله تعالى في أول سورة الفاتحة: {أية : ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الفاتحة: 2] وقد قدّمنا أن قوله: ربّ العالمين بيّنه قوله تعالى: {أية : قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ} تفسير : [الشعراء: 23ـ24]. وكقوله تعالى: {أية : وَسَلاَمٌ عَلَىٰ ٱلْمُرْسَلِينَ وَٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الصافات: 181ـ182] وقوله: {أية : وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِٱلْحَقِّ وَقِيلَ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الزمر: 75]. وأما استحقاقه للحمد على خلقه بخلق السماوات والأرض، لما في ذلك من إنعامه على بني آدم فقد جاء في آيات عن كتاب الله، فقد بيّن تعالى أنه أنعم على خلقه، بأن سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض في آيات من كتابه كقوله تعالى: {أية : وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ} تفسير : [الجاثية: 13] وقوله تعالى: {أية : وَسَخَّر لَكُمُ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ دَآئِبَينَ} تفسير : [إبراهيم: 33] الآية. وقوله تعالى: {أية : وَٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ ٱلْخَلْقُ وَٱلأَمْرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ} تفسير : [الأعراف: 54] وقد قدمنا الآيات الموضحة لمعنى تسخير ما في السماوات لأهل الأرض في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ} تفسير : الآية [الحجر: 17]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: {أية : ٱللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ ٱلنَّاسِ} تفسير : [الحج: 75]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة {فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ} أي خالق السماوات والأرض، ومبدعهما على غير مثال سابق. وقال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية الكريمة: قال سفيان الثوري، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض: حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها أي بدأتها.
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 1- الثناء الجميل حق لله - وحده - موجد السموات والأرض على غير مثال سبق، جاعل الملائكة رسلاً إلى خلقه ذوى أجنحة مختلفة العدد، اثنين اثنين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا يزيد فى الخلق ما يشاء أن يزيد، لا يعجزه شئ، إن الله على كل شئ عظيم القدرة. 2- ما يرسل الله للناس رحمة - أى رحمة كانت مطرا أو نعمة أو أمنا أو حكمة - فلا أحد يحبسها عنهم، وما يحبس من ذلك فلا أحد يستطيع أن يطلقه من بعده، وهو الغالب الذى لا يغلب، الحكيم الذى لا يخطئ. 3- يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم بشكرها وتأدية حقها، وأقروا بما يقع فى نفوسكم إنه لا خالق غير الله، يرزقكم من السماء بما ترسله، والأرض بما تخرجه مما به حياتكم. لا إله إلا هو يرزق عباده، فكيف تصرفون عن توحيد خالقكم ورازقكم إلى الشرك فى عبادته؟ 4- وإن يكذبك كفار قومك فيما جئتهم به من الهدى فاصبر عليهم، فقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كُذِّبوا حتى انتصروا، وإلى الله - وحده - ترجع الأمور كلها. 5- يا أيها الناس: إن وعد الله - بالبعث والجزاء والنصر - حق فلا تخدعنكم الدنيا عن الآخرة، ولا يخدعنكم الشيطان عن اتباع الرسل، فيمنيكم بالمغفرة مع الإصرار على المعصية.
أبو بكر الجزائري
تفسير : شرح الكلمات: الحمد لله: أي قولوا الحمد لله فإنه واجب الحمد ومقتضى الحمد ما ذكر بعد. فاطر السماوات والأرض: أي خالقهما على غير مثال سابق. جاعل الملائكة رسلا: أي جعل منهم رسلا إلى الأنبياء كجبريل عليه السلام. أولي أجنحة: أي ذوي أجنحة جمع جناح كجناح الطائر. يزيد في الخلق ما يشاء: أي يزيد على الثلاثة ما يشاء فإن لجبريل ستمائة جناح. وما يمسك: أي الله من الرحمة فلا أحد يرسلها غيره سبحانه وتعالى. وهو العزيز الحكيم: أي الغالب على أمره الحكيم في تدبيره وصنعه. اذكروا نعمة الله عليكم: أي اذكروا نعمه تعالى عليكم في خلقكم ورزقكم وتأمينكم في حرمكم. هل من خالق غير الله يرزقكم: أي لا خالق لكم غير الله ولا رازق لكم يرزقكم. من السماء والأرض؟: أي بإِنزال المطر من السماء وإنبات الزروع في الأرض. لا إله إلا هو: أي لا معبود بحق إلا هو إذاً فاعبدوه ووحدوه. فأنى تؤفكون: أي كيف تصرفون عن توحيده مع اعترافكم بأنه وحده الخالق الرازق. معنى الآيات: قوله تعالى {ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي الشكر الكامل والحمد التام لله استحقاقاً، والكلام خَرَجَ مَخْرج الخبر ومعناه الإِنشاء أي قولوا الحمد لله. واشكروه كما هو أيضاً إخبار منه تعالى بأن الحمد له ولا مستحقه غيره ومقتضى حمده. فطره السماوات والأرض أي خلقه لهما على غير مثال سابق ولا نموذج حاكاه في خلقهما. وجعله الملائكة رسلاً إلى الأنبياء وإلى من يشاء من عباده بالإِلهام والرؤيا الصالحة. وقوله {أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ} صفة للملائكة أي أصحاب أجنحة مثنى أي اثنين اثنين، وثلاث أي ثلاثة ثلاثة ورباع أي أربعة أربعة. وقوله {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ} أي خلق الأجنحة ما يشاء فقد خلق لجبريل عليه السلام ستمائة جناح كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحاح ويزيد في خلق ما يشاء من مخلوقاته وهو على كل شيء قدير. وقوله تعالى {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} يخبر تعالى أن مفاتيح كل شيء بيده فما يفتحُ للناس من أرزاق وخيرات وبركات لا يمكن لأحد من خلقه أن يمسكها دونه وما يمسك من ذلك فلا يستطيع أحد من خلقه أن يرسله، وهو وحده العزيز الغالب على أمره ومراده فلا مانع لما أعطى ولا راد لما قضى الحكيم في صنعه وتدبير خلقه. وقوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} هذا نداؤه تعالى لأهل مكة من قريش يأمرهم بعده بأن يذكروا نعمه تعالى عليهم حيث خلقهم ووسع أرزاقهم وجعل لهم حرماً آمناً والناس يتخطفون من حولهم خائفون يأمرهم بذكر نعمه لأنهم إذا ذكروها شكروها بالإِيمان به وتوحيده. وقوله {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}؟ والجواب لا أحد إذ لا خالق إلا هو ولا رازق سواه فهو الذي خلقهم ومن السماء والأرض رزقهم. السماء تُمطر والأرض تنبت بأمره. إذاً فلا إله إلا هو أي لا معبود بحق إلا هو فكيف إذاً تصرفون عن الحق بعد معرفته إن حالكم لعجب. هذا ما دل علي قوله تعالى {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ}. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- وجوب حمد الله تعالى وشكره على إنعامه. 2- تقرير الرسالة والنبوة لمحمد صلى الله عليه وسلم بإخباره أنه جاعل الملائكة رسلاً. 3- وجوب اللجوء إلى الله تعالى في طلب الخير ودفع الضر فإنه بيده خزائن كل شيء. 4- وجوب ذكر النعم ليكون ذلك حافزاً على شكرها بطاعة الله ورسوله. 5- تقرير التوحيد بالأدلة العقلية التي لا ترد. 6- العجب من حال المشركين يقرون بانفراد الله تعالى بخلقهم ورزقهم ويعبدون معه غيره.
القطان
تفسير : فاطر السماوات والأرض: خالقهما، فَطَرَ الشيءَ أوجده على غير مثال. رسلا: وسائط بينه وبين انبيائه يبلّغون عنه رسالاته. مثنى وثلاث ورباع: اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة اربعة. ما يفتح الله: ما يعطي الله. انى تؤفكون: كيف تُصرفون عن توحيد الخالق، وعن الحق الى الضلال. الثناء الجميل والشكر لله تعالى، منشىء هذا الكون وما فيه من خلائق على غير مثال سابق، جاعل الملائكة رسُلا الى خلقه، ذوي اجنحة متعددة مختلفة. فهو {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} ان يزيدَ من الأعضاء، لا يعجزه شيء {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}. ولأول مرة يأتي وصف للملائكة بأنهم أشكال، لهم اجنحة متعددة. وليس هذا بغريب، فان بعض المخلوقات لها عدد من الأرجل والاشكال. وفيما نشهده ونراه اشكال لا تحصى من الخلق، وما لا نعلم اكثرُ بكثيرٍ مما نعلم، ولا نعرف إلا القليل القليل عما هو موجود في هذا الكون: {أية : وَمَآ أُوتِيتُم مِّن ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}تفسير : [الاسراء:85]. وبعد ان يقرر الله تعالى انه على كل شيء قدير - يوضح هنا ان كل شيء في هذا الكون بيده، يتصرف فيه كيف يشاء، فحين يفتح الله أبواب رحمته للناس لا يستطيع أحدٌ إغلاقها، ومتى أَمسكها فلا احد يستطيع فتحها، فمفاتيحُ الخير ومغاليقه كلها بيده سبحانه وتعالى، {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} صاحب العزة والسلطان والحكمة. روى ابن المنذر عن عامر بن عبد القيس قال: اربع آيات من كتاب الله اذا قرأتُهن فما أبالي ما أُصبح عليه وأمسي: 1 - ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل لها من بعده. 2 - وان يمسسك الله بضر فلا كاشف له الا هو، وإن يردْك بخير فلا رادّ لفضله.... يونس: 107 3 - سيجعل اللهُ بعد عسرٍ يسراً.... الطلاق 7. 4 - وما من دابةٍ في الأرض الا على الله رزقها... هود 6 وهذا يعني ان عامر بن عبد القيس كان يقرأ هذه الآيات ويستأنس بها ويعمل بها. ثم يؤكد الله تعالى في الآية الثالثة أنه الخالقُ الوحيد الذي يرزق عبادَه من السماء والارض، وانه لا اله الا هو، لذلك يجب على الناس جميعاً ان يذكروا نعمة الله عليهم ويحمدوه ويشكروه، ليحفظوا هذه النعم ويؤدوا حقها. قراءات: قرأ حمزة والكسائي: هل من خالق غير الله بجرّ غيرِ، والباقون: غير بالرفع.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلسَّمَاوَاتِ} {ٱلْمَلاَئِكَةِ} {ثُلاَثَ} {رُبَاعَ} (1) - يَحْمَدُ اللهُ تَعَالى نَفْسَهُ الكَرِيمةَ عَلَى ابْتِدَائِهِ خَلْقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ، عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ (فَاطِرِ)، فَأَبْدَعَ الخَلْقَ، وَأَحْكَمَ نَظْمَهُ وَتَدْبِيرَهُ، وَهُوَ تَعَالى الذِي جَعَلَ المَلاَئِكَةَ وُسَطَاءَ وَرُسُلاً بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْبِيَائِهِ، يُبَلِّغُونَهُمْ رِسَالاتِ رَبِّهِمْ. وَقَدْ جَعَلَ مِنَ المَلاَئِكَةِ مَنْ لَهُ جَنَاحَانِ، وَمَنْ لَهُ ثَلاَثَةُ أَجْنِحَةٍ، وَمَن لَهُ أَرْبَعَةٌ، وَمَنْ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذلِكَ، وَيَزِيدُ تَعَالى فِي خَلْقِ الأَجْنِحَةِ مَا يَشَاءُ، وَهُوَ تَعَالى قَادِرٌ عَلَى كُلِّ شَيءٍ، وَلاَ يُعْجِزُهُ شَيءٌ. فَاطِرِ - مُبْدِعِ وَمُخْتَرِعِ.
