٣٥ - فَاطِر
35 - Fatir (AR)
Arabic
Jalal ad-Din al-Mahalli and Jalal ad-Din as-Suyuti
7
Tafseer
الرازي
تفسير : ثم بين الله تعالى حال حزبه وحال حزب الله. فقال: {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } فالمعادي للشيطان وإن كان في الحال في عذاب ظاهر وليس بشديد، والإنسان إذا كان عاقلاً يختار العذاب المنقطع اليسير دفعاً للعذاب الشديد المؤبد ألا ترى أن الإنسان إذ عرض في طريقه شوك ونار ولا يكون له بد من أحدهما يتخطى الشوك ولا يدخل النار ونسبة النار التي في الدنيا إلى النار التي في الآخرة دون نسبة الشوك إلى النار العاجلة. وقال تعالى: {وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } قد ذكر تفسيره مراراً، وبين فيه أن الإيمان في مقابلته المغفرة فلا يؤبد مؤمن في النار، والعمل الصالح في مقابلته الأجر الكبير.
البيضاوي
تفسير : {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} وعيد لمن أجاب دعاءه ووعد لمن خالفه وقطع للأماني الفارغة، وبناء للأمر كله على الإِيمان والعمل الصالح وقوله: {أَفَمَن زُيّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَءاهُ حَسَناً} تقرير له أي أفمن زين له سوء عمله بأن غلب وهمه وهواه على عقله حتى انتكس رأيه فرأى الباطل حقاً والقبيح حسناً، كمن لم يزين له بل وفق حتى عرف الحق واستحسن الأعمال واستقبحها على ما هي عليه، فحذف الجواب لدلالة: {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ} وقيل تقديره أفمن زين له سوء عمله ذهبت نفسك عليهم حسرة، فحذف الجواب لدلالة: {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرٰتٍ} عليه ومعناه فلا تهلك نفسك عليهم للحسرات على غيهم وإصرارهم على التكذيب، والفاءات الثلاث للسببية غير أن الأوليين دخلتا على السبب والثالثة دخلت على المسبب، وجمع الحسرات للدلالة على تضاعف اغتمامه على أحوالهم أو كثرة مساوي أفعالهم المقتضية للتأسف، وعليهم ليس صلة لها لأن صلة المصدر لا تتقدمه بل صلة تذهب أو بيان للمتحسر عليه. {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} فيجازيهم عليه. {وَٱللَّهُ ٱلَّذِى أَرْسَلَ ٱلرّيَاحَ} وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي الريح. {فَتُثِيرُ سَحَـٰباً} على حكاية الحال الماضية استحضاراً لتلك الصورة البديعة الدالة على كمال الحكمة، ولأن المراد بيان أحداثها بهذه الخاصية ولذلك أسنده إليها، ويجوز أن يكون اختلاف الأفعال للدلالة على استمرار الأمر. {فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيّتٍ } وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص بالتشديد. {فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ} بالمطر النازل منه وذكر السحاب كذكره، أو بالسحاب فإنه سبب السبب أو الصائر مطراً. {بَعْدَ مَوْتِهَا} بعد يبسها والعدول فيهما من الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص لما فيهما من مزيد الصنع. {كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ} أي مثل إحياء الموات نشور الأموات في صحة المقدورية، إذ ليس بينهما إلا احتمال اختلاف المادة في المقيس عليه وذلك لا مدخل له فيها. وقيل في كيفية الإِحياء فإنه تعالى يرسل ماء من تحت العرش تنبت منه أجساد الخلق. {مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعِزَّةَ} الشرف والمنعة. {فَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ جَمِيعاً} أي فليطلبها من عنده فإن له كلها، فاستغنى بالدليل عن المدلول. {إِلَيْهِ يَصْعَدُ ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ وَٱلْعَمَلُ ٱلصَّـٰلِحُ يَرْفَعُهُ} بيان لما يطلب به العزة وهو التوحيد والعمل الصالح، وصعودهما إليه مجاز عن قبوله إياهما، أو صعود الكتبة بصحيفتهما، والمستكن في {يَرْفَعُهُ} لـ {ٱلْكَلِمُ } فإن العمل لا يقبل إلا بالتوحيد ويؤيده أنه نصب {العمل}، أو لـ {العمل} فإنه يحقق الإِيمان ويقويه، أو لله وتخصيص العمل بهذا الشرف لما فيه من الكلفة. وقرىء {يَصْعَدُ} على البناءين والمصعد هو الله تعالى أو المتكلم به أو