Verse. 3662 (AR)

٣٥ - فَاطِر

35 - Fatir (AR)

مَا يَفْتَحِ اللہُ لِلنَّاسِ مِنْ رَّحْمَۃٍ فَلَا مُمْسِكَ لَہَا۝۰ۚ وَمَا يُمْسِكْ۝۰ۙ فَلَا مُرْسِلَ لَہٗ مِنْۢ بَعْدِہٖ۝۰ۭ وَہُوَالْعَزِيْزُ الْحَكِيْمُ۝۲
Ma yaftahi Allahu lilnnasi min rahmatin fala mumsika laha wama yumsik fala mursila lahu min baAAdihi wahuwa alAAazeezu alhakeemu

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«ما يفتح الله للناس من رحمة» كرزق ومطر «فلا ممسك لها وما يمسك» من ذلك «فلا مرسل له من بعده» أي بعد إمساكه «وهو العزيز» الغالب على أمره «الحكيم» في فعله.

2

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم قال تعالى: {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ }. لما بين كمال القدرة ذكر بيان نفوذ المشيئة ونفاذ الأمر، وقال {ما يفتح الله للناس} يعني إن رحم فلا مانع له، وإن لم يرحم فلا باعث له عليها، وفي الآية دليل على سبق رحمته غضبه من وجوه: أحدها التقديم حيث قدم بيان فتح أبواب الرحمة في الذكر، وهو وإن كان ضعيفاً لكنه وجه من وجوه الفضل وثانيها: هو أن أنث الكناية في الأول فقال: {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا } وجاز من حيث العربية أن يقال له ويكون عائداً إلى ما، ولكن قال تعالى: {لَهَا } ليعلم أن المفتوح أبواب الرحمة ولا ممسك لرحمته فهي وصلة إلى من رحمته، وقال عند الإمساك {وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ } بالتذكير ولم يقل لها فما صرح بأنه لا مرسل للرحمة، بل ذكره بلفظ يحتمل أن يكون الذي لا يرسل هو غير الرحمة فإن قوله تعالى: {وَمَا يُمْسِكْ } عام من غير بيان وتخصيص بخلاف قوله تعالى: {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ } فإنه مخصص مبين وثالثها: قوله: {مِن بَعْدِهِ } أي من بعد الله، فاستثنى ههنا وقال لا مرسل له إلا الله فنزل له مرسلاً. وعند الإمساك الإمساك قال لا ممسك لها، ولم يقل غير الله لأن الرحمة إذا جاءت لا ترتفع فإن من رحمه الله في الآخرة لا يعذبه بعدها هو ولا غيره، ومن يعذبه الله فقد يرحمه الله بعد العذاب كالفساق من أهل الإيمان. ثم قال تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } أي كامل القدرة {ٱلْحَكِيمُ } أي كامل العلم.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} وأجاز النحويون في غير القرآن «فلا ممسك له» على لفظ «ما» و«لها» على المعنى. وأجازوا «وما يُمْسِك فلا مُرْسِلَ لها». وأجازوا «ما يفتُح الله للناس من رحمة» (بالرفع) تكون «ما» بمعنى الذي. أي إن الرسل بُعثوا رحمة للناس فلا يقدر على إرسالهم غير الله. وقيل: ما يأتيهم به الله من مطر أو رزق فلا يقدر أحد أن يمسكه، وما يمسك من ذلك فلا يقدر أحد على أن يرسله. وقيل: هو الدعاء؛ قاله الضحاك. ابن عباس: من توبة. وقيل: من توفيق وهداية. قلت: ولفظ الرحمة يجمع ذلك؛ إذ هي منكر للإشاعة والإبهام، فهي متناولة لكل رحمة على البدل، فهو عام في جميع ما ذكر. وفي موطأ مالك: أنه بلغه أن أبا هريرة كان يقول إذا أصبح وقد مُطر الناس: مُطرنا بَنْوء الفتح، ثم يتلو هذه الآية {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا}. {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} تقدم.

ابن كثير

تفسير : يخبر تعالى أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا مانع لما أعطى، ولا معطي ولا منع. قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، حدثنا مغيرة، أخبرنا عامر عن وراد مولى المغيرة بن شعبة قال: إن معاوية كتب إلى المغيرة بن شعبة: اكتب لي بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني المغيرة، فكتبت إليه: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا انصرف من الصلاة: «حديث : لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» تفسير : وسمعته ينهى عن قيل وقال: وكثرة السؤال وإضاعة المال، وعن وأد البنات، وعقوق الأمهات، ومنع وهات، وأخرجاه من طرق عن ورّاد به. وثبت في "صحيح مسلم" عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: «حديث : سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد ملء السماء والأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد: اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد» تفسير : وهذه الآية كقوله تبارك وتعالى: {أية : وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ} تفسير : [يونس: 107] ولها نظائر كثيرة. وقال الإمام مالك رحمة الله عليه: كان أبو هريرة رضي الله عنه إذا مطروا يقول: مطرنا بنوء الفتح، ثم يقرأ هذه الآية: {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} ورواه ابن أبي حاتم عن يونس عن ابن وهب عنه.

المحلي و السيوطي

تفسير : {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ } كرزق ومطر {فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ } من ذلك {فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ } أي بعد إمساكه {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } الغالب على أمره {ٱلْحَكِيمُ } في فعله.

الماوردي

تفسير : قوله عز وجل: {مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} فيه سبعة تأويلات: أحدها: من خير، قاله قتادة. الثاني: من مطر، قاله السدي. الثالث: من توبة، قاله ابن عباس. الرابع: من وحي، قاله الحسن. الخامس: من رزق وهو مأثور. السادس: من عافية، قاله الكلبي. السابع: من دعاء، قاله الضحاك. ويحتمل ثامناً: من توفيق وهداية.

