Verse. 3664 (AR)

٣٥ - فَاطِر

35 - Fatir (AR)

وَاِنْ يُّكَذِّبُوْكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّنْ قَبْلِكَ۝۰ۭ وَاِلَى اللہِ تُرْجَعُ الْاُمُوْرُ۝۴
Wain yukaththibooka faqad kuththibat rusulun min qablika waila Allahi turjaAAu alomooru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«وإن يكذبوك» يا محمد في مجيئك بالتوحيد والبعث، والحساب والعقاب «فقد كُذِّبت رسل من قبلك» في ذلك فاصبر كما صبروا «وإلى الله ترجع الأمور» في الآخرة فيجازي المكذبين وينصر المسلمين.

4

Tafseer

الرازي

تفسير : ثم لما بين الأصل الأول: وهو التوحيد ذكر الأصل الثاني: وهو الرسالة فقال تعالى: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ }. ثم بين من حيث الإجمال أن المكذب في العذاب. والمكذب له الثواب بقوله تعالى: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } ثم بين الأصل الثالث: وهو الحشر.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ} يعني كفار قريش. {فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} يعزِّي نبيّه ويسلّيه صلى الله عليه وسلم؛ وليتأسَّى بمن قبله في الصبر. {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} قرأ الحسن والأعرج ويعقوب وابن عامر وأبو حيوة وابن مُحَيْصِن وحميد والأعمش وحمزة ويحيـى والكسائيّ وخلف (بفتح التاء) على أنه مسمى الفاعل. واختاره أبو عبيد لقوله تعالى: {أية : أَلاَ إِلَى ٱللَّهِ تَصِيرُ ٱلأُمُورُ} تفسير : [الشورى: 53] الباقون «تُرْجَع» على الفعل المجهول.

ابن كثير

تفسير : ويقول تبارك وتعالى: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ} يا محمد هؤلاء المشركون بالله، ويخالفوك فيما جئتهم به من التوحيد، فلك فيمن سلف قبلك من الرسل أسوة، فإنهم كذلك جاؤوا قومهم بالبينات، وأمروهم بالتوحيد، فكذبوهم وخالفوهم، {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} أي: وسنجزيهم على ذلك أوفر الجزاء. ثم قال تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي: المعاد كائن لا محالة، {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا} أي: العيشة الدنيئة بالنسبة إلى ما أعد الله لأوليائه وأتباع رسله من الخير العظيم، فلا تتلهوا عن ذلك الباقي بهذه الزهرة الفانية، {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} وهو الشيطان، قاله ابن عباس رضي الله عنهما، أي: لا يفتننكم الشيطان ويصرفنكم عن اتباع رسل الله، وتصديق كلماته، فإنه غرار كذاب أفاك، وهذه الآية كالآية التي في آخر لقمان: {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } وقال مالك عن زيد بن أسلم: هو الشيطان؛ كما قال المؤمنون للمنافقين يوم القيامة حين يضرب {أية : فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ ٱلرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ ٱلْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَـٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَٱرْتَبْتُمْ وَغرَّتْكُمُ ٱلأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَآءَ أَمْرُ ٱللَّهِ وَغَرَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} تفسير : [الحديد: 13 ــــ 14] ثم بين تعالى عداوة إبليس لابن آدم فقال: {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} أي: هو مبارز لكم بالعداوة، فعادوه أنتم أشد العداوة، وخالفوه وكذبوه فيما يغركم به، {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ} أي: إنما يقصد أن يضلكم حتى تدخلوا معه إلى عذاب السعير، فهذا هو العدو المبين. نسأل الله القوي العزيز أن يجعلنا أعداء الشيطان، وأن يرزقنا اتباع كتاب الله، والاقتفاء بطريق رسله، إنه على ما يشاء قدير، وبالإجابة جدير، وهذه كقوله تعالى: {أية : وَإِذَا قُلْنَا لِلْمَلَـٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لآِدَمَ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِى وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّـٰلِمِينَ بَدَلاً} تفسير : [الكهف: 50].

المحلي و السيوطي

تفسير : {وَإِن يُكَذِّبُوكَ } يا محمد في مجيئك بالتوحيد والبعث، والحساب والعقاب {فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ } في ذلك فاصبر كما صبروا {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } في الآخرة فيجازي المكذبين وينصر المرسلين.

