٣٥ - فَاطِر
35 - Fatir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
3
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {يا أيها النَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } لما بين أن الحمد لله وبين بعض وجوه النعمة التي تستوجب الحمد على سبيل التفصيل بين نعمه على سبيل الإجمال فقال: {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ } وهي مع كثرتها منحصرة في قسمين نعمة الإيجاد، ونعمة الإبقاء. فقال تعالى: {هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ } إشارة إلى نعمة الإيجاد في الابتداء. وقال تعالى: {يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَاء وٱلأَرْضِ } إشارة إلى نعمة الإبقاء بالرزق إلى الانتهاء. ثم بين أنه {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } نظراً إلى عظمته حيث هو عزيز حكيم قادر على كل شيء قدير نافذ الإرادة في كل شيء ولا مثل لهذا ولا معبود لذاته غير هذا ونظراً إلى نعمته حيث لا خالق غيره ولا رازق إلا هو. ثم قال تعالى: {فَأَنّىٰ تُؤْفَكُونَ } أي كيف تصرفون عن هذا الظاهر، فكيف تشركون المنحوت بمن له الملكوت.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} معنى هذا الذكر الشكرُ. {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ} يجوز في «غير» الرفع والنصب والخفض، فالرفع من وجهين: أحدهما: بمعنى هل من خالق إلا الله؛ بمعنى ما خالق إلا الله. والوجه الثاني: أن يكون نعتاً على الموضع؛ لأن المعنى: هل خالق غير الله، و«من» زائدة. والنصب على الاستثناء. والخفض على اللفظ. قال حُميد الطويل: قلت للحسن: من خلق الشر؟ فقال سبحان الله! هل من خالق غير الله جل وعز، خلق الخير والشر. وقرأ حمزة والكسائي: «هَلْ مِنْ خَالِقٍ غيرِ اللَّهِ» بالخفض. الباقون بالرفع. {يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} أي المطر. {وَٱلأَرْضِ} أي النبات. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } من الأَفْك (بالفتح) وهو الصرف؛ يقال: ما أفكَك عن كذا، أي ما صرفك عنه. وقيل: من الإفك (بالكسر) وهو الكذب، ويرجع هذا أيضاً إلى ما تقدم؛ لأنه قول مصروف عن الصدق والصواب، أي من أين يقع لكم التكذيب بتوحيد الله. والآية حجة على القدرية لأنه نفى خالقاً غير الله وهم يثبتون معه خالقين، على ما تقدم في غير موضع.
ابن كثير
تفسير : ينبه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده في إفراد العبادة له، كما أنه المستقل بالخلق والرزق، فكذلك فليفرد بالعبادة، ولا يشرك به غيره من الأصنام والأنداد والأوثان، ولهذا قال تعالى: {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ}؟ أي: فكيف تؤفكون بعد هذا البيان، ووضوح هذا البرهان، وأنتم بعد هذا تعبدون الأنداد والأوثان؟ والله أعلم.
المحلي و السيوطي
تفسير : {يَٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ } أي أهل مكة {ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ } بإسكانكم الحرم ومنع الغارات عنكم {هَلْ مِنْ خَٰلِقٍ } «من» زائدة و «خالق» مبتدأ {غَيْرُ ٱللَّهِ } بالرفع والجر نعت ل «خالق» لفظا ومحلاًّ، وخبر المبتدأ {يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمآءِ } المطر {وَ} من {ٱلأَرْضِ } النبات؟ والاستفهام للتقرير: أي لا خالق رزاق غيره {لاَ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } من أين تصرفون عن توحيده مع إقراركم بأنه الخالق الرازق؟
الخازن
تفسير : قوله عز وجل: {يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم} قيل الخطاب لأهل مكة ونعمة الله عليهم إسكانهم الحرم ومنع الغارات عنهم {هل من خالق غير الله} أي لا خالق إلا الله وهو استفهام تقرير وتوبيخ {يرزقكم من السماء} أي المطر {والأرض} أي النبات {لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} أي من أين يقع لكم الإفك والتكذيب بتوحيد الله وإنكار البعث وأنتم مقرون بأن الله خالقكم ورازقكم {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك} يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم {وإلى الله ترجع الأمور} أي فجزي المكذب من الكفار بتكذيبه. قوله تعالى {يا أيها الناس إن وعد الله حق} أي وعد القيامة {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} أي لا تخد عنكم بلذاتها وما فيها عن عمل الآخرة وطلب ما عند الله {ولا يغرنكم بالله الغرور} أي لا يقل لكم اعملوا ما شئتم فإن الله يغفر كل ذنب وخطيئة ثم بين الغرور من هو فقال تعالى {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً} أي عادوه بطاعة الله ولا تطيعوه فيما يأمركم به من الكفر والمعاصي {إنما يدعو حزبه} أي أشياعه وأولياءه {ليكونوا من أصحاب السعير} ثم بين حال موافقيه ومخالفته فقال تعالى {الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير}. قوله عز وجل {أفمن زين له سوء عمله} قال ابن عباس نزلت في أبي جهل ومشركي مكة وقيل نزلت في أصحاب الأهواء والبدع ومنه الخوارج الذي يستحلون دماء المسلمين وأموالهم وليس أصحاب الكبائر من الذنوب منهم لأنهم لا يستحلونها ويعتقدون تحريمها مع ارتكابهم إياها ومعنى زين له شبه له وموه عليه قبيح عمله {فرآه حسناً} وفي الآية حذف مجازه أفمن زين له سوء عمله فرأي الباطل حقاً كمن هداه الله فرأى الحق حقاً والباطل باطلاً {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} وقيل مجاز الآية أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء والحسرة شدة الحزن على ما فات والمعنى لا تغتم بكفرهم وهلاكهم إن لم تؤمنوا{إن الله عليم بما يصنعون} فيه وعيد العقاب على سوء صنيعهم {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً} أي