الملك. وقيل {ٱلْكَلِمُ ٱلطَّيّبُ } يتناول الذكر والدعاء وقراءة القرآن. وعنه عليه الصلاة والسلام «حديث : هو سبحان الله والحمد لله ولا إله لا الله والله أكبر، فإذا قالها العبد عرج بها الملك إلى السماء فحيا بها وجه الرحمن، فإذا لم يكن عمل صالح لم تقبل». تفسير : {وَٱلَّذِينَ يَمْكُرُونَ} المكرات السيئات يعني مكرات قريش للنبي عليه الصلاة والسلام في دار الندوة وتداورهم الرأي في إحدى ثلاث حبسه وقتله وإجلائه. {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} لا يؤبه دونه بما يمكرون به. {وَمَكْرُ أُوْلَـئِكَ هُوَ يَبُورُ} يفسد ولا ينفذ لأن الأمور مقدرة لا تتغير به كما دل عليه بقوله: {وَٱللَّهُ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ} بخلق آدم عليه السلام منه. {ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ} بخلق ذريته منها. {ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوٰجاً } ذكراناً وإناثاً. {وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىٰ وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ} إلاَّ معلومة له. {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ } وما يمد في عمر من مصيره إلى الكبر. {وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ } من عمر المعمر لغيره بأن يعطى له عمر ناقص من عمره، أو لا ينقص من عمر المنقوص عمره بجعله ناقصاً، والضمير له وإن لم يذكر لدلالة مقابله عليه أو للعمر على التسامح فيه ثقة بفهم السامع كقولهم: لا يثيب الله عبداً ولا يعاقبه إلا بحق. وقيل الزيادة والنقصان في عمر واحد باعتبار أسباب مختلفة أثبتت في اللوح مثل: أن يكون فيه إن حج عمرو فعمره ستون سنة وإلا فأربعون. وقيل المراد بالنقصان ما يمر من عمره وينقضي فإنه يكتب في صحيفة عمره يوماً فيوماً، وعن يعقوب «وَلاَ يُنقَصُ» على البناء للفاعل. {إِلاَّ فِى كِتَـٰبٍ} هو علم الله تعالى أو اللوح المحفوظ أو الصحيفة. {إِنَّ ذٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ } إشارة إلى الحفظ أو الزيادة أو النقص.
ابن كثير
تفسير : لما ذكر تعالى أن أتباع إبليس مصيرهم إلى السعير، ذكر بعد ذلك أن الذين كفروا لهم عذاب شديد؛ لأنهم أطاعوا الشيطان، وعصوا الرحمن، وأن الذين آمنوا بالله ورسله، {وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ} أي: لما كان منهم من ذنب {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} على ما عملوه من خير. ثم قال تعالى: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءَ عَمَلِهِ فَرَءَاهُ حَسَناً} يعني: كالكفار والفجار، يعملون أعمالاً سيئة، وهم في ذلك يعتقدون ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، أي: أفمن كان هكذا قد أضله الله، ألك فيه حيلة؟ لاحيلة لك فيه، {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِى} أي: بقدره كان ذلك، {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ} أي: لا تأسف على ذلك، فإن الله حكيم في قدره، إنما يضل من يضل، ويهدي من يهدي؛ لما له في ذلك من الحجة البالغة، والعلم التام، ولهذا قال تعالى: {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} وقال ابن أبي حاتم عند هذه الآية: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني، أو ربيعة عن عبد الله بن الديلمي قال: أتيت عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وهو في حائط بالطائف يقال له: الوهط، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «حديث : إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من نوره يومئذ، فقد اهتدى، ومن أخطأه منه، ضل، فلذلك أقول: جف القلم على ما علم الله عز وجل» تفسير : ثم قال: حدثنا يحيى عبدك القزويني، حدثنا حسان بن حسان البصري، حدثنا إبراهيم بن بشير، حدثنا يحيى بن معين، حدثنا إبراهيم القرشي عن سعيد بن شرحبيل عن زيد بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «حديث : الحمد لله الذي يهدي من الضلالة، ويلبس الضلالة على من أحب» تفسير : وهذا أيضاً حديث غريب جداً.