البقاعي

تفسير : ولما قررهم على ما تقدم وختم بالتوحيد الذي هو الأصل الأول من أصول الدين، نبه على أنه المقصود بالذات بذكر ما يعقبه في الأصل الثاني، وهو الرسالة من تصديق وتكذيب، فقال ناعياً على قريش سوء تلقيهم لآياته، وطعنهم في بيناته، مسلياً له صلى الله عليه وسلم، عاطفاً على ما تقديره: فإن يصدقوك فهم جديرون بالتصديق لما قام على ذلك من الدلائل، وشهد به من المقاصد والوسائل: {وإن يكذبوك} أي عناداً وقلة اكتراث بالعواقب فتأسّ بإخوانك {فقد} أي بسبب أنه قد {كذبت رسل} أي يا لهم من رسل! وبني الفعل للمجهول لأن التسلية محطها، وقوع التكذيب لا تعيين المكذب، ونفى أن يرسل غيره بعد وجوده بقوله: {من قبلك} وأفرد التكذيب بالذكر اهتاماً بالتسلية تنبيهاً على أن الأكثر يكذب، قال القشيري: وفي هذا إشارة للحكماء وأرباب القلوب مع العوام والأجانب من هذه الطريقة فإنهم لا يقبلون منهم إلا القليل، وأهل الحقائق أبداً منهم في مقاساة الأذية، والعوام أقرب إلى هذه الطريقة من القراء المتقشفين. ولما كان التقدير نفياً للتعجب من التكذيب الجاري على غير قياس صحيح: فمن الله الذي لا أمر لأحد معه تصدر الأمور، عطف عليه قوله مهدداً لمن خالف أمره: {وإلى الله} أي وحده له الأمور كلها {ترجع الأمور *} أي حساً ومعنى، فاصبر ورد الأمر إلينا بترك الأسباب إلا ما نأمرك به كما فعل إخوانك من الرسل. ولما أشعر هذا الختام باليوم الموعود، وهو الأصل الثابت قال مهدداً به محذراً منه: {يا أيها الناس} أي الذين عندهم أهليه للتحرك إلى النظر. ولما كانوا ينكرون البعث أكد قوله: {إن وعد الله} أي الذي له صفات الكمال وهو منزه عن كل شائبة نقص، فهو لا يجوز عليه في مجاري العادات للغنى المطلق أن يخلف الميعاد {حق} أي بكل ما وعد به من البعث وغيره وقد وعد أنه يردكم إليه في يوم تنقطع فيه الأسباب، ويعرض عن الأحساب والأنساب، ليحكم بينكم بالعدل، ثم سبب عن كونه حقاً قوله على وجه التأكيد لأجل الإنكار أيضاً: {فلا تغرنكم} أي بأنواع الخدع من اللهو والزينة غروراً مستمر التجدد {الحياة الدنيا} فإنه لا يليق بذي همه عليه اتباع الدنيء، والرضى بالدون الزائل عن العالي الدائم {ولا يغرنكم بالله} أي الذي لا يخلف الميعاد وهو الكبير المتعالي {الغرور *} أي الذي لا يصدق في شيء وهو الشيطان العدو، ولذلك استأنف قوله مظهراً في موضع الإضمار للتنفير بمدلول الوصف قبل التذكير بالعداوة ووخامة العاقبة فيما يدعو إليه مؤكداً لأن أفعال المشايعين له بما يمنيهم به من نحو: إن ربكم حليم، لا يتعاظمه ذنب، مع الإصرار على المعصية أفعال المتعقدين لمصادقته: {إن الشيطان} أي المحترق بالغضب البعيد من الخير {لكم} أي خاصة فهو في غاية الفراغ لأذاكم، فاجتهدوا في الهرب منه {عدو} بتصويب مكايده كلها إليكم وبما سبق له مع أبيكم آدم عليه السلام بما وصل أذاه إليكم وأيضاً "من عادى أباك فقد عاداك". ولما كانت عداوته تحتاج إلى مجاهدة لأنه يأتي الإنسان من قبل الشهوات، عبر بصيغة الافتعال فقال: {فاتخذوه} اي بغاية جهدكم {عدواً} والله لكم ولي فاتخذوه ولياً بأن تتحروا ما يغيظ الشيطان بأن تخالفوه في كل ما يريده ويأمر به، وتتعمدوا ما يرضاه الرحمن ونهجه لكم وأمركم به فتلتزموه، قال القشيري: ولا يقوى على عداوته إلا بدوام الاستعانة بالرب فإنه لا يغفل عن عداوتك، فلا تغفل أنت عن مولاك لحظة. ثم علل ذلك بقوله: {إنما يدعو حزبه} أي الذين يوسوس لهم فيعرضهم لاتباعه والإعراض عن الله {ليكونوا} باتباعه كوناً راسخاً {من أصحاب السعير *} هذا غرضه لا غرض له سواه، ولكنه يجتهد في تعمية ذلك عنهم بأن يقرر في نفوسهم جانب الرجاء وينسيهم جانب الخوف، ويريهم أن التوبة في أيديهم ويسوف لهم بها بالفسحة في الأمل، والإبعاد في الأجل، للإفساد في العمل، والرحمن سبحانه إنما يدعو عباده ليكونوا من أهل النعيم {أية : والله يدعو إلى دار السلام}تفسير : [يونس: 25].

ابو السعود

تفسير : {وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ} تلوينٌ للخطابِ وتوجيهٌ له إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بـين خطابـي النَّاسِ مسارعةً إلى تسليتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بعمومِ البليَّةِ أولاً والإشارةِ إلى الوعدِ والوعيدِ ثانياً أيْ وإن استمرُّوا على أنْ يكذِّبوك فيما بلَّغتَ إليهم من الحقِّ المُبـين بعد ما أقمتَ عليهم الحجَّةَ وألقمتَهم الحجرَ فتأسَّ بأولئك الرُّسلِ في المُصابرةَ على ما أصابَهم من قبل قومِهم فوضعَ موضعهَ ما ذُكر اكتفاءً بذكرِ السَّببِ عن ذكرِ المسبَّبِ. وتنكيرُ الرُّسل للتَّفخيمِ الموجبِ لمزيدِ التَّسليةِ والتَّوجهِ إلى المُصابرةِ أي رُسلٌ أولو شأنٍ خطيرٍ وذَوُو عددٍ كثيرٍ {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأمُورُ} لا إلى غيرِه فيُجازِي كَّلاً منك ومنُهم بما أنتُم عليهِ من الأحوالِ التي من جملتها صبرُك وتكذيبُهم، وفي الاقتصارِ على ذكرِ اختصاصِ المرجعِ بالله تعالى مع إبهامِ الجزاءِ ثواباً وعقاباً من المبالغةِ في الوعدِ والوعيدِ ما لا يَخْفى. وقُرىء تَرْجعُ بفتحِ التَّاءِ من الرُّجوعِ والأوَّلُ أدخلُ في التَّهويلِ. {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} رجوعٌ إلى خطابِهم وتكريرُ النِّداءِ لتأكيدِ العظةِ والتَّذكير {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} المشارَ إليه برجعِ الأمورِ إليه تعالى من البعث والجزاء {حَقّ} ثابتٌ لا محالةَ من غيرِ خُلفٍ {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا} بأنْ يُذهلكم التَّمتع بمتاعِها ويُلهيكم التَّلهي بزخارِفها عن تداركِ ما يهمكم يومَ حلولِ الميعادِ. والمرادُ نهيُهم عن الاغترار بها وإنْ توجَّه النَّهيُ صورةً إليها كما في قوله تعالى: { أية : لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِى} تفسير : [سورة هود: الآية 89] {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ} وعفوِه وكرمه تعالى {ٱلْغُرُورُ} أي المبالغُ في الغُرور وهو الشَّيطانُ بأنْ يمنيكم المغفرةَ مع الإصرارِ على المعاصِي قائلاً اعملوا ما شئتُم إنَّ الله غفورٌ يغفرُ الذُّنوبَ جميعاً، فإنَّ ذلكَ وإنْ أمكنَ لكنْ تعاطي الذّنوبِ بهذا التَّوقعِ من قبـيلِ تناولِ السُّمِّ تعويلاً على دفعِ الطَّبـيعةِ. وتكريرُ فعلِ النَّهي للمبالغةِ فيه ولاختلافِ الغرورينِ في الكيفيَّةِ. وقُرىء الغُرور بالضَّمِّ على أنَّه مصدرٌ أو جمعُ غَارٍ كقُعودٍ جمعُ قاعدٍ.