الثعلبي
تفسير : قوله عز وجل: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} يعني في أجنحة الملائكة. أخبرنا عبد الله بن حامد قال: حدّثنا ابن شاذان قال: حدّثنا جعونة بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد قال: حدثنا مسلم بن اياس عن عبد الله بن المبارك عن ليث بن سعد عن عقيل عن ابن شهاب "حديث : أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جبرائيل (عليه السلام): أن يتراءى لهُ في صورته، فقال له جبرائيل (عليه السلام). "إنك لن تطيق ذلك". قال: "إني أُحبُّ أن تفعل". فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلّى في ليلة مقمرة، فأتاه جبرائيل (عليه السلام) في صورته، فغشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه، فلما أفاق وجبرائيل (عليه السلام) مسنده واضعاً إحدى يديه على صدره والأُخرى بين كتفيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سبحان الله ما كنت أرى أنّ شيئاً من الخلق هكذا". فقال جبرائيل عليه السلام: "فكيف لو رأيت إسرافيل عليه السلام؟ إنّ له لاثني عشر جناحاً؛ جناح منها بالمشرق وجناح بالمغرب، وإنّ العرش على كاهله وإنه ليتضاءل الأحايين لعظمة الله عز وجل حتى يعود هذا الوصع والوصع عصفور صغير حتى ما يحمل عرشه إلاّ عظمته ". تفسير : وأخبرني أبو الحسن الساماني قال: أخبرني أبو حامد البلالي عن العباس بن محمد الدوري قال: أخبرني أبو عاصم النبيل عن صالح التاجي عن ابن جريج عن ابن شهاب في قول الله عز وجل: {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} قال: حسن الصورة. وأخبرني الحسين بن محمد عن أحمد بن جعفر بن حمدان عن عبد الله بن محمد بن سنان عن سلمة بن حبان عن صالح التاجي عن الهيثم القارئ قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال: أنت الهيثم الذي تزين القرآن بصوتك؟ جزاك الله خيراً، وقيل: الخطّ الحسن. أخبرنا ابن فنجويه عن ابن شيبة عن ابن زنجويه عن سلمة عن يحيى بن أحمد الفزار ويحيى ابن أكثم قالا: أخبرنا أبو اليمان عن عاصم بن مهاجر الكلاعي عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : الخط الحسن يزيد الحق وضحاً ". تفسير : وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف قال: حدّثني الحسن بن علي بن يزيد الوشاء عن علي بن سهل الرملي قال: أخبرني الوليد بن مسلم عن خليد بن دعلج عن قتادة في قول الله عز وجل: {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} قال: الملاحة في العينين. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} من الزيادة والنقصان. {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ} نعمة، {فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا}: لا يستطيع أحد حبسها {وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} فيما أمسك {ٱلْحَكِيمُ} فيما أرسل. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ}. قرأ سفيان بن سلمة وأبو جعفر وحمزة والأعمش والكسائي: {غَيْرُ} بالخفض وهو اختيار أبي عبيد. الياقوت: بالرفع. وهذه الآية حجة على القدرية؛ لأنه نفى خالقاً غيره وهم يثبتون معه خالقين كثيرين. {يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ * وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} فعزى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ * يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ}، قراءة العامة بفتح الغين، وهو الشيطان، وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حبيش قال: حدّثنا أبو القاسم بن الفضل قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا أحمد بن يزيد المقري عن محمد بن المصفى عن أبي حياة، قرأ: {وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} برفع الغين، وهي قراءة ابن السماك العدوي يدل عليه وماحدثنا. قال: أخبرناعبد الله بن حامد محمد بن خالد قال: أخبرنا داوُد بن سليمان قال: أخبرنا عبد بن حميد عن يحيى بن عبد الحميد عن ابن المبارك عن عبد الله بن عقبة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير: {وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} قال: أن يعمل المعصية ويتمنّى العفو. {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً}: فعادوه ولا تطيعوه {إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ}: أشياعه وأولياءه {لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} ليسوقهم إلى النار، فهذه عداوته ثم بيّن حال موافقيه ومخالفيه فقال عزّ من قائل: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}. قوله: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ} أي شُبّة وموّه وحُسّنَ له {سُوۤءُ}: قبح عمله وفعله {فَرَآهُ حَسَناً} زين ذلك الشيطان بالوسواس ونفسه تميله إلى الشبهة وترك النظر في الحجة المؤدية إلى الحق، والله سبحانه وتعالى يخلقه ذلك في قلبه، وجوابه محذوف مجازه: أفمن زين له سُوء عمله كمن لم يزين له سوء عمله ورأى الحق حقاً والباطل باطلاً؟ نظيره قوله: {أية : أَفَمَنْ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ}تفسير : [الرعد: 33]، وقوله {أية : أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ}تفسير : [الزمر: 9]ونحوها. وقيل: معناه: أفمن زين له سوء عمله فأضلّه الله كمن هداه؟ دليله قوله: { فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ}. وقيل: معناه تحت قوله: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ}، فيكون معناه: أفمن زُيّن له سوء عمله فأضله الله ذهبت نفسك عليه حسرة، أي تتحسف عليه؟ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وقال الحسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير، مجازه: أفمن زُيّن له سوء عمله فرآه حسناً فلا تُذهب نفسك عليهم حسرات فإنّ الله يُضلّ من يشاء ويهدي من يشاء،والحسرة: شدة الحزن على ما فات من الأمر. وقراءة العامة: (تذهَبَ نفسُك): بفتح الباء والهاء وضم السين، وقرأ أبو جعفر بضم التاء وكسر الهاء وفتح السين، ومعنى الآية: لا تغتم بكفرهم وهلاكهم إذ لم يؤمنوا، نظيره {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ}تفسير : [الكهف: 6] [الشعراء: 3]. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : تعرَّضنا للسور التي بُدئت بالحمد لله، وهي: الأنعام، والكهف، وسبأ. وهنا في فاطر، والحمد في كل منها له معنى وله مناسبة؛ لأن الإنسان احتاج إلى إيجاد من عدم، ثم وسائل إبقاء في الحياة الدنيا، ثم احتاج إلى إيجاد بعد البعث، وأيضاً وسائل إبقاء في الآخرة. فسورة الكهف تعرضت لحمد الله على المنهج {أية : ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي أَنْزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ٱلْكِتَابَ.. } تفسير : [الكهف: 1]؛ لأن المنهج هو وسيلة الاستبقاء للإنسان، فلولا أن المنهج يُبيِّن للناس الحق والباطل لتفاني الخَلْق، وما استقامتْ لهم الحياة، أما سورة سبأ فتعرضت لحمد الله على نعمه في الدنيا وفي الآخرة. وهنا في فاطر: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} [فاطر: 1]؛ فذكرتْ الحمد على وسائل الإبقاء كلها، المادي منها المتمثل في مُقوِّمات الحياة المادية، والمعنوي منها المتمثل في منهج الله. والحمد على إطلاقه لله تعالى، حتى إنْ توجه للبشر، فمردُّه إلى الله، لأنك حين تحمد البشر تحمده على شيء قدَّمه لك، هذا الشيء ليس مِنْ مِلْكه في الحقيقة، ولا من ذاته، إنما هو من فيض الله عليه، فهو مناول عن الله، وإنْ قدّم لك عملاً فإنما يقدِّمه بالطاقة التي خلقها الله فيه، وبالجوارح التي انفعلتْ بخَلْق الله فيه، إذن: فالحمد بكل صيغة راجع إلى الله تعالى. ثم يأتي بحيثية من حيثيات حَمْد الله، فيقول: {فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} [فاطر: 1] ومعنى فاطر السماوات والأرض: خلقها ومُبدعها على غير مثال سابق يُحتذى به، وهذه مسألة تستحق الحمد؛ لأن الله تعالى كرَّم الإنسان الخليفة في الأرض، فسَوَّدهُ على سائر الأجناس وكرَّمه بالعقل الذي يختار بين البدائل. وبعد ذلك بيَّن سبحانه إنْ كان خَلْق الإنسان مُعْجزاً، وإن كان هو السيد المخدوم من جميع الأجناس، فإنَّ خَلْق السماوات والأرض أكبر من خَلْق الناس وأعظم؛ لذلك لما تكلم سبحانه عن حمد الله ذكر أكبر المخلوقات وأعظمها، وهي السماوات والأرض. والسماء هي كل ما علاك، لذلك تُطلق على السحاب، فهو السماء التي ينزل منها المطر، كما قال سبحانه {أية : فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ ٱلسَّمَآءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ} تفسير : [القمر: 11] وليست هذه هي السماء المقابلة للأرض. والله تعالى يقول في خلق السماوات السبع: {أية : ٱلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ طِبَاقاً} تفسير : [الملك: 3] يعني: ليس بها فتوق أو شقوق، فكيف إذن تنزل الملائكة ومسكنهم السماء، كيف ينزلون إلى الأرض؟ قال الحق سبحانه وتعالى: {أية : تَنَزَّلُ ٱلْمَلاَئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ} تفسير : [القدر: 4]. الحق سبحانه يُقرِّب لنا وظيفة الملائكة، وأنها خاصة بالسماء صعوداً وهبوطاً، فقال في آية فاطر {جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ} [فاطر: 1] فعملهم إذن في السماء، لكن كيف يَنْفُذون من السماء، وليس بها فتوق ولا شقوق، قالوا: ينفذون؛ لأن طبيعتهم الملائكية الشفافة تسمح لهم بذلك، فالإنسان مثلاً خُلِق من طين، والطين له جِرْم ومادة لا تمكنه أنْ ينفذ من شيء. أما الجن فقد خلقه الله من النار، وللنار أيضاً جِرْم ومادة، لكن ألطف وأشفّ من الطين؛ لذلك ينفذ الجن من الأشياء المادية، بدليل أنك لو جعلتَ مثلاً تفاحة خلف جدار، فإنك لا ترى شكلها، ولا تحسُّ طعمها ولا رائحتها، لكن لو أوقدتَ ناراً خلف هذا الجدار فإنك بعد قليل تُحِسُّ بحرارتها في الجهة الأخرى، وهكذا ينفذ الجن كما تنفذ الحرارة. أما الملائكة فهي أرْقى الأجناس وأعلاها، خلقها الله من نور، وهو ألطف وأشفّ من الطين ومن النار؛ لذلك لا يحتاج النور إلى منافذ، أرأيتم مثلاً الأشعة التي تخترق الجسم وتعطينا صورة كاملة لما بداخله كالقلب أو غيره؛ هكذا الملائكة تنفذ لا يحجزها شيء. وقوله سبحانه {جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} [فاطر: 1] الملائكة جنس من المخلوقات، قال الله عنهم: {أية : بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} تفسير : [الأنبياء: 26-27] والملائكة أقسام: فمنهم العَالُون، وهم المهيَّمون في الله، ولا عملَ لهم إلا عبادته سبحانه، وهؤلاء لا يدرُونَ شيئاً عن هذا الكون، ولا صلةَ لهم به؛ لذلك لما أَبَى إبليس أنْ يسجد لآدم كما أمره الله، قال الله له: {أية : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ ٱلْعَالِينَ} تفسير : [ص: 75]. ومن الملائكة قسْم له علاقة بالإنسان، وهؤلاء هم الذين أُمِروا بالسجود لآدم، وكأن الله تعالى يقول لهم: هذا المخلوق هو الذي ستكونون في خدمته، ومنهم: المعقبات، كما قال سبحانه: {أية : لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ} تفسير : [الرعد: 11] يعني: يحفظونه حِفْظاً صادراً من أمر الله، وإلا فالملائكة لا تمنع عن الإنسان أمراً قضاه الله عليه. إذن: حِفظهم لنا حِفْظ من باطن حِفْظ الله لنا؛ لذلك يقولون مثلاً (العين عليها حارس)، ونرى مثلاً من يسقط من الطابق الثالث أو الرابع، ولا يصيبه مكروه؛ لأن الله سبَّب له أسباب النجاة، وحفظته الحفظة. ومن هؤلاء المدبرات أمراً، الذين قال الله عنهم: {أية : فَٱلْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} تفسير : [النازعات: 5] وهم الذين يُدبِّرون أمور الخَلْق بأمر الله، ومنهم الكتبة الذين يكتبون الأعمال: {أية : كِرَاماً كَاتِبِينَ} تفسير : [الانفطار: 11]. هؤلاء الملائكة جعلهم الله {رُسُلاً} [فاطر: 1] إما إلى الرسل من البشر يحملون إليهم منهج الله، وإما رسلاً منه سبحانه لمهامهم التي تتعلق بهذا الكائن الإنساني. ثم وصفهم فقال: {أُوْلِيۤ} [فاطر: 1] أصحاب {أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} [فاطر: 1] وهذا الوصف دلَّ على صلة الملائكة بالجو والسماء، ومهمة الصعود والهبوط، وهذه الأجنحة ليس لها نظام ثابت، بل منهم مَنْ له مثنى، ومَنْ له ثلاث، ومَنْ له رُبَاع، بل ويزيد الله في ذلك ما يشاء {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} [فاطر: 1]. وكأن الخالق سبحانه يقول لنا: إنْ كنتم لم تروْا إلا جناحين للطائر، فلا تتعجبوا ولا تنكروا أنْ يكون للملَك أكثر من ذلك؛ لأنه خَلْق الله الذي يزيد في الخَلْق ما يشاء، والذي له سبحانه طلاقة القدرة، فخَلْق الله ليس عملية ميكانيكية أو قوالب تُصَبُّ على شكل واحد، وخَلْق الله ليس مخبزاً آلياً يُخرِج لك الأرغفة متساوية. وتتجلى طلاقة القدرة في الخلق منذ خَلْق الإنسان الأول آدم عليه السلام، فإنْ كانت مسألة التناسل تقوم على وجود ذكر وأنثى، ومن هذه جاءت جمهرة الناس، فطلاقة القدرة تخرق هذه القاعدة في كل مراحل القسمة العقلية لها، فالله خلق آدم عليه السلام من لا أب ولا أم، وخلق حواء من أب بلا أم، وخلق عيسى عليه السلام من أم بلا أب. فما دام أن الذي يزيد في الخَلْق هو الله، فلا تتعجب ولا تُكذِّب حين تسمع الحديث النبوي، قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : رأيتُ جبريل وله ستمائة جناح" تفسير : صَدِّق؛ لأنك لستَ مسئولاً عن الكيفية، إنما عليك أنْ تُوثق الكلام: صدر من الله أو لم يصدر، صَحَّ عن رسول الله أو لم يصح، كُنْ كالصِّدِّيق لمَّا حدثوه عن الإسراء والمعراج وقالوا: إن صاحبك يقول كذا وكذا، فقال الصِّديق: "إنْ كان قال فقد صدق". لذلك، فالذين يبحثون في عِلَل الأحكام عليهم أنْ يَدَعُوا البحث فيها، ويكفي أنْ يُوثِّقوا مصدرها، فإنْ كانت من الله فعلىَّ أن أفعل لمجرد أن الله أمرني بذلك، فَعِلَّة الحكم أن الله أمر به، فهمتُ حكمته أو لم أفهم. ونرى بعض العلماء يحرصون على استنباط الحكم من كل عبادة من العبادات، فيقولون مثلاً، شرع اللهُ الصومَ ليدرك الغنيُّ ألمَ الجوع، فيعطف على الفقير، وهذا يعني أن الفقير لا يصوم، فالأقرب أنْ تقول: أصوم؛ لأن الله أمرني بالصوم. فأنت مثلاً لا تسأل الطبيب لماذا كتب لك دواء كذا وكذا، بل تترك له هذه المهمة، وما عليك إلا أنْ تتناول الدواء، ولا يسأل الطبيب، ولا يناقشه في هذه المسألة إلا طبيب مثله، لكن هل هناك مُسَاوٍ لله فيسأله: لماذا فُرِض علينا كذا أو كذا؟ فقوله سبحانه {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} [فاطر: 1] دليل على طلاقة القدرة التي لا يعجزها شيء، ومن طلاقة القدرة أنْ ترى الطويل والقصير، ولا تكاد تُفرِّق بين قامات الناس وهم جلوس؛ لأن منطقة الصدر والبطن متقاربة الطول، إنما تُفرِّق بينهم حال الوقوف؛ لأن معظم الطول في السيقان والأوراك؛ لذلك تنظر إلى رجلين وهما جالسان ترى طولهما واحداً، فإنْ قاما ظهر الفارق، وهذا يسمونه (الحبتر). من طلاقة القدرة اختلاف الخَلْق في الشكل، وفي اللون، وفي الطباع، وفي الذكاء؛ لذلك من وقت لآخر نرى طفلاً برأسين، أو بيد فيها ستة أصابع، أو دابة بخمسة أرجل، من طلاقة القدرة أن ترى هذا وسيماً معتدل الصورة، متناسق الأعضاء، كهؤلاء الذين تنطبق عليهم شروط القبول مثلاً في الكليات العسكرية أو البوليس، وترى آخر جبهته نصف وجهه، أو أنفه كذا وكذا .. إلخ، هذا جريء القلب، وهذا رعديد جبان، هذا فصيح اللسان، وهذا عَيى لا يكاد ينطق؛ لذلك يقول سبحانه {أية : وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَٱخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ..} تفسير : [الروم: 22]. من طلاقة القدرة أنه سبحانه {أية : يَهَبُ لِمَن يَشَآءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَن يَشَآءُ ٱلذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَن يَشَآءُ عَقِيماً} تفسير : [الشورى: 49-50]. من طلاقة القدرة أنْ يؤلف الله سبحانه بين الأجناس المتباعدة تآلُفَ مصلحة وانتفاع، ففي السودان مثلاً بيئة تعيش فيها التماسيح، ورغم ما عرفناه من شراستها إلا أن الله ألَّف بينها وبين الطيور، فجمعتهم مصالح مشتركة: التمساح يخرج إلى البَرِّ ثم يفتح فَاهُ، فيأتي الطائر ويدخل فم التمساح، ويُنظف له أسنانه ويتغذَّى على بقايا طعام التمساح ويخلِّصه من الفضلات، فإذا أحسَّ الطائر بقدوم الصياد صوَّت ليحذر التمساح، فتسرع إلى الماء، سبحان الله الذي خلق فسوَّى، والذي قدَّر فهدى. إنك تتعجب من طلاقة القدرة حين ترى عنق الزرافة أو الجمل، وعنق الدب مثلاً، فكُلٌّ له ما يناسبه. تذكرون أنه عندما تكلم العلماء عن الحواس، قالوا: الحواس الخمس. واحتاطوا للأمر وللزيادة فقالوا: الخمس المعروفة، وبالفعل عرفنا بعدها حواسَّ أخرى، كحاسة البَيْن التي نعرف بها مثلاً سُمك القماش، وعرفنا حاسَّة العَضل التي نعرف بها ثقل الأشياء. كما أن أعضاء الإنسان وحواسّه تؤدي مهمتها مع اختلافها من شخص لآخر، فنحن جميعاً نرى بالعين، ونسمع بالأذن، ونشُم بالأنف وهكذا، لكن ألم تسمع؛ فلان هذا يسمع دبة النملة، وروى لنا التاريخ عن شخصيات كانت ترى لمسافات بعيدة على غير المعتاد، هذا كله زيادة في الخَلْق، يختصُّ الله بها مَنْ يشاء. لذلك يقول الشاعر: شعر : سُبْحَانَ مَنْ قَسَمَ الحُظُوظَ فَلا عتَابَ ولاَ مَلاَمَه أعْمى وأَعْشى ثُمَّ ذُو بَصَرٍ وزرْقَاء اليَمَامَه تفسير : وزرقاء اليمامة يُضرب بها المثل في حِدة البصر، فيقولون: أبصر من زرقاء اليمامة. ويُلخِّص الشاعر قصة فتاة منحها الله هذه الزيادة في البصر، فقال: شعر : وَاحْكُمْ كحُكْمِ فَتَاةِ الحيِّ إذْ نظرَتْ إلى حمام شِراعٍ وَارد الثُّمَدِ قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد تفسير : وكان عندها حمامة واحدة، فتمنَّتْ أنْ ينضم هذا السرب ونصفه إلى حمامتها، وبذلك سيكون عندها مائة: شعر : فَعَدوه فَألْفَوْهُ كما حكمَتْ سِتّاً وسِتِّين لَمْ تنقُصْ ولم تزد تفسير : فتأمل هذه الفتاة تنظر إلى سِرْب الحمام وتعده، وتضيف إليه نصفه ثم تضيف حمامتها، فيكون لديها مائة حمامة، هذه قوة في البصر، وقوة في الملاحظة. كذلك حاسة الشم فيها عجائب مما يزيده الله في هذه الحاسة عند مَنْ شاء أن يزيده، والمثال الواضح لحاسة الشم وتمييز الروائح عند كلب البوليس مثلاً، وحاسة الشم قوية أيضاً عند الذين يبيعون الروائح والعطور، فأنت تقول رائحة طيبة، لكن قليل مَنْ يميز بين هذه الروائح، أما بائع الروائح فرغم امتلاء أنفه بهذه الروائح الطيبة إلا أنه لا يستطيع أن يُميِّزها فيقول لك: هذه رائحة ورد، وهذه رائحة فل، وهذه كذا، وهذه كذا، فإنْ خُلِط له عدة أنواع يقول لك: هذا مخلوط. أما سيدنا يعقوب عليه السلام فقد تميَّز في هذه الحاسة بصورة عجيبة، وتعلمون أنه ابتلي بفقد ولده يوسف - عليه السلام - حين رماه إخوته في البئر، وانتهى الأمر به إلى أنْ صار على خزائن مصر كلها، وجاءه إخوته يطلبون الميرة إلى أن أعطاهم قميصه ليجعلوه على وجه أبيه فيرتد له بصره، العجيب هنا أنه لما فصلت العير يعني: خرجت من مصر وعن حيزها السكاني لأن المنطقة السكنية تكثر الروائح فيها وتختلط، فلما خرجوا بقميص يوسف خارج المدينة، قال يعقوب عليه السلام - وهو آنذاك - بأرض فلسطين: {أية : إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ} تفسير : [يوسف: 94]، لأن في قميص يوسف شيئاً من رائحته. ومع تقدُّم العلم عرفنا أن الرائحة هي أقوى الآثار الدالة على الإنسان، وأن للرائحة بصمة كبصمة اليد أو بصمة الصوت؛ لذلك حتى في لغتنا العامية نقول (مش ح اخللي لفلان ريحه)، وكأن الرائحة هي آخر أثر يمكن أنْ يتبقَّى للإنسان في المكان. كذلك يزيد الله في الخلق مَا يشاء في حاسة الذوق، وبعض الناس حرفته وعمله أنه ذوَّاقة يذوق الطعام، ويزيد الله في الخَلْق ما يشاء في حاسة اللمس، وكلنا رأى الصراف في البنك بمجرد أنْ تلمس أصابعه العملة يعرف جَيِّدها من زائفها. كل هذه المعاني نفهمها من قوله تعالى: {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} [فاطر: 1] ثم تختم الآية بما يُطمئِن القلوب إلى هذه الطلاقة {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فاطر: 1] هذه هي العلة، يعني: لا تتعجب، فهي قدرة الله التي لا يُعجزها شيء، وشيء هذه تعد جنس الأجناس؛ لأنها تشمل من الذرَّة إلى المجرَّة، وهو سبحانه يقول للشيء كُنْ فيكون، فكأنه موجود في علم الغيب ينتظر الأمر بأن يظهر. وبعضهم قال: (يَزِيدُ في الحَلْق) بالحاء، والمراد: جمال وعذوبة الصوت؛ لأن الصوتَ وسيلةٌ لنقل خواطر المتكلم إلى السامع، وهذه يكفي لها أيُّ صوت، فإنْ كان الصوت جميلاً عَذْباً، فهذه زيادة وفضل من الله. ومن أغرب ما رواه لنا تاريخ العرب، ويُعَدُّ دليلاً على الزيادة في الخَلْق، والمواهب التي يختصُّ الله بها مَنْ يشاء ما رُوى عن نزار ابن معد بن عدنان، وقد رزقه الله أربعة من الأولاد هم: مُضَر. ومن قبيلته جاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وربيعة، وإياد، وأنمار، فلما أحسَّ نزار بدُنُوِّ أجله جمع أولاده الأربعة وقال لهم: أريد أنْ أدلَّكم على تركتكم مني قبل أن أموت: القبة الحمراء لمضر، والفرس الأسود والخباء الأسود لربيعة، والشمطاء لإياد، ومجلس القوم وندّيه لأنمار. وإنِ اختلفتم فاذهبوا إلى الأفعى الجرهمى بنجران يُفسِّر لكم كلامي. فلما مات نزار اختلف أولاده، فذهبوا إلى الأفعى الجرهمى، وهم في طريقهم إلى نجران - وكانت من أرض اليمن - رأى مُضَر في ناحية الطريق مرعىً رعَتْ فيه إبل، وفي الجانب الآخر مرعى أحسن منه لم يُمَسّ، فقال: إن الجمل الذي رعى هنا أعور. فقال ربيعة: وهو أزور يعني: أعرج. وقال أنمار: هذا الجمل أبتر يعني مقطوع الذيل. وقال إياد: وإنه لشرود. وبينما هم على هذه الحال قابلهم رجل ينشُد بعيره يقول: هل رأيتم بعيراً شرد مني؟ فقال مضر: أهو أعور؟ قال: نعم، قال: وأزور؟ قال: نعم، قال: وأبتر؟ قال: نعم، قال: وشرود؟ قال: نعم، هو شرود، وأنتم أخذتموه، فاحتكموا إلى الأفعى الجرهمى، لأنهم كانوا على مقربة من نجران، فلما سألهم قالوا: ما أخذنا الجمل. فقال: إذن كيف وصفتموه لصاحبه هذا الوصف؟ قال مُضَر: لما رأيتُه رعى جانباً دون الآخر عرفتُ أنه أعور، وقال ربيعة: لما رأيتُ أثر خُفِّه على الأرض وجدت اليُمْنى سليمة البصمة على الرمال، والأخرى غير ذلك، فعرفتُ أنه أَزْور، وقال إياد: رأيت بَعْره في مكان واحد، فعرفت أنه أبتر، ولو كان له ذيل لفرَّق بَعْره هنا وهناك، فقال أنمار: لما رأيتُه يأكل من أماكن متفرقة عرفْتُ أنه شرود. فقال الأفعى الجرهمى: خَلُّوا سبيلهم، فتلك فراسة يهبها الله لمن يشاء. ثم سألهم: مَنْ أنتم؟ فقالوا: نحن أولاد نزار بن معد بن عدنان، وقد أوصانا أبونا إذا اختلفنا أنْ نحتكم إليك، ثم قَصُّوا عليه مقالة أبيهم، فقال: القبة الحمراء التي لمضر. أعطوه كل شيء أحمر كالدنانير والنُّوق الحمر؛ لذلك سُمِّيت مضر الحمراء بعد أن صار مُضَر عَلَماً على القبيلة. وقال: والفَرَس الأدهم والخباء الأسود لربيعة يعني: أعطوه كل شيء فيه سواد، والشمطاء لإياد: أعطوه رُذَال المال و (المدعبلات) من الغنم. أما أنمار فله الفضة البيضاء والمجلس. وبعد أن فسَّر لهم وصية أبيهم أراد أنْ يكرمهم، فأمر كهرمانه أن يذبح لهم ذبيحة، ويُعد لهم طعاماً وشراباً، وعلى مائدة الطعام جلسوا يتحدثون، وهو يتأمل فراستهم، فقال ربيعة: ما رأيتُ أطيب من هذا اللحم، لولا أن أمه غُذِّيَتْ بلبن كلبة، فلما شربوا من الشراب قال مُضَر: شراب طيب لولا أنْ كَرْمته زُرِعت على قبر، ثم قال أنمار: هذا الرجل من سَرَاه القوم وهو سيد، إلا أنه ليس ابن أبيه، فقال إياد: والله ما رأينا كلاماً أحسن من كلامنا بعضنا مع بعض. ثم قام الأفعى الجرهمى واستدعى الراعي الذي ذبح لهم الشاة، وسأله: ما هذه الشاة التي ذبحتَها لنا؟ فقال له: ماتت أمها بعد ولادتها، ولم يكُنْ عندنا شياه مرضعة، فأرضعتُها من كلبة، ثم سأل كهرمانة عن الشراب فقال: هو من العنبة التي زرعْتَها على قبر أبيك، فلم يَبْق إلا أنْ يسأل عن نسبه إلى أبيه، فذهب إلى أمه وقال لها: يا أمي، أخبريني مَنْ أنا؟ ومَنْ أبي؟ فأحسَّتْ الأم أنه سمع شيئاً فقالت له: لقد كان أبوك مَلِكاً مطاعاً، وذا نعمة ومال، إلا أنه لم ينجب، فخشيتُ أنْ يذهب هذا الملْك وهذا المال إلى غيره، فحدث ما حدث. عندها عاد إلى ضيفانه وقال لهم: لم تعودوا فى حاجة إليَّ، وإنما يصبح الناس جميعاً في حاجة إليكم. فإنْ سألتَ الآن: وكيف عرف هؤلاء ما عرفوا؟ نقول: إنها فراسة وقوة وملاحظة تدخل تحت هذه الآية {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} [فاطر: 1]. ثم يقول الحق سبحانه: {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ}.
الصابوني
تفسير : اللغَة: {فَاطِرِ} الفاطر: الخالق، وأصل الفطر الشَّق يقال: فطره فانفطر أي انشق ومنه {أية : السَّمَآءُ مُنفَطِرٌ بِهِ}تفسير : [المزمل: 18] وفطر اللهُ الخلق: خلقهم وبرأهم {تُؤْفَكُونَ} تُصرفون من الإِفك بمعنى الكذب سمي إِفكاً لأنه مصروف عن الحق والصواب {حَسَرَاتٍ} جمع حسرة وهي الغم الذي يلحق النفس على فوات الأمر، وفي المختار: الحسرةُ أشدُّ التلهف على الشيء الفاقد {ٱلنُّشُورُ} مصدر نشر الميت إذا حيي قال الأعشى: شعر : حتى يقول الناس ممَّا رأوا يا عجباً للميّت الناشر تفسير : {يَبُورُ} يهلك يقال: بار يبور أي هلك وبطل، والبوار: الهلاك {فُرَاتٌ} حلو شديد الحلاوة {أُجَاجٌ} شديد الملوحة قال في القاموس: أجَّ الماء أُجوجاً إذا اشتدت ملوحته {قِطْمِيرٍ} القمطير: القشرة الرقيقة البيضاء التي بين التمرة والنواة. التفسِير: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي الثناء الكامل، والذكر الحسن، مع التعظيم والتبجيل لله جلَّ وعلا، خالق السماوات والأرض ومنشئها ومخترعها من غير مثالٍ سبق، قال البيضاوي: {فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} أي مبدعهما وموجدهما على غير مثال {جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} أي جاعل الملائكة وسائط بين الله وأنبيائه لتبليغهم أوامر الله، قال ابن الجوزي: يرسلهم إلى الأنبياء وإِلى ما شاء من الأمور {أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} أي أصحاب أجنحة، قال قتادة: بعضهم له جناحان وبعضهم له ثلاثة، وبعضهم له أربعة، ينزلون بها من السماء إلى الأرض، ويعرجون بها إلى السماء {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} اي يزيد في خلق الملائكة كيف يشاء، من ضخامة الأجسام، وتفاوت الأشكال، وتعدد الأجنحة، وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل ليلة الإِسراء وله ستمائة جناح، بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب وقال قتادة: {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} الملاحةُ في العينين، والحسنُ في الأنف، والحلاوة في الفم {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي هو تعالى قادر على ما يريد، له الأمر والقوة والسلطان، لا يمتنع عليه فعل شيءٍ أراده، ولا يتأبى عليه خلق شيء أراده، وصف تعالى نفسه في هذه الآيات بصفتين جليلتين تحمل كل منهما صفة القدرة وكمال الإِنعام الأولى: أنه فاطر السماوات والأرض أي خالقهما ومبدعهما من غير مثالٍ يحتذيه، ولا قانون ينتحية، وفي ذلك دلالة على كمال قدرته، وشمول نعمته، فهو الذي رفع السماء بغير عمد، وجعلها مستويةً من غير أوَد، وزينها بالكواكب والنجوم، وهو الذي بسط الأرض، وأودعها الأرزاق والأقوات، وبثَّ فيها البحار والأنهار، وفجَّر فيها العيون والآبار، إلى غير ما هنالك من آثار قدرته العظيمة، وآثار صنعته البديعة، وعبَّر عن ذلك كله بقوله: {فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} والثانية: اختيار الملائكة ليكونوا رسلاًَ بينه وبين أنبيائه، وقد أشار إلى طرفٍ من عظمته وكمال قدرته جل وعلا بأن خلق الملائكة بأشكال عجيبة، وصور غريبة، وأجنحة عديدة، فمنهم من له جناحان ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له ستمائة جناح، ما بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب، كما هو وصف جبريل عليه السلام، ومنهم من لا يعلم حقيقة خِلقته وضخامة صورته إلا الله جل وعلا، فقد روى الزهري أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "يا محمد كيف لو رأيت إسرافيل! إنَّ له لاثنيْ عشر ألف جناح، منها جناح بالمشرق وجناح بالمغرب، وإِن العرش لعلى كاهله" ولو كشف لنا الحجاب لرأينا العجب العجاب، فسبحان الله ما أعظم خلقه، وما أبدع صنعه!! ثم بيَّن تعالى نفاذ مشيئته، ونفوذ أمره في هذا العالم الذي فطره ومن فيه، وأخضعه لإِرادته وتصرفه فقال: {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} أيْ أيُّ شيء يمنحه الله لعباده ويتفضل به عليهم من خزائن رحمته، من نعمةٍ، وصحةٍ، وأمنٍ، وعلمٍ، وحكمةٍ، ورزقٍ، وإِرسال رسلٍ لهداية الخلق، وغير ذلك من صنوف نعمائه التي لا يحيط بها عدٌّ، فلا يقدر أحدٌ على إِمساكه وحرمان خلق الله منه، فهو الملك الوهاب الذي لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع {وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ} أيْ وأيُّ شيء يمسكه ويحبسه عن خلقه من خيري الدنيا والآخرة، فلا أحد يقدر على منحه للعباد بعد أن أمسكه جلا علا {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} أي هو تعالى الغالب على كل شيء، الحكيم في صنعه، الذي يفعل ما يريد على مقتضى الحكمة والمصلحة، قال المفسرون: والفتحُ والإِمساك عبارة عن العطاء والمنع، فهو الذي يضر وينفع، ويعطي ويمنع، وفي الحديث: "حديث : أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد"تفسير : ثم ذكَّرهم تعالى بنعمه الجليلة عليهم فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} أي اشكروا ربكم على نعمه التي لا تُعدُّ ولا تُحْصى التي أنعم بها عليكم، قال الزمخشري: ليس المراد بذكر النعمة ذكرها باللسان فقط، ولكن المراد حفظها من الكفران، وشكرها بمعرفة حقها، والاعتراف بها، وإِطاعة موليها، ومنه قول الرجل لمن أنعم عليه: أذكرْ أياديَّ عندك {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ} استفهام إِنكاري بمعنى النفي أي لا خالق غيره تعالى، لا ما تعبدون من الأصنام {يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} أي حال كونه تعالى هو المنعم على العباد بالرزق والعطاء، فهو الذي ينزل المطر من السماء، ويخرج النبات من الأرض، فكيف تشركون معه ما لا يخلق ولا يرزق من الأوثان والأصنام؟ ولهذا قال تعالى بعده {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} أي لا ربَّ ولا معبود إلا اللهُ الواحد الأحد {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} أي فكيف تُصرفون بعد هذا البيان، ووضوح البرهان، إلى عبادة الأوثان؟ والغرض: تذكير الناس بنعم الله، وإِقامة الحجة على المشركين، قال ابن كثير: نبه تعالى عباده وأرشدهم إلى الاستدلال على توحيده، بوجوب إِفراد العبادة له، فكما أنه المستقل بالخلق والرزق، فكذلك يجب أن يُفرد بالعبادة، ولا يُشرك به غيره من الأصنام والأوثان {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على تكذيب قومه له والمعنى: وإن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون فلا تحزن لتكذيبهم، فهذه سنة الله في الأنبياء من قبلك، فقد كُذّبوا وأُوذوا حتى أتاهم نصرنا، فلك بهم أسوة، ولا بدَّ أن ينصرك الله عليهم {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} أي إلى الله تعالى وحده مرجع أمرك وأمرهم، وسيجازي كلاً بعمله، وفيه وعيد وتهديد للمكذبين. ثم ذكَّرهم تعالى بذلك الموعد المحقَّق فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي إِن وعده لكم بالبعث والجزاء حقٌّ ثابتٌ لا محالة لا خُلف فيه {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} أي فلا تلهكم الحياة الدنيا بزخرفها ونعيمها عن الحياة الآخرة، قال ابن كثير: أي لا تتلهَّوا عن تلك الحياة الباقية، بهذه الزهرة الفانية {وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} أي ولا يخدعنكم الشيطان المبالغ في الغرور فيطمعكم في عفو الله وكرمه، ويمنيكم بالمغفرة مع الإِصرار على المعاصي. ثم بيَّن تعالى عداوة الشيطان للإِنسان فقال: {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} أي إِن الشيطان لكم أيها الناس عدوٌ لدود، وعداوته قديمة لا تكاد تزول فعادوه كما عاداكم ولا تطيعوه، وكونوا على حذرٍ منه قال بعض العارفين: يا عجباً لمن عصى المحسن بعد معرفته بإِحسانه، وأطاع اللعين بعد معرفته بعداوته {إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} أي إِنما غرضه أن يقذف بأتباعه في نار جهنم المستعرة التي تشوي الوجوه والجلود، لا غرض له إلا هذا، فهل يليق بالعاقل أن يستجيب لنداء الشيطان اللعين؟ قال الطبري: أي إنما يدعو شيعته ليكونوا من المخلدين في نار جهنم التي تتوقد على أهلها {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أي الذين جحدوا بالله ورسله لهم عذاب دائم شديد لا يُقادر قدره، ولا يوصف هولُه {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} أي جمعوا بين الإِيمان والعمل الصالح {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} أي لهم عند ربهم مغفرةٌ لذنوبهم، وأجر كبير وهو الجنة، وإِنما قرن الإِيمان بالعمل الصالح ليشير إِلى أنهما لا يفترقان، فالإِيمان تصديقٌ، وقول، وعمل {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً} الاستفهام للإِنكار وجوابه محذوف والتقدير أفمن زيَّن له الشيطان عمله السيء حتى رآه حسناً واستحسن ما هو عليه من الكفر والضلال، كمن استقبحه واجتنبه واختار طريق الإِيمان؟ ودلَّ على هذا الحذف قوله تعالى {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} أي الكلُّ بمشيئة الله، فهو تعالى الذي يصرف من يشاء عن طريق الهدى، ويهدي من يشاء بتوفيقه للعمل الصالح والإِيمان {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} أي فلا تغتمَّ يا محمد ولا تُهلك نفسك حسرةً على تركهم الإِيمان {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} أي هو جل وعلا العالم بما يصنع هؤلاء من القبائح ومجازيهم عليها، وفيه وعيد لهم بالعقاب على سوء صنيعهم {وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ} أي والله تعالى بقدرته هو الذي أرسل الرياح مبشرة بنزول المطر {فَتُثِيرُ سَحَاباً} أي فحركت السحاب وأهاجته، والتعبيرُ بالمضارع عن الماضي {فَتُثِيرُ} لاستحضار تلك الصورة البديعة، الدالة على كمال القدرة والحكمة {فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ} أي فسقنا السحاب الذي يحمل الغيث إلى بلدٍ مجدب قاحل {فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} فيه حذفٌ تقديره فأنزلنا به الماء فأحيينا به الأرض بعد جدبها ويبسها {كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ} أي كما أحيا الله الأرض الميتة بالماء، كذلك يحيي الموتى من قبورهم، روى الإِمام أحمد عن أبي رُزين العقيلي قال حديث : قلت يا رسول الله: كيف يُحْيِي اللهُ الموتى؟ وما آيةُ ذلك في خلقه؟ فقال: "أما مررتَ بوادي أهلك مُمْحلاً، ثم مررتَ به يهتز خضراً؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: فكذلك يُحْيِي اللهُ الموتى، وتلك آيتهُ في خلقه""تفسير : قال ابن كثير: كثيراً ما يستدل تعالى على المعاد بإِحيائه الأرض بعد موتها، فإِن الأرض تكون ميتة هامدة لا نبات فيها، فإِذا أرسل الله إِليها السحاب تحمل الماء وأنزله عليها{أية : ٱهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}تفسير : [الحج: 5] كذلك الأجساد إِذا أراد الله بعثها ونشورها، ثمَّ نبَّه تعالى عباده إِلى السبيل الذي تُنال به العزة فقال {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً} أي من كان يطلب العزة الكاملة، والسعادة الشاملة، فليطلبها من الله تعالى وحده، فإن العزة كلَّها لله جلَّ وعلا قال بعض العارفين : من أراد عزَّ الدارين فليطع العزيز {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ} أي إليه جلَّ وعلا يرتفع كل كلام طيب من ذكر، ودعاءٍ، وتلاوة قرآن، وتسبيح وتمجيد ونحوه قال الطبري: إلى الله يصعد ذكرُ العبد إيَّاه وثناؤه عليه {وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} أي والعمل الصالح يتقبله الله تعالى ويثيب صاحبه عليه قال قتادة: لا يقبل الله قولاً إلاَّ بعمل، من قال وأحسن العمل قبل الله منه، نقله الطبري {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ ٱلسَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} هذا بيانٌ للكلم الخبيث بعد بيان حال الكلام الطيب أي والذين يحتالون بالمكر والخديعة لإِطفاء نور الله، والكيد للإِسلام والمسلمين، لهم في الآخرة عذاب شديد في نار جهنم {وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ} أي ومكر أولئك المجرمين هالكٌ وباطل، لأنه ما أسرَّ أحد سوءاً ودبَّره إلا أبداه الله وأظهره {أية : وَلاَ يَحِيقُ ٱلْمَكْرُ ٱلسَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ}تفسير : [فاطر: 43] قال المفسرون: والإِشارة هنا إلى مكر قريشٍ برسول الله صلى الله عليه وسلم حين اجتمعوا في دار الندوة وأرادوا أن يقتلوه، أو يحبسوه، أو يخرجوه كما حكى القرآن الكريم {أية : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ}تفسير : [الأَنفال: 30] ثم ذكَّرهم تعالى بدلائل التوحيد والبعث، بعد أن ذكَّرهم بآيات قدرته وعزته فقال {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ} أي خلق أصلكم وهو آدم من تراب {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} أي ثم خلق ذريته من ماءٍ مهين وهو المنيُّ الذي يُصبُّ في الرحم {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً} أي خلقكم ذكوراً وإِناثاً، وزوَّج بعضكم من بعضٍ ليتم البقاء في الدنيا إلى انقضائها قال الطبري: أي زوَّج منهم الأنثى من الذكر {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} أي وما تحمل أنثى في بطنها من جنين، ولا تلد إِلاَّ بعلمه تعالى، يعلم أذكر هو أو أُنثى، ويعلم أطوار هذا الجنين في بطن أمه، لا يخفى عليه شيء من أحواله {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كِتَابٍ} أي وما يطول عُمر أحدٍ من الخلق فيصبح هرماً، ولا يُنقص من عُمر أحد فيموت وهو صغير أو شاب إلا وهو مسجَّل في اللوح المحفوظ، لا يُزاد فيما كتب الله ولا يُنقص {إِنَّ ذَلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ} أي سهلٌ هيّن، لأن الله قد أحاط بكل شيء علماً، ثم ضرب تعالى مثلاً للمؤمن والكافر فقال: {وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ} أي وما يستوي ماء البحر وماء النهر {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ} أي هذا ماء حلوٌ شديد الحلاوة يكسر وهج العطش، ويسهل انحداره في الحلق لعذوبته {وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} أي وهذا ماءٌ شديد الملوحة، يُحرق حلق الشارب لمرارته وشدة ملوحته، فكما لا يتساوى البحران: العذبُ، والملح، فكذلك لا يتساوى المؤمن مع الكافر، ولا البرُّ مع الفاجر، قال أبو السعود: هذا مثلٌ ضُرب للمؤمن والكافر، والفراتُ الذي يكسر العطش، والسائغ الذي يسهل انحداره لعذوبته، والأُجاج الذي يُحرق بملوحته {وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً} أي وما كل واحدٍ منهما تأكلون سمكاً غضاً طرياً، مختلف الأنواع والطعوم والأشكال {وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا} أي وتستخرجون منهما اللؤلؤ والمرجان للزينة والتحلي {وَتَرَى ٱلْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ} أي وترى أيها المخاطب السفن العظيمة، تمخرُ عُباب البحر مقبلة ومدبرة، تحمل على ظهرها الأثقال والبضائع والرجال، وهي لا تغرق فيه لأنها بتسخير الله جل وعلا {لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ} أي لتطلبوا بركوبكم هذه السفن العظيمة من فضل الله بأنواع التجارات، والسفر إلى البلدان البعيدة في مدة قريبة {وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} أي ولكي تشكروا ربكم على إنعامه وإِفضاله في تسخيره ذلك لكم، ثم انتقل إلى آية آخرى من آيات قدرته وسلطانه في الآفاق فقال {يُولِجُ ٱلْلَّيْلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلْلَّيْلِ} أي يدخل الليلَ في النهار، ويدخل النهار في الليل، فيضيف من هذا إلى هذا وبالعكس، فيتفاوت بذلك طول الليل والنهار بالزيادة والنقصان، حسب الفصول والأمصار، حتى يصل النهار صيفاً - في بعض البلدان - إلى ستة عشرة ساعة، وينقص الليل حتى يصل إلى ثمان ساعات - آيةٌ من آيات الله تُشاهد لا يستطيع