٣٥ - فَاطِر
35 - Fatir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
6
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم قال تعالى: {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً } لما قال تعالى: {أية : وَلاَ يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ } تفسير : [فاطر:5] ذكر ما يمنع العاقل من الاغترار، وقال: {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً } ولا تسمعوا قوله، وقوله: {فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً } أي اعملوا ما يسوءه وهو العمل الصالح. ثم قال تعالى: {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ } إشارة إلى معنى لطيف وهو أن من يكون له عدو فله في أمره طريقان: أحدهما: أن يعاديه مجازاة له على معاداته والثاني: أن يذهب عداوته بإرضائه، فلما قال الله تعالى: {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوّاً } أمرهم بالعداوة وأشار إلى أن الطريق ليس إلا هذا، وأما الطريق الآخر وهو الإرضاء فلا فائدة فيه لأنكم إذا راضيتموه واتبعتموه فهو لا يؤديكم إلا إلى السعير. واعلم أن من علم أن له عدو لا مهرب له منه وجزم بذلك فإنه يقف عنده ويصبر على قتاله والصبر معه الظفر، فكذلك الشيطان لا يقدر الإنسان أن يهرب منه فإنه معه، ولا يزال يتبعه إلا أن يقف له ويهزمه، فهزيمة الشيطان بعزيمة الإنسان، فالطريق الثبات على الجادة والاتكال على العبادة.
القرطبي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} أي فعادوه ولا تطيعوه. ويدلكم على عداوته إخراجه أباكم من الجنة، وضمانه إضلالكم في قوله: {أية : وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ} تفسير : [النساء: 119] الآية. وقوله: {أية : لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ ٱلْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ} تفسير : [الأعراف: 16 ـ 17] الآية. فأخبرنا جل وعز أن الشيطان لنا عدوّ مبين، واقتص علينا قصته، وما فعل بأبينا آدم صلى الله عليه وسلم، وكيف انتدب لعداوتنا وغرورنا من قبل وجودنا وبعده، ونحن على ذلك نتولاه ونطيعه فيما يريد منا مما فيه هلاكنا، وكان الفضيل بن عِياض يقول: يا كذاب يا مُفْتَرٍ، اتق الله ولا تَسُبَّ الشيطان في العلانية وأنت صديقه في السر. وقال ابن السماك: يا عجباً لمن عصى المحسن بعد معرفته بإحسانه! وأطاع اللعين بعد معرفته بعداوته! وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» مجوَّداً. و«عدُوّ» في قوله: «إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ» يجوز أن يكون بمعنى معادٍ، فيثنّى ويجمع ويؤنث. ويكون بمعنى النسب فيكون موحداً بكل حال؛ كما قال جل وعز: {أية : فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ} تفسير : [الشعراء: 77]. وفي المؤنث على هذا أيضاً عدوّ. النحاس: فأما قول بعض النحويين إن الواو خفية فجاؤوا بالهاء فخطأ، بل الواو حرف جلد. {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ} كفّت «ما» «إنّ» عن العمل فوقع بعدها الفعل. {حِزْبَهُ} أي أشياعه. {لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} فهذه عداوته. {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} يكون «الَّذِينَ» بدلاً «مِنْ أَصْحَابِ» فيكون في موضع خفض، أو يكون بدلاً من «حِزْبَه» فيكون في موضع نصب، أو يكون بدلاً من الواو فيكون في موضع رفع. وقول رابع وهو أحسنها: يكون في موضع رفع بالابتداء ويكون خبره «لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ»؛ وكأنه سبحانه بيّن حال موافقته ومخالفته، ويكون الكلام قد تَمّ في قوله: {مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} ثم ابتدأ فقال: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ}. {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} في موضع رفع بالابتداء أيضاً، وخبره {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} أي لذنوبهم. {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} وهو الجنة.
المحلي و السيوطي
تفسير : {إِنَّ ٱلشَّيْطَٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً } بطاعة الله ولا تطيعوه {إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ } أتباعه في الكفر {لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ } النار الشديدة.
ابن عطية
تفسير : قوله تعالى: {إن الشيطان} الآية، يقوي قراءة من قرأ "الغَرور" بفتح الغين، وقوله {فاتخذوه عدواً} أي بالمباينة والمقاطعة والمخالفة له باتباع الشرع، و"الحزب" الحاشية والصاغية، واللام في قوله {ليكونوا} لام الصيرورة لأنه لم يدعهم إلى السعير إنما اتفق أن صار أمرهم عن دعائه إلى ذلك، و {السعير} طبقة من طبقات جهنم وهي سبع طبقات، وقوله {الذين كفروا} في موضع رفع بالابتداء وهذا هو الحسن لعطف {الذين آمنوا} عليه بعد ذلك فهي جملتان تعادلتا، وجوز بعض الناس في {الذين} أن يكون بدلاً من الضمير في {يكونوا} وجوز غيره أن يكون {الذين} في موضع نصب بدلاً من {حزبه} وجوز بعضهم أن يكون في موضع خفض بدلاً من {أصحاب} وهذا كله محتمل، غير أن الابتداء أرجح. وقوله تعالى: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً} توقيف وجوابه محذوف تقديره عند الكسائي تذهب نفسك حسرات عليهم، ويمكن أن يتقدر كمن اهتدى ونحو هذا من التقدير، وأحسنها ما دل اللفظ بعد عليه، وقرأ طلحة "أمن زين" بغير فاء، وهذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن كفر قومه، ووجب التسليم لله تعالى في إضلال من شاء وهداية من شاء، وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالإعراض عن أمرهم وأن لا يبخع نفسه أسفاً عليهم، وقرأ جمهور الناس "فلا تذهَبُ" بفتح التاء والهاء "نفسُك" بالرفع، وقرأ أبو جعفر وقتادة وعيسى والأشهب "تُذهِبَ" بضم التاء وكسر الهاء نفسك بالنصب، ورويت عن نافع، و"الحسرة" هم النفس على فوات أمر، واستشهد ابن زيد لذلك بقوله تعالى: {أية : يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله} تفسير : [الزمر: 56] ثم توعد تعالى الكفرة بقوله {إن الله عليم بما يصنعون}.
