Verse. 3665 (AR)

٣٥ - فَاطِر

35 - Fatir (AR)

يٰۗاَيُّہَا النَّاسُ اِنَّ وَعْدَ اللہِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيٰوۃُ الدُّنْيَا۝۰۪ وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللہِ الْغَرُوْرُ۝۵
Ya ayyuha alnnasu inna waAAda Allahi haqqun fala taghurrannakumu alhayatu alddunya wala yaghurrannakum biAllahi algharooru

Arabic

Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti

«يا أيها الناس إن وعد الله» بالبعث وغيره «حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا» من الإيمان بذلك «ولا يغرنكم بالله» في حلمه وإمهاله «الغرور» الشيطان.

5

Tafseer

الرازي

تفسير : أي الشيطان وقد ذكرنا ما فيه من المعنى اللطيف في تفسير سورة لقمان ونعيده ههنا فنقول المكلف قد يكون ضعيف الذهن قليل العقل سخيف الرأي فيغتر بأدنى شيء، وقد يكون فوق ذلك فلا يغتر به ولكن إذا جاءه غار وزين له ذلك الشيء وهون عليه مفاسده، وبين له منافع، يغتر لما فيها من اللذة مع ما ينضم إليه من دعاء ذلك الغار إليه، وقد يكون قوي الجأش غزير العقل فلا يغتر ولا يغر فقال الله تعالى: {فَلا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } إشارة إلى الدرجة الأولى، وقال: {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } إشارة إلى الثانية ليكون واقعاً في الدرجة الثالثة وهي العليا فلا يغر ولا يغتر.

القرطبي

تفسير : قوله تعالى: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} هذا وعظ للمكذبين للرسول بعد إيضاح الدليل على صحة قوله: إن البعث والثواب والعقاب حق. {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} قال سعيد بن جُبير: غرور الحياة الدنيا أن يشتغل الإنسان بنعيمها ولذاتها عن عمل الآخرة، حتى يقول: يا ليتني قدّمت لحياتي. {وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } قال ابن السكيت وأبو حاتم: «الغَرور» الشيطان. وغرور جمع غَرّ، وغَرٌّ مصدر. ويكون «الغَرور» مصدراً وهو بعيد عند غير أبي إسحاق؛ لأن «غررته» متعدّ، والمصدر المتعدّي إنما هو على فَعْل؛ نحو: ضربته ضرباً، إلا في أشياء يسيرة لا يقاس عليها؛ قالوا: لزمْته لُزوماً، ونَهَكه المرض نُهوكاً. فأما معنى الحرف فأحسن ما قيل فيه ما قاله سعيد بن جبير، قال: الغرور بالله أن يكون الإنسان يعمل بالمعاصي ثم يتمنّى على الله المغفرة. وقراءة العامة «الغَرور» (بفتح الغين) وهو الشيطان؛ أي لا يغرّنكم بوساوسه في أنه يتجاوز عنكم لفضلكم. وقرأ أبو حَيْوة وأبو السَّمّال العدويّ ومحمد بن السَّمَيْقَع «الغُرور» (برفع الغين) وهو الباطل؛ أي لا يغرّنكم الباطل. وقال ابن السكيت: والغُرور (بالضم) ما اغترّ به من متاع الدنيا. قال الزجاج: ويجوز أن يكون الغرور جمع غارّ؛ مثل قاعد وقعود. النحاس: أو جمع غَرّ، أو يُشبّه بقولهم: نهكه المرض نهوكاً ولزمه لزوماً. الزمخشريّ: أو مصدر «غره» كاللزوم والنهوك.

المحلي و السيوطي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ } بالبعث وغيره {حَقٌّ فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا } عن الإِيمان بذلك {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ } في حلمه وإمهاله {ٱلْغَرُورُ } الشيطان.

الثعالبي

تفسير : وَقَوْلهُ تَعَالَى: {يَـٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} خِطَابُ لِقُرَيْشٍ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ لِكُلِّ كَافِرٍ. وَقَوْلهُ سُبْحَانَه: {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَوٰةُ ٱلدُّنْيَا}. * ت *: هذهِ الآيةُ مَعَنَاهَا بَيِّنٌ، قَالَ ابْنُ عَطَاءِ اللّهِ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يُقَلِّلَ الدُّخُولَ فِي أَسْبَابِ الدُّنْيَا فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «حديث : إنَّ قَلِيلَ الدُّنْيَا يُلْهَي عَنْ كَثِيرِ الآخِرَةِ»تفسير : وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «حديث : مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ إلاَّ وَبِجَنْبَيْهَا مَلَكَانِ يُنَادِيَانِ: يَـٰأَيُّهَا النَّاسُ، هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ، فَإنَّ ما قَلَّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَى»تفسير : انتهى. مِنْ «لَطَائِف المِنَنِ» وَقَرَأَ جُمْهُورُ النَّاسِ: «الغرور» ـــ بِفَتْحِ الغَيْنِ وَهُوَ الشَّيْطَانُ قَالَهُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَوْلهُ: {إن ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ} الآية يُقَوِّي قِرَاءَةُ الجُمْهُورِ {فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً }. أي: بالمبَايَنَةِ والمقَاطَعَةِ والمخَالَفَةِ لَه بِاتِّبَاعِ الشَّرْعِ.