ابن عبد السلام

تفسير : {مِن رَّحْمَةٍ} من خير، أو مطر، أو توبة "ع"، أو وحي "ح"، أو دعاء، أو رزق مأثور.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏{‏ما يفتح الله للناس‏.‏‏.‏‏.‏‏.} ‏ قال‏:‏ ما يفتح الله للناس من باب توبة ‏ {‏فلا مرسل له من بعده‏} ‏ وهم لا يتوبون‏. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله ‏ {‏ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده‏} ‏ يقول ‏{أية : ‏ليس لك من الأمر شيء}‏ تفسير : ‏[‏آل عمران: 128‏]‏.‏ وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏ما يفتح الله للناس من رحمة‏} ‏ أي من خير ‏{‏فلا ممسك لها‏}‏ قال‏:‏ فلا يستطيع أحد حبسها‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه في قوله {‏ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها‏} ‏ قال‏:‏ المطر‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن وهب قال‏:‏ سمعت مالكاً يحدث أن أبا هريرة رضي الله عنه كان إذا أصبح في الليلة التي يمطرون فيها وتحدث مع أصحابه قال‏:‏ مطرنا الليلة بنوء الفتح، ثم يتلو ‏ {‏ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها‏}‏ ‏. وأخرج ابن المنذر عن عامر بن عبد قيس رضي الله عنه قال‏:‏ أربع آيات من كتاب الله، إذا قرأتهن فما أبالي ما أصبح عليه وأمسي ‏ {‏ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده‏}‏ ‏{أية : ‏وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله‏}‏تفسير : ‏[الأنعام: 17‏] و ‏ ‏{أية : ‏سيجعل الله بعد عسر يسراً‏}‏تفسير : ‏[‏الطلاق: 7‏] ‏{أية : ‏وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها‏}‏ تفسير : ‏[‏هود: 6‏]‏. وأخرج ابن المنذر عن محمد بن جعفر بن الزبير قال كان عروة يقول في ركوب المحمل‏:‏ هي والله رحمة فتحت للناس، ثم يقول {‏ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها‏}‏‏. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ‏{‏يرزقكم من السماء والأرض‏} ‏ قال‏:‏ الرزق من السماء‏:‏ المطر، ومن الأرض‏: النبات.

ابو السعود

تفسير : {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ} عبَّر عن إرسالِها بالفتحَ إيذاناً بأنَّها أنفسُ الخزائنِ التي يتنافسُ فيها المتنافسون وأعزُّها منالاً. وتنكيرُها للإشاعةِ والإبهام أيْ أيَّ شيءٍ يفتحُ اللَّهُ من خزائنِ رحمتِه أيَّة رحمةٍ كانتْ من نعمةٍ وصحَّةٍ وأمنٍ وعلمٍ وحكمةٍ إلى غيرِ ذلكَ ممَّا لا يُحاط به {فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} أي لا أحدَ يقدرُ على إمساكِها {وَمَا يُمْسِكْ} أيْ أيَّ شيءَ يُمسك {فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ} أي لا أحدَ يقدرُ على إرسالِه واختلافُ الضَّميرينِ لما أنَّ مرجعَ الأوَّلِ مفسَّرٌ بالرَّحمةِ ومرجعَ الثَّانِي مطلقٌ يتناولُها وغيرَها كائناً ما كان وفيه إشعارٌ بأنَّ رحمتَه سبقتْ غَضبه {مِن بَعْدِهِ} أي من بعدِ إمساكِه {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} الغالبُ على كلِّ ما يشاءُ من الأمورِ التي من جُملتها الفتحُ والإمساك {ٱلْحَكِيمُ}الذي يفعلُ كلَّ ما يفعل حسبما تقتضيِه الحكمةُ والمصلحة والجملُة تذيـيلٌ مقررٌ لما قبلها ومعربٌ عن كونِ كلَ من الفتحِ والإمساكِ بموجبِ الحكمةِ التي عليها يدورُ أمرُ التَّكوينِ وبعد ما بـيَّن سبحانَه أنَّه الموجدُ للملك والملكوتِ والمتصرِّفُ فيهما بالقبضِ والبسطِ من غيرِ أنْ يكونَ لأحدٍ في ذلك دخلٌ ما بوجهٍ من الوجوهِ أمرَ النَّاس قاطبةً أو أهلَ مكَّةَ خاصَّةً بشكرِ نِعَمِه فقال: {يا أَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} أي إنعامَه عليكم إنْ جُعلت النِّعمةُ مصدراً أو كائنةً عليكم إنْ جُعلت اسماً. أي راعُوها واحفظُوها بمعرفةِ حقِّها والاعترافِ بها، وتخصيصِ العبادةِ والطَّاعةِ بموليها ولمَّا كانتْ نعمُ الله تعالى مع تشعُّبِ فنونِها منحصرةً في نعمةِ الإيجادِ ونعمةِ الإبقاءِ نَفَى أنْ يكونَ في الوجودِ شيءٌ غيرُه تعالى يصدرُ عنه إحدى النِّعمتينِ بطريقِ الاستفهامِ الإنكاريِّ المُنادِي باستحالةِ أنْ يُجاب عنه بنعَم فقال: {هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ} أي هَلْ خالقٌ مغايرٌ له تعالى موجودٌ على أنَّ خالقٍ مبتدأٌ محذوفُ الخبرِ زيدتْ عليه كلمة مِن لتأكيدِ العُمومِ. وغيرِ الله نعتٌ له باعتبارِ محلِّه كما أنَّه نعتٌ له في قراءةِ الجرِّ باعتبار لفظِه وقُرىء بالنَّصبِ على الاستثناءِ. وقوله تعالى: {يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء وٱلأَرْضِ} أي بالمطرِ والنَّباتِ كلامٌ مبتدأٌ على التَّقاديرِ لا محلَّ له من الإعرابِ داخلٌ في حيِّز النَّفي والإنكار ولا مساغَ لما قيل: من أنَّه صفةٌ أخرى لخالق مرفوعةُ المحلِّ أو مجرورتُه لأنَّ معناه نفي وجودِ خالقٍ موصوفٍ بوصفَيْ المغايرةِ والرَّازقيَّةِ معاً من غير تعرُّضٍ لنفيِ وجودِ ما اتَّصف بالمغايرةِ فَقَطْ، ولا لما قيل: من أنَّه الخبرُ للمبتدأِ ولا لما قيل من أنَّه مفسِّر لمضمرٍ ارتفع به قولُه تعالى من خالقٍ على الفاعلية عليّه أي هل يرزقكم من خالق الخ. لما أنَّ معناهما نفي رازقيَّة خالقٍ مغايرٍ له تعالى من غيرِ تعرُّضٍ لنفيِ وجودِه رأساً مع أنَّه المرادُ حتماً ألا يرى إلى قولِه تعالى: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} فإنَّه استئنافٌ مسوقٌ لتقرير النَّفيِ المستفادِ منه قصداً وجارٍ مجرى الجوابِ عمَّا يوهمه الاستفهامُ صورةً فحيث كان هذا ناطقاً بنفيِ الوجودِ تعيَّن أنْ يكونَ ذلك أيضاً كذلك قطعاً. والفاءُ في قوله تعالى: {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} لترتيبِ إنكارِ عدولهم عن التَّوحيدِ إلى الإشراكِ على ما قبلها كأنَّه قيل: وإذا تبـيَّن تفرُّده تعالى بالأُلوهيةِ والخالقيَّةِ والرازقيَّةِ فمنْ أيِّ وجهٍ تُصرفون عن التَّوحيدِ إلى الشِّركِ.