ابن عادل
تفسير : قوله: {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ} لما قال تعالى: {أية : وَلاَ يَغُرَّنَّكُمْ بِٱللَّهِ ٱلْغَرُورُ} تفسير : [فاطر:5] يمنع العاقل من الاغترار وقال: {ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوًّا}، ولا تسمعوا قوله. وقوله: "فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا" أي اعملوا ما يسوؤه وهو العمل الصالح. ثم قال: {إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ} أي أشياعه {لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}. (و) في الآية إشارة إلى معنى لطيف وهو أن من يكون له عدو فإما أنْ يُعَادِيَه مجازاةً له وإما أن يُرْضيه فلما قال تعالى: {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ} أمرهم بالعداوة وأَشَارَ إلى أن الطريق ليس إلا هذا. وأما الإرضاء فلا فائدة فيه لأنكم إنْ أَرْضَيْتمُوهُ واتَّبعتُمُوهُ فهو لا يؤدِّيكم إلا إلى السعير. واعلم أن من علم أن له عدواً لا مهرب له منه وجزم بذلك فإنه يقف له ويصير معه على قتاله إلى أن يظفر به وكذلك الشيطان لا يقدر الإنسان (أن) يهرب منه فإنه يقف معه ولا يزال ثابتاً على الجادّة والاتِّكال على العبادة. ثم بين تعالى ما حال حزبه وحال حزب الله وهو قوله: "الَّذِينَ كَفَرُوا" يجوز رفعه ونصبه وجره فرفعه من وجهين: أظهرهما: أن يكون مبتدأ والجملة بعده خبره. والأحسن أن يكون "لهم" هو الخبر و"عَذَابٌ" فاعله. الثاني: أنه بدل من واو "لِيَكُونُوا". ونصبه من أوجه: البدل من "حِزْبَهُ" أو النعت له أو إضمار فعل "أَذُمُّ" ونحوه، وجره من وجهين: النعت أو البدلية من "أصْحَابِ السَّعِيرِ" وأحسن الوجوه الأول لمطابقة التقسيم. واللام في "لِيَكُونُوا" إما للعلة على المجاز من إقامة السَّبَب مَقَام المُسَبب وإما الصَّيْرُورة ثم قال: {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} وهذا حال حزب الشيطان {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} فالإيمان في مقابلته المغفرة فلا يُؤَبَّد مؤمنٌ في النار والعمل الصالح في مقابلته "الأجر الكبير". قوله: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ} "مَنْ" موصول مبتدأ وما بعده صلته والخبر محذوف فقدره الكسائِيُّ {تذهب نفسك عليهم حَسَرَاتٍ} لدلالة: "فَلاَ تَذْهَب" عليه. وقدره الزجاج: "وأَضَلَّهُ اللَّهُ كَمَنْ هَدَاهُ" وقدره غيرهما كمن لم يُزَيَّنْ له. وهو أحسن، لموافقته لفظاً ومعنى. ونظيره "أفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ (هُوَ أعْمَى)" {أية : أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ ٱلْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَىٰ} تفسير : [الرعد:19]. والعامة على "زُيِّنَ" مبنياً للمفعول "سُوءُ" رفع وعُبَيْدُ بْنُ عَمَيْر زَيَّنَ مبنياً للفاعل وهو الله "سُوءَ" بالنصب به. وعنه "أَسْوأَ" بصيغة التفضيل منصوباً. وطلحةُ "أَمَنْ" بغير فاء. قال أبو الفضل: الهمزة للاستخبار بمعنى العامة للتقرير ويجوز أن تكون بمعنى حرف النداء فحذف التَّمَامُ كما حذف من المشهور الجواب، يعني أنه يجوز في هذه القراءة أن تكون الهمزة للنداء وحذف التّمام أي ما نُودي لأجله كأنه قيل: يَا مَنْ زينَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ ارْجِعْ إلى الله وتب إليه، وقوله: "كما حذِف الجواب" يعني به خبرَ المبتدأ الذي تَقدَّم تقريره. فصل قال ابن عباس: نزلت في أبي جهل ومشركي مكة. وقال سعيد بن جبير: نزلت في أصحاب الأهْوَاء والبِدَع فقال قتادة: منهم الخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين وأموالهم فأما أهل الكبائر فليسوا منهم لأنهم لا يستحلون الكبائر. ومعنى زين له سوء عمله شبه له وموه عليه وحسن له سوء عمله أي قبح عمله فرآه حسناً زين له الشيطان ذلك بالوسواس. وفي الآية حذف مجازه: أفمن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فرأى الباطل حَقًّا كَمَنْ هداه الله فرأى الحق حقاً والباطل باطلاً؟ {فإنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} وذلك لأن أشخاص الناس متساوية في الحقيقة والإساءة والإحسان والسيئة والحسنة تمتاز بعضها عن بعض فإذا عرفها البعض دون البعض لا يكون ذلك بالاستقلال منهم فلا بدّ من الاستناد إلى إرادة الله تعالى. ثم سلى- رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث حزن على إصرارهم بعد إتيانه بكل آية ظاهرة وحجةٍ قاهرة فقال: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} كقوله تعالى: {أية : فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ ءَاثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ} تفسير : [الكهف:6] أي لا تغتمّ بكفرهم وهلاكهم إن لم يؤمنوا. قوله: "فَلاَ تَذْهَبْ" العامة على فتح التاء مسنداً "لِنَفْسِك" من باب "لاَ أَرَيَنَّكَ هَهُنَا" أي لا تتعاط أسباب ذلك. وقرأ أبو جعفر وقتادة والأشهب بضم التاء وكسر الهاء مسنداً لضمير المخاطب (و) نَفْسَك مفعول به. قوله: "حَسَرَاتٍ" فيه وجهان: أحدهما: أنه مفعول من أجله أي لأَجْلِ الحَسَرَاتِ. والثاني: أنه في موضع الحال على المبالغة كأن كلها صَا(رَ)تْ حَسَرَاتٍ لفرط التحسر كما قال: شعر : 4152- مشَقَ الْهَوَاجِرُ لَحْمَهُنَّ مَعَ السُّرَى حَتَّى ذَهَبْنَ كَلاَكِلاً وَصُدُوراً تفسير : يريد: رجعن كلاكلاً وصدرواً، أي لم يبق إلا كلاكلها وصدورها كقولهم (شعر): شعر : 4153- فَعَلَى إثْرِهم تَسَاقَطُ نَفْسِي حَسَرَاتٍ وذِكْرُهُم لِي سَقَامُ تفسير : وكون "كلاكل وصدور" حال قوله سيبويه. وجعلها المُبَرِّدُ تَمْيِيزَين منقولين من الفاعلية. والحسرة شدة الحزن على ما فات من الأمر. ثم قال: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُون} أي الله عالم بفعلهم يجازيهم على ما يصنعونه، ثم عاد إلى البيان وقال: {ٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ} وهبوب الرياح دليل ظاهر على الفاعل المختار، لأن الهواء قد يسكن وقد يتحرك وعند حركته قد يتحرك إلى اليمين وقد يتحرك إلى الشمال وفي حركاته المخلتفة قد يُنْشِىء السَّحَابَ وقد لا يُنْشِىءُ. فهذه الاختلافات دليل على مسخِّرٍ مدبِّرٍ مُؤَثِّر مُقَدِّرٍ. قوله: "فَتُثِرُ" عطف على "أرْسَلَ" لأن "أرْسَلَ" بمعنى المستقبل فلذلك عطف عليه وأتى بأَرْسَلَ لِتَحَقُّقِ وقوعه. و "تثيرُ" لتصور الحال واستحضار الصورة البديعة كقوله: {أية : أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَتُصْبِحُ ٱلأَرْضُ مُخْضَرَّةً} تفسير : [الحج:63] وكقول تَأَبَّطَ شَرًّا: شعر : 4154- ألاَ مَنْ مُبْلِغٌ فِتْيَانَ فَهْمٍ بِمَا لاَقَيْتُ عِنْدَ رَحَا مَطَانِ بأنِّي قد رأيت الغول تَهْوِي بِسَهْبٍ كالصَّحِيفَةِ صَحْصَحَانِ فَقُلْتُ لَهَا كِلاَنَا نِضْوُ أرْضٍ أَخُو سَفَرٍ فخل لِي مَكَانِي فَشَدَّتْ شَدَّةً نَحْوِي فَأَهْوَتْ لَهَا كَفِّي بمصقول يَمَانِي فَأَضْرِبُهَا بِلاَ دَهَشٍ فَخَرَّتْ صَرِيعاً لِلْيَدَيْنِ ولِلْجِرَانِ تفسير : حيث قال: "فأضربها" ليصور لقومه حاله وشجاعته وجرأته وقوله: "فَسُقْنَاهُ و أَحْيَيْنَا" معدولاً بهما عن لفظ الغيبة إلى ما هو أدْخَلُ في الاختصاص وأدلّ عليه. فصل قال: أرسل بلفظ الماضي وقال: "فَتُثِيرُ سَحَاباً" بلفظ المستقبل، لأنه لما أُسند فعل الإرسال إلى الله وما يفعله يكون بقوله كن فلا يبقى في العدم لا زماناً ولا جزءاً من الزَّمان فلم يقل بلفظ المستقبل لوجوب وقوعه وسرعة كونه كأنه كان، ولأنه فرغ من كل شيء فهو قدّر الإرسال في الأوقات المعلومة وإلى المواضع المعينة. ولما أسند فعل الإشارة إلى الريح وهي تؤلّف في زمان فقال: تُثِيرُ أي على هيئتها وقال: "سُقْنَا" أسند الفعل إلى المتلكم وكذلك في قوله: "فَأحْيَيْنَا"، لأنه في الأول عرف نفسه بفعل من الأفعال وهو الإرسال ثم لما عرف قال: أنا الذي بَعَثْتُ السَّحَاب وأحْيَيْتُ الأَرْضَ. ففي الأول كان تعريفاً بالفعل العجيب وفي الثاني: كان تذكيراً بالنعمة فإن كمال نعمة الرياح والسحاب بالسَّوْقِ والإحياء وقوله:"سُفْنَا وَأَحْيَيْنَا" بصيغة الماضي يؤيد ما ذكرنا من الفرق بين قوله: "أرسل" وبين قوله: "تثير". ثم قال: "كَذَلِكَ النُّشُورُ" أي من القبور ووجه التشبيه من وجوه: أحدها: أن الأرض الميتة لما وصلت الحياة اللائقة بها كذلك الأعضاء تقبل الحياة. وثانيها: كما أن الريح تجمع القِطَعَ السحابية كذلك نجمع أجزاء الأعضاء وأبعَاضَ الأشياء. وثالثها: كما أنَّا نسوق الرِّيح والسحاب إلى البلد نسوق الرُّوحَ إلى الجسد الميِّت. فإن قيل: ما الحكمة في هذه الآية من بين الآيات مع أن الله تعالى له في كل شيء آية تدل على أنه واحد؟ فالجواب: أنه تعالى لما ذكر أنه فاطر السماوات والأرض وذكر من الأمور السماوية والأرواح وإرسالها بقوله: {جَاعِلِ الملائكة رسلاً أولي أجنحة} ذكر في الأمور الأرضية الرِّياحَ.
ابو السعود
تفسير : {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ} عداوةً قديمةً لا تكاد تزولُ. وتقديمُ لكم للاهتمامِ به {فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} بمخالفتِكم له في عقِائدِكم وأفعالِكم وكونِكم على حَذَرٍ منه في مجامعِ أحوالِكم. وقولُه تعالى: {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ} تقريرٌ لعداوتِه وتحذيرٌ من طاعتِه بالتَّنبـيهِ على أنَّ غرضَه في دعوةِ شيعتِه إلى اتِّباعِ الهَوَى والركونِ إلى ملاذِّ الدُّنيا ليس تحصيلَ مطالبِهم ومنافِعهم الدُّنيويَّةِ كما هو مقصد المُتحابِّـين في الدُّنيا عند سعي بعضِهم في حاجةِ بعضٍ بل هو توريطُهم وإلقاؤُهم في العذابِ المُخلَّد من حيثُ لا يحتسبون {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ} بسببِ كفرِهم وإجابتِهم لدعوةِ الشَّيطانِ واتِّباعِهم لخطواتِه {عَذَابٌ شَدِيدٌ} لا يُقَادر قَدُره مديدٌ لا يُبلغ مداهُ {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم} بسببِ ما ذُكر من الإيمانِ والعملِ الصَّالحِ الذي من جُملتِه عداوةُ الشِّيطانِ {مَغْفِرَةٌ} عظيمةٌ {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} لا غايةَ لهما. {أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوء عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً} إمَّا تقريرٌ لما سبقَ من التَّبايُنِ البـيِّنِ بـين عاقبتيْ الفريقينِ ببـيان تباينِ حالهما المُؤدِّيـينِ إلى تَينكِ العاقبتينِ. والفاءُ لإنكارِ ترتيبِ ما بعدها على ماقبلها أي أبعدَ كونِ حاليهما كما ذُكر يكون من زُيِّن له الكفرُ من جهةِ الشَّيطانِ فانهمك فيه كمنْ استقبحَه واجتنَبه واختارَ الإيمانَ والعملَ الصَّالحَ حتَّى لا تكونُ عاقبتُهما كما ذُكر فَحذْفُ ما حُذف لدلالةِ ما سبق عليه وقوله تعالى: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ} الخ تقريرٌ له وتحقيقٌ للحقِّ ببـيانِ أنَّ الكُل بمشيئتِه تعالى أيْ فإنَّه تعالىَ يُضلُّ {مَن يَشَآء} أنْ يضلَّه لا ستحسانِه واستحبابِه الضَّلالَ وصرفِ اختيارِه إليه فيردَّه أسفلَ سافلينَ {وَيَهْدِى مَن يَشَاء} أنْ يهديَه بصرفِ اختيارِه إلى الهُدى فيرفعه إلى أعلى عليـين وإمَّا تمهيدٌ لما يعقبه من نهيهِ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عن التَّحسرِ والتَّحزنِ عليهم لعدمِ إسلامِهم ببـيانِ أنَّهم ليُسوا بأهلٍ لذلَك بلْ لأنْ يُضربَ عنهم صَفْحاً ولا يُبالي بهم قطعاً، أي أبعدَ كونِ حالِهم كما ذُكر تتحسَّر عليهم فحُذف لما دلَّ عليه قولُه تعالى: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰتٍ} دلالة بـيِّنةٌ. وإمَّا تمهيدٌ لصرفِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ عمَّا كانَ عليه من الحرصِ الشَّديدِ على إسلامِهم والمبالغةِ في دعوتِهم إليه ببـيانِ استحالةِ تحويلِهم عن الكفرِ لكونِه في غايةِ الحسنِ عندهم أي أبعدَ ما ذُكر من زُيِّن له الكفرُ من قبل الشَّيطانِ فرآه حسناً فانهمك فيه يقبلُ الهدايةَ حتَّى تطمعَ في إسلامِه وتُتعبَ نفسَك في دعوتِه فحُذف ما حُذف لدلالةِ ما مرَّ من قولِه تعالى فإنَّ الله يُضلُّ مَن يشاء الخ على أنَّه ممن شاء الله تعالى أنْ يضلَّه فمن يهدي مَن أضلَّ الله وما لهم مِن ناصرين. وقُرىء فلا تُذهب نفسك وقولُه تعالى: حسراتِ. إمَّا مفعول له أي فلا تهلك نفسك للحسرات والجمعُ للدِّلالةِ على تضاعفِ اغتمامِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ على أحوالِهم أو على كثرةِ قبائحِ أعمالِهم الموجبةِ للتَّأسُّفِ والتَّحسرِ وعليهم. صلةُ تذهب كما يقال هَلك عليه حيَّاً ومات عليه حُزناً أو هو بـيانٌ للمتحسَّر عليهِ ولا يجوزُ أنْ يتعلَّق بحسراتٍ لأنَّ المصدرَ لا تتقدَّمُ عليه صلتُه وإمَّا حالٌ كأن كلها صارت حسرات وقوله تعالى {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} أي من القبائحِ تعليلٌ لما قبله على الوجوهِ الثلاثةِ مع ما فيه من الوعيد. عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: أنَّها نزلتْ في أبـي جهلٍ ومُشركِي مكَّةَ.