تزعجه من مكانه وقيل تجمعه وتجيء به {فسقناه} أي فنسوقه {إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور} أي مثل إحياء الموات نشور الأموات روى ابن الجوزي في تفسيره "حديث : عن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى وما آية ذلك في خلقه فقال "هل مررت بواد أهلك محلا ثم مررت به يهتز خضراً قلت نعم قال كذلك يحيي الله الموتى وتلك آيتة في خلقه"" تفسير : قوله تعالى {من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً} قيل معناه من كان يريد أن يعلم لمن العزة فلله العزة جميعاً وقيل معناه من كان يريد العزة فليتعزز بطاعة الله هو دعاء إلى طاعة من له العزة أي فليطلب العزة من عند الله بطاعته، وذلك أن الكفار عبدوا الأصنام وطلبوا بها التعزز، فبين الله أن لا عزة إلا لله ولرسوله ولأوليائه المؤمنين {إليه} يعني إلى الله {يصعد الكلم الطيب} قيل هو لا إله إلا الله وقيل هو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر روى البغوي باسناده عن ابن مسعود قال "إذا حدثتكم حديثاً أنبأتكم بمصداقه من كتاب الله عز وجل ما من عبد مسلم يقول خمس كلمات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وتبارك الله، إلا أخذهن ملك تحت جناحه ثم يصعد بهن فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يجيء بها وجه رب العالمين، ومصداقه من كتاب الله قوله: إليه يصعد الكلم الطيب" هذا حديث موقوف على ابن مسعود وفي إسناد الحجاج بن نصير ضعيف، وقيل الكلم الطيب ذكر الله تعالى وقيل معنى إليه يصعد أي يقبل الكلم الطيب {والعمل الصالح يرفعه} قال ابن عباس أي يرفع العمل الصالح الكلم الطيب، وقيل الكلم الطيب ذكر الله والعمل الصالح أداء الفرائض فمن ذكر الله، ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله وليس الإيمان بالتمني وليس بالتحلي ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال فمن قال حسناً وعمل غير صالح رد الله عليه قوله ومن قال حسناً وعمل صالحاً يرفعه العمل ذلك بأن الله يقول إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه وجاء في الحديث "حديث : لا يقبل الله قولاً إلا بعمل ولا عملاً إلا بنية"تفسير : وقيل الهاء في يرفعه راجعة إلى العمل الصالح أي الكلم الطيب يرفع العمل الصالح فلا يقبل عملا إلا أن يكون صادراً عن توحيد وقيل معناه العمل الصالح يرفعه الله وقيل العمل الصالح هو الخالص، وذلك أن الإخلاص سبب قبول الخيرات من الأقوال والأفعال {والذين يمكرون السيئات} أي يعملون السيئات أي الشرك وقيل يعني الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الندوة وقيل هم أصحاب الرياء {لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور} أي يبطل ويهلك في الآخرة.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ} [الآية: 3]. قال ابن عطاء رحمة الله عليه: من علم أنه لا رازق للعباد غيره ثم يتعلق قلبه بالأسباب فهو من المبعدين عن طريق الحقائق. قال القاسم: يرزقكم من السماء الهداية، ومن الأرض أسباب الغذاء والحفظ والبقاء.
القشيري
تفسير : مَنْ ذَكَرَ النِّعمةَ فصاحبُ عبادةٍ، ونائِلُ زيادة، ومَنْ ذَكَرَ المُنْعِمَ فصاحبُ إرادةٍ، ونائِلُ زيادة... ولكنْ فرقٌ بين زيادة وزيادة؛ ذلك زيادته في الدارين عطاؤه، وهذا زيادته لقاؤه: اليوم سِرَّاً بِسِرٍّ من حيث المشاهدة، وغداً جَهْراً بِجَهْرٍ من حيث المعاينة. والنعمة على قسمين: ما دَفَعَ عنه من المِحَن، وما نَفَعَ به من المِنَن؛ فَذِكْرُه لما دَفَعَ عنه يوجِبُ دوامَ العصمة، وذكره لما نَفَعَه به يوجب تمام النعمة. {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ...}؟ وفائدة هذا التعريف أنه إذا عَرَفَ أنه لا رازقَ غيره لم يـُعلِّقْ قلبَه بأحدٍ في طلب شيءٍ، ولم يتذلل في ارتفاقٍ لمخلوقٍ، وكما لا يرى رِزْقَه من مخلوقٍ لا يراه من نفسه أيضاً؛ فيتخلَّصُ من ظلمات تدبيره واحتياله، ومن تَوَهُّم شيءٍ من أمثاله وأشكاله، ويستريح لشهود تقديره، ولا محالة يُخْلِصُ في توكله وتفويضه.
اسماعيل حقي
تفسير : {يا ايها الناس} عامة فاللام للجنس او يا اهل مكة خاصة فاللام للعهد {اذكروا نعمت الله عليكم} نعمه رسمت بالتاء فى احد عشر موضعا من القرآن ووقف عليها بالهاء ابن كثير وابو عمرو والكسائى ويعقوب اى انعامه عليكم ان جعلت النعمة مصدرا وكائنة عليكم ان جعلت اسما اى راعوها واحفظوها بمعرفة حقها والاعتراف بها وتخصيص العبادة والطاعة بمعطيها سواء كانت نعمة خارجة كالمال والجاه او نعمة بدنية كالصحة والقوة او نعمة نفسية كالعقل والفطنة ولما كان ذكر النعمة مؤديا الى ذكر المنعم قال بطريق الاستفهام الانكارى {هل من خالق غير الله} اى هل خالق مغاير له تعالى موجود اى لا خالق سواه على ان خالق مبتدأ محذوف الخبر زيدت عليه من تأكيدا للعموم وغير الله نعت له باعتبار محله كما انه نعت له فى قراءة الجر باعتبار لفظه. قال فى الاسئلة المقحمة اى حجة فيها على المعتزلة الجواب انه تعالى اخبر بان لا خالق غيره وهم يقولون نحن نخلق افعالنا وقوله من صلة وذلك يقتضى غاية النفى والانتفاء {يرزقكم من السماء والارض} اى المطر من السماء والنبات من الارض وهو كلام مبتدأ لا محل له من الاعراب ولا مساغ لكونه صفة اخرى لخالق لان معناه نفى وجود خالق موصوف بوصفى المغايرة والرازقية معا من غير تعرض لنفى وجود ما اتصف به المغايره فقط ولا لكونه خبرا للمبتدأ لأن معناه نفى رازقيه خالق مغاير له تعالى من غير تعرض لنفى وجوده رأسا مع انه المراد حتما وفائدة هذا التعريف انه اذا عرف انه لا رازق غيره لم يعلق قلبه باحد فى طلب شئ ولا يتذلل للانفاق لمخلوق وكما لا يرى رزقه من مخلوق لا يراه من نفسه ايضا فيتخلص من ظلمات تدبيره واحتياله وتوهم شئ من امثاله واشكاله ويستريح بشهود تقديره. قال شيخى وسندى روّح الله روحه فى بعض تعليقاته يا مهموما بنفسه كنت من كنت لو القيتها الينا واسقطت تدبيرها وتركت تدبيرك لها واكتفيت بتدبيرنا لها من غير منازعة فى تدبيرنا لها لاسترحت جعلنا الله واياكم هكذا بفضله آمين {لا اله الا هو} واذا تبين تفرده تعالى بالالوهية والخالقية والرازقية {فأنى} فمن أى وجه {تؤفكون} تصرفون عن التوحيد الى الشرك وعن عبادته الى عبادة الاوثان فالفاء لترتيب انكار عدولهم عن الحق الى الباطل على ما قبلها