السلمي

تفسير : قوله تعالى: {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ} [الآية: 2]. قال أبو عثمان: ما يفتح الله لقلوب أولياءه من القربى والإحسان والأنس لو اجتمع الخلق كلهم على أن يمسكوه عن ذلك لعجزوا عنه وما أمسكوا، ومن أغلق الله قلوبهم عن الإنابة إليه والقرب منه فلو اجتمع الناس على أن يفتحوه ما قدروا على ذلك وعجزوا عنه.

القشيري

تفسير : المُوَسَّعُ عليه رِزْقهُ لا يُضَيِّقُ عليه غيرُ الله، والمحرومُ لا يُوَسعُ عليه غيرُ الله. ويقال: ما يلج في قلوب العارفين من أنوار التحقيق لا سحابَ يستره، ولا ضياءَ يقهره. ويقال: ما يلزم قلوبَ أوليائه من اليقين فلا مُزِيلَ له، وما يُغْلَق على قلوب الأَعداء من أبواب الذكر فلا فاتحَ له غيره - سبحانه. ويقال الذي يقرنه بقلوب أوليائه وأحوالهم من التيسير فلا مُمْسِكَ له، والذي يمنعه عن أعدائه - بما يُلْقيهم فيه من انغلاق الأمور واستصعابها - فلا مُيَسِّرَ له من دونه.

اسماعيل حقي

تفسير : {ما يفتح الله للناس من رحمة} ما شرطية فى محل النصب بيفتح. والفتح فى الاصل ازالة الاغلاق وفى العرف الظفر ولما كان سببا للارسال والاطلاق استعير له بقرينة لا مرسل له مكان الفاتح. وفى الارشاد عبر عن ارسالها بالفتح ايذانا بانها انفس الخزائن واعزها منالا وتنكيرها للاشاعة والابهام اى أى شئ يفتح الله من خزائن رحمته أية رحمة كانت من نعمة وصحة وعلم وحكمة الى غير ذلك: وبالفارسية [آنكه بكشايد خداى براى مردمان وفرستد بديشان از بخشايش خويش جون نعمت وعافيت وصحت] {فلا ممسك لها} اى لا احد من المخلوقات يقدر على امساكها وحبسها فانه لا مانع لما اعطاه قيل الفتح ضربان فتح الهى وهو النصرة بالوصول الى العلوم والهدايات التى هى ذريعة الى الثواب والمقامات المحمودة فذلك قوله {أية : انا فتحنا لك فتحا مبينا} تفسير : وقوله {أية : فعسى الله ان يأتى بالفتح او امر من عنده} تفسير : والثانى فتح دنيوى وهو النصرة فى الوصول الى اللذات البدنية وذلك قوله {ما يفتح الله للناس من رحمة} وقوله {أية : لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض} تفسير : {وما يمسك} اى أى شىء يمسكه ويحبسه ويمنعه {فلا مرسله له} اى لا احد من الموجودات يقدر على ارساله واعطائه فانه لا معطى لما منعه. واختلاف الضمير بالتذكير والتأنيث لما ان مرجع الاول مفسر بالرحمة ومرجع الثانى مطلق فى كل ما يمسكه من رحمته وغضبه. ففى التفسير الاول وتقييده بالرحمة ايذان بان رحمته سبقت غضبه اى فى التعلق والا فهما صفتان لله تعالى لا تسبق احداهما الاخرى فى ذاتهما {من بعده} على تقدير المضاف اى من بعد امساكه ومنعه كقوله {أية : فمن يهديه من بعد الله} تفسير : اى من بعد هداية الله {وهو العزيز} الغالب على كل ما يشاء من الامور التى من جملتها الفتح والامساك فلا احد ينازعه {الحكيم} الذى يفعل ما يشاء حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة. وعن المغيرة بن شعبة رضى الله عنه كان النبى عليه السلام يقول فى دبر الصلاة "حديث : لا اله الا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير اللهم لا مانع لما اعطيت ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" تفسير : وهو بالفتح الحظ والاقبال فى الدنيا اى لا ينفع الفتى المحظوظ حظه منك اى بدل طاعتك وانما ينفع العمل والطاعة. وعن معاذ رضى الله عنه مرفوعا (لا تزال يد الله مبسوطة على هذه الامة ما لم يرفق خيارهم بشرارهم ويعظم برّهم فاجرهم ويعن قراؤهم امراءهم على معصية الله فاذا فعلوا نزع الله يده عنهم). صاحب كشف الاسرار [كويد ارباب فهم بدانندكه اين آيت درباب فتوح مؤمنان وارباب عرفاتست وفتوح آنرا كويند كه ناجسته وناخواسته آيد وآن دوقسمت يكى مواهب صوريه جون رزق نامكتسب وديكر مطالب معنويه وآن علم لدنيست نا آموخته] شعر : دست لطفش منبع علم وحكم بى قلم برصفحه دل زد رقم علم اهل دل نه از مكتب بود بلكه از تلقين خاص رب بود تفسير : فعلى العاقل ان يجتهد حتى يأتى رزقه الصورى والمعنوى بلا جهد ومشقة وتعب ـ روى ـ عن الشيخ ابى يعقوب البصرى رضى الله عنه انه قال جعت مرة فى الحرم عشرة ايام فوجدت ضعفا فحدثتنى نفسى ان اخرج الى الوادى لعلى اجد شيئا يسكن به ضعفى فخرجت فوجدت سلجمة مطروحة فاخذتها فاذا برجل جاء فجلس بين يدىّ ووضع قمطرة وقال هذه لك فقلت كيف خصصتنى بها فقال اعلم انا كنا فى البحر منذ عشرة ايام فاشرفت السفينة على الغرق فنذر كل واحد منا نذرا ان خلصنا الله ان يتصدق بشئ ونذرت انا ان خلصنى الله ان اتصدق بهذه على اول من يقع عليه بصرى من المجاورين وانت اول من لقيته قلت افتحها ففتحها فاذا فيها كعك ممصر ولوز مقشر وسكر كعاب فقبضت قبضة من ذا وقبضة من ذا وقلت ردّ الباقى الى صبيانك هدية منى اليهم وقد اليهم وقد قبلتها ثم قلت فى نفسى رزقك يسير اليك منذ عشرة ايام وانت تطلبه من الوادى شعر : صائب فريب نعمت الوان نمى خوريم روزى خود زخوان كرم ميخوريم ما تفسير : وقال شعر : كشاد عقده روزى بدست تقديراست مكن ز رزق شكايت ازين وآن زنهار تفسير : اللهم افتح لنا خير الباب وارزقنا مما رزقت اولى الالباب انك مفتح الابواب