إِنكارها جاحد أو مؤمن، ويحس بآثارها الأعمى والبصير.. آيةٌ شاهدة على قدرة الله، ودقة تصرفه في خلقه، وهذه الظاهرة الكونية دستور لا يتغيَّر، ونظام محكم لا يأتي بطريق الصدفة، وإِنما هو من صنع الله الذي أتقن كل شيء خلقه، فسبحان المدبر الحكيم العليم!! {وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى} أي ذلَّلهما لمصالح العباد، كل منهما يسير ويدور في مداره الذي قدَّره الله له لا يتعداه، إِلى أجلٍ معلوم هو يوم القيامة {ذَلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ ٱلْمُلْكُ} أي ذلكم الفاعل لهذه الأمور البديعة، هو ربكم العظيم الشأن، الذي له المُلك والسلطان والتصرف الكامل في الخلق {وَٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} أي والذين تعبدون من دون الله من الأوثان والأصنام لا يملكون شيئاً ولو بمقدار القطمير، وهو القشرة الرقيقة التي بين التمرة والنواة قال المفسرون: وهو مثلٌ يضرب في القلة والحقارة، والأصنامُ لضعفها، وَهَوان شأنها وعجزها عن أي تصرف صارت مضرب المثل في حقارتها بأنها لا تملك فتيلاً ولا قطميراً، ثم أكد تعالى ذلك بقوله: {إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُواْ دُعَآءَكُمْ} أي إن دعوتم هذه الأصنام لم يسمعوا دعاءكم ولم يستجيبوا لندائكم، لأنها جمادات لا تسمع ولا تفهم {وَلَوْ سَمِعُواْ مَا ٱسْتَجَابُواْ لَكُمْ} أي ولو سمعوا لدعائكم - على الفرض والتسليم - ما استجابوا لكم لأنها ليست ناطقة فتجيب {وَيَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِـكُمْ} أي وفي الآخرة حين ينطقهم الله يتبرءون منكم ومن عبادتكم إياهم {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} أي ولا يخبرك يا محمد على وجه اليقين أحدٌ إلا أنا - الله - الخالق العليم الخبير، قال قتادة: يعني نفسه عز وجل. البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البيان نوجزها فيما يلي: 1- الاستعارة التمثيلية {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} شبَّه فيه إِرسال النعم بفتح الخزائن للإِعطاء وكذلك حبس النعم بالإِمساك، واستعير الفتح للإِطلاق والإِمساك للمنع. 2- الطباق بين {يَفْتَحِ ..و.. يُمْسِكْ} وكذلك بين {يُضِلُّ ..و.. يَهْدِي} وبين {تَحْمِلُ ..و.. تَضَعُ} وبين {يُعَمَّرُ ..و.. يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ}. 3- المقابلة بين جزاء الأبرار والفجار {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ .. وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} وكذلك بين قوله {هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ .. وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ} وكل من الطباق والمقابلة من المحسنات البديعية إلا أن الأول يكون بين شيئين والثاني بين أكثر. 4- حذف الجواب لدلالة اللفظ عليه {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ}؟ حذف منه ما يقابله أي كمن لم يُزين له سوء عمله؟ ودّل على هذا المحذوف قوله {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ}. 5- الإِطناب بتكرار الفعل {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} ثم قال {وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ}. 6- الكناية {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} كناية عن الهلاك لأن النفس إذا ذهبت هلك الإِنسان. 7- الالتفات من الغيبة إلى التكلم للإِشعار بالعظمة {أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ}. 8- السجع لما له من وقع حسن على السمع مثل {لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} وأمثال ذلك وهو من المحسنات البديعية.
زيد بن علي
تفسير : حدّثنا أبو جعفر. قال: حدّثنا علي بن أحمد. قال: حدّثنا عطاء بن السائب عن أبي خالد عن زيد بن علي عليهما السَّلامُ في قولهِ: {ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} معناه مُبتدئُ خَلقهَا. وقوله تعالى: {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} معناه يزيد في الأجنحةِ. وقال في حُسنِ الصَّوتِ.
الأندلسي
تفسير : {بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ} هذه السورة مكية بلا خلاف ولما ذكر تعالى في آخر السورة التي قبلها هلاك المشركين وأنزلهم منازل العذاب تعين على المؤمنين حمده تعالى وشكره لنعمائه ومعنى رسلاً بالوحي وغيره من أوامره ولا يريد جمع الملائكة لأنهم ليسوا كلهم رسلاً فمن الرسل جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام والملائكة المتعاقبون والملائكة المسددون حكام العدل وغيرهم كالملك الذي أرسله الله تعالى إلى الأعمى والأبرص والأقرع وأجنحة جمع جناح وتقدم الكلام على مثنى وثلاث ورباع في النساء. {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} تقرير لما يقع في النفوس من التعجب والاستغراب من خبر الملائكة أولي الأجنحة أي ليس هذا ببدع في قدرة الله تعالى فإِنه يزيد في خلقه ما يشاء. {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ} الفتح والإِرسال استعارة للإِطلاق. {فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ} مكان لا فاتح له والمعين أي شىء يطلق الله من رحمته أي من نعمه رزق أو مطر أو غير ذلك من صنوف نعمائه التي لا يحاط بعددها والعموم مفهوم من إسم الشرط ومن رحمة لبيان ذلك العام من أي صنف هو وهو مما اجتزىء فيه بالكرة المفردة على الجمع المعرف المطابق في العموم لإِسم الشرط وتقديره من الرحمات ومن في موضع الحال أي كائناً من الرحمات ولا يكون في موضع الصفة لأن إسم الشرط لا يوصف والظاهر أن قوله: وما يمسك عام في الرحمة وفي غيرها لأنه لم يذكر له تبين فهو باق على العموم في كل ما يمسك فإِن كان تفسيره من رحمة وحذفت لدلالة الأول عليه فيكون تذكير الضمير في فلا مرسل له من بعده حملاً على لفظ ما وأنث في فلا ممسك لها حملاً على معنى ما لأن معناها الرحمة وقرىء: فلا مرسل لها بتأنيث العجز وهو دليل على أن التفسير هو من رحمة وحذف لدلالة ما قبله عليه. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} خطاب لقريش وهو متجه لكل مؤمن وكافر ثم استفهم على جهة التقرير. {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ} أي فلا إله إلا الخالق لا ما تعبدون أنتم من الأصنام وقرىء: غير بالخفض نعتاً على اللفظ وغير بالرفع نعتاً على الموضع ومن زائدة. وخالق مبتدأ وخبره محذوف لدلالة المعنى تقديره لكم. {وَإِن يُكَذِّبُوكَ} تقدم الكلام عليه. {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} شامل لجميع ما وعد من ثواب وعقاب وغير ذلك. {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ} تقدم الكلام عليه في لقمان. {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ} عداوته سبقت لأبينا آدم عليه السلام. و{لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} اللام فيه للتعليل فدعاؤه حزبه ليشتركوا معه في النار ولتظهر ثمرة إغوائه ثم اتبع حزبه بما أعد لهم من العذاب وذكر بعد ذلك ما أعد لأهل الإِيمان ليظهر التباين بين الفريقين. {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ} من مبتدأ موصول بمعنى الذي وخبره محذوف تقديره كمن لم يزين له سوء عمله. {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ} تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم. {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} الحسرة هم النفس على فوات أمر وانتصب حسرات على أنه مفعول من أجله أي فلا تهلك نفسك للحسرات وعليهم متعلق بتذهب كما تقول هلك عليه حباً ومات عليه حزناً وهو بيان للمتحسر عليه ولا يتعلق بحسرات لأنه مصدر فلا يتقدم عليه. {وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ} الآية لما ذكر أشياء من الأمور السماوية وإرسال الملائكة ذكر أشياء من الأمور الأرضية الرياح وإرسالها وفي هذا احتجاج على منكري البعث ودلهم على المثال الذي يعاينوه وهو وإحياء الموتى سيان وفي الحديث حديث : أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يحيي الله الموتى وما آية ذلك في خلقه فقال: هل مررت بوادي أهلك محلاً ثم مررت به يهتز خضراً فقالوا: نعم فقال: كذلك يحيي الله الموتى وتلك آيته في خلقهتفسير : . والكلم الطيب التوحيد والتحميد وذكر الله ونحو ذلك وصعود الكلم إليه تعالى مجاز في الفاعل وفي المنتهى إليه لأنه تعالى ليس في جهة ولأن الكلم ألفاظ لا توصف بالصعود لأن الصعود إنما يكون من الإِجرام وإنما ذلك كناية عن القبول ووصفه بالكمال كما يقال علا كعبه وارتفع شأنه ومنه ترافعوا إلى الحاكم ورفع الأمر إليه وليس هناك علو في الجهة ومكر لازم والسيئات نعت لمصدر محذوف أي المكرات السيئات أو لمضاف إلى المصدر أي أصناف المكر السيئات أو ضمن يمكرون معنى يكتسبون فنصب السيئآت مفعولاً به وإذا كانت السيئات نعتاً لمصدر أو لمضاف للمصدر فالظاهر أنه عني به مكرات قريش في دار الندوة إذ تذاكروا إحدى ثلاث مكرات وهي المذكورة في الأنفال إثباته أو قتله أو إخراجه. و{أُوْلَئِكَ} إشارة إلى الذين مكروا تلك المكرات. {يَبُورُ} أي يفسد ويهلك ويكسدون مكر الله تعالى بهم إذ أخرجهم من مكة وقتلهم وأثبتهم في قليب بدر فجمع عليهم مكراتهم جميعاً وحقق فيهم قوله: {أية : وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ} تفسير : [الأنفال: 30] ومن في من معمر زائدة وسماه بما يؤل إليه وهو الطويل العمر والظاهر أن الضمير في من عمره عائد على معمر لفظاً ومعنى. قال الزمخشري: ويجوز في حكم الإِعراب إيقاع إسم الله صفة لإِسم الإِشارة أو عطف بيان. وربكم خبر لولا أن المعنى يأباه "انتهى". أما كونه صفة فلا يجوز لأن الله علم والعلم لا يوصف به وليس إسم جنس كرجل فتتخيل فيه الصفة وأما قوله لولا أن المعنى يأباه المعنى لأنه يكون قد أخبر بأن المشار إليه بتلك الصفات والأفعال المذكورة ربكم أي مالككم ومصلحكم وهذا معنى لائق سائغ والقطمير هو القمع الذي في رأس التمرة وقال مجاهد: لناقة النواة وقيل غير ذلك. {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} الخبير هنا أراد به تعالى نفسه فهو الخبير الصادق الخبر بنا بهذا فلا شك في وقوعه. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ أَنتُمُ ٱلْفُقَرَآءُ إِلَى ٱللَّهِ} هذه آية موعظة وتذكير وإن جميع الناس محتاجون إلى إحسان الله تعالى وإنعامه في جميع أحوالهم. {إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُـمْ} تقدم الكلام عليه وعلى ولا تزر وازرة. {وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ} أي نفس مثقلة يحملها. {إِلَىٰ حِمْلِهَا} أي إلى حمل حملها. {لاَ يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ} أي لا غياث يومئذٍ لمن استغاث ولا إعانة حتى أن نفساً قد أثقلتها الأوزار لو دعت أن يخفف عنها بعض وزرها لم تجب لذلك وإن كان المدعو بعض قرابتها من أب أو ولد أو أخ فالآية قبلها في الدلالة على عدل الله تعالى في حكمه وأنه لا يؤاخذ نفساً بغير ذنبها وهذه في نفي الإِغاثة والحمل ما كان على الظهر من الإِجرام فاستعير للمعاني كالذنوب ونحوها فيجعل كل محمول متصلاً بالظهر كقوله تعالى: {أية : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَىٰ ظُهُورِهِمْ}تفسير : [الأنعام: 31] كما جعل كل اكتساب منسوباً إلى اليد واسم كان ضمير يعود على المدعو والمفهوم: من قوله: وان تدع. {وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ} الآية قال أبو عبد الله الرازي: وترتيب هذه المنفي عنها الإِستواء في غاية الفصاحة ذكر الأعمى والبصير مثلاً للمؤمن والكافر ثم البصير ولو كان حديد النظر لا يبصر إلا في ضوء فذكر ما هو فيه الكافر من ظلمة الكفر وما هو فيه المؤمن من نور الإِيمان ثم ذكر مآلها وهو أن المؤمن بإِيمانه في ظل وراحة والكافر بكفره في حر وتعب ثم ذكر مثلاً آخر في حق المؤمن والكافر وذلك أن حال المؤمن والكافر فوق حال الأعمى والبصير إذ الأعمى قد يشارك البصير في إدراك مّا والكافر غير مدرك إدراكاً نافعاً فهو كالميت ولذلك أعاد الفعل فقال: وما يستوي الأحياء ولا الأموات كان جعله مقام سؤال وكرر لا فيما كرر لتأكيد المنافاة فالظلمات تنافي النور وتضاده والظل والحرور كذلك والأعمى والبصير ليسا كذلك لأن الشخص الواحد قد يكون بصيراً ثم يعرض له العمى فلا منافاة إلا من حيث الوصف والمنافاة بين الظل والحرور دائمة لأن المراد من الظل عدم الحر والبرد فلما كانت المنافاة أتم أكد بالتكرار وأما الأحياء والأموات من حيث أن الجسم الواحد يكون محلاً للحياة فيصير للموت فالمنافاة بينهما إثم من المنافاة بين الأعمى والبصير لأن هذين قد يشتركان في إدراك ما ولا كذلك الحي والميت فالميت يخالف الحي في الحقيقة لا في الوصف على ما تبين في الحكمة الإِلهية وقدم الأشرف في مثلين وهو الظل والحي وآخر في مثلين وهما البصير والنور فلا يقال لأجل السجع لأن معجزة القرآن ليست في مجرد اللفظ بل فيه وفي المعنى ثم لا ذكر المثال والمرجع قدم ما يتعلق بالرحمة على ما يتعلق بالغضب كما جاء سبقت رحمتي غضبي فقدم الظل على الحرور ثم ان الكافر المصر بعد البعثة صار أضل من الأعمى وشابه الأموات في عدم إدراك الحق فقال: وما يستوي الأحياء وهم الذين آمنوا أي بما أنزل الله ولا الأموات الذين تليت عليهم الآيات البينات ولم ينتفعوا بها وهؤلاء كانوا بعد إيمان من آمن فأخرهم لوجود حياة المؤمنين قبل ممات الكافرين وأفرد الأعمى والبصير لأنه قابل الجنس بالجنس إذ قد يوجد في أفراد العميان ما يساوي به بعض أفراد البصراء كأعمى عنده من الذكاء ما يساوي به البصير البليد فالتفاوت بين الجنسين مقطوع به لا بين الأفراد وجمعت الظلمات لأن طرق الكفر متعددة وأفرد النور لأن التوحيد والحق واحد والتفاوت بين كل فرد من تلك الأفراد وبين هذا الواحد فقال: الظلمات كلها لا تجد فيهما ما يساوي هذا النور وأما الأحياء والأموات فالتفاوت بينهما أكبر إذ ما ميت يساوي في الإِدراك حياً فذكر أن الأحياء لا يساوون الأموات سواء قابلت الجنس بالجنس أم قابلت الفرد بالفرد إنتهى كلامه ثم سلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: {إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ} أي إسماع هؤلاء منوط بمشيئتنا وكني بالاسماع عن الذي تكون عنده الإِجابة للإِيمان ولما ذكر أنه ما يستوي الأحياء ولا الأموات قال: {وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ} أي هؤلاء من عدم إصغائهم إلى سماع الحق بمنزلة من قد ماتوا وأقاموا في قبورهم فكما ان من مات لا يمكن أن يقبل منه قول الحق فكذلك هؤلاء لأنهم أموات القلوب. {وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ} المعنى ان الدعاء إلى الله تعالى لم ينقطع عن كل أمة اما بمباشرة من أنبيائهم وإما بنقل إلى وقت بعثة محمد صلى الله عليه وسلم. {وَإِن يُكَذِّبُوكَ} مسلاة له عليه السلام وتقدم الكلام عليه. {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} توعد لقريش بما جرى لمكذبي رسلهم. {أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً} الآية لما قرر تعالى وحدانيته بأدلة قربها وأمثال ضربها أتبعها بأدلة سماوية وأرضية فقال: {أَلَمْ تَرَ}. وجدد جمع جدة كدرة ودرر وهو الطريق الواضح المبين وضعه موضع الطرائق والخطوط الواضحة المنفصل بعضها بعضاً من بعض. وقال مختلف ألوانها لأن البياض والحمرة تتفاوت بالشدة والضعف فأبيض لا يشبه أبيض وأحمر لا يشبه أحمر وإن اشتركا في القدر المشترك لكنه مشكك والظاهر عطف وغرابيب على حمر عطف ذي لون والظاهر أنه لما ذكر الغربيب وهو الشديد السواد لم يذكر فيه مختلف ألوانه لأنه من حيث جعله شديد السواد وهو البالغ في غاية السواد لم يكن له ألوان بل هذا لون واحد بخلاف البيض والحمر فإِنها تختلف والظاهر أن قوله: بيض وحمر ليسا مجموعين في جدة واحدة بل المعنى جدد بيض وجدد حمر وجدد غرابيب ويقال أسود حلكوك وأسود غربيب وسود توكيد الغرابيب. {وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ} عموم بعد خصوص. {وَٱلأَنْعَامِ} خصوص بعد عموم. {كَذَلِكَ} أي كاختلاف الثمرات والجبال فهذا التشبيه من تمام الكلام قبله والوقف عليه حسن. وقال ابن عطية: ويحتمل أن يكون من الكلام الثاني يخرج مخرج السبب كأنه قال: كما جاءت القدرة في هذا كله. {إِنَّمَا يَخْشَى ٱللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ ٱلْعُلَمَاءُ} أي المخلصون لهذه العبر الناظرون فيها "انتهى". وهذا الاحتمال لا يصح لأن ما بعد إنما لا يمكن أن يتعلق به المجرور قبلها ولو خرج مخرج السبب لكان التركيب كذلك يخشى الله من عباده أي كذلك الاعتبار والنظر في مخلوقات الله واختلاف ألوانها يخشى الله ولكن التركيب جاء بإِنما وهي تقطع هذا المجرور عما بعدها.
الجيلاني
تفسير : {ٱلْحَمْدُ للَّهِ} المحيط المشتمل على جميع ما صدر عن ألسنة عموم المظاهر حالاً ومقالاً ثابت {فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} أي: الذي فطر؛ أي: أظهر وأبدع الأجرام العلوية من كتم العدم بعدما شق وفلق ظلمته بأشعة نور الوجود، المنعكسة من الصفات الأسنى والأسماء الحسنى الإلهية {وَٱلأَرْضِ} أي: الأجسام أيضاً كذلك؛ ليتحقق الفاعل والقابل ويتكون منهما من الكوائن والفواسد ما شاء الله بحوله وقوته {جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ} أي: الذي جعل الملائكة الذين هم سدنة سدته العلية وخدمة عتبته السنية {رُسُلاً} أي: وسائل ووسائط بينه سبحانه وبين خواص عباده من الأنبياء والرسل والأولياء المؤيدين من عنده سبحانه بالرتبة العلية والدرجة الرفيعة، يبلغون إليهم من قِبَل الحق ما تفضل بهم سبحانه من الوحي المتعلق بخير الدارين ونفع النشأتين؛ ولذلك صيرهم سبحانه {أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ} متعددة مفتاوتة يسرعون بها نحو مصلحة بعثهم الله إليها وأمرهم بتبليغها {مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} أي: لبعضهم أجنجة انثني اثنين، ولبعضهم ثلاثة ثلاثة، ولبعضهم أربعة أربعة إلى ما شاء الله، بلا انحصار في عدد دون عدد، بل {يَزِيدُ} سبحانه {فِي ٱلْخَلْقِ} أي: في جميع مخلوقاته {مَا يَشَآءُ} بلا حد وحصر؛ إذ لا ينتهي قدرته دون مقدور، بل له أن يتصرف فيه إلى مالا يتناهى، كما روي: "حديث : أنه صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام ليلة المعراج وله ستمائة جناح ". تفسير : وهذا دليل على أن ذكر العدد ليس للحصر، فالآية تدل على أن له سبحانه أن يتصرف في ملكه وملكته كما شاء وكيف شاء ومتى شاء، فيجوز أن يخلق أنواعاً لم يخلقها قبل من أي جنس كان، ويخلق أيضاً في فردع نوع أموراً عجيبة من الملاحة والصباحة وحسن الصوت والصورة، وكمال العقل ورزانة الرأي، وخواص غريبة لم يخلقها قبل لأفراد أُخر من هذا النوع. ولهذا يتفاوت أشخاص الإنسان في المعارف والحقائق وجميع الأمور المتعلقة بالعقل المتفرعة على الإدراك بحسب الأدوار والأعصار، بل في زمان واحد أيضاً؛ إذ بعضهم في نهاية البلادة، وبعضهم في كمال الجلادة، وبعضهم في كمال الحسن واللطافة، وبعضهم في نهاية الكثافة والقباحة. وبالجملة: له سبحانه التصرف في ملكه وملكوته بالاستقلال والاختيار بلا فترة وفتور في علمه وقدرته وإرادته، إذ هو سبحانه منزه عن السآمة والملال، وأوصافه بريئة عن وسمة الفترة والكلال {إِنَّ ٱللَّهَ} القادر المقتدر بالقدرة التامة {عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} تعلق به إرادته ومشيئته { قَدِيرٌ} [فاطر: 1] لا بدَّ أن يتكون باختياره بلا تخلف كل ما لمع عليه برق إرادته. ومن كمال قدرته سبحانه أنه {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ} المدبر لأحوال عباده {لِلنَّاسِ} الناسين حقوق تربيته وتدبيره سبحانه {مِن رَّحْمَةٍ} فائضة لهم بمقتضى جوده تفضلاً عليهم من النبوة والرسالة والولاية والكرامة والعلم والمعرفة والرشد والهداية، وغير ذلك من الكمالات الفائضة من عنده سبحانه {فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} أي: لا مانع لها يمنعها عنهم {وَمَا يُمْسِكْ} ويمنع سبحانه من أمر بمقتضى قهره وجلاله {فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ} يرسله إليهم {مِن بَعْدِهِ} أي: بعد منعه سبحانه {وَ} كيف يسع لأحد ما يمنعه؛ إذ {هُوَ ٱلْعَزِيزُ} المقصود، المنحصر ذاته على العزة والغلبة، لا عزيز دونه {ٱلْحَكِيمُ} [فاطر: 