السيوطي

تفسير : أخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال‏:‏ الغرة في الحياة الدنيا أن يغتر بها، وتشغله عن الآخرة؛‏ أن يمهد لها، ويعمل لها كقول العبد إذا أفضى إلى الآخرة ‏{أية : ‏يا ليتني قدمت لحياتي‏}‏تفسير : ‏[‏الفجر: 24‏]‏ والغرة بالله‏:‏ أن يكون العبد في معصية الله، ويتمنى على الله المغفرة‏. وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله ‏{‏إن الشيطان لكم عدوّ فاتخذوه عدوا‏ً}‏ قال‏:‏ عادوه فإنه يحق على كل مسلم عداوته، وعداوته أن يعاديه بطاعة الله‏.‏ وفي قوله ‏ {‏إنما يدعو حزبه‏}‏ قال‏:‏ أولياءه ‏ {‏ليكونوا من أصحاب السعير‏} ‏ أي ليسوقهم إلى النار، فهذه عداوته‏. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله ‏ {‏إنما يدعو حزبه‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ قال يدعو حزبه إلى معاصي الله، وأصحاب معاصي الله أصحاب السعير، وهؤلاء حزبه من الإِنس ألا تراه يقول‏:‏ ‏{أية : ‏أولئك حزب الشيطان‏}‏ تفسير : [‏المجادلة: 19‏] قال‏:‏ والحزب ولاية الذين يتولاهم ويتولونه‏. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج رضي الله عنه في قوله ‏ {‏لهم مغفرة وأجر كبير‏}‏ قال‏:‏ كل شيء في القرآن ‏{‏لهم مغفرة وأجر كبير‏} ‏ ورزق كريم فهو الجنة‏.

القشيري

تفسير : وَعْدُ اللَّهِ حقٌّ في كل ما أخبر به أنه يكون، فَوعْدُه في القيامة حقٌّ، ووعده لِمَنْ أطاعه بكفاية الأمور والسلامة حقٌّ، ووعده للمطيعين في الآخرة بوجود الكرامة حقٌّ، وللعاصين بالندامة حقٌّ، فإذا عَلِمَ العبدُ ذلك استعدَّ للموت، ولم يهتم بالرزق، فيكفيه اللَّهُ شُغْلَه، فينشط العبدُ في استكثار الطاعة ثقةً بالوعد، ولا يُلِمُّ بالمخالفاتِ خوفاً من الوعيد.

اسماعيل حقي

تفسير : {يا ايها الناس ان وعد الله} بالبعث والجزاء {حق} ثابت لا محالة لا خلف فيه. وفى التأويلات النجمية يشير الى ان كل ما وعد به الله من الثواب والعقاب والدرجات فى الجنة والدركات فى النار والقربات فى اعلى عليين وفى مقعد صدق عند مليك مقتدر والبعد الى اسفل سافلين حق فاذا علم ذلك استعد للموت قبل نزول الموت ولم يهتم للرزق ولم يتهم الرب فى كفاية الشغل ونشط فى استكثار الطاعة ورضى بالمقسوم {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} بان يذهلكم التمتع بها عن طلب الآخرة والسعى لها وتقطعكم زينتها وشهواتها عن الرياضيات والمجاهدات وترك الاوطان ومفارقة الاخوان فى طريق الطلب والمراد نهيهم عن الاغترار بها وان توجه النهى صورة اليها. وفى بعض الآثار (يا ابن آدم لا يغرنك طول المهلة فانما يعجل بالاخذ من يخاف الفوت). وعن العلاء بن زياد رأيت الدنيا فى منامى قبيحة عمشاء ضعيفة عليها من كل زينة فقلت من انت اعوذ بالله منك فقالت انا الدنيا فان سرك ان يعيذك الله منى فابغض الدراهم يعنى لا تمسكها عن النفقة فى موضع الحق وفى الحديث "حديث : الدنيا غنيمة الاكياس وغفلة الجهال" تفسير : وذلك لان الاكياس يزرعون فى مزرعة الدنيا انواع الطاعات فيغتنمون بها يوم الحصاد بخلاف من جهل ان الدنيا مزرعة الآخرة شعر : نكه دار فرصت كه عالم دميست دمى بيش دانا به از عالميست دل اندر دلارام دنيا مبند كه ننشست باكس كه دل برنكند تفسير : {ولا يغرنكم بالله} وكرمه وعفوه وسعة رحمته {الغرور} فعول صيغة مبالغة كالشكور والصبور وسمى به الشيطان لانه لا نهاية لغروره: بالفارسية [فريفتن]. وفى المفردات الغرور كل ما يغر الانسان من مال وجاه وشهوة وشيطان وقد فسر بالشيطان اذ هو اخبث الغارين وبالدنيا لما قيل الدنيا تغر وتضر وتمر. والمعنى ولا يغرنكم بالله الشيطان المبالغ فى الغرور بان يمنيكم المغفرة مع الاصرار على المعاصى قائلا اعملوا ما شئتم ان الله غفور يغفر الذنوب جميعا وانه غنى عن عبادتكم وتعذيبكم فان ذلك وان امكن لكن تناول الذنوب بهذا التوقع من قبيل تناول السم اعتمادا على دفع الطبيعة فالله تعالى وان كان اكرم الاكرمين مع اهل الكرم لكنه شديد العقاب مع اهل العذاب [بزركان فرمود اندكه يكى مصائد ابليس تسويفست در توبه يعنى توبه بنده رادر تأخير افكند كه فرصت باقيست عشرت نقد از دست مده] شعر : امشب همه شب يار ومى وشاهد باش جون روز شود توبه كن وزاهد باش تفسير : [عاقل بايدكه بدين فريب ازراه نرود وازنكته "الفرصة تمر مر السحاب" غافل نكردد] شعر : عذر بافردا فكندى عمر فردار راكه ديد