التستري
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ}[6] يعني الشيطان يدعو أهل طاعته من أهل الأهواء والبدع والضلالات والسامعين ذلك من قائلها.
السلمي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} [الآية: 6]. قال الواسطى رحمة الله عليه: {فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} بما نصركم عليه واحذروا أن يغلبكم فإنه إنما يدعو حزبه، وحزبه هم الراكنون إلى الدنيا والمحبون لها والمفتخرون بها. وقالت رابعة رحمة الله عليها: أرجى آية فى كتاب الله عندى {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} [قال]: كأنه يخاطبنا فيقول: أنا حبيبكم فاتخذونى حبيبًا. قوله عز وعلا: {إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} [الآية: 6]. قال سهل رحمة الله عليه: حزبه أهل البدع والضلالات والأهواء الفاسدة والسامعين ذلك عن قائلها. قال الواسطى رحمة الله عليه: حذرهم حزبه ومتابعة وأمر بطرده بضياء المبادرة فى العهود، وحفظ الحدود، ورعاية الود، يطرد الوسواس كما أن ضياء النهار يطرد الكلاب من المجالس. وأنشد: شعر : ومن رعى غنمًا فى أرض مسبعة ونام عنها تولى رعيها الأسد
القشيري
تفسير : عدواةُ الشيطان بدوام مخالفته؛ فإنَّ مِنَ الناس مَنْ يعاونه بالقول ولكن يوافقه بالفعل، ولن تقوى على عداوته إلا بدوام الاستغاثة بالربِّ، وتلك الاستغاثة تكون بصدق الاستعانة. والشيطانُ لا يفتر في عداوتك، فلا تَغْفَلْ أنت عن مولاك لحظةً فيبرز لك عدوُّك؛ فإنه أبداً متمكِّنٌ لك. {إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ} وحـِزْبه هم المُعرِضون عن الله، المشتغلون بغير الله، والغافلون عن الله. ودليلُ هذا الخطاب: إن الشيطانَ عدوُّكم فأبغضوه واتخذوه عدواً، وأنا وَلِيُّكُم. وحبيبُكم فأَحِبُّوني وارْضَوْا بي حبيباً.
البقلي
تفسير : قوله تعالى {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ} انه عدونا لانه من عالم القهر خلق ونحن من عالم اللطف خلقنا والطبعان يخالفان ابد الان القهر واللطف تسابقا فى الازل فسبق اللطف القهر فعداوته من جهة الطبع الاول والجهل بالعصمة انوار التايئد والبصرة ومن لا يعرفه بما وصفنا كيف يتخذه عدو وهو لا يعرف مكائده ولا يعرف مكائده الاولى او صديق قال الواسطى فاتخدوه عدوا بما نصركم عليه واعذر وان لا يغلبنكم فانه انّما يدعو حزبه وحزبه هو الراكنون الى الدنيا والمحبون لها والمفتخرون بها وقال جعفر الصادق من سمع هذا النداء من الله تعالى وجب عليه بهذا النداء نصب الة العداوة بينه وبين عدوه ولا ينفك من محابته ظرفة عين كلما عارضه بشئ قابله بغيره ان عارضه بزينة الدنيا قابلة بسرعة الفناء وان عارضه بطول الامل قابله بقرب الاجل فهو دائم منتبه مستعد لمحارته لما يعلم ان الشيطان لا يغفل عنه وانه يراهم من حيث لا يرونه قال سهل فى قوله انما يدعو حزبه اهل البدع والضلالات والاهواء الفاسدة والسامعين ذلك من قائلهم قال الواسطى حذر وسم حزبه ومتابعته وامر بطرده بضياء المبادرة فى المعهود وحفظ الحدود ورعايتا الود بطر الوساوس كما ان بضياء النهار طرد الكلاب من المجالس وانشد شعر : ومن غنما فى الارض سبعة ونام ---- تولى رعيها الاسد تفسير : وما فهمت من هذه الأية ان الله سبحانه اراد ان يعرف عباده من ----الشيطان معالم قهرياته وحفظ الاوقات والانفاس من خطراته كان اشليطان بغوى اى المصطفين بالولاية انما يدعو حزبه من اصحاب الضلات الذين طردهم الله عن بابه وهو يعرفهم وانما هو ----- لا ان الضلالة بيده كلها يتعلق الهداية بالانبياء.