ابن عجيبة

تفسير : الحق جلّ جلاله: {ما يَفْتَح اللهُ للناسِ من رحمة} أي: ما يطلق ويرسل من رحمة، كنعمة، ومطر، وأمن، وعافية، ورزق، وعلم، ومعرفة، ونبوة، وغيرها، {فلا مُمسِكَ لها} فلا أحد يقدر على إمساكها وردها، واستعير الفتح للإطلاق؛ لأنه مسبب عنه. ونكّر الرحمة للإشاعة والإبهام، كأنه قال: من أيّ رحمة كانت، فتشمل نعمة الدفع والجلب، كدفع المحن وجلب المنن. والاعترافُ بالمنعم من تمام النعمة، والأمران مدرجان في الفتح والإمساك، {وما يُمْسِكْ} أي: يمنع ويحبس من ذلك {فلا مُرسل له} فلا مُطلق له {من بعده} من بعد إمساكه. وأنث الضمير الراجع إلى الاسم المتضمِّن معنى الشرط على معنى الرحمة، وذكّره؛ حملاً على لفظ المرجوع إليه؛ إذ لا تأنيث فيه؛ لأن الأول فسّر بالرحمة، فحسن اتباع الضمير التفسير، ولم يفسر الثاني فتُرك على أصل التذكير. وعن معاذ رضي الله عنه مرفوعاً: "لا تزال يدُ الله مبسوطة على هذه الأمة ما لم يرفُقْ خيارُهم بشرارهم، ويُعظّمْ بَرُّهُم فاجرَهم، وتعِنْ قراؤهم أمراءهم على معصية الله. فإذا فعلوا ذلك نزع الله يده عنهم" قال ابن عرفة: يُؤخذ من قوله تعالى: {وما يُمسك...} أن العدم السابق الإضافي متعلق للقدرة، وجعله بعض الأصوليين متعلقاً للإرادة أيضاً، وذلك لأن المصحح للتعلُّق الإمكان. هـ. قال الأُبي: لا دليل في الآية؛ لاحتمال أن يكون التقدير: وما يريد إمساكه، فيكون من متعلقات الإرادة، ويحتمل: وما يُمسك عن الإرسال بعد وجوده، كإمساك الماء عن النزول بعد خلقه في السحاب. هـ. {وهو العزيزُ} الغالب، القادر على الإرسال والإمساك. {الحكيمُ} الذي يُرسل ويُمسك، بما تقتضي الحكمة إرساله، أو إمساكه. الإشارة: ما يفتح الله لقلوب عباده من نفحات، وواردات، وإلهامات، وعلوم لدنية، وحِكَم ربانية، وتعرفات جمالية وجلالية، فلا ممسك لها، بل الله يفتح على مَن يشاء، ويسد الباب في وجه مَن شاء. وسدُّ الباب في وجه العبد عن معرفته الخاصة، علامته: عدم إيصاله إلى أوليائه. فكل مَن وصله إليهم، وصَحِبهم، وعظَّمهم، وخدمهم، فقد فتح الله له الباب في وصوله إليه، وكل مَن نكبه عنهم، ولم يصحبهم، كما ذكر، فقد سُدّ الباب في وجهه عن معرفته العيانية. وفي الحكم: "سبحان مَن لم يجعل الدليل على أوليائه إلا من حيث الدليل عليه، ولم يوصل إليهم إلا مَن أراد أن يوصله إليه". وما يُمسك من ذلك فلا مرسل له من بعده، ولو صلّى وصام ألف عام. قال القشيري: ما يلوح لقلوب العارفين من أنوار التحقيق لا سحاب يستره، ولا ضباب يقهره. ويقال: ما يلزم قلوبَ أوليائه وأحوالهم من التيسير فلا مُمسك له، والذي يمنع من أعدائه ـ بسبب ما يُلقيهم فيه من انغلاق الأمور واستصعابها ـ فلا مُيَسِّرَ له من دونه. هـ. وبالله التوفيق. ثم ذكرهم بالميعاد؛ لأن تذكر النعم سبب الفتح فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ...}