ابن عجيبة

تفسير : يقول الحق جلّ جلاله: {يا أيها الناسُ إِن وعدَ الله} بالبعث والجزاء {حق} أي: كائن لا محالة، فاستعدُّوا للقائه، {فلا تَغُرنَّكم الحياةُ الدنيا} لا تخدعنكم زخارف الدنيا الغرارة، ولا يُذهلنكم التمتُّع بها، والتلذُّذ بملاذها، والاشتغال بجمعها واحتكارها، عن التأهُّب للقاء الله، وطلب ما عنده. وفي الحديث: "حديث : فلا تخدعنكم زخارف دنيا دنية، عن مراتب جنات علية، فكأنْ قد كشف القناع، وارتفع الارتياب، ولاقى كل امرىء مستقره، وعرف مثواه ومنقلبه" تفسير : . {ولا يغرنكم بالله الغرورُ} أي: الشيطان، فإنه يُمنِّيكم الأماني الكاذبة، ويقول: إن الله غني عن عبادتك وعن تكذيبك. أو: إن الله غفور لمَن عصاه. {إِنَّ الشيطانَ لكم عدوٌّ} ظاهر العداوة، فعل بأبيكم ما فعل، وأنتم تعاملونه معاملة الحبيب الناصح، {فاتخِذوه عدواً} فلا تقبلوا غروره في عقائدكم وأفعالكم، وكُونوا على حذر منه في جميع أحوالكم؛ إذ لا يوجد منه إلا ما يدل على عداوته في سركم وجهركم. قال الورتجبي: إنه عدو؛ لأنه من عالم القهر خُلق، ونحن من عالم اللطف خُلقنا. والطبعان متخالفان أبداً، لأن القهر واللطف تسابقا في الأزل، فسبق اللطفُ القهر، فعداوته من جهة الطبع الأول، والجهل بالعصمة، وأنوار التأييد والنصرة، ومَن لا يعرفه بما وصفنا، كيف يتخذه عدواً؟ وهو لا يعرف مكائده، ولا يعرف مكائده إلا وليّ أو صدِّيق. هـ. ثم خطّأ مَن اتبعه؛ بأن غرضه أن يورد شيعَته موارد الهلاك، بقوله: {إِنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} فهو تقرير لعداوته، وبيان لغرضه في دعوى شيعته إلى اتباع الهوى، والركون إلى الدنيا، أي: إنما يدعوهم إلى الهوى، ليكونوا من أهل النار. ثم بيَّن مآل مَن اتبعه ومَن عاداه، فقال: {الذين كفروا لهم عذاب شديد} أي: فمَن أجابه إلى ما دعي فله عذاب شديد؛ لأنه صار من حزبه وأتباعه، {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} ولم يجيبوه، ولم يصيروا من حزبه، بل عادوه، {لهم مغفرةٌ وأجر كبير} لكبر جهاده ودوامه. الإشارة: وَعْد الله هنا عام، وكله حق، واجب الوقوع، لا يتخلّف، فيصدق بوعد الرزق، وكفاية مَن انقطع إليه عن الخلق، لقوله: {أية : وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} تفسير : [الطلاق: 3] وتولى مَن أصلح حالَه لقوله: {أية : وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ}تفسير : [الأعراف: 196] ويصدق بإثابة المطيع، وعتاب المعاصي، أو حلمه عنه، وغير ذلك من المواعد كلها، فيجب على العبد كفه عن الاهتمام بالرزق، وخوف الخلق، والتشمير في الطاعة، والفرار من المعصية، إِنْ كان له ثقة بوعد ربه، وإلا فالخلل في إيمانه. وقوله تعالى: {إِن الشيطان لكم عدو...} الخ، قوم فهموا من الخطاب أنهم أُمروا بعداوة الشيطان، فاشتغلوا بعداوته ومحارتبه، فشغلهم ذلك عن محبة الحبيب، وقوم فهموا من سر الخطاب: إن الشيطان لكم عدو، وأنا لكم حبيب، فاشْتَغلُوا بمحبة الحبيب، فكفاهم عداوة العدو. قيل لبعضهم: كيف صُنعك مع الشيطان؟ فقال: نحن قوم صرفنا هِممنا إلى الله، فكفانا مَن دونه. فالشيطان كالكلب إن اشتغلت بدفعه مزّق الثياب، أو قطع الإهاب، وإن رفعته إلى مولاه كفاك شره. وكذلك النفس إن اشتغلت بتصفيتها ومجاهدتها على الدوام شغلتك عن ذكر الله، والفناء فيه، ولكن الدواء هو الغيبة عنها، والاشتغال بالله دائماً، فإذا أظهرتْ رأسها بقيام شهوتها، دُقّه، بعكس مرادها، وغِبْ عنها في ذكر الله. ومن حِكم شيخنا البوزيدي رضي الله عنه: "انس نفسك بالله، واعتمد على فضل الله، وامتثل شيئاً ما، وينوب الله". وفي الحكم العطائية: "إذا علمت أن الشيطان لا يغفل عنك، فلا تغفل أنت عمن ناصيتك بيده". وقال أيضاً: "وحرّك عليك النفس ليدون إقبالك عليه". وقال: "لو كنت لا تصل إليه إلا بعد فناء مساوئك، ومحو دعاويك، لم تصل إليه أبداً. ولكن إذا أراد أن يُوصلك إليه، غطى وصفك بوصفه، ونعتك بنعته، فوصلك بما منه إليك، لا بما منك إليك". ومن جملة عداوته تزيين القبائح كما قال تعالى: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ...}

الجنابذي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} ناداهم تلطّفاً بهم لتهييجهم للاستماع وصرف الخطاب عنه (ص) الى المكذّبين بعد تسليته ردعاً لهم عن تكذيبهم او الى مطلق العباد وعداً ووعيداً لهم {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} بالثّواب والعقاب {حَقٌّ} لا خلف فيه {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} فتغفلوا عن وعد الله ولا تعملوا له {وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} اى الشّيطان بان يمنّيكم المغفرة ويؤخّركم التّوبة.