المحلي و السيوطي
تفسير : {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } هذا بيان ما لموافقي الشيطان وما لمخالفيه.
الماوردي
تفسير : قوله عز وجل: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَءَاهُ حَسَناً} فيه أربعة أقاويل: أحدها: أنهم اليهود والنصارى والمجوس، قاله أبو قلابة، ويكون سوء عمله معاندة الرسول. الثاني: أنهم الخوارج، رواه عمرو بن القاسم، ويكون سوء عمله تحريف التأويل. الثالث: الشيطان، قاله الحسن ويكون سوء عمله الإغواء. الرابع: كفار قريش، قاله الكلبي، ويكون سوء عملهم الشرك. وقيل إنها نزلت في العاص بن وائل السهمي والأسود بن المطلب، وقال غيره نزلت في أبي جهل بن هشام. في قوله: {فَرءَاهُ حَسَناً} وجهان: أحدهما: صواباً، قاله الكلبي. الثاني: جميلاً. وفي الكلام محذوف اختلف فيه على ثلاثة أوجه: أحدها: أن المحذوف منه: فإنه يتحسر عليه يوم القيامة، قاله ابن عيسى. الثاني: أن المحذوف منه: كمن آمن وعمل صالحاً لا يستويان، قاله يحيى بن سلام. الثالث: أن المحذوف منه: كمن عمل الحسن والقبح.
البقاعي
تفسير : ولما أنهى البيان في غرض الشيطان إلى منتهاه، نبه على ما حكم به هو سبحانه في أشياعه بقوله مستأنفاً: {الذين كفروا} أي غطو بالاتباع له بالهوى ما دلتهم عليه عقولهم وكشفه لهم غاية الكشف هذا البيان العزيز {لهم عذاب شديد} أي في الدنيا بفوات غالب ما يؤملون مع تفرقة قلوبهم وانسداد بصائرهم وسفالة هممهم حتى أنهم رضوا أن يكون إلههم حجراً، وانحجاب المعارف التي لا لذاذة في الحقيقة غيرها عنهم، وفي الآخرة بالسعير التي دعاهم إلى صحبتها. ولما ذكر جزاء حزبه، اتبعه حزب الله الذين عادوا عدوهم فقال: {والذين آمنوا وعملوا} أي تصديقاً لإيمانهم {الصالحات} ولما كان من أعظم مصايد الشيطان ما يعرض للإنسان خطأ وجهلاً من العصيان، لما له من النقصان ليجره بذلك إلى العمد والعدوان، قال تعالى داعياً له إلى طاعته وإزالة لخجلته: {لهم مغفرة} أي ستر لذنوبهم بحيث لا عقاب ولا عتاب، وذلك معجل في هذه الدار، ولولا ذلك لافتضحوا وغداً، ولولا ذلك لهلكوا. ولما محاها عيناً وأثراً، أثبت الإنعام فقال: {وأجر كبير *} أي يجل عن الوصف بغير هذا الإجمال، فمنه عاجل بسهولة العبادة ودوام المعرفة وما يرونه في القلوب من وراء اليقين، وآجل بتحقيق المسؤول من عظيم المنة، ونيل ما فوق المأمول في الجنة. ولما أبان هذا الكلام تفاوت الحزبين في المآل بالهلاك والفوز، وكان لا يقدم على الهلاك أحد في حس، وكان الكفار يدعون أنهم الفائزون قناعة بالنظر إلى ما هم فيه، ويدعون أنهم أبصر الناس وأحسنهم أعمالاً وكذا كل عاص ومبتدع، كان ذلك سبباً في إنكار تساويهما، فأنكره مبيناً السبب في ضلالهم بما فيه