القشيري

تفسير : هذه تسليةٌ للرسول صلى الله عليه وسلم، وتسهيلٌ للصبر عليه؛ فإذا عَلِمَ أن الأنبياء عليهم السلام استقبلهم مثلما استقبله، وأنَّهم صَبَرُوا وأنَّ اللَّهَ كفاهم، فهو يسلك سبيلَهم ويقتدي بهم، وكما كفاهم عَلِمَ أنه أيضاً يكفيه. وفي هذا إشارة للحكماء وأرباب القلوب في موقفهم من العوامِّ والأجانبِ عن هذه الطريقة، فإنهم لا يقبلون منهم إلا القليل، بينما أهل الحقائق أبداً منهم في مقاساة الأذى إلا بستر حالهم عنهم. والعوامُّ أقرب إلى هذه الطريقة من القـُرَّاءِ المتقشفين، ومن العلماء الذين هم لهذه الأصول ينكرون.

اسماعيل حقي

تفسير : {وان يكذبوك} اى وان استمر المشركون على ان يكذبوك يا محمد فيما بلغت اليهم فلا تحزن واصبر {فقد كذبت رسل} اولوا شأن خطير وذووا عدد كثير {من قبلك} فصبروا وظفروا {والى الله} لا الى غيره {ترجع الامور} من الرجع وهو الرد اى ترد اليه عواقبها فيجازى كل صابر على صبره وكل مكذب على تكذيبه. وفى التأويلات النجمية يشير الى تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم واولياء امته وتسهيل الصبر على الاذية اذا علم ان الانبياء عليهم السلام استقبلهم مثل ما استقبله وانهم لما صبروا لله كفاهم علم انه يكفيه بسلوك سبيلهم والاقتداء بهم وليعلم ارباب القلوب ان حالهم مع الاجانب من هذه الطريقة كاحوال الانبياء مع السفهاء من اممهم وانهم لا يقبلون منهم الا يقبلون منهم الا القليل من اهل الارادة وقد كان اهل الحقائق ابدا منهم فى مقاساة الاذية ولا يتخلصون الا بستر حالهم عنهم والعوام اقرب الى هذه الطريقة من القراء المتقشفين والعلماء الذين هم لهذه الاصول منكرون واقرار المقرين وانكار المنكرين ليس يرجع اليهم بل يرجع الى تقدير عليم حكيم يعلم المبدأ والمعاد ويدبر على وفق ارادته الاحوال. فعلى العاقل ان يختار طريق العشق والاقرار وان كان فيه الاذى والملامة ويجتنب عن طريق النفى والانكار وان كان فيه الراحة والسلامة فان ذرة من العشق خير للعاشقين من كثير من اعمال العابدين: قال الحافظ شعر : هرجند غرق بحر كناهم زصد جهت كر آشناى عشق شوم غرق رحمتم تفسير : وطريق العشق هو التوحيد واثبات الهوية بالتفريد كما قال {لا اله الا هو} وهو كناية عن موجود غائب والغائب عن الحواس الموجود فى الازل هو الله تعالى وهو ذكر كل من المبتدى والمنتهى اما المبتدى ففى حقه غيبه لانه من اهل الحجاب واما المنتهى ففى حقه حضور لانه من اهل الكشف فلا يشاهد الا الهوية المطلقة وهو مركب فى الحس من حرفين وهما (ه و) وفى العقل من حرفين ايضا وهما (اى) فكانت حروفه فى الحس والعقل اربعة لتدل على الاحاطة التربيعية التى هى احاطة هو الاول والآخر والظاهر والباطن ولما كانت الاولية والآخرية اعتبارين عقليين دل عليهما بالالف والياء ولما كانت الظاهرية والباطنية اعتبارين حسيين دل عليهما بالهاء والواو فالف هو غيب فى هائه وياؤه غيب فى واوه. واعلم ان الذكر خير من الجهاد فان ثواب الغزو والشهادة فى سبيل الله حصول الجنة والذاكر جليس الحق تعالى كما قال (انا جليس من ذكرنى) وشهود الحق افضل من حصول الجنة ولذلك كانت الرؤية بعد حصول الجنة وشرط الذكر الحضور بالقلب والروح وجميع القوى شعر : حضور قلب ببايدكه حق شود مشهود وكرنه ذكر مجرد نمى دهد يك سود

الجنابذي

تفسير : {وَإِن يُكَذِّبُوكَ} فلا تحزن عليهم فانّ الرّسول لا بدّ وان يكذّب لعدم سنخيّته لهم وهكذا كانت سنّتنا قديماً {فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} فنذكر حالهم وحال اممهم فى تكذيبهم حتّى لا تحزن على تكذيب قومك {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} يعنى اليه تنتهى انت ومكذّبوك فيجازى كلاًّ بحسبه او الى الله ترجع الامور بعد النّظر الدّقيق فاليه يرجع تكذيبهم بمعنى ان ليس تكذيبهم الاّ بامرٍ تكونىٍّ وترخيصٍ من الله لمصلحةٍ عائدةٍ اليك والى امّتك فلا تضيقنّ لذلك.