اطفيش

تفسير : {يا أيها الناس} الخطاب لقريش او لكل احد. {إن وعد الله} بالبعث والجزاء بالثواب والعقاب. {حق} لا خلف فيه. {فلا تغرنكم الحيٰوة الدنيا} بلذاتها وزخاريفها عن الايمان بالله والطاعة وطلب ما عند الله ينبغي للعبد ان يقلل الدخول في اسباب الدنيا ما استطاع وقد قال صلى الله عليه وسلم حديث : ان قليل الدنيا يلبي من كثير الاخرةتفسير : ، وقال صلى الله عليه وسلم حديث : ما طلعت شمس الا وبجنبها ملكان يناديان يا ايها الناس هلموا الى ربكم فانما قل وكفي خير ما كثر والهى . تفسير : {ولا يغرنكم بالله} عن الله او يحلم الله وامهاله يقول اعملوا ما شئتم فان الله يغفر الذنوب الكبار والصغار. {الغرور} قال ابن عباس: هو ابليس ابعده الله فانه ابلغ مخادع وغار واخذ الخداع عادة وظاهر اللفظ نهي الشيطان عن الغرور والمخادعة والمراد نهي الناس عن ان يتأثر فيهم غروره بان يطيعوه في فعل الذنوب والاصرار عليها اعتمادا على ان يغفرها الله فان غفرانه الذنوب مع الاصرار عليها غير ممكن لأنه خلاف الحكمة فتناولها كتناول السم مع العلم بأنه قاتل ومع عدم تهيئة دافع طيعته وقرىء بضم الغين مصدرا أغر جمعا لغار كقعد قعودا وهو قاعد وهم قعود.

اطفيش

تفسير : {يا أيُّها النَّاس} عموما، أو أهل مكة والأول أولى {إنَّ وَعْد الله} برجوع الأمر كله البعث والجزاء، أو مطلقا، ويدخلان أولا وبالذات {حقٌ} ثابت لا يتخلف {فلا تغُرنَّكم الحياة الدُّنْيا} بزخرفها فتذهلوا عن يوم البعث لجزاء، والنهى فى الصورة للدنيا، وفى الحقيقة لمخاطبين، فهو نائب عن قولك: لا تغتروا بالحياة الدنيا، والمسوغ لنهيها لفظا أنها السبب {ولا يغرنَّكم بالله} عن الله أو عن دينه {الغَرُور} عظيم الغر وكثيره، وهو الشيطان، والنهى لفظا له لأنه سبب، وفى الحقيقة لهم، ومقتضى الظاهر، لا تغرنكم الحياة الدنيا والغرور، لكن كرر النهى للتأكيد وللتغاير بين غرور الدنيا وغرور الشيطان.

الالوسي

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ } المشار إليه بقوله سبحانه: {وَإِلَى ٱللَّهِ تُرْجَعُ ٱلأُمُورُ } من البعث والجزاء {حَقّ } ثابت لا محالة من غير خلف {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَٰوةُ ٱلدُّنْيَا } بأن يذهلكم التمتع بمتاعها ويلهيكم التلهي بزخارفها عن تدارك ما ينفعكم يوم حلول الميعاد، والمراد نهيهم عن الاغترار بها وإن توجه النهي صورة إليها نظير قوله تعالى: {أية : لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِى }تفسير : [هود: 89] وقولك لا أرينك هنا {وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ } حيث أنه جل شأنه عفو كريم رؤوف رحيم {ٱلْغُرُورِ } أي المبالغ في الغرور، وهو على ما روي عن ابن عباس. والحسن ومجاهد الشيطان فالتعريف للعهد، ويجوز التعميم أي لا يغرنكم كل من شأنه المبالغة في الغرور بأن يمنيكم المغفرة مع الإصرار على المعصية قائلاً إن الله يغفر الذنوب جميعاً فإن ذلك وإن أمكن لكن تعاطي الذنوب بهذا التوقع من قبيل تناول السم تعويلاً على دفع الطبيعة، وتكرير فعل النهي للمبالغة فيه ولاختلاف الغرورين في الكيفية. وقرأ أبو حيوة وأبو السمال {ٱلْغُرُورِ } بالضم على أنه مصدر غره يغره وإن قل في المتعدي، أو جمع غار كقعود وسجود مصدرين وجمعين، وعلى المصدرية الإسناد مجازي.