الجنابذي

تفسير : {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ} جملة حاليّة من قوله: انّ الله على كلّ شيءٍ قدير كأنّ الاولى كانت لعموم قدرته وهذه لعجز غيره عن ممانعته من نفوذ قدرته، او مستأنفة جواب لسؤالٍ مقدّرٍ لبيان هذا المعنى، او مستأنفة منقطعة عن سابقها لبيان قدرته وعجز غيره {فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ} من رحمةٍ او ما يمسك من رحمةٍ ونقمةٍ، او ما يمسك من نقمةٍ ولعلّ هذا المعنى هو المراد لئلاّ ينسب امساك الرّحمة اليه لانّه ليس منه الاّ افاضة الرّحمة على الدّوام وانّما الامساك يعنى عدم وصول الرّحمة الى بعض القوابل ليس الاّ من قبلها لا من قبل الله {فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ} الّذى لا يقدر على منازعته احد {ٱلْحَكِيمُ} الّذى لا يفعل ما يفعل الاّ بملاحظة غاياتٍ عديدةٍ دقيقةٍ لا يمكن دركها الاّ له والاّ باتقانٍ فى الصّنع بحيث يعجز عن ادراك كيفيّته عقول العقلاء.

الهواري

تفسير : قوله تعالى: {مَّا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ} أي: ما يقسم الله من رحمة، أي: من الخير والزرق {فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا} أي: لا أحد يستطيع أن يمسك ما يقسم من رحمة {وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ} أي: من بعد الله، أي: لا يستطيع أحد أن يرسل ما أمسكه الله من رحمة {وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. قوله: {يَآ أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ} أي: إنه خلقكم ورزقكم {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَآءِ وَالأَرْضِ} أي: ما ينزل من السماء من المطر، وما ينبت في الأرض من النبات {لآ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} يقوله للمشركين، يحتج به عليهم، وهو استفهام؛ أي: لا خالق ولا رازق غيره. يقول: أنتم تقرون بأن الله هو الذي خلقكم ورزقكم وأنتم تعبدون من دونه الآلهة. {فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ} أي: فكيف تصرفون عقولكم فتعبدون غير الله.

اطفيش

تفسير : {ما يفتح الله للناس من رحمة} كمطر ورزق وخير وامن وصحة وعافية وعلم ونبوة وغير ذلك من فنون نعمائه. وعن ابن عباس الرحمة التوبة اي الهداية الى التوبة والتوفيق فيها والله سبحانه يشاء التوبة من كل عاص لكن العصاة تمتنع والفتح للارسال والاطلاق عنهما بالفتح لانه سببهما لها في الجملة. {فلا ممسك لها} يحبسها الضمير عائد الى ما مراعاة لمعناها وهو الرحمة كما بينت في الآية انما نكرت الرحمة للاشاعة والابهام أي اي رحمة سماوية او ارضية ويدل على ان الفتح للارسال والاطلاق قوله فلا ممسك لها ومقابلة ذلك بقوله. {وما يمسك فلا مرسل له} يطلقه والهاء لمراعاة للفظها لا لمعناها وهو الرحمة وانما اعتبر معناها ولم يعتبر هنا لانها هناك ذكر تفسيرها فرجح اعتباره مطابقة لما فسرت به وهو الرحمة وهنا لم يذكر فرجح اعتبار لفظها ولو اعتبر معناها جاز كما قرىء فلا مرسل لها ولم يفسر لدلالة الاول على تفسيره ويجوز ان تكون مراعاة اللفظ هنا لعدم وقوع ما على الرحمة فقط بل عليها وعلى الغضب ولم تفسر على هذه الدلالة على ان رحمته سبحانه وتعالى سبقت غضبه. {من بعده} بعد امساكه. {وهو العزيز} الغالب في امره من امساك وغيره. {الحكيم} في افعاله من ارسال وغيره كل افعاله متقنة وكان صلى الله عليه وسلم حديث : يقول في دبر كل صلاة لا اله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما اعطيت ولا معط لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجدتفسير : بعدم تنوين مانع ومعطي فكون قوله لما متعلقا بمحذوف خبر لا وان نونا تعلق بهما والجد الغنى والبخت اي لا ينفع صاحب الغنى والبخت غناه وبخته عند الله بل تنفعه الطاعة والاخلاص والجد القوة اي لا تنفع القوة عند الله في الاعطا والمنع كم من اقوياء كانوا فقراء لم تنفعهم قوتهم او الجد الاجتهاد اي ينفع الاجتهاد عند الله بل الامر لله كم مجتهد لا يقدرون على قوتهم باجتهاد.