اسماعيل حقي
تفسير : {ان الشيطان لكم عدو} عداوة قديمة بما فعل بابيكم ما فعل لا تكاد تزول وتقديم لكم للاهتمام به {فاتخذوه عدوا} بمخالفتكم له فى عقائدكم وافعالكم وكونكم على حذر منه فى جميع احوالكم [از بزركى برسيدندكه جكونه شيطانرا دشمان كيريم كفت از بى آرزو مرويد ومتابع هواى نفس مشويد وهرجه كنيد بايدكه موافق شرع ومخالف طبع بود] فلا تكفى العداوة باللسان فقط بل يجب ان تكون بالقلب والجوارح جميعا ولا يقوى المرء على عداوته الا بملازمة الذكر ودوام الاستعانة بالرب فان من هجم عليه كلاب الراعى يشكل عليه دفعها الا ان ينادى الراعى فانه يطردها بكلمة منه {انما يدعو} الشيطان {حزبه} جماعته واتباعه. قال فى التأويلات حزبه المعرضون عن الله المشتغلون بغير الله {ليكونوا} اى حزبه {من اصحاب السعير}: يعنى [جزاين نيست كه مى خواند شيطان باتباع هوى وميل بدنيا كروه خودرا يعنى بى روان وفرمان بردار نرا تاباشند در آخرت باآواز ياران آتش يعنى ملازمان دوزخ]. قال فى الارشاد تقرير لعداوته وتحذير من طاعته بالتنبيه على ان غرضه فى دعوة شيعته الى اتباع الهوى والركون الى ملاذ الدنيا ليس تحصيل مطالبهم ومنافعهم الدنيوية كما هو مقصد المتحابين فى الدنيا عند سعى بعضهم فى حاجة بعض بل هو توريطهم والقاؤهم فى العذاب المخلد من حيث لا يحتسبون
الطوسي
تفسير : خمس آيات حجازي وكوفي، وست بصري وشامي، عد البصريون والشاميون {شديد} ولم يعده الباقون. قرأ ابو جعفر {فلا تذهب} بضم التاء وكسر الهاء {نفسك} بنصب السين. الباقون - بفتح التاء والهاء، ورفع السين. يقول الله تعالى مخبراً لخلقه من البشر {إن الشيطان لكم عدو} فيعدل بكم عن افعال الخير ويدعوكم إلى ما فيه الهلكة، فالعداوة ضد الولاية، ولا يجوز ان يكون احد عدواً من وجه ولياً من وجه، كما لا يجوز أن يكون موجوداً من وجه معدوماً من وجه، لان الصفتين متنافيتان. ثم امرهم بأن يتخذوا الشيطان عدّوا كما هو عدّو لهم، وبين تعالى أن الشيطان ليس يدعو إلا حزبه أي اصحابه وجنده، وهم الذين يقبلون منه ويتبعونه. وبين انه إنما يدعوهم ليكونوا من اصحاب السعير بارتكاب المعاصي والكفر بالله تعالى، والسعير النار المستعرة. ثم اخبر تعالى {إن الذين كفروا} بآيات الله ويكذبون رسله {لهم عذاب شديد} جزاء على كفرهم وتكذيبهم، وإن {الذين آمنوا وعملوا} الأفعال {الصالحات لهم مغفرة} من الله لذنوبهم ولهم {أجر} أي ثواب {كبير} ثم قال مقرراً لهم {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسناً} يعني الكفار زينت نفوسهم لهم أعمالهم السيئة فتصوروها حسنة او الشيطان يزنيها لهم فيميلهم إلى الشبهة وترك النظر في الأدلة الدالة على الحق باغوائه حتى يتشاغلوا بما فيه اللذة وطرح الكلفة. وخبر (من) في قوله {أفمن زين له سوء عمله} محذوف وتقديره يتحسر عليه، وقيل: إن الخبر قوله {فإن الله يضل من يشاء} إلا أنه وقع {من يشاء} موقعه. وقيل: جواب {أفمن زين} محذوف بتقدير: كمن علم الحسن من القبيح، وعمل بما علم. وقيل: كمن هداه الله. وفي ذلك دلالة على بطلان قول من يقول: إن المعارف ضرورة، لأنه دل على انهم رأوا اعمالهم السيئة حسنة. وهذا رأي فاسد، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله ناهياً له {فلا تذهب نفسك عليهم} يا محمد {حسرات}. ومن فتح التاء جعل الفعل للنفس. والحسرة شدة الحزن على ما فات من الأمر {إن الله عليم بما يصنعون} من المعاصي والطاعات فيجازيهم بحسبها. ثم قال {والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً} أي تنشئه وتجمعه وتجيء به وتحركه {فسقناه} إي فساقه الله {إلى بلد ميت} لم يمطر أي قحط وجدب فيمطر على تلك الأرض فيحيي بذلك الماء والمطر الأرض بعد موتها بالزرع بعد أن لم يكن فيها زرع. ثم قال: كما فعل هذا بهذه الأرض الجدبة القحطة من احيائها بالزرع بعد أن لم يكن فيها زرع مثل ذلك ينشر الخلائق بعد موتهم ويحشرهم إلى الموقف للجزاء من ثواب وعقاب. وقيل: إن الله تعالى اذا اراد احياء الخلق امطر السماء أربعين يوماً فينبت بذلك الخلق نباتاً. ثم قال تعالى {من كان يريد العزة} يعني القدرة على القهر والغلبة {فلله العزة جميعاً} أي له القهر على جميع الاشياء لا يقدر احد ان يمنعه مما يريد فعله به. وقيل: معناه من كان يريد علم العزة لمن هي، فهي لله. وقيل: معناه من اراد العزة فليطع الله حتى يعزه. وقوله {إليه يصعد الكلم الطيب} قيل: معناه انه تعالى يقبله ويثيب عليه. وقيل: اليه يصعد اي إلى حيث لا يملك الحكم فيه إلا الله، كما يقال: ارتفع امرهم إلى القاضي. وقوله {والعمل الصالح يرفعه} اى يقبله. وقيل: في الضمير الذى في {يرفعه} ثلاثة اوجه: احدها - يرفع الكلم الطيب من الفعل. الثاني - يرفعه الكلم الطيب. الثالث - يرفعه الله. ثم قال {والذين يمكرون السيئات} اي يحتالون لفعل السيئات من الشرك والكبائر. وقيل: هم اصحاب الرياء {لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور} قال قتادة: معناه مكرهم يفسد. وقيل: معنى يبور يكسد، فلا ينفذ في ما يريدون وقال مجاهد: هو ما عمل للرياء فانه يفسد، قال ابن الزبعرى: شعر : يا رسول المليك ان لساني راتق ما فتقت اذ انا بور
الجنابذي
تفسير : {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ} فاذا كان عدوّاً لكم {فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} ولا توافقوه فيما يأمركم به وكونوا منه على حذرٍ {إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} تعليل لعداوته وتأكيدٌ للامر بالحذر منه.
اطفيش
تفسير : {إن الشيطان لكم عدو} عداوة عامة لازمة بينة قديمة من لدن ابيكم ادم وهذا من اقامة الظاهر مقام المضمر على قراءة الجمهور بفتح عين الغرور تفسير الغرور بالشيطان الذي هو ابليس وذلك للايضاح وان فسرنا الغرور بزخرف الدنيا او بجنس الغار المبالغ في الغرور فليس ذلك من موضع الظاهر موضع المضمر وكذا على قراءة الضم وليس كقوله ان الشيطان لكم عدو مقروء بالقراءة الجمهور وتفسير ابن عباس اذ لقائل ان يقول الاصل عدم وضع الظاهر موضع المضمر فلو كان الغرور بالفتح وكان هو الشيطان لقيل انه لكم عدو واذ لم يكن دليل فالحمل على الاصل اولى. {فاتخذوه عدوا} في اعتقادكم وفعلكم وقولكم وبالغوا في عداوته واغضابه سرا وجهرا وفي كل حال لا تغفلوا ولا تعاملوه معاملة من لا تعلمون حاله نعوذ بالله العزيز الجبار لقد عاملوه الجمهور معاملة الصديق في المطاوعة فيما يريد. {إنما يدعو حزبه} الذين اتبعوه في الكفر الى زيادة الكفر والمعاصي او المعنى يدعو من سبق في علم الله انهم حزبه الى الكفر والمعاصي. {ليكونوا من أصحاب السعير} هذا دليل على ان المراد بحزبه متبعوه من قريش او من الامة اعني من بعث اليهم النبي صلى الله عليه وسلم ويجوز ان يكون المعنى ان كل من دعاه فانما دعاه ليكون من اصحاب السعير في كل زمان والسعير النار الشديدة وقيل الباب الرابع منها وفي الاخبار بانه يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير تنفير عنه وتقرير لعداوته وتحذير عن الركون الى الدنيا فانه موجب لكون الراكن من حزبه.