تسلية للمحسنين وندب إلى الشكر وحث على ملازمة الافتقار والذل وسؤال العافية من الزلل والزيغ فقال: {أفمن} ولما كان الضار هو التزيين من غير نظر إلى فاعل معين, بني للمفعول قوله: {زين له سوء عمله} أي قبحه الذي من شأنه أن يسوء صاحبه حالاً أو مآلاً بجمع مال ذاهب أو مذهوب عنه من غير خلة وبيع راحة الجنة المؤبدة بمتابعة شهوة منقية وإيثار مخلوق فإن على ربه الغني الباقي؛ ثم سبب عنه ما أنهى إليه من الغاية فقال: {فرآه} أي السيىء بسبب التزيين، {حسناً} أي فركبه، بما أشار إليه إضافة العمل إليه، وطوى المشبه به وهو كمن أبصر الأمور على حقائقها فاتبع الحسن واجتنب السيىء، لأن المقام يهدي إليه، وتعجيلاً بكشف ما أشكل على السامع من السبب الحامل على رؤية القبيح، مُليحاً بقوله مؤكداً رداً على من ينسب إلى غير الله فعلاً من خير أو شر: {فإن} أي السبب في رؤية الأشياء على غير ما هي عليه إن {الله} أي الذي له الأمر كله {يضل من يشاء} فلا يرى شيئاً على ما هو به، فيقدم على الهلاك البين وهو يراه عين النجاة {ويهدي من يشاء} فلا يشكل عليه أمر ولا يفعل إلإ حسناً. ولما كان المحب من يرضى بفعل حبيبه، سبب عن ذلك النهي لأكمل خلقه عن الغم بسبب ضلالهم في قوله: {فلا} والأحسن أن يقدر المشبه به هنا فيكون المعنى: أفمن غير فعل القبيح فاعتقده حسناً لأن الله أضله بسبب أن الله هو المتصرف في القلوب كمن بصره الله بالحقائق؟ ولما كان الجواب: لا، ليس هما سواء سبب عنه قولاً: فلا {تذهب} أي بالموت أو ما يقرب منه {نفسك عليهم} أي بسبب ما هو فيه من العمى عن الجليات {حسرات} أي لأجل حسراتك المترادفة لأجل إعراضهم، جمع حسرة وهي شدة الحزن على ما فات من الأمر. ولما كان كأنه قيل: إنهم يؤذون أولياءك فيشتد أذاهم، وكان علم الولي القادر بما يعمل عدوه كافياً في النصرة، قال: {إن الله} أي المحيط بجميع أوصاف الكمال {عليم} أي بالغ العلم، وأكده تنبيهاً على أن المقام صعب، ومن لم يثبت نفسه بغاية جهده زل لطول إملائه تعالى لهم وحلمه عنهم {بما يصنعون *} أي مما مرنوا عليه وانطبعوا فيه من ذلك حتى صار لهم خلقاً يبعد كل البعد انفكاكهم عنه. ولما أخبر تعالى أنه لا بد من إيجاد ما وعد به من البعث وغيره، وحذر كل التحذير من التهاون بأمره، وأنكر التسوية بين المصدق به والمكذب، وكان السبب في الضلال المميت للقلوب الهوى الذي يغشى سماء العقل ويعلوه بسحابه المظلم فيحول بينه وبين النفوذ، وكان السبب في السحاب المغطي لسماء الأرض المحيي لميت الحبوب الهوى، وكان الإتيان به في وقت دون آخر دالاً على القدرة بالاختيار، قال عاطفاً على جملة {إن وعد الله حق} المبني على النظر، وهو الإخراج من العدم مبيناً لقدرته على ما وعد به: {والله} أي