الهواري

تفسير : قال: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ} يعزّيه بذلك ويأمره بالصبر. ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حديث : والذي نفسي بيده ما أصاب أحداً من هذه الأمة من الجهد في الله ما أصابني"تفسير : . قال: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ} أي: إليه مصيرها يوم القيامة. قوله تعالى: {يَآأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ} أي: ما وعد الله من الثواب والعقاب {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الغَرُورُ} وهو الشيطان. {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ} يدعوكم إلى معصية الله {فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُوا حِزْبَهُ} أي: أصحابه الذين أضل {لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} أي: يوسوس إليهم بعبادة الأوثان ليكونوا من أصحاب السعير، فأطاعوه. والسعير اسم من أسماء جهنم، وهو الرابع. قال: {الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أي: جهنم، قال: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ} أي: لذنوبهم {وَأَجْرٌ} أي: ثواب {كَبِيرٌ} أي: الجنة. قال: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَءَاهُ حَسَناً} أي: كمن آمن وعمل صالحاً. أي: لا يستويان. وهذا على الاستفهام، وفيه إضمار. قال: {فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ} أي: على المشركين {حَسَرَاتٍ} أي: لا تتحسر عليهم إذا لم يؤمنوا؛ كقوله: (أية : وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ) تفسير : [النحل: 127] قال: {إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}. قوله: {وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ} أي: فسقنا الماء في السحاب {إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ} أي: ليس فيه نبات، أي: إلى أرض ميتة ليس فيها نبات. لما قال: {إِلَى بَلَدٍ} قال: {مَيِّتٍ} لأن البلد مذكر، والمعنى على الأرض، وهي مؤنثة. قال: {فَأَحْيَيْنَا بِهِ} أي: بالمطر {الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} أي: بعد أن كانت يابسة ليس فيها نبات. {كَذَلِكَ النُّشُورُ} أي: هكذا يحيون بعد الموت بالماء يوم القيامة؛ أي: يرسل الله المطر فيها كمني الرجال فتنبت به جسمانهم ولحمانهم كما تنبت الأرض من الثرى. ثم يقوم ملك بالصور بين السماء والأرض، فينفخ فيه، فينطلق كل روح إلى جسده حتى يدخل فيه، ثم يقومون فيجيبون إجابة رجل واحد قياماً لرب العالمين. ذكر بعضهم قال: إن الحساب يكون عند الصخرة إلى بيت المقدس.

اطفيش

تفسير : {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك} فاصبر كما صبروا وهذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم والجواب محذوف ناب عنه فقد كذبت تقديره فاصبر وانما ناب عنه لانه سبب له ونكر رسلا للتعظيم او للتكثير او لكليهما والتعظيم بزيادة التقوى او بايات عظام وفي التعظيم والتكثير زيادة تسلية اي كذبت رسل كثيرة ذوو آيات ونذر واعمار طوال وعزم فصبروا فاصبر انت وقد صبر صلى الله عليه وسلم صبرا جميلا شاقا. قال الحسن: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حديث : والذي نفسي بيده ما اصاب احد من هذه الامة من الجهد في الله ما اصابني ". تفسير : {وإلى الله ترجع} وقري بفتح التاء وكسر الجيم. {الأمور} في الاخرة فيعاقب المكذبين عقابا لا يشبهه عقاب ويثيب المؤمنين اثابة لا تشبهها اثابة ويثيب الصابرين اكثر من ذلك.

اطفيش

تفسير : {وإنْ يُكذِّبوك فقَد كُذِّبت رسُلٌ من قبْلكَ وإلى الله تُرْجَع الأمُور} تسلية له صلى الله عليه وسلم بأن كذب من قبله، فليصبر كما كما صبروا، بل ولو لم يصبروا لكنهم صبروا ولا بد، وتسلية له بأن رجوعهم الى الله عز وجل، ورجوع أمورهم الى الله فيجازيهم على تكذيبهم إياك، والمراد رجوع أمرهم وأمر غيرك فى البعث والجزاء وغيرهما، ويترجح أن المراد هما بقوله: {إن وعد الله} والتقديم للحصر ولشوقه صلى الله عليه وسلم لا للفاصلة مع ذلك، لجواز وترجع الى الله الأمور.