ابن عجيبة
تفسير : قلت: {غيرُ الله}: من رفعه فنعت للمحل، أي: هل خالق غير الله، ومن جره: فنعت للفظ. و {يرزقكم}: إما استئناف، أو: صفة ثانية لخالق، و {لا إله إلا هو}: مستأنفة، لا محل لها. يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الناس اذكروا نعمةَ اللهِ عليكم} باللسان والقلب، وهي التي تقدمت، من بسط الأرض كالمهاد، ورفع السماء بلا عماد، وإرسال الرسل للهداية والإرشاد، والزيادة في الخلق، وفتح أبواب الرزق. ثم نبَّه على أصل النعم، وهو توحيد المُنْعم، فقال: {هل من خالق غيرُ اللهِ يرزقكم من السماء} بالمطر {والأرض} بالنبات، بل لا خالق يرزق غيره، {لا إِله إِلا هو فأنى تُؤفكون} فمن أيِّ وجه تُصرفون عن التوحيد إِلى الشرك. ثم سلَّى نبيه عن صدف قومه عن شكر المُنعم بقوله: {وإِن يُكذِّبوك فقد كُذِّبتْ رسلٌ مِن قبلك} فلك فيهم أُسوة، فاصبر كما صبروا. وتنكير "رسل" للتعظيم، المقتضي لزيادة التسلية، والحث على المصابرة، أي: فقد كُذِّبت رسل عظام، ذوو عدد كثير، وأولو آيات عديدة، وأهل أعمار طوال، وأصحاب صبر وعزم. وتقدير الكلام: وإن يكذبوك فتأسّ بتكذيب الرسل قبلك؛ لأن الجزاء يعقب الشرط، ولو أجري على الظاهر، لكان الجزاء مقدماً على الشرط؛ لأن تكذيب الرسل سابق، فَوضعَ {فقد كُذّبت رسل من قبلك} موضع فتأسّ، استغناءً بالسبب عن المسبب. {وإِلى الله تُرجع الأمورُ} وهو كلامٌ مشتمل على الوعد والوعيد، من رجوع الأمور إلى حكمه، ومجازاة المكذِّب والمكذَّب بكل ما يستحقه في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالنصر والعز لأهل الحق، وبالذل والإهانة لأهل التكذيب، وفي الآخرة معلوم، فالإطلاق أحسن من التقييد بالآخرة. والله تعالى أعلم. الإشارة: ذكر النعمة هو أن ينظر العبد، ويتفكر في نفسه، فيجد نفسه مغروقة في النعم الظاهرة والباطنة. وقد تقدّم تعدادها في لقمان. وليتفكر في حالته الماضية، فقد كان جاهلاً، فعلَّمه الله، ضالاًّ، فهداه الله، غافلاً، فأيقظه الله، عاصياً، فوفقه الله، إلى غير ذلك من الأحوال السنية. ولينظر أيضاً إلى مَن تحته مِن العباد، فيجد كثيراً مَن هو أسوأ منه حالاً ومقاماً، فيحمد الله ويشكره. قال صلى الله عليه وسلم: "حديث : انظروا إلى مَن هو تحتكم ولا تنظروا إلى مَن فوقَكم فهو أَجْدَرُ ألا تَزْدَرُوا نعمةَ الله عليكم" تفسير : .وحمله المحققون على العموم في الدين والدنيا. ذكره ابن عباد في الرسائل وغيره. وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: تذاكروا النعم؛ فإن ذكرها شكر. هـ. وقال القشيري: مَنْ ذَكَرَ نعمَته فصاحبُ عبادةٍ، ونائِلُ زيادة، ومَن ذَكَرَ المُنْعِمَ فصاحبُ إرادة، ونائل زيادة، ولكنْ فرقٌ بين زيادة وزيادةً، هذا زيادته في الدارين عطاؤه، وهذا زيادته لقاؤه، اليومَ سِرًّاً بِسِرٍّ، من حيث المشاهدة، وغداً جَهْراً بِجَهْرٍ، من حيث المعاينة. هـ. قلت: مَن تحقق بغاية الشهود لم يبقَ له فرق بين شهود الدارين؛ إذ المتجلي واحد. ثم قال: والنعمة على قسمين: ما دَفَعَ من المِحَن، وما وضع من المِنَن، فَذِكْرُه لما دَفَعَ عنه يوجب دوامَ العصمة، وذكره لما نَفَعَه به يوجب تمام النعمة، {هل من خالق غير الله...}؟ فائدة هذا التعريف بوحدانيته، فإذا عَرَفَ أنه لا رازق غيره؛ لم يُعلِّق قلبَه بأحدٍ في طلب شيءٍ. وتَوَهم شيء من أمثاله وأشكاله، ويستريح لشهود تقديره، ولا محالة يُخْلِصُ في توكله وتفويضه. هـ. ثم قال في قوله: {وإِن يُكذِّبوك...} الآية: وفي هذا إشارة للحكماء، وأرباب القلوب، مع العوامِّ والأجانب عن هذه الطريقة، فإنهم لا يقبلون منهم إلا القليل، وأهل الحقائق منهم أبداً في مقاساة الأذية، إلا بسَتْر حالهم عنهم، والعوام أقرب إلى هذه الطريقة من القُرَّاءِ المتعمقين، والعلماء المتجمدين، الذين هم لهذه الأصول منكرون. هـ. ثم حذَّر من الدنيا لأنها تنسي النعم والشكر فقال: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ...}
الجنابذي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} من غاية رحمته بعباده، كرّر تذكير نعمته عليهم حتّى لا ينسوها ويقوموا بحقّ شكرها وناداهم قبل الامر بذكر النّعمة ليكونوا ملتذّين بندائه فيصغوا الى امره حقّ الاصغاء، وقد تكرّر فى ما سبق انّ اصل النّعمة الولاية التّكوينيّة الّتى يعبّر عنها بحبلٍ من الله والولاية التّكليفيّة الّتى يعبّر عنها بحبل من النّاس وكلّ ما كان متّصلاً بتلك الولاية فهو نعمةٌ بسببها، وكلّ ما كان منقطعاً عن الولاية كائناً ما كان كان نقمةً {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ} جملة حاليّة عن النّعمة او عن الله بتقدير القول او مستأنفة جواب لسؤالٍ مقدّرٍ بتقدير القول، او مستأنفة لمدح النّعمة {يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ} بتهيّة الاسباب السّماويّة {وَٱلأَرْضِ} بتهيّة الاسباب الارضيّة، او من السّماء بالرّزق الانسانىّ والارض بالرّزق الحيوانىّ والنّباتىّ {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} حاليّة او مستأنفة لبيان حال الله او لتعليل حصر الرّزق فيه او للمدح {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} اى تصرفون عنه.
الأعقم
تفسير : {يا أيها الناس} خطاب للمكلفين {اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله} لأنه خلقهم وخلق جميع الأشياء وهذا استفهام، والمراد تحقيق النفي أي لا خالق غيره {يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو} أي لا تحق الإِلهية والعبادة إلاَّ له {فأنى تؤفكون} كيف تكذبون وتزعمون أن لله شريكاً، وقيل: أنى تصرفون عن الحق أو من أن تكذبون {وإن يكذبوك} يا محمد {فقد كذبت رسل من قبلك} تسلية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) {وإلى الله ترجع الأمر} يعني أمور الخلق فيجازيهم بما يستحقونه {يا أيها الناس إن وعد الله حق} يعني الساعة والثواب والعقاب وسائر ما أخبر به {فلا تغرّنكم الحياة} أي لا تغتروا بالدنيا وأراد ملاذها وزينتها {ولا يغرنكم بالله الغرور} قيل: الشيطان بوسواسه والأماني الباطلة، وقيل: كلما استرزخ إلى المعاصي {إن الشيطان لكم عدوٌ فاتخذوه عدوَّاً} أي عادوه ولا تتبعوه بأن تعملوا بإرادته {إنما يدعو حزبه} أتباعه وأولياءه {ليكونوا من أصحاب السعير} ليصيروا إلى النار، اللام لام العاقبة، أي يصيروا في العاقبة إلى النار {والذين كفروا لهم عذاب شديد} بمخالفة أمر الله تعالى وهو عذاب النار {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} أي الطاعات {لهم مغفرة} يغفر الله لهم ذنوبهم {وأجر كبير} أي ثواب عظيم {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً} يعني سوء عمله حسناً، ومتى قيل: من زين له؟ قيل: نفسه والشيطان، وقيل: علماء السوء، وقيل: الرؤساء فإنهم يصورونه حسناً {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} قيل: يحكم بالضلال والهداية {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} أي لا يغمك حالهم إذا كفروا واستحقوا العذاب كقوله: {أية : لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين} تفسير : [الشعراء: 3] {إن الله عليم بما يصنعون} فيجازيهم بذلك، ثم عاد إلى أدلة التوحيد فقال سبحانه: {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت} أي إلى أرض بعد موتها، أي أحييناها بالنبات والأزهار بعد أن كانت ميتة {كذلك النشور} أي أحيى الموتى من القبور {من كان يريد العزة} في الدنيا بعبادة غيره فيعلم أنه لا ينالها، وقيل: يحيي الله الخلق بماء يرسله من تحت العرش كمني الرجال تنبت منه أجساد الخلق، روي ذلك في الكشاف {فلله العزّة جميعاً} فيعز من تمسك بطاعته، فبيَّن لا عزّة إلا لله ولأوليائه وقال: {أية : ولله العزَّة ولرسوله وللمؤمنين} تفسير : [المنافقون: 8] {إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} والكلم الطيب لا إله إلا الله، عن ابن عباس: يعني أن هذه الكلم لا تصعد إلى السماء فتكتب حيث تكتب الأعمال المقبولة كما قال عزَّ وجل: {أية : إن كتاب الأبرار لفي عليين}تفسير : [المطففين: 18]، وقيل: الرافع الكلم والمرفوع العمل، وقيل: الكلم الطيب كل ذكر من تهليل وتسبيح وتكبير وقراءة قرآن ودعاء واستغفار وغير ذلك، وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "حديث : هو قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاَّ الله والله أكبر إذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيَّا بها وجه الرحمان فإذا لم يكن له عمل صالح لم تقبل" تفسير : وفي الحديث: "حديث : لا يقبل الله قولاً إلا بعمل ولا يقبل قولاً وعمل إلا بالنيَّة" تفسير : وقيل: الكلم الطيب ذكر الله والعمل الصالح أداء فرائضه وإن لم يؤد فريضة رد عليه، وليس الايمان بالتمني، ومن قال حسناً وعمل صالحاً رفع عمله أي قبله {والذين يمكرون السيئات} أي يزيدون في عمل المعاصي، وقيل: يعملون الشرك، وقيل: هم أصحاب الربا {لهم عذاب شديد} في الآخرة {ومكر أولئك هو يبور} أي يبطل ويفسد.