الذي له صفات الكمال لا شيء غيره من طبيعة ولا غيرها {الذي} ولما كان المراد الإيجاد من العدم، عبر بالماضي مسنداً إليه لأنه الفاعل الحقيقي فقال: {أرسل الرياح} أي أوجدها من العدم مضطربة فيها، أهلية الاضطراب والسير ليصرفها كيف شاء لا ثابتة كالأرض، وأسكنها ما بين الخافقين لصلاح مكان الأرض. ولما كانت إثارتها تتجدد كلما أراد أن يسقي أرضاً، قال مسنداً إلى الرياح لأنها السبب، معبراً بالمضارع حكاية للحال لتستحضر تلك الصورة البديعة الدالة على تمام القدرة، وهكذا تفعل العرب فيما فيه غرابة تنبيهاً للسامع على ذلك وحثّاً له على تدبره وتصوره: {فتثير} أي بتحريكه لها إذا أراد {سحاباً} أي أنه أجرى سبحانه سنته أن تظهر حكمته بالتدريج. ولما كان المراد الاستدلال على القدرة على البعث، وكان التعبير بالمضارع يرد التعنت، عبر بالمضارع. ولما كان سوق السحاب إلى بلد دون آخر وسقيه لمكان دون مكان من العظمة بمكان، التفت على الغيبة وجعله في مظهر العظمة فقال: {فسقناه} أي السحاب معبراً بالماضي تنبيهاً على أن كل سوق كان بعد إثارتها في الماضي والمستقبل منه وحده أو بواسطة من أقامة لذلك من جنده من الملائكة أو غيرهم، لا من غيره، ودل على أنه فرق بين البعد والقرب بحرف الغاية فقال: {إلى بلد ميت}. ولما كان السبب في الحياة هو السحاب بما ينشأ عنه من الماء قال: {فأحيينا به الأرض} ولما كان المراد إرشادهم إلى القدرة على البعث الذي هم به مكذبون، قال رافعاً للمجاز بكل تقدير وموضحاً كل الإيضاح للتصوير: {بعد موتها} ولما أوصل الأمر إلى غايته، زاد في التنبيه على نعمة الإيجاد الثاني بقوله: {كذلك} أي مثل الإحياء لميت النبات {النشور *} حسّاً للأموات، ومعنى للقلوب والنبات، قال القشيري: إذا أراد إحياء قلب يرسل أولاً رياح الرجاء، ويزعج بها كوامن الإرادة، ثم ينشىء فيه سحاب الاهتياج، ولوعة الانزعاج، ثم يأتي مطر الحق فينبت في القلب أزهار البسط وأنوار الروح، ويطيب لصاحبه العيش إلى أن تتم لطائف الإنس.
القشيري
تفسير : الذين كفروا لهم عذابٌ مُعَجَّلٌ وعذابٌ مُؤَجَّلٌ، فَمُعَجَّلُه تفرقةُ قلوبهم وانسداد بصائرهم ووقاحة هِمَّتِهم حتى أنهم يرضون بأن يكون الصنمُ معبودَهم. وأمَّا عذاب الآخرة فهو ما لا تخفى على مسلم - على الجملة - صعوبتُه. وأَمَّا {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} فلهم مغفرةٌ أي سَتْرٌ لذنوبهم اليومَ، ولولا ذلك لافتضحوا، ولولا ذلك لَهَلَكُوا. {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}: والأجرُ الكبيرُ اليومَ سهولةُ العبادةِ ودوامُ المعرفة، وما يناله في القلب من زوائد اليقين وخصائص الأحوال. وفي الآخرة: تحقيقُ السُّؤْلِ ونَيْلُ ما فوق المأمول.