الالوسي

تفسير : وقوله تعالى: {وَإِن يُكَذّبُوكَ فَقَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } الخ تسلية له عليه الصلاة والسلام بعموم البلية والوعد له صلى الله عليه وسلم والوعيد لأعدائه، والمعنى وإن استمروا على أن يكذبوك فيما بلغت إليهم من الحق المبين بعدما أقمت عليهم الحجة وألقمتهم الحجر فتأس بأولئك الرسل في الصبر فقد كذبهم قومهم وصبروا فجملة {قَدْ كُذّبَتْ رُسُلٌ مّن قَبْلِكَ } قائمة مقام جواب الشرط والجواب في الحقيقة تأس، وأقيمت تلك الجملة مقامه اكتفاء بذكر السبب عن ذكر المسبب، وجوز أن تجعل هي الجواب من غير تقدير ويكون المترتب على الشرط الإعلام والإخبار كما في قوله تعالى: {أية : وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ ٱللَّهِ }تفسير : [النحل: 53] وتنكير (رسل) للتعظيم والتكثير الموجبين لمزيد التسلية والحث على التأسي والصبر على ما أصابه عليه الصلاة والسلام من / قومه أي رسل أو لو شأن خطير وعدد كثير. {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } لا إلى غيره عز وجل فيجازي سبحانه كلا منك ومنهم بما يليق، به، وفي الاقتصار على ذكر اختصاص المرجع به تعالى مع إبهام الجزاء ثواباً وعقاباً من المبالغة في الوعد والوعيد ما لا يخفى. وقرىء {تُرْجَعُ } بفتح التاء من الرجوع والأول أدخل في التهويل.

سيد قطب

تفسير : انتهى المقطع الأول من السورة بتلك الإيقاعات الثلاثة العميقة، بتلك الحقائق الكبيرة الأصيلة: حقيقة وحدانية الخالق المبدع. وحقيقة الاختصاص بالرحمة. وحقيقة الانفراد بالرزق. وفي المقطع الثاني يتجه أولاً إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالتسلية والتسرية عن تكذيبهم له، ويرجع الأمر كله إلى الله. ويتجه ثانياً إلى الناس يهتف بهم: إن وعد الله حق، ويحذرهم لعب الشيطان بهم ليخدعهم عن تلك الحقائق الكبرى، ويذهب بهم إلى السعير ـ وهو عدوهم الأصيل ـ ويكشف لهم عن جزاء المؤمنين وجزاء المخدوعين بالعدو الأصيل! ويتجه أخيراً إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ألا يأسى عليهم وتذهب نفسه حسرات فإن الهدى والضلال بيد الله. والله عليم بما يصنعون. يخاطب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك، وإلى الله ترجع الأمور}.. تلك هي الحقائق الكبرى واضحة بارزة؛ فإن يكذبوك فلا عليك من التكذيب، فلست بدعاً من الرسل: {فقد كذبت رسل من قبلك} والأمر كله لله، وإليه ترجع الأمور، وما التبليغ والتكذيب إلا وسائل وأسباب. والعواقب متروكة لله وحده، يدبر أمرها كيف يريد. ويهتف بالناس: {يا أيها الناس إن وعد الله حق. فلا تغرنكم الحياة الدنيا. ولا يغرنكم بالله الغرور. إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً. إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير}.. إن وعد الله حق.. إنه آت لا ريب فيه. إنه واقع لا يتخلف. إنه حق والحق لا بد أن يقع، والحق لا يضيع ولا يبطل ولا يتبدد ولا يحيد. ولكن الحياة الدنيا تغر وتخدع. {فلا تغرنكم الحياة الدنيا}. ولكن الشيطان يغر ويخدع فلا تمكنوه من أنفسكم {ولا يغرنكم بالله الغرور}.. والشيطان قد أعلن عداءه لكم وإصراره على عدائكم {فاتخذوه عدواً} لا تركنوا إليه، ولا تتخذوه ناصحاً لكم، ولا تتبعوا خطاه، فالعدو لا يتبع خطى عدوه وهو يعقل! وهو لا يدعوكم إلى خير، ولا ينتهي بكم إلى نجاة: {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير}! فهل من عاقل يجيب دعوة الداعي إلى عذاب السعير؟! إنها لمسة وجدانية صادقة. فحين يستحضر الإنسان صورة المعركة الخالدة بينه وبين عدوه الشيطان، فإنه يتحفز بكل قواه يقظته وبغريزة الدفاع عن النفس وحماية الذات. يتحفز لدفع الغواية والإغراء؛ ويستيقظ لمداخل الشيطان إلى نفسه، ويتوجس من كل هاجسة، ويسرع ليعرضها على ميزان الله الذي أقامه له ليتبين، فلعلها خدعة مستترة من عدوه القديم! وهذه هي الحالة الوجدانية التي يريد القرآن أن ينشئها في الضمير. حالة التوفز والتحفز لدفع وسوسة الشيطان بالغواية؛ كما يتوفز الإنسان ويتحفز لكل بادرة من عدوه وكل حركة خفية! حالة التعبئة الشعورية ضد الشر ودواعيه، وضد هواتفه المستسرة في النفس، وأسبابه الظاهرة للعيان. حالة الاستعداد الدائم للمعركة التي لا تهدأ لحظة ولا تضع أوزارها في هذه الأرض أبداً. ثم يدعم هذه التعبئة وهذا الحذر وهذا التوفز ببيان عاقبة الكافرين الذين لبوا دعوة الشيطان، وحالة المؤمنين الذين طاردوه: {الذين كفروا لهم عذاب شديد. والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير}.. ويعقب على هذا بتصوير طبيعة الغواية، وحقيقة عمل الشيطان، والباب الذي يفتح فيجيء منه الشر كله؛ ويمتد منه طريق الضلال الذي لا يرجع منه سالك متى أبعدت فيه خطاه: {أمن زين له سوء عمله فرآه حسناً...؟