اطفيش

تفسير : {ما يَفتحِ الله للنَّاس مِن رحْمةٍ فلا مُمْسكَ لَها} يمسكها عنهم، من مطر وعلم، وصحة وأمن، وتوبة وحكمة، ومال وغير ذلك من الأشياء الدينية الدنيوية، وكان عروة بن الزبير يقول فى ركوب المحمل: هو والله رحمة فتحها الله، والفتح مجاز مرسل عن الإرسال أصلى، لأن الفتح عن الشىء سبب لإرساله، واشتق منه يفتح على طريق المجاز المرسل التبعى، الإعطاء، ولذلك قابله بالامساك، ومن شأن ما يعطى أن يخرج مما حبس فيه، وفى ذكر الفتح تلويح بعظم شأن النعمة أنها مما يصان، وفى تنكيرها التعميم. {وما يُمْسك} من رحمة مَّا {فلا مُرْسلَ له} أى لها، ولكن راعى لفظ ما كما قرىء {فلا ممسك لها} وهذا أولى من تفسيره بما يمسك مطلقا، لأنه المذكور قبل، والقراءة المذكورة، وفى تقدير الفتح إشارة الى كثرة نعمه، والى أن رحمته سبقت غضبه، كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم {مِن بَعْده} أى من دونه أو من بعد امساكه {وهُو العَزيزُ} الغالب على الاطلاق على ما يشاء من امساك واطلاق وغيرهما {الحَكِيمُ} الذى لا يفتح ولا يمسك، ولا يفعل شيئا، ولا يترك إلا بصواب، ومن أتقن الآية قل اهتمامه، وانقطع عما سوى الله عز وجل، ومتى اشتغل بغيره فببدنه لا قلبه. قال عامر بن عبد القيس: أربع آيات ما أنا لى معهن شيئا: {ما يفتح الله} الخ "أية : وإن يمْسَسْك الله بضر" تفسير : [الأنعام: 17، يونس: 107] الخ "أية : سيجعل الله بعد عسرٍ يسراً" تفسير : [الطلاق: 7] "أية : وما من دابة فى الأرض" تفسير : الخ، "حديث : وكان صلى الله عليه وسلم يقول دبر كل صلاة: لا اله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد"تفسير : أى الغنى.

الالوسي

تفسير : {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ } أي ما يطلقها ويرسلها فالفتح مجاز عن الإرسال بعلاقة السببية فإن فتح المغلق سبب لإطلاق ما فيه وإرساله ولذا قوبل بالإمساك، والإطلاق كناية عن الإعطاء كما قيل أطلق السلطان للجند أرزاقهم فهو كناية متفرعة على المجاز. وفي اختيار لفظ الفتح رمز إلى أن الرحمة من أنفس الخزائن وأعزها منالاً، وتنكيرها للإشاعة والإبهام أي: أي شيء يفتح الله تعالى من خزائن رحمته أي رحمة كانت من نعمة وصحة وأمن وعلم وحكمة إلى غير ذلك مما / لا يحاط به حتى أن عروة كان يقول كما أخرج ابن المنذر عن محمد بن جعفر بن الزبير عنه في ركوب المحمل هي والله رحمة فتحت للناس ثم يقول: {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ } الخ. وأخرج ابن أبـي حاتم عن السدي الرحمة المطر، وعن ابن عباس التوبة، والمراد التمثيل، والجار والمجرور في موضع الحال لا في موضع الصفة لأن اسم الشرط لا يوصف. {فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا } أي فلا أحد يقدر على إمساكها {وَمَا يُمْسِكْ } أي أي شيء يمسك {فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ } أي فلا أحد يقدر على إرساله، واختلاف الضميرين لما أن مرجع الأول مبين بالرحمة ومرجع الثاني مطلق يتناولها وغيرها، وفي ذلك مع تقديم أمر فتح الرحمة إشعار بأن رحمته تعالى سبقت غضبه عز وجل كما ورد في الحديث الصحيح، وقيل المراد وما يمسك من رحمة إلا أنه حذف المبين لدلالة ما قبل عليه، والتذكير باعتبار اللفظ وعدم ما يقوى اعتبار المعنى في التلفظ. وأيد بأنه قرىء {فَلاَ مُرْسِلَ لَهَا } بتأنيث الضمير {مِن بَعْدِهِ } أي من بعد إمساكه {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ } الغالب على كل ما يشاء من الأمور التي من جملتها الفتح والإمساك {ٱلْحَكِيمُ } الذي يفعل كل ما يفعل حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة، والجملة تذييل مقرر لما قبلها ومعرب عن كون كل من الفتح والإمساك بموجب الحكمة التي يدور عليها أمر التكوين. وما أدعى هذه الآية إلى الانقطاع إلى الله تعالى والإعراض عما سواه عز وجل وإراحة البال عن التخيلات الموجبة للتهويش وسهر الليال. وقد أخرج ابن المنذر عن عامر بن عبد قيس: قال أربع آيات من كتاب الله تعالى إذا قرأتهن فما أبالي ما أصبع عليه وأمسي {أية : مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ } تفسير : [فاطر: 2] {أية : وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ } تفسير : [يونس: 107] {أية : سَيَجْعَلُ ٱللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً }تفسير : [الطلاق: 7] {أية : وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ عَلَى ٱللَّهِ رِزْقُهَا }تفسير : [هود: 6]. وبعدما بين سبحانه أنه الموجد للملك والملكوت والمتصرف فيهما على الإطلاق أمر الناس قاطبة أو أهل مكة كما روي عن ابن عباس واختاره الطيبـي بشكر نعمه عز وجل فقال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ...}.