اطفيش
تفسير : {يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم} الخطاب لأهل مكة عند ابن عباس وقيل للناس كلهم لانهم مغمورون في نعمة الله قال ابن عباس النعمة العافية وفي رواية عنه هي تمكينهم من الحرم ومنعهم من جميع العالم وسوا الناس يتخطفون حولهم وذكر النعمة هو تفكرها والشكر عليها لله المختص بايجادها لا شريك له فيها كما انكره بقوله. {هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا اله الا هو فأنى تؤفكون} من أي وجه تصرفون عن التوحيد الى الاشراك مع علمكم بانه الخالق الرازق واقراركم بذلك وخالق مبتدأ مجرور بمن المؤكدة وغير فاعل له اغنى عن الخبر او خالق خبر مقدم وغير مبتدأ مؤخر وجملة نرزقكم مستأنفة استئنافا نحويا وليست خارجة عن تسليط الاستفهام او مستأنفة كذلك لكن. معسرة لخالق فان الخالق يجب ان يكون رازقا ونعت لخالق اذا جعل خبرا واذا جعل ايضا مبتدأ على قول من اجاز وصف الوصف المغني مرفوعة عن الخبر ولك وان تجعل خالق مبتدأ وغير الله نعته او بدله ويرزقكم خبره ولك ان تجعل خالق فاعلا لمحذوف يفسره يرزقكم وجعله بعضهم واجبا متعينا اذا وقف الكلام بينه وبين الوجه الذي قبله نظرا الى طلب هل الفعل لذكره بعدها وقرأ حمزة والكسائي نجر غير نعتا او بدلا على لفظ خالق وغير لا لتعرف بالاضافة فهي نكرة تجوز زيادة من معها وان قلنا تتعرف فقد يقال يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الأوايل وجملة يرزقكم خبر لخالق او مفسر لفعل له محذوف وقرىء بنصب غير على الاستثناء وذكر جار الله ان في الكلام دلالة على انه لا يطلق الخالق على غير الله ان جعلت يرزقكم كلاما مستأنفا قال واما على وجه الوصف ووجه التفسير فقد تقيد فيهما بالرزق من السماء والارض وخرج من الاطلاق فكيف يستشهد به على اختصاصه بالاطلاق وذكر ان الرزق من السماء المطر ومن الارض النبات وجملة لا اله الا هو مستأنفة قال ولو وصلت كما وصل يرزقكم لم يساعد المعنى لأن قولك هل من خالق آخر سوى الله لا اله الا هو الخالق غير مستقيم لان قولك هل من خالق سوى الله اثبات لله فلو ذهبت تقول ذلك لكنت مناقضا بالنفي بعد الاثبات، واقول انما هذا لو ذكر لفظ الخالق بعد هو كما في العبارة بل لو ذكر لم نسلم التناقض بل يكون الكلام من التأكيد كقولك هل رأيت قائما غير زيد لا قائم الا زيد القائم تريد الا زيد الذي اقررت بقيامه وثبت عندك قيامه وذكر بعضهم ان خالق مبتدأ خبره محذوف اي لكم وانه لا يصح ان يكون غير فاعلا لخالق اغني عن الخبر لان الوصف الذي يرفع ما يغني عن الخبر بمنزلة الفعل والفعل لا تدخله من الزايدة وانه لا يجوز كون يرزقكم خبرا لان هل لا تدخل على مبتدأ خبره فعل الا شذوذا عند سيبويه.
اطفيش
تفسير : {يا أيها النًَّاسُ} على الإطلاق أو أهل مكة {اذْكُروا} بالشكر والإذعان {نعْمة الله عَليْكم} نعت نعمة على أن المراد ما أنعم الله به من عافية ومال غيره، ومنع المضار، كما أسكنكم الحرم الآمن، أو متعلق بنعمة على أنه بمعنى الانعام {هَلْ مِن خَالق غيرُ الله} لا خالق لهذه النعم التى أمرتم بشكرها غير الله، وهل استفهام انكار، لأنها فى مقام صورة ادعاء النفى، وإنما يمتنع الإنكار بها فى مقام ادعاء للثبوت نحو: "أية : أفأصــــفاكم ربكم" تفسير : [الإسراء: 40] فيما قيل: والتحقيق أنه يجوز النفى بها، وخالق مبتدأ، وغير فاعل أغنى عن خبره أو خبره وغير مبتدأ، أو غير نعت على المحل، والخبر محذوف، أى هل خالق غير الله الله موجود، أو لكم أو للعالمين. ولا اشكال فى شىء من ذلك باعتبار الصناعة، أو المعنى ولا مانع لقولك: هل من قائم الزيدان، ولا مانع من جعل الخير قوله: {يرزقُكُم من السَّماء والأرْض} بالمطر والنبات والثمار، ولا مانع من جعله نعتا آخر لخالق، أو خبر ثان لغير، ولا يجوز أن يكون مستأنفا مع رجوع الضمير فى يرزق الى خالق، أو غير، ولا يجوز إلاًَّ الاستئناف ذ جعلنا الضمير لله {لا إله إلاَّ هُو} مستأنف أو حال من ضمير يرزق العائد الى الله سبحانه تعالى {فأنَّى تُؤفكُون} تصرفون، عطف على لا إله إلا هو، أو على يرزقكم على أن الضمير فى يرزق لله عطف انشاء على إخبار، أو جواب لمحذوف، أى اذا تحقق أنه الرازق والإله فأنى تؤفكون.
الالوسي
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ} أي إنعامه تبارك وتعالى عليكم إن جعلت النعمة مصدراً أو كائنة عليكم إن جعلت اسماً أي راعوها واحفظوها بمعرفة حقها والاعتراف بها وتخصيص العبادة والطاعة بموليها فليس المراد مجرد الذكر باللسان بل هو كناية عما ذكر، وعن ابن عباس وقد جعل الخطاب لمن سمعت اذكروا نعمة الله عليكم حيث أسكنكم حرمه ومنعكم من جميع العالم والناس يتخطفون من حولكم، وعنه أيضاً نعمة الله تعالى العافية، والأولى عدم التخصيص. ولما كانت نعم الله تعالى مع تشعب فنونها منحصرة في نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء نفى سبحانه أن يكون في الوجود شيء غيره سبحانه يصدر عنه إحدى النعمتين بطريق الاستفهام الذي هو لإنكار التصديق وتكذيب الحكم فقال عز وجل: {هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ } وهل تأتي لذلك كما في «المطول وحواشيه»، وقول الرضي: إن هل لا تستعمل للإنكار أراد به الإنكار على مدعي الوقوع كما في قوله تعالى: {أية : أَفَأَصْفَـٰكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ }تفسير : [الإسراء: 40] ويلزمه النفي والإنكار على من أوقع الشيء كما في قولك أتضرب زيداً وهو أخوك أي هل خالق مغاير له تعالى موجود لكم أو للعالم على أن {خَـٰلِقٌ } مبتدأ محذوف الخبر زيدت عليه {مِنْ } لتأكيد العموم و {غَيْرُ ٱللَّهِ } صفة له باعتبار محله، وصحت الوصفية به مع إضافته إلى أعرف المعارف لتوغله في التنكير فلا يكتسب تعريفاً في / مثل هذا التركيب، وجوز أن يكون بدلاً من {خَـٰلِقٌ } بذلك الاعتبار ويعتبر الإنكار في حكم النفي ليكون غير الله هو الخالق المنفي ولأن المعنى على الاستثناء أي لا خالق إلا الله تعالى والبدلية في الاستثناء بغير إنما تكون في الكلام المنفي وبهذا الاعتبار زيدت {مِنْ } عند الجمهور وصح الابتداء بالنكرة، وكذا جوز أن يكون فاعلاً بخالق لاعتماده على أداة الاستفهام نحو أقائم زيد في