اسماعيل حقي
تفسير : {الذين كفروا} اى ثبتوا على الكفر بما وجب به الايمان واصروا عليه {لهم} بسبب كفرهم واجابتهم لدعوة الشيطان {عذاب شديد} معجل ومؤجل. فمعجله تفرقة قلوبهم وانسداد بصائرهم وخساسة همتهم حتى انهم يرضون بان يكون معبودهم الاصنام والهوى والدنيا والشيطان. ومؤجلة عذاب الآخرة وهو مما لا تخفى شدته وصعوبته {والذين آمنوا} ثبتوا على الايمان واليقين {وعملوا الصالحات} اى الطاعات الخالصة لله تحصيلا لزيادة نور الايمان {لهم} بسبب ايمانهم وعملهم الصالح الذى من جملته عداوة الشيطان {مغفرة} عظيمة وهى فى المعجل ستر ذنوبهم ولولا ذلك لافتضحوا وفى المؤجل محوها من ديوانهم ولولا ذلك لهلكوا {واجر كبير} لا غاية له وهو اليوم سهولة العبادة ودوام المعرفة وما يناله فى قلبه من زوائد اليقين وخصائص الاحوال وانواع المواهب وفى الآخرة تحقيق المسؤل ونيل ما فوق المأمول. قيل مثل الصالحين ومازينهم الله به دون غيرهم مثل جند قال لهم الملك تزينوا للعرض علىّ غدا فمن كانت زينته احسن كانت منزلته عندى ارفع ثم يرسل الملك فى السر بزينة عنده ليس عند الجند مثلها الى خواص مملكته واهل محبته فاذا تزينوا بزينة الملك فخروا على سائر الجند عند العرض على الملك فالله تعالى وفقهم للاعمال الصالحة وزينهم بالطاعات الخالصة وحلاهم بالتوجهات الصافية بتوفيقه الخاص قصدا الى الاصطفاء والاختصاص فميزهم بها فى الدنيا عن سائرهم وباجورها العظيمة فى الآخرة لمفاخرهم فليحمد الله كثيرا من استخدمه الله واستعمله فى طريق طاعته وعبادته فان طريق الخدمة قلّ من يسلكه خصوصا فى هذا الزمان وسبيل العشق ندر من يشرع فيها من الاخوان: قال الحافظ شعر : نشان اهل خدا عاشقيست باخود دار كه در مشايخ شهر اين نشان نمى بينم تفسير : ولله عباد لهم قلوب الهموم عمارتها والاحزان اوطانها والعشق والمحبة قصورها وبروجها شعر : احبك حبين حب الهوى وحبا لانك اهل لذاكا فاما الذى هو حب الهوى فذكر شغلت به عن سواكا واما الذى انت اهل له فكشفك للحجب حتى اراكا ولا حمد فى ذا ولا ذاك لى ولكن لك الحمد فى ذا وذاكا تفسير : نسأل الله سبحانه ان يعمر قلوبنا بانواع العمارات ويزين بيوت بواطننا باصناف الارادات ويحشرنا مع خواص عباده الذين لهم اجر كبير وثواب جزيل ويشرفنا بمطالعة انوار وجهه الجميل انه المرجو فى الاول والآخر والباطن والظاهر
الجنابذي
تفسير : {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ} جوابٌ لسؤالٍ مقدّرٍ كأنّه قيل: فما حال حزبه؟- فقال: {لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} ووضع الظّاهر موضع المضمر ليكون اشارة الى انّ حزبه كافرون ولكفرهم صاروا من اصحاب السّعير {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} بالكفر به والبيعة مع ولىّ امره البيعة الخاصّة او العامّة {وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ} بالبيعة الخاصّة ان كان المراد بالايمان البيعة الاسلاميّة او بالعمل بالشّروط المأخوذة عليه فى بيعته ان كان المراد بالايمان البيعة الخاصّة {لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ أَفَمَن زُيِّنَ} عطف على محذوفٍ تقديره امن اتّبع الشّيطان ولم ير قبح - عمله كمن اتّبع ولىّ امره ورأى قبائح اعماله ونقائصها فمن زيّن {لَهُ سُوۤءَ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً} فضلاً عن رؤية قبحه كمن لم يزيّن عمله بل رأى اعماله الحسنة قبيحةً فى حضرة مولاه {فَإِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ} تعليل لقوله زيّن كأنّه قيل: زيّن لاتباع الشّيطان عملهم وقبّح لاتباع الرّحمان اعمالهم لانّ الله يضلّ عن الطّريق المستوى الّذى هو عدم رؤية حسن العمل المنسوب الى النّفس {وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ} الى الطّريق المستقيم الّذى هو رؤية النّقص والقبح من العمل المنسوب الى النّفس كائناً ما كان اذا كان الامر كذلك {فَلاَ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} فلا تهلك نفسك للتتابع الحسرات لاجل اتّباعهم للشّيطان {إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} تعليل للنّهى.