ابن عاشور

تفسير : هذا من بقية تصدير السورة بـــ { أية : الحمد لله فاطر السماوات والأرض } تفسير : [فاطر: 1]، وهو عطف على {فاطر السماوات والأرض} الخ. والتقدير: وفاتح الرحمة للناس وممسكها عنهم فلا يقدر أحد على إمساك ما فتحه ولا على فتح ما أمسكه. و{ما} شرطية، أي اسم فيه معنى الشرط. وأصلها اسم موصول ضُمِّن معنى الشرط. فانقلبت صلته إلى جملة شرطية وانقلبت جملة الخبر جواباً واقترنت بالفاء لذلك، فأصل {ما} الشرطية هو الموصولة. ومحل {ما} الابتداء وجواب الشرط أغنى عن الخبر. و{من رحمة} بيان لإِبهام {ما} والرابط محذوف لأنه ضمير منصوب. والفتح: تمثيلية لإِعطاء الرحمة إذ هي من النفائس التي تشبه المدخرات المتنافس فيها فكانت حالة إعطاء الله الرحمة شبيهة بحالة فتح الخزائن للعطاء، فأشير إلى هذا التمثيل بفعل الفتح، وبيانُه بقوله: {من رحمة} قرينة الاستعارة التمثيلية. والإِمساك حقيقته: أخذ الشيء باليد مع الشدّ عليه بها لئلا يسقط أو ينفلت، وهو يتعدّى بنفسه، أو هو هنا مجاز عن الحبس والمنع ولذلك قوبل به الفتح. وأما قولهم: أمسك بكذا، فالباء إمّا لتوكيد لصوق المفعول بفعله كقوله تعالى: { أية : ولا تمسكوا بعصم الكوافر } تفسير : [الممتحنة: 10]، وإمّا لتضمينه معنى الاعتصام كقوله تعالى: { أية : فقد استمسك بالعروة الوثقى } تفسير : [لقمان: 22]. وقد أوهم في «القاموس» و«اللسان» و«التاج» أنه لا يتعدى بنفسه. فقوله هنا: {وما يمسك} حذف مفعوله لدلالة قوله: {ما يفتح الله للناس من رحمة} عليه. والتقدير: وما يمسكه من رحمة، ولم يُذكر له بيان استغناءً ببيانه من فعل. والإِرسال: ضد الإِمساك، وتعدية الإِرسال باللام للتقوية لأن العامل هنا فرع في العمل. و{من بعده} بمعنى: من دونه كقوله تعالى: { أية : فمن يهديه من بعد الله } تفسير : [الجاثية: 23] { أية : فبأي حديث بعد الله } تفسير : [الجاثية: 6]، أي فلا مرسل له دون الله، أي لا يقدر أحد على إبطال ما أراد الله من إعطاء أو منع والله يحكم لا معقب لحكمه. وتذكير الضمير في قوله: {فلا مرسل له} مراعاة للفظ {ما} لأنها لا بيان لها، وتأنيثه في قوله: {فلا ممسك لها} لِمراعاة بيان {ما} في قوله: {من رحمة} لقربه. وعطف {وهو العزيز الحكيم} تذييل رجّح فيه جانب الإِخبار فعطف، وكان مقتضى الظاهر أن يكون مفصولاً لإِفادة أنه يفتح ويمسك لحكمة يعلمها، وأنه لا يستطيع أحد نقضَ ما أبْرَمَه في فتح الرحمة وغيره من تصرفاته لأن الله عزيز لا يمكن لغيره أن يغلبه، فأنّ نقض ما أبرم ضرب من الهوان والمذلّة. ولذلك كان من شعار صاحب السؤدد أنه يبرم وينقض قال الأعشى: شعر : علقمَ ما أنت إلى عامر الناقِض الأوتار والواتر تفسير : وضمير {لها} وضمير {له} عائدان إلى {ما} من قوله: {ما يفتح الله للناس من رحمة}، روعي في تأنيث أحد الضميرين معنى {ما} فإنه اسم صادق على {رحمة} وقد بُيّن بها، وروعي في تذكير الضمير الآخر لفظ {ما} لأنه لفظ لا علامة تأنيث فيه. وهما اعتباران كثيران في مثله في فصيح الكلام، فالمتكلم بالخيار بين أيّ الاعتبارين شاء. والجمع بينهما في هذه الآية تفنن. وأوثر بالتأنيث ضمير {ما} لأنها مبيّنة بلفظ مؤنث وهو {من رحمة}.

الشنقيطي

تفسير : قوله تعالى: {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ} الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ما يفتحه للناس من رحمته وإنعامه عليهم بجميع أنواع النعم، لا يقدر أحد كائناً من كان أن يمسكه عنهم، وما يمسكه عنهم من رحمته وإنعامه لا يقدر أحد كائناً من كان أن يرسله إليهم، وهذا معلوم بالضرورة من الدِّين، والرحمة المذكورة في الآية عامّة في كل ما يرحم الله به خلقه من الإنعام الدنيوي والأخروي، كفتحه لهم رحمة المطر، كما قال تعالى: {أية : فَٱنظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَةِ ٱللَّهِ كَيْفَ يُحْيِيِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ} تفسير : [الروم: 50]. وقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} تفسير : [الأعراف: 57]. وقوله تعالى: {أية : وَهُوَ ٱلَّذِي يُنَزِّلُ ٱلْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ} تفسير : [الشورى: 28] الآية، ومن رحمته إرسال الرسل، وإنزال الكتب كقوله تعالى: {أية : وَمَا كُنتَ تَرْجُوۤ أَن يُلْقَىٰ إِلَيْكَ ٱلْكِتَابُ إِلاَّ رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ} تفسير : [القصص: 86] كما تقدّم إيضاحه في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: {أية : فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} تفسير : [الكهف: 65] الآية. وما تضمنّته هذه الآية الكريمة جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ} تفسير : [يونس: 107]. وقوله تعالى: {أية : قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً} تفسير : [الفتح: 11] الآية. وقوله تعالى: {أية : قُلْ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوۤءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً} تفسير : [الأحزاب: 17] الآية إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدّمنا بعض الكلام على هذا في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ} تفسير : [الأنعام: 17] و (ما) في قوله تعالى: {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ} وقوله: (ومَا يُمْسِكْ) شرطيّة، وفتح الشيء التمكين منه وإزالة الحواجز دونه والإمساك بخلاف ذلك.