اطفيش
تفسير : {إن الشيطان لكُم} حال من قوله: {عَدوُّ} على قول من أجاز الحال من المبتدأ مطلقا، ولا سيما قد دخل عليه حرف التحقيق، ولو تعلق التحقيق بخبره، أو متعلق بعدو، لتضمنه معنى معاد، فهى لام التقوية، وقد اختلف فى تعليقها، وذكر عدو بدل معاد للتأكيد، وقدم على طريق الاهتمام {فاتَّخذوُه عدوّاً} أى عادوه بالمخالفة اعتقاداً وفعلا وقولا، وكونوا أعداء له كما هو عدو لكم، أو اعتقدوا أنه عدو لكم فتحذورا، وأكد التحذير بكونه يريد لكم الشر فى قوله: {إنَّما يدْعُوا حزْبَه} الى المعاصى {ليكونُوا} لأجل أن يكونُوا {من أصحاب السَّعير} النار السعير كامرأة كحيل، أى النار المسعورة أى الموقدة ايقادا شديدا، ومن للتبعيض المعتبر بطائفة، والا فكل أصحاب السعير ضلوا باضلال الشيطان لا بعض فقط.
الالوسي
تفسير : {إِنَّ ٱلشَّيْطَـٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ } عداوة عامة قديمة لا تكاد تزول، ويشعر بذلك الجملة الاسمية و {لَكُمْ } وتقديمه للاهتمام {فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً } بمخالفتكم إياه في عقائدكم وأفعالكم وكونوا على حذر منه في مجامع أحوالكم {إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ } تقرير لعداوته وتحذير من طاعته بالتنبيه على أن غرضه في دعوة شيعته إلى إتباع الهوى والركون إلى ملاذ الدنيا ليس إلا توريطهم وإلقاءهم في العذاب المخلد من حيث لا يشعرون فاللام ليست للعاقبة. وزعم ابن عطية أنها لها.
ابن عاشور
تفسير : لما كان في قوله: { أية : ولا يغرنكم بالله الغرور } تفسير : [فاطر: 5] إبهام مّا في المراد بالغَرور عُقب ذلك ببيانه بأن الغَرور هو الشيطان ليتقررَ المسند إليه بالبيان بعد الإِبهام. فجملة {إن الشيطان لكم عدو} تتنزل من جملة {ولا يغرنكم بالله الغرور} منزلة البيان من المبيَّن فلذلك فصلت ولم تعطف، وهذا من دلالة ترتيب الكلام على إرادة المتكلم إذ يعلم السامع من وقوع وصف الشيطان عقب وصف الغَرور أن الغرور هو الشيطان. وأُظهر اسم الشيطان في مقام الإِضمار للإِفصاح عن المراد بالغَرور أنه الشيطان وإثارةُ العداوة بين الناس والشيطان معنى من معاني القرآن تصريحاً وتضمّناً، وهو هنا صريح كما في قوله تعالى: { أية : وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو } تفسير : [البقرة: 36]. وتلك عداوة مودَعة في جبلَّتِه كعداوة الكلب للهرّ لأن جبلة الشيطان موكولة بإيقاع الناس في الفساد وأسوأ العواقب في قوالب محسَّنة مزينة، وشواهد ذلك تظهر للإِنسان في نفسه وفي الحوادث حيثما عثر عليها وقد قال تعالى: { أية : يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة } تفسير : [الأعراف: 27]. وتأكيد الخبر بحرف التأكيد لقصد تحقيقه لأنهم بغفلتهم عن عداوة الشيطان كحال من ينكر أن الشيطان عدوّ. وتقديم {لكم} على متعلَّقه للاهتمام بهذا المتعلّق فرع عنه أن أمروا باتخاذه عدوّاً لأنهم إذا علموا أنه عدوّ لهم حقّ عليهم اتخاذه عدوّاً وإلا لكانوا في حماقة. وفيه تنبيه على وجوب عداوتهم الدعاة في الضلالة المستمدين من الشيطان. والكلام على لفظ عدوّ تقدم عند قوله تعالى: { أية : فإن كان من قوم عدو لكم } تفسير : في سورة النساء (92). واللام في {لكم} لام الاختصاص وهي التي تتضمنها الإِضافة فلما قدم ما حقه أن يكون مضافاً إليه صرح باللام ليحصل معنى الإِضافة. وإنما أمر الله باتخاذ العدوّ عدواً ولم يندب إلى العفو عنه والإِغضاء عن عداوته كما أمر في قوله: { أية : فمن عفا وأصلح فأجره على الله } تفسير : [الشورى: 40] ونحو ذلك مما تكرر في القرآن وكلام الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن ما ندب إليه من العفو إنما هو فيما بين المسلمين بعضهم مع بعض رجاء صلاح حال العدوّ لأن عداوة المسلم عارضة لأغراض يمكن زوالها ولها حدود لا يخشى معها المضار الفادحة كما قال تعالى: { أية : ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم } تفسير : [فصلت: 34] ولذلك لم يأمر الله تعالى بمثل ذلك مع أعداء الدين فقال: { أية : لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء } تفسير : [الممتحنة: 1] الآية، بل لم يأمر الله تعالى بالعفو عن المحاربين من أهل الملّة لأن مناوأتهم غير عارضة بل هي لغرض ابتزاز الأموال ونحو ذلك فقال: { أية : إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم } تفسير : [المائدة: 34] فعداوة الشيطان لما كانت جبلّية لا يرجى زوالها مع من يعفو عنه لم يأمر الله إلا باتخاذه عدوّاً لأنه إذا لم يتخذ عدوّاً لم يراقب المسلم مكائده ومخادعته. ومن لوازم اتخاذه عدوّاً العملُ بخلاف ما يدعو إليه لتجنب مكائده ولمقته بالعمل الصالح. فالإِيقاع بالناس في الضرّ لا يسلم منه أولياؤه ولا أعداؤه ولكن أولياءه يضمِر لهم العداوة ويأنس بهم لأنه يقضي بهم وَطَره وأما أعداؤه فهو مع عداوته لهم يشمئزُّ وينفر ويغتاظ من مقاومتهم وساوِسَه إلى أن يبلغ حدّ الفرار من عظماء الأمة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «حديث : إيه يا بنَ الخطاب ما رآك الشيطان سالكاً فَجًّا إلا سلك فجَّاً غير فَجِّك»تفسير : . وورد في «الصحيح» « حديث : إذا أقيمت الصلاة أدبر الشيطان » تفسير : الحديث. وورد « حديث : أنه ما رِيءَ الشيطانُ أخسأ وأحقر منه في يوم عرفة لما يرى من الرحمة » تفسير : . وأعقب الأمر باتخاذ الشيطان عدوّاً بتحذير من قبُول دعوته وحثَ على وجوب اليقظة لتغريره وتجنب توليه بأنه يسعى في ضرّ أوليائه وحزبه فيدعوهم إلى ما يوقعهم في السعير. وهذا يؤكد الأمرَ باتخاذه عدوّاً لأن أشدّ الناس تضرراً به هم حزبه وأولياؤه. وجملة {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} تعليل لجملة {فاتخذوه عدواً}. وجيء بها في صيغة حصر لانحصار دعوته في الغاية المذكورة عقبها بلام العلة كيلا يتوهم أن دعوته تخلو عن تلك الغاية ولو في وقت مّا. وبهذا العموم الذي يقتضيه الحصر صارت الجملة أيضاً في معنى التذييل لما قبلها كله. ومقتضى وقوع فعل {يدعو} في حيّز القصر أن مفعوله وهو قوله: {حزبه} هو المقصود من القصر، أي أنه يدعو حزبه ولا يدعو غير حزبه، والشيطان يدعو الناس كلّهم سواء في ذلك حزبه ومن لم يركن إلى دعوته إلا أن أثر دعوته لا يظهر إلا في الذين يركنون له فيصيرون حزبه قال تعالى له: { أية : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } تفسير : [الحجر: 42]. وحكى الله عن الشيطان بقوله: { أية : ولأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } تفسير : [الحجر: 39، 40] فتعين أن في الكلام إيجاز حذف. والتقدير: إنما يدعو حزبه دعوة بالغة مقصده. والقرينة هي ما تقدم من التحذير ولو كان لا يدعو إلا حزبه لما كان لتحذير غيرهم فائدة. واللام في قوله: {ليكونوا من أصحاب السعير} يجوز أن تكون لام العلة فإن الشيطان قد يكون ساعياً لغاية إيقاع الآدميين في العذاب نكاية بهم، وهي علة للدعوة مخفية في خاطره الشيطاني وإن كان لا يجهر بها لأن إخفاءها من جملة كيده وتزيينه، ويجوز أن تكون اللام لام العاقبة والصيرورة مثل { أية : فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزناً } تفسير : [القصص: 8] قال ابن عطية: لأنه لم يدْعُهم إلى السعير إنما اتفق أن صار أمرهم عن دعائه إلى ذلك. و{السعير}: النار الشديدة، وغلب في لسان الشرع على جنهم.