أحد وجهيه وهو حينئذ ساد مسد الخبر. وتعقبه أبو حيان بقوله ((فيه نظر وهو أن اسم الفاعل أو ما يجري مجراه إذا اعتمد على أداة الاستفهام وأجري مجرى الفعل فرفع ما بعده هل يجوز أن تدخل عليه (من) التي للاستغراق فيقال هل من قائم الزيدون كما تقول هل قائم الزيدون، والظاهر أنه لا يجوز ألا ترى أنه إذا أجري مجرى الفعل لا يكون فيه عموم بخلافه إذا دخلت عليه (من) ولا أحفظ مثله في لسان العرب، وينبغي أن لا يقدم على إجازة مثل هذا إلا بسماع من كلامهم)) وفيه أن شرط الزيادة والإعمال موجود ولم يبد مانعاً يعول عليه فالتوقف تعنت من غير توقف وفي «الكشف» لا مانع من أن يكون {غَيْرِ } خبراً. ومنعه الشهاب بأن المعنى ليس عليه. وقرأ ابن وثاب وشقيق وأبو جعفر وزيد بن علي وحمزة والكسائي {غَيْرِ } بالخفض صفة لخالق على اللفظ، وهذا متعين في هذه القراءة ولأن توافق القراءتين أولى من تخالفهما كان الأظهر في القراءة الأولى كونه وصفاً لخالق أيضاً، وقرأ الفضل بن إبراهيم النحوي {غَيْرِ } بالنصب على الاستثناء. وقوله تعالى: {يَرْزُقُكُم مّنَ ٱلسَّمَاء وٱلأَرْضِ } بالمطر والنبات كلام مبتدأ لا محل له من الإعراب لا صفة {خَـٰلِقٌ } باعتبار لفظه أو محله، قال في «الكشف»: لأن المعنى على التقريع والتذكير بما هم معترفون به فكأنه قيل: هل من خالق لتلك النعم التي أمرتم بذكرها أو مطلقاً وهو أولى وتدخل دخولاً أولياً {غَيْرُ ٱللَّهِ } ثم تمم ذلك بأنه يرزقكم من السماء والأرض وذلك أيضاً يقتضي اختصاصه تعالى بالعبادة كما أن الخالقية تقتضي ذلك، وفيه أن الخالق لا يكون إلا رازقاً ولو قيل هل من خالق رازق من السماء والأرض غير الله يخرج الكلام عن سننه المقصود. وجوز أن يكون {خَـٰلِقٌ } فاعلاً لفعل مضمر يفسره المذكور والأصل هل يرزقكم خالق و {مِنْ } زائدة في الفاعل، وتعقب بأن ما في النظم الجليل إن كان من باب هل رجل عرف فقد صرح السكاكي بقبح هذا التركيب لأن هل إنما تدخل على الجملة الخبرية فلا بد من صحتها قبل دخول هل ورجل عرف لا يصح بدون اعتبار التقديم والتأخير لعدم مصحح الإبتدائية سواه وإذا اعتبر التقديم والتأخير كان الكلام مفيداً لحصول التصديق بنفس الفعل فلا يصح دخول هل عليه لأنها لطلب التصديق وما حصل لا يطلق لئلا يلزم تحصيل الحاصل ولاحتمال أن يكون رجل فاعل فعل محذوف قال بالقبح دون الامتناع وإن كان من باب هل زيد عرف فقد صرح العلامة الثاني السعد التفتازاني بأنه قبيح باتفاق النحاة وأن ما ذكره صاحب «المفصل» من أن نحو هل زيد خرج على تقدير الفعل تصحيح للوجه القبيح البعيد لا أنه شائع حسن غاية ما في الباب أن سبب قبحه ليس ما ذكره في قبح هل زيد عرف عند السكاكي لعدم تأتيه فيه بل السبب أن هل بمعنى قد في الأصل وأصله أهل كقوله:شعر : أهل عرفت الدار بالغرتين تفسير : وترك الهمزة قبلها لكثرة وقوعها في الاستفهام فأقيمت هي مقام الهمزة وتطفلت عليها في الاستفهام، وقد من لوازم الأفعال فكذا ما هي بمعناها، ولم يقبح دخولها على الجملة الاسمية التي طرفاها اسمان لأنها إذا لم تر الفعل في حيزها تتسلى عنه ذاهلة وهذا بخلاف ما إذا رأته فإنها حينئذ تتذكر / عهوداً بالحمى وتحن إلى الألف والمألوف وتطلق معانقته ولم ترض بافتراق الاسم بينهما، ويعلم من هذا أنه لا فرق عند النحاة بين هل رجل عرف وهل زيد عرف في القبح لذلك. وأجاب بعضهم بأن مجوز هذا الوجه الزمخشري ومتابعوه وهو لا يسلم ما ذكر لأن حرف الشرط كان مثلاً ألزم للفعل من هل لأنه لا يجوز دخوله على الجملة الاسمية التي طرفاها اسمان كما دخلت عليها هل وقد جاز بلا قبح عمل الفعل بعده على شريطة التفسير كقوله تعالى: {أية : وَإِنْ أَحَدٌ مّنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ٱسْتَجَارَكَ} تفسير : [التوبة: 6] فيجوز في هل بالطريق الأولى، وقيل: يجوز أن يكون {يَرْزُقُكُمْ } الخ مستأنفاً في جواب سؤال مقدر تقديره أي خالق يسأل عنه، وأن يكون هو الخبر لخالق، ولا يخفى على متأمل أن ما نقل عن «الكشف» قاض بمرجوحية هذه الأوجه جميعها فتأمل. وفي الآية على ما هو الأولى في تفسيرها وإعرابها رد على المعتزلة في قولهم: العبد خالق لأفعاله ونصرة لأهل السنة في قولهم لا خالق إلا الله تعالى. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } استئناف مقرر للنفي المفهوم مما تقدم قصداً، ولم يجوز جار الله أن يجعل صفة لخالق كما جعل {يَرْزُقُكُمْ } صفة له حيث قال: ولو وصلت جملة {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } كما وصلت {يَرْزُقُكُمْ } لم يساعد عليه المعنى لأن قولك هل من خالق آخر سوى الله لا إله إلا ذلك الخالق غير مستقيم لأن قولك هل من خالق سوى الله إثبات لله تعالى فلو ذهبت تقول ذلك كنت مناقضاً بالنفي بعد الإثبات اهـ. وبين صاحب «الكشاف» وجه المناقضة على تقدير أن يكون {غير الله} صفة بأن الكلام مسوق لنفي المشاركة في الصفة المحققة أعني الخلق فقولك هل من خالق آخر سوى الله إثبات لله تعالى ونفي المشارك له فيها ثم وصف الآخر بانحصار الإلهية فيه يكون لنفي خالقيته دون تفرد بالإلهية والتفرد بالإلهية مع مغايرته لله تعالى متناقضان لأن الأول ينفيه تعالى عن ذلك علواً كبيراً والثاني يثبته مع الغير جل عن كل شريك ونقص، ثم قال: والتحقيق في هذا أن هل لإنكار ما يليها وما تلاه إن كان من تتمته ينسحب عليه حكم الإنكار بالبقية وإلا كان مبقى على حاله نفياً وإثباتاً، ولما كان الكلام في الخالقية على ما مر لم يكن الوصفان أعني تفرد الآخر بالإلهية ومغايرته للقيوم الحق مصباً له وهما متناقضان في أنفسهما على ما بين فيلزم ما ذكره جار الله لزوماً بيناً اهـ، وقد دفع بتقريره ذلك كثيراً من القال والقيل بيد أنه لا يخلو عن بحث، ويمكن تقرير المناقضة على تقدير الوصفية بوجه أظهر لعله لا يخفى على المتأمل، ويجوز أن يكون المانع من الوصفية النظم المعجز وحاكمه الذوق السليم والكلام في ذلك طويل فتأمل. والفاء في قوله تعالى: {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } لترتيب إنكار عدولهم عن التوكيد إلى الإشراك على ما قبلها كأنه قيل: وإذا تبين تفرده تعالى بالألوهية والخالقية والرازقية فمن أي وجه تصرفون عن التوحيد إلى الشرك.