}.. هذا هو مفتاح الشر كله.. أن يزين الشيطان للإنسان سوء عمله فيراه حسناً. أن يعجب بنفسه وبكل ما يصدر عنها. ألا يفتش في عمله ليرى مواضع الخطأ والنقص فيه، لأنه واثق من أنه لا يخطئ! متأكد أنه دائماً على صواب! معجب بكل ما يصدر منه! مفتون بكل ما يتعلق بذاته. لا يخطر على باله أن يراجع نفسه في شيء، ولا أن يحاسبها على أمر. وبطبيعة الحال لا يطيق أن يراجعه أحد في عمل يعمله أو في رأي يراه. لأنه حسن في عين نفسه. مزين لنفسه وحسه. لا مجال فيه للنقد، ولا موضع فيه للنقصان! هذا هو البلاء الذي يصبه الشيطان على إنسان؛ وهذا هو المقود الذي يقوده منه إلى الضلال. فإلى البوار! إن الذي يكتب الله له الهدى والخير يضع في قلبه الحساسية والحذر والتلفت والحساب. فلا يأمن مكر الله. ولا يأمن تقلب القلب. ولا يأمن الخطأ والزلل. ولا يأمن النقص والعجز. فهو دائم التفتيش في عمله. دائم الحساب لنفسه. دائم الحذر من الشيطان، دائم التطلع لعون الله. وهذا هو مفرق الطريق بين الهدى والضلال، وبين الفلاح والبوار. إنها حقيقة نفسية دقيقة عميقة يصورها القرآن في ألفاظ معدودة: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً}.. إنه نموذج الضال الهالك البائر الصائر إلى شر مصير. ومفتاح هذا كله هو هذا التزيين. هو هذا الغرور. هو هذا الستار الذي يعمي قلبه وعينه فلا يرى مخاطر الطريق. ولا يحسن عملاً لأنه مطمئن إلى حسن عمله وهو سوء. ولا يصلح خطأ لأنه واثق أنه لا يخطئ! ولا يصلح فاسداً لأنه مستيقن أنه لا يفسد! ولا يقف عند حد لأنه يحسب أن كل خطوة من خطواته إصلاح! إنه باب الشر. ونافذة السوء. ومفتاح الضلال الأخير.. ويدع السؤال بلا جواب.. {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً؟}.. ليشمل كل جواب. كأن يقال: أفهذا يرجى له صلاح ومتاب؟ أفهذا كمن يحاسب نفسه ويراقب الله؟ أفهذا يستوي مع المتواضعين الأتقياء؟.. إلى آخر صور الإجابة على مثل هذا السؤال. وهو أسلوب كثير التردد في القرآن. وتجيب الآية بأحد هذه الأجوبة من بعيد: {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات}.. وكأنما يقول: إن مثل هذا قد كتب الله عليه الضلالة؛ مستحقاً لها بما زين له الشيطان من سوء عمله؛ وبما فتح عليه هذا الباب الذي لا يعود منه ضال! فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء؛ بما تقتضيه طبيعة الضلال في ذلك وطبيعة الهدى في هذا. طبيعة الضلال برؤية العمل حسناً وهو سوء. وطبيعة الهدى بالتفتيش والحذر والمحاسبة والتقوى.. وهو مفرق الطريق الحاسم بين الهدى والضلال. وما دام الأمر كذلك {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات}.. إن هذا الشأن. شأن الهدى والضلال. ليس من أمر بشر. ولو كان هو رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما هو من أمر الله. والقلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن. وهو مقلب القلوب والأبصار.. والله ـ سبحانه ـ يعزي رسوله ويسليه بتقرير هذه الحقيقة له. حتى يستقر قلبه الكبير الرحيم المشفق على قومه مما يراه من ضلالهم، ومصيرهم المحتوم بعد هذا الضلال. وحتى يدع ما يجيش في قلبه البشري من حرص على هداهم، ومن رؤية الحق الذي جاء به معروفاً بينهم! وهو حرص بشري معروف. يرفق الله سبحانه برسوله من وقعه في حسه، فيبين له أن هذا ليس من أمره، إنما هو من أمر الله. وهي حالة يعانيها الدعاة كلما أخلصوا في دعوتهم، وأدركوا قيمتها وجمالها وما فيها من الخير. ورأوا الناس في الوقت ذاته يصدون عنها ويعرضون؛ ولا يرون ما فيها من الخير والجمال. ولا يستمتعون بما فيها من الحق والكمال. وأولى أن يدرك الدعاة هذه الحقيقة التي واسى بها الله ـ سبحانه ـ رسوله. فيبلغوا دعوتهم باذلين فيها أقصى الجهد. ثم لا يأسوا بعد ذلك على من لم يقدر له الله الصلاح والفلاح. {إن الله عليم بما يصنعون}.. وهو يقسم لهم الهدى أو الضلال وفق علمه بحقيقة صنعهم. والله يعلم هذه الحقيقة قبل أن تكون منهم؛ ويعلمها بعد أن تكون. وهو يقسم لهم وفق علمه الأزلي. ولكنه لا يحاسبهم على ما يكون منهم إلا بعد أن يكون. وبذلك ينتهي المقطع الثاني في السورة. وهو متصل بالمقطع الأول. ومتسق كذلك مع المقطع الذي يليه..