اطفيش
تفسير : {الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير} هو الجنة دون الذين كفروا وعصوا فلا مطمع لهم في ذلك كما افصح به قوله. {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا} او كاد يفصح والخبر محذوف اي كمن لم يزين له العمل السوء ووفق فتركه الى ما امر الله به او كمن هداه الله ودل على المحذوف قوله. {فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} وكأنه لما قال له ربه عز وجل افمن زين له سوء عمله فراه حسنا أي كمن لم زين له قال لا فقال له هذا ما قضى الله عليهم فان الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء. وقال الزجاج تقدير الخبر ذهبت نفسك عليهم حسرات دل عليه فان الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء وقيل دل عليه فلا تذهب نفسك عليهم حسرات والفاء في قراءة وفي فان الله وفي فلا تذهب للسببية لكنها في الاول والثاني دخلت على السبب وفي الثالث على المسبب كذا قال القاضي والحق انها في الاول داخلة على المسبب بالميم كما في الثالث وقرىء بضم التاء تذهب وكسر الهاء ونصب النفس وعليهم متعلق بحسرات ولو كان مصدر لان الظروف يتسهل فيها ولا سيما ان هذا المصدر لا ينحل الى الفعل وحرف المصدر ومختار ابن هشام في المصدر لا ينحل الى الفعل وحرف المصدر ومختار ابن هشام في المصدر الذي ينحل انه يجوز تقديم معموله واجازه بعض في الظروف ولو لا ينحل ومنعه بعض مطلقا ويجوز تعليق عليهم بتذهب على ان على للتعليل وحسرات جمع حسرة وهي التلهف مفعول لاجله او حال من نفس مبالغة كأن نفسه صارت نفس الحسرات لكثرة تلهفه وحرصه على ايمانهم وانما جمع لفظ الحسرة لزيادة الدلالة على مضاعفة اغتمامه على عدم ايمانهم وللدلالة على كثرة افعالهم المقضية للتحسر عليهم واذا لم يتعلق على بحسرات قدر له متعلق اي حسرات على ضلالهم وان علق عليهم بمحذوف حال من حسرات اعني عن تقدير المتعلق والآية نهي له صلى الله عليه وسلم عن الاهتمام بأمرهم. {إن الله عليم بما يصنعون} فيجازيهم وهذا تهديد لهم على سوء صنيعهم.
اطفيش
تفسير : {الَّذيَن كفرُوا} مبتدأ خبره قوله: {لهُم عذابٌ} عظيم بطول المدة بلا نهاية {شَديدٌ} لا بدل من حزب ولا نعت له، ولا بدل من واو يكونوا، ولا نعت لأصحاب، ولا بدل له البقاء قوله: "لهم عذاب شديد" متعطلا فيتكلف بجعله حالا، وفى إبداله من أصحاب حصر، لأنه يصير الى قولك: ليكونوا الذين كفروا، وليس المراد الحصر فيتكلف له، بأن المبدل قد لا يكون فى نية الطرح، ولفوت الازدواج مع قوله: {والَّذينَ آمنُوا وعَملُوا الصالحات لهُم مغْفرةٌ} عظيمة أو كبيرة، ويجوز جعل كبير نعتا للأجر وللمغفرة كقوله تعالى: "أية : والملائكة بعد ذلك ظهير" تفسير : [التحريم: 4] فى أحد الأوجه {وأجْرٌ كَبيرٌ} كماً وكيفاً.