ابن عاشور
تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَـٰلِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}. لما جرى ذكر رحمة الله التي تعم الناس كلهم أقبل على خطابهم بأن يتذكروا نعمة الله عليهم الخاصة وهي النعمة التي تخص كل واحد بخاصته فيأتلف منها مجموع الرحمة العامة للناس كلهم وما هي إلا بعض رحمة الله بمخلوقاته. والمقصود من تذكر النعمة شكرها وقدرها قدرها. ومن أكبر تلك النعم نعمة الرسالة المحمدية التي هي وسيلة فوز الناس الذين يتبعونها بالنعيم الأبدي. فالمراد بالذكر هنا التذكر بالقلب وباللسان فهو من عموم المشترك أو من إرادة القدر المشترك فإن الذكر باللسان والذكر بالقلب يستلزم أحدُهما الآخرَ وإلا لكان الأول هذياناً والثاني كتماناً. قال عمر بن الخطاب: «أفضل من ذكر الله باللسان ذكرُ الله عند أمره ونهيه»، أي وفي كليهما فضل. ووصفت النعمة بـــ{عليكم} لأن المقصود من التذكر التذكر الذي يترتب عليه الشكر، وليس المراد مطلق التذكر بمعنى الاعتبار والنظر في بديع فضل الله، فذلك له مقام آخر، على أن قوله: {هل من خالق غير الله يرزقكم} قد تضمن الدعوة إلى النظر في دليل الوحدانية والقدرة والفضل. والاستفهام إنكاري في معنى النفي ولذلك اقتَرَن ما بعده بــــ{مِنْ} التي تُزاد لتأكيد النفي، واختير الاستفهام بــــ{هل} دون الهمزة لِما في أصل معنى {هل} من الدلالة على التحقيق والتصديق لأنها في الأصْل بمعنى (قد) وتفيد تأكيد النفي. والاهتمام بهذا الاستثناء قُدّم في الذكر قبل ما هو في قوة المستثنى منه. وجعل صفة لــــ{خالق} لأن {غير} صالحة للاعتبارين ولذلك جرت القراءات المشهورة على اعتبار {غير} هنا وصفاً لــــ{خالق}، فجمهور القراء قرأوه برفع {غير} على اعتبار محلِّ {خالق} المجرور بــــ{من} لأن محله رفع بالابتداء. وإنما لم يظهر الرفع للاشتغال بحركة حرف الجر الزائد. وقرأه حمزة والكسائي وأبو جعفر وخَلف بالجر على إِتْباع اللفظ دون المحل. وهما استعمالان فصيحان في مثله اهتم بالتنبيه عليهما سيبويه في «كتابه». وجملة {يرزقكم} يجوز أن تكون وصفاً ثانياً لـــ{خالق}. ويجوز أن تكون استئنافاً بيانياً. وجُعل النفي متوجهاً إلى القيد وهو جملة الصفة كما هي سُنّته في الكلام المقيّد لأن المقصود التذكير بنعم الله تعالى ليشكروا، ويكون ذلك كناية عن الاستدلال على انتفاء وصف الخالقية عن غيره تعالى لأنه لو كان غيره خالقاً لكان رازقاً إذ الخلق بدون رزق قصور في الخالقية لأن المخلوق بدون رزق لا يلبث أن يصير إلى الهلاك والعدم فيكون خلقه عبثاً ينزه عنه الموصوف بالإِلهية المقتضية للحكمة فكانت الآية مذكرة بنعمتي الإِيجاد والإِمداد. وزيادة {من السماء والأرض} تذكير بتعدد مصادر الأرزاق؛ فإن منها سماوية كالمطر الذي منه شراب، ومنه طُهور، وسبب نبات أشجار وكَلأٍ، وكالمَنّ الذي ينزل على شجر خاص من أندية في الجوّ، وكالضياء من الشمس، والاهتداء بالنجوم في الليل، وكذلك أنواع الطير الذي يُصَاد، كلّ ذلك من السماء. ومن الأرض أرزاق كثيرة من حبوب وثمار وزيوت وفواكه ومعادن وكلأٍ وكمأة وأسماك البِحار والأنهار. وفي هذا القيد فائدة أخرى وهي دفع توهم الغفّل أن أرزاقاً تأتيهم من غير الله من أنواع العطايا التي يعطيها بعضهم بعضاً، والمعاوضات التي يعاوضها بعضهم مع بعض فإنها لكثرة تداولها بينهم قد يلهيهم الشغل بها عن التدبر في أصول منابعها فإن أصول موادها من صنع الله تعالى فآل ما يُعطاه الناس منها إلى أنه من الله على نحو ما عرض للذي حاجَّ إبراهيم في ربه إذ قال له إبراهيم: { أية : ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت } تفسير : [البقرة: 258] فهذا رجل محكوم بقتله ها أنا ذا أعفو عنه فقد أحييتُه، وهذا رجل حيّ ها أنا ذا آمر به فيقتل فأنا أميت. فانتقل إبراهيم إلى أن قال له: { أية : فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب } تفسير : [البقرة: 258]. {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونََ}. هذا نتيجة عقب ذكر الدليل إذ رتّب على انفراده بالخالقية والرازقية انفراده بالإِلهية لأن هذين الوصفين هما أظهر دلائل الإِلهية عند الناس فجملة {لا إلٰه إلا هو} مستأنفة. وفرع عليه التعجيب من انصرافهم عن النظر في دلائل الوحدانية بجملة {فأنى تؤفكون}. و{أنَّى} اسم استفهام يجيء بمعنى استفهام عن الحالة أو عن المكان أو عن الزمان. والاستفهام عن حالة انصرافهم هو المتعين هنا وهو استفهام مستعمل في التعجيب من انصرافهم عن الاعتراف بالوحدانية تبعاً لمن يصرفهم وهم أولياؤهم وكبراؤهم. و{تؤفكون} مبنيّ للمجهول من أَفَكَه من باب ضربه، إذا صرفه وعدل به، فالمصروف مأفوك. وحذف الفاعل هنا لأن آفكيهم أصناف كثيرون، وتقدم في قوله تعالى: { أية : قاتلهم الله أنى يؤفكون } تفسير : في سورة براءة (30).