د. أسعد حومد

تفسير : (2) - مَفَاتِيحُ الخَيْر وَمَغَالِيقُهُ بِيَدِ اللهِ سُبَحَانَهُ وَتَعَالَى، فَمَا يُعْطِ مِنْ خيرٍ لاَ يَسْتَطِعُ أَحَدٌ مَنْعَهُ وَلا إِمْسَاكَهُ، وَمَا يُمْسِكْهُ مِنْ خَيْرٍ لاَ يَبْسُطْهُ وَلا يَفْتَحْهُ للنَّاسِ فَاتِحٌ. وَهُوَ الغَالِبُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ مِنَ الأُمُورِ التِي مِنْها الفَتْحُ وَالإِمسَاكُ، وَهُوَ الحَكِيمُ الذِي يَتَصَرَّفُ بِحَسَبِ مَا تَقْتَضِيهِ الحِكْمَةُ وَالمَصْلَحَةُ. مَا يَفْتَحِ - يُرْسِلْ أَوْ مَا يُعْطِ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : ما دام أنه - سبحانه وتعالى - هو الخالق، هو الخالق، فمقتضى الخَلْق أنْ يوفر الله للمخلوق ما يصلحه، فهو أولاً يحتاج إلى رحمة في بقاء حياته؛ لذلك يُنزل سبحانه المطرَ فيحيى الأرضَ بالنبات ليزرع الإنسان ويأكل ويشرب، وهذا قِوَام حياته المادية، ثم يوفر له أيضاً قوام حياته الروحية والمعنوية، فيُنزل عليه ما يحفظ قيمه، وما يُنظم حياته بأدب مع غيره، وهذا هو المنهج الذي قال الله فيه {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ} تفسير : [الزخرف: 32]. وهذه الرحمة إنْ أرادها الله بعبد، فلا أحدَ يمنعها عنه {مَّا يَفْتَحِ} [فاطر: 2] يعني: يعطي ويمنح {فَلاَ مُمْسِكَ} [فاطر: 2] فلا مانع ولا حابس لها {وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ} [فاطر: 2] لا معطي {لَهُ مِن بَعْدِهِ} [فاطر: 2] أي: من بعد الله. وتأمل الأسلوب القرآني في {مَّا يَفْتَحِ} [فاطر: 2] مقابلها يغلق، لكن الحق سبحانه لم يَقُل: وما يغلق، إنما {وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ} [فاطر: 2] لماذا؟ قالوا: لأن المغلَق ربما تمكَّن أحد من فتحه بالحيلة أو بالقوة، أما {وَمَا يُمْسِكْ} [فاطر: 2] فلا أحدَ يستطيع أنْ ينال شيئاً أمسكه الله. ومن معاني هذا الفتح وهذه الرحمة: الرسالة التي خَصَّ الله بها سيدنا رسول الله؛ لذلك قال الكفار {أية : لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} تفسير : [الزخرف: 31]. وقالوا: {أية : أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا} تفسير : [ص: 8]. فردَّ الله عليهم: {أية : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا..} تفسير : [الزخرف: 32]. يعني: تأدبوا مع الله، فهو الذي قسم لكم أمور الدنيا وأمور المعايش، أيترك لكم ولأهوائكم أنْ تُقسِّموا الوحي، وأنْ تجعلوه ينزل على مَنْ تهوون؟ والفتح: إزالة حاجز بين شيئين، ومنه حِسيٌّ كما نفتح الباب أو الشنطة مثلاً، كما ورد في القرآن: {أية : وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ} تفسير : [يوسف: 65]. وقد يكون الفتح أمراً معنوياً كالفتح بالخير، أو بالرحمة كالوحي الذي اختص الله به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنه قوله تعالى: {أية : أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ} تفسير : [البقرة: 76] يعني: من الوحي الموجود في التوراة من صفة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا فَتْح معنوي بالخير وبالبركة. ومن معاني الفتح: الفصل وفضّ الإشكال بين الخصوم، كما في قوله سبحانه: {أية : رَبَّنَا ٱفْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِٱلْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْفَاتِحِينَ} تفسير : [الأعراف: 89]. وعِلَّة قوله تعالى: {مَّا يَفْتَحِ ٱللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا ..} [فاطر: 2] لأنه سبحانه واحد لا شريك له، ولا إله غيره، فلو كان معه إله آخر لكان له رأي آخر، أمَّا الحق سبحانه وحده فيتصرف في مُلْكه تصرُّف مَنْ لا شريكَ له، وإلا فكيف يثق بأنه حين يقول للشيء كُنْ فيكون أن الشيء يطيعه؟ فالله يقول هذا الأمر، وهو يعلم أن الشيء سيطيع، فلا أحدَ يستطيع أنْ يقول له لا تطع، لذلك أول مَنْ شهد بالألوهية والوحدانية الواحدة هو الله سبحانه، شهد بها لنفسه سبحانه، فقال: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} تفسير : [آل عمران: 18] وهذه شهادة الذات للذات، لذلك أقبل على الأشياء بكُنْ فكانت، وسمعت، وأطاعت، ونفذت. واقرأ: {أية : إِذَا ٱلسَّمَآءُ ٱنشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ} تفسير : [الانشقاق: 1-2] يعني: سمعتْ بوعى وحَقّ لها أنْ تسمع، وأن تطيع؛ لأنه ليس لها إله آخر يعارضها إنْ أطاعتْ. وبعد أنْ شهد الحق سبحانه لنفسه شهادة الذات للذات شهدتْ بذلك الملائكةُ شهادةَ المشاهدة، ثم شهد أولو العلم شهادةَ التدليل: {أية : شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ وَٱلْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلْعِلْمِ ..} تفسير : [آل عمران: 18]. ثم تُذيَّل الآية بقوله تعالى: {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [فاطر: 2] نعم، ما دام أنه تعالى إله واحد لا شريك له، يرسل رحمته لمن يشاء، ويمسك عَمَّنْ يشاء فهو عزيز، والعزيز هو الذي لا يُغْلَب ولا يُمَانع، لكن هذه العزة وهذه الغلبة ليست صادرة عن بطش أو ظلم أو جبروت، إنما صادرة عن حكمة {وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ} [فاطر: 2] فهو سبحانه حكيم في عطائه، حكيم في منعه، والحكمة - كما قلنا - هي وَضْع الشيء في موضعه المناسب. ثم يقول الحق سبحانه: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ...}.