الشنقيطي
تفسير : قوله تعالى: {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً}. قد قدمنا الآيات التي بمعناه في مواضع من هذا الكتاب المبارك كقوله تعالى في الكهف: {أية : أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ} تفسير : [الكهف: 50] الآية. قوله تعالى: {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ}. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: {أية : كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ} تفسير : [الحج: 4].
لجنة القرآن و السنة
تفسير : 6- إن الشيطان لكم عدو قديم فلا تنخدعوا بوعوده فاتخذوه عدوا، إنما يدعو متابعيه ليكونوا من أصحاب النار المشتعلة لا يدعوهم لغيرها. 7- الذين كفروا بالله ورسله لهم عذاب شديد، والذين آمنوا بالله ورسله وعملوا الصالحات لهم عند الله مغفرة لذنوبهم وأجر كبير على أعمالهم. 8- أفقدوا التمييز؟، فمن زيَّن له الشيطان عمله السيئ فرآه حسنا كمن اهتدى بهدى الله فرأى الحسن حسنا والسيئ سيئا!؟ فإن الله يضل من يشاء ممن ارتضوا سبيل الضلال سبيلا، ويهدى من يشاء ممن اختاروا سبيل الهداية سبيلا. فلا تهلك نفسك حزنا على الضالين وحسرة عليهم. إن الله محيط علمه بما يصنعون من شر، فيجزيهم به. 9- والله - وحده - هو الذى أرسل الرياح فتحرك سحابا تراكم من أبخرة الماء، فسقنا السحاب إلى بلد مجدب، فأحيينا أرضه بالنبات بعد موتها، مثل إخراجنا النبات من الأرض نُخرج الموتى من القبور يوم القيامة. 10- من كان يريد الشرف والقوة فليطلبها بطاعة الله، فإن له القوة كلها، إليه يعلو الكلم الطيب، ويرفع الله العمل الصالح فيقبله، والذين يدبرون للمؤمنين المكيدات التى تسوؤهم لهم عذاب شديد، وتدبيرهم فاسد، لا يحقق غرضا ولا ينتج شيئا.
د. أسعد حومد
تفسير : {ٱلشَّيْطَانَ} {يَدْعُواْ} {أَصْحَابِ} (6) - إن الشَّيطَانَ عَدُوٌّ لَكُمْ يَا أَيُّها النَّاسُ، وَهُوَ يُوَسْوِسُ لَكُمْ لِيُضِلَّكُمْ وَيَدْفَعَ بِكُمْ إِلى هَاوِيةِ الجَحِيمِ، فَاحْذَرُوا مِنْهُ وَكُونُوا أَنْتُمْ أَعْدَاءَهُ، وَخَالِفُوهُ وَكَذِّبُوهُ فِيما يَغُرُّكُمْ بِهِ، وَهُوَ يَدْعُو حِزْبَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ وَشِيعَتَهُ، إِلى اتِّبَاعِ الهَوى، والرُّكُونِ إِلى اللذَّاتِ، وَالتَّسْوِيفِ بِالتَّوْبَةِ، لِيُضِلهُمْ وَيُلْقِيَهمْ فِي العَذَابِ الدَّائِمِ، فِي سَعيرِ جَهَنَّمَ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : ما دام أنه عدو لك مُعْلِن العداء، فلا يجوز لك أنْ تهادنه أو تستكين له وتطيعه؛ لأنك حين تطيعه يستمرىء عداوته ضدك، إذن: لا بُدَّ أنْ تعاديه، وأنْ تُوفقه عند حدِّه، كيف؟ أضعف الإيمان أنْ لا تطيعه، فإنْ أردتَ أن تكون أقوى منه فانتقم منه وغِظْه بأنْ تتجه إلى مقابل ما يطلب منك، فهو يأمر بالسوء، فافعل أنت الحسن يأمرك بالشر، فاجتهد في الخير، وكأنك تسخر منه وتُلقِّنه درساً لا يملك بعده إلا أنْ ينصرف عنك؛ لأنك وظَّفْتَ عداوته لصالحك وانتفعتَ بها، وهذا ما يغيظه. وتستطيع أنْ تأخذ بهذا المبدأ مع أيِّ عدو آخر، سواء أكان من شياطين الإنس أو شياطين الجن، تستطيع أن تجعل من عداوته لك حافزاً على الخير وعلى عشق كل ما هو جميل، فالعاقل مَن استفاد من عدوه أكثر من استفادته من صديقه. وصدق القائل: شعر : عَدايَ لَهُم فَضْلٌ عليَّ ومِنَّةٌ فَلا أذهب الرحمَنُ عنِّي الأعَادِيا هُمُوا بَحَثُوا عَن زَلَّتي فَاجْتنبْتُها وهُمْ نافَسُونِي فاكتسبْتُ المَعَالِيا تفسير : فالمؤمن الحق يستطيع أن يستفيد من عداوة أعدائه في نواحٍ كثيرة، فهو مثلاً يعمل ويجتهد ليتفوق على عدوه، لا أنْ يتكاسل حتى يكون دونه منزلةً ومرتبةً، يجتنب المعايب وأفعال السوء حتى لا يعطي لعدوه فرصة أنْ يشمت فيه .. إلخ. كذلك نقول: إن بعض الصفات المذمومة في الناس فيها جوانب خير لو تأملناها، فالبخيل مثلاً مكروه من الجميع، لكن حين تتأمل وضعه تجده هو الذي يُعين الكريم على كرمه، كيف؟ رأينا كثيراً في القرى هذا النموذج: رجل كريم لا يساعده دَخْله على القيام بمتطلبات هذا الكرم وتبعاته من السماحة والبذل والعطاء والمجاملة .. إلخ، فكان كل فترة يبيع قطعةَ أرض لينفق منها، فلمَنْ يبيع الكريم أرضه إذا لم يكن هناك البخيل الممسك؟ فكأن البخيل يعين الكريم على كرمه. وإذا كان الكريم يأسرك بكرمه وتدان له بجميله، فليس للبخيل جميل عليك، ولست أسيراً له في شيء؛ لذلك عَبَّر الشاعر عن هذا المعنى، فقال: شعر : جُزِيَ البخيلُ عَلىَّ صالحةً منِّي لخِفَّتِهِ على ظِهْرِي تفسير : يعني: ليس له جميل عندي يجعلني عبداً لإحسانه. ومعنى {فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّاً} [فاطر: 6] أن تشحن كل طاقاتك وكل مواهبك لتربِّي فيك المناعة اللازمة ضد إغراءاته ووسوسته لك بالسوء، فإنْ أردتَ الارتقاء في مناهضته، فزِدْ من الحسنات التي يكرهها، فإنْ جاءك في الصلاة ليفسدها علَيك فَغِظْه بأنْ تخشع فيها، وتزيد في تحسينها. {إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} [فاطر: 6] يعني: أصبح له حزب وجماعة يحاول أنْ يُكثِّرها؛ لذلك قال