ابن عاشور

تفسير : أعيد خطاب الناس إعذاراً لهم وإنذاراً بتحقيق أن وعد الله الذي وعده من عقابه المكذبين في يوم البعث هو وعد واقع لا يتخلف وذلك بعد أن قدّم لهم التذكير بدلائل الوحدانية المشتملة عليْها، مع الدلالة على نعم الله عليهم ليعلموا أنه لا يستحق العبادة غيره وأنه لا يتصف بالإِلهية الحق غيره. وبعد أن أشار إليهم بأن ما أنتجته تلك الدلائل هو ما أنبأهم به الرسول صلى الله عليه وسلم فيعلمون صدقه فيما أنبأهم من توحيد الله وهو أكبر ما قرع آذانهم وأحرج شيء لنفوسهم، فإذا تأيّد بالدليل البرهاني تمهّد السبيل لتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبرهم به من وعد الله وهو يوم البعث لأنه لما تبين صدقه في الأولى يعلم صدقه في الثانية بحكم قياس المساواة. والخطاب للمشركين، أوْ لَهم وللمؤمنين لأن ما تلاه صالح لموعظة الفريقين كل على حسب حاله. وتأكيد الخبر بــ{إنَّ} إمّا لأن الخطاب للمنكرين، وإمّا لتغليب فريق المنكرين على المؤمنين لأنهم أحوج إلى تقوية الموعظة. والوعد مصدر، وهو الإِخبار عن فعل المخبِر شيئاً في المستقبل، والأكثر أن يكون فيما عدا الشر، ويُخص الشر منه باسم الوعيد، يعمهما وهو هنا مستعمل في القدر المشترك. وقد تقدم عند قوله تعالى: { أية : الشيطان يعدكم الفقر } تفسير : الآية في سورة البقرة (268). وإضافته إلى الاسم الأعظم توطئة لكونه حقّاً لأن الله لا يأتي منه الباطل. والحق هنا مقابل الكذب. والمعنى: أن وعد الله صادق. ووصفه بالمصدر مبالغة في حقيته. والمراد به: الوعد بحلول يوم جزاء بعد انقضاء هذه الحياة كما دل عليه تفريع {فلا تغرنكم الحياة الدنيا} الآية. والغُرور بضم الغين ويقال التغرير: إيهام النفع والصلاح فيما هو ضرّ وفساد. وتقدم عند قوله تعالى: { أية : لا يغرنك تقلب الذين كفروا } تفسير : في سورة آل عمران (196) وعند قوله: { أية : زخرف القول غروراً } تفسير : في سورة الأنعام (112). والمراد بالحياة: ما تشتمل عليه أحوال الحياة الدنيا من لهو وترف، وانتهائها بالموت والعدم مما يسول للناس أن ليس بعد هذه الحياةِ أخرى. وإسناد التغرير إلى الحياة ولو مع تقدير المضاف إسناد مجازي لأن الغَارَّ للمرء هو نفسه المنخدعة بأحوال الحياة الدنيا فهو من إسناد الفعل إلى سببه والباعث عليه. والنهي في الظاهر موجه إلى الناس والمنهي عنه من أحوال الحياة الدنيا، وليست الحياة الدنيا من فعل الناس، فتعين أن المقصود النهي عن لازم ذلك الإِسناد وهو الاغترار لمظاهر الحياة. ونظيره كثير في كلام العرب كقولهم: لا أعرفنَّك تفعل كذا، ولا أرَيَنَّك ههنا، { أية : ولا يجرمنكم شنآن قوم } تفسير : [المائدة: 2]، وتقدم نظيره في قوله تعالى: { أية : لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد } تفسير : آخر آل عمران (196). وكذلك القول في قوله تعالى: {ولا يغرنكم بالله الغرور}. والغرور بفتح الغين: هو الشديد التغرير. والمراد به الشيطان، قال تعالى: { أية : فدلاهما بغرور } تفسير : [الأعراف: 22]. وهو يغير الناس بتزيين القبائح لهم تمويهاً بما يلوح عليها من محاسن تلائم نفوس الناس. والباء في قوله {بالله} للملابسة وهي داخلة على مضاف مقدر أي، بشأن الله، أي يتطرق إلى نقض هدى الله فإن فعل غرّ يتعدّى إلى مفعول واحد فإذا أريد تعديته إلى بعض متعلقاته عُدّي إليه بواسطة حرف الجرّ، فقد يعدّى بالباء وهي باء الملابسة كقوله تعالى: { أية : يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم } تفسير : [الانفطار: 6] وقوله في سورة الحديد (14): { أية : وغركم بالله الغرور } تفسير : وذلك إذا أريد بيان من الغرور ملابس له على تقدير مضاف، أي بحال من أحواله. وتلك ملابسة الفعل للمفعول في الكلام على الإِيجاز. وليست هذه الباء باء السببية. وقد تضمنت الآية غرورين: غروراً يغتَرّه المرء من تلقاء نفسه ويزيّن لنفسه من المظاهر الفاتنة التي تلوح له في هذه الدنيا ما يتوهمه خيراً ولا ينظر في عواقبه بحيث تخفى مضارّه في بادىء الرأي ولا يظنّ أنه من الشيطان. وغروراً يتلقاه ممن يغرّه وهو الشيطان، وكذلك الغرور كله في هذا العالم بعضه يمليه المرء على نفسه وبعضه يتلقاه من شياطين الإِنس والجن، فتُرِك تفصيل الغرور الأول الآن اعتناء بالأصل والأهم، فإن كل غرور يرجع إلى غرور الشيطان. وسيأتي تفصيله عند قوله تعالى: { أية : من كان يريد العزة فللّه العزة جميعاً } تفسير : [فاطر: 10].