ابن عاشور

تفسير : عطف على جملة { أية : اذكروا نعمت الله عليكم } تفسير : [فاطر: 3] أي وإن استمرّوا على انصرافهم عن قبول دعوتك ولم يشكروا النعمة ببعثك فلا عجب فقد كذب أقوام من قبلهم رسلاً من قبل. وهو انتقال من خطاب الناس إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لمناسبة جريان خطاب الناس على لسانه فهو مشاهد لخطابهم، فلا جرم أن يوجه إليه الخطاب بعد توجيهه إليهم إذ المقام واحد كقوله تعالى: { أية : يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك } تفسير : [يوسف: 29]. وإذ قد أبان لهم الحجة على انفراد الله تعالى بالإِلهية حين خاطبهم بذلك نُقِلَ الإِخبار عن صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أنكروا قبوله منه فإنه لما استبان صدقه في ذلك بالحجة ناسب أن يُعرَّض إلى الذين كذبوه بمثل عاقبة الذين كذبوا الرسل من قبله وقد أدمج في خلال ذلك تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم على تكذيب قومه إياه بأنه لم يكن مقامه في ذلك دون مقام الرسل السابقين. وجيء في هذا الشرط بحرف {إِنْ} الذي أصله أن يعلق به شرط غير مقطوع بوقوعه تنزيلاً لهم بعد ما قدمت إليهم الحجة على وحدانية الله المصدقة لما جاءهم به الرسول عليه الصلاة والسلام فكذبوه فيه، منزلة من أيقن بصدق الرسول فلا يكون فرض استمرارهم على تكذيبه إلا كما يفرض المحال. وهذا وجه إيثار الشرط هنا بالفعل المضارع الذي في حيّز الشرط يتمخض للاستقبال، أي إن حدث منهم تكذيب بعد ما قرع أسماعهم من البراهين الدامغة. والمذكور جواباً للشرط إنما هو سبب لجواب محذوف إذ التقدير: وإن يكذبوك فلا يحزنك تكذيبهم إذ قد كذبت رسل من قبلك فاستُغني بالسبب عن المسبب لدلالته عليه. وإنما لم يعرّف {رسل} وجيء به منكّراً لما في التنكير من الدلالة على تعظيم أولئك الرسل زيادة على جانب صفة الرسالة من جانب كثرتهم وتنوع آيات صدقهم ومع ذلك كذبهم أقوامهم. وعطف على هذه التسلية والتعريض ما هو كالتأكيد لهما والتذكير بعاقبة مضمونها بأن أمر المكذبين قد آل إلى لقائهم جزاء تكذيبهم من لدن الذي ترجع إليه الأمور كلها، فكان أمر أولئك المكذبين وأمر أولئك الرسل في جملة عموم الأمور التي أرجعت إلى الله تعالى إذ لا تخرج أمورهم من نطاق عموم الأمور. وقد اكتسبت هذه الجملة معنى التذييل بما فيها من العموم. و{الأمور} جمع أمر وهو الشأن والحال، أي إلى الله ترجع الأحوال كلها يتصرف فيها كيف يشاء، فتكون الآية تهديداً للمكذبين وإنذاراً.

الشنقيطي

تفسير : ما تضمنته هذه الآية الكريمة من تسليته صلى الله صلى الله عليه وسلم، بأنّ ما لاقاه من قومه من التكذيب لاقاه الرسل الكرام من قومهم قبله صلوات الله وسلامه عليهم جميعاً جاء موضحاً في آيات كثيرة كقوله تعالى: {أية : وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَىٰ مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} تفسير : [الأنعام: 34] وقوله تعالى: {أية : مَّا يُقَالُ لَكَ إِلاَّ مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ} تفسير : [فصلت: 43] والآيات بمثل ذلك كثيرة معروفة.

أبو بكر الجزائري

تفسير : شرح الكلمات: وإن يكذبوك: أي يا رسولنا فيما جئت به من التوحيد وعقيدة البعث والجزاء ولم يؤمنوا بك. فقد كذبت رسل من قبلك: أي فلست وحدك كذبت إذاً فلا تأس ولا تحزن واصبر كما صبر من قبلك. وإلى الله ترجع الأمور: وسوف يجزي المكذبين بتكذيبهم والصابرين بصبرهم. ولا يغرنكم بالله الغرور: أي ولا يغرنكم بالله أي في حلمه وإمهاله الغرور أي الشيطان. فاتخذوه عدواً: أي فلا تطيعوه ولا تقبلوا ما يغركم به وأطيعوا ربكم عز وجل. إنما يدعو حزبه: أي أتباعه في الباطل والكفر والشر والفساد. ليكونوا من أصحاب السعير: أي ليؤول أمرهم إلى أن يكونوا من أصحاب النار المستعرة. لهم مغفرة وأجر كبير: أي لهم مغفرة لذنوبهم وأجر كبير في الجنة وذلك لإِيمانهم وعملهم الصالحات. معنى الآيات: لما أقام تعالى الحجة على المشركين في الآيات السابقة قال لرسوله صلى الله عليه وسلم {وَإِن يُكَذِّبُوكَ} بعدما أقمت عليهم الحجة فلست وحدك المكذِّب فقد كذبت قبلك رسل كثيرون جاءوا أقوامهم بالبينات والزبر وصبروا إذاً فاصبر كما صبروا {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} وسوف يقضى بينك وبينهم بالحق فينصرك في الدنيا ويخذلهم، ويرحمك في الآخرة ويعذبهم. وقوله {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} أي يا أهل مكة وكل مغرور من الناس بالحياة الدنيا إعلموا أن وعد الله بالبعث والجزاء حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا بطول أعماركم وصحة أبدانكم وسعة أرزاقكم، فإن ذلك زائل عنكم لا محالة {وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ} أي حلمه وإمهاله {ٱلْغَرُورُ} وهو الشيطان حيث يتخذ من حلم الله تعالى عليكم وإمهاله لكم طريقاً إلى إغوائكم وإفسادكم بما يحملكم عليه من تأخير التوبة والإِصرار على المعاصي، والاستمرار عليها {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ} بالغ العداوة ظاهرها فاتخذوه أنتم عدواً كذلك فلا تطيعوه ولا تستجيبوا لندائه، {إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ} أي أتباعه {لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} أي النار المستعرة، إنه يريد أن تكونوا معه في الجحيم. إذ هو محكوم عليه بها أزلاً وقوله تعالى: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} أي في الآخرة، والذين آمنوا وعملوا الصالحات {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} أي لذنوبهم {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} هو الجنة وما فيها من النعيم المقيم. هذا حكم الله في عباده وقراره فيهم: وهم فريقان مؤمن صالح وكافر فاسد ولكل جزاء عادل. هداية الآيات: من هداية الآيات: 1- تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم ويدخل فيها كل دعاة الحق إذا كُذِّبوا وأُوذوا فعليهم أن يصبروا. 2- تقرير البعث والجزاء المتضمن له وعد الله الحق. 3- التحذير من الاغترار بالدنيا أي من طول العمر وسعة الرزق وسلامة البدن. 4- التحذير من الشيطان ووجوب الاعتراف بعداوته ومعاملته معاملة العدو فلا يقبل كلامه ولا يستجاب لندائه ولا يخدع بتزيينه للقبيح والشر. 5- بيان جزاء أولياء الرحمن أعداء الشيطان، وجزاء أعداء الرحمن أولياء الشيطان.