تعالى في موضع آخر: {أية : ٱسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ ٱلشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ ٱللَّهِ أُوْلَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ} تفسير : [المجادلة: 19]. ومعنى حزب: جماعة تعصَّبوا لفكرة يعملون من أجلها في مقابل جماعة أخرى لهم مناهضات، ويعملون هم أيضاً لفكرة تخدمهم. والعِلَّة في أنه يدعو حزبه ليكونوا كثرة فيكثر المتخبطون في منهج الله والخارجون عنه في مقابل الإيمان والطاعة، هذه هي العلة. أما قوله تعالى {لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} [فاطر: 6] فاللام هنا لام العاقبة ومعناها: أنك تريد الشيء لعلة، لكن تنتهي إلى علَّة أخرى ضد مطلوبك. وقوله: {مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} [فاطر: 6] دلَّ على أن بينهم وبين النار أُلْفة، وأنها تريدهم وتعشقهم حتى صارتْ بينهما مصاحبة. ثم يقول الحق سبحانه: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ...}.
الإمام أحمد بن عمر
تفسير : {إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَٱتَّخِذُوهُ عَدُوّ} [فاطر: 6] وعداوته بدوام مخالفته، فإن من الناس من يعاديه بالقول والقلب؛ ولكن يوافقه بالفعل بل يعبده فإن عبادة الشيطان هي طاعته، وهذا مما أخذوا عليه العهد يوم الميثاق بقوله: {أية : أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِيۤ ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ ٱلشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ}تفسير : [يس: 60] أي: لا تطيعوه فإن في طاعته مخالفتنا وفي مخالفته طاعتنا، وفي عداوته محبتنا ولا يقوى إلا بملازمة الذكر ودوام الاستعانة بالرب وتلك الاستعانة صدق الاستغاثة والشيطان لا يفتر في عداوتك فلا تغفل عن كيده بذكر مولاك لحظة، فإنه يدعوك على التأييد لتكون من حزبه. كما قال تعلى: {إِنَّمَا يَدْعُواْ حِزْبَهُ} [فاطر: 4] وحزبه المعرضون عن الله المشتغلون لغير الله { لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَابِ ٱلسَّعِيرِ} {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [فاطر: 7] بعذاب معجل وعذاب مؤجل فعجل تفرقة قلوبهم، وانسداد بصائرهم وخساسة أنفسهم حتى أنهم يرضون بأن يكون معبودهم الأصنام والهوى والدنيا والشيطان وعذاب الآخرة مما لا يخفى صعوبته {أية : ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ أُوْلَـٰئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} تفسير : [هود: 11] في المعجل يستر ذنوبهم ولولا ذلك لافتضحوا بكشف الحجب، وفي المؤجل تمحى الذنوب عن ديوانهم ولولا ذلك لهلكوا، والأجر الكبير اليوم سهولة العبادة ودوام المعرفة وما يناله في قلبه من زوائد اليقين وخصائص الإحسان وأنواع المواهب وفي الآخرة تحقيق السؤال ونيل ما فوق المأمول. {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً} [فاطر: 8] يشير به إلى دركات الشقاء في الكافر يتوهم أن عمله حسن كما قال تعالى: {أية : وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً}تفسير : [الكهف: 104] ثم الراغب في الدنيا يجمع حلالها وحرامها ويحرس حطامها بمتابعة شهوة ساعة فلقد زين له سوء عمله والذي يؤثر على دينه شيئاً من المخلوقات فهو من جملتهم والذي يتوهم أنه إذا وجد نجاته ودرجاته في الجنة فقد اكتفى فقد زين له سوء عمله فرآه حسناً، ومعنى الآية: فمن زين له سوء عمله فرآه حسناً كمن زينت له الدنيا بحذافيرها والآخرة بنعيمها فرآها حسناً إلى قربات الحق ومواهبه قبيحاً ولم يلتفت إليها أي: لا يستويان. وبقوله: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} [فاطر: 8] يشير إلى أنه ليس للإنسان اختيار حقيقي ليرى الحسن حسناً والقبيح قبيحاً أو حسناً، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر: 8] يعني: إذا عرضت سر التقدير ومقتضى الحكمة وعلمت أنهم سقطوا من غير الله ودعوتهم جهراً وبذلت لهم نصحاً فأجابتهم: ليس إليك ولا إليهم على الحقيقة فلا تضع على قلبك من ذلك مشقة وعناءً {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [فاطر: 8] وإنما يصنعون بحكمة منه واختيار في ذلك. وبقوله: {وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ} [فاطر: 9] يشير إلى أنه تعالى من سنته إذا أراد إحياء أرض يرسل الرياح فتثير سحاباً ثم يوجه ذلك السحاب إلى الموضع الذي يريد تخصيصاً له كيف يشاء ويمطر هناك كيف يشاء كذلك إذا أراد إحياء قلب ما يسقيه وينزل عليه من أمطار عنايته فيرسل أولاً رياح الرجاء ويزعج بها كوامن الإرادة ثم ينشئ فيه سحاب الاحتياج ولوعة الانزعاج، ثم يأتي بمطر الجود فينبت به في القلب أزهار البسط وأنوار الروح ويطيب لصاحبه العيش إلى أن تتم لطائف الأنس وذلك قوله: {فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ} [فاطر: 9] أرض القلب {بَعْدَ مَوْتِهَا} باستيلاء صفات النفس عليها {كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ} يوم الحشر.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):