الالوسي
تفسير : {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ } بسبب كفرهم وإجابتهم لدعوة الشيطان واتباعهم لخطواته، ولعل تنكير {عَذَابِ } لتعظيمه بحسب المدة فكأنه قيل: لهم عذاب دائم شديد {وَٱلَّذِينَ ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ } عظيمة {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ } لا غاية لهما بسبب ما ذكر من الإيمان والعمل الصالح، و {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } مبتدأ خبره {لَهُمْ عَذَابَ } وكذا {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ} و{لَهُم مَّغْفِرَةٌ} الخ، وجوز بعضهم كون {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ } في موضع خفض بدلاً من {أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ } أو صفة له أو في موضع نصب بدلاً من {حِزْبَهُ } أو صفة له أو في موضع رفع بدلاً من ضمير {لّيَكُونُواْ } والكل مفوت لجزالة التركيب كما لا يخفى على الأريب.
ابن عاشور
تفسير : استئناف ابتدائي يفيد مفاد الفذلكة والاستنتاج مما تقدم. وهذا الاستئناف يومىء إلى أن الذين كفروا هم حزب الشيطان لأنه لما ذكر أن حزبه من أصحاب السعير وحكم هنا بأن الذين كفروا لهم عذاب شديد علم أن الذين كفروا من أصحاب السعير إذ هو العذاب الشديد فعلم أنهم حزب الشيطان بطريقة قياس مطويّ، فالذين كفروا هم حزب الشيطان لعكوفهم على متابعته وإن لم يُعلنوا ذلك لاقتناعه منهم بملازمة ما يمليه عليهم. وأما المؤمنون العصاة فليسوا من حزبه لأنهم يعلمون كيده ولكنهم يتبعون بعض وسوسته بدافع الشهوات وهم مع ذلك يلعنونه ويتبرأون منه. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع « حديث : إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه ولكنه قد رضي منكم بما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم » تفسير : . وذكر {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} تتميم بأن الذين لم يكونوا من حزبه قد فازوا بالخيرات. وقد أشارت الآية إلى طرفين في الضلال والاهتداء وطوت ما بين ذينك من المراتب ليُعلم أن ما بين ذلك ينالهم نصيبهم من أشبه أحوالهم بأحوال أحد الفريقين على عادة القرآن في وضع المسلم بين الخوف والرجاء، والأمل والرهبة.
د. أسعد حومد
تفسير : {آمَنُواْ} {ٱلصَّالِحَاتِ} (7) - والذينَ كَفَرُوا باللهِ وَرُسُلِهِ وَأَطَاعُوا الشَّيطَانَ، وَعَصَوْا الرَّحْمَنَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ يومَ القِيَامَةِ، أَمّا الذِينَ آمنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ، وَعَمِلُوا الأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ التِي تُرْضِي اللهِ، فَإِنَّ اللهَ يَعِدُهُمْ بِأَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ وَيُثِيبَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الثَّوَابَ العَظِيمِ.
خواطر محمد متولي الشعراوي
تفسير : بعد أن ذكر الحق سبحانه حزبَ الشيطان يذكر الحكم عليه {ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [فاطر: 7] وفي المقابل {وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [فاطر: 7]: ثم يقول الحق سبحانه: {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوۤءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً...}.
0 notes
You really want to permanently delete (AR) Bookmark (AR): Bookmark name here (AR)
Your opinion matters to us. Help us in understanding the issue by submitting the below form (AR):