د. أسعد حومد

تفسير : {يٰأَيُّهَا} {ٱلْحَيَاةُ} (5) - يَا أَيُّها النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ بِالبَعْثِ وَالنُّشُورِ وَالحِسَابِ وَالجَزَاء.. هُوَ وَعْدٌ حَقٌّ لاَ شَكَّ فِيهِ وَلاَ مِرْيَة، فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الحَيَاةُ الدُّنيا، وَلاَ تُلْهِيَنَّكُمْ بِزُخْرُفِها وَزينتِها، عَنْ طَلَبِ مَا يَنْفَعُكُمْ يَوْمَ حُلُولِ مَوْعِدِ الحَشْرِ، وَبَعْثِ الخَلائِقِ، وَلاَ تَدَعُوا الشَّيطَانَ يَغُرَّكُمْ، وَيَفْتِنْكُمْ، وَيَصرِفْكُمْ عَن اتِّبَاعِ رُسُلِ اللهِ، وَتَصْدِيقِ كَلِمَاتِهِ، فَإِنهُ غَرَّارٌ كَذَّابٌ. فَلاَ تَغُرَّنَّكُمْ - فَلاَ تَخْدَعَنَّكُمْ وَلاَ تُلْهِيَنَّكُمْ. الغَرُورُ - الذِي يَغُرُّ النَّاسَ وَيَغشُّهُمْ وَهُوَ هُنَا الشَّيَطانُ.

خواطر محمد متولي الشعراوي

تفسير : يعني: وعده حَقٌّ في أنكم ستُردُّون إلى الله في الآخرة، فيحاسبكم ويُجازيكم، المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وهذا مبدأ معروف ومعمول به في كل المجتمعات، حتى البدائية منها، وحتى الملاحدة يعملون بهذا المبدأ، فيعطي المُجِدَّ ويعاقب المقصِّر، بل بعض هؤلاء يضعون قوانينَ للثواب والعقاب أصرم وأشدّ من قوانين الله، مثل قوانين الإعدام والشنق ومصادرة الأموال .. إلخ. والمجتمع لا يستقيم أمره إلا بهذا المبدأ، فإنِ اختلَّ تطبيقه فَسَد المجتمع، وأُحبِط الأفراد، وعمّتْ الفوضى، ولم لا والمحسن لا يأخذ ثمرة إحسانه، والمجرم لا يُعاقب على جريمته؟ إذن: لا بُدَّ أنْ نربي في الناس وازعَ الرغبة في الخير، والرهبة من الشر؛ ليزداد المحسن في إحسانه، ويرعوى المسيىء عن إساءته. وكيف لا يُقبل هذا المبدأ في عالم مليء بالمظالم والتعديات والبطش والجبروت، ثم لا يأتي الوقت الذي ينال فيه كُلٌّ ما يستحقه؟ لذلك كثيراً ما أذكر ما دار بيننا وبين الشيوعيين الذين ينكرون مسألة البعث والحساب، فكنتُ أقول لهم: لقد أخذتم أعداءكم وقتلتموهم، وصادرتم أموالهم، وفعلتم بهم الأفاعيل؛ لأنهم في نظركم غيَّروا مقاييس العطاء، فما بال مَنْ فعلوا هذا وظلموا، لكنهم أفلتوا منكم، ولم تَطُلْهم أيديكم بعقاب؟ وما بال الظالمين قبلكم وبعدكم؟ أليس من الصواب القوْلُ بموعد يجمع هؤلاء جميعاً للحساب، حيث ينال كل منهم جزاءه؟ أليس هذا الجزاء يسعدكم ويُثلج صدوركم حين تروْنَ الظالم يُؤخذ بظلمه. إذن: كان عليكم أنْ تؤمنوا بهذا اليوم، لا أنْ تنكروه وتكفروا به، وهو يقوم على نفس المبدأ الذي تنادون به أنتم. لذلك تلحظ أن النداء هنا لكل الناس: {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّ} [فاطر: 5] أي: وعده بالقيامة والبعث والحساب، فهذه مسألة يُخاطب بها كل الناس، ووَعْد الله حقٌّ؛ لأن الوعد يأخذ حقيَّة من الواعد، ومن قدرته على إنفاذ وعده، ومَنْ أقدرُ من الله؟ إذن: ينبغي أن نثِقَ في الوعد إنْ جاء من الله سبحانه، ولا نثق في وعد مَنْ لا قدرةَ له في ذاته. وسبق أن بيَّنا أن الإنسان يَعِد وينوي الوفاء وقت الوعد، لكنه لا يملك أسباب الوفاء، فربما طرأ عليه طارئ، أو تغيَّرت الظروف، فحالتْ بينه وبين الوفاء بوعده؛ لذلك يُعلمنا ربنا أدباً عالياً في هذه المسألة في سورة الكهف، فيقول سبحانه: {أية : وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ..} تفسير : [الكهف: 23-24] فتعليق فِعْلك على مشيئة ربك يُعفيك من الكذب إنْ عجزْتَ عن الوفاء، فَلَك أَن تقول: نويتُ الوفاء، لكن الله لم يشأ. لذلك لا يُوصَف وعد بالحقية إلا وعد الله؛ لأنه سبحانه وحده الذي يملك كل أسباب الوفاء بوعده. ولا يعوقه عن الوفاء شيء، ولا يمانعه أحد. وما دام أن وعد الله حَقٌّ {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} [فاطر: 5] لا تخدعنَّكم؛ لأن الناس طبائع، منهم مَنْ يغتر بثناء الناس عليه، ومنهم مَنْ يغتر في ذاته، وهذا هو الذي تغرُّه الحياة الدنيا بشهواتها، فيعيش فيها بلا تكاليف وبلا التزامات، كما فعل الكفار حين عبدوا الحجارة، لأنها آلهة بلا تكاليف. لذلك يحذرنا ربنا: لا تخدعنكم الدنيا عن شيء آخر أعلى منها هو الآخرة، ويكفي ذَمًا لهذه الحياة أن الله تعالى سماها دُنْيا، والمقابل للدنيا حياة عليا هي الآخرة، فالمعنى: لا تخدعنكم الدنيا عن مطلوب الله الذي يؤهلكم لحياة أخرى عُلْيا. وسبق أنْ بيَّنا أن الدنيا بالنسبة للإنسان هي مدة بقائه فيها، لا عمر الدنيا كله، وعمرك في الدنيا رغم قِصَره هو عمر مظنون، ونعيمك فيها على قدر حركتك فيها، أما عمرك في الآخرة فمتيقن، ونعيمك فيها على قدر إمكانات الله، وأنت مهما بلغتَ من نعيم الدنيا يُنغِّصه عليك أنْ يزول، إما أن تتركه أنت وتموت، أو يتركك هو فتظل في الدنيا رغم غِنَاك وتمتعك بها، مُؤرَّقاً مشغولَ البال خائفاً من فوات النعمة، أما في الآخرة فالنعمة باقية دائمة، لا مقطوعة ولا ممنوعة. إذن: إنِ اغتررتَ بالدنيا فأجْرِ هذه المقارنة. لذلك، لما تكلَّم الحق سبحانه عن هذه الحياة وصفها بأنها دُنْيا، ولما تكلم عن الآخرة قال: {أية : وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ} تفسير : [العنكبوت: 64] فمعنى الحيوان أي: الحياة الحقيقية الباقية التي لا يهددها موْتٌ ولا فناء، فيجب - إذن - أنْ تتنبه، وأنْ تختار البديل الأرجح والأنفع لك؛ لذلك نقول للذين اعتمدوا على الله وعاشوا في كَنَف الله وعلى منهج الله نقول: إنهم عرفوا كيف يسوسون حياتهم، فأخذوها من أقصر الطرق، ونَصِف هؤلاء بالمكر، والمراد المكر العالي المكر الحسن. وفي موضع آخر، يُبيِّن الحق سبحانه لنا حبائلَ الدنيا ووسائل غرورها، فيقول سبحانه: {أية : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَاتِ مِنَ ٱلنِّسَاءِ وَٱلْبَنِينَ وَٱلْقَنَاطِيرِ ٱلْمُقَنْطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلْفِضَّةِ وَٱلْخَيْلِ ٱلْمُسَوَّمَةِ وَٱلأَنْعَامِ وَٱلْحَرْثِ ذٰلِكَ مَتَاعُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَٱللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ ٱلْمَآبِ} تفسير : [آل عمران: 14]. وقوله سبحانه: {وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} [فاطر: 5] أي: الشيطان، فالخداع والغرور إما أن يكون من النفس ذاتها بدون مؤثر خارجي، وإما أنْ يوجد شيطان سُوءٍ يغرُّك ويُوسوس لك، إذن: أنت أمام عدوين، إما الدنيا بشهواتها، وإما الشيطان بهَمْزه ونَزْغه، وقد حذرنا ربنا منه، فقال: {أية : وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} تفسير : [الأعراف: 200]. تعني: تنبه لهذا العدو، وكُنْ منه على حذر، فعداوته لك مُسْبقة منذ أبيك آدم، وكُرْهه لك واضح مُعْلَن، فينبغي أنْ يكون لك معه موقف؛ لذلك يقول تعالى بعدها: {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً...}.