القطان

تفسير : الغرور: بفتح الغين: الشيطان، وقد فسره في الآية التي بعدها. السعير: نار جهنم. بعد ان قرر الله التوحيدَ وهو أصلُ الأصول في الايمان - ذكر هنا الأصلَ الثاني وهو الرسالة، وسلّى رسوله الكريم عن تكذيب قومه له بأنه ليس ببدعٍ بين الرسل، فقد كُذِّب كثيرٌ منهم قبله، فعليه ان يتأسّى بهم ويصبر على أذى قومه، والى الله مرجعُ الجميع. ثم ذكر الأصل الثالث وهو البعثُ والنشور، وانه حق لا شك فيه... فلا تغرَّنكم الحياة الدنيا، فيذهلكم التمتعُ بها وبزخرفها عن طلب الآخرة، ولا يخدعنّكم الشيطان عن اتّباع الرسول، ان الشيطان لكم عدوٌّ قديم فلا تنخدعوا بوعوده، واحذروا منه واتخذوه عدوا حقيقيا. {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} الذين كفروا من أتباعِ الشيطان واغتروا به هم أصحابُ النار، يقابلهم الذين آمنوا فلم ينخدعوا باقوال الشيطان، بل آمنوا بالله وعزّزوا إيمانهم بالعمل الصالح... وهؤلاء اصحاب الجنة {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} من الله. ثم بيّن البعدَ بين الفريقين: الضالين والمهتدين، واختلاف حالهم فقال: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءَ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً} أفمن زين له الشيطان عمله السيّء فرآه حسنا هو في الواقع كمن هداه الله فرأى الحسنَ حسنا والسيء سيئا؟ انهما لا يستويان أبدا. {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} يضلّ من يشاء من الجاحدين الذين ارتضوا سبيل الضلال، ويهدي من يشاء ممن اختاروا سبيل الهداية. ثم يخاطب الرسولَ الكريم حتى يسليه فيقول: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} فلا تُهلك نفسَك حزناً على الضالين الذين لم يؤمنوا وحسرةً عليهم، ان الله محيط علمه بما يصنعون من شر فيجزيهم به.

د. أسعد حومد

تفسير : (4) - وَإِنْ يُكَذِّبْكَ هؤُلاءِ المُشْرِكُونَ يَا مُحَمَّدُ، وَيُخَالِفُوكَ فِيمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ التَّوحِيدِ، فَاصْبِرْ عَلَيهِمْ، فَلَكَ أُسْوَةٌ فِيمَنْ سَبَقَكَ مِنَ الرُّسُلِ، فَقَدْ جَاؤُوا أَقْوَامَهُمْ بالبَيِّنَاتِ وَالحُجَجِ والبَراهِينِ عَلى صِدْقِ رِسَالَتِهِمْ، وَدَعَوْهُمْ إِلى عِبَادَةِ اللهِ وَتَوْحِيدِهِ، فَكَذَّبُوهُمْ وَخَالَفُوهُمْ فَصَبَرَ الرُّسُلُ عَلَى مَا أُوذُوا حَتَّى جَاءَهُمْ نَصْرُ اللهِ، وَسَيَرْجِعُ النَّاسُ إِلى اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَيَجْزِيهِمْ عَلَى ذلِكَ الجَزَاءَ الأَوْفَى.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : هذه تسلية لسيدنا رسول الله، كما خاطبه ربه بقوله: {أية : قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنَ ٱلرُّسُلِ} تفسير : [الأحقاف: 9] لستَ أول رسول يُكذِّبه قومه، فمن قبلك كذِّبوا، وهذا أمر طبيعي؛ لأن السماء لا ترسل رسولاً إلا حين يعمُّ الفساد، ويفتقد الناسُ الوازعَ والرادع، لا من النفس للنفس ولا من المجتمع. وقلنا: إن الخالق سبحانه جعل في النفس الإنسانية رادعاً ذاتياً يردعها حين تخرج عن منهج ربها، وهي النفس اللوامة، فإنْ توارتْ هذه النفس وغلبتْ عليها النفس الأمَّارة بالسوء جاء دور المجتمع الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإنْ فسد المجتمع فلا بُدَّ أنْ يأتي رسول جديد بمعجزة جديدة ليجدد للناس ما غفلوا عنه من دين الله. وكوْنُ رسالة محمد هي الخاتمة، فلا رسول بعده، هذه شهادة لأمته أنها سيظل فيها الخير، وستظل مأمونة على دين الله. وقوله تعالى: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ} [فاطر: 4] أي: في الآخرة، فمَنْ كذَّبك من قومك إمَّا أنْ يأخذه الله في الدنيا كما أخذ المكذِّبين من الأمم السابقة، وإما أنْ يُؤخِّر له العذاب في الآخرة. بعد ذلك يتكلم الحق سبحانه عن الأصل الثالث من أصول التشريع، فبعد أنْ تحدث عن الألوهية والوحدانية، وتحدَّث عن الرسول، يتحدث عن المسألة الثالثة التي اختلفوا فيها، وهي البعث والحَشْر والحساب: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ...}.