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ}. الاستفهام في قوله: {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ} إنكاري فهو مضمن معنى النفي. والمعنى: لا خالق إلا الله وحده، والخالق هو المستحق للعبادة وحده. وقد قدّمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: {أية : أَمْ جَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلْقِهِ} تفسير : [الرعد: 16] وفي سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: {أية : وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ} تفسير : [الفرقان: 3] وفي غير ذلك من المواضع. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: {يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} يدّل على أنه تعالى هو الرازق وحده، وأن الخلق في غاية الاضطرار إليه تعالى. والآيات الدالة على ذلك كثيرة كقوله تعالى: {أية : أَمَّنْ هَـٰذَا ٱلَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ} تفسير : [الملك: 21] وقوله: {أية : فَٱبْتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزْقَ} تفسير : [العنكبوت: 17]. وقد قدّمنا كثيراً من الآيات الدالة على ذلك في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: {أية : إِنَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} تفسير : [الإسراء: 9].
د. أسعد حومد
تفسير : {يٰأَيُّهَا} {نِعْمَتَ} {خَالِقٍ} (3) - يَا أَيُّها النَّاسُ اذكُروا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ عَلَيكُم، واحْفَظُوها بِمَعْرِفَةِ حَقِّها، وَالاعْتِرِافِ بِهَا، والشُّكْرِ عَليها، وَخُصُّوهُ تَعَالى بِالعِبَادَةِ والطَّاعَةِ، فَهُوَ الذِي يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ، بِمَا يُنْزِلُهُ مِنَ المَطَرِ، وَمِنَ الأَرْضِ، بِمَا يُخْرِجُهُ مِنْ زُرُوعٍ وَثِمَارٍ، فَكَيفَ تُصْرِفُونَ عَن الحَقِّ، وَهُوَ عِبَادَةُ اللهِ الخَالِقِ الرَّازِقِ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَتَعْبُدُونَ الأَصْنَامَ وَالأَوْثَانَ؟. فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ - فَكَيفَ تُصْرَفُونَ عَنْ تَوْحِيدِهِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : الحق سبحانه يمتنُّ على عباده ويُذكِّرهم بنعمه عليهم، ويذكر أول هذه النِّعم، وهي نعمة الخَلْق من عدم، وأراد سبحانه أنْ يبرز لهم هذه المسألة إبرازاً يشاركه - سبحانه وتعالى - فيه، فلم يأت الأسلوب في صورة الخبر: أنا خلقتكم. إنما جاء في صورة الاستفهام ليقولوا هم ويُقِرُّوا {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ} [فاطر: 3]. ومعلوم أن الخبر عُرْضة لأنْ يُكذَّب، أمّا الاستفهام فلا تستطيع أن تكذبه، وأنت لا تستفهم عن شيء فعلْتَه إلا إذا كنتَ واثقاً أن الإجابة ستأتي على وَفْق مرادك، فحين ينكر شخصٌ جميلَك لا تقول له: فعلتُ لك كذا وكذا؛ لأنه ربما كذَّبك، إنما تقول: ألم أُقدِّم لك كذا يوم كذا؟ حينئذ لا يستطيع إلا أن يُقرَّ بجميلك، فلن يجد إجابة عن سؤالك إلا الإقرار. كذلك الحق سبحانه يُقرِّرهم بنعمه ليكون الإقرارُ حجةً عليهم ويسألهم، وهو سبحانه أعلم {هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ} [فاطر: 3] ثم يذكر هو سبحانه النتيجة {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [فاطر: 3] ولم يقولوها هم؛ لأنهم (مربوكون) وكان المنطق: ما دام هو سبحانه الخالق الرازق فعليهم أنْ يؤمنوا به، وقالها سبحانه بصيغة الغائب {لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ} [فاطر: 3] ولم يقُلْ إلا أنا، كأنه سبحانه هو الشاهد في هذه المسألة، كأنه يتكلم عن الغيب. وقوله {فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ} [فاطر: 3] يعني: كيف بعد هذا تُصرفون عن توحيده وعن الإيمان به، وتُؤفكون من الإفك، وهو قَلْبُ الشيء عن موضعه وصَرْفه عن محله، ومن ذلك المؤتفكة، وهي القرى التى أهلكها الله، فجعل عاليها سافلها، وقَلَبها على وجهها. والإفْكُ أيضاً بمعنى الكذب؛ لأنه يقلب الحقيقة، فكأن الحق سبحانه يقول لهم: كيف تقلبون الحقائق؟ وكيف تصرفون خَلْق الله ورِزْق الله إلى غيره سبحانه؟ يعني: قولوا لنا عِلّة ذلك. وبعد أنْ تكلَّم الحق سبحانه عن الوحدانية والألوهية أراد أنْ يتكلم سبحانه عن مُرْسَل الألوهية إلى الخَلْق: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ...}.
عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي
تفسير : يأمر تعالى، جميع الناس أن يذكروا نعمته عليهم، وهذا شامل لذكرها بالقلب اعترافا، وباللسان ثناء، وبالجوارح انقيادا، فإن ذكر نعمه تعالى داع لشكره، ثم نبههم على أصول النعم، وهي الخلق والرزق، فقال: { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ }. ولما كان من المعلوم أنه ليس أحد يخلق ويرزق إلا اللّه، نتج من ذلك، أن كان ذلك دليلا على ألوهيته وعبوديته، ولهذا قال: { لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } أي: تصرفون عن عبادة الخالق الرازق لعبادة المخلوق المرزوق. { وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ } يا أيها الرسول، فلك أسوة بمن قبلك من المرسلين، { فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ } فأهلك المكذبون، ونجى اللّه الرسل وأتباعهم. { وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأمُورُ }.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):