زيد بن علي

تفسير : وقوله تعالى: {وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} معناه أن يَعمل بالمعصيةِ، ويتَمنّى المَغفرةَ.

الجيلاني

تفسير : {يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ} المهمكون في بحر الغفلة والنيسان، التائهون في تيه الغرور والخسران {إِنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ} الذي وعده في النشأة الأخرى لعموم عباده شقيهم وسعيدهم، مطيعهم وكافرهم {حَقٌّ} ثابت، لازم إنجازه على الله بلا خلف، فلكم أن تتزودوا لأخراكم وتهيئوا أمر عقباكم؛ كي تصلوا إلى ما أعد لكم مولاكم {فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ} وتعوقنكم {ٱلْحَيَاةُ ٱلدُّنْيَا} ولذاتها الفانية وشهواتها الزائلة عن الحياة السرمدية، والبقاء الأبدي واللذات الأزلية {وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} [فاطر: 5] يعني لا يلبّس عليكم الشيطان المكار الغرار الغدار بأن يوقع في قلوبكم أن رحمة الله واسعة وفضله كثير ولطفه عام، وأن الله سبحانه مستغني عن طاعتكم وعبادتكم، وأن فعل الإيلام لا يتصور من الحكيم العلام، إلى غير ذلك من الحيل العائقة لكم عن التقوى والتزود للنشأة الأخرى. {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ} يا بني آدم {عَدُوٌّ} قديم، مستمر عداوته من زمان أبيكم {فَٱتَّخِذُوهُ} أي: الشيطان، أنتم أيضاً {عَدُوّاً} لأنفسكم عداوة مستمرة بحيث لا تصغوا إليه ولا تقبلوا منه قوله، ولا تلتفتوا إلى تغريره وتلبيسه أصلاً، فإنه يواسيكم ويغريكم إلى مشتهيات نفوسكم، ويوقعكم في فتنة عظيمة، كما أوقع أباكم آدم عليه السلام فعليكم أن تجتنبوا عن غوائله، حتى لا تكونوا من حزبه {إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ} على الغواية والضلال {لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} [فاطر: 6] المعد لأصحاب الشقاوة الأزلية مثل الشيطان وأحزابه وأتباعه. نجنا بفضلك من سخطك، وأعدنا بلطفك من تغرير عدونا وعدوك. ثم قال سبحانه كلاماً جملياً، شاملاً لعموم العباد؛ تذكيراً وعظة، مشتملاً على الوعد والوعيد بكلا الفريقين: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} أي: ستروا الحق وأعرضوا عنه في النشأة الأولى عناداً ومكابرة {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} إي: إحراق بالنار في النشأة الأخرى؛ جزاء لما اقترفوا في النشأة الأولى؛ إذ لا عذاب أشد من الإحراق {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بتوحيد الله، وصدقوا رسله المؤيدين من عنده بالصحف والكتب المنزلة إليهم، المبينة لسلوك طريق التوحيد والعرفان {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} المأمورة لهم في تلك الكتب والصحف {لَهُم} في النشأة الأخرى {مَّغْفِرَةٌ} ستر وعفو لما صدر عنهم من الذنوب قبل الإيمان والتصديق {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [فاطر: 7] وجزاء عظيم على ما عملوا بعده بمقتضى الأمر الإلهي المبين في الكتب المنزلة من عنده. {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً} يعني: أيزعم أن من زين وحسن له الشيطان عمله السويِّء القبيح في الوقاع فخيله حسناً بحسب زعمه الفاسد واعتقاده الباطل، كمن كان عمله حسناً في الواقع حقاً في نفس الأمر واعتقده أيضاً كذلك، حتى يكونا متساويين في استحقاق الأمر الجزيل والجزاء الجميل؟! كلا وحاشا {فَإِنَّ ٱللَّهَ} المتعزز برداء العظمة والكبرياء، المقتدر على جميع ما يشاء {يُضِلُّ} عن صراط توحيده بمقتضى قهره وجلاله {مَن يَشَآءُ} من عصاة عباده {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} منهم الإضلال والضلال، والإرشاد والهداية إنما هي مستمدة أولاً وبالذات إلى مشيئة الله وإرادته، لا مدخل لأحد من خلقه فيها أصلاً {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ} أي: لا تتعب ولا تهلك نفسك {عَلَيْهِمْ} أي: على غواية من أردت أو أحببت هدايته {حَسَرَاتٍ} أي: حال كونك متحسراً ومتأسفاً تحسراً فوق تحسر، وتحزناً فوق تحزن على ضلالهم وعدم قبولهم الهداية، والمعنى: أفمن زين له سوء عمله، فحسنه على نفسه واعتقده حقاً جهلاً مع أنه باطل في نفسه، وبذلك ضل عن طريق الحق وانحرف عن سوء السبيل، وبعُد بمراحل عن الهداية، وأنت يا أكمل الرسل أذهبت وأهلكت نفسك حسرة عليهم وضجرة لما لم يهتدوا ولم يؤمنوا، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وبالجملة: {إِنَّ ٱللَّهَ} المراقب على جميع حالاتهم {عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر: 8] يجازيهم على مقتضى علمه بسوء صنيعهم، ولا تتعب نفسك عليهم بما يفوتون على نفوسهم من الرشد والهداية.

عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي

تفسير : يقول تعالى: { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ } بالبعث والجزاء على الأعمال، { حَقٌّ } أي: لا شك فيه، ولا مرية، ولا تردد، قد دلت على ذلك الأدلة السمعية والبراهين العقلية، فإذا كان وعده حقا، فتهيئوا له، وبادروا أوقاتكم الشريفة بالأعمال الصالحة، ولا يقطعكم عن ذلك قاطع، { فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا } بلذاتها وشهواتها ومطالبها النفسية، فتلهيكم عما خلقتم له، { وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ } الذي هو { الشَّيْطَانُ } الذي هو عدوكم في الحقيقة { فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا } أي: لتكن منكم عداوته على بال، ولا تهملوا محاربته كل وقت، فإنه يراكم وأنتم لا ترونه، وهو دائما لكم بالمرصاد. { إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ } هذا غايته ومقصوده ممن تبعه، أن يهان غاية الإهانة بالعذاب الشديد. ثم ذكر أن الناس انقسموا بحسب طاعة الشيطان وعدمها إلى قسمين، وذكر جزاء كل منهما، فقال: { الَّذِينَ كَفَرُوا } أي: جحدوا ما جاءت به الرسل، ودلت عليه الكتب { لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } في نار جهنم، شديد في ذاته ووصفه، وأنهم خالدون فيها أبدا. { وَالَّذِينَ آمَنُوا } بقلوبهم، بما دعا اللّه إلى الإيمان به { وَعَمِلُوا } بمقتضى ذلك الإيمان، بجوارحهم، الأعمال { الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ } لذنوبهم، يزول بها عنهم الشر والمكروه { وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } يحصل به المطلوب.

همام الصنعاني

تفسير : 2434- عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، في قوله تعالى: {وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ}: [الآية: 5]. قَالَ: {ٱلْغَرُورُ} الشيطان.