2] المستقل في المنع والإرسال إرادةً، لا يُسأل عن فعله، ولا مبدل لقوله: ولا معقب لحكمه. ثم نادى سبحانه أهل النعمة وخاطبهم؛ ليقبلوا عليه ويواظبوا على شكر نعمه فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} المجبولون على الغفلة والنسيان {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ} الفائضة {عَلَيْكُمْ} واشكروا له؛ أداء لحقوق كرمه، وتفكروا في آلائه ونعمائه {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ} المتوحد بوجوب الوجود ودوام البقاء {يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} أي: من امتزاج العلويات بالسفليات، واختلاط الفواعل والأسباب مع القوابل والمسببات المسخرة تحت قدرة العليم الحكيم؛ لينكشف لكم ويتبين أنه {لاَ إِلَـٰهَ} يعبد بالحق ويُتوجه إليه، ويُسند الحوادث إلى حكمه والنعم الفائضة إلى فضله وجوده {إِلاَّ هُوَ} الله الحق الحقيق بالإطاعة والرجوع، لا مرجع سواه ولا مقصد إلا هو {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} [فاطر: 3] وكيف تُصرفون عن توحيد، وتُردون عن بابه أيها الآفكون المجرمون. {وَ} بعدما بعثت يا أكمل الرسل لإرشاد أهل الضلال وتبليغ الرسالة إليهم، فلك أن تتصبر على المتاعب والمشاق الواردة في حملها {إِن يُكَذِّبُوكَ} هؤلاء الضالون بعدما دعوتهم إلى الحق، فتأسَّ إخوانك الرسل واصبر على أذى تكذيبهم {فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ} عظام كثير {مِّن قَبْلِكَ} أمثالك، فصبروا على ما كُذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا {وَ} هم قد علموا أنه {إِلَى ٱللَّهِ} الواحد الأحد، القادر المقتدر على الإنعام والانتقام، لا إلى الوسائل والأسباب العادية {تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} [فاطر: 4] الكائنة من التصديق والتكذيب والصبر والأذى، وغير ذلك من الحوادث؛ إذ كلها مستندة إلى الله أولاً وبالذات، حاضرة في حضرة علمه، ثابتة في لوح قضائه، يجازي كلاً من المحقين والمبطلين، المصدقين والمكذبين على مقتضى علمه وخبرته.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {ٱلْحَمْدُ للَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ} [فاطر: 1] يشير إلى أن ذاته تعالى مستحق للمدح والثناء والشكر من الأزل إلى الأبد بحمد أزلي أبدي وهو حمده لذاته تعالى فهو الحامد والمحمود، كما قال: المراد فاطر خالق مبدئ معناه أول شيء تعلقت به القدرة سماوات الأرواح {وَٱلأَرْضِ} [فاطر: 1] أرض النفوس، ثم بقوله: {جَاعِلِ ٱلْمَلاَئِكَةِ رُسُلاً} [فاطر: 1] يشير إلى أنه تعالى خلق الملائكة وخلق أرواح الإنسان وبقوله: {أُوْلِيۤ أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} [فاطر: 1] يشير إلى كمالية استعداد بعضهم على بعض {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} [فاطر: 1] يشير إلى زيادة فيما خلق من الأرواح والملائكة وما يندرج تحت الخليقة، فإنه ذكر أشرف المخلوقات. ثم قال {يَزِيدُ فِي ٱلْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} [فاطر: 1] يعني: يزيد في الخلق ما ليس الخلق وهو الفيض الإلهي وهو حقيقة الأمانة التي اختص الإنسان بحمدها، وأنه تعالى زاد في استعداد الإنسان حسن تقويم لقبول الفيض الإلهي على استعداد الملك، ولهذا أبين أن يحملنها وأشفقن منها ومن أكرم هاهنا فهذه الزيادة في خليقته يكرم غداً بتلك الزيادة التي قال تعالى: {أية : لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ٱلْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ}تفسير : [يونس: 26] وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة بالرؤية، وذلك لأن رؤية الله ليست من الخلق وليس للخلق استعداد رؤية الله. كما قال تعالى: {أية : لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ}تفسير : [الأنعام: 103] بل بنور فيضه وهي مخلوقة الحسنى أي: الجنة وهي مخلوقة وزيادة يعني على المخلوق وهي من المواهب الإلهية بإفاضة الفيض الإلهي بحسب استعداد الخلق في قبولها {إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ} [فاطر: 1] من الاستعدادات في قبول هذه الزيادة والإباء عنها {قَدِيرٌ} [فاطر: 1]. {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ} [فاطر: 2] أي: من رحمة هذه الزيادة من الفيض {فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} [فاطر: 2] من المخلوقات شيء {وَمَا يُمْسِكْ} [فاطر: 2] من رحمة هذا الفيض من الملك {فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ} [فاطر: 2] يعني: من الفيض الإلهي {مِن بَعْدِهِ} [فاطر: 2] أي: بعد الله {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} [فاطر: 2] فبعزته أمسك فيضه ممن أمسك {ٱلْحَكِيمُ} [فاطر: 2] فبحكمته أرسل فيضه إلى من أرسل. وبقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} [فاطر: 3] يشير إلى الناسين للأيام التي كانوا في جواره {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} [فاطر: 3] في ذلك الجوار فمن ذكر نعمته فصاحب عبادة وقابل زيادة ومن ذكر المنعم فصاحب إرادة ومحبة ونائل زيادة ولكن فرقاً بين زيادة وزيادة هذا زيادته في الدارين عطاؤه، وهذا زيادته في الدارين لقاؤه اليوم شراً بشر من حيث المشاهدة وغداً جهراً من حيث المعاينة والنعمة على قسمين: ما دفع من المحن، وما منح من المنن، فذكره عما دفع عنه يوجب دوام العصمة وذكره لما نفعه به يوجب تمام النعمة. {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ} [فاطر: 3] يشير إلى أن الرزاق هو الخالق فحسب {يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} [فاطر: 3] أي: من سماء الأرواح ماء الفيض {وَٱلأَرْضِ} أرض النفوس نيات الأعمال الصالحة وفائدة من هذا التعريف أنه إذا عرف أنه لا رازق غيره لم يتعلق قلبه بأحد في طلب شيء ولا يتذلل للارتفاق بالمخلوق، وكما لا يرى رزقه من مخلوق لا يراه من نفسه أيضاً فيتخلص عن ظلمات تدبيره واحتياله وتوهم شيء من أمثاله وأشكاله ويستريح بشهود تقديره ولا محالة يخلص في توكله وتفويضه. وقوله: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} [فاطر: 3] يشير إلى أنه لما تحقق أنه ليس متصرف غيره فمن أين يكذبون الرسل إلا بحكمه وتقديره وله حكمة في ذلك وبقوله: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} [فاطر: 4] يشير إلى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ولأولياء أمته وتسهيل للصبر على الأذية إذا علم أن الأنبياء - عليهم السلام - استقبلهم مثل ما استقبله وإنهم لما صبروا والله كفاهم كذلك يسلك سبيلهم ويهتدي بهم وكما كفاهم علم أنه أيضاً يكفيه وليعلم أرباب القلوب أن حالهم مع الأجانب في هذه الطريقة كأحوال الأنبياء - عليهم السلام - مع السفهاء من أممهم فإنهم لا يقبلون منهم إلا القليل من أهل الإرادة، وقد كان أهل الحقائق أبدا منهم في مقاساة الأذية إلا بسر حالهم عنهم والعوام أقرب إلى هذه الطريقة من العباد المتقشفين والعلماء الذين هم لهذه الأصول ينكرون. وقوله: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} [فاطر: 4] يشير إلى أمر إقرار المقرين وإنكار المنكرين أنه ليس إليهم وأنه يرجع إلى تقدير عليم حكيم أنه يعلم بحال جميعهم وبحكمته يدبر أمورهم على وفق معيشته وإرادته. ثم أخبر عن غرور أهل الفتور لقوله: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} [فاطر: 5] يشير إلى كل ما وعد به الله من الثواب والعقاب والدرجات في الجنة والدركات في النار والقربات في أعلى عليين وفي مقعد صدق عند مليك مقتدر والبعد إلى أسفل سافلين حق، فإذا علم ذلك استعد للموت قبل نزول الموت ولا يهتم للرزق ولا يتهم الرب في كفاية الشغل ونشط في استكثار الطاعة ثقة بالمقسوم. {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} [فاطر: 5] بزينتها وشهواتها فتقطع بهما على الطالب الصادق طريق الطلب من الرياضات والمجاهدات وترك الأوطان ومفارقة الإخوان {وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} الشيطان وهو الغرور بالله وكرمه وعفوه وسعة رحمته، فإنه أكرم الأكرمين مع أهل الكرم، وشديد العقاب مع أهل العقاب والعذاب.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يمدح الله تعالى نفسه الكريمة المقدسة، على خلقه السماوات والأرض، وما اشتملتا عليه من المخلوقات، لأن ذلك دليل على كمال قدرته، وسعة ملكه، وعموم رحمته، وبديع حكمته، وإحاطة علمه. ولما ذكر الخلق، ذكر بعده ما يتضمن الأمر، وهو: أنه { جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا } في تدبير أوامره القدرية، ووسائط بينه وبين خلقه، في تبليغ أوامره الدينية. وفي ذكره أنه جعل الملائكة رسلا ولم يستثن منهم أحدا، دليل على كمال طاعتهم لربهم وانقيادهم لأمره، كما قال تعالى: {أية : لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }. تفسير : ولما كانت الملائكة مدبرات بإذن اللّه، ما جعلهم اللّه موكلين فيه، ذكر قوتهم على ذلك وسرعة سيرهم، بأن جعلهم { أُولِي أَجْنِحَةٍ } تطير بها، فتسرع بتنفيذ ما أمرت به. { مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ } أي: منهم من له جناحان وثلاثة وأربعة، بحسب ما اقتضته حكمته. { يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ } أي: يزيد بعض مخلوقاته على بعض، في صفة خلقها، وفي القوة، وفي الحسن، وفي زيادة الأعضاء المعهودة، وفي حسن الأصوات، ولذة النغمات. { إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } فقدرته تعالى تأتي على ما يشاؤه، ولا يستعصي عليها شيء، ومن ذلك، زيادة مخلوقاته بعضها على بعض. ثم ذكر انفراده تعالى بالتدبير والعطاء والمنع فقال: { مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ } من رحمته عنهم { فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ } فهذا يوجب التعلق باللّه تعالى، والافتقار إليه من جميع الوجوه، وأن لا يدعى إلا هو، ولا يخاف ويرجى، إلا هو. { وَهُوَ الْعَزِيزُ } الذي قهر الأشياء كلها { الْحَكِيمُ } الذي يضع الأشياء مواضعها وينزلها منازلها.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):